النص المفهرس

صفحات 281-300

((صليت مع النبى # فكان ساعة يسلم يقوم، ثم صليت مع أبى بكر ته فكان إذا سلم وثب من
مكانه، وكأنه يقوم عن رضفة)) أى عن قطعة حجر محماة قال النووى: قال الشافعى والأصحاب
يستحب للإمام إذا سلم أن يقوم من مصلاه عقب سلامه، إذا لم يكن خلفه نساء. وقال: وللمأموم
أن ينصرف إذا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام، قال: وتأخير ذلك حتى ينصرف بعد انصراف
الإمام أو معه أحب إلى. اهـ
٤- ومن كتابة المغيرة إلى معاوية استدل على العمل بالمكاتبة وإجرائها مجرى السماع فى الرواية
ولو لم تقترن بالإجازة.
٥- واستدل به على الاعتماد على خبر الشخص الواحد. وتعقب من بعضهم بأنه يحتمل أن معاوية
كان قد سمع الحديث المذكور، فأراد التثبت من المغيرة.
٦- وفيه المبادرة إلى امتثال السنن وإشاعتها، ففى البخارى عن وَرَّاد قال: ثم وفدت بعد على معاوية،
فسمعته يأمر الناس بذلك.
٧- ومن قوله فى روايتنا الثامنة ((دبر كل صلاة مكتوبة)) أخذ أكثر العلماء أن الذكر مستحب عقب
الفرض دون النفل، وحملوا المطلق فى ((دبر كل صلاة)» على هذا المقيد.
٨- ويؤخذ من قوله ((دبر كل صلاة)) أن الذكر يعقب السلام، حتى ولو كانت الصلاة مما يتنفل بعدها.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا الذى عليه عمل الأكثر، وعند الحنفية يبدأ بالتطوع، وزعم بعض
الحنابلة أن المراد بدبر الصلاة ما قبل السلام، وهو احتمال بعيد، ففي الرواية السادسة ((يقول إذا
سلم فى دبر الصلاة » فكذلك بقية الروايات.
٩- ومن حديث أهل الدثور أخذ بعضهم أن العالم إذا سئل عن مسألة يقع فيها الخلاف أن يجيب بما
يلحق به المفضول درجة الفاضل، ولا يجيب بنفس الفاضل، لئلا يقع الخلاف. كذا قال ابن
بطال، قال الحافظ ابن حجر: وكأنه أخذه من كونه صلى الله عليه وسلم أجاب بقوله ((ألا أدلكم
على أمر تساوونهم فيه)»، وعدل عن قوله: نعم هم أفضل منكم بذلك.
١٠- وفيه التوسعة فى الغبطة، وفرق بينها وبين الحسد المذموم.
١١ - وفيه المسابقة إلى الأعمال المحصلة للدرجات العالية، لمبادرة الأغنياء إلى العمل بما بلغهم، ولم
ينكر عليهم صلى اللّه عليه وسلم.
١٢ - وفيه أن العمل السهل قد يدرك به صاحبه فضل العمل الشاق.
١٣- واستدل به البخارى على فضل الدعاء عقيب الصلاة.
١٤ - وفيه أن العمل القاصر قد يساوى المتعدى نفعه إلى الغير، خلافًا لمن قال: المتعدى نفعه إلى
الغير أفضل مطلقًا.
١٥ - قال ابن بطال: فى هذا الحديث فضل الغنى نصاً لا تأويلاً، إذا استوت أعمال الغنى والفقير فيما
٢٨١

افترض الله عليهما، فللغنى حينئذ فضل عمل البر من الصدقة ونحوها مما لا سبيل للفقير إليه؛
قال: ورأيت بعض المتكلمين ذهب إلى أن الفضل المرتب على الذكر يخص الفقراء دون غيرهم.
قال: وغفل هذا القائل عن قوله فى الحديث ((إلا من عمل مثله)) فجعل الفضل لقائله
غنيًّا أو فقيرًا.
وقال ابن دقيق العيد: ظاهر الحديث القريب من النص أنه فضل الغنى. قال: والذى يقتضيه
النظر أنهما إن تساويا. وفضلت العبادة المالية أن يكون الغنى أفضل، وهذا لا شك فيه، وإنما
النظر إذا تساويا وانفرد كل منهما بمصلحة ما هو فيه. أيهما أفضل؟ إن فسر الفضل بزيادة
الثواب فالقياس يقتضى أن المصالح المتعدية أفضل من القاصرة، فيترجح الغنى، وإن فسر
بالإشرف بالنسبة إلى صفات النفس فالذى يحصل لها من التطهير بحسب الفقر أشرف،
فيترجح الفقرومن ثمة ذهب جمهور الصوفية إلى ترجيح الفقير الصابر. اهـ. وقال الكرمانى:
قضية الحديث أن شكوى الفقر تبقى بحالها، وأجاب بأن مقصودهم كان تحصيل الدرجات
العلا والنعيم المقيم لهم أيضًا، لا نفى الزيادة عن أهل الدثور مطلقًا. اهـ قال الحافظ ابن حجر:
والذى يظهر أن مقصودهم إنما كان طلب المساواة ويظهر أن الجواب وقع قبل أن يعلم النبى و5 ₪
أن متمنى الشيء يكون شريكاً لفاعله فى الأجر كما سبق فى كتاب العلم، فى الكلام على حديث
((لا حسد إلا فى اثنتين)) فإن فى رواية الترمذى التصريح بأن المنفق والمتمنى إذا كان صادق
النية فى الأجر سواء، وكذا قوله ((من سن سنة حسنة فله أجرها وأجر من يعمل بها من غير أن
ينقص من أجره شىء)» فإن الفقراء فى هذه القصة كانوا السبب فى تعلم الأغنياء الذكر المذكور،
فإذا استووا معهم فى قوله امتاز الفقراء بأجر السبب مضافاً إلى التمنى، فلعل ذلك يقاوم التقرب
بالمال، وتبقى المقايسة بين صبر الفقير على شظف العيش وشكر الغنى على التنعم بالمال، ومن
ثم وقع التردد فى تفضيل أحدهما على الآخر. اهـ
وقال القرطبى: إن فى هذه المسألة خمسة أقوال: فمن قائل بتفضيل الغنى ومن قائل بتفضيل
الفقير، ومن قائل بتفضيل الكفاف، ومن قائل برد هذا إلى اعتبار أحوال الناس فى ذلك، ومن
قائل بالتوقف، لأنها مسألة لها غور، وفيها أحاديث متعارضة. قال: والذى يظهرلى أن الأفضل ما
اختاره الله لنبيه :﴿ ولجمهور صحابته رضى الله عنهم، وهو الفقير غير المدقع، ويكفيك من هذا
أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل أغنيائهم بخمسمائة عام، وأصحاب الأموال محبوسون
على قنطرة بين الجنة والنار، يسألون عن فضول أموالهم. اهـ
وبعد استعراض هذه الآراء نجد أنفسنا فى حاجة إلى تحرير مواطن النزاع والمفروض عند
المقارنة بين حالين أن نفترض المساواة التامة بين المقارنين فى جميع الصفات ما عدا حالتى
المقارنة، فالمقارنة بين فقير وغنى أتى كل منهما بأعمال تساوى تماماً ما أتى به الآخر، حتى فى
النية ودرجة الإخلاص، ولم تبق ميزة بينهما سوى صبر الفقير على حاله، وشكر الغنى وصدقته
وإعتاقه، وحينئذ إن كان المقصود أيهما أكثر ثواباً عند الله؟ فليس لأحد أن يحكم إلا اللَّه، فله
٢٨٢

