النص المفهرس
صفحات 221-240
نسيت، فالظاهر أن أبا هريرة رواه كثيراً على الشك، وكان ربما غلب على ظنه أنها الظهر فجزم بها،
وتارة غلب على ظنه أنها العصر فجزم بها، اهـ
( ثم أتى جذعا فى قبلة المسجد فاستند إليها مغضبًا ) قال النووي: هكذا هو فى كل
الأصول ((فاستند إليها)) والجذع مذكر، ولكن أنثه على إرادة الخشبة، اهـ. وفى رواية البخارى ((ثم قام
إلى خشبة فى مقدم المسجد)) أى فى جهة القبلة، وفى رواية ((فقام إلى خشبة معروضة فى المسجد))
أى موضوعة بالعرض، قال الحافظ ابن حجر: ولا تنافى بين هذه الروايات، لأنها تحمل على أن الجذع
كان قبل اتخاذ المنبر ممتداً بالعرض، وكأنه الجذع الذى كان صلى الله عليه وسلم يستند إليه قبل
اتخاذ المنبر، وبذلك جزم بعض الشراح، اهـ، وفى رواية البخارى ((فوضع يده عليها)) أى استند إلى
الخشبة بواسطة يده صلى الله عليه وسلم، ووقع فى بعض الروايات الصحيحة ((فقام إلى خشبة
معروضة فى المسجد فاتكاً عليها كأنه غضبان ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه،
ووضع خذه الأيمن على ظهر كفه اليسرى)) و((مغضباً)) بفتح الضاد، ولم أقف على سر غضبه صلى اللّه
عليه وسلم، لكن هذه العبارة تبين سبب السهو وأنه صلى اللّه عليه وسلم ما سها فى صلاته إلا
لأمر جلل.
(وفى القوم أبو بكر وعمر فهابا أن يتكلما) فى رواية البخارى ((فهابا أن يكلماه)) وفى
رواية «فهاباه)» والمعنى أنه غلب عليهما احترامه وتعظيمه عن الاعتراض عليه، أما ذواليدين فغلب
عليه حرصه على تعلم العلم.
(وخرج سرعان الناس ) قال النووى: والسرعان بفتح السين والراء، هذا هو الصواب الذى
قاله الجمهور من أهل الحديث واللغة، وهكذا ضبطه المتقنون، والسرعان المسرعون إلى الخروج من
المسجد، وهم أهل الحاجات غالبًا، ونقل القاضى عياض عن بعضهم إسكان الراء، قال: وضبطه
الأصيلى فى البخارى بضم السين وإسكان الراء، ويكون جمع سريع مثل كثيب وكثبان.
(قصرت الصلاة) بضم القاف وكسر الصاد على البناء للمجهول ((أى اللَّه قصرها، ويفتح ثم
ضم، على البناء للفاعل، أى صارت قصيرة. قال النووى: هذا أكثر وأرجح، والمعنى أن السرعان خرجوا
من المسجد يقولون ذلك.
( فقام ذواليدين ) فى رواية البخارى ((ورجل يدعوه النبى وإذا اليدين فقال: ((وفى رواية
((وفى القوم رجل فى يده طول، يقال له: ذو اليدين)) قال الحافظ ابن حجر: وهو محمول على
الحقيقة، ويحتمل أن يكون كناية عن طولهما بالعمل أو البذل. قال القرطبى: وجزم ابن قتيبة بأنه
كان يعمل بيديه جميعاً وذهب الأكثرون إلى أن اسم ذى اليدين الخرباق بكسر الخاء وسكون الراء
بعدها باء ممدودة آخره قاف، اعتماداً على روايتنا التاسعة عشرة والرواية العشرين، قال الحافظ ابن
حجر: وهذا صنيع من يوحد حديث أبى هريرة بحديث عمران، وهو الراجح فى نظرى، اهـ وذواليدين
عاش بعد النبى / وهو سلمى، وعبر عنه فى الرواية السابعة عشرة بقوله، فأتاه رجل من بنى سليم)).
ولما وقع الحديث عند الزهرى بلفظ ((فقام ذو الشمالين)) وذو الشمالين [واسمه عمير بن عمروبن
٢٢١
نضلة وهو خزاعى - قتل ببدر قال: إن القصة وقعت قبل بدر، وتسبب هذا فى أن الطحاوى حمل قول
أبى هريرة فى الرواية الخامسة عشرة (صلى بنا رسول اللّه ،﴿)) على المجاز، لأن أبا هريرة لم يكن
أسلم أيام بدر وقال: إن المراد به صلى بالمسلمين، ويدفع هذا المجاز ويرد قول الطحاوى صريح
روايتنا الثامنة عشرة، ولفظها ((بينما أنا أصلى مع النبى ﴿)) وقد اتفق معظم أهل الحديث من
المصنفين وغيرهم على أن ذا الشمالين غير ذى اليدين، ونص على ذلك الشافعى رحمه اللّه فى
اختلاف الحديث. وسيأتى فى فقه الحديث طرق الجمع بين حديث أبى هريرة وحديث عمران
ابن حصين.
(وأخبرت عن عمران بن حصين أنه قال: وسلم) لفظ أبى داود ((فقيل لمحمد بن
سيرين: سلم فى السجود؟ فقال: لم أحفظه من أبى هريرة، ولكن نبئت أن عمران بن حصين قال: ثم
سلم (فهم قد سألوا ابن سيرين الراوى عن أبى هريرة الذى وصف سجدتي السهو بهيئاتهما: هل رويت
أن رسول اللَّه * سلم بعد سجدتي السهو؟ إلخ.
( كل ذلك لم يكن ) قال النووى: فيه تأويلان. أحدهما قاله جماعة من أصحابنا فى كتب
المذهب أن معناه لم يكن المجموع، فلا ينفى وجود أحدهما. والثانى - وهو الصواب - معناه لم يكن
هذا ولا ذاك فى ظنى، بل ظنى أنى أكملت الصلاة أربعاً، ويدل على صحة هذا التأويل، وأنه لا يجوز
غيره أنه جاء فى رواية البخارى فى هذا الحديث أن النبى و8# قال: ((لم تقصر ولم أنس)) فنفى
الأمرين، اهـ ويؤيد ما قاله النووى ما قاله أصحاب المعانى من أن لفظ ((كل)) إذا تقدم وعقبها النفى
كان نفيًا لكل فرد، لا للمجموع، بخلاف ما إذا تأخرت. كأن يقول: لم يكن كل ذلك. ولهذا أجاب ذو
اليدين ((قد كان بعض ذلك، وفى بعض الروايات قال ذو اليدين ((بلى قد نسيت)).
(سلم رسول اللّه ◌َ من الركعتين) قال النووي: هكذا هو فى بعض الأصول المعتمدة ((من
الركعتين)» وهو الظاهر الموافق لباقى الروايات، وفى بعضها ((بين الركعتين)) وهو صحيح أيضًا،.
ويكون المراد بين الركعتين الثانية والثالثة. اهـ
( وخرج غضبان يجر رداءه ) يعنى لكثرة اشتغاله بشأن الصلاة خرج يجر رداءه
ولم يتمهل ليلبسه.
( ثم قام فدخل الحجرة ) أى حجرة إحدى أزواجه، فقد كانت بيوت أزواجه صلى الله عليه
وسلم محيطة بالمسجد تفتح فيه.
فقه الحديث
يمكن حصر الكلام عن هذه الأحاديث فى سبع نقاط
١ - الشيطان ووسوسته وحكم الصلاة مع الانشغال.
٢- المواضع التى سجد فيها رسول اللَّه ◌َ # للسهو، والمواضع الأخرى التى تقع للمصلى.
٢٢٢
٣- مكان السجدتين من الصلاة، قبل السلام أو بعده وتحرير الخلافات المذهبية وأدلتها.
٤- حكم السجدتين وأركانهما وهيئاتهما.
٥- الجمع بين ما ظاهره التعارض من الروايات.
٦- نسيان الأنبياء.
٧- ما يؤخذ من الأحاديث من الأحكام والحكم الأخرى.
وهذا هو التفصيل:
١- قال الحافظ ابن حجر: الظاهر أن المراد بالشيطان إبليس، وعليه يدل كلام كثير من الشراح،
ويحتمل أن المراد جنس الشيطان، وهو كل متمرد من الجن والإنس، لكن المراد هنا شيطان
الجن خاصة، ثم قال: وقد اختلف العلماء فى الحكمة فى هروب الشيطان عند سماع الأذان
والإقامة دون سماع القرآن والذكر فى الصلاة، فقيل: يهرب حتى لا يشهد للمؤذن يوم القيامة.
فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس إلا شهد له، وقيل: يهرب نفورًا عن سماع الأذان، ثم
يرجع موسوسًا ليفسد على المصلى صلاته، فصار رجوعه من جنس فراره، والجامع بينهما
الاستخفاف، وقيل لأن الأذان دعاء إلى الصلاة المشتملة على السجود الذى أباه وعصى بسببه،
واعترض بأنه يعود قبل السجود، فلوكان هريه لأجله لم يعد إلا عند فراغه، وأجيب بأنه يهرب
عند سماع الدعاء بذلك ليغالط نفسه بأنه لم يخالف أمرًا، ثم يرجع ليفسد على المصلى سجوده
الذى أباه، وقيل: إنما يهرب لا تفاق الجميع على الإعلان بشهادة الحق وإقامة الشريعة، واعترض
بأن الاتفاق على ذلك حاصل قبل الأذان وبعده من جميع من يصلى، وأجيب بأن الإعلان أخص
من الاتفاق، فإن الإعلان المختص بالأذان لا يشاركه فيه غيره من الجهر بالتكبير والتلاوة مثلا.
