النص المفهرس
صفحات 341-360
وقال سيبوبه وأكثر النحويين: لا يجوز إظهار الضمير مع وجود الفاعل الظاهر، ويتأولون
هذا وأمثاله، ولا يرفعون الاسم الظاهر ((ملائكة)) على أنه فاعل الفعل المذكور، ويجعلون
الضمير هو الفاعل، ويقدرون له ما يعود عليه، نحو: ((لله ملائكة يتعاقبون فيكم)) و((ملائكة))
المذكورة بعد الفعل إما بدل من الضمير وإما خبر لمبتدأ محذوف، والجملة بيان، كأن قيل:
من هم؟ فقيل: هم ملائكة بالليل، إلخ.
ولكل من المذهبين وجهة نظر سليمة، فالأولون على لغة للحارث، وهى لغة فاشية، قال القرطبى:
ولها وجه فى القياس صحيح، والآخرون تؤيدهم روايتنا الثانية ((والملائكة يتعاقبون فيكم)) ... إلخ،
ورواية النسائى ((إن الملائكة يتعاقبون فيكم))، ورواية البخارى فى بدء الخلق ((الملائكة يتعاقبون
ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)» ... إلخ.
ومعنى ((يتعاقبون)) تأتى طائفة عقيب طائفة ثم تعود الأولى عقب الثانية. قال ابن عبد البر:
وإنما يكون التعاقب بين طائفتين أو رجلين، ومنه تعقيب الجيوش بأن يجهز الأمير بعثا إلى مدة ثم
يأذن لهم فى الرجوع بعد أن يجهز غيرهم إلى مدة ثم يأذن لهم فى الرجوع بعد أن يجهز الأولين.
والخطاب فى ((فيكم)) للمصلين، وقيل: مطلق المؤمنين، والأول أوضح وأقرب، والتذكير فى
((ملائكة)) للدلالة على أن الثانية غير الأولى، فإن النكرة إذا أعيدت نكرة كانت الثانية غير الأولى،
بخلاف ما إذا أعيدت المعرفة معرفة كانت عين الأولى غالباً - ولذا ورد فى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ مَعَ
الْعُسْرِيُسْرَا﴾ إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرَا﴾ [الشرح: ٦،٥] قوله صلى الله عليه وسلم.(( لن يغلب عسر يسرين)).
( ويجتمعون فى صلاة الفجر وصلاة العصر) قال الزين بن المنير: التعاقب مغاير
للإجتماع، لكن ذلك منزل على حالين، فالتعاقب وحلول جماعة مكان جماعة يكون بعد اجتماعهم.
( ثم يعرج الذين يأتون فيكم ) يقال: عرج من باب نصر، والعروج الصعود، ويقال: عرج يعرج
عرجانا إذا عجز عن شيء أصابه، وعرج تعريجاً إذا قام.
( فيسألهم ربهم ) سؤال استنطاق وإقرار.
( تركناهم وهم يصلون وأتيناهم وهم يصلون) جملة ((وهم يصلون)) حال، وكان الترتيب
الطبيعى أن يخبروا عن حالة الإتيان ثم عن حالة الترك لكنهم لم يراعوا الترتيب الوقوعى لأنهم
طابقوا السؤال: كيف تركتم عبادي؟ فقدموا الجواب المطلوب ثم زادوا عليه، قال الحافظ ابن حجر:
ولأن المخبر به صلاة العباد، والأعمال بخواتيمها، فناسب ذلك إخبارهم عن آخر عملهم قبل أوله. اهـ
وحاصل الجواب أن حالة الترك قدمت للاهتمام بها.
( كنا جلوسا ... إذ نظر إلى القمرليلة البدر) يحتمل أن ((ليلة البدر)» تنازعها كل من «كنا
جلوساً)) و((إذا نظر)) أى: كنا جلوسا ليلة البدر إذا نظر إلى القمر ليلة البدر.
( كما ترون هذا القمر) أى: ترونه رؤية محققة لا شك فيها ولا مشقة، كما ترون هذا القمر
رؤية محققة بلا مشقة، فهو تشبيه للرؤية بالرؤية، لا المرئى بالمرئی.
(لاتضامون فى رؤيته) ((تضامون)) روى بتشديد الميم مع فتح التاء، وأصله ((تتضامون))
٣٤١
بتاءين حذفت إحداهما، من الضم، أى لا تتزاحمون عند رؤيته، بل كل واحد منكم وادع مكانه لاينازعه
فى رؤيته أحد، وروى بتخفيف الميم مع ضم التاء، من الضيم وهو الغلبة على الحق والاستبداد به،
والمعنى لا يضيم بعضكم بعضاً فى رؤيته، ولا يلحقكم ضيم ولا مشقة ولا تعب.
( فإن استطعتم أن لا تغلبوا ) بلفظ المبنى للمجهول، و((أن)) مصدرية والتقدير: فإن
استطعتم عدم غلبة النوم والمشاغل لكم، وجواب ((إن)) محذوف للعلم به، وقد ذكر فى رواية البخارى
بلفظ «فافعلوا)» أى: الصلاة فى هذين الوقتين.
( ثم قرأ جرير) الصحابى - فهو مدرج - وفى جميع روايات البخارى ((ثم قرأ)) بإبهام الفاعل،
فحمله بعض الشراح على أنه النبى 8*، والأولى ما ذكر فيها الفاعل.
( من صلى البردين ) بفتح الباء وسكون الراء تثنية ((برد)) بفتح الباء وسكون الراء، والمراد
بهما صلاة الفجر والعصر، وسميا بذلك لأنهما يصليان فى بردى النهار، أى طرفاه، قاله الخطابى.
فقه الحديث
ذهب أكثر العلماء إلى أن هؤلاء الملائكة هم الحفظة الذين يكتبون أعمال العباد
فسؤاله لهم عما أمرهم به من حفظهم لأعمالهم وكتبهم إياها عليهم، وقال القاضى عياض:
وقيل يحتمل أن يكونوا غير الحفظة، فسؤاله لهم إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال
﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]؟ وأنه ظهر لهم ماسبق فى علمه
بقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾.
وقال القرطبى: وهذه حكمة اجتماعهم فى هاتين الصلاتين، أو يكون سؤاله لهم استدعاء
لشهادتهم لهم، ولذلك قالوا: ((تركناهم وهو يصلون وأتيناهم وهم يصلون)» قال: وهذا من خفى لطفه
وجميل ستره، إذ لم يطلعهم إلا على حال عباداتهم، ولم يطلعهم على حالة شهواتهم وما يشبهها، اهـ
وهذا القول يصح مع من قال: إنهم غير الحفظة، لأن الحفظة يطلعون على أحوالهم كلها، اللهم إلا أن
تكون الحفظة غير الكاتبين.
وقد فهم بعضهم من الرواية الأولى من قوله: ((ثم يعرج الذين باتوا فيكم)» أن العروج خاص بملائكة
الليل، دون ملائكة النهار، وحاول بعضهم أن يجعل المبيت للفرقتين وأن العروج فى صلاة الفجر، وأن
النزول فى الصلاتين، قال: وفيه التعاقب. قال: وصورته أن تنزل طائفة عند العصر وتبيت، ثم تنزل
طائفة ثانية عند الفجر، فيجتمع الطائفتان فى صلاة الفجر، ثم يعرج الذين بأتوا فقط ويستمر الذين
نزلوا وقت الفجر إلى العصر، فتنزل الطائفة الأخرى، فيحصل اجتماعهم عند العصر أيضا، ولا يصعد
منهم أحد، بل تبيت الطائفتان أيضا، ثم تعرج إحدى الطائفتين ويستمر ذلك فتصبح صورة التعاقب
مع اختصاص النزول بالعصر، والعروج بالفجر، فلهذا خص السؤال بالذين باتوا، قاله فى الفتح. وهو
غير مستقيم لأن:
٣٤٢
١- قوله: ((وأما النزول فيقع فى الصلاتين معا)) يتناقض مع قوله: ((مع اختصاص النزول بالعصر
والعروج بالفجر)».
٢- ولأن الصورة التى صورها تجعل الفرقتين يبيتون، فيصدق عليهم جميعاً ((ثم يعرج الذين باتوا
فيكم» وليس على إحداهما.
٣- ولأن الصورة التى صورها لا يصدق عليها قوله: ((ويجتمعون فى صلاة الفجر وصلاة العصر)) لأنهم
والحالة هذه يجتمعون فى صلاة العصر ويستمر اجتماعهم إلى صلاة الفجر.
٤- ولأن الصورة التى صورها لا يصدق عليها قوله: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار» بل
يصدق على الجميع ملائكة الليل، أو ملائكة النهار أو ملائكة الليل والنهار، لأن كل فرقة ستنزل
العصر وتصعد فجر اليوم الثانى.