جل جلاله أن يثيب على القليل كثيرًا، وإن كان المقصود أى الاختيارين أشق بحيث لو أدى كل
منهما فى ميدانه ما هو مطلوب منه شرعاً بدرجة واحدة، هل يكون أداء الفقير وعطاؤه أكثر؟
فيستحق عادة وقياسًا ثوابًا أكثر؟ أو يكون الغنى وعطاؤه أكثر، فيستحق عادة وقياسًا ثوابًا
أكثر؟ الظاهر أن الابتلاء بالمال أشق والقيام بحق اللَّه فيه أصعب، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الإِنسَانَ
لَيَطْغَى ﴾ أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٧،٦] وقصة قارون وقصة من ((عاهد اللَّه لئن آتاهَ من ◌َفَضله
ليصدقن وليكونن من الصالحين)» خير شاهد، والحديث صريح فى فضل الغنى فإن الفقراء حينما
قارنوا ساووا بين الفريقين فى الصلاة والصيام أى وبقية المتيسر للفقراء من الصالحات، وشكوا
زيادة الأغنياء بالتصدق والإعتاق، فلم يقل لهم الحديث: إن صبركم على الفقر يعادل تصدقهم
وإعتاقهم، بل أرشدهم إلى عمل لولم يعمله الأغنياء يعدل تصدق الأغنياء وإعتاقهم، فلما عمله
الأغنياء بقيت ميزتهم التى عللت بقوله ((ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء)) وأما استدلال القرطبى
بدخول الفقراء الجنة قبل الأغنياء فإن كان قصده كل الفقراء وكل الأغنياء فغير مسلم وإن كان
قصده أن كثرة الأولين من الفقراء فمسلم، لأن الفقراء غالباً ليس أمامهم إلا الصبر، أما الأغنياء
فقليل منهم الشكور، وليس هذه محل النزاع. وكذا كلام الحافظ ابن حجر: فى غير موضوع النزاع،
فهو فى فقراء بعينهم تسببوا فى أجرلهم ولغيرهم، وموضوع النزاع فى الفقراء والأغنياء عامة،
وبناء على هذا التحرير لو قلنا: هل يطلب المسلم من ربه أن يكون فقيرًا صابرًا؟ أو غنيًّا شاكرًا؟
لقلنا: ليطلب أن يكون غنيًّا شاكرًا، وليحذر فإن الغنى منزلق خطر والله خير حافظًا وهو
أرحم الراحمين.
والله أعلم
٢٨٣

(٢٢٠) باب ما يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة
١١٥٦- ١٩٧ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ (١٤٧) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ إِذَا كَبَّرَ فِي الصَّلاةِ سَكْتَ
هُنَّةٌ قَبْلَ أَنْ يَقْرَأَ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي أَرَأَيْتَ سُكُوتَكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ
مَا تَقُولُ؟ قَالَ «أَقُولُ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ كَمَا بَاعَدْتَ بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ.
اللَّهُمَّ نَقْنِي مِنْ خَطَايَايَ كَمَا يُنَقِّى الثَّوْبُ الأَنْيَضُ مِنْ الدَّنَسِ. اللَّهُمَّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ
بِالفِّلْجِ وَالْمَاءِ وَالْبَرَهِ».
١١٥٧ - ١٤٨ عَنِ أَبِي زُرْعَةً(١٤٨) قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ كَانَ رَسُولُ اللَّهِمَ ﴿ إِذَا نَهَضَ
مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ اسْتَفْتَحَ الْقِرَاءَةَ بِـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ وَلَمْ يَسْكُتْ
١١٥٨ - ٩ ٤ ١ عَنِ أَنَسٍ ضَ﴾(١٤٩) أَنَّ رَجُلَا جَاءً فَدَخَلَ الصَّفَّ وَقَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ. فَقَالَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيًِّا مُبَارَكًا فِيهِ. فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﴿ْ صَلاَّهُ قَالَ «أَيُّكُمْ
الْمُتَكَلِّمُ بِالْكَلِمَاتِ؟» فَأَرَمَّ الْقَوْمُ. فَقَالَ «أَيُّكُمْ الْمُتَكَلِّمُ بِهَا؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَأْسًا» فَقَالَ رَجُلٌ:
جِئْتُ وَقَدْ حَفَزَنِي النّفَسُ فَقُلْتُهَا. فَقَالَ «لَقَدْ رَأَيْتُ اثْنَيْ عَشَرَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَهَا. أَيُّهُمْ يَرْفَعُهَا».
١١٥٩ - ٠ْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا (١٥٠) قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ وَّ
إِذْ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: اللَّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا. وَالْحَمْدُ لِلَّهِ كَثِيرًا. وَسُبْحَانَ اللَّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ﴿ «مَنْ الْقَائِلُ كَلِمَةَ كَذَا وَكَذَا؟ قَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ
«عَجِبْتُ لَهَا. فُتِحَتْ لَهَا أَبْوَابُ السَّمَّاءِ» قَالَ ابْنُ عُمَرَ: فَمَا تَرَكْتُهُنَّ مُنْذُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ
* يَقُولُ ذَلِكَ.
المعنى العام
الصلاة مناجاة بين العبد وربه، يقبل عليه مستقبلا القبلة متطهرًا بقوله: الله أكبر، ثم يناجيه
(١٤٧) حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَا جَرِيرٌ عَنِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنِ أَبِي زُرْعَةً عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
- حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنُّ نُمَيْرٍ قَالا حَدَّثَنَا ابْنُ فُضَيِّلٍ حَ وَحَدَّثَنَا أَبُو ◌َكَامِلٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ يَعْنِي ابْنَ زِيَادٍ كِلاهُمَا
عَنِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعَ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوٌّ حَدِيثٍ جَرِيرٍ.
(١٤٨) قَالَ مُسْلِمَ وَحُدِّثْتُ عَنِ يَحْتَّى بْنِ حَسَّلَ وَيُونُسَ الْمُؤَدِّبِ وَغَيْرِهِمَا قَالُوا حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ قَالَ حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ
الْقَعْقَاعِ حَدَّثَنَا أَبُو زُرْعَةً
(١٤٩) وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثْنَا عَقَّادُ حَدَّثَنَا حَمَّدٌ أَخْبَرْنَا قَتَادَةُ وَثَابِتٌ وَحُمَّيْدٌ عَنِ أَنَسٍ
(١٥٠) حَدَّثْنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةً أُخْبُرَبِي الْحَجَّاجُ بْنَّ أَبِي عُثْمَانَ عَنِ أَبِيَ الزُّبَيْرِ عَنِ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
عُتْبَةَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
٢٨٤

بالحمد له والثناء عليه بكافة أنواع الحمد والثناء، وطهارة الظاهر لمناجاة الرب يستلزمها بل يتأكد
معها تطهير الباطن، ولهذا حرص صلى الله عليه وسلم على أن يعلم أمته هذه الطهارة المطلوبة،
فسكت بين تكبيرة الإحرام وبين قراءة الفاتحة سكتة تقدر بلحظات، يحس من بجواره حركة فمه
ولسانه، ولا يسمع صوتا، نوع فريد من التعليم، يشعر المتعلمين الحريصين على الاقتداء بأنه يعمل، ولا
يأمرهم بالعمل، حتى إذا سألوا عن العمل وأجيبوا فاقتدوا كانوا مختارين راغبين، والعمل برغبة
وشوق وحب وطواعية أعظم أجرًا وقبولا وإخلاصًا عند اللَّه.
وكان ما أراد، سأله أبو هريرة. أفديك بأمى وأبى يا رسول الله، وأراك تسكت بين التكبيرة وبين
القراءة سكتة أحس أنك فيها تقول ذكراً، فماذا تقول فى سكوتك؟ قال صلى الله عليه وسلم: أسأل
الله أن يغفرلى ما قدمت، وأن يعصمنى فى مستقبل أيامى من الزلل، فأقول: اللهم باعد بينى وبين
الخطايا والذنوب ولا تجمع بينى وبين الذنوب، بقدر ما باعدت بين المشرق والمغرب اللهم نقنى
ونظفنى وطهرنى من ذنوبى كما ينظف الثوب الأبيض من الوسخ فيعود أبيض صافياً نقياً، اللهم
اغسلنى من ذنوبى ونظفنى منها كما ينظف الشيء بالماء مرة وبالثلج أخرى وبالبرد ثالثة. وتعلمها
أبو هريرة وتعلمها الصحابة، وعملوا بها، وقالوها فى صلاتهم.
بل كان بعضهم يزيد فى الذكر والثناء على ما سمع من رسول اللّه# وكان يرفع به صوته لیری،
أيقر على ما يفعل أو ينهى؟ فهذا أنس ه يروى أن رجلاً جاء فدخل الصف خلف رسول اللَّه عَ ﴾.
فاضطرب نفسه واشتد، فعطس فقال: ((الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انتهى النبى ◌َ لَّ
من الصلاة التفت إلى أصحابة فقال: أيكم الذى حمد الله بهذه الكلمات؟ وخاف المتكلم أن يقول:
أنا. وظن أنه قد أخطأ، وخشى أن يساء إليه فيفضح ويعرفه من لم يعرفه ورجا أن يعفو الله ورسوله
عنه دون افتضاح، وسكت الصحابة أدباً ورحمة فى انتظار أن يعلن عن نفسه، فلما لم يجيبوا أعاد
صلى الله عليه وسلم السؤال: من منكم تكلم بهذه الكلمات؟ وسكت للمرة الثانية وسكتوا، وعلم صلى
اللّه عليه وسلم أنهم ظنوا أن ما حصل خطأ، فقال للمرة الثالثة: من المتكلم بهذه الكلمات؟ إنه لم
يأت خطأ، إنه محسن. فقال الرجل: أنا يا رسول اللَّه، قلتها ولا أريد بها إلا خيرًا قال صلى الله عليه
وسلم: لقد فتحت لها أبواب السماء ورأيت الملائكة يتسابقون فى كتابتها ورفعها. وسمع المصلون
وتعلموا أن يقولوا مثله. صلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.
المباحث العربية
( كان إذا كبر) أى تكبيرة الإحرام.
( سكت هنية ) بضم الهاء وفتح النون وتشديد الياء بغير همزة، وهى تصغير هنة، أصلها هنوة،
صغرت على هنيوة، فاجتمعت الواو والياء، وسبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواوياء، وأدغمت فى
الياء، قال النووى: ومن همزها فقد أخطأ، ورواه بعضهم ((هنيهة)) وهو صحيح أيضًا. اهـ أى بقلب الياء
هاء، قال الحافظ ابن حجر: قال غير النووى: لا يمنع ذلك إجازة رواية الهمزة، فقد تقلب الياء
همزة.اهـ والمراد بالهنية الزمن القصير. وفى رواية للبخارى ((إسكاتة)) أى يسيرة.
٢٨٥