وقال ابن الجوزى: على الأذان هيبة يشتد انزعاج الشيطان بسببها، لأنه لا يكاد يقع فى الأذان
رياء ولا غفلة عند النطق به، بخلاف الصلاة فإن النفس تحضر فيها فيفتح لها الشيطان أبواب
الوسوسة. اهـ
وكل ما ذكر لا يسلم من الاعتراض، وتلمس الحكمة إنما هو لتقريب فهم الحكم، لا لبيان علته،
ويمكن اعتبار هذه الحكم مجتمعة، كما يمكن أن يقال: إن غايته فى إضلال المؤذن ضعيفة، أما
غايته فى إفساد الصلاة أو فقدها روحها وأثرها - وهى التى قال اللّه تعالى فى شأنها ﴿إِنَّ
الصّلاةَ تَنْهَى عَن الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] فهى غاية كبرى، فكأنه عند الأذان يهرب
استخفافًا واستهتارًا وكأنَه يقول للمؤذن. ناد ما شئت. وارفع صوتك ما شئت، واجمع من شئت
فوربك لأغوينهم أجمعين. إلا القليل المخلصين، فوربك لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن
أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين، فالصلاة ميدان إبليس وليس الأذان.
والخشوع فى الصلاة وخشية الله فيها، واتجاه قلب المصلى ووجدانه إلى مناجاة الرب يدفع
الأعضاء إلى السكون وعدم الحركة، حتى ولو وجد ما يدعو إلى الحركة من العوامل الجسيمة أو
الخارجية، كمعاكسة الذباب أو وخز الحصى، فخشوع الجوارح عنوان خشوع القلب. ومن هنا
كرهت الصلاة بحضرة الطعام ومع مدافعة الأخبثين، كما مر قبل بابين، والخشوع وإن كان
٢٢٣
مطلوباً فى الصلاة لكنه ليس بواجب، نعم حكى المحب الطبرى قولا منسوباً إلى القاضى أبى زيد
أن الخشوع شرط فى صحة الصلاة. ثم قال: وهو محمول على أن يحصل فى الصلاة فى الجملة لا
فی جميعها.
والخواطر التى تعرض فى الصلاة لا قبل للإنسان بها، ولا يؤاخذ عليها وإن كان مطالبًا
بمدافعتها، قال ابن بطال: بحسب الإنسان أن يقبل على صلاته بقلبه ونيته، يريد بذلك وجه الله
تعالى، ولا طاقة له بما اعترضه من الخواطر. اهـ. وقال المهلب: التفكير أمر غالب لا يمكن
الاحتراز عنه فى الصلاة ولا فى غيرها، لما جعل الله للشيطان من السبيل على الإنسان، ولكن إن
كان فى أمر أخروى دينى فهو أخف مما يكون فى أمر دنيوى. اهـ
وقد روى البخارى عن عمر أنه قال ((إنى لأجهز جيشى وأنا فى الصلاة)) وأحاديث الباب تدل على
أن الرسول شغل بالخواطر فى الصلاة، حتى نسى أصلى ثنتين أم أربعا؟ ثم لم تطلب
أحاديث الباب أن يتخلص المصلى من خواطر الشيطان، وإلا كان تكليفاً بما لا يطاق، وإنما
طلبت جبر هذه الخواطر إذا أحدثت شكا، وذلك بإرغام الشيطان وإحباط سعيه بسجدتي السهو.
نعم كلما قلت سيطرة الخواطر على المصلى كثر ثوابه على صلاته، فقد روى النسائى بإسناد
صحيح أن رسول اللَّه ﴿ قال: «منكم من يصلى الصلاة كاملة ومنكم من يصلى النصف، والثلث
والربح والخمس)) حتى بلغ العشر.
٢- والمواضع التى سجد من أجلها رسول الله # سجود السهو والتى نصت عليها أحاديث
الباب أربعة:
أحدها: قام من ثنتين ناسياً التشهد الأوسط وجلوسه، سند ذلك الروايات الرابعة والخامسة
والسادسة من أحاديث الباب.
ثانيها: سلم من ثنتين والصلاة رباعية، سند ذلك الروايات الخامسة عشرة والسادسة عشرة
والسابعة عشرة والثامنة عشرة من أحاديث الباب.
ثالثها: صلى الرباعية خمساً، سند ذلك الروايات التاسعة والعاشرة والحادية عشرة من
أحاديث الباب.
رابعها: سلم من ثلاث والصلاة رباعية، سند ذلك روايتا عمران بن حصين [التاسعة عشرة
والعشرون] إن لم نجمع بينهما وبين روايات أبى هريرة فى التسليم من ثنتين.
أما المواضع الأخرى التى يشرع فيها للمصلى سجود السهو فقد قال النووى فى المجموع: إن ترك
فرضًا ساهيا، أوشك فى تركه وهو فى الصلاة لم يعتد مما فعله بعد المتروك حتى يأتى بما تركه،
ثم قال أصحابنا: إذا ترك المصلى سنة وتلبس بغيرها لم يعد إليها، سواء تلبس بفرض أم بسنة
أخرى، كمن ترك دعاء الاستفتاح وتلبس بقراءة الفاتحة أو بالاستعاذة، وسواء كان الترك عمدًا
أم سهوًا، فإن عاد إلى السنة القولية بعد أن تلبس بقولى لم تبطل صلاته، أما إن عاد إلى التشهد
الوسط بعد أن تلبس بالقيام بطلت صلاته إن كان عامداً عالماً بالتحريم، فإن كان ناسياً أو
٢٢٤
جاهلا لم تبطل، ويسجد للسهو، ولو ترك بعضاً من الأبعاض (وهى التشهد الأول والجلوس له
والقنوت والقيام له، والصلاة على رسول الله وعلى آله فى التشهد الأول، وكذا الآل فى التشهد
الأخير) جبر بسجود السهو إذا تركه سهواً، وإن تركه عمداً فوجهان: أحدهما لا يسجد لأن
السجود مشروع للسهو، وبه قال أبو حنيفة، وقيل يسجد. أما غير الأبعاض من السنن كالتعوذ
ودعاء الاستفتاح، ورفع اليدين والتكبيرات والتسبيحات والجهر والإسرار والتورك والافتراش
والسورة بعد الفاتحة ووضع اليدين على الركبتين وسائر السنن القولية غير الأبعاض فلا يسجد
لها، سواء تركها عمدًا أم سهوًا، لأنه لم ينقل عن رسول اللَّه ﴿ ﴿ السجود لشىء منها والسجود زيادة
فى الصلاة فلا يجوز إلا بتوقيف، ويخالف الأبعاض، فإنه قد ورد التوقيف فى التشهد الأول
وجلوسه، وقسنا عليه باقيها، وحكى جماعة من أصحابنا قولا قديمًا أنه يسجد لترك كل مسنون
ذكراً كان أو فعلا، وهو ضعيف. أما إذا فعل منهياً عنه مما لا تبطل الصلاة بعمده كالالتفات
والخطوة ووضع اليد على الفم وكف الثوب والشعر ومسح الحصى والتثاؤب وأشباه ذلك فلا يسجد
للسهو لعمده ولا لسهوه، فإن النبى # حمل أمامة ووضعها وخل نعليه فى الصلاة ولم يسجد
لشىء من ذلك.
فإن فعل ساهياً منهياً عنه تبطل الصلاة بعمده كالكلام والركوع والسجود الزائدين فهذا يسجد
لسهوه إذا لم تبطل به الصلاة، وقال أبو حنيفة: يسجد للجهر والإسرار، وقال مالك: يسجد لترك
جميع الهيئات. واللَّه أعلم.
٣- وفى موضع سجود السهو من الصلاة نقول:
إن الرواية الأولى والثانية من روايات الباب فيمن لم يدركم صلى، وفيهما ((فليسجد سجدتين
وهو جالس)) ولم يذكر فيهما السلام.
والروايات الرابعة والخامسة والسادسة فيمن قام من ثنتين فى صلاة رباعية (ومثلها الثلاثية)
ولم يجلس للتشهد الوسط، وفيها كلها أنه سجد للسهو قبل أن يسلم.
والرواية السابعة فيمن شك فبنى على اليقين، وأتم صلاته، وفيها ((يسجد سجدتين قبل أن يسلم))
والرواية الثامنة حتى الرابعة عشرة فيمن صلى الرباعية خمساً (أى فيمن زاد ركعة) بعضها
سكت عن السلام بعد السجدتين كالتاسعة والحادية عشرة والثانية عشرة والرابعة عشرة، وبعضها
صرح بالسلام بعد السجدتين كالثامنة والعاشرة، وبما أن الراوى واحد، والواقعة واحدة فيحمل ما
لم يصرح فيه بالسلام على ما صرح فيه به.
أما الرواية الثالثة عشرة، وهى عن الراوى نفسه وعن الواقعة نفسها، وفيها ((سجد سجدتي السهو
بعد السلام والكلام)» فهى كالتى أغفل فيها ذكر السلام لأنها تحكى عن السلام الذى حدث عقب
صلاة الخمس، لا عن السلام بعد سجود السهو، بدليل ذكر الكلام فى قوله ((بعد السلام والكلام))
فالسلام المذكور فيها لا يدخل فى موضوع النزاع.
أما الرواية الخامسة عشرة والسادسة عشرة فهما فيمن سلم من ثنتين فى رباعية [ومثلها
الثلاثية] وفيهما أنه أكمل الصلاة ثم سلم، ثم سجد للسهو.
٢٢٥
أما التاسعة عشرة والعشرون فهما فيمن سلم من ثلاث فى رباعية، وفيهما أنه أكمل الصلاة ثم
سلم، ثم سجد للسهو، ثم سلم.
وإذا تجاوزنا روايات الإمام مسلم التى استعرضناها فى هذا الباب وجدنا الأحاديث الصحيحة
فى الكتب الأخرى لا تخرج عما ذكرنا، وما روى مخالفاً لذلك لا يقاوم الصحيح كما سيأتى.
