النص المفهرس

صفحات 161-180

وأن أبا العاص كان مشركًا بمكة، وكان كل من رأى أمامة وسأل عنها قيل: بنت زينب بنت رسول
اللّهَ﴿ تكريمًا لها وحبًا لحب جدها فجرى على لسان الناس هذه النسبة، لاقصد الشرع، ولكن بحكم
جريان الألسنة، ولما لم يستسغ الراوى الاكتفاء بهذه النسبة نسبها النسب الحقيقى لأبيها وهو
مشرك، ولو قصد الشرع ما نسبها النسبة الثانية. يؤكد ما ذهبت إليه أن الرواية الثالثة من رواياتنا
نسبتها إلى أبيها فقط، وأن الرواية الثانية عكست نسبة الرواية الأولى، فنسبتها إلى أبيها أولا ثم
زادتها تعريفاً بنسبتها إلى أمها، والله أعلم.
فقه الحديث
يجتهد العلماء فى توجيه هذا الحديث لدلالته على وقوع الحركات الكثيرة فى الصلاة مما يتنافى
وما تقرر من أن الحركات الكثيرة تبطلها، فبعضهم يرى:
١- أن ذلك العمل منه صلى الله عليه وسلم لم يكن عن عمد فيقول الخطابى: يشبه أن يكون الصبية
كانت قد ألفته، فإذا سجد تعلقت بأطرافه والتزمته فينهض من سجوده، فتبقى محمولة كذلك
إلى أن يركع فيرسلها قال: هذا وجهه عندى. وتوضيح وجهه أنه يقصد أن الرسول8# لم يكن
يرفعها وكل أعماله أنه كان يضعها عند الركوع، وهذا العمل قليل معفو عنه، وقريب من هذا القول
قول ابن دقيق العيد، إذ قال: من المعلوم أن لفظ حمل لا يساوى لفظ وضع فى اقتضاء فعل
الفاعل. لأنا نقول: فلان حمل كذا، ولو كان غيره حمله، بخلاف وضع، فعلى هذا فالفعل الصادر
منه هو الوضع لا الرفع، فيقل العمل. اهـ. وكان ابن دقيق العيد يشرح الرواية الأولى فى بابنا وهى
فى البخارى ولم يكن اطلع على روايتنا الثانية، فلما اطلع عليها قال - رحمه الله - وقد كنت
أحسب هذا التوجيه حسنا إلى أن رأيت فى بعض طرق الحديث الصحيحة ((وإذا رفع من
السجود أعادها)). اهـ وهذه الرواية ترد كذلك توجيه الخطابى، وأصرح منها فى ذلك رواية أبى
داود وهى ((أخذها فردها فى مكانها)) ورواية أحمد ((وإذا قام حملها فوضعها على رقبته)).
٢- وبعضهم يرى أن ذلك كان فى النافلة، فيغتفر فيها مالا يغتفر فى الفريضة، روى ذلك ابن القاسم
عن مالك، ورده العلماء بأنه تأويل بعيد، قال المازري: لأن إمامته صلى الله عليه وسلم بالناس فى
النافلة ليست بمعهودة ويعارضه صريح بعض الروايات، فعند أبى داود ((بينما نحن ننتظر رسول
اللّه ◌َ﴾ فى الظهر أو العصر وقد دعاه بلال إلى الصلاة إذا خرج علينا وأمامة على عاتقه، فقام فى
مصلاه، فقمنا خلفه، فكبر فكبرنا وهى فى مكانها)».
٣- وبعضهم يرى أن ذلك جاز للضرورة. قال القرطبى: روى أشهب وعبد الله بن نافع عن مالك أن ذلك
للضرورة حيث لم يجد من يكفيه أمرها.اهـ. وزاد بعض أصحابه، فقالوا لأنه لو تركها لبكت
وشغلت سره فى صلاته أكثر من شغله بحملها، وزاد بعض أصحابه أيضاً، فقال الباجى: إن وجد
من يكفيه أمرها جاز فى النافلة دون الفريضة، وإن لم يجد جاز فيهما. اهـ. وهذا مردود برواية
١٦١

خروجه بها من البيت، وأمها فى الأغلب فيه، وبجوار بيتها بيت عائشة وسودة. فالضرورة
مستبعدة، ولا دليل عليها.
٤- وقال بعضهم: إن هذا منسوخ، قال القرطبى: روى عبد الله بن يوسف التنبسى عن مالك
أن الحديث منسوخ، ولفظه: قال التنبسى قال مالك عندما سئل: من حديث النبى *
ناسخ ومنسوخ وليس العمل على هذا. اهـ ووجهه ابن عبد البربقوله: لعله نسخ بتحريم
العمل فى الصلاة. قال الحافظ ابن حجر: وتعقب بأن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وبأن
هذه القصة كانت بعد قوله صلى الله عليه وسلم ((إن فى الصلاة لشغلا)) لأن ذلك كان
قبل الهجرة [انظر حديث ابن مسعود فى الباب قبل السابق ففيه أنه كان قبل الهجرة
بثلاث سنين] وهذه القصة كانت بعد الهجرة قطعًا بمدة مديدة [راجع المعنى العام
لهذا الحديث لترى أن زينب وبنتها جاءتا المدينة بعد بدر بمدة].
٥- وبعضهم يرى أن ذلك كان من خصوصياته صلى الله عليه وسلم وقال: كان من خصائصه صلى
اللّه عليه وسلم [لكونه كان معصومًا من أن تبول وهو حاملها]، ورد بأن الأصل عدم الاختصاص
وبأنه لا يلزم من ثبوت الاختصاص فى أمر ثبوته فى أمر غيره بغير دليل، ولا مدخل للقياس فى
ذلك. ذكره القاضى عياض.
٦- ومن هذا العرض يتبين أن الذى تولى حملة الرد هم المالكية وجمهور العلماء على أن مثل هذا
العمل المتفرق لا يضر الصلاة. قال النووي: كل هذه الدعاوى باطلة ومردودة، فإنه لا دليل عليها.
ولا ضرورة إليها، بل الحديث صحيح صريح فى جواز ذلك، وليس فيه ما يخالف قواعد الشرع،
فالأفعال فى الصلاة لا تبطلها إذا قلت أو تفرقت، وفعل النبى { # هذا بيانا للجواز. اهـ
وقال أيضًا فى المجموع: أما حكم المسألة فمختصر ما قال أصحابنا أن الفعل الذى ليس من
جنس الصلاة إن كان كثيراً متوالياً أبطل الصلاة بلا خلاف، ثم قال: واختلفوا فى حد الكثير
والتوالى. والصحيح المشهور وبه قطع الجمهور أن الرجوع فى الكثرة والقلة إلى العادة والعرف.
فلا يضر ما يعده الناس قليلا كالإشارة برد السلام، ورفع العمامة ووضعها، ولبس ثوب خفيف
ونزعه، وحمل صغير ووضعه. وخطوة واحدة أو خطوتان، وأشباه هذا. ثم قال: واتفق الأصحاب
على أن الكثير إنما يبطل إذا توالى، فإن تفرق بأن خطا خطوة ثم سكت زمنا، ثم خطا أخرى، أو
خطوتين ثم خطوتين بينهما زمن، وتكرر ذلك مرات كثيرة حتى بلغ مائة خطوة فأكثر لم يضربلا
خلاف، وحد التفريق أن يجد الفعل الثانى منقطعاً عن الأول. انتهى بتصرف.
وظاهر الحديث أن الآدمى وما فى جوفه من النجاسة معفو عنه لكونه فى معدته. قال النووي:
ودلائل الشرع متظاهرة على هذا.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- قال ابن بطال: أراد البخارى أن حمل المصلى الجارية إذا كان لا يضر الصلاة فمرورها بين يديه
لا يضر، لأن حملها أشد من مرورها، وأشار إلى نحو هذا الاستنباط الشافعى.
١٦٢