( بأبى أنت وأمى ) الجار والمجرور متعلق بمحذوف اسم أو فعل فى محل الخبر، و((أنت))
مبتدأ مؤخر، والتقدير: أنت مفدى بأبى وأمى، أو أنت أفديك بأبى وأمى.
(أرأيت سكوتك ) ((سكوتك)) مفعول («أرأيت.
( ما تقول)؟ ((ما)) اسم استفهام مبتدأ، والجملة بعده خبره، والرابط محذوف أى ما تقول
فيه؟ وجملة الاستفهام فى محل المفعول الثانى لـ((أرأيت)) والمعنى أخبرنى عما تقول فى سكوتك
بين التكبير والقراءة، فإن قيل إن السكوت مناف للقول، فكيف يصح أن يقال: ما تقول فى سكوتك؟
أجيب بأنه سكوت ظاهرى وقول خفى، ولعل السائل استدل عليه بحركة الفم، كما استدل غيره على
قراءة القرآن فى الظهر والعصر باضطراب اللحية.
( اللهم باعد بينى وبين خطاياى كما باعدت بين المشرق والمغرب ) ((باعد)) بمعنى
أبعد، والمفاعلة أفادت المبالغة والتكثير، و((ما)) فى ((كما باعدت)) مصدرية، والتقدير: كمباعدتك بين
المشرق والمغرب، وموقع التشبيه أن التقاء المشرق والمغرب مستحيل، فكأنه أراد ألا يبقى للخطايا
منه اقتراب بالكلية، فإن كان يراد بالخطايا الخطايا اللاحقة فمعناه إذا قدرلى ذنب واحتمل وقوعه
فباعد بينى وبين وقوعه، وإن كان يراد بها السابقة فمعناه المحو والغفران، وهذا معنى قول الحافظ
ابن حجر: المراد بالمباعدة محو ما حصل منها والعصمة عما سيأتى منها، وفى الكلام مجاز لأن
حقيقة المباعدة فى الزمان والمكان، وتكرير لفظ ((بين)) فى قوله ((بينى وبين خطاياى)) لأن العطف
على الضمير المجرور يعاد فيه الخافض. قاله الكرمانى.
( اللهم نقنى من خطاياى ) التنقية مجاز عن إزالة الذنوب ومحو أثرها.
( كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس ) الدنس الوسخ، واختار الثوب الأبيض لأن الدنس
القليل يظهر فيه، وإذا نقى كان أظهر الألوان.
( اللهم اغسلنى من خطاياى بالثلج والماء والبرد ) رواية البخارى ((اللهم اغسل خطاياى
بالماء والثلج والبرد)» والبرد حب صغير متجمد من البرودة قال الخطابي: ذكر الثلج والبرد بعد ذكر
الماء تأكيد، أو لأنهما ماءان لم تمسهما الأيدى ولم يمتهنهما الاستعمال، وقال ابن دقيق العيد: عبر
بذلك عن غاية المحو، فإن الثوب الذى يتكرر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون فى غاية النقاء وقال
الكرمانى: جعل الخطايا بمنزلة نارجهنم، لأنها مستوجبة لها، فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل
تأكيدًا فى الإطفاء، وبالغ فيه باستعمال المبردات ترقيا عن الماء إلى أبرد منه، وهو الثلج، ثم إلى
أبرد من الثلج وهو البرد. بدليل جموده، لأن ماهو أبرد فهو أجمد، وأما تثليث الدعوات [اللَّهم ... اللَّهم ...
اللَّهم .. ] فيحتمل أن يكون نظرًا إلى الأزمنة الثلاثة، فالمباعدة للمستقبل والتنقية للحال،
والغسل الماضى.
( استفتح القراءة بالحمد لله رب العالمين) الباء حرف جر (« الحمد للّه)) برفع الحمد على
الحكاية فهو مجرور بكسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية.
٢٨٦

( ولم يسكت ) بين تكبيرة القيام والقراءة، لا كما يفعل بين تكبيرة الإحرام والقراءة.
(وقد حفزه النفس ) قال النووى: هو بفتح حروفه وتخفيفها، أى ضغطه لسرعته.
ولعل هذه العبارة لبيان سر ظهور صوته بالحمد والثناء.
( الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا) أى خالصًا عن الرياء والسمعة.
( مباركًا فيه ) أى كثير الخير.
( فأرم القوم ) بفتح الراء وتشديد الميم، أى سكتوا. قال القاضى عياض: ورواه بعضهم فى غير
صحيح مسلم ((فأزم القوم)) بالزاى المفتوحة وتخفيف الميم من الأزم، وهو الإمساك، وهو
صحيح المعنى.
( فإنه لم يقل بأسًا ) أى لم يقل خطأ يؤلم أو يضر.
( يبتدرونها ) أى يسعون فى المبادرة، يقال: ابتدروا السلاح أى سارعوا إلى أخذه.
( أيهم يرفعها ) فى رواية البخارى ((أيهم يكتبها أول)) قال العينى: يحمل على أنهم يكتبونها
ثم يصعدون بها.
( الله أكبر كبيرًا ) قال النووى: أى كبرت كبيرًا.
فقه الحديث
دعاء الاستفتاح من سنن الصلاة عند أبى حنيفة والشافعي وأحمد، وقال مالك: لا يستحب دعاء
الاستفتاح بعد تكبيرة الإحرام، بل يقرأ الفاتحة عقب التكبيرة، واستدل بما فى الصحيحين عن أنس
أن النبى ** وأبا بكر وعمر رضى الله عنهما كانوا يفتتحون الصلاة بالحمد لله رب العالمين قال
الحافظ ابن حجر: وحديث أبى هريرة [وهو حديث الباب] يرد عليه، وقد تحرر أن حديث أنس بيان
ما يفتتح به القراءة، فليس فيه تعرض لنفى دعاء الافتتاح.اهـ
وقد دافع ابن بطال عن مذهب المالكية. فقال: لو كانت هذه السكتة فيما واظب عليه الشارع
لنقلها أهل المدينة عيانًا وعملاً، فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم فعلها فى وقت ثم تركها، ورد عليه
بأن الحديث ورد بلفظ ((كان إذا قام إلى الصلاة)) ويلفظ ((كان إذا قام يصلى تطوعًا)) ويلفظ ((كان إذا
قام إلى الصلاة المكتوبة)» وكان هنا يشعر بالمداومة عليه.
ومع اتفاق الحنفية والشافعية والحنابلة على استحباب دعاء الاستفتاح اختلفوا فى الصيغة
المستحبة فمذهب أحمد والحنفية على صيغة رواها أبو داود وابن ماجه والترمذى عن عائشة قالت:
٢٨٧