وقد كثر خلاف الفقهاء فى مشروعية السلام قبل سجود السهو وبعده.
(أ) فذهب داود الظاهرى إلى أنه لا يسجد للسهو إلا فى المواضع التى سجد فيها رسول الله مح له
للسهو، وبالأوضاع الواردة نفسها، فيقتصر على ما ورد، وغير ذلك إن كان فرضاً أتى به، وإن
كان ندباً فليس عليه شىء.
(ب) وذهب الإمام أحمد والحنابلة إلى أنه يسجد قبل السلام فى المواضع التى سجد فيها
رسول اللّه قبل السلام، وبعد السلام فى المواضع التى سجد فيها رسول اللّه ◌َ# بعد
السلام، وما كان من السجود فى غير تلك المواضع يسجد له أبداً قبل السلام، قال ابن قدامه
فى المغنى: السجود كله عند أحمد قبل السلام إلا فى الموضعين اللذين ورد النص بسجودهما
بعد السلام، وما عداهما يسجد له قبل السلام.
(جـ) وذهب الإمام مالك والشافعى فى قول له إلى التفرقة بين السهو بالزيادة والسهو بالنقص،
فيسجد للزيادة بعد السلام وللنقص قبله. قال ابن عبد البر: وبهذا القول يصح استعمال
الخبرين جميعاً، قال: واستعمال الأخبار على وجهها أولى من ادعاء النسخ، ومن جهة النظر
والفكر الفرق بين الزيادة والنقص بين فى ذلك، لأن السجود فى النقصان إصلاح وجبر،
ومحال أن يكون الإصلاح والجبر بعد الخروج من الصلاة، وأما السجود فى الزيادة فإنما هو
ترغيم للشيطان، وذلك ينبغى أن يكون بعد الفراغ. قال ابن العربى: مالك أسد قيلا وأهدى
سبيلا. اهـ، وقال ابن دقيق العيد: لاشك أن الجمع أولى من الترجيح وادعاء النسخ، ويترجح
الجمع المذكور بالمناسبة المذكورة، وإذا كانت المناسبة ظاهرة، وكان الحكم على وفقها
كانت علة، فيعم الحكم جميع محالها، فلا تخصص إلا بنص اهـ وتعقب بأن كون السجود
فى الزيادة ترغيماً للشيطان فقط ممنوع، بل جبر أيضاً لما وقع من الخلل، فإنه وإن كان
زيادة فهو نقض وقصر فى المعنى، وإنما سمى النبى 3* سجود السهو ترغيماً للشيطان فى
حالة الشك وليس فى حالة الزيادة كما ذهب إليه المالكية. وقال الخطابى: لم يرجع من فرق
بين الزيادة والنقصان إلى فرق صحيح، وأيضاً فقصة ذى اليدين وقع فيها السجود بعد
السلام وهى عن نقصان، اهـ [يشير إلى روايتنا الخامسة عشرة].
(د) وقال أبو حنيفة وأصحابه والثورى -وحكى قولا للشافعى: إن سجود السهوكله بعد السلام،
واستدلوا بحديث ذى اليدين، روايتنا الخامسة عشرة وفيها ((فصلى ركعتين وسلم، ثم كبر ثم
سجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر وسجد ثم كبر ورفع، وروايتنا السادسة عشرة، وفيها «فأتم ما بقى
من الصلاة، ثم سجد سجدتين وهو جالس بعد التسليم» كما استدلوا بحديث عمران بن
حصين، روايتنا التاسعة عشرة، وفيها ((فصلى ركعة ثم سلم، ثم سجد سجدتين ... )) وروايتنا
المتممة للعشرين، وفيها ((فصلى الركعة التى كان ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتى السهو ... ))
٢٢٦
كما احتجوا بما رواه الترمذى من حديث الشعبى قال: ((صلى بنا المغيرة بن شعبة، فنهض
فى الركعتين، فسبح به القوم وسبحٍ بهم، فلما صلى بقية صلاته سلم، ثم سجد سجدتى السهو
وهو جالس ثم حدثهم أن رسول الله* فعل بهم مثل الذى فعل)) وبما رواه الطبرانى من
حديث محمد بن صالح بن على بن عبد الله بن عباس قال: ((صليت خلف أنس بن مالك
صلاة، فسها فيها، فسجد بعد السلام، ثم التفت إلينا وقال: أما إنى لم أصنع إلا كما رأيت
رسول اللَّه﴿ يصنع)) وبأحاديث أخرى فى ابن خزيمة وأبى داود وابن ماجه وأحمد وعبد
الرزاق والطبرانى، وكلها أحاديث لا تقاوم الصحيح.
كما استدلوا بحديث ابن مسعود - روايتنا التاسعة - وفيها أنه صلى الله عليه وسلم سجد
بعد ما صلى خمساً وسلم، وتعقب بأنه لم يعلم بزيادة الركعة إلا بعد السلام، حين سألوه، هل
زيد فى الصلاة؟ وقد اتفق العلماء فى هذه الصورة على أن سجود السهو بعد السلام، لتعذره
قبله، لعدم علمه بالسهو وإنما تابعه الصحابة - ولم يسجدوا للسهو قبل السلام - لتجويزهم
الزيادة فى الصلاة، لأنه كان فى زمن توقع النسخ. وقال ابن خزيمة: لا حجة للعراقيين فى
حديث ابن مسعود، لأنهم خالفوه، فقالوا: إن جلس المصلى فى الرابعة مقدار التشهد أضاف
إلى الخامسة سادسة، ثم سلم، وسجد للسهو، وإن لم يجلس فى الرابعة لم تصح صلاته، ولم
ينقل فى حديث ابن مسعود إضافة سادسة ولا إعادة، ولابد من أحدهما عندهم. اهـ
كما استدلوا بالزيادة الواردة فى حديث ابن مسعود. وهى ((إذا شك أحدكم فى صلاته فليتحر
الصواب فليتم عليه، ثم ليسلم، ثم يسجد سجدتين)) ورد بأن هذا معارض بحديث أبى سعيد
عند مسلم - روايتنا السابعة، وفيها ((فليطرح الشك، وليبن على ما استيقن، ثم يسجد
سجدتين قبل أن يسلم)».
(هـ) وذهب الشافعى فى الجديد إلى أن سجود السهو كله قبل السلام واستدلوا بالأحاديث التى
ذكر فيها السجود قبل السلام كالروايات الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة والثامنة
والعاشرة، وبما جاء فى الترمذى عن عبد الرحمن بن عوف عن النبى وُ ﴾((إذا سها أحدكم فى
صلاته فليسجد سجدتين قبل أن يسلم)) وقال الترمذى. حسن صحيح. وما رواه أبو داود من
حديث أبى هريرة المروى فى مسلم فى الرواية الثانية من زيادة ((فليسجد سجدتين قبل أن
يسلم، ثم ليسلم)) وما رواه الدارقطنى من حديث ابن عباس قال رسول اللّه مح ﴿ ((إذا شك
أحدكم فى صلاته ... فإذا فرغ فلم يبق إلا التسليم فليسجد سجدتين وهو جالس ثم ليسلم)».
(و) وذهب إسحق بن راهويه إلى أنه يستعمل كل حديث كما ورد، وما لم يرد فيه شىء، فما كان
نقصًا سجد له قبل السلام، وما كان زيادة فبعد السلام، قال الحافظ ابن حجر: فحرر إسحق
مذهبه من قولى أحمد ومالك، وهو أعدل المذاهب فيما يظهر، اهـ.
هذه أهم المذاهب فى موضع سجود السهو من الصلاة، ولو ذهبنا نرجح ونختار لطال بنا المقام،
وتعرض قولنا للرد، ويكفى أن نرى بعض الشافعية يؤيدون المالكية، فنرى النووى يقول: أقوى
المذاهب فيها قول مالك ثم أحمد وغيره، ويقول: بل طريق أحمد أقوى، لأنه قال: يستعمل كل
حديث فيما ورد فيه، وما لم يرد فيه شىء يسجد قبل السلام. وقال: ولولا ما روى عن النبى وُ لّ فى
٢٢٧
ذلك لرأيته كله قبل السلام، ولأنه من شأن الصلاة فيفعله قبل السلام، اهـ ورأينا الخطابى يرد
قول المالكية. وأخيرًا رجح البيهقى طريقة التخيير فى سجود السهو قبل السلام أو بعده.
ولو عرفنا حكم تقديم السجدتين على السلام أو تأخيرهما عنه لهان الأمر ووجدناها معركة فى غير
ميدان، أو زوبعة فى فنجان، فقد نقل الماوردى وغيره الإجماع على جواز هذا أو ذاك، وإنما
الخلاف فى الأفضل، وكذا قال ابن عبد البر: إنه لا خلاف عن مالك أنه لو سجد للسهو كله قبل
السلام أو بعده أن لا شىء عليه، وصرح صاحب الهداية بأن الخلاف عند الحنفية فى الأولوية، نعم
حكى إمام الحرمين فى النهاية خلافاً فى الإجزاء على المذهب الشافعى، وحكى القرطبى خلافاً
فى الإجزاء فى مذهب المالكية، وحكى القدورى خلافاً فى الإجزاء فى مذهب الحنفية، قال
الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يقال: إن الإجماع الذى نقله الماوردى وغيره قبل هذه الآراء فى
المذاهب المذكورة، اهـ ويمكن أن يقال على هذا: إن المعتمد فى المسالة أن الخلاف فى الأولى
والأفضل، والله أعلم.
٤- وسجود السهو مسنون كله عند الشافعية، وعند المالكية هو واجب للنقص دون الزيادة، وعند
الحنابلة التفصيل بين الواجبات غير الأركان، فيجب السجود لتركها سهواً، وبين السنن القولية
فلا يجب، وكذا يجب إذا سها بزيادة فعل أو قول يبطلها عمده، وعند الحنفية واجب كله،
وحجتهم قوله فى حديث ابن مسعود ((ثم ليسجد سجدتين)» والأمر للوجوب وقد ثبت من فعله
صلى الله عليه وسلم، وأفعاله صلى الله عليه وسلم محمولة على البيان، وبيان الواجب واجب،
لاسيما مع قوله ((صلوا كما رأيتمونى أصلى)».
