النص المفهرس
صفحات 181-200
المسجد فليس بسيئة إلا إذا لم يدفنها، ثم إن فى حديث أبى أمامة إشكالا فى قوله ((وإن دفنه
فحسنة)) إذ لو حملت هذه الحسنة على ما يمحو سيئة النخع لتنخع الناس عمدًا ودفنوا ليحصلوا
حسنات. فهو دليل عليهم لا لهم. كذلك حديث ((مساوئ أعمال الأمة النخاعة التى لا تدفن)) أى
فيبقى حكم السيئة ويثبت ما دامت لم تدفن. أما أبو عبيدة فمراده أنه يحمد الله أن لم تبق عليه
سيئة لا أنها لم تكتب أصلا. وإلا لو فرضنا أن مسلماً أوذى بهذه النخامة فى الفترة التى وصل
فيها بيته ألا يكون قد أساء وكتبت عليه سيئة؟ الحق مع الإمام النووى فى أن الفعل نفسه
خطيئة يكفر بالدفن. والله أعلم.
ثالثًا: وما قيل فى البصاق خارج المسجد وخارج الصلاة، وما قيل فى البصاق داخل المسجد فى غير
صلاة يقال هو وأشد منه فى البصاق فى المسجد فى الصلاة، بل الدفن صعب فى الصلاة، ويزيد
الحكم حرمة كون المصلى مستقبل ربه يناجيه، ومن ألفاظ التقبيح والوعيد قوله صلى اللّه عليه
وسلم فى الرواية الرابعة ((وما بال أحدكم يقوم مستقبل ربه فيتنخع أمامه؟ أيحب أحدكم أن
يُسَتْقبل فَيَتُنْخَعَ فى وَجْهِهِ)»؟.
رابعًا: أما البصاق فى حائط القبلة ممن كان فى صلاة أو ممن لم يكن فى صلاة فهو أشد الأنواع
سوءًا، إذ العلل السابقة متوفرة فيه بالإضافة إلى وجوب احترام القبلة، ثم التأذى به أشد من
التأذى بالحالات الأخرى. قال الحافظ ابن حجر: والتعليل بأن ربه بينه وبين القبلة يدل على أن
البزاق فى القبلة حرام سواء كان فى المسجد أم لا ولا سيما من المصلى.
خامسًا: ويؤخذ من حك الرسول # بنفسه البصاق من حائط القبلة كما جاء فى الرواية الأولى
وجوب الإزالة على كل من رآه وأن يتخذ لذلك الوسائل سواء احتاج إلى آلة أو لم يحتج، فإن كان
يابسًا أزالته الحصاة والعرُجون ونحوها وإن كان رطبًا لم تُفِد الحصَآَةُ، بل قد تَنْشَرهُ وتزيدُ
التلَوُثَ، وقد روى عن ابن عباس ((إن كان رطباً فاغسله)) ذكره البخارى.
سادسًا: ويؤخذ من الأحاديث الواردة فى الباب
١ - طلب إزالة الأقذار من المسجد وتنزيهه عنها.
٢- ومن الرواية التاسعة والعاشرة جواز الفعل فى الصلاة، وأن المصلى قد يبصق فى الصلاة
ولا تفسد صلاته.
٣- وأن البزاق والمخاط والنخاع. طاهرات. قال النووي: وهذا لا خلاف فيه بين المسلمين إلا ما
حكاه الخطابى عن إبراهيم النخعى أنه قال: البزاق نجس. قال النووي: ولا أظنه يصح عنه.
٤- قال النووى: ويؤخذ من قوله ((ووجدت فى مساوئ أعمالها الذخامة تكون فى المسجد لا تدفن)) فى
الرواية الثامنة أن هذا القبح والذم لا يختص بصاحب النخاعة، بل يدخل فيه هو وكل من رآها ولا
يزيلها پدفن أوحك أو نحوه.
٥- يؤخذ من الرواية الرابعة البيان بالفعل بعد القول، وهو أوقع فى نفس السامع.
١٨١
٦- وفى الحديث تفقد الإمام أحوال المساجد وتعظيمها وصيانتها.
٧- وأن المصلى إذا نفخ أو تنحنح جاز لأن النخامة لابد أن يقع معها شيء من نفخ أو تنحنح. كما
قالوا. ولكن هذا إذا كان التنحنح بغير اختياره أما إذا كان باختياره فإن ظهر منه حرفان فأكثر
فسدت صلاته، وعن أبى حنيفة أن النفخ. إذا كان يسمع فهو بمنزلة الكلام يقطع الصلاة.
٨- وأن التحسين والتقبيح إنما هو بالشرع لكون اليمين مفضلة على اليسار، واليد مفضلة على القدم.
٩- والحث على الاستكثار من الحسنات وإن كان صاحبها مليا، لكونه صلى الله عليه وسلم باشر
الحك بنفسه وهو دال على عظم تواضعه. زاده اللّه تشريفًا وتعظيمًا صلى الله عليه وسلم.
والله أعلم
١٨٢
(٢٠٨) باب جواز الصلاة فى النعلين
١٠٥٢ - ٢٠ عَنِ أَبِى مَسْلَمَةَ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ(٦٠) قَالَ: قُلْتُ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ
﴿ يُصِّلَّى فِى النَّعْلَيْنِ؟ قَالَ: نَعَمْ.
المعنى العام
كانت المساجد مفروشة بالرمل، وكانت الطرق رملية غالباً، وكانت النعال تزيل قذارتها بالمشى
فيها على هذه الرمال، فأباح صلى الله عليه وسلم الصلاة فى النعال، وصلى متنعلا وحافياً لبيان
الجواز. وكل ما طلبه فى النعال أن يدلكها صاحبها بالتراب قبل دخوله المسجد لإزالة ما بها من
قاذورات.
لكن لما كان من مظاهر الأدب خلع النعلين، مصداقًا لقوله تعالى: ﴿فَاخْطَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِى
الْمُقَدَّس طُوَّى﴾ [طه: ١٢] كان الأفضل خلع النعلين عند دخول المسجد وعند الصلاة خصوصًا فى
هذا العصر الذى لو دخلنا فيه المسجد بنعالنا لوقعت فتنة كبرى. صان الله مساجد الله. ووفقنا لما
يحبه ويرضاه.
المباحث العربية
( يصلى فى النعلين ) أى على النعلين، أو بالنعلين قال العينى: لأن الظرفية غير صحيحة
والنعل الحذاء، مؤنثة.
فقه الحديث
لا خلاف بين العلماء فى جواز الصلاة بالنعال إذا لم تتحقق من نجاستها، والخلاف بينهم حينئذ
فى كونها من الرخص أو المستحبات. قال ابن دقيق العيد: هى من الرخص لا من المستحبات، لأن
ذلك لا يدخل فى المعنى المطلوب من الصلاة، وهو وإن كان من ملابس الزينة إلا أن ملامسته الأرض
التى تكثر فيها النجاسات قد تقصر عن هذه المرتبة. وإذا تعارضت مراعاة مصلحة التحسين ومراعاة
إزالة النجاسة قدمت الثانية، لأنها من باب دفع المفاسد والأخرى من باب جلب المصالح. قال: إلا
أن يرد دليل بإلحاقه بما يتجمل به فيرجع إليه ويترك هذا النظر.اهـ
(٦٠) حَدَّثَنَا يَخْتَى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا بِشْرُ بْنُ الْمُفَضَّلِ عَنِ أَبِى مَسْلَمَةَ سَعِيدِ بْنِ يَزِيدَ
- حَدََّا أَبُوِ الرَّبِعِ الزَّهْرَانِيُّ حَدَّثَنَا عَبَّدُ بْنُ الْغَوَّامِ خَذْثَنَا سَعِيدُ بْنُ يَزِيدَ أَبُوَ مَسْلَمَةَ قَالَ سَأَلْتُ أَنْسًا بِمِثْلِهِ.