وقال الكرمانى: فإن قلت: ما وجه التخصيص بالذين باتوا وترك الذين ظلوا؟ قلت: إما للاكتفاء
بذكر أحدهما عن الآخر كقوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمْ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] وإما لأن الليل مظنة المعصية
ومظنة الاستراحة، فلما لم يعصوا واشتغلوا بالطاعة فالنهار أولى بذلك. اهـ ومعنى كلام الكرمانى أن
العروج يحصل من الفرقتين على الرأى الأول، وأنه يحصل من الذين باتوا دون الذين ظلوا على الرأى
الثانى للعلة التى ذكرها وهى أن العروج والسؤال عن الحالة الأصعب، ومنها يعلم أمر الحالة الأسهل،
ويمكن أن يكون ما ذكره الكرمانى على أنه رأى ثان يمكن أن يكون تتميماً للرأى الأول، ففى الحديث
اكتفاء، وخص فى الاكتفاء هذا الجانب بالذكر دون الآخر للعلة التى ذكرها، وهى القياس بالأولى وقد
جاء مصرحاً بعروج كل من ملائكة الليل والنهار وسؤالهم فى رواية ابن خزيمة، ولفظها عن أبى هريرة
أن رسول الله # قال: ((تجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار فى صلاة الفجر وصلاة العصر،
فيجتمعون فى صلاة الفجر فتصعد ملائكة الليل، وتثبت ملائكة النهار، ويجتمعون فى صلاة العصر،
فتصعد ملائكة النهار، وتثبت ملائكة الليل، فيسألهم ربهم: كيف تركتم عبادى؟)) الحديث. فلا حاجة
إلى التكلف فى تصوير الصورة التى صورت فى الفتح. والله أعلم.
ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم
١- أن الصلاة أعلى العبادات، لأنه عليها وقع السؤال والجواب، قال الحافظ ابن حجر: قوله
((تركناهم وهم يصلون)) ظاهره أنهم فارقوهم عند شروعهم فى العصر، سواء تمت أو منع مانع من
إتمامها، وسواء شرع الجميع فيها أم لا، لأن المنتظر فى حكم المصلى. وقال ابن التين؛ لا يلزم
أنهم فارقوهم قبل انقضاء الصلاة فلم يشهدوها معهم، إذ هو محمول على أنهم شهدوا الصلاة مع
من صلاها فى أول وقتها، وشهدوا من دخل فيها بعد ذلك، ومن شرع فى أسبابها. اهـ
وقال ابن عبد البر: الأظهر أنهم يشهدون معهم الصلاة فى الجماعة. اهـ وما قاله غير ظاهر فإن
اللفظ محتمل للجماعة وغيرها، وإن كان فضل الجماعة معلوما، بل ظاهر الحديث يتناول من
صلاهما ولو مفرداً إذ مقتضاه التحريض على فعلهما أعم من كونه جماعة أو لا. قاله فى الفتح
٢- استدل بعض الحنفية بقوله: ((ثم يعرج الذين بأتوا فيكم)) على استحباب تأخير صلاة العصر،
وبيان ذلك أن الذين باتوا ((هم الذين نزلوا عصرا وأدركوا صلاة العصر، وإطلاق المبيت عليهم
٣٤٣
يقتضى نزولهم قرب المبيت، ورد بأن اسم المبيت يصدق عليهم ولو تقدمت إقامتهم قطعة من
النهار قبل إقامتهم بالليل، وقالوا: إن صعود ملائكة النهار عند صلاة العصر يقتضى أنهم قضوا
النهار قبل الصعود، وذلك يتحقق بتأخير صلاة العصر إلى آخر النهار، ورد بأن الحديث ليس فيه
ما يقتضى أنهم لا يصعدون إلا ساعة الفراغ من الصلاة، بل جائز أن تفرغ الصلاة ويتأخروا بعد
ذلك إلى آخر النهار، ولا مانع أيضاً من أن تصعد ملائكة النهار وبعض النهار باق، ويطلق عليهم
ملائكة النهار لأنهم أقاموا أكثر النهار وأغلبه. والله أعلم.
٣- وفى الحديث إشارة إلى عظم هاتين الصلاتين، لما فيهما من المشاق ومن التكاسل والتشاغل،
ومن حافظ عليهما حافظ على غيرهما بالأولى غالباً.
٤- وفيه إشارة إلى فضل هذين الوقتين، لكونهما تجتمع فيهما الطائفتان وفى غيرهما طائفة واحدة.
٥- وفيه إشارة إلى تشريف هذه الأمة على غيرها، ويلزم من ذلك تشريف نبينا على غيره من الأنبياء
عليهم السلام.
٦- وفيه الإيذان بأن الملائكة تحب هذه الأمة لتزداد حبالهم، ولتزداد تقرباً إلى اللَّه ليزدادوا حبالنا.
٧- وفيه الدلالة على أن اللَّه تعالى يتكلم مع ملائكته.
٨- وفيه الإخبار بالغيب، ويترتب عليه زيادة الإيمان.
٩- وفيه الإخبار بأن الملائكة تضبط أحوالنا حتى نتيقظ ونتحفظ فى الأوامر والنواهى.
١٠ - ويؤخذ من الرواية الثالثة إثبات رؤية المؤمنين للَّه تعالى فى الآخرة قال العينى: استدل بهذا
الحديث وأمثاله وبالقرآن وإجماع الصحابة ومن بعدهم على إثبات رؤية الله فى الآخرة
للمؤمنين، وقد روى أحاديث الرؤية أكثر من عشرين صحابيًا، ومنع من ذلك المعتزلة والخوارج
وبعض المرجئة.اهـ. وقد بسطنا القول فى هذا الموضوع فى الجزء الثانى من هذا الكتاب.
١١ - ظاهر الرواية الرابعة والخامسة تحريم النار على من حافظ على صلاة الفجر والعصر، وإن ارتكب
المحرمات، وظاهر الرواية السادسة أن من حافظ عليهما دخل الجنة وإن عصى ولم يفعل
غيرهما.
وهذا الظاهر غير مراد، لأن الكلام خرج مخرج الغالب، لأن الغالب أن من صلاهما ورعاهما انتهى
عما ينافيهما من فحشاء ومنكر، لأن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر.
والله أعلم
٣٤٤
(٢٣١) باب بيان أن أول وقت المغرب عند غروب الشمس
١٢٣١ - ٢١٦ عَنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ(٢١٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ كَانَ يُصِّلِّي الْمَغْرِبَ إِذَا غَرَبَتْ
الشَّمْسُ وَتَوَارَتْ بِالْحِجَابِ
١٢٣٢ - ٢١٧ عَنِ رَافِعٍ بْنِ خَدِيجٍ ◌َُ(٢١٧) قَالَ: كُنَّا نُصِّلْي الْمَغْرِبَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِع ◌َلِ
فَيَنْصَرِفُ أَحَدْنَا وَإِنَّهُ لَيْصِرُ مَوَاقِعَ نَيْلِهِ.
١٢٣٣ - - عَنِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ ﴾(١١) قَالَ: «كُنَّا نُصَلِّي الْمَغْرِبَ» بِنَحْوِهِ.
المعنى العام
لا خلاف بين العلماء فى استحباب تعجيل صلاة المغرب بحيث تقع عقيب غروب الشمس
وتوارى جميع جسمها فى الأفق، وذلك حيث لا غيم يعمى على المرء غروبها، وبالأحرى يسن التعجيل
بصلاة المغرب بمجرد تيقن غياب قرص الشمس جميعه، وهو الوقت الذى يباح فيه الفطر للصائم، ولا
يقال إن الصائم يسن له التعجيل بالفطر فيتعارض مع استحباب التعجيل بصلاة المغرب، لأنا نقول
أن بالإمكان الجمع بين التعجيلين، فيأخذ عجالة من فطره ثم يصلى ثم يعود لفطوره، وبذلك يأتى
بالسنة فى كل منهما. والله أعلم.
المباحث العربية
( إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب ) قال النووى: اللفظان بمعنى وأحد هما تفسير
للآخر. اهـ أى توارت بما يحجبها، وهو الأفق، وهذا اللفظ أصرح فى المراد من رواية عبد ابن حميد
بلفظ ((كان يصلى المغرب ساعة تغرب الشمس، حين يغيب حاجبها))، والمراد قطعاً حاجبها الذى
يبقى بعد أن يغيب أكثرها، وحاجب الشمس وإن كان يطلق على نواحيها إلا أنه أظهر فى طرفها
الأعلى لأنه أول ما يبدو كحاجب الإنسان.
( ليبصر مواقع نبله ) النبل هو السهم يخرج عن القوس، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه،
(٢١٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدََّا حَاتِمٌ (وَهُوَ ابْنُ إِسْمَعِيلَ) عَنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ عَنِ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ
(٢١٧) وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيَدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي أَبْوِ النَّجَاشِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ رَافِعَ بْنٍ خَدِيجٍ
(١٠) وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَخْبَرَنَا شُعَيْبُ بَّنُ إِسْحَقَ الدِّمَشْقِيُّ حَدَّثَنَا الْأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَيِي أَبُوَ النَّجَاشِيّ
حَدََّنِي رَافَعُ بْنُ خَدِیجٍ
٣٤٥
وقيل: واحده نبلة كتمر وتمرة، أى يرمى أحدنا النبل عن القوس فيندفع النبل مسافة ثم يسقط، فيراه
صاحبه بعد سقوطه، ولا يكون ذلك إلا مع بقاء الضوء، وفى رواية أحمد ((فما يخفى علينا مواقع
سهامنا )».