أما كيفيته فقد وصفتها روايتنا الخامسة عشرة، وفيها ((ثم كبرثم سجد، ثم كبر فرفع، ثم كبر
وسجد، ثم كبر ورفع» فهو سجدتان، فلواقتصر على واحدة ساهيا لم يلزمه شيء، أو عامداً بطلت
صلاته، لأنه تعمد الإتيان بسجدة زائدة ليست مشروعة. كذا عند الشافعية، وعند الحنفية لا شىء
عليه لو اقتصر على سجدة واحدة ساهياً أو عامداً، قال العينى: كيف تبطل الصلاة إذا زاد فيها
شيئًا من جنسها؟ اهـ. ونسأله ماذا يرى لوزاد ركعة عامداً فى أى صلاة؟ لولم نقل بالبطلان
لصلى المسلمون الثنائية ثلاثية، والثلاثية رباعية والرباعية خماسية عامدين، وانتهى
التشريع الإلهى.
والتكبير فى سجدتي السهو مشروع بالإجماع كما هو فى سجود الصلاة والجهربه كما فى الجهر
به فى سجود الصلاة، وتكبير الصلوات كله سنة غير تكبيرة الإحرام، فهى ركن، وهو قول الجمهور،
وعند أحمد والظاهرية أن تكبير الصلوات كله واجب.
ولا خلاف أن سجود السهو الواقع قبل السلام لا يحتاج إلى تكبيرة إحرام إنما الخلاف فى
السجود الذى يقع بعد السلام، هل يشترط له تكبيرة الإحرام؟ أو يكتفى بتكبيرة السجود؟ قال
الحافظ ابن حجر: الجمهور على الاكتفاء، وهو ظاهر غالب الأحاديث. وحكى القرطبى أن قول
مالك لم يختلف فى وجوب السلام بعد سجدتي السهو، قال: وما يتحلل منه بالسلام لابد له من
تكبيرة الإحرام. اهـ والجلوس بين سجدتي السهو مشروع، ولا خلاف فيه.
ومن مجموع الأحاديث فى هذا الباب يستفاد أنه لا تشهد بعد سجود السهو وهذا ما عليه الجمهور
٢٢٨
إذا كان سجود السهو قبل السلام، فلا يعيد التشهد وحكى ابن عبد البرعن الليث أنه يعيده، وعن
عطاء يتخير، واختلف فيه عند المالكية.
أما من سجد بعد السلام فعند الحنفية يتشهد، وكذا عند أحمد وإسحق وبعض المالكية.
ومستندهم إحدى الروايات فى حديث عمران، وفيها ((أن النبى 8# سها فسجد سجدتين ثم
تشهد، ثم سلم) لكن الترمذى قال عن هذا الحديث: حسن غريب، وقال الحاكم عنه: صحيح على
شرط الشيخين، وضعفه البيهقى وابن عبد البروغيرهما، فإن المحفوظ عن ابن سيرين فى حديث
عمران ليس فيه ذكر التشهد [روايتنا التاسعة عشرة، والعشرين] وروى السراج من طريق سلمة بن
علقمة فى هذه القصة: قلت لابن سيرين : فى سجدتي السهو تشهد؟ قال: ليس فى حديث
أبى هريرة، وفى رواية قال: لم أسمع فى التشهد شيئاً، لهذا قال ابن المنذر: لا أحسب التشهد فى
سجود السهو يثبت، لكن قد ورد التشهد فى سجود السهوعن ابن مسعود عند أبى داود والنسائى،
وعن المغيرة عند البيهقى، وفى إسنادهما ضعف. قاله الحافظ ابن حجر: أما السلام فلا شك فى
مشروعيته إذا كان سجود السهو قبل سلام الصلاة، أما إذا وقع سجود السهو بعد سلام الصلاة
فالقائلون بمشروعية التشهد يقولون بالسلام غير النخعى، فإنه قال يتشهد ولا يسلم . .
والصحيح عند الشافعية أنه يسلم ولا يتشهد، وهكذا فى سجود التلاوة كصلاة الجنازة، وقد ثبت
السلام بسجدتي السهو إذا فعلتا بعد السلام فى حديث ابن مسعود وحديث ذى اليدين. وعن أنس
والشعبى والحسن وعطاء: ليس فيهما تشهد ولا تسليم.
وجمهور من قال بالتسليم قال: يسلم ثنتين عن يمينه وشماله، وفى المحيط: يسلم واحدة عن
يمينه كالجنازة، وقيل: يسلم تلقاء وجهه، فهما روايتان عن مالك.
واستدل الشافعية بالروايات الرابعة والخامسة والسادسة على الاكتفاء بسجدتين للسهو فى
الصلاة، ولو تكرر السهو، من حيث إن الذى فات فى هذه القصة الجلوس والتشهد الوسط، وكل
منهما لوسها المصلى عنه على انفراده سجد لأجله، ولم ينقل أنه صلى اللّه عليه وسلم سجد فى
هذه الحالة غير سجدتين. قال الحافظ ابن حجر: وتعقب هذا الاستدلال بأنه مبنى على ثبوت
مشروعية السجود لترك أى من التشهد الوسط والجلوس له، ولم يستدلوا على مشروعية ذلك بغير
هذا الحديث، فيستلزم إثبات الشىء بنفسه. وفيه ما فيه وقد صرح فى بقية الحديث بأن السجود
مكان ما نسى من الجلوس. نعم حديث ذى اليدين دال لذلك. اهـ
وروى ابن أبى شيبة عن النخعى والشعبى أن لكل سهو سجدتين قال الحافظ ابن حجر: وورد على
وفقه حديث ثوبان عند أحمد وإسناده منقطع وروى البيهقى من حديث عائشة ((سجدتا السهو
تجزئان من كل زيادة ونقصان)).
٥- (أ) وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم فى الرواية الثانية «فإذا لم يدر أحدكم كم صلى فليسجد
سجدتين وهو جالس)» يفيد أن ليس عليه إلا سجدتا السهو، وهذا يتعارض مع قوله صلى اللّه
عليه وسلم فى الرواية السابعة ((إذا شك أحدكم فى صلاته، فلم يدر كم صلى؟ ثلاثاً أم أربعا؟
فليطرح الشك وليبن على ما استيقن، ثم يسجد سجدتين قبل أن يسلم، فإن كان صلى خمساً
شفعن له صلاته، وإن كان صلى إتماماً لأربع كانتا ترغيما للشيطان)» ومع قوله فى الرواية
٢٢٩
الثامنة ((وإذا شك أحدكم فى صلاته فليتحر الصواب فليتم عليه، ثم ليسجد سجدتين)» فإن
ظاهر الروايتين أن ينبى على اليقين ويكمل، حتى ولو صلى الرباعية خمساً.
وقد اختلف العلماء فى فهم هذه الأحاديث وفى الأخذ ببعضها أو الجمع بينها، فنقل الطبرى
عن بعض أهل العلم أن للمصلى أن يأخذ بأيهما شاء، وقال الحسن البصرى وطائفة من
السلف بظاهر الرواية الثانية، وقالوا: إذا شك المصلى فلم يدرزاد أو نقص فليس عليه إلا
سجدتان وهو جالس، عملا بظاهر هذا الحديث، وقالوا: إن حديث أبى سعيد مختلف فى
وصله وإرساله، فيرجع حديث أبى هريرة. ورد هذا القول بأن حديث أبى سعيد وصله مسلم
وصححه. والأخذ بالحديثين أولى من الترجيح. وقال مالك والشافعى وأحمد والجمهور: متى
شك فى صلاته، هل صلى ثلاثاً أو أربعاً لزمه البناء على اليقين فيجب أن يأتى برابعة ويسجد
للسهو، عملا بحديث أبى سعيد - روايتنا السابعة - ولفظه عند أبى داود ((إذا شك أحدكم فى
صلاته فليلق الشك، وليبن على اليقين، فإذا استيقن التمام سجد سجدتين، فإن كانت صلاته
تامة كانت الركعة [التى زادها] نافلة والسجدتان، وإن كانت ناقصة كانت الركعة تماماً
لصلاته وكانت السجدتان مرغمتين للشيطان)» أى مغيظتين له.
قالت الشافعية: فحديث أبى سعيد هذا مفسر لحديث أبى هريرة - روايتنا الثانية - غير
معارض له، إذ حديث أبى هريرة يذكر حكم كل ساه - بعد أن يرجع فى حكم ما سها عنه إلى
سائر الأحاديث الموضحة للحكم - فحكم كل ساه فى نهاية أمره أن يسجد سجدتين.
وقال بعضهم: إن حديث أبى هريرة فيما إذا طرأ عليه الشك وقد فرغ قبل أن يسلم. فإنه لا
يلتفت إلى ذلك الشك، ويسجد للسهو، كمن طرأ عليه الشك بعد أن سلم، وحديث أبى سعيد
فيمن طرأ عليه الشك قبل ذلك فيبنى على اليقين. قاله الحافظ ابن حجر، وقال: وعلى هذا
فقوله فى حديث أبى هريرة ((وهو جالس)) يتعلق بقوله ((لم يدر)) لا بقوله ((فليسجد))
انتهى بتصرف.
وقال الحنفية: إن كان الشك عرض له أول مرة بطلت صلاته وأعاد لتقع صلاته على وصف
الصحة بيقين [فى إسناد هذا القول لأبى حنيفة نظر والظاهر أن كثيراً من الحنفية لم
يصرحوا بالبطلان، وطلبوا الإعادة على أنها الأفضل] وإن صار الشك عادة له اجتهد وعمل
بغالب ظنه، وإن لم يظن شيئاً عمل بالأقل.