٢- وفى الحديث دليل واضح على حسن معاملة الإسلام للإناث، قال الفكهانى: وكأن السر فى حمله
صلى الله عليه وسلم أمامة فى الصلاة أن يدفع ما كانت العرب تألفه من كراهة البنات وحملهن،
فخالفهم فى ذلك حتى فى الصلاة للمبالغة فى ردعهم.
٣- واستدل به على جواز إدخال الصبيان فى المساجد.
٤- وأن لمس الصغار الصبايا غير مؤثر فى الطهارة. قاله الحافظ ابن حجر. وفيه نظر لأن الصبية هنا
ليست أجنبية فهى بنت بنته واللمس الضار بالوضوء لمس الأجنبية.
٥- وأن الصلاة لا تبطل بحمل آدمى وكذا بحمل حيوان طاهر، والشافعية تفصيل بين المستجمر
وغیرہ.
٦- واستدل به على ترجيح العمل بالأصل على الغالب.
٧- وفيه تواضعه صلى الله عليه وسلم وشفقته على الأطفال وإكرامه لهم جبرًا لهم ولوالديهم.
والله أعلم
١٦٣

(٢٠٤) باب الخطوة والخطوتين فى الصلاة،
وأنه لا كراهة فى ذلك إذا كان لحاجة وجواز صلاة الإمام
على موضع أرفع من المأمومين للحاجة
كتعليمهم الصلاة أو غير ذلك
١٠٣٣ - ٤٤ عَنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِى حَازِمٍ(٤٤) عَنِ أَبِهِ أَنَّ نَفَرًا جَاءُوا إِلَى سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ قَدْ
تَمَارَوْا فِى الْمِنْبَرٍ. مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ؟ فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ إِنِّى لِأَعْرِفُ مِنْ أَيِّ عُودٍ هُوَ وَمَنْ عَمِلَهُ
وَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ أَوَّلَّ يَوْمٍ جَلَسَ عَلَيْهِ قَالَ فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبَّاسٍ فَحَدَّثْنَا. قَالَ: أَرْسَلَ
رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ إِلَى امْرَأَةٍ (قَالَ أَبُو حَازِمٍ: إِنَّهُ لَيُسَمِّيهَا يَوْمَئِذٍ) «انْظُرِى غُلامَكِ النَّجَّارَ. يَعْمَلْ
لِى أَغْوَادًا أُكَلِّمُ النَّاسَ عَلَيْهَا». فَعَمِلَ هَذِهِ الثَّلاثَ دَرَجَاتٍ. ثُمَّ أَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ
فَوُضِعَتْ هَذَا الْمَوْضِعَ. فَهِيَ مِنْ طَرْفَاءِ الْغَابَةِ. وَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِوَ﴿ قَامَ عَلَيْهِ فَكَبَّرَ
وَكَبَّرَ النَّاسُ وَرَاءَهُ وَهُوَ عَلَّى الْمِنْبَرِ. ثُمَّ رَفَعَ فَنَزَلَ الْقَهْقَرَى حَتَّى سَجَدَ فِى أَصْلِ الْمِنْبَرِ. ثُمَّ
عَادَ حَتَّى فَرَغَ مِنْ آخِرٍ صَلاتِهِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى صَنَعْتُ هَذَا
لِتَأْتُمُّوا بِى. وَلِتَعَلِّمُوا صَلاتِي».
١٠٣٤ - ٤٥ عَنِ أَبِى حَازِمٍ(٤٥) قَالَ: أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ فَسَأَلُوهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ مِنْبَرُ النَّبِيِّ ◌َ *؟
وَسَاقُوا الْحَدِيثَ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنٍ أَبِى حَازِمٍ.
المعنى العام
عجب جماعة من متانة خشب منبر مسجد ١٠ الرسول *، وتجادلوا فى نوعه، ومن أى الأشجار
هو، فذهبوا إلى الصحابى الجليل سهل بن سعد الساعدى يرفعون إليه الأمر ليحكم فى جدلهم
واختلافهم فى نوع الخشب الذى صنع منه المنبر، فقال لهم سهل: على خبير وقعتم، فوالله إنى أعلم
الأحياء بهذا الأمر. لقد عايشته ورأيته وسمعته. إنى أعرف نوع عوده، وأعرف من قام بصنعه، ولقد
رأيت رسول اللّهَ﴾ أول مرة يجلس عليه. وكان أبو حازم حاضرًا المجلس، فقال لسهل: إذا كان الأمر
(٤٤) حَدََّا يَحْتِى بْنُ يَحْبَى وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ كِلاهُمَا عَنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ يَخْتَى أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِى حَازِمٍ عَنِ أَبِيهِ
(٤٥) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَّنِ بْنِ مُحَمَّدٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِيُّ الْقَرَشِيُّ خَدَّثَبِى أَبُو حَازِمٍ أَنْ
رِجَالا أَتَوْا سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ حِ وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنَّ أَبِىَ شَيْبَةً وَزُّهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ أَبِى غَمَرَ قَالُوا حَدَّثَنَا سُفْيَّاهُ بْنُ غَيَّيْنَةً
·َعَنِ أَبِى حَازِمٍ
١٦٤