((كان رسول اللَّه ◌َ﴿ إذا استفتح الصلاة قال: سبحانك اللهم وبحمدك، وتبارك اسمك، وتعالى جدك،
ولا إله غيرك)) ومثله عند النسائى والترمذى من رواية أنس وأبى سعيد، وعمل به عمر بين يدى
أصحاب رسول اللَّه ◌َ *، فلذلك اختاره أحمد، وجوز الاستفتاح بغيره لكونه قد صح وعند الحنفية لا
يستفتح إلا بهذا الدعاء، قال العينى الحنفى: وأما الأدعية الأخرى الواردة فى هذا الباب فيدعوبها
بعد الفراغ من التشهد فى الفرض أو يدعوبها فى النفل، لأن باب النفل واسع، وكل ما جاء فى هذه
الأدعية فمحمول على صلاة الليل وذهب الشافعى إلى الاستفتاح بما رواه مسلم فى باب التهجد عن
على بن أبى طالب)) أن رسول اللَّه ** كان إذا قام إلى الصلاة قال: وجهت وجهي للذي فطر
السموات والأرض حنيفاً مسلماً وما أنا من المشركين إن صلاتي ونسكي ومحياى ومماتي لله رب
العالمين. لا شريك له وبذلك أمرت وأنا من المسلمين)) وبما رواه مسلم أيضًا فى هذا الباب من ((اللهم
باعد بينى وبين خطاياى ... إلخ)) وقد رواه البخارى كذلك. وقال ابن الأثير فى شرح المسند: الذى
ذهب إليه الشافعى فى الأم أنه يأتى بهذه الأذكار جميعاً من أولها إلى آخرها فى الفريضة والنافلة.
أى يجمع بين دعاء الحنفية وما روى هنا، وهل يستعيذ قبل القراءة أولا؟ الشافعية والحنفية
والحنابلة على استحباب الاستعاذة لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّه مِنْ الشَّيْطَانِ
الرَّحِيمِ﴾ [النحل: ٩٨] وقال مالك: لا يستعيذ لحديث أنس السابق («كانوا يفتتحونَ الصلاة بالحمد للَّهَ
رب العالمين)) وقد سبق توجيهه.
ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم
١ - أن دعاء الاستفتاح سنة فى حق الإمام والمأموم والمنفرد، خلافاً للمزنى الذى سنه فى حق الإمام
فقط. قال الحافظ ابن حجر: هذا الدعاء صدر منه صلى الله عليه وسلم على سبيل المبالغة فى
إظهار العبودية، وقيل: قاله على سبيل التعليم لأمته، واعترض بكونه لو أراد ذلك لجهر به، وأجيب
بورود الأمر بذلك فى حديث سمرة عند البزار.
٢- ما كان عليه الصحابة من المحافظة على تتبع أحوال النبى 8₪ فى حركاته وسكناته وإسراره
وإعلانه حتى حفظ الله بهم الدین.
٣- وفيه تفدية الرسول و بالآباء والأمهات. وهل يجوز تفدية غيره من المؤمنين؟ الأصح نعم بلا
كراهة، وقيل بالمنع مطلقاً وأن ذلك خاص به صلى الله عليه وسلم، وقيل: يجوز تفدية العلماء
والصالحين الأخيار دون غيرهم.
٤- استدل بالرواية الأولى بعض الشافعية على أن الثلج والبرد مطهران واستبعده ابن عبد السلام.
٥- استدل به بعض الحنفية على نجاسة الماء المستعمل وهذا الاستدلال أشد بعداً من سابقه.
٦ - استدل بالرواية الثالثة على جواز إحداث ذكر فى الصلاة غير مأثور إذا كان غير مخالف للمأثور.
٧- وعلى جواز رفع الصوت بالذكر ما لم يشوش على من معه.
وظاهر صنيع مسلم أن الذكر الوارد فى الرواية الثالثة والرابعة يقال بين تكبيرة الإحرام والقراءة،
٢٨٨

وهو غير صحيح، فقد ساق البخارى هذا الحديث على أنه يقال عند الرفع من الركوع، وهو الظاهر.
٨- ومن الرواية الثالثة يؤخذ ما كان عليه الصحابة من الهيبة من رسول الله * إذ سكتوا مع علمهم
بالمتكلم حتى كرر الرسول # السؤال ثلاثاً كما فى بعض الروايات. وإذ سكت الذاكر نفسه، وهو
رفاعة بن رافع، إذ جاء فى بعض الروايات ((أنه قال فى نفسه: وددت أنى خرجت من مالى،
وأنى لم أشهد مع النبى {# تلك الصلاة».
واعتذر الحافظ ابن حجر عنهم بأنه لما لم يعين واحداً بعينه فى سؤاله لم تتعين المبادرة
بالجواب، من المتكلم، ولا من واحد بعينه، فكأنهم انتظروا بعضهم ليجيب، وحملهم على ذلك
خشية أن يبدو فى حقه شىء، ظنا منهم أنه أخطأ فيما فعل، ورجوا أن يقع العفو عنه، وكأنه
صلى الله عليه وسلم لما رأى سكوتهم فهم ذلك فعرفهم أنه لم يقل بأساً.
٩ - واستدل بالرواية الثالثة على أن بعض الطاعات قد يكتبها غير الحفظة وفى الصحيحين عن
أبى هريرة مرفوعًا ((إن للَّه ملائكة يطوفون فى الطرق يلتمسون أهل الذكر)).
والظاهر أن العدد [اثنى عشر ملكًا] غير مقصود لذاته ولا مفهوم له، والمراد كثرة المبتدرين، إذ
رواية الطبرانى ((ثلاثة عشر ملكاً)) ورواية البخارى ((بضعة وثلاثين ملكًا)).
١٠- ويؤخذ من قول ابن عمر فى الرواية الرابعة ((فما تركتهن منذ سمعت رسول اللّه وال يقول ذلك))
ما كان عليه الصحابة من الحرص على السنن والمحافظة عليها.
والله أعلم
٢٨٩

(٢٢١) باب استحباب إتيان الصلاة بوقار وسكينة
والنهى عن إتيانها سعيًّا
١١٦٠ - ١٢١ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٥١) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ يَقُولُ: «إِذَا
أُقِيمَتْ الصَّلاةُ فَلا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ وَأَتُوهَا تَمْشُونٌ وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَ كُمْ
فَصَلُوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِّمُّوا».
١١٦١ - ١٥٢ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَّرَ(١٥٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِفَ﴿ قَالَ «إِذَا تُوِّبَ لِلصَّلاةِ فَلا تَأْتُوهَا
وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأَثُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُوا فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا
كَانَ يَعْمِدُ إِلَى الصَّلاةِ فَهُوَ فِي صَلاةٍ».
١١٢٢ - ١٥٣ عَنِ هَمَّامٍ بْنِ مُنَّهِ(١٥٣) قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ﴿له عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ◌َ
فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿: «إِذَا نُودِيَ بِالصَّلاةِ فَأَتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمْ
السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا».
١١٦٣ - ٤َجْد عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَّ رَ(١٥٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ «إِذَا ثُوِّبَ بِالصَّلاةِ فَلَا يَسْعَ
· إِلَيْهَا أَحَدُكُمْ وَلَكِنْ لِيَمْشٍ وَعَلَيْهِ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ صَلِّ مَا أَدْرَكْتَ وَاقْضِ مَا سَبَقَكَ».
١١٦٤ - ١٥٥ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةً(١٥٥) عَنِ أَبِيهِ ﴿ قَالَ بَيْنَمَا نَحْنُ نُصَلْي مَعَ رَسُولِ
اللَّهِلَّ فَسَمِعَ جَلَبَةٌ فَقَالَ «مَا شَأْنُكُمْ؟» قَالُوا: اسْتَعْجَلْنَا إِلَى الصَّلاةِ. قَالَ «فَلا تَفْعَلُوا. إِذَا
أَتَيْتُمْ الصَّلاةَ فَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ. فَمّا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا سَبَقَكُمْ فَأَتِمُّوا».
(١٥١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَعَمْرٌوِ النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ سَعِيدٍ عَنِ أَبِي
هُرَيْرَةَ عَنِ النّبِيِّ فَ﴿ْ قَالَ حٍ وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِيَادٍ أَخْبُرَنَا إِبْرَاهِيمُ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ سَعِيدٍ وَأَبِي
سَلَمَةَ عَنٍ أَبِيَ هُرَيْرَةً عَنِ الْبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ حِ وَحَدَّثَنِي خَرْمَلَةٌ بْنُ يَحْتِى وَاللَّفْظُ لَهُ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍَ أَخْبَرَبِي يُونِّسُ عَنِ اَبَّنٍ
شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَبِي أَبُو سَلَمَّةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ
(١٥٢) حَدََّا يَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنَّ حُجْرٍ عَنِ إِسْمَعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ أَخْبُرَنِي الْعَلاءُ عَنٍ
أَبِيهِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٥٣) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ هَمَّامٍ بْنِ مُنِّهِ
(١٥٤) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا الْفُضَيْلُ يَعْنِيَ ابْنَ عِيَاضٍ عَنِ هِشَامٍ قَالَ حٍ وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ
ابْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّنَ عَنِ مُحَمَّدٍ بْنِ سِيرِينَ عَنِ أَبِيَّ هُرِيْرَةَ
(١٥٥) حَدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا مُحَّمَّدُ بْنُ الْمََّارَكِ الصُّورِيُّ حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلامٍ عَنِ يَحْتَى بْنِ أَبِي كَثِيرِ
- وحَدَّثَنَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنَاَ شَيْبَانُ بِهَذَا الَإِسْنَادِ أَخْبُرَنِيَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِيْ قَتَادَةَ أَنَّ أَبَاهُ
أَخْبُرَهُ قَالَ
٢٩٠