١٨٣
قال الحافظ ابن حجر: وقد روى أبو داود والحاكم من حديث شداد بن أوس مرفوعا ((خالفوا
اليهود فإنهم لا يصلون فى نعالهم ولا خفافهم» فيكون استحباب ذلك من جهة قصد المخالفة
المذكورة. اهـ
وحكى الغزالى فى الإحياء عن بعضهم أن الصلاة فى النعال أفضل. فإن كان فى النعلين نجاسة
فهل يكفى دلكهما وإباحة الصلاة فيهما أو يجب غسلهما وإزالة النجاسة؟ وإلا ما صحت الصلاة
فيهما؟ بالقول الثانى قال الشافعية سواء أكانت النجاسة رطبة أم جافة، ولا يجزئ الدلك لأنه لا
يزيل جميع أجزاء النجاسة، ويحملون حديث الصلاة فى النعلين على حالة طهارتهما وعدم تحقق
نجاستهما. وقال مالك وأبو حنيفة: إن القذر الرطب لا يطهر إلا بالماء، والجاف يجزيه الدلك، وذهب
جماعة منهم الأوزاعى وإسحق أن القذر فى النعال يجزئ دلكه فى الأرض وتصح الصلاة فيه سواء
كان رطبًا أو يابسًا، لما روى أبو داود عن النبى وُ ﴾ قال ((إذا وطئ بنعليه أحدكم الأذى فإن التراب له
طهور)) فالحديث لم يفرق بين الرطب والجاف، وعند الحنابلة أقوال ثلاثة.
قال العينى: ويستنبط من الحديث جواز المشى فى المسجد بالنعل. اهـ وينبغى أن يقيد بما إذا
أمن تلويث المسجد.
والله أعلم
١٨٤
(٢٠٩) باب كراهة الصلاة فى ثوب له أعلام
١٠٥٣ - ١١َ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٦١) أَنَّ النَّبِيِّ ◌َّ صَلَّى فِى خَمِيصَةٍ لَهَا أَعْلَامٌ وَقَالَ
«شَغَلَِْ أَعْلَامُ هَذِهِ فَاذْهَبُوا بِهَا إِلَى أَبِى جَهْمٍ وَأَثُونِى بِأَنْبِجَانِهِ».
١٠٥٤ - ٦٢ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٦٢) قَالَتْ: قَامَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ يُصَلِّى فِى خَمِيصَةٍ
ذَاتِ أَعْلَامٍ فَنَظَرَ إِلَى عَلَمِهَا فَلَمَّا قَضَى صَلاَتَهُ قَالَ «اذْهَبُوا بِهَذِهِ الْخَمِيصَةِ إِلَى أَبِى جَهْمِ بْنِ
حُدَيْفَةَ وَأْتُونِى بِأَنْبِجَانِيِّهِ فَإِنَّهَا أَلْهَْنِى آنِفًا فِى صَلاتِي».
١٠٥٥ - ٣ٍ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٦٣) أَنَّ النَّبِيَّ وَ كَانَتْ لَهُ خَمِيصَةٌ لَهَا عَلَمْ فَكَان
يَتَشَاغَلُ بِهَا فِى الصَّلاةِ فَأَعْطَاهَا أَبَا جَهْمٍ وَأَخَذَ كِسَاءَّ لَهُ أَنْبِجَائِيًّا.
المعنى العام
الصلاة مناجاة من العبد للرب، حمد وشكر، ودعاء. وتقديس واستغفار وخضوع وتذلل، وشأن من
هذا موقفه أن يخشع وأن يستجمع كل حواسه ومشاعره لما هو فيه، وإذا كان حال البشر إذا وقف
المرءوس أمام رئيسه جمع أفكاره ومشاعره لمخاطبته وفهم كلامه كان حال العبد إذا وقف بين يدى
ربه أدعى إلى عدم الاشتغال بغير مناجاته. وكانت هذه حالة النبى {$ فى صلاته حيث يقول صلى
اللّه عليه وسلم ((وجعلت قرة عينى فى الصلاة)).
ورسول اللّه * بشر، يشغله ما يشغل البشر لكنه يبادر بفطم النفس عن نزعاتها وسد الذرائع،
وإغلاق أبواب الشر ومسارب الشيطان.
لقد أهدى أبوجهم إلى رسول اللّهَ * خميصة، أهدى له ثوباً أسود فيه أعلام وخطوط، فقبل
الرسول # الهدية، ولبسه ثم قام يصلى، فوقعت عينه على خطوط وأعلام الثوب، فشغل بها لحظات
عن الخشوع، فلما انتهى من الصلاة خلع هذا الكساء وقال ردوه إلى أبى جهم، لأن أعلامه كادت
تفتننى وتؤثر على خشوعى.
إن أبا جهم كان عنده كساء آخر لا أعلام فيه، وهو أقل قيمة من الخميصة التى أهداها لى، ردوا
(٦١) حَدَّفِى عَمْرٌو النَّقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ حِ وَحَدَّقَتِى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْئَةَ وَاللّفْظُ لِزُهَيْرٍ قَالُوا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةً عَنٍ
الزُّهْرِيِّ عَنِ عُرْوَةً عَنِ عَائِشَةً
(٦٢) حَدَّثًا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَبِى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنٍ عَائِشَةً
(٦٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيئَةً حَدََّنَا وَكِيعٌ عَنِ هِشَامٍ عَنِ أَبِيَةٍ عَنِ عَائِشَةً
١٨٥
الخميصة وهاتوا لى الكساء الآخر الذى احتفظ به لنفسه وآثرنى بهذا الكساء. وردوه وجاءوا بالكساء
الثانى الذى لا أعلام ولا خطوط فيه.
وهكذا ينبه صلى الله عليه وسلم أمته أن يزيلوا كل ما من شأنه أن يلهى المصلى فى صلاته، وألا
يضعوا أمام المصلى ما يحول بينه وبين الخشوع والخضوع، فاللّهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن
عبادتك. إنك سميع مجيب.
المباحث العربية
( صلى فى خميصة لها أعلام ) ((الخميصة)) بفتح الخاء وكسر الميم كساء أسود له علمان أو
أعلام ويكون من خز أوصوف، ولا يسمى خميصة إلا أن تكون سوداء معلمة، سميت بذلك للينها،
ورقتها وصغر حجمها إذا طويت مأخوذ من الخمص وهو ضمور البطن.
وجملة ((لها أعلام)) صفة لخميصة، صفة كاشفة، لأن الخميصة كما قلنا لا تكون إلا معلمة، وهذا
الوصف الملازم ذكر لبيان أنه السبب فى المنع، وليس الجمع شرطاً، ففى الرواية الثالثة ((لها علم)».
( شغلتنى أعلام هذه) فى الرواية الثانية ((ألهتنى)) وفى رواية للبخارى ((فأخاف أن تفتننى))
قال النووى: معنى هذه الألفاظ متقارب، وهو اشتغال القلب بها عن كمال الحضور فى الصلاة. و
((ألهى)) رباعى ((لهى)) يقال: لهى الرجل عن الشيء يلهى إذا غفل، وهو من باب علم، وأما ((لها)) يلهو
إذا لعب فهو من باب نصر.
( فاذهبوا بها إلى أبى جهم ) بفتح الجيم وسكون الهاء، واسمه عامر بن حذيفة العدوى
القرشى المدنى الصحابى، أسلم يوم الفتح، وكان معظماً فى قريش، وعالما بالنسب، شهد بنيان
الكعبة مرتين مات فى آخر خلافة معاوية.
( وائتونى بأنبجانية) قال الحافظ ابن حجر: ((الأنبجانية)) بفح الهمزة وسكون النون وكسر
الباء وتخفيف الجيم وبعد النون ياء النسب كساء غليظ لا علم له، وقال ثعلب: يجوز فتح همزته
وكسرها، وكذا الباء وقال بعض أهل اللغة: وهذه النسبة إلى موضع يقال له: أنبجان. وقال ابن حبيب
فى شرح الموطأ: هى كساء غليظ، يشبه الشملة، يكون سداه قطناً غليظاً أو كتاناً غليظاً ولحمته
صوف ليس بالمبرم فى فتله لين غليظ، يلتحف به فى الفراش، وقد يشتمل بها فى شدة البرد. اهـ
و((أنبجانية)» فى الأصل صفة لمؤنث ((أى كسوة أنبجانية.
( آنفا ) أى ابتداء، وكذلك الاستئناف، ومنه أنف كل شىء، وهو أوله، وانتصابه على الظرفية.
قال ابن الأثير: قلت الشيء آنفا أى فى أول وقت يقرب منی.
( وأخذ كساء له أنبجانيا ) ((له)) أى لأبى جهم، أى أخذ صلى اللّه عليه وسلم من أبى جهم
كساء له من هذا النوع الذى لا علم فيه.