كذلك فحدثنا يا أبا العباس. قال: أرسل رسول اللّه # إلى امرأة من الأنصار. لها غلام نجار. يقول
لها: مرى غلامك النجار يصنع لى خشبات وأعوادًا درجًا أصعد عليه وأخطب الناس عليه. فأمرت
غلامها وكان النجار الوحيد فى المدينة واسمه ميمون فصنع المنبر من ثلاث درجات من خشب
طرفاء الغابة، أو أثل الغابة الشجر المعروف فى الغابة التى تبعد عن المدينة أربعة أميال، وأمربه
رسول الله* فوضع فى المكان الذى ترونه، بجوار القبلة لا يفصله عن الحائط إلا قدر مرور العنز. ثم
قال: ولقد رأيت رسول الله * يصعد المنبر مستقبل القبلة وظهره للقوم، فنوى الصلاة وكبر، فكبر
الناس خلفه وقام فقرأ ثم ركع ثم رفع وهو على المنبر، ثم رجع بظهره ونزل خطوتين درجتى المنبر،
فوصل أصل المنبر فسجد على أرض المسجد بجوار المنبر ثم جلس بين السجدتين، ثم سجد الثانية
ثم نهض، فصعد المنبر فقرأ ثم ركع ثم رفع ثم نزل راجعاً القهقرى حتى وصل إلى أصل المنبر فسجد
ثم جلس ثم نهض فصعد حتى أتم الصلاة، فأقبل على الناس، فخطبهم فقال: أيها الناس إنما صليت
فى أعلى المنبر لتروا صلاتى فتتعلموها ولتقتدوا بى (صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه أجمعين].
هذا وقد كان صلى الله عليه وسلم يخطب القوم بدون منبر مدة طويلة وكان يسند ظهره إلى جذع
من جذوع النخل التى رصت فى الجدار الذى جهة القبلة، ويروى أنه بعد فترة وضعت له مصطبة
كدرجة واحدة من اللبن، ولعلها وضعت أمام الجذع الذى يستند إليه عند الخطبة، لأنه من الثابت أن
الجذع الذى كان يخطب عليه قد تأثر حتى روى البخارى عن جابر قال ((كان جذع يقوم إليه النبى
*، فلما وضع له المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار، حتى نزل النبى { فوضع يده عليه».
وفى سنة صنع المنبر خلاف بين العلماء، فقد جزم ابن سعد بأنه كان فى السنة السابعة، وجزم
ابن النجار بأنه كان فى السنة الثامنة، وبقى المنبر على حاله ثلاث درجات فى عهد أبى بكر وعمر
وعثمان وعلى، وفى خلافة معاوية زاده مروان عامله فى المدينة ست درجات من أسفله، وبقى على
هذا الوضع إلى أن احترق مسجد المدينة سنة أربع وخمسين وستمائة فاحترق، ثم جدد المظفر
صاحب اليمن سنة ست وخمسين وستمائة منبراً ثم أرسل الظاهر بيبرس منبرًا، فأزيل منبر المظفر
ووضع. وتوالت عليه بعد ذلك التعديلات والتغييرات. والله أعلم.
المباحث العربية
( أن نفراً جاءوا ) النفر من ثلاثة إلى عشرة، قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على أسمائهم.
( قد تماروا فى المنبر) معناه تجادلوا وتنازعوا واختلفوا، ومنه قوله تعالى: ﴿فلا تُمَارِ فِيهِمْ
إِلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾ [الكهف: ٢٢] والمنبر كما قال أهل اللغة مشتق من النبر وهو الارتفاع، واللام فى
المنبر للعهد: أى منبره عليه الصلاة والسلام.
( من أى عود هو)؟ فى الرواية الثانية ((من أى شيء منبر النبى )) أى من أى نوع
من الخشب؟.
١٦٥

( أما والله إني لأعرف من أى عود هو)؟ ((أما)) أداة استفتاح، وقصد بهذه الجملة وبالقسم
التوثيق مما يقول، وفى رواية للبخارى ((ما بقى بالناس أعلم منى)) ومعنى روايتنا: إنى لأعرف
جواب: من أى عود هو؟.
( ومن عمله) أى واللّه إنى لأعرف من عمله، فالموصول معطوف على مفعول ((أعرف)).
( قال: فقلت يا أبا عباس فحدثنا ) أى قال أبو حازم لسهل: يا أبا عباس كنية سهل بن
سعد الساعدى، وكان أبو حازم موجوداً عند إتيان النفر المتجادلين، والظاهر أنه لم يكن منهم وإلا
لقال: تمارينا. والفاء فى ((فحدثنا)) فصيحة فى جواب شرط مقدر، أى إذا كنت أعلم الناس
به فحدثنا.
(أرسل رسول اللّه ◌َ﴿ إلى امرأة - قال أبوحازم: إنه ليسميها يومئذ) يعنى أن سهلا
ذكر اسم المرأة ونسيه أبو حازم، وفى رواية للبخارى «أرسل رسول الله* إلى فلانة - امرأة قد
سماها سهل -)) وقد أجهد العلماء أنفسهم فى محاولة الوصول إلى اسم هذه المرأة واختلفوا
اختلافات كثيرة ذكرها الحافظ ابن حجر والعينى وغيرهما، ولم يصلوا إلى قرار فى اسمها.
(انظرى غلامك النجار) أى انظريه نظرة طلب وأمر، وفى رواية للبخارى («مرى غلامك
النجار)، وقد وصل الخلاف فى اسم الغلام النجار صانع المنبر إلى سبعة آراء. قال الحافظ ابن حجر
بعد أن سردها بأسانيدها وليس فى جميع هذه الروايات التى سمى فيها النجار شيء قوى السند إلا
حديث ابن عمر وليس فيه التصريح بأن الذى اتخذ المنبر تميم الدارى، بل تبين من رواية ابن سعد أن
تميمًا لم يعمله [وحديث ابن عمر ورواية ابن سعد اللذان أشار إليهما ابن حجر نصها: روى أبو داود
والبيهقى بطرقهما عن نافع عن ابن عمر أن تميما الدارى قال لرسول الله* لما كثر لحمه: ((ألا
نتخذ منبراً يحمل عظامك؟ قال: بلى. فاتخذ له منبراً)) فضمير ((فاتخذ له منبراً)) يمكن أن يعود
لرسول اللّه* فليس فى الحديث تصريح بأن الذى صنع المنبر تميم، أما رواية ابن سعد التى تبعد
أن يكون تميم الصانع للمنبر فنصها: روى ابن سعد في الطبقات من حديث أبى هريرة ((أن النبى وال*
كان يخطب وهو مستند إلى جذع، فقال: إن القيام قد شق على، فقال له تميم الدارى: ألا أعمل لك
منبرًا كما رأيت يصنع بالشام؟ فشارو النبى # المسلمين فى ذلك، فرأوا أن يتخذه، فقال العباس بن
عبد المطلب: إن لى غلاماً يقال له ((كلاب)) أعمل الناس. فقال: مره أن يعمل))] وأشبه الأقوال
بالصواب قول من قال: هو ميمون، لكون الإسناد عن طريق سهل بن سعد أيضًا [والرواية التى
يقصدها ابن حجر أخرجها قاسم بن أصبغ وأبو سعد فى ((شرف المصطفى)» جميعًا عن طريق يحيى
ابن بكير عن ابن لهيعة حدثنى عمارة بن غزية عن عباس بن سهل عن أبيه قال: كان رسول الله صل
يخطب إلى خشبة، فلما كثر الناس قيل له: لو كنت جعلت منبرًا؟ قال: وكان بالمدينة نجار واحد:
يقال له ميمون. فذكر الحديث] وأما الأقوال الأخرى فلا اعتداد بها لوهائها، ويبعد جداً أن يجمع
بينها بأن النجار كانت له أسماء متعددة وأما احتمال كون الجميع اشتركوا فى عمله فيمنع منه قوله
١٦٦