وقد خالف الحنفية الجمهور فى قولهم بالعمل على أكبر ظنه، وبه فسروا الأمر بطلب تحرى
الصواب فى الرواية الثامنة وملحقاتها لكن مجموع الروايات فى المسالة ضدهم، ففى
الترمذى ((إذا سها أحدكم فى صلاته فلم يدرواحدة صلى أو اثنتين فليجعلها واحدة، وإذا
شك فى الثنتين والثلاث فليجعلها ثنتين وإذا شك فى الثلاث والأربع فليجعلها ثلاثاً ثم ليتم
ما بقى من صلاته، حتى يكون الوهم فى الزيادة، ثم يسجد سجدتين وهو جالس قبل أن
يسلم»، وأخرجه الحاكم فى المستدرك، وفيه ((فإن الزيادة خير من النقصان)) وقال: صحيح
الإسناد، ورواه الترمذى أيضاً، وقال: حسن صحيح.
ولم يعمل جماعة بالحديثين، فقد قال الشعبى والأوزاعى وجماعة من السلف: إذا لم يدركم
٢٣٠
صلى لزمه أن يعيد مرة بعد أخرى أبدا حتى يستيقن، وقال بعضهم: يعيد ثلاث مرات، فإذا
شك فى الرابعة فلا إعادة عليه، وبعضهم فرق بين المبتلى بالشك فيعمل بالتحرى، وبين
المبتدئ غير المبتلى فيعيد، وهذه أقوال لا يلتفت إليها وإن استندت إلى روايات ضعيفة.
(ب) وظاهر حديث أبى هريرة عن ذى اليدين، فى رواياته الخامسة عشرة والسادسة عشرة
والسابعة عشرة والثامنة عشرة يتعارض مع حديث عمران بن حصين، فى روايته التاسعة
عشرة والمتممة للعشرين، إذ فى روايات أبى هريرة أن التسليم كان من ركعتين، وفى روايتى
عمران أن التسليم كان من ثلاث وفى الرواية الخامسة عشرة، وهى لأبى هريرة أنه صلى اللّه
عليه وسلم بعد الصلاة أتى جذعا فى قبلة المسجد فاستند إليها، وفى رواية عمران أنه صلى
اللَّه عليه وسلم بعد الصلاة دخل منزله ثم خرج يجر رداءه.
من هذا التعارض جنح ابن خزيمة ومن تبعه إلى القول بتعدد الواقعة، لكن المحققين من
المحدثين جنحوا إلى الجمع، فمن جهة الركعتين والثلاث فقد نقل الحافظ ابن حجر عن
العلائى أن بعض شيوخه حمله على أن المراد به أنه سلم فى ابتداء الركعة الثالثة،
واستبعده. قال: ولكن طريق الجمع يكتفى فيه بأدنى مناسبة، وليس بأبعد من دعوى التعدد،
فإنه يلزم منه كون ذى اليدين فى كل مرة استفهم النبى 8# عن ذلك، واستفهم النبى ولد
الصحابة عن صحة قوله.أهـ
ولا يبعد عندى للجمع بين الحديثين أن نقول: إن عمران ربما كان قد سها فى صلاته فلم يدر،
فحسب أن الرسول : سلم من ثلاث ثم أكملها بواحدة والحقيقة أنه سلم من ثنتين
وأكملهما بثنتين. والله أعلم.
وأما عن استناده صلى الله عليه وسلم إلى الجذع أو دخوله منزله عقب الصلاة فقد قال
الحافظ ابن حجر فى الجمع بينهما: لعل الراوى لما رآه تقدم من مكانه إلى جهة الخشبة
ظن أنه دخل منزله لكون الخشبة كانت فى جهة منزله.اهـ
ولا يبعد عندى أن يكون الرسول 8# قد استند إلى الجذع، ثم دخل منزله فأخبر بالنقص فجاء
فأتم وسجد، وكل من أبى هريرة وعمران ذكر واقعة لم يتعرض لها الآخر، والقصة
واحدة. والله أعلم.
٦ - وفى سهو الأنبياء يقول النووى: فى قوله صلى اللّه عليه وسلم ((إنما أنا بشر أنسى كما تنسون،
فإذا نسيت فذكرونى)) دليل على جواز النسيان عليه صلى الله عليه وسلم فى أحكام الشرع، وهو
مذهب جمهور العلماء، وهو ظاهر القرآن والحديث، واتفقوا على أنه صلى الله عليه وسلم لا يقر
عليه، بل يعلمه الله تعالى به، ثم قال الأكثرون: شرطه تنبهه صلى اللّه عليه وسلم على الفور
متصلا بالحادثة ولا يقع فيه تأخير، وجوزت طائفة تأخيره مدة حياته صلى الله عليه وسلم
واختاره إمام الحرمين، وجوزت طائفة من العلماء السهو عليه صلى الله عليه وسلم فى الأفعال
البلاغية والعبادات، كما أجمعوا على منعه واستحالته عليه صلى الله عليه وسلم فى الأقوال
البلاغية، وأجابوا عن الظواهر الواردة فى ذلك، وإليه مال الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائنى،
٢٣١
والصحيح الأول، فإن السهو لا يناقض النبوة، وإذا لم يقرعليه لم يحصل منه مفسدة، بل تحصل
فيه فائدة، وهو بيان أحكام الناسى، وتقرير الأحكام.
قال القاضى: واختلفوا فى جواز السهو عليه صلى الله عليه وسلم فى الأمور التى لا تتعلق بالبلاغ
وبيان أحكام الشرع من أفعاله وعاداته وأذكار قلبه، فجوزه الجمهور. ثم قال القاضى رحمه الله
تعالى: والحق الذى لا شك فيه ترجيح قول من منع السهو على الأنبياء فى خبر من الأخبار، كما
لا يجوز عليهم خلف فى خبر لا عمداً ولا سهواً، لا فى صحة ولا فى مرض، ولارضاء ولا غضب،
وحسبك فى ذلك أن سيرة نبينا صلى الله عليه وسلم وكلامه وأفعاله مجموعة معتنى بها على مر
الزمان، يتداولها الموافق والمخالف والمؤمن والمرتاب، فلم يأت فى شىء منها استدراك غلط فى
قول، ولا اعتراف بوهم فى كلمة، ولو كان لنقل كما نقل سهوه فى الصلاة، ونومه عنها، واستدراكه
رأيه فى تلقيح النخل، وفى نزوله بأدنى مياه بدر، وقوله صلى الله عليه وسلم ((والله لا أحلف على
يمين فأرى غيرها خيراً منها إلا فعلت الذى هو خير وكفرت عن يمينى» وغير ذلك، وأما جواز
السهوفى الاعتقادات فى أمور الدنيا فغير ممتنع. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: والحديث حجة لمن قال: إن السهوجائز على الأنبياء فيما طريقه
التشريع، أما من منع السهو فأجابوا عن الحديث:
بأن ما حصل منه صلى الله عليه وسلم كان متعمداً، ليقع التشريع منه بالفعل، لكونه أبلغ من
القول، فقوله ((لم أنس ولم تقصر)) كلام على ظاهره وحقيقته، ورد بما ورد فى الرواية الثامنة من
قوله صلى الله عليه وسلم ((إنما أنا بشر مثلكم أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكروني)) فأثبت
العلة وقيد الحكم بقوله ((إنما أنا بشر)) ولم يكتف بإثبات وصف النسيان حتى دفع قول من عساه
يقول: ليس نسيانه كنسياننا، دفع ذلك بقوله ((كما تنسون)).
وقالوا: إن قوله صلى الله عليه وسلم ((إنى لا أنسى، ولكن أنسى لأسن)) يدل على عدم
النسيان منه، مما يؤكد أن ما حصل منه فى سهو الصلاة كان متعمدًا. ورد بأن حديث
((إنى لا أنسى) لا أصل له، فإنه من بلاغات مالك التى لم توجد موصولة بعد البحث
الشديد. قاله الحافظ ابن حجر.
وقالوا: إن حديث ((بئسما لأحدكم أن يقول: نسيت آية كذا وكذا)) ينكر أن ينسب إليه صلى الله
عليه وسلم النسيان، لأنه إذا نهى غيره عن أن ينسب النسيان إلى نفسه كان بالنسبة له أولى. ورد
بأنه لا يلزم من ذم إضافة نسيان الآية ذم إضافة نسيان كل شىء، فإن الفرق بينهما واضح جدًّا.
قاله الحافظ ابن حجر. والحق جواز السهو، والحديث دليل لا يسهل رده. والله أعلم.
٧- ويؤخذ من مجموعة أحاديث الباب فوق ما تقدم
١- استدل بهرب الشيطان عند الأذان على فضل الأذان، حيث إن هذا الفضل لا ينال بغير الأذان،
واعتبره أبو عوانة دليلا على أن المؤذن فى أذانه وإقامته منفى عنه الوسوسة والرياء التباعد
الشيطان منه.
٢- أن الوسوسة فى الصلاة لا تبطلها، ولا طاقة للعبد فى منعها، وإن أدت إلى نقصان الثواب.
٢٣٢
٣- استدل بقيامه صلى الله عليه وسلم فى الرواية الرابعة، وعدم عودته للتشهد الوسط أن التشهد
الوسط ليس واجباً، لأن سجود السهو لا ينوب عن الواجب، وقد ناب عنه. فليس بواجب.
وممن قال بوجوبه الليث وإسحق وأحمد فى المشهور، وهو قول للشافعى ورواية عند الحنفية.