فقه الحديث
قال النووي: فى هذين الحديثين أن صلاة المغرب تعجل عقب غروب الشمس، وهذا مجمع عليه،
وقد حكى عن الشيعة فيه شيء لا التفات إليه، ولا أصل له، وأما الأحاديث السابقة فى تأخير المغرب
إلى قريب سقوط الشفق فكانت لبيان جواز التأخير، كما سبق إيضاحه، فإنها كانت جواب سائل
عن الوقت، وهذان الحديثان إخبار عن عادة رسول اللّه * المتكررة التى واظب عليها إلا لعذر،
فالاعتماد عليها،اهـ
وفى معنى الحديثين وردت أحاديث كثيرة منها ما رواه أبو داود عن كعب ابن مالك ((كان النبى
* يصلى المغرب ثم يرجع الناس إلى أهليهم ببنى سلمة وهم يبصرون موقع النبل حين يرمى بها ».
وعند الشافعى عن إبراهيم ((ثم نخرج نتناضل حتى ندخل بيوت بنى سلمة فننظر مواقع النبل من
إسفار)) أى من الضوء، ومساكن بنى سلمة فى عوالى المدينة على نحو ميلين من المسجد النبوى.
وعند النسائى عن رجل من أسلم ((أنهم كانوا يصلون مع النبى ول المغرب ثم يرجعون إلى أهليهم
إلى أقصى المدينة، ثم يرمون فيبصرون مواقع نبلهم)).
وعند الطبرانى من حديث زيد بن خالد ((كنا نصلى مع النبى 8 المغرب، ثم ننصرف حتى نأتى
السوق وإنا لنرى مواضع النبل».
والله أعلم
٣٤٦
(٢٣٢) باب وقت العشاء وتأخيرها
١٢٣٤ - ٢١٨ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٢١٨) زَوْجَ النَّبِيِّنَ﴿ قَالَتْ: أَعْتَمَ رَسُولُ اللَّهَِ
لَيْلَةٌ مِنْ اللَّيَّالِي بِصَلاةِ الْعِشَاءِ. وَهِيَ الَّتِي تُدْعَى الْعَثَمَةَ. فَلَمْ يَخْرُجْ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ حَتَّى قَالَ
عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نَامَ النِّسَاءُ وَالصِّنْيَانُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿َ، فَقَالَ: لأَهْلِ الْمَسْجِدِ حِينَ
خَرَجَ عَلَيْهِمْ «مَا يَنْتَظِرُهَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ غَيْرُكُمْ)» وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الإِسْلامُ فِي
النّاسِ. زَادَ حَرْمَلَةُ فِي رِوَايَتِهِ: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَذُكِرَ لِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ قَالَ «وَمَا كَان
لَكُمْ أَنْ تَنْزُرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﴿ عَلَى الصَّلاةِ» وَذَاكَ حِينَ صَاحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ.
١٢٣٥ - ٩ ٢١ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٢١٩) قَالَتْ: أَغْتَمَ الْبِيُّ ◌َ﴿ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى ذَهَبَ
عَامَّةُ اللَّيْلِ وَحَتَّى نَامَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ، ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى، فَقَالَ «إِنّهُ لَوَقْتُهَا، لَوْلا أَنْ أَشُقَّ عَلَى
أُمَّتِي» وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّرَّاقِ «لَوْلا أَنَّ يَشُقَّ عَلَى أُمَّنِي».
١٢٣٦ - ٣٣٠ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٢٢٠) قَالَ مَكَثْنَا ذَاتَ لَيْلَةٍ
نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ْ لِصَلاةِ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ فَخَرَجَ إِلَيْنَا حِينَ ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ
بَعْدَهُ فَلا نَدْرِي أَشَيْءٌ شَغَلَهُ فِي أَهْلِهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ فَقَالَ حِينَ خَرَجَ «إِنَّكُمْ لَتَنْتَظِرُون
صَلاةٌ مَا يَنْتَظِرُهَا أَهْلُ دِينٍ غَيْرُكُمْ وَلَوْلا أَنْ يَثْقُلَ عَلَى أُمَّتِي لَصَلَّيْتُ بِهِمْ هَذِهِ
السَّاعَةَ» ثُمَّ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلاةَ وَصَلَّى.
١٢٣٧ - ٢٢١ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٢٢١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿َ شُغِلَ عَنْهَا لَيْلَةٌ
فَأَخْرَهَا حَتَّى رَقَدْنَا فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ رَقَدْنَا ثُمَّ اسْتَيْقَظْنَا ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ
◌َ ثُمَّ قَالَ «لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الأَرْضِ اللَّيْلَةَ يَنْتَظِرُ الصَّلاةَ غَيْرُكُمْ».
(٢١٨) وَحَدَّثَا عَمْرُو بْنُ سَوَّدٍ الْعَامِرِيُّ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى قَالا أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِي يُونُسُ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْرَهُ قَالَ أَخْبَرَبِي
عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجٌ اَلْبِيِّ ◌َ﴿ قَالَتْ:
- وحَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ حَدَِّي أَبِي عَنِ جَدِّي عَنِ عُقَيْلٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ وَلَمْ يَدْكُرْ
قَوْلَ الزُّهْرِيِّ وَذُكِرَ لِي وَمَا يَعْدَهُ.
(٢١٩) حَدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ كِلاهُمَا عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ قَالَ حِ وَحَدََّتِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ
ابْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حِ وَخَذَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِّ وَمُحَمَّدُ بْنَ رَافِعٍ قَالاَ حَدَّثَنًا عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَأَلْفَاظُهُمْ مُتَقَارِبَةٌ قَالُوا جَمِيعًا عَنِ ابْنٍ
جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي الْمُغِيرَةُ بْنُ حَكِيمٍ عَنِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ أَبِي بَكْرِ أَنَّهَا أَخْبُرَتْهُ عَنِ عَائِشَةً
(٢٢٠) وحُدَّثَنِيٍ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بَّنُ إِبْرَاهِيمَ قَالُّ إِسْحَقَّ أَخْبَرَنًا وَقَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ مَنْصُورٍ عَنِ الْحَكّمِ عَنِ نَائِعٍ
عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرٌ
(٢٢١) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَّنَا ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَبِي نَافِعٌ حَدََّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَّرَ
٣٤٧
١٢٣٨- ٢٢٣ عَنِ ثَابِتٍ﴾(٢٢٢) أَنَّهُمْ سَأَلُوا أَنَسًا عَنِ خَاتَمٍ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ فَقَالَ أَخْرَ
رَسُولُ اللَّهِ،﴿ِ الْعِشَاءَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ. أَوْ كَادَ يَذْهَبُ شَطْرُ اللَّيْلِ. ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ
«إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَنَامُوا، وَإِنْكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلاةٍ مَا انْتَظَرْتُمْ الصَّلاةَ». قَالَ أَنَسٌّ: كَأَنّي
أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصِ حَاتَمِهِ مِنْ فِضَّةٍ. وَرَفَعَ إِصْبَعَهُ الْيُسْرَى بِالْخِنْصِرِ.
١٢٣٩ - ٢٢٣ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ رَ﴾(٢٢٣) قَالَ: نَظَرَّنَا رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ لَيْلَةٌ حَتَّى كَانَ قَرِيبٌ
مِنْ نِصْفِ اللَّيْلِ، ثُمَّ جَاءَ فَصَلَى ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ، فَكَأَنَّمَا أَنْظُرُ إِلَى وَبِيصٍ خَاتَمِهِ فِي يَدِهِ
مِنْ فِضَّةٍ.
١٢٤٠ - ◌ْ عَنِ قُرَّةً(١٠) بِهَذَا الإِسْنَادِ وَلَمْ يَذْكُرْ: ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ.
١٢٤١ - ٢٢٤ عَنِ أَبِي مُوسَى ◌ٍَّ(٢٢٤) قَالَ: كُنْتُ أَنَا وَأَصْحَابِي الَّذِينَ قَدِمُوا مَعِي فِي
السَّفِينَةِ نُزُولا فِي بَقِيعِ بُطْحَانَ وَرَسُولُ اللَّهِ﴿ بِالْمَدِينَةِ، فَكَانَ يَتْنَاوَبُ رَسُولَ اللَّهِلَّ عِنْدَ
صَلاةِ الْعِشَاءِ كُلَّ لَيْلَةٍ نَفَرٌ مِنْهُمْ، قَالَ أَبُو مُوسَى فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللَّهِ﴿ أَنَا وَأَصْحَابِي وَلَهُ
بَعْضُ الشُّغْلِ فِي أَمْرِهِ حَتّى أَغْتَمَ بِالصَّلاةِ حَتّى انْهَارَّ اللَّيْلُ، ثُمَّ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ فَصَلَّى
بِهِمْ فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ قَالَ لِمَنْ حَضَرَهُ «عَلَى رِسْلِكُمْ. أُعْلِمُكُمْ وَأَبْشِرُوا أَنَّ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ
عَلَيْكُمْ أَنْهُ لَيْسَ مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ يُصَلِّي هَذِهِ السَّاعَةَ غَيْرُكُمْ» أَوْ قَالَ «مَا صَلَّى هَذِهِ السَّاعَةَ
أَحَدٌ غَيْرُكُمْ)» (لا نَدْرِي أَيَّ الْكَلِمَتَيْنِ قَالَ) قَالَ أَبُو مُوسَى: فَرَجَعْنَا فَرِحِينَ بِمَا سَمِعْنَا مِنْ
رَسُولِ اللَّهِ ﴾.