فى كثير من الروايات «لم يكن بالمدينة إلا نجار واحد، إلا إن كان يحمل على أن المراد بالواحد
الماهر فى صناعته، والبقية أعوانه، فيمكن. اهـ
قال الإمام النووى: والرواية التى معنا ((انظرى غلامك النجار يعمل لى أعوادًا)) مخالفة فى
ظاهرها لرواية جابر فى صحيح البخارى ((أن المرأة قالت: يارسول الله، ألا أجعل لك شيئاً تقعد
عليه، فإن لى غلامًا نجارًا؟ قال: إن شئت. فعملت المنبر)» قال: والجمع بينهما أن المرأة عرضت هذا
أولا على رسول اللّه *، ثم بعث إليها النبى * يطلب تنجيز ذلك.
( يعمل لى أعوادًا ) ((يعمل)) مضارع مجزوم فى جواب الأمر، أى يعمل لى أعوادًا منبرًا.
( أكلم الناس عليها ) ((أكلم)) بالرفع، أى أكلم الناس وأخطبهم عليها، وفى رواية البخارى
((أجلس عليهن)).
( فعمل هذه الثلاث درجات ) قال النووي: هذا مما ينكره أهل العربية والمعروف عندهم أن
يقول: ثلاث الدرجات، أو الدرجات الثلاث، وهذا الحديث دليل لكونه لغة قليلة. اهـ
وفى أبى داود ((فاتخذ له منبرًا مرقاتين)» وجمع بينهما بأن من قال مرقاتين لم يعتبر الدرجة التى
كان يجلس عليها رسول اللّه ◌ُ ﴾.
( فوضعت هذا الموضع ) أى فوضعت الأعواد التى صارت منبرًا هذا الموضع، ووضع تجاه
حائط القبلة بينه وبين حائط القبلة قدر ما تمر العنزة، وكان صلى الله عليه وسلم يقوم فى الصلاة
بجنب المنبر، ولم يكن لمسجده محراب.
( فهى من طرفاء الغابة) وفى رواية للبخارى ((من أثل الغابة، و((من أثلة الغابة)) ولا
تناقض، فقد فسر الخطابى الأثل بالطرفاء، وقال ابن سيده: الأثل يشبه الطرفاء إلا أنه أعظم منه، وهو
نبت مستقيم الخشبة، وخشبه جيد يحمل إلى القرى، فيبنى عليه بيوت المدن، وليس له شوك،
وتصنع منه القصاع والأوانى الصغار والكبار والمكاييل والأبواب، وهو معروف فى قرى مصر بالأتل
بالتاء، والغابة فى الأصل كل شجر ملتف، والمراد بها هنا أرض كانت معروفة بهذا الشجر تقع على
بعد تسعة أميال وقيل أربعة أميال من المدينة من طريق الشام. قال البكرى: هما غابتان
عليا وسفلى.
(ورأيت النبى ® قام عليه ) أى وقف عليه للصلاة على مرتفع للتعليم.
( ثم رفع ) أى قرأ، ثم ركع، ثم رفع وهو على المنبر.
(فنزل القهقرى ) ((القهقرى)) بالقصر المشى إلى الخلف، وقد رجع بظهره صلى اللّه عليه
وسلم ونزل من أعلى المنبر إلى أصله وهو مستقبل القبلة قال العينى: يقال: رجع القهقرى ولايقال:
نزل القهقرى، لأنه نوع من الرجوع لا من النزول، وصح باعتبار النزول رجوعاً من فوق إلى تحت.
١٦٧

( حتى سجد فى أصل المنبر) أى على الأرض إلى جنب الدرجة السفلى.
( حتى فرغ من آخر صلاته ) أى صلى هكذا. ينزل للسجود فى كل ركعة السجدتين والجلوس
بينهما ثم يصعد.
(ولتعلموا صلاتى) بكسر اللام الأولى وبفتح العين واللام المشددة، أى تتعلموا صلاتى
بالمشاهدة، فإن الصلاة على المنبر يراها كل المصلين بخلاف الصلاة على الأرض فإنه لا يراها إلا
بعضهم ممن قرب منه.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث أحكام نذكرها فيما يلى
١- أن الفعل الكثير فى الصلاة إذا تفرق لا يبطلها، لأن النبى # وكان ينزل خطوتين إلى أصل المنبر،
ثم يصعدها، وتكرر ذلك فى الركعات كلها وجملته كثيرة، لكن أفراده المتفرقة كل واحد منها
قليل. قاله النووى.
٢- وجواز صلاة الإمام على موضع أعلى من موضع المأمومين، ولكنه يكره ارتفاع الإمام على المأموم
وارتفاع المأموم على الإمام لغير حاجة، فإن كان لحاجة بأن أراد تعليمهم أفعال الصلاة لم يكره،
بل يستحب لهذا الحديث، وكذا إن أراد المأموم إعلام المأمومين بصلاة الإمام واحتاج إلى
الارتفاع. قاله النووى. وقال ابن دقيق العيد: من أراد أن يستدل بالحديث على جواز الارتفاع من
غير قصد التعليم لم يستتم، لأن اللفظ لا يتناوله، ولانفراد الأصل بوصف معتبر تقتضى المناسبة
اعتباره، فلابد منه.
وعلى ما ذكره النووى قول أحمد والليث والشافعى فى قول، وعن مالك والشافعى، المنع وحكى
المنع أيضًا عن أبى حنيفة إلا أن العينى يقول: وهو غير صحيح، بل مذهبه الجواز مع الكراهة،
وعن بعض الحنفية جوازه إذا كان الإمام مرتفعاً مقدار قامة، وعن مالك تجوز فى الارتفاع
اليسير، اهـ، والتحقيق أنه يجوز إذا كان لعذر أو مصلحة كما إذا كان المسجد الذى فى مستوى
الإمام يسع المأمومين، أو كان بجزء منه أذى من مطر أوحر أو برد يحول دون خشوع
المصلى. والله أعلم.
٣- وفيه مشروعية اتخاذ المنبر لكونه أبلغ فى مشاهدة الخطيب والسماع منه.
٤- ومشروعية الخطبة على المنبر لكل خطيب خليفة كان أو غيره، وقال ابن بطال: إن كان الخطيب
هو الخليفة فسنته أن يخطب على المنبر.
وإن كان غيره يخير بين أن يقوم على المنبر أو على الأرض، وتعقبه الزين ابن المنبر بأن هذا
١٦٨