واحتج بعضهم لوجوبه بأن الصلاة فرضت أولا ركعتين، وكان التشهد فيها واجبا، فلما زيدت
لم تكن الزيادة مزيلة لذلك الواجب، وأجيب بأن الزيادة لم تتعين فى الركعتين الأخيرتين، بل
يحتمل أن يكون هما الفرض الأول، والمزيد هما الركعتان الأوليان بتشهدهما، ويؤيده استمرار
السلام بعد التشهد الأخير كما كان: قاله الحافظ ابن حجر. وجمهور الفقهاء على أن من نسى
التشهد الوسط وقام لا يرجع إلى الجلوس إن استتم قائماً، وقالت طائفة: إذا فارقت إليته
الأرض لا يرجع، فإن رجع قيل: بطلت صلاته، وقيل: لا تبطل.
٤- استدل بقيام الناس معه صلى اللّه عليه وسلم تاركين التشهد الوسط على أن متابعة الإمام
عند القيام من هذا الجلوس واجبة.
٥- استدل أبو حنيفة بقوله فى الرواية الرابعة ((فلما قضى صلاته ونظرنا تسليمه)) على أن السلام
ليس من الصلاة، حتى لو أحدث بعد أن جلس وقبل أن يسلم صحت صلاته، وتعقب بأن
السلام لما كان للتحليل من الصلاة كان المصلى إذا انتهى إليه كمن فرغ من صلاته، ويدل
على ذلك رواية ابن ماجه ((حتى إذا فرغ من الصلاة إلا أن يسلم)) فدل أن بعض الرواة حذف
الاستثناء لوضوحه، والزيادة من الحافظ مقبولة.
٦- يؤخذ من قوله فى الرواية الخامسة ((وسجدهما الناس معه مكان ما نسى من الجلوس)) أن
المؤتم يسجد مع إمامه لسهو الإمام، وقد ذهب الحنفية والشافعية إلى أن المؤتم يسجد لسهو
الإمام ولا يسجد لسهو نفسه.
٧- كما يؤخذ منه أن السجود خاص بالسهو، فلو تعمد ترك شىء مما يجبر بالسجود لا يسجد،
وهو قول الجمهور، ورجحه الغزالى وجماعة من الشافعية.
٨- يؤخذ من الرواية الثانية أن الإمام يرجع لقول المأمومين فى أفعال الصلاة ولو لم يتذكر، وبه
قال مالك وأحمد وغيرهما، ومنهم من قيده بما إذا كان الإمام مجوزا لوقوع السهو منه،
بخلاف ما إذا كان متحققا لخلاف ذلك ومن حجتهم قوله فى حديث ابن مسعود ((فإذا
نسيت فذكروني)) وذهب الشافعية إلى أنه لا يجوز للمصلى الرجوع فى قدر صلاته إلى قول
غيره، إماماً كان أو مأموماً، ولا يعمل إلا على يقين نفسه، ويجيبون عن الحديث بأن النبى
صلى الله عليه وسلم فى حديث ذى اليدين سألهم ليتذكر، فلما ذكروه تذكر فعلم السهو، فبنى
عليه، لا أنه رجع إلى مجرد قولهم، ولو جاز ترك يقين نفسه والرجوع إلى قول غيره لرجع ذو
اليدين حين قال النبى * ((لم تقصر ولم أنس)). وفرق بعضهم بين ما إذا كان المخبرون ممن
يحصل العلم بخبرهم فيقبل ويقدم على ظن الإمام أنه كمل الصلاة، بخلاف غيرهم.
٩- يؤخذ من قوله فى الرواية الثامنة ((إنه لوحدث فى الصلاة شىء أنبأتكم به)) أن البيان لا
يؤخرعن وقت الحاجة.
٢٣٣
١٠ - ومن قوله ((فإذا نسيت فذكرونى)) يؤخذ أمر التابع بتذكير المتبوع بما ينساه.
١١ - قال الحافظ ابن حجر: واستدل به أن من صلى خمسا ساهيا ولم يجلس فى الرابعة أن
صلاته لا تفسد خلافا للكوفيين، وقولهم يحمل على أنه قعد فى الرابعة يحتاج إلى دليل، بل
السياق يرشد إلى خلافه، وأن الزيادة فى الصلاة على سبيل السهو لا تبطلها، خلافا لبعض
المالكية إذا كثرت، وقيد بعضهم الزيادة بما يزيد على نصف الصلاة.
١٢ - وأن من لم يعلم بسهوه إلا بعد السلام يسجد للسهو، فإن طال الفصل فالأصح عند الشافعية
أنه يفوت محله، واحتج له بعضهم من هذا الحديث بتعقيب إعلامهم لذلك بالفاء، وتعقيبه
السجود أيضاً بالفاء.
١٣ - وأن الكلام العمد فيما يصلح به الصلاة لا يفسدها، وفيه نظر، لأن النبى * لم يتكلم إلا ناسيا
وأما كلام ذى اليدين والصحابة فجوابه فى المأخذ الثامن عشر، وقد مرتفصيل الكلام فى
هذه المسألة قبل أبواب.
١٤ - وأن من تحول عن القبلة ساهيا لا إعادة عليه.
١٥ - وفيه إقبال الإمام على الجماعة بعد الصلاة.
١٦ - ومن توشوش القوم يؤخذ ما كان عليه الصحابة من عظيم الأدب مع رسول اللَّه عَ ل.
١٧ - ومن قوله ((فهابا أن يكلماه)) زيادة التوقير والاحترام والتقدير والهيبة من أبى بكر وعمر رضى
اللَّه عنهما لمقام رسول اللَّه ◌ِ ﴾.
١٨ - وأن العمل الكثير والخطوات إذا كانت سهوا فى الصلاة لا تبطلها كما لا يبطلها الكلام
سهوا، خلافاً للحنفية، وأما قول بعضهم: إن قصة ذى اليدين كانت قبل نسخ الكلام فى
الصلاة فبعيدة، فقد ثبت شهود أبى هريرة وعمران بن حصين للقصة، وإسلامهما متأخر. وقال
ابن بطال: يحتمل أن يكون قول زيد بن أرقم ((ونهينا عن الكلام)) أى إلا إذا وقع سهوا، أو
عمدًا لمصلحة الصلاة، فلا يعارض قصة ذى اليدين. اهـ قاله النووى: فإن قيل: كيف تكلم ذو
اليدين والقوم، وهم بعد فى الصلاة؟ فجوابه من وجهين: أحدهما أنهم لم يكونوا على يقين
من البقاء فى الصلاة، لأنهم كانوا مجوزين نسخ الصلاة من أربع إلى ركعتين، ولهذا قال:
أقصرت الصلاة أم نسيت؟ والثانى أن هذا كان خطابا للنبى 8* وجوابا، وذلك لا يبطل
الصلاة عندنا وعند غيرنا، والمسالة مشهورة بذلك، وفى رواية لأبى داود بإسناد صحيح ((أن
الجماعة أومئوا - أى نعم)) فعلى هذه الرواية لم يتكلموا. اهـ.
١٩ - وفيه جواز البناء على الصلاة لمن أتى بالمنافى سهوا، قال سحنون: إنما يبنى من سلم من
ركعتين، كما فى قصة ذى اليدين، لأن ذلك وقع على غير القياس، فيقتصر فيه على مورد
النص، وألزم بقصر ذلك على إحدى صلاتى العشى، فيمنعه مثلا فى الصبح، والذين قالوا:
يجوز البناء مطلقاً قيدوه بما إذا لم يطل الفصل، واختلفوا فى قدر الطول، فحده الشافعى فى
الأم بالعرف، وفى البويطى بقدر ركعة، وعن أبى هريرة قدر الصلاة التى يقع فيها السهو.
٢٠- وفيه أن البانى لا يحتاج إلى تكبيرة الإحرام.
٢٣٤
٢١ - وأن السلام ونية الخروج من الصلاة سهوا لا يقطع الصلاة.
٢٢ - وفى قوله ((أقصرت الصلاة أم نسيت)) دليل على ورع الصحابة، إذ لم يجزموا بوقوع شىء
بغير علم.
٢٣- وفيه جواز التعريف باللقب ((ذى اليدين)).
٢٤ - وفيه العمل بالاستصحاب، وأن الأصل بقاء الأحكام على ما قررت عليه، لأن ذا اليدين
استصحب حكم الإتمام، فسأل، مع كون أفعال النبى ® للتشريع، والأصل عدم السهو،
والوقت قابل للنسخ، وبقية الصحابة ترددوا بين الاستصحاب وتجويز النسخ فسكتوا،
والسرعان هم الذين بنوا على النسخ فجزموا بأن الصلاة قصرت، وخرجوا يرددون ذلك.
٢٥ - وفيه أن الثقة إذا انفرد بزيادة خبر، وكان المجلس متحداً، أو منعت العادة غفلتهم عن ذلك
أن لا يقبل خبره، قاله الحافظ ابن حجر، وفيه نظر، لأن سبب عدم القطع به كونه عارض
اعتقاد المسئول، فأحدث شكا دفع إلى سؤال الصحابة، وليس فى ذلك رد خبر الثقة إذا
انفرد بحضرة جمع لا يخفى عليهم الحال، بل يقبل ما داموا لم يكذبوه.
٢٦ - واستدل به بعضهم على الترجيح بكثرة الرواة، وتعقبه ابن دقيق العيد بأن المقصود كان
تقوية الأمر المسئول عنه، لا ترجيح خبر على خبر.
٢٧- واستدل به الحنفية على أن الهلال لا يقبل بشهادة الآحاد إذا كانت السماء مصحية بل لا بد
فيه من عدد الاستفاضة، وتعقب بأن سبب الاستثبات كونه أخبر عن فعل النبى ﴿، بخلاف
رؤية الهلال.
٢٨- ويؤخذ من الحديث أن المرفوع فى حديث ((رفع عن أمتى الخطأ والنسيان)) إنما هو إثم
الخطأ والنسيان وحكمهما، خلافاً لمن قصره على الإثم.