١٢٤٢ - ٢٢٥ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ(٢٢٥) قَالَ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ أَيُّ حِينٍ أَحَبُّ إِلَيْكَ أَنْ أُصَلِّيَ الْعِشَاءَ
الَّتِي يَقُولُهَا النَّاسُ الْعَتَمَّةَ إِمَامًا وَخِلْوًا؟ قَالَ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ: أَعْتَمَ نَبِيُّ اللَّهِلَّ ذَاتَ
لَيْلَةِ الْعِشَاءَ. قَالَ حَتّى رَقَدَ نَاسٌ وَاسْتَيْقَظُوا. وَرَقَدُوا وَاسْتَيْقَظُوا، فَقَامَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ:
الصَّلاةَ، فَقَالَ عَطَاءٌ: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَخَرَجَ نَبِيُّ اللَّهِ ﴿ كَأَّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ الآنَ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ
مَاءٌ. وَاضِعًا يَدَهُ عَلَى شِقِّ رَأْسِهِ. قَالَ «لَوْلا أَنْ يَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ أَنْ يُصَلُِّهَا كَذَلِكَ».
(٢٢٢) وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ حَدَّثَنَا بَهْزُ بْنُ أَسَدِ الْعَمِّيُّ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةً عَنِ ثَابِتٍ
(٢٢٣) وحَدَّثَنِي حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ حَدَّثَنَا أَبُو زَيْدٍ سَعِيدُ بْنُ الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ عَنِ فَتَذَةً عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
(٠٠) وحَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصََّّاحَ الْعَطَّارُ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ حَدَّثَنَا قُرَّةُ
(٢٢٤) وحَدَّثَنَا أَبُو عَامِرِ الأَشْعَرِيُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنٍ بَّرَيْدٍ عَنٍ أَبِي بُرْدَةَ عَنِ أَبِي مُوسَى
(٢٢٥) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَّنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: قُلْتُ لِّعَطَاءٍ
٣٤٨
قَالَ فَاسْتَثْبَتُّ عَطَاءً كَيْفَ وَضَعَ النَّبِيُّ وَيَدَهُ عَلَى رَأْسِهِ كَمّا أَنْبَأَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. فَبَدَّدَ لِي عَطَاءٌ
بَيْنَ أَصَابِعِهِ شَيْئًا مِنْ تَبْدِيدٍ. ثُمَّ وَضَعَ أَطْرَافَ أَصَابِعِهِ عَلَى قَرْنِ الرَّأْسِ. ثُمَّ صَبَّهَا. يُمِرُّهَا
كَذَلِكَ عَلَى الرَّأْسِ، حَتّى مَسَّتْ إِنْهَامُهُ طَرَفَ الْأُذُنِ مِمَّا يَلِي الْوَجْهَ، ثُمَّ عَلَى الصُّدْغِ وَاحِيَةٍ
اللّحْيَةِ لا يُقَصِّرُ وَلا يَبْطِشُ بِشَيْءٍ إِلا كَذَلِكَ. قُلْتُ لِعَطَاءٍ: كَمْ ذُكِرَ لَكَ أَخَّرَهَا الْبِيُّ ◌َّ
لَيْلَئِذِ؟ قَالَ: لا أَدْرِي. قَالَ عَطَاءٌ: أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ أُصَلِّيَهَا إِمَامًا وَخِلْوًا مُؤَخْرَةٌ. كَمَا صَلَاهَا
النِّيُّ ◌َ﴿هَ لَيْلَئِذٍ. فَإِنْ شَقَّ عَلَيْكَ ذَلِكَ خِلْوًا أَوْ عَلَى النّاسِ فِي الْجَمَّاعَةِ وَأَنْتَ إِمَامُهُمْ. فَصَلَّهَا
وَسَطًا، لا مُعَجَّلَةٌ وَلا مُؤَخِّرَةً.
١٢٤٣ - ٢٢٦ عَنِ جَابِرِ بْنِ سَمْرَةَ عٍَّ(٢٢٦) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِوَ يُؤَخِّرُ صَلاةَ الْعِشَاءِ الآخِرَةِ.
١٢٤٤ - ٢٢٧ عَنِ جَابِرٍ بْنِ سَمُرَةَ ظٍ(٢٢٧) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يُصَلِّي الصَّلَوَاتِ
نَحْوًا مِنْ صَلائِكُمْ وَكَانَ يُؤَخّرُ الْعَتَّمَةَ بَعْدَ صَلَائِكُمْ شَيْئًا وَكَانَ يُخِفُّ الصَّلاةَ. وَفِي رِوَايَةٍ
أَبِي كَامِلٍ: يُخفّفُ.
١٢٤٥ - ٢٢٨ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٢٢٨) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِع ◌َدُ
يَقُولُ: «لا تَغْلِنَّكُمْ الأَغْرَابُ عَلَى اسْمٍ صَلائِكُمْ أَلا إِنَّهَا الْعِشَاءُ وَهُمْ يُعْتِمُونَ بِالإِبِلِ».
١٢٤٦ - ٢٩ ٢ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٢٢٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِمَّ«لا تَغْلِنْكُمْ
الأَعْرَابُ عَلَى اسْمٍ صَلَاِكُمْ الْعِشَاءِ فَإِنْهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ الْعِشَاءُ وَإِنَّهَا تُعْتِمُ بِحِلابِ الإِيلِ».
المعنى العام
اعتاد العرب النوم مبكراً فى أوائل الليل، وجاء الإسلام فأقر هذه العادة وحرص على النوم بعد
صلاة العشاء ونهى عن السهر والسمر بعد العشاء، ذلك لأن الليل مظنة الانحراف، والسمر فيه عادة
أهل اللهو واللعب، وكل سهر فيه قد يكون على حساب النشاط والجهد والإنتاج فى النهار، بل قد
يكون على حساب صلاة الفجر فى وقته، فلما أمن الإسلام على أهله من الانحراف، ولما أشربت
(٢٢٦) حَدَّثَا يَحْتَى بْنُ يَخْتِى وَقُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً قَالَ يَحْتَى أَخْبُرَنًا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثَنَا أَبُو الأُخْوَصِ عَنٍ
سِمَاكٍ عَنِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ
(٢٢٧) وَحَدَّثَنَاَ قُتَيْبَةٌ بْنَ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةً عَنِ سِمَاكٍ عَنِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةً
(٢٢٨) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا سُفْيَانٌ بْنُ غَيْنَةً عَنِ ابْنِ أَبِي لَبِيدٍ عَنِ أَبِي سَلَمَةَ عَنٍ
عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ
(٢٢٩) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدََّا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا سُفْيَاهُ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي لَبِيدٍ عَنِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنٍ عُمَرَ
٣٤٩
قلوب الصحابة حب قيام الليل والتطوع بالصلاة فيه بدأ التشجيع على السهر فى الطاعة، وبدأ الحض
على تأخير صلاة العشاء عن أول وقتها، وبدأ هذا الأمر عملياً عن طريق توجيه رسول اللَّه مح ﴿، فكان
يقدم صلاة العشاء أحياناً. ويؤخرها عن أول وقتها أحياناً أخرى، كان إذا رآهم اجتمعوا صلى بهم ولم
ينتظرها، لأن فيهم المريض والسقيم وذا الحاجة، والأم ينام صبيانها، والأب تنتظره زوجه وأولاده،
وإذا رآهم أبطئوا ولم يتجمعوا [لاسترخاء بعضهم اعتماداً على موافقة رسول اللّهلو * على التأخير
وحبه له] أخر صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء حتى يتجمعوا، وشجع على التأخير بنفسه فى ليلة
من الليالى، إذ تجمع الصحابة وانتظروا خروجه صلى الله عليه وسلم للصلاة وقد مضى من وقتها
ساعة وأكثر فلم يخرج، حتى ذهب ثلث الليل أو يقرب من الثلث، حتى نام النساء والصبيان
الموجودون بالمسجد، وحتى نام بعض الرجال وتيقظوا وناموا وتيقظوا، وحتى قام عمر قريبا من باب
بيته صلى الله عليه وسلم ونادى الصلاة. نام النساء والصبيان، وخرج صلى الله عليه وسلم وعليه آثار
الغسل وشعره يقطر ماء، فقال لأصحابه: هذا الوقت المفضل لصلاة العشاء، ولولا المشقة على بعضكم
لصليت بكم كل ليلة فى هذا الموعد، لأنكم طالما تنتظرون الصلاة فأنتم فى صلاة، وأنتم بانتظاركم
صلاة العشاء إلى ثلث الليل تكونون الأمة الوحيدة التى تعبد ربها فى هذا الوقت من الليل، فتكونون
الأمة الوحيدة المستحقة للأجر الكبير والدرجات العلى، ففرح الصحابة بهذه البشرى وانتظروا وأخروا
العشاء حين يؤخرونها راضين مسرورين.