إخبار عن شيء أحدثه بعض الخلفاء، قال الحافظ ابن حجر: وهذا التفصيل غير مستحب، ولعل
مراد من استحبه أن الأصل ألا يرتفع الإمام عن المأمومين، ولا يلزم من مشروعية ذلك للنبى وال*،
ثم لمن ولى الخلافة أن يشرع لمن جاء بعدهم، وحجة الجمهور وجود الاشتراك فى وعظ السامعين
وتعليمهم أمور دينهم، والله الموفق. والحق مشروعية الخطبة على المنبر لكل خطيب وجرى عليه
العمل منذ عهد النبوة حتى اليوم فأصبح إجماعاً، والله أعلم.
٥- وفى الحديث استحباب الافتتاح بالصلاة فى كل شيء جديد، إما شكرًا وإما تبركا، قاله الحافظ
ابن حجر. اهـ وفى هذا الاستنباط بعد ونظر فإن الصلاة فى الحديث فرض وللتعليم.
٦- ويستفاد من الحديث أن من فعل شيئًا يخالف العادة عليه أن يبين حكمته لأصحابه.
٧- وقيد قصد التعليم بالفعل بعد القول، فقد قصد رسول اللّه ◌َ * تعليم المأمومين الصلاة بالفعل.
٨- وجواز الحلف من غير استحلاف لتأكيد الخبر وتوثيقه.
والله أعلم
١٦٩

(٢٠٥) باب كراهة الاختصار فى الصلاة
١٠٣٥ - ٤٢٦ عَنِ أَبِى هُرَيْرَةَ عَ﴾(٤٢) عَنِ النّبِيِّ ◌َ﴿ أَنَّهُ نَهَى أَنْ يُصَلِّيّ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا. وَفِى
رِوَايَةِ أَبِى بَكْرٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ لَ ﴾ ..
المعنى العام
لما كانت الصلاة مناجاة بين العبد وربه، ولما كان الخشوع ومظاهر الخضوع والتسليم صورتها
وحقيقتها وجب أن تكون أعضاء المسلم على هيئة تنطق بتلك الحقيقة، ومن هنا نهى عن الالتفات
فيها، وعن كثرة التحرك، وتحريك الأيدى ورفع الرأس والبصر إلى أعلى إلى آخره.
ومن الصور المنهى عنها وضع اليد فى الخاصرة، سواء أكانت يدأ واحدة أو اليدين معاً، وهى هيئة
ذميمة تعد فى عرف المخاطبين قلة أدب خصوصاً إذا حصلت أمام كبير، فما بالنا بالوقوف بين
يدى الخالق البارئ المصور العزيز الجبار المتكبر؟ الذى تذل لعظمته الجباه، وتسكن فى ذلة وخشوع
جميع الجوارح فى مناجاته.
المباحث العربية
( أن يصلى الرجل مختصرًا) فى رواية البخارى ((نهى عن الخصر فى الصلاة)) قال النووى:
اختلف العلماء فى معناه، فالصحيح الذى عليه المحققون والأكثرون من أهل اللغة والغريب
والمحدثين أن المختصر هو الذى يصلى ويده على خاصرته، وقال الهروى قيل: هو أن يأخذ بيده عصا
يتوكأ عليها والعصا تسمى مخصرة، وقيل: أن يختصر السورة، فيقرأ من آخرها آية أو آيتين، وقيل: هو
أن يحذف فلا يؤدى قيامها وركوعها وسجودها وحدودها، والصحيح الأول. قيل لأنه فعل اليهود، وقيل
لأنه فعل المتكبرين. اهـ
فقه الحديث
قال الشوكانى بعد أن ذكر المعانى للاختصار: وقد اختلف فى المعنى الذى نهى عن الاختصار
فى الصلاة لأجله على أقوال: الأول التشبه بالشيطان قاله الترمذى فى سننه، والثانى أنه تشبه
(٤٦) وحَدَِّى الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ قَالَ ح وَحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْئَةَ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ
وَأَبُو أُسَامَةَ جَمِيعًا عَنِ هِشَامٍ عَنِ مُحَمَّدٍ عَنٍ أَبِى هُرَيْرَةَ
١٧٠

باليهود، قالته عائشة فيما رواه البخارى عنها فى صحيحه، والثالث: أنه راحة أهل النار، روى ذلك
ابن أبى شيبة عن مجاهد ورواه أيضاً عن عائشة، وروى البيهقى عن أبى هريرة أن النبى { # قال
((الاختصار فى الصلاة راحة أهل النار)) قال العراقى: وظاهر إسناده الصحة ورواه أيضاً الطبرانى.
الرابع: أنه فعل المتكبرين والمختالين. قاله المهلب بن أبى صفرة. والخامس: أنه شكل من أشكال
أهل المصائب يضعون أيديهم على الخواصر إذا قاموا فى المأتم. قاله الخطابى. اهـ.
وهذه العلل كلها يمكن أن تكون حكمة وسببا مجتمعة وهى قاصرة على المعنى الأول فى
الاختصار. وحكمه بهذا المعنى مكروه متفق على كراهته للرجال والنساء كما يقول النووى، وقال
الشوكانى: والحديث يدل على تحريم الاختصار، وقد ذهب إلى ذلك أهل الظاهر، وذهب ابن عباس
وابن عمر وعائشة ومالك والشافعى وأهل الكوفة وآخرون إلى أنه مكروه، والظاهر ما قاله أهل الظاهر
لعدم قيام قرينة تصرف النهى عن التحريم الذى هو معناه الحقيقى كما هو الحق. اهـ والحق مع
الجمهور لأن العلل التى استنبطت لهذا الحكم رغم عدم ثبوتها لا تعطى الحرمة.
والله أعلم
١٧١