١٨٦
فقه الحديث
يمكن حصر نقاط الحديث على الوجه الآتى:
١ - الصلاة فى ثوب له أعلام أو فيه صور ورسوم.
٢- الرسوم والصور والكتابات فى القبلة وحوائط المسجد وفرشه.
٣ - اتخاذ الرسوم والصور بعيداً عن أماكن الصلاة.
٤- ما ورد على الحديث من إشكال وجوابه.
٥- ما يؤخذ من الحديث من الأحكام.
١- قال النووى: تصح الصلاة فى ثوب له أعلام وإن كان غيره أولى. اهـ. وقال ابن بطال: من صلى فى
ثوب به تصاوير فصلاته مجزئه، لأنه صلى الله عليه وسلم لم يعد الصلاة، ولأنه صلى الله عليه
وسلم قال: ((ألهتنى فى صلاتى)) ولم يقل: قطعت صلاتى وقال المهلب: وإنما أمر باجتناب هذا
لإحضار الخشوع فى الصلاة وقطع دواعى الشغل.
٢- قال النووى: ويؤخذ من الحديث كراهة تزويق محراب المسجد وحائطه ونقشه وغير ذلك من
الشاغلات، لأن النبى # جعل العلة فى إزالة الخميصة هذا المعنى. اهـ. وقد روى البخارى عن
أنس: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبى ول («أميطى عنا قرامك هذا، فإنه لا
تزال تصاويره تعرض فى صلاتى)) وكانت رضى الله عنها قد اشترت ستراً رقيقاً من صوف ذا
ألوان فيه رسوم خيل ذات أجنحة ورسول اللّه 8* فى سفر، وقد سترت به فتحة فى بيتها، فلما
قدم صلى الله عليه وسلم وقام إلى الصلاة كان فى مواجهة هذه السترة فأمر بنزعها.
٣- وفى لفظ البخارى ومسلم عن عائشة فى الستر السابق قالت: فقطعته وسادتين فكان يرتفق
عليهما، أى يتكئ على مرفق يده على الوسادتين، وعلى هذا ذهب الحنفية إلى أن الصور التى
تكون فى بسط ويفرش ويمتهن خارجة عن النهى الوارد فى هذا الباب، وبه قال الثورى والنخعى
ومالك وأحمد فى رواية. وقال أبو عمر ذكر أبو القاسم قال: كان مالك يكره التماثيل فى الأسرة
والقباب، أما البسط والوسائد والثياب فلا بأس به، وقال الثورى: لا بأس بالصور فى الوسائد،
لأنها توطأ ويجلس عليها، وكان أبو حنيفة وأصحابه يكرهون التصاوير فى البيوت بتمثال، ولا
يكرهون ذلك فيما يبسط، ولم يختلفوا أن التصاوير فى الستور المعلقة مكروهة. وأما الشافعية
فإنهم كرهوا الصور مطلقاً، سواء أكانت على الثياب أم على الفرش والبسط ونحوها واحتجوا
بعموم الأحاديث الواردة فى النهى عن ذلك ولم يفرقوا.
قال النووى: قال أصحابنا وغيرهم من العلماء: تصوير صورة الحيوان حرام شديد التحريم، وهو
من الكبائر، لأنه متوعد عليه بالوعيد الشديد المذكور فى الأحاديث، وسواء صنعه لما يمتهن أو
١٨٧
لغيره فصنعته حرام بكل حال، لأن فيه مضاهاة لخلق الله تعالى، وسواء ما كان فى ثوب أو
بساط أو درهم أو دينار أو إناء أو حائط أو غيرها، وأما تصوير غير الحيوان من الشجر والجبال
والأرض وغير ذلك فليس بحرام. اهـ وقال بعض السلف: إنما ينهى عما كان له ظل ولا بأس
بالصور التى ليس لها ظل. وأجمعوا على منع ما كان له ظل ووجوب تغييره، قال القاضى عياض:
إلا ما ورد فى اللعب بالبنات لصغار البنات والرخصة فى ذلك.
٤- وقد يقال: كيف يرضى صلى الله عليه وسلم لأبى جهم ما لم يرضه لنفسه حيث أرسل إليه
الخميصة؟ وأجيب بأنه لم يقصد أن يصلى فيها أبوجهم بل لينتفع بها فى غير الصلاة، ومثله
قوله صلى الله عليه وسلم فى خلة عطارد حيث بعث بها إلى عمر: ((إنى لم أبعث بها
إليك لتلبسها)».
وقيل: إن أبا جهم كان أعمى، فالإلهاء مفقود عنه، وقيل: إن مقام الرسول العالى جعله يرسل بها
إلى أبى جهم، وكأن هذا الصفاء المطلوب فى الصلاة هو المناسب لمقام النبوة، فهو من قبيل
قوله صلى الله عليه وسلم ((كل فإنى أناجى من لا تناجى)) وهذا القول بعيد، فالحكم عام.
فإن قيل: ما وجه تعيين أبى جهم فى الإرسال إليه؟ أجيب بأن أبا جهم هو الذى أهداها له صلى
اللّه عليه وسلم، فلذلك ردها عليه، فقد روى الطحاوى عن عائشة قالت: ((أهدى أبوجهم إلى النبى
# خميصة شامية لها أعلام، فشهد فيها النبى * الصلاة، فلما انصرف قال: ردى هذه الخميصة
إلى أبى جهم فإنها كادت تفتننى)».
فإن قيل: كيف خاف صلى الله عليه وسلم على نفسه الافتتان وهو لا يلتفت إلى الأكوان، بل إن
مراقبة الله شملت خلقا من أتباعه حتى قيل: إن السقف وقع إلى جانب مسلم بن يسار فلم يعلم
به؟ أجيب بأن للنبى {# حالتين. حالة يقول فيها ((لست كأحدكم)) أو يقول ((وأيكم مثلى)» وحالة
يقول فيها ((إنما أنا بشر مثلكم)) فكانت الخميصة من الحالة الثانية.
٥- ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- الحث على حضور القلب فى الصلاة وتذكر أذكارها وتلاوتها ومقاصدها.
٢- منع النظر من الامتداد إلى ما يشغل، قال النووى: قال أصحابنا: يستحب له النظر إلى موضع
سجوده، ولا يتجاوزه، وقال بعضهم: يكره تغميض العينين، قال النووى: وعندى لا يكره إلا أن
يخاف ضررًا.
٣- إزالة ما يشغل القلب ويلهى عن الصلاة.
٤- أن اشتغال الفكر اليسير فى الصلاة غير قادح فيها، وأن الصلاة تصح وإن حصل فيها فكر فى
شاغل ونحوه مما ليس متعلقاً بالصلاة، قال النووى: وهذا بإجماع الفقهاء، وحكى عن بعض
السلف والزهاد أنه يضر، وهذا القول غير معتد به فى الإجماع.
١٨٨
٥- وفيه تكنية العالم لمن دونه، وكذلك الإمام، لقوله ((أبى جهم)).
٦- وفيه قبول الهدية من الأصحاب والإرسال إليهم والطلب منهم، قال الطيبى: إنما أرسل إليه
لأنه كان أهداها إياه، واستبدل بها أنبجانية كيلا يتأذى قلبه بردها إليه.
٧- وفيه أن الواهب إذا ردت عليه عطيته من غير أن يكون هو الراجع فيها فله أن يقبلها من
غير كراهة.
٨- وفيه مبادرة الرسول 8# إلى مصالح الصلاة.
٩- وفيه إيذان بأن للصور والأشياء الظاهرة تأثيراً فى القلوب الطاهرة والنفوس الزكية فضلا
عمن دونها.
والله أعلم
١٨٩
(٢١٠) باب كراهة الصلاة بحضرة الطعام
الذى يريد أكله فى الحال
وكراهة الصلاة مع مدافعة الحدث ونحوه
١٠٥٦- ٤َّ+ْ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَّه(٩٤) عَنِ النّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: «إِذَا حَضَرَ الْعَشَاءُ وَأَقِيمَتْ
الصَّلاةُ فَابْدَءُوا بِالْعَشَاءِ».