المباحث العربية
( أعتم رسول اللَّه ليلة من الليالى بصلاة العشاء) ذكر ابن سيده: العتمة ثلث الليل
الأول بعد غيبوبة الشفق، وقيل: العتمة الإبطاء، يقال أعتم الشيء إذا أخره، والأول أظهر. يقال: أعتم
دخل فى وقت العتمة، والمعنى هنا أخر صلاة العشاء حتى اشتدت عتمة الليل، وهى ظلمته، و((ليلة))
ظرف زمان أى أعتم فى ليلة من الليالى.
( وهى التى تدعى العتمة ) تدعى كذلك من العرب والأعراب.
( نام النساء والصبيان ) أى الذين ينتظرون منهم الصلاة بالمسجد، وليس المراد من
بالبيوت، وإنما خصهم بذلك لأنهم مظنة قلة الصبر عن النوم ومحل الشفقة والرحمة، بخلاف الرجال.
(وذلك قبل أن يفشو الإسلام فى الناس ) أى قبل أن يظهر وينتشر فى غير المدينة، وإنما
انتشر فى غير المدينة بعد فتح مكة.
(وما كان لكم أن تنزروا رسول اللَّه) ((تنزروا)) بالتاء المفتوحة، ثم النون الساكنة، ثم زاى
مضمومة، ثم راء، أى تلحوا عليه، ونقل القاضى عن بعض الرواة أنه ضبطه تبرزوا بضم التاء بعدها باء
ساكنة فراء مكسورة فزاى من الإبراز، أى تخرجوا. قال النووى: والرواية الأولى هى الصحيحة
المشهورة التى عليها الجمهور.
٣٥٠
( حتى ذهب عامة الليل ) قال النووي: أى كثير منه، وليس المراد أكثره ولا بد من هذا
التأويل لقوله صلى اللَّه عليه وسلم: ((إنه لوقتها)) ولا يجوز أن يكون المراد بهذا القول ما بعد نصف
الليل، لأنه لم يقل أحد من العلماء: إن تأخيرها إلى ما بعد نصف الليل أفضل. اهـ وهو كلام حسن،
لكنه يحتاج إلى توجيه عبارة ((عامة الليل)) ويمكن أن يقال: إن ((أل)) فى الليل للعهد، أى الليل
الصالح للوقت المختار للعشاء.
( وحتى نام أهل المسجد ) يجوز أن يراد بأهل المسجد النساء والصبيان على الرواية الأولى،
أو ما هو أعم منهما على الرواية الرابعة.
( إنه لوقتها ) الضمير المنصوب للوقت الذى خرج فيه، والمراد من الوقت الوقت المفضل، أى
إن هذا الوقت هو الوقت المختار لصلاة العشاء لولا أن أشق على أمتى.
( لولا أن يشق على أمتى ) أى لولا أن يشق الوقت وانتظاره على أمتى.
( ما ينتظرها أهل دين غيركم ) أى ما ينتظر الصلاة فى هذه الساعة غيركم، إما لأنه لا
يصلى حينئذ إلا بالمدينة، وإما لأن سائر الأقوام ليس فى أديانهم صلاة فى هذا الوقت.
( لولا أن يثقل على أمتى لصليت بهم هذه الساعة ) أى لداومت على الصلاة بهم فى مثل
هذه الساعة من كل ليلة.
( شغل عنها ليلة ) أى شغل عن صلاة العشاء، فمرجع الضمير معلوم للمخاطبين بمقتضى
الحال، أو فى الكلام حذف من الراوى للعلم به، وقوله: ((شغل عنها)) ظاهر فى أن تأخير النبى 8 إلى
هذه الغاية لم يكن قصداً، وقوله: ((ليلة)) ظاهر فى أن ذلك لم يكن من شأنه.
( حتى رقدنا فى المسجد ثم استيقظنا ) هو محمول على أن الذى رقد بعضهم لا كلهم،
ونسب الرقاد إلى الكل مجازا، من تنزيل الأكثر منزلة الجميع.
( أنهم سألوا أنسا عن خاتم رسول اللَّه ◌َ﴿ ) صيغة السؤال - كما ورد فى بعض الروايات -
((هل اتخذ النبى ﴿ ﴿ خاتما؟)) الخاتم بكسر التاء وفتحها.
( كأنى أنظر إلى وبيص خاتمه من فضة ) وبيص الخاتم بريقه ولمعانه والجار والمجرور
((من فضة)) متعلق بمحذوف حال من «خاتمه)».
( ورفع إصبعه اليسرى بالخنصر) المعنى رفع الإصبع الخنصر من يده اليسرى.
قال النووى: هكذا هو فى الأصول ((بالخنصر» وفيه محذوف تقديره مشيراً بالخنصر، أى إن
الخاتم كان فى خنصر اليد اليسرى، وهذا الذى رفع إصبعه هو أنس ظه، وفى الأصبع عشر
لغات، كسر الهمزة وفتحها وضمها، مع كسر الباء وفتحها وضمها، والعاشر أصبوع،
وأفصحهن كسر الهمزة مع فتح الباء،اهـ
٣٥١
( نظرنا ... حتى كان قريب من نصف الليل ) قال النووى: هكذا هو فى بعض الأصول
((قريب)) وفى بعضها ((قريبا)) وكلاهما صحيح، وتقدير المنصوب حتى كان الزمان قريبا، وقوله:
((نظرنا)» أى انتظرنا، يقال: نظرته وانتظرته بمعنى.
( كنت أنا وأصحابى ... نزولا ) جمع نازل، كشهود جمع شاهد أى كنا نازلين.
(فى بقيع بطحان ) ((البقيع)) بفتح الباء، وهو من الأرض المكان المتسع، ولا يقال بقيع إلا
وفيه شجر، و((بطحان)) بضم الباء وسكون الطاء. هكذا يرويه المحدثون أجمعون، وحكى أهل اللغة
فيه فتح الباء وكسر الطاء، وهو علم على واد بالمدينة، ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون.
( حتى ابهار الليل ) بإسكان الباء وتشديد الراء، قال أبو سعيد الضرير: أى طلعت نجومه
واشتبكت، والباهر الممتلئ نوراً، وعن سيبويه: ابهار الليل كثرت ظلمته، وإبهار القمر كثر ضوؤه، وقال
الأصمعى: ابهار انتصف، مأخوذه من بهرة الشيء وهو وسطه، ويؤيده ما جاء فى بعض الروايات
((حتى إذا كان قريبا من نصف الليل)).
( على رسلكم) بكسر الراء وفتحها، لغتان، والكسر أفصح وأشهر، أى ابقوا واستمروا على
هيئتكم، أى تأنوا وانتظروا.
أعلمكم وأبشروا ) ((أعلمكم)) بضم الهمزة وسكون العين وكسر اللام مخففة، والجملة
كالتعليل للأمر بالانتظار، و((أبشروا)) فعل أمر، يقال: بشرت الرجل بتخفيف فتحة الشين، وبتشديدها
وأبشرته، ثلاث لغات، أى ليؤثر الخبر على بشرتكم سروراً.
( أن من نعمة الله عليكم أنه ليس من الناس أحد يصلى هذه الساعة غيركم ) ليس
واسمها وخبرها خبر ((أنه)) بفتح الهمزة، و((أنه)) وخبرها مسبوك بمصدر اسم ((أن)) الأولى بفتح
الهمزة أيضا، و(( من نعمة اللَّه، خبرها، والتقدير: أن عدم صلاة أحد غيركم فى هذه الساعة من نعمة
اللَّه عليكم. و((أن)) واسمها وخبرها معمول لأعلمكم وأبشروا على التنازع. أى أعلمكم بهذا وأبشروا به.
( قلت لعطاء ) قال الحافظ ابن حجر: هو ابن أبى رباح، ووهم من زعم أنه ابن يسار.
( إماما وخلوا ) بكسر الخاء، أى منفردا؟.
( قام عمر ... فقال: الصلاة) قال الحافظ ابن حجر: ((الصلاة)) بالنصب بفعل مضمر، تقديره
مثلا: صل الصلاة، وساغ هذا الحذف لدلالة السياق عليه.
(يقطر رأسه ماء) ((ماء)) تمييز محول عن الفاعل، أى يقطر ماء رأسه والجملة حال من
((نبى اللَّه)) أو من الضمير فى ((كأنى أنظر إليه الآن)). وفى رواية ((كأنه كان اغتسل قبل أن يخرج)).