المعنى العام
لصلاة الجماعة فضيلة يسعى إليها كل مسلم، وللمبادرة إلى أداء الصلاة فى وقتها فضيلة يحرص
عليها كل مصل، وهكذا كان الصحابة يحرصون على هذه الفضائل كل الحرص، وكانوا يتسابقون
ويسارعون لدرجة الجرى والقفز.
ولما كان للصلاة قدسيتها لأنها مناجاة، وساحة المناجاة والتهيؤلها يعطى حكمها من التقديس
والوقار، ولما كان العامد إليها يعد فيها، إعطاء للوسيلة حكم الغاية كانت دعوة الشارع إلى إتيان
الصلاة بالسكينة والخشوع والوقار منذ يخرج من بيته حتى يقف فى الصف. لقد سمع رسول اللّه ◌ُ ل
أصوات وحركات أصحابه يسعون ويهرولون للحاق به وهو فى الصلاة، فلما سلم قال لهم: ما هذه
. الجلبة؟ ولماذا تلك الحركات؟ قالوا: أسرعنا وتعجلنا اللحاق بك لإدراك أكبر قدر من الفضيلة. قال:
لا تعودوا لمثلها، ولا تسعوا عند إتيانكم الصلاة، وائتوها مشيًّا قريب الخطا، وعليكم بالسكينة فى
طريقكم، وعليكم بالخشوع والوقار فى إتيانكم، فإن أحدكم فى طريقه إلى الصلاة عامداً إليها يعطى
الثواب كما لوكان فى صلاة، فما أدركتم مع الإمام فصلوا معه، وما سبقكم فيه فأتموه بعد تسليم
الإمام، فإن لكم أجركم.
وهكذا دعت الشريعة إلى التبكير إلى الصلاة وانتظارها كما دعت إلى الوقار والسكينة فى
الذهاب إليها، فالحريص عليها ينبغى أن يبكر لها، فإن لم يبكر فلا يسرع فى مشيه رفقًا به وتكريمًا
وتقديساً لساحة الصلاة، وأدبا فى التوجه إلى اللَّه، هدانا الله لما يحبه ويرضاه.
المباحث العربية
( إذا أقيمت الصلاة) فى الرواية الثانية ((إذا ثوب للصلاة)) وفى رواية البخارى ((إذا سمعتم
الإقامة)) والمراد من التثويب الإقامة، وسميت الإقامة تثويباً لأنها دعاء إلى الصلاة بعد الدعاء
بالأذان، من قولهم: ثاب إذا رجع. وفى الرواية الثالثة ((إذا نودى بالصلاة)) والمراد من النداء الثانى
وهو الإقامة، وفى الرواية الخامسة ((إذا أتيتم الصلاة)) وهو أعم من الإقامة، لكن الأولى حمل الإتيان
على الإتيان عند سماع الإقامة جمعاً بين الروايات، ولأنه إذا نهى عن الإسراع عند خوف فوات
الفضيلة وإدراك تكبيرة الإحرام فقد نهى عن الإسراع عند عدم الخوف من باب أولى.
( فلا تأتوها تسعون) ((جملة تسعون)) فى محل النصب على الحال، والمراد من السعى هنا
الجرى، لمقابلته هنا بقوله ((وأتوها تمشون)) وجملة ((تمشون)) حال أيضًا.
( وعليكم السكينة) («السكينة)) بالرفع - كما ضبطها النووى - مبتدأ مؤخر، و((عليكم)) خبر
مقدم، والجملة فى موضع النصب على الحال، وضبطها القرطبى شارح مسلم بالنصب على الإغراء،
٢٩١

و((عليكم)) اسم فعل بمعنى الزموا وفى رواية البخارى ((وعليكم بالسكينة)» بالباء الزائدة الداخلة على
المفعول ومثلها كثير فى الأحاديث الصحيحة كقوله ((عليكم برخصة الله)). ((فعليه بالصوم)). ((عليكم
بقيام الليل)) وفى الرواية الرابعة ((وعليه السكينة والوقار) قال القاضى عياض والقرطبى: هما بمعنى
واحد، وجمع بينهما للتأكيد، وقال: والظاهر أن بينهما فرقاً، وأن السكينة التأنى فى الحركات
واجتناب العبث ونحو ذلك، والوقار فى الهيئة وغض البصر وخفض الصوت والإقبال على طريقه من
غير التفات ونحو ذلك.
( فما أدركتم فصلوا ) الفاء الأولى فى جواب شرط محذوف، أى إذا فعلتم ما أمرتكم به من
السكينة والوقار فما أدركتم [أى فالقدر الذى أدركتموه فى الصلاة مع الإمام] فصلوا معه.
( وما فاتكم فأتموا ) لفظ الإتمام يقع على باق من شيء قد تقدم أكثره أو بعضه، فظاهره أن
ما أدركه هو أول الصلاة، وما فاته هو آخرها وتكملتها. لكن فى الرواية الرابعة ((صل ما أدركت واقض .
ما سبقك)) ومعناها فى المتبادر أن ما أدركه هو آخر الصلاة وما فاته هو أولها عليه قضاؤه، والحكم
يختلف على المعنيين كما سيأتى فى فقه الحديث.
( فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة ) أى يقصدها ويتحرك لها.
( فهو فى صلاة ) أى فى ثواب صلاة وفى أجر صلاة، ولابد من تقدير هذا المضاف لأنه لا يكون
فى صلاة فعلية.
( بينما نحن نصلى ... ) ((بينما)) أصله ((بين)) زيدت عليه الميم والألف، وربما تزاد
الألف فقط، فيقال ((بينا)) وهى ظرف الزمان بمعنى المفاجأة، ويضاف إلى جملة من فعل
وفاعل، أو من مبتدأ وخبر، ويحتاج إلى جواب يتم به المعنى ويصدر بإذ، أو ((إذا)) أو الفاء،
وبدون شيء من ذلك أكثر.
(فسمع جلبة) جواب ((بينما)) وفى رواية البخارى ((إذا سمع جلبة رجال)) وفى رواية له ((جلبة
الرجال)) أى أصواتا لحركتهم وكلامهم واستعجالهم.
( ما شأنكم )؟ خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، والشأن بالهمزة وبالتخفيف الحال.
( استعجلنا إلى الصلاة ) السين والتاء للطلب أو الصيرورة، أى طلبنا من أنفسنا العجلة إلى
الصلاة، أو صرنا عجلين إلى الصلاة.
( قال: فلا تفعلوا ) الفاء فى جواب شرط مقدر، أى إذا تأخرتم فلا تفعلوا العجلة والإسراع،
والنهى عن الاستعجال بلفظ النهى عن الفعل فيه مبالغة، لأنه من العام الذى يدخل ضمنه الخاص.
كذا قيل.
٢٩٢