٢٩ - استدل بالرواية الأولى، وفيها ((إن أحدكم إذا قام يصلى جاءه الشيطان، فلبس عليه حتى لا
يدرى كم صلى، فإذا وجد ذلك أحدكم فليسجد سجدتين وهو جالس)» استدل به على أن
سجود السهوفى الفرض والتطوع لا يفترق حكمه، وهو مذهب الجمهور، إذ المراد من الصلاة
الصلاة الشرعية وهى أعم من الفرض والتطوع.
قال الحافظ ابن حجر: فإن قيل: إن قوله فى الرواية الثانية ((إذا نودى بالأذان أدبر ... فإذا
ثوب بها أدبر)) قرينة على أن المراد الفريضة، وأجيب بأن ذلك لا يمنع من تناول النافلة، لأن
الإتيان بها حينئذ مطلوب، لقوله صلى الله عليه وسلم ((بين كل أذانين صلاة»
والله أعلم
٢٣٥
(٢١٤) باب سجود التلاوة
١١٠٥ - ١٣ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِى اللَّه عَنْهِمَا (١٠٣) أَنَّ النّبِيِّ وَ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَقْرَأُ سُورَةٌ
فِيهَا سَجْدَةٌ فَيَسْجُدُ وَنَسْجُدُ مَعَهُ خَتْى مَا يَجِدُ بَعْضُنَا مَوْضِعًا لِمَكَّانِ جَبْهَتِهِ.
١١٠٦- شَهْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِى اللَّه عَنْهمَا(١٠٤) قَالَ: رُبَّمَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ الْقُرْآنِ فَيَمُرُّ
بِالسَّجْدَةِ فَيَسْجُدُ بِنَا حَتَّى ازْدَحَمْنَا عِنْدَهُ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُّنَا مَكَانًا لِيَسْجُدَ فِيهِ فِى غَيْرِ صَلاةٍ.
١١٠٧- ٥هْا عَنِ عَبْدِ اللَّهِ عَ﴾(١٠٥) عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ أَنَّهُ قَرَأَ: وَالنَّجْمٍ. فَسَجَدَ فِيهَا. وَسَجَدَ مَنْ
كَانَ مَعَهُ. غَيْرَ أَنَّ شَيْخًا أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصِّى أَوْ تُرَابٍ فَرَفَعَهُ إِلَى جَبْهَتِهِ وَقَالَ يَكْفِيْنِى هَذَا. قَالَ
عَبْدُ اللَّهِ: لَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا.
١١٠٨ - لّْد عَنِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ(١٠٦) أَنَّهُ سَأَلَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ عَنِ الْقِرَاءَةِ مَحَ الإِمَامِ فَقَالَ: لا
قِرَاءَةَ مَعَ الإِمَامِ فِى شَيْءٍ وَزَعَمَ أَنَّهُ قَرَأْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ،﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى فَلَمْ يَسْجُدْ.
١١٠٩ - ٧ بْ عَنِ أَبِى هُرَيْرَةَ عَ﴾(١٠٧) أَنَّهُ قَرَأَ لَهُمْ ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقْتْ﴾ فَسَجَدَ فِيهَا فَلَمَّا
انْصَرَفَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ِ سَجَدَ فِيهَا.
١١١٠ - ثَهْ عَنٍ أَبِى هُرَيْرَةَ﴾(١٠٨) قَالَ: سَجَدْنَا مَعَ النّبِيِّ ◌َ﴿ فِى إِذَا السَّمَاءُ الْشَقَتْ
وَاقْرَأُ بِاسْمٍ رَبِّكَ.
(١٠٣) حَدَّتِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى كُلُّهُمْ عَنٍ يَحْتِى الْقَطَّانِ قَالَ زُهَيْرٌ حَدََّنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ
عَنٍ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ أَخْبُرِّى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(١٠٤) ◌َحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةٌ حَدَّثَنَا مِّحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ حَدَّقَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرٌ
(١٠٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَّنُ الْمُثَنِّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالاَ حَدََّنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شَّعْبَةٌ عَنِ أَبِىَ إِسْحَقَ قَالَ سَمِعْتُ الأُسْوَدَ
يُحَدِّثُ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ
(١٠٦) حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ يَحْتِى وَيَخْتِى بْنُ أُوبَ وَقْتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيّى أَخْبُرَنَا وَقَالَ الآخَرُونَ حَدَّثَنَا
إِسْمَعِيلُ وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ عَنِ يَزِيدَ بْنِ خُصَيْفَةَ عَنِ ابْنِ قُسَيْطٍ عَنِ عَطَاءٌ بْنِ يَسَارِ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ
(١٠٧) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ مَوْلَّى الأَسْوَدِ بْنِ سُفْيَانَ عَنِ أَبِى سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ
- وحَدَّثَنِى إِبْرَاهِمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا عِيسَى عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَ حْ وِحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى عَدِيٌّ عَنِ هِشَامٍ
كِلاهُمَا عَنِ يَحْتِى بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنِ أَبِى سَلَمَّةً عَنِ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النّبِيِّ :﴿ْ بِمِثْلِهِ.
(١٠٨) وَحَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنَّ أَبِى شَيْئَةَ وَعَمَّرُوِ النَّاقِدُ قَأَلاَ حَدَّقْنَا سُفْيَاةَ بْنُ عُيَّيْئَةَ عَنِ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنِ عَطَّاءِ بْنِ مِينَاءَ
عَنٍ أَبِى هُرَيْرَةَ
٢٣٦
١١١١- شَهْا عَنٍ أَبِى هُرَيْرَةَ عَ﴾ (١٠٩) أَنْهُ قَالَ: سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ فِى إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ
وَاقْرَأْ بِاسْمٍ رَبِّكَ.
١١١٢ - ١١٠ عَنِ أَبِى رَافِعٍ (١١٠١) قَالَ: صَلَّيْتُ مَعَ أَبِى هُرَيْرَةَ صَلاةَ الْعَمَةِ فَقَرَأَ: إِذَا السَّمَاءُ
الْشَقَّتْ فَسَجَدَ فِيهَا. فَقُلْتُ لَهُ مَا هَذِهِ السَّجْدَةُ؟ فَقَالَ: سَجَدْتُ بِهَا خَلْفَ أَبِى الْقَاسِمِ لَ فَلا
أَزَالُ أَسْجُدُ بِهَا حَتّى أَلْقَاهُ. وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الأَعْلَىِ فَلا أَزَالُ أَسْجُدُهَا.
١١١٣ - ١٠ْ عَنِ الَّيْمِيّ(١١) بِهَذَا الإِسْنَادِ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا خَلْفَ أَبِى الْقَاسِمِ لّ.
١١١٤ - الل عَنِ أَبِى رَافِعٍ (١١١) قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةً يَسْجُدُ فِى إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ فَقُلْتُ
تَسْجُدُ فِيهَا؟ فَقَالَ: نَعَمْ. رَأَيْتُ خَلِيلِى وَ يَسْجُدُ فِيهَا فَلا أَزَالُ أَسْجُدُ فِيهَا حَتّى أَلْقَاهُ. قَالَ
شُعْبَةُ قُلْتُ: النّبِيَِّ﴿ُ؟ قَالَ: نَعَمْ.
المعنى العام
السجود رمز للعبودية والخضوع، رمز للطاعة للخالق جل شأنه، آية على الاعتراف بألوهيته،
والاستجابة لأمره، كان الاستنكاف عنه سبباً فى طرد إبليس من الجنة، وحرمانه من الرحمة،
والغضب عليه ولعنته إلى يوم الدين، وكان أداؤه من المسلم غيظاً للشيطان وإذلالا له، فقد جاء فى
الحديث عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّهُ﴾ ((إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل الشيطان
يبكى، يقول: يا ويلاه. أمرابن آدم بالسجود فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلى النار)).
وكان السجود للَّه والصلاة له دعوة الأنبياء والمرسلين، وكان الركن الوحيد المكرر مرتين فى كل ركعة
من صلاتنا، وكان أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد، وكان موطن الدعاء وأمل الإجابة، وكان أن
طلبه الله من قارئى القرآن ومستمعيه فى خمسة عشر موضعاً من القرآن، وكان أن شرع الله السجود
عند التلاوة والسماع، ليزداد القارئ والسامع تقرباً إلى بارئهم ومن من المسلمين يدعى إلى التقرب
من المنعم وفضله ثم لا يستجيب؟.
(١٠٩) وحَدَّنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ أَخْبُرَنَا الْيْثُ عَنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِى حَبِيبٍ عَنِ صَفْوَالَ بْنِ سُلَيْمٍ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ مَوْلَى يَّنِى
مَخْزُومٍ عَنٍ أَبِى هُرَيْرَةً
- وحَدَّثَنِىَ خَّرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى حَدََّا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِى عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنِ عُبَّيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِى جَعْفَرٍ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الأَعْرَجْ عَنِ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ رَسُولِ اللَّهِلَّ مِثْلَهُ.