(٢٠٦) باب كراهة مسح الحصى وتسوية التراب فى الصلاة
١٠٣٦ - ٤٣ْ عَنِ مُعَيْقِيبٍ ◌َِ(٤٧) قَالَ ذَكَرَ النّبِيُّ ◌َ﴿ِ الْمَسْحَ فِى الْمَسْجِدِ يَعْنِى الْحَصَى قَالَ
«إِن كُنْتَ لا بُدَّ فَاعِلا فَوَاحِدَةٌ».
١٠٣٧ - ثُمَّ عَنِ مُعَيْقِيبٍ عَ(٤٨) أَنَّهُمْ سَأَلُوا الَِّّ :﴿ عَنِ الْمَسْحِ فِى الصَّلاةِ؟ فَقَالَ «وَاحِدَةٌ».
١٠٣٨ - شٍّ عَنِ مُعَيْقِيبٍ ظُ(٤٩) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ قَالَ فِى الرَّجُلِ يُسَوِّى التُّرَابَ حَيْثُ
يَسْجُدُ قَالَ «إِن كُنْتَ فَاعِلا فَوَاحِدَةٌ».
المعنى العام
من تمام الخشوع فى الصلاة الاستغراق فى العبادة والانشغال بها عن بعض ما يقع للمصلى من
أذى محتمل، أو مشقة يسيرة، فالحصى الذى يفرش به المسجد فى الزمن الأول كان ذا نتوء، ارتفاع
وانخفاض مما لوضغط عليه أثر فى الجبهة غالباً، وقد يفكر المصلى أن يهيئ عند سجوده تسوية
مكان جبهته بمسح الحصى بيده أو الضغط عليه باليد ليقرب من التسوية، وهذا العمل بحركاته
يتنافى والخشوع، فنهى عنه صلى الله عليه وسلم، لكنه أباح عند الحاجة تسوية واحدة بإمرار اليد مرة
واحدة، لأن تكرار المسح يخرج عن الخشوع ويضعف الانشغال بالصلاة، والأمر كذلك إذا كانت الأرض
رملية أو ترابية، قد يجد المصلى مكان سجوده غير مستو مما يجعل بعض الجبهة ملاقية للأرض دون
بعض فيسوى التراب أو الرمل مرة واحدة، وهكذا كل أذى يجده المصلى عند سجوده من ورق أو خرق
أوقش فله أن يمهده بحركة واحدة لا بكثير من الحركات. أما مسح الجبهة من التراب بعد الصلاة
فقد كرهه كثير من العلماء ما دام المصلى فى المسجد، فإن هو خرج فلا كراهة فى مسحه جبهته، بل
يسن له إن خاف من ذلك السمعة. والله أعلم.
المباحث العربية
( عن معيقيب ) بن أبى فاطمة الدويسى، أسلم قديما، وهاجر إلى الحبشة، ثم إلى المدينة،
وشهد بدرًا، واستعمله أبو بكر وعمر رضى الله عنهما على بيت المال، توفى آخر خلافة عثمان رَُّله.
(٤٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا هِشَامُ الدَّسْتَوَائِيُّ عَنِ يَحْنِىِ بْنِ أَبِى كَثِيرٍ عَنِ أَبِى سَلَمَةَ عَنِ مُعَيْقِيبٍ
(٤٨) حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بَّنُ الْمَّثَنِى حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ هِشَامٍ قَالَ حَدَّثَنِىَ ابْنُ أَبِى كَثِيرٍ عَنِ آَبِى سَلَمَّةٍ عَنٍ مُعْقَبٍ
- وحَدْقَيِيهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْقَوَارِيرِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ يُغْنِى ابْنَ الْحَارِثِ حَدَّثَنَا هِشَامٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالَ فِيهِ حَدَّثَنِى
مُغَيْقِيبٌ(ح).
(٤٩) وحَدَّثَنَاه أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْئَةً حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى حَذَقْنَا شَيْبَهُ عَنِ يَحْنَى عَنِ أَبِى سَلَمَّةَ قَالَ حَدَّثَتِى مُعَيْقِيبٌ
١٧٢

(المسح فى المسجد ) ((أل)) فى المسح للعهد، ولما أحس الراوى أن العهد بعيد فسره بقوله:
يعنى. أى مسح الحصى وتسويته فى المسجد فى موضع السجود.
(إن كنت - لابد - فاعلا فواحدة) ((لابد)) اعتراضية بمعنى لا مفر.
روى «واحدة)» بالنصب والرفع، أما النصب فهو صفة لمصدر محذوف مع فعل أمره، والتقدير:
فامسح مسحة واحدة، وأما الرفع فعلى الابتداء، وخبره محذوف تقديره: فواحدة تكفيك.
فقه الحديث
المسح فى الصلاة يحتمل مسح الجبهة مما علق بها أثناء السجود، ويحتمل مسح الأرض
وتسويتها وتمهيدها لمكان الجبهة فى السجود، والظاهر أن المراد من الأحاديث الثانى، لأن الرواية
الأولى تفسر الممسوح بالحصى، وقلما يعلق بالجبهة، كما أن الرواية الثالثة صريحة فى أن المقصود
بالمسح التسوية وهى لا تقال على مسح الجبهة.
قال النووي: ومعنى ((إن كنت لابد فاعلا فواحدة)) أى لا تفعل، وإن فعلت فافعل واحدة، فهو نهى
عن المسح. وهو نهى كراهة تنزيه. قال: واتفق العلماء على كراهة المسح. اهـ. ومراده جمهور العلماء
وليس الإجماع. وقد حكى الشوكانى أن مالكالم يربه بأسا، وكان يفعله فى الصلاة، قال العراقى:
وكان ابن مسعود وابن عمر يفعلانه فى الصلاة، وذهب أهل الظاهر إلى تحريم ما زاد على الواحدة. اهـ
وعندى أن يفرق بين المسح لحاجة ولمصلحة الصلاة، وبين ما كان للتنعم وكمال الارتياح، فإذا
كانت الأرض مليئة بحصى مدبب كالشوك، أو بتراب به عيدان وقش يحول دون التمكن من السجود
كان المسح الموصل إلى التسوية مسحة أو مسحتين لا كراهة فيها، لأنها لصالح الصلاة، وعلى هذه
الحالة يحمل عمل الإمام مالك وابن مسعود وابن عمر وغيرهم. والله أعلم. والعلة فى النهى أنه ينافى
التواضع ولأنه يشغل المصلى. قاله النووى. وعن أبى ذر قال: قال رسول اللّه ﴿((إذا قام أحدكم إلى
الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يمسح الحصى)) ومعناه أن المسح فى الصلاة يشغل خاطر المصلى
ويلهيه عن مواجهة رحمة الله فى الصلاة. وظاهره أن النهى موجه للمصلى فى حال صلاته، أما من
يسوى مكانا قبل الصلاة استعداداً لها فلا شيء فيه، نعم قيل: بدخوله فى النهى لئلا يشتغل بغير
الصلاة عند إرادتها. ولكن هذا القول لا يعتد به، ولا يحتج له برواية الترمذى ((إذ قام أحدكم إلى
الصلاة)) فإن رواية معيقيب وهى أولى بالقبول عن المسح فى الصلاة. وقيل: إن الحكمة فى النهى عن
مسح الحصى أن لا يغطى شيئاً من الحصى المكشوف، فيفوت بمسحه السجود عليه، واستند لهذه
الحكمة بما رواه ابن أبى شيبة فى المصنف عن أبى صالح قال: ((إذا سجدت فلا تمسح الحصى، فإن
كل حصاة تحب أن تسجد عليها)) وهذا قول بعيد. والتقييد بالحصى فى كثير من الروايات خروج على
الغالب حيث كان الغالب على مساجدهم فرشها بالحصى. ولا فرق بينه وبين التراب والرمل، يؤكد
هذا الرواية الثالثة وفيها تسوية التراب.
قال النووي: وكره السلف مسح الجبهة مما يعلق بها من غبار ونحوه فى الصلاة وقبل الانصراف
من المسجد.
١٧٣