فقه الحديث
قال النووى: فى الحديث الندب الأكيد إلى إتيان الصلاة بسكينة ووقار والنهى عن إتيانها سعيًّا،
سواء فيه صلاة الجمعة وغيرها، وسواء خاف فوت تكبيرة الإحرام أم لا.
ثم قال: وقوله صلى الله عليه وسلم ((إذا أقيمت الصلاة)) إنما ذكر الإقامة للتنبيه بها على ما
سواه، لأنه نهى عن إتيانها سعياً فى حال الإقامة، مع خوفه فوت بعضها فقبل الإقامة أولى، وأكد
ذلك ببيان العلة، فقال صلى اللَّه عليه وسلم ((فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو فى صلاة))
وهذا يتناول جميع أوقات الإتيان إلى الصلاة، وأكد ذلك تأكيدا آخر، قال ((فما أدركتم فصلوا وما
فاتكم فأتموا » فحصل فيه تنبيه وتأكيد لئلا يتوهم متوهم أن النهى إنما هو لمن لم يخف فوت بعض
الصلاة، فصرح بالنهى، وإن فات من الصلاة ما فات، وبين ما يفعل فيما فات. اهـ
وهذا التعميم الذى ذكره النووى هو ما عليه عامة العلماء، فالنهى عن الإسراع إلى الصلاة ولولم
يخف الفوات، ولو قبل الإقامة واضح بالقياس الأولى الذى ذكره، وواضح من الرواية الخامسة، ولفظها
((إذا أتيتم الصلاة)) والحكمة فى ذلك أن الذاهب إلى الصلاة ينبغى أن يكون متأدبا بآدابها، وعلى
أكمل الأحوال، وما دام - والحالة هذه - فى حكم المصلى فترة توصله إليها فعليه أن يلتزم الوجل
والخشوع المطلوب لها، واعتماد ما ينبغى للمصلى اعتماده واجتناب ما ينبغى للمصلى اجتنابه. وقد
شذ بعضهم فجعل النهى خاصا بمن سمع الإقامة أو خاف الفوات، ومعنى هذا أنه لا يكره الإسراع
لمن جاء قبل الإقامة، وملحظه أن المسرع إذا أقيمت الصلاة يصل إليها وقد ضاق به النفس فيقرأ
بغير ترتيل، ويقف فى الصلاة مضطربا من غير تمام الخشوع، بخلاف من جاء قبل ذلك فإن الصلاة
قد لا تقام حتى يستريح.
والنهى عن الإسراع بعد الإقامة وخوف الفوات واضح وصريح لكن الإمام أحمد يقول: ولا بأس إذا
طمع أن يدرك التكبيرة الأولى أن يسرع شيئاً، ما لم يكن عجلة تقبح، فقد جاء الحديث عن أصحاب
رسول اللَّه ﴿ أنهم كانوا يعجلون شيئاً إذا خافوا فوات التكبيرة الأولى. ذكره صاحب المغنى. وحكى
قبل ذلك عن إسحق بن راهويه، وأنه يرى أن الإسراع المنهى عنه هو الإسراع المفضى إلى عدم الوقار.
والأصح ما ذكره النووی.
ولا يقال: إن النهى عن السعى إلى الصلاة هنا يتعارض مع الأمر به فى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا
الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ [الجمعة: ٩] لأن
المراد من السعى المنهى عنه فى الحديث - كما قلنا فى المباحث العربية - الجرى والعجلة
لمقابلته بالمشى. والمراد من السعى المأمور به فى الآية المضى والذهاب لمقابلته بترك البيع،
والاستعمالان لغويان.
قال الحافظ ابن حجر: وعدم الإسراع يستلزم كثرة الخطا، وهو معنى مقصود لذاته، وردت فيه
٢٩٣

أحاديث، كحديث جابر عند مسلم ((إن بكل خطوة درجة))، ولأبى داود ((إذا توضأ أحدكم فأحسن
الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لم يرفع قدمه اليمنى إلا كتب الله له حسنة، ولم يضع قدمه اليسرى إلا
حط اللَّه عنه سيئة. فإن أتى المسجد فصلى فى جماعة غفر له، فإن أتى وقد صلوا بعضا وبقى بعض،
فصلى ما أدرك، وأتم ما بقى، كان كذلك، وإن أتى المسجد وقد صلوا فأتم الصلاة كان كذلك)). وفى
مسند ابن حميد عن زيد بن ثابت قال: «أقيمت الصلاة، فخرج رسول الله ﴿ يمشى وأنا معه، فقارب
فى الخطا، ثم قال: أتدرى لم فعلت هذا؟ لتكثر خطانا فى طلب الصلاة )).
ويستحب أن يقول ما رواه ابن عباس وأخرجه الإمام مسلم ((أن النبى 3* خرج إلى الصلاة وهو
يقول: اللهم اجعل فى قلبى نورا، واجعل فى سمعى نورا واجعل فى بصرى نورا، واجعل من خلفى
نورا، ومن أمامي نورا، واجعل من فوقى نورا، ومن تحتى نورا، وأعطنى نورا ».
واختلف الفقهاء فيما يدركه المسبوق مع الإمام، هل هو أول صلاته؟ أو آخرها على ثلاثة أقوال:
الأول: أن ما أدركه هو أول صلاته، وما يأتى به بعد سلام الإمام هو آخرها، وهو مذهب الشافعى
وجمهور العلماء من السلف والخلف، ورواية عن مالك ورواية عن أحمد، ودليله روايات ((وما فاتكم
فأتموا والإتمام لا يكون إلا عن شيء تقدمه، وروايات ((أتموا)) هى الصحيحة، ورواية «فاقضوا)» فيها
كلام، وهى قليلة بالنسبة لروايات ((أتموا)) ثم القضاء وإن كان يطلق على الفائت غالبا لكنه يطلق
على الأداء أيضا، فحمله على الأداء يوافق الرواية الأخرى، ولما كان مخرج الحديث واحدا،
والاختلاف فى لفظة منه وأمكن رد الاختلاف إلى معنى يتم به الاتفاق كان ذلك أولى، ويؤيد هذا
المذهب ما رواه البيهقى عن على ه ((ما أدركت فهو أول صلاتك)) فلو أدرك المأموم الإمام فى
الركعتين الأخيرتين من العشاء مثلا كانتا بالنسبة له الأوليين فإذا سلم الإمام أتم المأموم صلاته
بركعتين لا يجهر فيهما ولا يقرأ سورة بعد الفاتحة، وأوضح دليل يؤيد هذا المذهب أنه يجب عليه أن
يتشهد فى آخر صلاته على كل حال، فلوكان ما يدركه مع الإمام آخرا له لما احتاج إلى إعادة
التشهد. ويؤيده أيضا أنهم أجمعوا على أن تكبيرة الإحرام لا تكون إلا فى الركعة الأولى، فما أدركه
المأموم إنما هو أول صلاته.
المذهب الثانى: أن ما أدركه المأموم هو آخر صلاته، وعليه بعد تسليم الإمام أن يقضى أول
صلاته بما ينبغى له من أقوال وأفعال على الهيئة اللازمة للأول وهو مذهب أبى حنيفة، ورواية عن
أحمد ورواية عن مالك، بل هو قول كبار المالكية، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم فى الرواية
الرابعة ((صل ما أدركت واقض ما سبقك)) وبما رواه ابن أبى شيبة ((وما فاتكم فاقضوا)) وقد سبق رد
هذا الدليل.
المذهب الثالث: أنه أول صلاته بالنسبة إلى الأفعال، فلا يجهر فى الإتمام بعد تسليم الإمام، وآخر
صلاته بالنسبة إلى الأقوال فيقضى الأوليين بالفاتحة والسورة، وهو قول مالك فى المشهور، قال ابن
٢٩٤

بطال عنه: ما أدرك فهو أول صلاته إلا أنه يقضى مثل الذى فاته من القراءة بأم القرآن وسورة، وقال
سحنون عنه: هذا الذى لم يعرف خلافه، ودليله ما رواه البيهقى عن على (( ما أدركت مع الإمام فهو
أول صلاتك)) واقض ما سبقك من القرآن)).
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١ - يؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم «وما فاتكم فأتموا » جواز قول: فاتتنا الصلاة، وأنه لا كراهة
فيه، وبهذا قال جمهور العلماء، وكرهه ابن سيرين وقال: إنما يقال: لم ندركها فالكراهة من جهة
اللفظ، لأن قوله: لم ندركها فيه نسبة عدم الإدراك إلينا، بخلاف فاتتنا. وكلام ابن سيرين غير
صحيح لثبوت النص بخلافه.
٢- قال النووي: فى قوله ((فإن أحدكم إذا كان يعمد إلى الصلاة فهو فى صلاة)» دليل على أنه يستحب
للذاهب إلى الصلاة أن لا يعبث بيده، ولا يتكلم بقبح، ولا ينظر نظراً قبيحاً، ويجتنب ما أمكنه
مما يجتنبه المصلى، فإذا وصل المسجد وقعد ينتظر الصلاة كان الاعتناء بما ذكرناه آكد.
٣- قال الحافظ ابن حجر: استدل بقوله ((فسمع جلبة)) على أن التفات خاطر المصلى إلى الأمر
الحادث لا يفسد صلاته.
٤- واستدل بالحديث على حصول فضيلة الجماعة بإدراك جزء من الصلاة لقوله ((فما أدركتم فصلوا »
ولم يفصل بين القليل والكثير.
قال الحافظ ابن حجر: وهذا قول الجمهور، وقيل: لا تدرك الجماعة بأقل من ركعة، لحديث ((من
أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك)» قال: وقياسا على الجمعة. اهـ وسيأتى الكلام عليه بعد باب.
٥- واستدل به على استحباب الدخول مع الإمام فى أى حالة وجد عليها وفيه حديث صريح عند
ابن أبى شيبة» من وجدنى راكعاً أو قائماً أو ساجداً فليكن معى على حالتى التى أنا عليها».
٦- قال الحافظ ابن حجر: واستدل به على أن من أدرك الإمام راكعاً لم تحسب له تلك الركعة، للأمر
بإتمام ما فاته وقد فاته الوقوف والقراءة فيه، وهو قول أبى هريرة وجماعة، بل حكاه البخارى فى
القراءة خلف الإمام عن كل من ذهب إلى وجوب القراءة خلف الإمام، وحجة الجمهور حديث أبى
بكرة، حيث ركع دون الصف، فقال له النبى * ((زادك الله حرصاً ولا تعد)» ولم يأمره بإعادة تلك
الركعة.
والله أعلم
٢٩٥