( كما أنبأه ابن عباس ) أى كما أخبر ابن عباس.
٣٥٢
( فبدد لى عطاء بين أصابعه شيئاً من تبديد ) أى فرق أصابعه بعض التفريق.
( ثم وضع أطراف أصابعه على قرن الرأس ) قرن الرأس بسكون الراء جانبها.
( ثم صبها ) قال النووى: هكذا هو فى أصول روايتنا. قال القاضى: وضبطه بعضهم ((قلبها)) وفى
البخارى ((ضمها)» والأول هو الصواب قال عياض: لأنه يصف عصر الماء من الشعر باليد.اهـ. وهذا
المعنى يتأتى فى رواية ضم الأصابع وبينها الشعر.
( لا يقصر ولا يبطش بشىء إلا كذلك) ((لا يقصر)) من التقصير، أى لا يبطئ، وفى بعض
نسخ البخارى ((لايعصر)) بالعين، أى لا يعصر عصرا خفيفاً ولا يبطش أى ولا يسرع ولا يعصر عصراً
شديداً. أى برفق ولين غير متعجل وغير متراخ.
( كم - ذكرلك - أخرها النبى * ليلتئذ)؟ جملة ((ذكرلك)» مؤخرة من تقديم لأن
الاستفهام له الصدارة، وتمييز (كم)) محذوف. أى (ذكرلك) كم ساعة أخرها النبى {﴾؟ والتنوين فى
((ليلتئذ)) عوض عن المضاف إليه، أى ليلة إذ أخرها النبى وُ ﴾.
( لا يغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم ) قال الطيبى: يقال غلبه على كذا إذا غصبه وأخذه
منه قهراً، والمعنى لا تتعرضوا لما هو من عاداتهم من تسمية العشاء بالعتمة، فيغصب منكم الأعراب
اسم العشاء التى سماها اللّه تعالى بها فالنهى على الظاهر للأعراب، وعلى الحقيقة لهم. اهـ والأعراب
أهل البادية.
( وهم يعتمون بالإبل ) أى يؤخرون حلب الإبل إلى شدة الظلام، فمن أجل ذلك يسمون
العشاء العتمة.
(فإنها فى كتاب اللَّه العشاء) فى قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صلاةِ الْعِشَاءِ ثَلاثُ عَوْرَاتٍ
لَكُمْ﴾ [النور: ٥٨]
فقه الحديث
فى تفضيل تعجيل صلاة العشاء أو تأخيرها ثلاثة آراء:
الأول: أن تعجيلها أفضل مطلقاً، وهو قول الشافعى فى القديم، ودليله عموم قوله صلى الله عليه
وسلم فى أفضل الأعمال: ((الصلاة لوقتها)) أى الصلاة لأول وقتها، وفى رواية ((أحب الأعمال إلى الله
عز وجل الصلاة لأول وقتها)) ولأن النبى و لم يؤخرها، وإنما أخرها ليلة واحدة أوليلتين، ولو كان
التأخير أفضل لواظب عليه صلى الله عليه وسلم ولو كان فيه مشقة، لأنه صلى الله عليه وسلم لا
يواظب إلا على الأفضل، ثم إن ظاهر أحاديث التأخير أنه كان لشغل شغله صلى الله عليه وسلم.
الثانى: أن المستحب تأخير صلاة العشاء إلى ما قبل الثلث، وقيل: إلى الثلث وبه قال مالك
٣٥٣
وأحمد، وأكثر الصحابة والتابعين، وهو قول الشافعى فى الجديد ودليلهم أن الرسول 273 قد نبه على
تفضيل التأخير بالألفاظ الواردة فى أحاديث الباب، وصرح بأن ترك التأخير إنما هو للمشقة، قال
النووى: ومعناه - والله أعلم - أنه خشى أن يواظبوا عليه فيفرض عليهم، فلهذا تركه كما ترك صلاة
التراويح، وعلق تركها بخشية افتراضها والعجز بها، وأجمع العلماء على استحبابها لزوال العلة التى
خيف منها، وهذا المعنى موجود فى العشاء. اهـ وقد علل الخطابى استحباب التأخير بأنه يؤدى إلى
طول مدة انتظار الصلاة، ومنتظر الصلاة فى صلاة.اهـ وهذه العلة مردودة، إذ لو صحت لاستحب تأخير.
كل صلاة عن أول وقتها.
هذا، ومذهب أبى حنيفة أن التأخير أفضل إلا فى ليالى الصيف.
الثالث: أنه يستحب تأخيرها إلى الثلث للمنفرد والجماعة الراضين بالتأخير فأما مع المشقة
على المأمومين أو بعضهم فلا يستحب، وهو اختيار كثير من أهل الحديث من الشافعية وغيرهم.
وظاهر الأحاديث يؤيده، ويقويه حديث ((والعشاء أحيانا يؤخرها وأحيانا يعجل. كان إذا رآهم
اجتمعوا عجل، وإذا رآهم أبطئوا أخر» رواه البخارى ومسلم.
فعلى هذا من وجد به قوة على تأخيرها، ولم يغلبه النوم، ولم يشق على أحد من المأمومين
فالتأخير إلى الثلث فى حقه أفضل.
ولا يخفى أن الكلام فى التأخير لا يشمل التأخير إلى ما بعد الثلث الأول (عند مالك والشافعى) أو
إلى ما بعد النصف عند أصحاب الرأى وأهل الحديث لأن الكلام فى تعجيل الصلاة أى تأخيرها إلى
نهاية وقت الاختيار، أما بعد نصف الليل إلى طلوع الفجر فهو وقت جواز، خلافاً للاصطخرى الذى
يعد ما بعد نصف الليل قضاء.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- يؤخذ من الرواية العاشرة والحادية عشرة النهى عن تسمية العشاء بالعتمة. قال النووي: وقد جاء
فى الأحاديث الصحيحة تسميتها بالعتمة كحديث ((لو يعلمون ما فى الصبح والعتمة لأتوهما ولو
حبوا)) رواه البخارى وغيره، والجواب عنه من وجهين:
أحدهما: أنه استعمل لبيان الجواز، وأن النهى عن العتمة للتنزيه لا للتحريم.
والثانى: يحتمل أنه خوطب بالعتمة من لا يعرف العشاء. فخوطب بما يعرفه واستعمل لفظ
العتمة لأنه أشهر عند العرب، وكانوا يطلقون العشاء على المغرب. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: اختلف السلف فى ذلك، فمنهم من كرهه، ومنهم من أطلق جوازه، ومنهم
من جعله خلاف الأولى، وهو الراجح، وكذلك نقله ابن المنذر عن مالك والشافعى. ثم قال: وقيل إن
النهى عن تسمية العشاء عتمة نسخ الجواز، ولا بعد فى أن ذلك كان جائزاً، فلما كثر إطلاقهم له
نهوا عنه لئلا تغلب السنة الجاهلية على السنة الإسلامية. اهـ فالنهى أيضاً للتنزيه لثبوت ورود
٣٥٤
التسميتين شرعا، والنهى موجه لتسيمة الصلاة عتمة، وأما ((أعتم رسول اللَّه ﴿)) فهو من قبيل
إطلاق الفعل، ولا شيء فيه.
٢- يؤخذ من قوله فى الرواية الثالثة: ((العشاء الآخرة)) جواز وصفها بالآخرة، وأنه لا كراهة فيه خلافاً
لما حكى عن الأصمعى من كراهة هذا.
٣- ويؤخذ منه أنه يستحب للإمام والعالم إذا تأخر عن أصحابه أو جرى منه ما يظن أنه يشق عليهم
أن يعتذر إليهم.
٤- ومن قوله: ((رقدنا ثم استيقظنا)» استدل على أن النوم لا ينقض الوضوء. قال النووي: وهو محمول
على نوم لا ينقض الوضوء وهو نوم الجالس ممكنا مقعده من الأرض.
٥- وفيه جواز لبس خاتم الفضة، قال النووي: وهو إجماع المسلمين.
٦- وفيه جواز الحديث بعد صلاة العشاء إذا كان فى خير، وإنما نهى عن الكلام فى غير الخير.
٧- وفيه جواز النوم قبل العشاء لمن غلب، والكراهة مختصة بمن تعاطى ذلك مختارا.
٨- وفيه فضل انتظار الصلاة.
٩ - وفى قول عمر: الصلاة. دليل على جواز الإعلام للإمام أن يخرج إلى الصلاة إذا كان فى بيته.
١٠ - ومن الرواية السابقة يؤخذ أن التبشير لأحد بما يسره محبوب، لأن فيه إدخال السرور فى قلب
المؤمن.
واللَّه أعلم
٣٥٥
(٢٣٣) باب استحباب التبكير بالصبح فى أول وقتها
وهو التغليس، وبيان قدر القراءة فيها
١٢٤٧ - ٢٣٠ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا (٢٣٠) أَنَّ نِسَاءَ الْمُؤْمِنَاتِ كُنَّ يُصَلِّينَ الصُّبْحَ مَعَ
النِّّ ◌َ ثُمَّ يَرْجِعْنَ مُتْلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ لا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ.