(١١٠) وحَدَّثَنَا غُبَّدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ وَمُتَّمَّدُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالا حَدْتَنَا الْمُعْتَمِرُ عَنِ أَبِيهِ عَنِ بَكْرٍ عَنِ أَبِى رَافِعٍ
(١٠) حَدَّثَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ قَالَ حِ وَحَدَّقْنَا أَبُو ◌َكَامِلٍ حَدَّثَنًا يَزِيدُ يَغْنِى أَبْنَ زَّرْبَعٍ قَالَّحْ وَحَدَّقَا أَحْمَدُ بْنُ
عَبْدَةَ حَدََّا سُلَيْمُ بْنُ أَخْضِرَ كُلُّهُمْ عَنِ الِْيْمِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ
(١١١) وحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثِى وَابْنُ بَشَارٍ قَالا حَدَّثَنَا مُحَّمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَ شُعْبَةُ عَنِ عَطَاءِ بْنِ أَبِى مَيْمُونَةَ عَنِ أَبِى رَافِعٍ
٢٣٧
لقد علم رسول اللّه * أمته سجود التلاوة، فكان يقرأ آية السجدة أمامهم فيسجد ويسجدون معه،
بل دعا المشركين إلى السجود حين تلا عليهم سورة النجم فسجدوا مع المسلمين، حتى لم يجد
أحدهم مكانًا لوضع جبهته على الأرض من كثرة الزحام، وحتى لم يمتنع أحد من المشركين من
السجود إلا شيخاً من كبار كفارهم استكبر أن يضع جبهته على الأرض، فأخذ منها كفا من حصى
وتراب ووضع عليه جبهته، وقال: يكفينى هذا علامة على استجابتى، فلم يقبل اللَّه منه، وظل على
ضلاله وشركه حتى مات كافراً، وكان رسول الله* يترك المواظبة على فعل المستحب بياناً للفرق
بينه وبين الواجب، وخشية أن تؤدى المواظبة إلى أن يفرض المستحب فتعجز الأمة عن الوفاء
ويكون فيه حرج عليها. من هنا خفى على بعض الصحابة بعض مواطن السجود، فظن الموطن غير
موطن، وعلم الملازمون حكمة أفعاله صلى الله عليه وسلم وغالب أموره، فتمسكوا بها ودعوا إليها،
ومنهم أبو هريرة له، حيث التزم السجود فى سجدات المفصل، وفى الانشقاق والعلق اقتداء برسول
اللَّهِ:﴿. فرضى اللَّه عن أبى هريرة وعن الصحابة أجمعين، ومن اهتدى بهديهم إلى يوم الدين.
المباحث العربية
( حتى ما يجد بعضنا موضعًا لمكان جبهته ) لعل هذه القراءة كانت فى حالات الدرس،
حينما تكون الحلقة قائمة أمام الرسول {®، وهم جلوس متضامون للقرب منه صلى الله عليه وسلم.
( ربما قرأ رسول اللَّه ◌َ ليّ) قال ابن هشام فى مغني اللبيب: رب حرف جر خلافًا للكوفيين
فى دعوى اسميته، وإذا زيدت ((ما)» بعدها فالغالب أن تكفها عن العمل وأن تهيئها للدخول على
الجمل الفعلية، وليس معناها التقليل دائماً خلافاً للأكثرين، ولا التكثير دائمًا خلافًا لجماعة. اهـ
والظاهر أنها هنا للتكثير.
( فيمر بالسجدة ) أى بآية السجدة.
( فيسجد بنا ) قال النووى: معناه يسجد ونسجد معه، كما فى الرواية الأولى.
( حتى ازدحمنا عنده ) أى لضيق المكان وكثرة الساجدين.
( أنه قرأ ((والنجم))) أى سورة ﴿ وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾.
( فسجد فيها ) أى بعد ما قرأ قوله تعالى فى آخر السورة: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ
وَاعْبُدُوا ﴾ [النجم: ٦٢].
( غير أن شيخاً أخذ كفا من حصا ) سماه البخارى فى تفسير سورة النجم أمية بن خلف،
ووقع فى سيرابن إسحاق أنه الوليد بن المغيرة، وفيه نظر، لأنه لم يقتل، وقيل: عتبة بن ربيعة، وفى
المصنف بسند صحيح ((عن أبى هريرة قال: سجد النبى * والمسلمون فى النجم إلا رجلين، أرادا
٢٣٨
بذلك الشهرة)) ويمكن أن يجمع بأن عبد اللَّه بن مسعود يحكى عما رأى، وقد رأى أمية بن خلف،
ولكثرة الزحام لم ير غيره، ورأى آخرون من ورد ذكرهم. فلا تنافی.
( فرأيته بعد قتل كافرًا) ((بعد)) بضم الدال، أى بعد ذلك فى بدر، والرائى عبدالله ابن مسعود.
( عن القراءة مع الإمام ) أى قراءة المأموم فى الجماعة فى وقت قراءة الإمام أو بعده، وهل
المراد الفاتحة أو السورة؟ سيأتى الحكم فى فقه الحديث.
(وزعم أنه قرأ على رسول اللّه ﴿ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فلم يسجد ) أى قرأ السورة
حتى آخرها وفيها آية السجدة، والمراد من الزعم الإخبار، والمقصود وأخبر أنه قرأ. والزعم يطلق على
المحقق قليلا، وعلى المشكوك فيه كثيراً، ويطلق على الكذب، وينزل فى كل موضع على ما يليق به.
( صليت مع أبى هريرة صلاة العتمة ) أى صلاة العشاء، لأنها تكون فى العتمة
وظلمة الليل.
( ما هذه السجدة ) التى سجدت بها فى الصلاة؟.
( فلا أزال أسجد بها حتى ألقاه ) بالقاف، أى حتى أموت.
فقه الحديث
فى حكم سجود التلاوة يقول الإمام النووى: وقد أجمع العلماء على مشروعية سجود
التلاوة، وهو عندنا وعند الجمهور سنة، ليس بواجب، وعند أبى حنيفة ظله واجب ليس
بفرض على اصطلاحه فى الفرق بين الواجب والفرض، وهو سنة للقارئ والمستمع له،
ويستحب أيضًا للسامع الذى لا يسمع [أى للسامع عرضاً الذى لا يتسمع ولا يقصد السماع]
لكن لا يتأكد فى حقه تأكده فى حق المستمع المصغى. اهـ
وحاصل المذاهب فى حكم سجود التلاوة وأدلتهم أن مذهب الشافعى ومالك فى أحد قوليه،
وأحمد وداود أنه سنة، وعند المالكية خلاف فى كونه سنة أو فضيلة.
وقد احتج أصحاب هذا المذهب:
(١) بما رواه البخارى عن ربيعة بن عبد الله التيمى أن عمر بن الخطاب رضيه قرأ يوم الجمعة على
المنبر بسورة النحل، حتى إذا جاء السجدة نزل فسجد، وسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة
القابلة قرأ بها، حتى إذا جاء السجدة قال: يا أيها الناس. إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد
أصاب، ومن لم يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر مذن به.
وفى رواية ((فمن سجد فقد أصاب السنة)) والسنة إذا أطلقت يراد بها سنة رسول اللَّه ◌ِ *.
٢٣٩
وفى رواية الترمذى ((ثم قرأها فى الجمعة الثانية، فتهيأ الناس للسجود فقال: إنها لم تكتب علينا
إلا أن نشاء، فلم يسجد، ولم يسجدوا )).
وفى رواية البيهقى ((ثم قرأ يوم الجمعة الأخرى، فتهيَّئوا للسجود، فقال عمر: على رسلكم. إن اللَّه
لم يكتبها علينا إلا أن نشاء، وقرأها ولم يسجد ومنعهم)).
فقوله ((ومن لم يسجد فلا إثم عليه)) دليل على عدم الوجوب، وقوله ((إلا أن نشاء)) دليل على أن
المرء مخير فى السجود، فيكون ليس بواجب.
ثم قالوا: إن عمر قال هذا القول والصحابة حاضرون، ولم ينكر عليه أحد والإجماع السكوتى حجة
عند الجمهور.
(٢) كما احتجوا بحديث زيد بن ثابت [روايتنا الرابعة] وفيها أنه قرأ على رسول اللَّه عَ ل: ﴿
وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ فلم يسجد)) ولفظ البخارى عن زيد قال: ((قرأت على النبى ◌ِّ
((والنجم)) فلم يسجد فيها)».
(٣) وبحديث الأعرابى ((هل على غيرها؟ قال: لا: إلا أن تطوع)) متفق عليه.
(٤) وبما رواه البخارى معلقا، وقال: قال سلمان: ما لهذا غدونا، ووصله ابن أبى شيبة عن
أبى عبدالرحمن قال: دخل سلمان الفارسى المسجد وفيه قوم يقومون، فقرءوا سجدة
فسجدوا، فقال له صاحبه: يا أبا عبد الله لو أتينا هؤلاء؟ فقال: ما لهذا غدونا. وذهب
أبو حنيفة إلى وجوبها على التالى والسامع سواء قصد السماع أولم يقصد، واستدل له
صاحب الهداية بما روى ((السجدة على من سمعها، السجدة على من تلاها)) ثم قال:
((على)) للإيجاب، ورد بأن هذا الحديث لم يثبت، واستدل أيضاً بالآيات ﴿فَمَا لَهُمْ لا
يُؤْمِنُونَ ﴿ وَإِذَا قُرِئٍ عَلَيْهِمْ الْقُرْآنُ لا يَسْجُدُونَ﴾ [الانشقاق: ٢١،٢٠] ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ
وَاعْبُدُوا ﴾ [النجم: ٦٢]. ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩] وقالوا: الذم لا يتعلق إلا بترك
واجب، والأمر فى الآيتين للوجوب.
والأمرهين فى هذا الخلاف، فبعد أن عرفنا أن النبى 8* سجد فى مواضع السجود عرفنا أن
السجود مشروع مؤكد وما يطلق عليه الحنفية لفظ الواجب قريب من السنة المؤكدة، والكل
مجمع على أنه ليس بفرض، فقد روى البخارى ((زاد نافع عن ابن عمر رضى الله عنهما: إن اللَّه لم
يفرض السجود إلا أن نشاء))، وما كان الصحابة يفرقون بين الواجب والفرض، والتفرقة هنا
اصطلاح للحنفية، فيمكن حمل قولهم بالوجوب على السنة المؤكدة. واللَّه أعلم.
أما مواضع السجود فى القرآن فخمسة عشر موضعاً على خلاف فى بعضها سيأتى:
١ - بعد آخر آية فى سورة الأعراف، بعد قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنِ عِبَادَتِهِ
وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَّهُ يَسْجُدُونَ ﴾.
٢٤٠