١٠٥٧ - ٢+ْ حَدَّقِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَضُ(١١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ ﴿ قَالَ «إِذَا قُرِّبَ الْعَشَاءُ
وَحَضَرَتْ الصَّلاةُ فَابْدَءُوا بِهِ قَبْلَ أَنْ تُصَلُّوا صَلاةَ الْمَغْرِبِ وَلا تَعْجَلُوا عَنِ عَشَائِكُمْ)».
٦٥ بِمِفْلِه(٦٥).
١٠٥٨ - ٦ّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٦٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَّ«إِذَا وُضِعَ عَشَاءُ
أَحَدِكُمْ وَأَقِيمَتْ الصَّلاةُ فَابْدَهُوا بِالْعَشَاءِ وَلا يَعْجَلَنَّ حَتّى يَفْرُغَ مِنْهُ».
١٠٥٩ - ٧ِ عَنِ ابْنِ أَبِى عَنِيقٍ(٦٧) قَالَ تَحَدَّثْتُ أَنَا وَالْقَاسِمُ عِنْدَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَدِيثًا
وَكَانُ الْقَاسِمُ رَجُلا لَحَّانَةً وَكَانٌ لِأُمِّ وَلَدٍ، فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ مَا لَكَ لا تَحَدَّثُ كَمَا يَتَحَدَّثُ ابْنُ
أَخِى هَذَا، أَمَا إِنّى قَدْ عَلِمْتُ مِنْ أَيْنَ أَتِيْتَ، هَذَا أَدََّتْهُ أُمُّهُ وَأَنْتَ أَدَبَتْكَ أُمُّكَ. قَالَ فَغَضِبَ
الْقَاسِمُ وَأَضَبَّ عَلَيْهَا فَلَمَّا رَأَى مَائِدَةَ عَائِشَةَ قَدْ أَتِيَ بِهَا قَامَ، قَالَتْ أَيْنَ؟ قَالَ أُصَلِّى، قَالَتْ
اجْلِسْ، قَالَ إِنِّى أُصَلّى قَالَتْ اجْلِسْ غُدَرُ إِنّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ «لا صَلاةَ بِحَضْرَةٍ
الطَّعَامِ وَلا هُوَ يُدَافِعُهُ الأَخْفَانِ».
(٦٤) أَخْبَرَنِى عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةً قَالُوا حَدََّا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةً عَنِ الزُّهْرِيِّ
(١٠) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى عَمْرٌو عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّتِى أَنْسُ
(٦٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا ابْنُ ثُمَّيْرٍ وَحَفْصٌ وَوْكِيعٌ عَنِ هِشَامٍ عَنِ أَبِهِ عَنٍ عَائِشَةً رضى اللَّه عنها عَنِ النّبِيّ ◌ِ﴾.
بِمِثْلٍ حَدِيثٍ أَبَّنِ عُيِّئَةً عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ أَنَسُ
(٦ ٦)َحَدْثْنَا ابْنُ ثُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِىِّ قَالَ حَ وحَذََّا أَبَّوْ بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْئَةً وَاللَّفْظُ لَهُ حَدََّا أَبُو أُسَامَةً قَالا حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنِ نَافِعٍ عَنِ
ابْنِ عُمَرَ
- وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَقَ الْمُسَيِِّيُّ حَدَّثَنِى أَنْسٌ يَعْنِى ابْنَ عِيّاضٍ عَنِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةٌ حَ وَحَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ عَيْدِ اللَّهِ حَدَّثَنًا
حَمَّاذُ بْنُ مَسْعَدَةً عَنٍ أَبْنٍ جُرَيْجٍ قَالَّ حْ وَحَدَّثَنَا الصَّلْتُ بْنُ مَسْعُودٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانَ بْنُ مُوسَى عَنِ أَيُّوبَ كُلُّهُمْ عَنِ نَافِعٍ عَنِ ابْنٍ
عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ بِنَّحْوِهِ
(٦٧) حَدَّثَنَا مَّحَمَّدُ بْنُ عَّادٍ خَدَّثَنَا حَاتِمٌ هُوَ ابْنُ إِسْمَعِيلَ عَنِ يَعْقُوبَ بْنِ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ أَبِى عَنِيقٍ
١٩٠
١٠٦٠ - ١٠ْ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٠) عَنِ النّبِيِّ ◌ِ ﴿ّ بِمِثْلِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ فِى الْحَدِيثِ
قِصَّةٌ الْقَاسِمِ.
المعنى العام
الصلاة مناجاة من العبد للرب، والتلذذ بالمناجاة يقتضى التفرغ لها من كل الشواغل النفسية
المقدور عليها، وكلما صفت المناجاة من هذه الشوائب كلما كان تجلى الرب على عبده أعظم، وكان
القبول أسرع، وكان الجزاء أجزل.
ومن الشواغل التى يستطيع المسلم التخلص منها بسهولة شهوة البطن إذا قدم الطعام عند إقامة
الصلاة، إن الجائع ومن يشتهى ما قدم يسيل لعابه وتنفتح للطعام أو الشراب شهواته، وتتعلق به
نفسه. فإذا قام يصلى والحالة هذه صلى بلسانه وجوارحه دون قلبه، صلى صلاة جسد لا روح فيه،
صلى وقلبه معلق بالطعام، وفكره شارد وراءه، ولما كان الهدف الأول من هذه المناجاة الخشوع
والتوجه كانت الأحاديث الشريفة تأمر بتقديم العشاء والأكل على الصلاة، ولما كانت الرغبة فى
البول، والغائط وضغطهما على حواس المسلم عائقاً عن خلوص المناجاة ومانعاً من الصفاء لها
والاستغراق فيها، بل كثيراً ما يكون مؤثراً على أداء أركانها، وواجباتها حائلا دون الطمأنينة فيها مما
قد يبطلها نهى الحديث عن الصلاة مع موافقة الأخبثين.
وكان الله بعباده رءوفًا رحيمًا. جعل أوقات الصلوات ممتدة بما يسمح بقضاء الشواغل الدنيوية
للتفرغ لعبادته بقلب سليم.
وقد استخدمت أم المؤمنين عائشة رضى الله عنها قوله صلى الله عليه وسلم ((لاصلاة بحضرة
الطعام ولا وهو يدافعه الأخبثان)» فى رد ابن أخيها القاسم ابن محمد بن أبى بكر إلى كظم غيظه،
حين أغلظت له فى النصح فغضب واغتاظ وأراد مقاطعة طعامها الذى قدم آنئذٍ بحجة رغبته فى
الصلاة، فلم يجد بدًا من كظم غيظه والأكل من الطعام الذى حضر، محترماً أم المؤمنين وأمرها، قابلا
النصح مهما كان مرًا.
المباحث العربية
( إذا حضر العشاء ) فى الرواية الثانية ((إذا قرب العشاء)) وفى الثالثة ((إذا وضع عشاء
أحدكم)) والحضور أعم من الوضع ومن التقريب، إذ يصدق بالحضور بعيداً عن الآكلين وعدم وضعه
(١٠) حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا حَدََّا إِسْمَعِيلُ وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ أَخْبُرَنِى أَبُو حَزْرَةَ الْقَاصُّ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ
ابْنِ أَبِ عَتِقٍ عَنِ عَائِشَةً
١٩١
وتقريبه لهم للأكل. قال الحافظ ابن حجر: يحمل قوله ((حضر)) أى بين يدى الآكل لتأتلف الروايات،
لاتحاد المخرج فلا يناط الحكم بحضور الطعام بعيداً دون تقريب كما إذا لم يفرغ من جمعه.
و((العشاء)) بفتح العين طعام الليل، وليس الحكم قاصراً عليه بدليل الرواية الرابعة وفيها ((لا صلاة
بحضرة طعام )».
(وأقيمت الصلاة) قال ابن دقيق العيد: الألف واللام فى ((الصلاة)) لا ينبغى أن تحمل على
الاستغراق ولا على تعريف الماهية، بل ينبغى أن تحمل على ((المغرب)) لقوله ((فابدءوا بالعشاء))
ويترجح حمله على المغرب لقوله فى الرواية الأخرى [البخارى وفى روايتنا الثانية] ((فابدءوا به قبل
أن تصلوا صلاة المغرب)» والحديث يفسر بعضه بعضًا، وفى رواية صحيحة [عند ابن حبان
والطبرانى] ((إذا وضع العشاء وأحدكم صائم)) اهـ. والجمهور على خلافه، وأن الألف واللام فيه
للاستغراق، وسيأتى توضيح الحكم فى فقه الحديث. والتعبير فى الرواية الثانية بقوله ((وحضرت
الصلاة)) مراد به الإقامة، فيكون الحكم عند حضور الوقت دون الإقامة من باب أولى.