(٢٠٧) باب النهى عن البصاق فى المسجد فى الصلاة وغيرها
والنهى عن بصاق المصلى بين يديه وعن يمينه
١٠٣٩ - ٥٠ْ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٥٠) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ رَأَى بُصَاقًا فِى جِدَارِ
الْقِبْلَةِ فَحَكَّهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلَّى فَلا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ فَإِنَّ اللَّهَ
قِبَلَ وَجْهِهِ إِذَا صَلَّى».
١٠٤٠ - ١ْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٥١) عَنِ النّبِيِّ وَ أَنْهُ رَأَى نُخَامَةٌ فِى قِبْلَةٍ
الْمَسْجِدِ إِلا الضَّحَّاكَ فَإِنَّ فِى حَدِيثِهِ نُخَامَةٌ فِى الْقِبْلَةِ بِمَعْنَى حَدِيثِ مَالِكٍ.
١٠٤١ - ٢٢ْ عَنِ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ◌َ﴾ (٥٢) أَنَّ النّبِيِّ ◌َّ رَأَى نُخَامَةٌ فِى قِيْلَةِ الْمَسْجِدِ
فَحَكْهَا بِحَصَاةٍ ثُمَّ نَهَى أَن يَبْزُقَ الرَّجُلُ عَنِ يَمِينِهِ أَوْ أَمَامَهُ وَلَكِنْ يَبْزُقُ عَنِ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ
قَدَمِهِ الْيُسْرَى.
١٠٤٢ - ١٥ عَنِ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (١٠) أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَاهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
﴿ رَأَى نُخَامَّةٌ بِمِثْلٍ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةً.
١٠٤٣ - ٣٠ْ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٠٠) أَنَّ الَِّيَّ ◌َ﴿ رَأَى بُصَاقًا فِى جِدَارِ الْقِيْلَةِ أَوْ
مُخَاطًا أَوْ نُخَامَةٌ فَحَكْهُ.
١٠٤٤- ٣° عَنِ أَبِى هُرَيْرَةََّ﴾ (٥٣) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ رَأَى نُخَامَةٌ فِى قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَأَقْبَلَ
عَلَى النَّاسِ فَقَالَ «مَا بَالُ أَحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ فَيَتَتَخْعُ أَمَامَهُ؟ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يُسْتَقْبَلَ
(٥٠) حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْبَى التَّمِيمِيُّ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ نَافِعٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
(٥١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْئَةً حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُوَّ أُسَامَّةَ حَ وَحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ حَدََّا أَبِى جَمِيعًا عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ ح
وحّدَّثَنَا قُتَيْيَةُ وَّمُحَمَّدَ بْنُ رُمْحِ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ حٌ وَحَدْقَتِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدْثَنَا إِسْمَعِيلُ يَغْنِى ابْنَ عُلَيَّةٌ عَنِ أَيُّوبَ ح
وحَدْقَّا ابْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِّى فَدَيْكٍ أَخْبُرَنَا الضَّحَّاكُ يَغْنِى ابْنَ عُثْمَانَ ح وَحَدَّثَنِى هَّارُونُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حَدَّثَنَا خَجَّاجُ بْنُ
مُحَمَّدٍ قَالَ قَالَ أَبْنُ جُرَيْجٍ أُخْبَرَبِى مُوسَى بْنُ عُقْبَةً كُلُّهُمْ عَنِ تَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَّرَ
(٥٢) حَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْبَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ جَمِيعًا عَنِ سَّفْيَانُ قَالَ يَحْتَى أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيّ
عَنِ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ أَبِى سَّعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
(١٠) حَ حَدَّثَنِى أَبُوَ الطَّاهِرِ وَحَرَّمَلَةٌ قَالا حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ يُونُسَ قَالَ حِ وحَدَّثَنِى زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ
حَدَّثَنَا أَبِى كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ حُمَّيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةً وَأَبَا سَعِيدٍ أَخْبَرَاهُ
(٠٠٠) وحَدََّا قُتَيْبَةُ بْنُ سَّعِيدٍ عَنِ مَالِكِ بْنِ أَنْسٍ فِيمَا قُرِئَ عَلَيْهِ عَنِ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً عَنِ أَبِهِ عَنِ عَائِشَةً
(٥٣) حَدَّثَنَا أَبُوِ بُكْرِ بْنُ أَبِى شَيْبَةَ وَزُهَيَّرُ بْنُّ حَرْبٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَّةَ قَالَ زُغَيْرٌ حَدَّثَا ابْنُ عُلَيَّةَ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ
مِهْرَانَ عَنِ أَبِى رَافِعٍ غَنٍ أَبِى هُرَيْرَةَ
١٧٤