(٢٢٢) باب متى يقوم الناس للصلاة
١١٦٥ - ١٥٦ عَنِ أَبِي قَتَادَةَ(١٥٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «إِذَا أُقِيمَتْ الصَّلاةُ فَلا تَقُومُوا
حَتَّى تَرَوْنِي». وقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ «إِذَا أَقِيمَتْ أَوْ نُودِيَ»
١١٦٦ - ١٠ْ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةً(١٠) عَنِ أَبِيهِ عَنِ النِِّيِّل:﴿ وَزَادَ إِسْحَقُ فِي رِوَايَتِهِ
حَدِيثَ مَعْمَرٍ وَشَيْبَانَ «حَتَّى تَرَوْنِي قَدْ خَرَجْتُ».
١١٦٧ - ١٩٧ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ(١٥٧) قَالَ أُقِيمَتْ الصَّلاةُ فَقُمْنَا فَعَدَّلْنَا الصُّفُوفَ قَبْلَ أَنْ
يَخْرُجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ﴿ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ِ حَتَّى إِذَا قَامَ فِي مُصَلاهُ قَبْلَ أَنْ يُكَبِّرَ ذَكَرَ
فَانْصَرَفَ. وَقَالَ لَا «مَكَانَكُمْ» فَلَمْ نَزَلْ قِيَامًا نَنْتَظِرُهُ حَتَّى خَرَجَ إِلَيْنَا. وَقَدْ اغْتَسَلَ. يَنْطُفُ
رَأْسُهُ مَاءٌ. فَكَبَّرَ فَصَلَّى بِنَا.
١١٦٨ - شْ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(١٥٨) قَالَ: أُقِيمَتْ الصَّلاةُ وَصَفَّ النَّاسُ صُفُوفَهُمْ وَخَرَجَ
رَسُولُ اللَّهِ فَ﴿ فَقَامَ مَقَامَهُ فَأَوْمَأَ إِلَيْهِمْ بِيَدِهِ أَنْ مَكَانَكُمْ فَخَرَجَ وَقَدْ اغْتَسَلَ وَرَأْسُهُ يَنْطُفُ
الْمَاءَ فَصَلَّى بِهِمْ.
١١٦٩ - ١٥٩ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٥٩) أَنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ تُقَامُ لِرَسُولِ اللَّهِلَ﴿َ. فَيَأْخُذُ النَّاسُ
مَصَافْهُمْ. قَبْلَ أَن يَقُومَ الْبِيُّفَ﴿ مَقَامَهُ.
١١٧٠ - ١٦٠ عَنِ جَابِرٍ بْنِ سَمُرَةَ عَلُ(١٦٠) قَالَ: كَانَ بِلالٌ يُؤَذِّدُ إِذَا دَحَضَتْ فَلا يُقِيمُ حَتَّى
يَخْرُجَ النِّيُّ:﴿ فَإِذَا خَرَجَ أَقَامَ الصَّلاةَ حِينَ يَرَاهُ.
(١٥٦) وَحَدَّثَنِي مُحَمِّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ قَالا حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ حَجَّاجِ الصَّوَّافِ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ
عَنٍ أَبِي سَلَمَةً وَعَبْدِ اللَّهِ بْنَّ أَبِي قَتَادَةَ عَنِ أَبِي قَتَادَةً
(١٠) وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَّيْبَةً حَدَّقْنَا سُفْيَّانَ بْنُ عُبَيْئَةٌ عَنِ مَعْمَرٍ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَحَدَّثْنَا ابْنُ عُلَيَّةً عَنِ حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ
ح وحَدَّثَنَا إِسْحَقَّ بْنُ إِبَّرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ وَعَبَّدُ الرَّزَّاقِ عَنِ مَعْمَّرٍ وَقَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ شَيْبَانِ
كُلَّهُمْ عَنِ يَخْتَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةً عَنِ أَبِيهِ
(١٥٧) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنَّ مَغْرُوفٍ وَحَرَّمَلَّةُ بْنُ يَحْتَىَ قَالا حَدَّثَنَا ابَّنُ وَهْبٍ أَخْبَوَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَّمَةَ بْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً
(١٥٨) وَحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو عَمْرٍو يَغْنِي الأَوْزَاعِيَّ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنِ أَبِي سَلَمَةً
عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٥٩) وَحَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو سَلَمّةَ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٦٠) وحَدَّثَنِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ حَدَّثَنًا زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا سَمَاكُ بَّنُ حَرْبٍ عَنِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةٌ
٢٩٦

المعنى العام
إن الدقة الإسلامية، وتبحر العلماء المسلمين فى دقائق الشريعة وفروعها، وكيفية استنباط
الأحكام الدقيقة من نصوصها تتجلى فى هذا الباب: متى يقوم المصلون لصلاة الجماعة؟ أعند بداية
إقامة الصلاة؟ أم فى نهايتها؟ أم عند قوله: حى على الصلاة؟ أم عند قوله: قد قامت الصلاة؟ ثم. هل
تقام الصلاة قبل أن يصل الإمام؟ وهل يصطف المصلون قبل وصوله؟.
دقائق فقهية، وكلها فى الاستحباب أو عدم الاستحباب، ولا بطلان على أى وجه، ولا إثم على أى
اتجاه، لقد كان بلال يؤذن للصلاة أحيانا ورسول اللّه{ فى بيته - وبيوت أزواجه صلى اللّه عليه
وسلم كانت محيطة بالمسجد تفتح فيه - وكانت تقام الصلاة أحيانا ويصطف الناس قبل أن يخرج
إليهم رسول الله*، وفى ذلك مشقة عليهم قد تطول لعذر، فنهاهم رسول اللّه ﴿. نهى بلالا أن يقيم
الصلاة حتى يراه، ونهى أصحابه أن يقوموا - ولو بعد الإقامة - حتى يروه، فإن وقفوا ووقف إمامهم،
ثم بدا له عذر يضطره للخروج والعودة السريعة انتظروه قياما حتى يعود، ففى ذلك أجرلهم كما لو
كانوا فى الصلاة وقد شاء الله لنبيه * أن ينسى أنه جنب فيحضر للصلاة ثم يتذكر، فيخرج، ثم
يغتسل، ويعود، ليعلمهم أن النسيان طبيعة البشروهو بشر مثلهم، وأنه لا حياء فى الدين، فصلى اللَّه
وسلم وبارك عليه، وعلى آله وأصحابه، ومن اهتدى بهداهم إلى يوم الدين.
المباحث العربية
( إذا أقيمت الصلاة ) إذا ذكرت ألفاظ الإقامة.
( حتى ترونى ) أى حتى ترونى قد خرجت إليكم، فإذا رأيتمونى خرجت فقوموا
واصطفوا للصلاة.
( قبل أن يكبر ذكر) أى قبل أن يدخل فى الصلاة، وقبل أن ينطق بتكبيرة الإحرام تذكر أنه
جنب، ففى رواية البخارى فى باب الغسل ((فلما قام فى مصلاه ذكر أنه جنب)) وفى رواية أبى نعيم
((ذكر أنه لم يغتسل)) وفى رواية البخارى ((وانتظرنا تكبيره، وكل ذلك صريح فى أنه لم يكبر ولم يدخل
فى الصلاة، فتحمل رواية أبى داود أنه كان دخل فى الصلاة على أن المراد بقوله ((دخل فى الصلاة))
أنه قام فى مقامه للصلاة وتهيأ للإحرام بها، قال النووى: ويحتمل أنهما قضيتان، وهو الأظهر.اهـ
( فانصرف ) من المسجد إلى حجرته صلى الله عليه وسلم.
( مكانكم) أى الزموا مكانكم، وفى رواية البخارى ((على مكانكم)) أى كونوا على مكانكم.
(فلم نزل قيامًا ننتظره) ((قياما)) حال، وجملة ((ننتظره)) خبر ((نزل)) أو العكس،
أوهما خبران.
٢٩٧