( ولا تعجلوا عن عشائكم ) («تعجلوا)) بفتح التاء وضمها والجيم مفتوحة فيهما، ويروى بضم
التاء وكسر الجيم. [من أعجل] قاله الحافظ ابن حجر.
(إذ وضع عشاء أحدكم .. فابدءوا ... ولا يعجلن) قال الطيبى: ((أحد)) إذا كان فى سياق
النفى يستوى فيه الواحد والجمع، وهو فى هذا الحديث فى سياق الإثبات، فكيف وجه الأمر إليه تارة
بالجمع ((فابدءوا)) وأخرى بالإفراد ((ولا يعجلن))؟ وأجاب بأنه جمع نظرا إلى لفظ ((كم)) فى
((أحدكم)) وأفرد نظراً إلى لفظ ((أحد)) والمعنى: إذا وضع عشاء أحدكم فابدءوا أنتم بالعشاء، ولا يعجل
هو حتى يفرغ معكم منه.
( عن ابن أبى عتيق) هو عبد الله بن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق وظُه.
( حدثت أنا والقاسم عند عائشة هو القاسم بن محمد بن أبى بكر فعائشة جدة ابن أبى
عتيق وعمة القاسم.
(وكان القاسم رجلا لحانة ) بفتح اللام وتشديد الحاء، أى كثير اللحن فى كلامه وفى
إعرابه. قال القاضى: ورواه بعضهم ((لحنة)) بضم اللام وإسكان الحاء، وهو بمعنى لحانة.
( وكان لأم ولد ) أى كانت أمه جارية لأبيه، وليست زوجة حرة.
( أما إنى قد علمت من أين أتيت ) أى من أين ولدت، وعلمت مصدر لحنك، وهو
من قبل أمك.
( هذا أدبته أمه ) الإشارة لابن أبى عتيق، أى علمته أمه الأدب البلاغى والنطق العربى السليم.
( وأنت أدبتك أمك ) أى علمتك من الأدب اللغوى ما أنت عليه من اللحن.
١٩٢
( فغضب القاسم وأضب عليها ) ((أضب)) بفتح الهمزة والضاد وتشديد الباء، حقد عليها
واغتاظ من كلامها.
( اجلس غدر) بضم الغين وفتح الدال، منادى بحذف حرف النداء، أى بإغادر. قال أهل اللغة:
الغدر بفتح الغين وسكون الدال ترك الوفاء، ويقال لمن غدر: غادر وغدر، وأكثر ما يستعمل فى النداء
بالشتم، وإنما قالت له ((غدر)) لأنه مأمور باحترامها، لأنها أم المؤمنين، وعمته، وأكبر منه، وناصحة له
ومؤدبه فكان حقه أن يحتملها ولا يغضب عليها. قاله النووى.
( ولا وهو يدافعه الأخبثان ) يقال: دافع الأخبثين، ويدافعه الأخبثان وهما البول والغائط،
فبينه وبينهما مدافعة، والمراد هما أو أحدهما أو ما يلحق بهما من الريح ونحوه.
فقه الحديث
سواء قصد من ((الصلاة)) فى الحديث صلاة المغرب أو أى صلاة فالحكم يعم كل صلاة، فرضاً أو
نفلا، مغرباً أو غير مغرب، لأنه إن طلب تقديم الطعام على الصلاة فى المغرب وهو مضيق الوقت كان
طلب ذلك فى موسع الوقت من باب أولى، وإذا طلب ذلك فى صلاة الفرض طلب فى النفل من
باب أولى.
وظاهر الروايات أن تقديم الطعام على الصلاة إذا وضع الطعام وأقيمت الصلاة قبل البدء فيه، أما
إذا كان قد بدأ فى الطعام قبل أن تقام الصلاة فأقيمت فالحكم فيه يجرى مجرى الحكم فى: هل
يظل يأكل حتى يقضى حاجته منه؟ أو يكتفى بلقيمات؟ استدل بعض الشافعية بقوله صلى الله
عليه وسلم ((فابدءوا)) على تخصيص ذلك بمن لم يشرع فى الأكل، وأما من شرع ثم أقيمت فلا يتمادى،
بل يقوم إلى الصلاة، قال النووى: وصنيع ابن عمر يبطل ذلك وهو الصواب. اهـ وصنيع ابن عمر ساقه
البخارى عقب روايتنا الثالثة مقولا لنافع، إذ الرواية عن نافع عن ابن عمر، قال نافع: ((وكان ابن عمر
يوضع له الطعام وتقام الصلاة فلا يأتيها حتى يفرغ، وإنه ليسمع قراءة الإمام)) والتعبير فى روايتنا
الثالثة بقوله ((ولا يعجلن حتى يفرغ منه)) ورواية البخارى ((فلا يعجل حتى يقضى حاجته منه وإن
أقيمت الصلاة، يؤيد صنيع ابن عمر، ويمكن به أن نرد على من عقب على كلام النووى بأن صنيع ابن
عمر اختيار له، وأن النظر إلى المعنى اقتضى عدم الاكتفاء بلقيمات يكسر بها الجوع. كما يمكن أن
نؤكد تصويب النووى بما رواه سعيد بن منصور وابن أبى شيبة بإسناد حسن عن أبى هريرة وابن
عباس ((أنهما كانا يأكلان طعاما وفى التنور شواء، فأراد المؤذن أن يقيم، فقال له ابن عباس :
لا تعجل لئلا نقوم وفى أنفسنا منه شىء)) وفى رواية ابن أبى شيبة ((لئلا يعرض لنا فى صلاتنا)).
والأولى فى المسألة ما ذهب إليه الحافظ ابن حجر حيث قال: إن العلة فى ذلك تشوف النفس
إلى الطعام، فينبغى أن يدار الحكم مع علته وجوداً وعدماً ولا يتقيد بكل الأكل أو بعضه، ويستثنى من
١٩٣
ذلك الصائم، فلا تكره صلاته بحضرة الطعام، إذ الممتنع بالشرع لا يشغل نفسه به، لكن إذا غلب
استحب له التحول من ذلك المكان.اهـ
وحكم الصلاة بحضور الطعام مع الميل إليه الكراهة، وتصح الصلاة عند الجمهور. قال النووي: فى
هذه الأحاديث كراهة الصلاة بحضرة الطعام الذى يريد أكله لما فيه من اشتغال القلب به، وذهاب
كمال الخشوع، وكراهيتها مع مدافعة الأخبثين، ويلحق بهذا ما كان فى معناه مما يشغل القلب
ويذهب كمال الخشوع، وهذه الكراهة عند جمهور الشافعية وغيرهم إذا صلى كذلك وفى الوقت سعة،
فإذا ضاق بحيث لو أكل خرج الوقت صلى على حاله محافظة على حرمة الوقت، ولا يجوز تأخيرها،
وحكى المتولى عن بعض الشافعية أنه لا يصلى بحاله، بل يأكل وإن خرج الوقت. لأن مقصود الصلاة
الخشوع، فلا يفوته. اهـ قال الحافظ ابن حجر تعليقاً على الرأى الثانى: وهذا إنما يجىء على قول من
يوجب الخشوع، ثم فيه نظر، لأن المفسدتين إذا تعارضتا اقتصر على أخفهما، وخروج الوقت أشد من
ترك الخشوع، بدليل صلاة الخوف، وصلاة الغريق وغير ذلك. اهـ
ثم قال النووى: وإذا صلى على حاله وفى الوقت سعة فقد ارتكب المكروه وصلاته صحيحة عند
الجمهور لكن يستحب إعادتها ولا يجب. اهـ
وعلى هذا فالأمر بتقديم العشاء على الصلاة للندب عند الجمهور، لكن منهم من قيده بمن كان
محتاجًا إلى الأكل، ومنهم من قيده بذلك وبما إذا خشى فساد المأكول، ومنهم من لم يقيده، وهو قول
الثورى وأحمد، وأفرط ابن حزم الظاهرى فجعل الأمر للوجوب، وقال: تبطل الصلاة. ومن الجمهور من
اختار البداءة بالصلاة إلا إن كان الطعام خفيفاً، نقله ابن المنذر عن مالك، وعند أصحابه تفصيل،
قالوا: يبدأ بالصلاة إن لم يكن متعلق النفس بالأكل، أو كان متعلقاً به لكن لا يعجله عن صلاته، فإن
كان يعجله عن صلاته بدأ بالطعام واستحبت له الإعادة.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- أخذ بعضهم من قوله فى الرواية الثالثة ((إذا وضع عشاء أحدكم)) أن المراد عشاء من يريد الصلاة،
فلا يتناول ما إذا وضع عشاء غير من يريد الصلاة. قال الحافظ ابن حجر: يحتمل بالنظر إلى
المعنى أن يقال: لو كان جائعاً واشتغل خاطره بطعام غيره كان كذلك، وسبيل خلاصه من ذلك
أن ينتقل عن ذلك المكان، أو يتناول مأكولا يزيل شغل باله ليدخل فى الصلاة وقلبه فارغ ويؤيد
هذا عموم الروايات الأخرى [أى روايتنا الأولى والثانية والرابعة].