١٢٤٨ - ٢٣١ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٢٣١) زَوْجَ النّبِيِّلَ﴿ قَالَتْ: لَقَدْ كَانَ نِسَاءٌ مِنْ
الْمُؤْمِنَاتِ يَشْهَدْنَ الْفَجْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ِّ مُتَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ ثُمَّ يَنْقَلِيْنَ إِلَى بُيُوتِهِنَّ وَمَا
يُعْرَفْنَ مِنْ تَغْلِيسٍ رَسُولِ اللَّهِ ﴿َّ بِالصَّلاةِ.
١٢٤٩ - ٢٣٢ عَنٍ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٢٣٢) قَالَتْ: إِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿هَ لَيُصَلِي الصُّبْحَ فَنْصَرِفُ
النّسَاءُ مُتْلَفِّعَاتٍ بِمُرُوطِهِنَّ مَا يُعْرَفْنَ مِنَ الْغَلَسِ. وقَالَ الأَنْصَارِيُّ فِي رِوَايَتِهِ: مُتْلَفّفَاتٍ.
١٢٥٠ - ٢٣٣ عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٌّ(٢٣) قَالَ: لَمَّا قَدِمَ الْحَجَّاجُ الْمَدِينَةَ فَسَأَلْنَا
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَّ يُّصَلِّي الظُّهْرَ بِالْهَاجِرَةِ. وَالْعَصْرَ وَالشَّمْسُ نَفِيَّةٌ. وَالْمَغْرِبَ
إِذَا وَجَبَتْ. وَالْعِشَاءَ أَحْيَانًا يُؤَخِّرُهَا وَأَحْيَانًا يُعَجِّلُ. كَانَ إِذَا رَآهُمْ قَدْ اجْتَمَعُوا عَجَّلَ. وَإِذَا رَآهُمْ قَدْ
أَبْطَنُوا أَخْرَ. وَالصُّبْحَ كَانُوا أَوْ (قَالَ) كَانَ النِّيُّ ◌َّيُصَلِيهَا بِغَلَسٍ.
١٢٥١ - ٢٣٤ عَنٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ(٢٣٤) قَالَ: كَانُ الْحَجَّاجُ يُؤَخِّرُ
الصَّلَوَاتِ فَسَألْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ غُنْدَرٍ.
١٢٥٢ - ٢٣٥ عَنِ سَيَّارِ بْنِ سَلامَةَ(٢٣٥) قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَلُ أَبَا بَرْزَةً عَنِ صَلاةِ رَسُولٍ
(٢٣٠) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَعَمْرٌوِ النّقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ كُلُّهُمْ عَنِ سُفْيَانٌ بْنِ عُبَيْئَةً قَالَ عَمْرٌو حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ غَيْنَةَ
عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ عُرْوَةً عَنِ عَائِشَةً
(٢٣١) وَحَدَّثَتِي حَرْمَّلَةُ بْنُ يَخَّيِّى أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ قَالَ أَخْبَرَبِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ
عَائِشَةَ .. قَالَتْ
(٢٣٢) وَحَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ وَإِسْحَقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ قَالا حَدَّثَنَا مَعْنٌ عَنِ مَالِكٍ عَنٍ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ
عَنِ عَمْرَةَ عَنِ عَائِشَةً
(٢٣٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكَّرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدََّا غْدَرٌ عَنِ شُعْبَةً قَالَ حٍ وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثِى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ
حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ سَعْدٍ بَّنِ إِبْرَاهِيمٌ عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيّ
(٢٣٤) وَحَدَّثَنَاه عُبَيْدُ اللَّهِ بْنَ مَّعَادٍ حَدَّثَاَ أَبِي حَدَّثْنَاَ شُعْبَةٌ عَنِ سَعْدٍ سَمِعَ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرِو
(٢٣٥) وِحَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ حَدْقَا خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنِي سَيَّارُ بْنُ سَلامَةً قَالَ: سَمِعْتُ
أَبِي يَسْأَلُ أَبَا بَرْزَةَ عَنِ صَلاةٍ
٣٥٦
اللَّهِ وَّ قَالَ: قُلْتُ: أَنْتَ سَمِعْتَهُ؟ قَالَ فَقَالَ: كَأَنَّمَا أَسْمَعُكَ السَّاعَةَ. قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَسْأَلُهُ
عَنِ صَلاةِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَقَالَ: كَانٌ لا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرِهَا (قَالَ يَعْنِي الْعِشَاءُ) إِلَى نِصْفٍ
اللَّيْلِ، وَلا يُحِبُّ الْنّوْمَ قَبْلَهَا وَلا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا. قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّلَقِيتُهُ بَعْدُ فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ: وَكَانَ
يُصَلِّي الظُّهْرَ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ. وَالْعَصْرَ يَذْهَبُ الرَّجُلُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ.
قَالَ: وَالْمَغْرِبَ لا أَدْرِي أَيَّ حِينٍ ذَكَرَ. قَالَ: ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدُ فَسَأَلْتُهُ. فَقَالَ: وَكَانٌ يُصَلِّي الصُّبْحَ
فَيَنْصَرِفُ الرَّجُلُ فَنْظُرُ إِلَى وَجْهِ جَلِيسِهِ الْذِي يَعْرِفُ فَعْرِفُهُ. قَالَ: وَكَانَ يَقْرَأُ فِيهَا بِالسِّعْنَ
إِلَى الْمِائَةِ.
١٢٥٣ - ٢٣٦ عَنِ أَبِي بَرْزَةَ ظُه(٢٣٦) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِوَّ لا يُبَالِي بَعْضَ تَأْخِيرٍ صَلاةٍ
الْعِشَاءِ إِلَى نِصْفِ اللَّيْلِ. وَكَانٌ لا يُحِبُّ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَلا الْحَدِيثَ بَعْدَهَا. قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ لَقِيتُهُ
مَرَّةً أُخْرَى فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ.
١٢٥٤- ٢٣٧ عَنٍ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيَِّظُه(٢٢٧) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِعَ ﴿ يُؤَخّرُ الْعِشَاءَ إِلَى
ثُلُثِ اللَّيْلِ وَيَكْرَةُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا. وَكَانَ يَقْرَأُ فِي صَلاةِ الْفَجْرٍ مِنْ الْمِائَةِ إِلَى
السِِّينَ. وَكَانَ يَنْصَرِفُ حِينَ يَعْرِفُ بَعْضُنَا وَجْهَ بَعْضٍ.
المعنى العام
يستدل الإمام مسلم على استحباب التبكير بصلاة الصبح فى أول وقتها، وعلى مقدار القراءة فيها
بمجموعتين من الأحاديث.
المجموعة الأولى: عن عائشة تحكى ما كان عليه النساء المؤمنات من شهود صلاة الفجر مع
رسول اللَّه ◌َ﴿ فى المسجد، وبعد انتهائهن من الصلاة يرجعن إلى بيوتهن مع بقايا الظلمة التى لا
يعرفهن الرائى بسببها مما يدل على أن رسول اللَّه ◌َ ل كان يصلى الصبح بغلس أى فى أول وقتها وفى
بقايا الظلمة التى تسبق الإسفار.
المجموعة الثانية يثيرها تأخير الأمويين وولاتهم للصلاة بالناس عن أول وقتها، مما دفع الغيورين
إلى اللجوء إلى أئمة الصحابة يسألونهم عن حال رسول اللَّه ◌ُ ل فى التبكير بالصلوات فى أول وقتها،
فحين قدم الحجاج المدينة واليا عليها من قبل عبد الملك أخر الصلاة، فقام محمد بن عمرو بن
(٢٣٦) حَدَّثَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنِ سَّارِ بْنِ سَلامَةً قَالَ: سَمِعْتُ أَيَا بَرْزَةَ يَقُولُ
(٢٣٧) وَحََّهِ أَبُو كُرِّيْبٍ حَدَّثَنَا سُوَيْدُ بْنُ عَمْرٍو الْكَلْبِيُّ عَنِ حَمَّادٍ بْنِ سَلَمَّةٌ عَنِ سَيَّارِ بْنِ سَلامَةَ أَبِي الْمِنْهَالِ قَالَ:
سَمِعْتُ أَبَا بَرْزَةَ يَقُولُ
٣٥٧
الحسن بن على يسأل جابر بن عبد اللّه فحكى ما كان عليه رسول اللّه من التبكير بالصلوات عدا
العشاء، وصرح بأنه صلى الله عليه وسلم كان يصلى الصبح بغلس أى بالظلمة التى قبل الإسفار.