( حتى خرج إلينا وقد اغتسل) جملة ((وقد اغتسل)) حالية.
( ينطف رأسه ماء) ((ينطف)) بكسر الطاء وضمها، أى يقطر، كما جاء فى رواية للبخارى.
و((ماء)) تمييز، والجملة حال مترادفة من فاعل ((خرج)) أو متداخلة من فاعل ((اغتسل)) والأول أوضح.
(فأوما إليهم بيده أن مكانكم) ((أن)) هنا تفسيرية بمعنى أى، مفسرة لمعنى ((أوماً)) وهى
مسبوقة بجملة فيها معنى القول دون حروفه، وفى الرواية السابقة ((وقال: مكانكم)) فيجمع بين
الروايتين بأن المراد من القول الإشارة والإيماء، أو أنه تكلم وأشار، فوضع كل منهما فى رواية.
( فخرج وقد اغتسل ) الظاهر أن الخروج هنا من الحجرة إلى المسجد ليتفق مع الرواية
السابقة فى اللفظ، فهو معطوف على محذوف، أى فانصرف إلى حجرته فخرج منها إلينا
وقد اغتسل.
( كان بلال يؤذن ) أى للظهر.
( إذا دحضت ) بفتح الدال والحاء والضاء، أى زالت، والضمير للشمس وإن لم يسبق لها ذكر
للعلم بها، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ [ص: ٣٢].
فقه الحديث
اختلف العلماء فى: متى يقوم المأمومون للصلاة؟.
فقال مالك فى الموطأ: لم أسمع فى قيام الناس حين تقام الصلاة بحد محدود إلا أنى أرى ذلك
على طاقة الناس، فإن منهم الثقيل والخفيف.
ومذهب الشافعى وطائفة أنه يستحب أن لا يقوم حتى يفرغ المؤذن من الإقامة، وهو
قول أبى يوسف.
وقال أبو حنيفة ومحمد: يقومون فى الصف إذا قال: حى على الصلاة.
وعند أحمد يستحب القيام إلى الصلاة عند قول المؤذن: قد قامت الصلاة وبهذا قال مالك فى
رواية، وهو قول زفر. قال ابن المنذر: على هذا أهل الحرمين.
ووجهه أن قوله: قد قامت الصلاة، خبر بمعنى الأمر، ومقصوده الإعلام ليقوموا، فيستحب المبادرة
إلى القيام امتثالا للأمر.
وكان عمر بن عبد العزيز ومحمد بن كعب وسالم وأبو قلابة والزهرى وعطاء يقومون عند أول كلمة
من الإقامة.
وعن سعيد بن المسيب قال: إذا قال المؤذن: الله أكبر وجب القيام، وإذا قال: حى على الصلاة
عدلت الصفوف.
٢٩٨

هذا إذا كان الإمام فى المسجد أو قريبا منه، أما إذا لم يكن الإمام فى المسجد فذهب الجمهور
إلى أنهم لا يقومون، ولا يقام للصلاة حتى يروه، وعن أحمد: ينبغى أن تقام الصفوف قبل أن يدخل
الإمام فلا يحتاج أن يقف. أما عن: متى يفتتح الإمام الصلاة؟ فقد قال أبو حنيفة ومحمد وزفر: إذا
قال المؤذن: قد قامت الصلاة كبر الإمام، لأنه أمين الشرع، وقد أخبر بقيامها، فيجب تصديقه.
وعامة العلماء على أنه لا يكبر الإمام إلا بعد فراغ المؤذن من الإقامة، لأن النبى ** إنما كان يكبر
بعد فراغه، دل على ذلك ما روى أنه كان يعدل الصفوف بعد إقامة الصلاة، ويقول فى الإقامة مثل
قول المؤذن، وروى أنس قال: أقيمت الصلاة، فأقبل علينا رسول اللّه ◌َ ﴿ بوجهه، فقال: ((أقيموا
صفوفكم وتراصوا، فإنى أراكم من وراء ظهرى)) رواه البخارى. وعنه قال: كان رسول اللَّه ◌َ﴿ إذا قام
إلى الصلاة قال هكذا وهكذا عن يمينه وشماله: ((استووا وتعادلوا)).
وعلى هذا فروايات الباب ظاهرة التعارض، فالرواية الثانية والثالثة والرابعة أن الصلاة كانت
تقام، ويصطف المصلون، وتعدل الصفوف قبل أن يخرج رسول اللَّه # من حجرته، وقبل أن يراه
الناس، والرواية الخامسة أن الصلاة لم تكن تقام حتى يخرج ويراه الناس.
وقد جمع الحافظ ابن حجر بأن روايات أبى هريرة [الثانية والثالثة والرابعة] وقعت لبيان
الجواز، وبأن صنيعهم فيها كان سبب النهى الوارد فى الرواية الأولى، وأنه نهاهم عن ذلك لاحتمال أن
يقع له شغل يبطئ فيه عن الخروج فيشق عليهم انتظاره.
وهناك تعارض آخر فى الظاهر بين الرواية الأولى والرواية الخامسة، فالرواية الأولى ((إذا أقيمت
الصلاة فلا تقوموا حتى ترونى)) ظاهرها أن الصلاة قد تقام قبل أن يروا النبي ◌ُ ل، والرواية الخامسة،
وفيها ((فإذا خرج الإمام أقام [بلال] الصلاة حين يراه)) واضحة فى أنه لم يكن يقيم حتى يراه، وقد
جمع الحافظ ابن حجر بينهما نقلا عن القرطبى بأن بلالا كان يراقب خروج النبى ®، فأول ما يراه
يشرع فى الإقامة قبل أن يراه غالب الناس، ثم إذا رأوه قاموا، فلا يقوم فى مقامه حتى تعتدل
صفوفهم.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١ - استحباب تعديل الصفوف والتراص فيها.
٢- أنه لا يضر الفصل القليل بين الإقامة والصلاة، حيث لم يجددوا إقامة الصلاة لما اغتسل وخرج.
قال الحافظ ابن حجر، الظاهر أنه مقيد بالضرورة وبأمن خروج الوقت، وعن مالك: إذا بعدت
الإقامة عن الإحرام تعاد، وينبغى أن يحمل على ما إذا لم يكن عذر.
٣- جواز النسيان فى العبادات على الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وقد سبق بيان ذلك فى
سجود السهو.
٤- استدل بقطر الماء من رأسه صلى الله عليه وسلم على طهارة الماء المستعمل.
٢٩٩

٥- وفيه جواز الإقامة والإمام فى منزله إذا كان يسمعها وقد أذن بذلك.
٦- وفيه جواز انتظار المأمومين مجىء الإمام قياماً عند الضرورة، وقد قيل البخارى: إذا وقع هذا
لأحدنا يفعل مثل هذا؟ قال: نعم. قيل: فينتظرون الإمام قياما أو قعودا؟ قال: إن كان قبل
التكبير فلا بأس أن يقعدوا، وإن كان بعد التكبير انتظروه قيامًا.
٧- وفيه أنه لا حياء فى أمر الدين، ويمكن لمن يغلبه الحياء أن يأتى بعذر موهم، كأن يمسك بأنفه
ليوهم أنه راعف، ذكره الحافظ ابن حجر.
٨- وأنه لا يجب على من احتلم فى المسجد فأراد الخروج منه أن يتيمم خلافاً لبعضهم.
٩- وفيه جواز تأخير الجنب الغسل عن وقت الحدث.
١٠- وفيه رد على الحنفية فى قولهم بأن الإمام يكبر إذا قال المؤذن فى الإقامة، قد قامت الصلاة.
١١ - وفيه أنه يجوز الخروج من المسجد بعد إقامة الصلاة لعلة وضرورة وفى ذلك تخصيص لما رواه
مسلم وأبو داود عن أبى هريرة («أنه رأى رجلا خرج من المسجد بعد أن أذن المؤذن فقال: أما هذا
فقد عصى أبا القاسم)» فيخص نحو هذا بمن ليس له ضرورة، ويلحق بالجنب المحدث والراعف
والحاقن ونحوهم.
واللَّه أعلم
٣٠٠