٢- قصر ابن دقيق العيد الحكم على الصائم، وحمل الروايات المطلقة على المقيدة بلفظ العشاء
وبلفظ المغرب، وبما جاء فى ابن حبان والطبرانى فى رواية صحيحة ((إذا وضع العشاء وأحدكم
صائم)) والجمهور على العموم قال الحافظ ابن حجر نقلا عن الفاكهانى: إن العلة التشويش
المفضى إلى ترك الخشوع والجائع غير الصائم قد يكون أشوق إلى الأكل من الصائم.
٣ - ادعى ابن حزم أن فى الحديث دليلا على امتداد الوقت فى حق من وضع له الطعام ولو خرج
١٩٤
الوقت المحدود، وقال مثل ذلك فى حق النائم والناسى، وهو مردود، لأن قبول العذر وإعذار حاضر
الطعام والنائم والناسى لا يغير الواقع، ولا يطيل الزمن المحدد.
٤- قال النووى: وفى الرواية الثانية دليل على امتداد وقت المغرب، وفيه خلاف بين العلماء. اهـ
واعترضه ابن دقيق العيد بأنه إن أريد بذلك التوسعة إلى غروب الشفق ففيه نظر، وإن أريد به
مطلق التوسعة فمسلم، ولكن ليس محل الخلاف المشهور، فإن بعض من ذهب إلى ضيق وقتها
جعله مقدرًا بزمن يدخل فيه مقدار ما يتناول لقيمات يكسر بها سورة الجوع.
٥- استدل القرطبى بالحديث على أن شهود صلاة الجماعة ليس بواجب لأن ظاهره أن يشتغل
بالأكل وإن فاتته صلاة الجماعة. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأن بعض من ذهب إلى
وجوب الجماعة كابن حبان جعل حضور الطعام عذراً فى ترك الجماعة، فلا دليل فيه حينئذ على
إسقاط الوجوب مطلقًا.
٦- استدل بالحديث على تقديم فضيلة الخشوع فى الصلاة على فضيلة أول الوقت.
٧- قال الحافظ ابن حجر: قال ابن الجوزى: ظن قوم أن هذا من باب تقديم حق العبد على حق الله،
وليس كذلك، وإنما هو صيانة لحق اللّه، ليدخل الخلق فى عبادته بقلوب مقبلة.
٨- يؤخذ من الحديث الرابع حزم عائشة رضى الله عنها وحرصها على أدب المسلمين.
٩- وأن الإغلاظ فى التأديب مقبول خصوصاً من الكبير الناصح.
١٠ - وأن الناصح إذا أحس غضب المنصوح هدأ من غضبه ولم يتركه لثورته.
والله أعلم
١٩٥
(٢١١) باب نهى من أكل ثوماً أو بصلا أو كراثا أو نحوها
مما له رائحة كريهة عن حضور المسجد
حتى تذهب تلك الريح، وإخراجه من المسجد
١٠٦١ - ٦٨ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٦٨) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ فِى غَزْوَةٍ خَيْبَرَ: «مَنْ
أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ (يَعْنِى الثُّومَ) فَلا يَأْتِيَنَّ الْمَسَاجِدَ» قَالَ زُهَيْرٌ فِى غَزْوَةٍ وَلَمْ يَذْكُرْ خَيْبَرَ.
١٠٦٢ - ٩ٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٦٩) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ
الْبَقْلَةِ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسَاجِدَنَا حَتْى يَذْهَبَ رِيحُهَا (يَعْنِى الْثُّومَ)».
١٠٦٣ - ٠َ عَنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ (وَهُوَ ابْنُ صُهَيْبٍ)(٧٠) قَالَ سُئِلَ أَنَسٌ عَنِ الْثُّومِ فَقَالَ: قَالَ رَسُولُ
اللَّهِ وَ﴾ِ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلا يَقْرَبَنَا وَلا يُصَلِّى مَعَنًا».
١٠٦٤ - ١لإِ عَنِ أَبِى هُرَيْرَةَ رَ﴾ (٧١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ فَلا يَقْرَبَنَّ
مَسْجِدَنَا وَلا يُؤْذِينًا بِرِيحِ القُّومِ».
١٠٦٥ - ٢َا عَنِ جَابٍِ ﴾(٧٢) قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ عَنِ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالْكُرَّاثِ فَغَلَبْنَا
الْحَاجَةُ فَأَكَلْنَا مِنْهَا فَقَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْمُنِْنَةِ فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ
تَأَذِّى مِمَّ يَتَأَذِّى مِنْهُ الإِنْسُ».
١٠٦٦ - ٣ عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٧٣) قَالَ (وَفِى رِوَايَةٍ حَرْمَلَةَ وَزَعَمْ) أَنَّ
رَسُولَ اللَّهِر ◌َّ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ ثُومًا أَوْ بَصَلا فَلْيَعْتَزِلْنَا أَوْ لِيَعْتَزِلْ مَسْجِدَنَا وَلْيَقْعُدْ فِى بَيْتِهِ».
(٦٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا حَدَّثَنَا يَحْبَى وَهُوَ الْقَطَّانُ عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَبِي نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(٦٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْئَةَ حَدَّنَا ابْنُ ثُمَيْرٍ قَالَ ح وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدًَّا أَبِى قَالَ حَدَّثَا
عُبَيْدُ اللَّهِ عَنِ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمِرَ
(٧٠) وحَدَّثَنِى زُهَّيْرُ بْنُ خَرَّبٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ يَعْنِى ابْنَ عُلَيَّةً عَنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ
(٧١) وِحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بَّنُ حُمَيْدٍ قَالَ عَبْدٌ أَخْبُرَنَا وَقَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ ابْنٍ
الْمُسَيَّبِ عَنِ أَبِى هُرَيْرَةً
(٧٢) حَدَّثَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ حَدَّثَنَا كَثِيرُ بْنُ هِشَامٍ عَنِ هِشَامٍ الدَّمْتَوَانِيِّ عَنٍ أَبِىِ الزُّبَيْرِ عْنِ جَابٍِ
(٧٣) وحَدَّثَنِى أَبُو الْطَّاهِرِ وَحَرْمَلَةُ قَالا أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبْ أَخْبَرَنِى يُّونُسُ عَنِ ابْنِ شَهَّابٍ قَالَّ حََِّى ◌َقْطَاءُ ابْنُ أَّبِى رَبَاحٍ أَنَّ جَابِرَ بْنَ
عَبْدِ اللَّهِ قَالَ
١٩٦
وَإِنَّهُ أَتِيَ بِقِدْرٍ فِيهِ خَضِرَاتٌ مِنْ بُقُولٍ فَوَجَدَ لَهَا رِيحًا فَسَأَلَ فَأُخْبِرَ بِمَا فِيهَا مِنْ الْبُقُولِ فَقَالَ:
«قَرَّبُوهَا» إِلَى بَعْضٍ أَصْحَابِهِ. فَلَمَّا رَآهُ كَرِهَ أَكْلَهَا قَالَ: «كُلْ فَإِنِّى أَنَاجِى مَنْ لا تُنَاجِيٍ».