ثم سيار بن سلامة يروى أنه سمع أباه يسأل أبا برزة الأسلمي عن صلاة رسول اللّه فيخبره أبو
برزة بأنه صلى اللّه عليه وسلم كان يصلى الصلوات فى أول وقتها إلا العشاء، فكان أحياناً يؤخرها
إلى ثلث الليل، لكنه كان يكره النوم قبل صلاتها، ويكره الكلام فى غير خير بعد صلاتها. وكان مما
صرح به أبو برزة بخصوص الفجر قوله: وكان يقرأ فى صلاة الفجر بعد الفاتحة من الستين إلى
المائة آية، فيكون تسليمه وانصرافه من الصلاة عند بداية الإسفار وعند تمكن الجار من معرفة وجه
جاره الذى يعرفه، فصلى اللَّه وسلم على رسول اللَّه ورضى عن الصحابة والتابعين ومن اهتدى بهداهم
إلى يوم الدين.
المباحث العربية
( أن نساء المؤمنات ) قال النووى: صورته صورة إضافة الشيء إلى نفسه واختلف فى تأويله
وتقديره، فقيل: تقديره نساء الأنفس المؤمنات، وقيل: نساء الجماعات المؤمنات، وقيل: إن ((نساء))
هنا بمعنى الفاضلات، أى فاضلات المؤمنات، كما يقال: رجال القوم، أى فضلاؤهم ومقدموهم.
( يصلين الصبح) ((الصبح)» مفعول به.
( ثم يرجعن متلفعات بمروطهن) ((متلفعات)) بالعين بعد الفاء، أى متلحفات ومتلففات،
من التحف، وهو شد اللفاع، وهو ما يغطى الوجه ويلتحف به، والمروط جمع مرط بكسر الميم، وهو
كساء من صوف أوخزيؤتزر به.
( لا يعرفهن أحد ) قال الداودى: مايعرفهن أحد أنساء أم رجال؟ وقيل: ما يعرف أعيانهن.
قال النووى: وهذا ضعيف، لأن المتلفعة فى النهار أيضا لا يعرف عينها، فلا يبقى فى الكلام فائدة.اهـ.
قال الحافظ ابن حجر: وفى كلام النووى نظر، لأن لكل امرأة هيئة غير هيئة الأخرى فى الغالب،
ولو كان بدنها مغطى. اهـ
وقال بعضهم: هذا يدل على أنهن كن سافرات، إذ لوكن منتقبات لمنع تغطية الوجه من
معرفتهن، لا الغلس. اهـ والظاهر ما قاله الحافظ ابن حجر.
( ثم ينقلين إلى بيوتهن ) أى يرجعن إلى بيوتهن.
(وما يعرفن من تغليس رسول اللَّه ◌َ# بالصلاة) الغلس هو بقايا ظلام الليل.
(إن كان رسول اللَّه﴿ ليصلى) ((إن)) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف،
وجملة ((كان)) واسمها وخبرها خبر إن، والتقدير إن الحال والشأن كان رسول اللّه ﴿ ليصلى.
٣٥٨
( لما قدم الحجاج المدينة) جواب ((لما)) محذوف تقديره: أخر الصلوات عن أول وقتها،
وقد صرح بهذا الجواب فى الرواية الخامسة. وكان قدوم الحجاج للمدينة سنة أربع وسبعين من
الهجرة، بعد قتل ابن الزبير حيث ولاه عبد الملك على الحرمين.
(فسألنا جابر بن عبد الله) ((فسألنا)) معطوف على جواب ((لما)) المحذوف ولم يبين
المسئول عنه، وهو معلوم من الجواب، والأصل: سألناه عن مواقيت الصلاة وكيف كان النبى وَ *
يصلى؟ وفى أى وقت كان يصلى كل صلاة؟.
( يصلى الظهر بالهاجرة ) الهاجرة شدة الحر نصف النهار عقب الزوال قيل: سميت هاجرة
من الهجرة وهو الترك، لأن الناس يتركون التصرف والأعمال بسبب شدة الحر، ويقيلون.
(والعصر والشمس نقية) ((والعصر)» بالنصب عطفا على الظهر، وجملة ((والشمس نقية))
حال، والمعنى صافية لم تتغير بصفرة آخر النهار.
(والمغرب إذا وجبت ) ((والمغرب)) بالنصب عطفا على الظهر، ومعنى ((وجبت)) سقطت
والضمير للشمس، أى إذا سقط قرص الشمس عن الأفق.
(والعشاء أحيانا يؤخرها وأحيانا يعجل ) أى يعجلها، أى يعجل صلاة العشاء،
و(«أحياناً)) منصوب على الظرفية.
( كان إذا رآهم قد اجتمعوا عجل ) بيان لقوله: ((وأحياناً يعجل)).
( وإذا رآهم قد أبطئوا أخر) بيان لقوله: ((أحياناً يؤخرها)) ففى الكلام لف ونشر مشوش.
( والصبح كانوا ... أو كان ... ) قال الكرمانى: الشك من الراوى عن جابر (محمد بن عمرو ابن
" الحسن بن على).
( قال: قلت: آنت سمعته ) أى قال شعبة: قلت لسيار بن سلامة مستوثقا من السماع:
أأنت يا سيار سمعت أباك بأذنك يسأل أبا برزة؟.
( فقال: كأنما أسمعك الساعة ) أى فقال: نعم سمعته سماعاً مؤكداً مشبها سماعى لك الآن
فى اليقين والتأكد.
( كان لا يبالى بعض تأخيرها ) أصل الكلام: كان لا يبالى بتأخير العشاء بعض تأخير.
( ثم لقيته بعد فسألته ) أى عن وقت الظهر الذى كان يصلى فيه رسول اللّه * وكأن شعبة
اكتفى بوقت العشاء فى اللقاء الأول، وكأنه كان سؤال الساعة المطلوب وفى اللقاء الثانى سأل عن
وقت الظهر.
٣٥٩
( يذهب الرجل إلى أقصى المدينة والشمس حية) هى فى معنى ((نقية)» السابق
تفسيرها، وحياة الشمس عبارة عن بقاء حرها وبقاء لونها.
( فينظر إلى وجه جليسه الذى يعرف فيعرفه ) فى الرواية الثامنة ((وكان ينصرف حين
يعرف بعضنا وجه بعض)) والمعنى واحد، وهو أنه ينصرف، أى يسلم فى أول ما يمكن أن يعرف
بعضنا وجه من يعرفه، ولا يعارض هذا الإخبار بعدم معرفة النساء، لأن معرفة وجه الجليس بناء عن
رؤية من قرب، وعدم معرفة النساء بناء عن رؤية من بعد، والوقت واحد.
( وكان يقرأ بالستين إلى المائة ) أى يقرأ بسورة بعد الفاتحة يتراوح عدد آياتها بين
الستين آية وبين المائة آية.
فقه الحديث
التغليس بصلاة الفجر بمعنى صلاتها فى أول وقتها مع بقايا ظلمة الليل أفضل من
تأخيرها عند مالك والشافعى وأحمد، والإسفار بمعنى تأخيرها إلى بداية ضوء النهار أفضل
من تعجيلها عند الحنفية.
والرواية الرابعة وفيها: ((كان النبى ﴿ يغلس)) والأولى والثانية والثالثة، وفيها ((أن النساء كن
يصلين مع النبى * ثم يرجعن إلى بيوتهن بعد الصلاة ولا يعرفن من تغليس النبى {₪ بالصلاة» دليل
للجمهور فى أفضلية التعجيل والمبادرة بصلاة الصبح فى أول الوقت، وأصرح من هذا دلالة للجمهور
ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود ((أنه صلى الله عليه وسلم أسفر بالصبح مرة، ثم كانت صلاته
بعد بالغلس حتى مات، لم يعد إلى أن يسفر)).
واستدل الحنفية بما رواه أصحاب السنن وصححه الترمذى من حديث رافع ابن خديج قال:
سمعت رسول اللَّه ﴿ يقول ((أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجربل ذهب بعض الحنفية أن هذا
الحديث ناسخ للصلاة فى الغلس، والقول بالنسخ بعيد جداً كما يقول المحققون، فقد حافظ على
التغليس أبو بكر وعمر وعثمان رضى الله عنهم. وقد حمل الشافعى وغيره هذا الحديث على أن المراد
بالإسفار المطلوب التحقق من طلوع الفجر، وحمله الطحاوى على أن المراد به الأمر بتطويل القراءة
فى صلاة الصبح حتى يخرج من الصلاة مسفراً، أى يشرع فى الغلس ويمد الصلاة إلى وقت الإسفار،
فليس فيه دليل للحنفية على البدء فى الصلاة عند الإسفار، كما استدلوا من روايات الباب بقوله فى
الرواية السادسة ((فينصرف الرجل فينظر إلى وجه جليسه الذى يعرف فيعرفه)) وفى الرواية الثامنة
((وكان ينصرف حين يعرف بعضنا وجه بعض)) والحق أن هاتين الروايتين دليل للجمهور لا للحنفية،
لأنهما تصرحان بأن انتهاء الصلاة كان عند بداية الإسفار وتصرحان بأنه صلى الله عليه سلم كان
يقرأ فى صلاة الصبح من الآيات بما بين الستين إلى المائة)) مما يؤكد أنه كان يبتدئ صلاة
الصبح بغلس.
٣٦٠