١٠٦٧ - ٤َ عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﴾(٧٤) عَنِ النَّبِيِّوَ قَالَ: «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الْبَقْلَةِ الثُّومِ
(وَقَالَ مَرَّةٌ: مَنْ أَكَلَ الْبَصَلَ وَالُّومَ وَالْكُرَّاثَ) فَلا يَقْرَبَنَّ مَسْجِدَنَا. فَإِنَّ الْمَلائِكَةَ تَتَأَذِّى مِمَّا
يَتَأَذِّى مِنْهُ بُنُو آدَمَ».
١٠٢٨ - ٧٥ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ(٧٥) بِهَذَا الإِسْنَادِ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ (يُرِيدُ الْقُّومَ) فَلا
يَغْشَنَا فِى مَسْجِدِنَ» وَلَمْ يَذْكُرْ الْبَصَلَ وَالْكُرَّاثَ.
١٠٦٩ - ٧٦ عَنِ أَبِى سَعِيدٍ(٧٦) قَالَ: لَمْ نَعْدُ أَنْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ فَوَقَعْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِمَ
فِى تِلْكَ الْبَقْلَةِ. الثّومِ، وَالنَّاسُ جِيَاعٌ. فَأَكَلْنَا مِنْهَا أَكْلَا شَدِيدًا. ثُمَّ رُخْنَا إِلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدَ
رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ الرِّيحَ. فَقَالَ «مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ الْخَبِيثَةِ شَيْئًا فَلا يَقْرَبَنَّا فِى الْمَسْجِدِ»
فَقَالَ النَّاسُ: حُرِّمَتْ، حُرِّمَتْ، فَبَلَغَ ذَاكَ النَّبِيَّ ◌َ﴿ْ فَقَالَ «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَيْسَ بِى تَحْرِيمُ مَما
أَحَلَّ اللَّهُ لِى وَلَكِنْهَا شَجَرَةٌ أَكْرَهُ رِيحَهَا».
١٠٧٠ - ١٧ عَنِ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيَِّ﴾(٧٧) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِل ◌ِ﴿ مَرَّ عَلَى زَرَّاعَةٍ بَصَلٍ هُوَ
وَأَصْحَابُهُ فَنَزَلَ نَاسٌ مِنْهُمْ فَأَكَلُوا مِنْهُ، وَلَمْ يَأْكُلْ آخَرُونَ. فَرُخْنًا إِلَيْهِ. فَدَعَا الَّذِينَ لَمْ يَأْكُلُوا
الْبَصَلَ. وَأَخْرَ الآخَرِينَ حَتَّى ذَهَبَ رِيحُهَا.
١٠٧١ - ٢٨ عَنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَ﴾(٧٨) أَنَّهَ خَطَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَذَكَرَ نَبِيَّ اللَّهِ ﴿ِ. وَذَكَرَ
أَبَا بَكْرٍ. قَالَ: إِنِّى رَأَيْتُ كَأَنَّ دِيكًا نَقَرَنِى ثَلاثَ نَقَرَاتٍ. وَإِنّى لا أُرَاهُ إِلا خُضُورَ أَجَلِى. وَإِنَّ
أَقْوَامًا يَأْمُرُونَنِى أَنْ أَسْتَخْلِفَ. وَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُنْ لِيُضَيِّعَ دِينَهُ وَلا خِلافَتَهُ وَلا الَّذِى بَعَثَ بِهِ نِيَّهُ
*َ. فَإِنْ عَجِلَ بِى أَمْرٌ. فَالْخِلافَةُ شُورَى بَيْنَ هَؤُلاءِ السِّيَّةِ. الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ وَهُوَ
(٧٤) وحَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخِبُرَنِى عَطَاءٌ عَنِ جَابِ
(٧٥) وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ حَ وَحَدَّثَبِى مُحَمَّدُ بِنَّ رَافَعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالا جَمِيعًا
أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ
(٧٦) وحَدَّثَنِى عَمْرٌوِ النَّقِدُ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةً عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنِ أَبِى نَضْرَةٌ عَنِ أَبِى سَعِيدٍ
(٧٧) حَدَّثَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَيْلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عِيسَى قَالا حَدَّثْنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِىَ عَمْرٌو عَنِ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ عَنِ ابْنِ خَبَّابٍ عَنِ
أُبِی سَعِيدٍ
(٧٨) حَدََّ يُحِمَّدُ بْنُ الْمُثِّى حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ سَعِيدٍ حَدََّا هِشَامٌ حَدَّثَنَا فَتَادَةُ عَنِ سَالِمٍ بْنِ أَبِى الْجَعْدِ عَنٍ مَعْدَالَ ابْنِ أَبِى طَلْحَةً أَنْ
عُمَرَ بْنُّ الْخَطَّابِ خَطَبَ
١٩٧
عَنْهُمْ رَاضٍ. وَإِنِّى قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ أَقْوَامًا يَطْعُنُونَ فِى هَذَا الأَمْرِ. أَنَا ضَرَيْتُهُمْ بِيَدِى هَذِهِ عَلَى
الإِسْلامِ فَإِنْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَأُولَئِكَ أَعْدَاءُ اللَّهِ الْكَفَرَةُ الضُّلالُ ثُمَّ إِنّى لا أَدَعُ بَعْدِى شَيْئًا أَهَمَّ
عِنْدِى مِنْ الْكَلالَةِ مَا رَاجَعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿َ فِى شَيْءٍ مَا رَاجَعْتُهُ فِى الْكَلالَةِ وَمَا أَغْلَظَ لِى فِى
شَيْءٍ مَا أَغْلَظَ لِى فِيهِ حَتَّى طَعَنَ بِإِصْبَعِهِ فِى صَدْرِى فَقَالَ «يَا عُمَرُ أَلا تَكْفِيكَ آيَةُ الصَّفِ
الَّتِى فِى آخِرِ سُورَةِ الْنّسَاءِ؟» وَإِنَّى إِنْ أَعِشْ أَقْضِ فِيهَا بِقَضِيَّةٍ. يَقْضِى بِهَا مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنُ
وَمَنْ لا يَقْرَأُ الْقُرْآنِ. ثُمَّ قَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّى أَشْهِدُكَ عَلَى أُمَرَاءِ الأَمْصَارِ، وَإِنِّى إِنَّمَا بَعَتُهُمْ عَلَيْهِمْ
لِيَعْدِلُوا عَلَيْهِمْ وَلِيُعَلِّمُوا النَّاسَ دِينَهُمْ وَسُنَّةَ نَبِّهِمْ لَ﴿ وَيَقْسِمُوا فِيهِمْ فَهُمْ وَيَرْفَعُوا إِلَيَّ مَا
أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ أَمْرِهِمْ ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ تَأْكُلُونَ شَجَرَيْنِ لا أَرَاهُمَا إِلَا خَبِشَيْنِ هَذَا
الْبَصَلَ وَالثُّومَ لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ إِذَا وَجَدَ رِيحَهُمَا مِنْ الرَّجُلِ فِى الْمَسْجِدِ أَمَرَ بِهِ
فَأَخْرِجَ إِلَى الْبَقِيعِ فَمَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِنْهُمَا طَبْعًا.
عدْفِى هَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ(٠٠).
المعنى العام
الإسلام دين المجتمعات، دين المحبة والتآلف والتواد، يرغب فى كل ما يحقق ذلك، وينفر من
كل ما يحول دون ذلك مهما قل العائق، ومهما كان مؤقتاً. لهذا دعا إلى الطيب والرائحة الجميلة
والاغتسال، وغسل الأماكن الناعمة من البدن، ودعا إلى النظافة وإزالة الروائح الكريهة، ويتأكد طلب
هذه الأمور عند كل اجتماع سواء كان بالمساجد أو بالمجتمعات العامة المشروعة.
من هذه القاعدة حذر الشارع من أكل الثوم والبصل قبيل ملاقاة الآكل بغيره من المسلمين لئلا
يؤذيه بريحه الخبيث.
إن أكل الثوم والبصل نيئاً مباح فى ذاته، ولكن المباح قد يمنع إذا أدى إلى محرم عملا بقاعدة:
للوسيلة حكم الغاية، ولا شك أن إيذاء المسلم حرام، فما أدى إلى الحرام حرام، أو على الأقل مكروه
وقد عبر الرسول ول عن إيذاء المسلم يريح أخيه بذكر الثوم والبصل والكراث كعنوان لكل ما يشبهها
فى آثارها، وعبر عن ذلك بعبارات مختلفة ((من أكل من هذه الشجرة - يعنى الثوم - فلا يأتين
المساجد)) [وفى هذا التعبير إشارة إلى أن ذنوب آكل الثوم إذا حضر المسجد أكثر من حسناته عن
صلاة الجماعة. وفيه كذلك العمل بقاعدة: درء المفاسد مقدم على جلب المصالح] ((من أكل من هذه
(١٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْئَةَ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ سَعِيدٍ بْنِ أَبِى عَرُوِبَةَ قَالَ ح وَحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ كِلاهُمَا عَنِ شََّابَةَ بْنِ سَوَارٍ قَلَ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ جَمِيعًا عَنِ قَتَادَّةً فِى هَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
١٩٨
البقلة فلا يقربن مساجدنا حتى يذهب ريحها)). ((من أكل من هذه الشجرة فلا يقرينا ولا يصلى
معنا)). ((من أكل من هذه الشجرة فلا يقربن مسجدنا، ولا يؤذينا بريح الثوم)». «من أكل من هذه
الشجرة المنتنة فلا يقربن مسجدنا فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه الإنس)». «من أكل ثوماً أو
بصلا فليعتزل مسجدنا وليقعد فى بيته)). ((من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئاً فلا يقربنا فى
المسجد )».
ولكثرة النهى بالأساليب المختلفة كاد الصحابة يعتقدون حرمة أكل الثوم والبصل والكرات
النيِّئ لولا أن النبى ش بين لهم أن أصل حل الكل قائم، وأن المنع إنما هو لمن أدى أكله إلى إيذاء
الآخرين لكنهم مع ذلك ظل همهم الخوف من أكلها، لأن المسلم عرضة للقاء المسلم بين الحين
والحين حتى لوقعد فى بيته.
ويتضح هذا الاهتمام جلياً أن هذا الأمر كان ضمن وصايا عمر الأساسية عند وفاته، فإنه بعد أن
طعن ته خطب يوم الجمعة كعادته، فذكر النبى # بالتجلة والإكبار والإعظام والثناء عليه، ثم ذكر
أبا بكر فمدحه وأثنى على ما قام به من خدمات للإسلام، ثم قال للناس: إنى رأيت فى المنام كأن
ديكا نقرنى بمنقاره ثلاث نقرات، وكان عمر ممن يعبر الرؤى، فعبر النقر بنهاية الأجل، وعبر الثلاث
بتأكيده، فقال للناس: وإنى لا أرى ولا أظن تفسير ذلك إلا أنه قد حان أجلى، وإن جماعة من
المسلمين يطلبون منى أن أعين الخليفة بعدى، وإن آخرين يطلبون منى أن أترك الأمر شورى بين
المسلمين. فإن أجبت الأولين واستخلفت فأبو بكر فعل ذلك، وإن أترك الأمر فإن رسول اللّه* فعل
ذلك، وقد قررت أن أجمع بين الحسنيين، فأستخلف ستة من خيرة المسلمين وممن زكاهم رسول الله
* [وهم عثمان بن عفان، وعلى، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبى وقاص وعبد الرحمن بن عوف] لا
ليحكموا سويًّا، وإنما إذا عجل بى اجتمعوا واختاروا من بينهم خليفة للمسلمين، وقد علمت أن أقوامًا
يطمعون فى الخلافة، أولهم ميول الآخرين للخلافة، لا يقصدون بذلك وجه الله، فإن جهروا وتمردوا
على ذلك، وأثاروا بين المسلمين فتنا فأولئك هم المنافقون الكفرة الضلال، الذين لا يقدرون على
مواجهتى بما فى أنفسهم لأن اللّه يكشفهم ويخزيهم على يدى إن فعلوا ذلك، إنهم منافقون خنسوا
بحزمى وعزمى، ينتهزون فرصة غيابى ليبعثوا الفوضى بينكم وليحققوا أحلاماً ضد دينكم، فإن فعلوا
فاضربوا على أيديهم.
ثم إنى لا أخشى عليكم فى دينكم (وليس عندى ما أوصيكم به، وما يشغلنى فى أشد لحظاتى
وأضيقها سوى أمرين. أمر الكلالة [أى من يرث الميت إذا لم يترك أصلا ولا فرعاً وارثاً وترك زوجًا
وإخوة لأم وإخوة لأم وأب] وقد راجعت فى حكمها رسول اللّه * كثيراً راجياً أن ينزل من السماء ما
يشفى صدرى فى حكمها. وأمر الشجرة التى نهى رسول اللّه ** من أكلها عند اجتماعات المسلمين،
فمن أكلها منكم فليأكلها مطبوخة ميتة الرائحة. أما قاتلى فإن أعش حكمت فيه بحكم المسلمين من
يقرأ القرآن ويفهم أحكامه ومن لا يقرؤه، وأما من وليتهم أمور المسلمين فقد بذلت جهدى فى
اختيارهم وفى توصيتهم بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله.
١٩٩
المباحث العربية
( قال فى غزوة خيبر ) فى الرواية الثامنة قال أبو سعيد: لم نعد أن فتحت خيبر، أى لم نتعد
الوقت الذى فتحت فيه خيبر حتى أكلنا الثوم، فقال رسول اللّه* إلخ، فالمراد من قوله ((فى غزوة
خيبر)) عقب فتح خيبر، وعلى هذا فقوله ((المسجد)) يراد به المكان الذى أعد ليصلى فيه مدة إقامته
فى الطريق أو المراد بالمسجد الجنس، ويؤيده قوله فى الرواية الأولى ((فلا يأتين المساجد)) وقوله فى
الرواية الثانية ((مساجدنا)) أى مساجد المسلمين، وهذا يدفع قول من قال: خص النهى بمسجد النبى
* أخذاً من قوله فى الرواية الرابعة والخامسة والسادسة والسابعة ((مسجدنا)».
وكان فتح خيبر فى السنة السادسة أو السابعة.
( من أكل ) أى من وجد منه الأكل، وهو أعم من كونه مباحاً أو غير مباح وسيأتى فى
فقه الحديث.
(من هذه الشجرة - يعنى الثوم) ((الثوم)) بالثاء المشددة المضمومة، قال
الحافظ ابن حجر: وفى قوله عن الثوم شجرة مجاز، لأن المعروف فى اللغة أن الشجرة ما
كان لها ساق، وما لا ساق له كالبقول يقال له: نجم، وبهذا فسرابن عباس وغيره قوله
تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَان﴾ [الرحمن: ٦]. ومن أهل اللغة من قال: كل ما ثبتت له
أرومة - أى أصل - فى الأرض يخلف ما قطع منه فهو شجر، وإلا فنجم. وقال الخطابى. فى
هذا الحديث إطلاق الشجر على الثوم والعامة لا تعرف الشجر إلا ما كان له ساق. اهـ.
ومنهم من قال: بين الشجر والنجم عموم وخصوص، فكل نجم شجر من غيرعكس. اهـ
( من أكل من هذه البقلة ) قال أهل اللغة: البقل كل نبات اخضرت به الأرض.
( سئل أنس عن الثوم) فى رواية البخارى ((سأل رجل أنسا: ما سمعت نبى اللّه * يقول فى
الثوم)»؟ قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تسمية السائل.
( فلا يقربنا ولا يصلى معنا) قال النووى: وقع فى أكثر الأصول ((ولا يصلى)) بإثبات الياء
على الخبر الذى يراد به النهى، وضبطناه ((ولا يصل)) على النهى. وكلاهما صحيح. اهـ.
( فلا يقرين مسجدنا: ولا يؤذينا بريح الثوم) («يقرين)) بفتح الراء والباء وتشديد النون،
((ولا يؤذينا)» قال النووى: هو بتشديد النون، وإنما نبهت عليه لأنى رأيت من خففه، ثم استشكل عليه
إثبات الياء، مع أن إثبات الياء المخففه جائز على إرادة الخبر.
(عن جابر قال: نهى رسول اللّه ﴾ عن أكل البصل والكرات) فى مسند الحميدى
بإسناد على شرط الصحيح ((سئل جابر عن الثوم فقال: ما كان بأرضنا يومئذ ثوم، إنما الذى نهى
٢٠٠