فَيْنَجِّعَ فِى وَجْهِهِ؟ فَإِذَا تَنَجْعَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَجِّعْ عَنِ يَسَارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ
هَكَذَا» وَوَصَفَ الْقَاسِمُ فَتَفَلَ فِى ثَوْبِهِ ثُمَّ مَسَحَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ.
١٠٤٥ - ١٠ عَنِ أَبِى هُرَيْرَةَ عَُّ(١٠) عَنِ النّبِيِّلَ﴿َ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةً وَزَادَ فِى حَدِيثٍ
هُشَيْمٍ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: كَأَنِى أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ وَهِ يَرُدُّ قَوْبَةُ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ
١٠٤٦- ٤ُْ عَنِ أَنّسِ بْنِ مَالِكِ رَ﴾(٥٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِع ◌َ﴿ِ «إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِى
الصَّلاةِ فَإِنَّهُ يُنَاجِى رَبَّهُ فَلا يَبْزُفَنَّ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلا عَنِ يَمِينِهِ وَلَكِنْ عَنِ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ».
١٠٤٧ -°ْ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍّ ◌َ﴾(٥٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَلِ«الْبُزَاقُ فِى الْمَسْجِدِ
خَطِئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْتُهَا».
١٠٤٨ - ٦° عَنِ شُعْبَةُ (٥٦) قَالَ: سَأَلْتُ قَتَادَةَ عَنِ النَّفْلِ فِى الْمَسْجِدِ؟ فَقَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ ابْنَ
مَالِكٍ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ يَقُولُ: «النّفْلُ فِى الْمَسْجِدِ خَطِئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْهَا».
١٠٤٩- ٧ْ عَنِ أَبِى ذَرَِّلُ (٥٧) عَنِ النّبِيِّ:﴿ قَالَ: «عُرِضَتْ عَلَيَّ أَعْمَالُ أُمَّتِى حَسَنُهَا
وَسَيِّتُهَا فَوَجَدْتُ فِى مَحَاسِنٍ أَعْمَالِهَا الأَذَى يُمَاطُ عَنِ الطّرِيقِ. وَوَجَدْتُ فِى مَسَاوِى أَعْمَالِهَا
النّخَاعَةَ تَكُونُ فِى الْمَسْجِدِ لا تُدْفَنُ».
١٠٥٠ - ٨°ْ عَنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّخْرِ(٥٨) عَنِ أَبِيهِ قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِعَّ
فَرَأْتُهُ تَنَجْعَ فَدَلَكُهَا بِنَغْلِهِ.
١٠٥١- ١٩ٍ عَنِ أَبِى الْعَلاءِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشُّخَيْرِ(٥٩) عَنِ أَبِيهِ أَنَّهُ صَلَّى مَعَ النّبِيِّ ◌ِ 2.
قَالَ فَجْعَ فَدَّلَكَهَا بِنَعْلِهِ الْيُسْرَى.
(٠٠) وحَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ قَالَ ح وحَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ قَالَ ح وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنّى
حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّثَا شُعْبَةُ كُلُّهُمْ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ أَبِى رَافِعٍ عَنِ أَبِى هُرِيْرَةَ
(٥٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثْنَى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالَ ابْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَنُ جَعْفَرٍ حُدَّثَنَ شَعْبَةٌ قَالَ سَمِعْتُ فَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَنِ أَنَسِ
ابْنِ مَالِكٍ
(٥٥) وخَدَّنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتَى وَقْتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ يَحْتِى أَخْبَرَنَا وَقَالَ قُنتَيْبَةُ حَدَّثَا أَبُو عَوَانَةَ عَنٍ فَنَادَةً عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ
(٥٦) حَدَّثَنَا يَحْنِى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ حَدَّثَنَا خَالِدٌ يَعْنِى ابْنَ الْحَارِثِ حَدَّثْنَا شُعْبَةٌ
(٥٧) حَدَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنَ أَسْمَاءَ الصُّبَعِيُّ وَشَيْبَانُ بْنُ فَرَّوَخَ قَالا حَذََّا مَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ حَدَّنَا وَاصِلٌ مَوْلَى أَبِى عُنَيْنَةَ عَنِ
يَحْتِي بْنِ عُقَيْلٍ عَنِ يَحْيَى بْنِ يَعْمَرَ عَنِ أَبِىِ الْأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ عَنِ أَبِى ذَرْ
(٥٨) حَدَّثَنَا غَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ حَدَّثَنَاَ أَبِى حَدَّقْنَا كَهْمَسٌ عَنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّخِّيرِ عَنٍ أَبِهِ
(٥٩) وحَدَّثَنِى يَحْتَى بْنُ يَحْتِى أَخْبُرَنَّا يَزِيدُ بْنُ زَّرَيْعٍ عَنِ الْجُرَيْرِيِّ عَنِ أَبِى الْغَلاءِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشَّخْرِ
١٧٥

المعنى العام
يضرب الإسلام المثل الأعلى فى المحافظة على النظافة، والمثل الأعلى فى مراعاة شعور
الآخرين، والمثل الأعلى فى التواضع.
أما الأول فيتمثل فى صيانة المساجد ووقايتها من الأوساخ مهما كانت دوافع هذه الأوساخ.
إن العرب فى بداوتهم لم تكن لديهم مناديل، وكانت أطعمتهم وحياتهم وبيئتهم يكثر معها التنخم
والبصاق وكانت عادتهم - وأرضهم رملية وشاسعة يغوص فيها البصاق ولا يظهر له أثر - كانت
عادتهم إذا رغبوا فى البصق أو الذخامة قذفوها على أى جهة وقعت، يميناً أو شمالا أو أماماً. فلما
بنيت المساجد وأقيم حائط القبلة كان بعض منهم فى الصف الأول يبصقون على الجدار المواجه لهم
أحيانًا. ورأى رسول اللّه* نخامة على جدار القبلة - ومن حكمته كمعلم للإنسانية أن ينتهز الفرص،
ويختار الظرف المناسب للأمر بالمعروف والنهى عن المنكر - رأى نخامة، فقام فى الناس فقال: إن
أحدكم إذا قام إلى الصلاة ناجى ربه، ومن شأن المناجى والمناجَى أن يواجه كل منهما الآخر، إن
ربكم فى مواجهتكم، فلا يبصق أحد فى وجهه؟ إذا تنخع أحدكم واحتاج إلى دفع البصاق فليدفعه عن
يساره وتحت قدمه، فإن لم يستطع فليأخذ بطرف ثوبه وليبصق فيه وليطبق طياته بعضها على بعض
يمسح بها بصاقه ویزیل جرمه.
بقى أن يظنوا أن النهى خاص بحائط القبلة، وأنه لا نهى عن البصاق على أرض المسجد، فقال
صلى الله عليه وسلم البصاق فى المسجد فى أى مكان فيه خطيئة وذنب لا يمحوها إلا إزالة البصاق،
وإزالته بدفنه فى التراب، وعلى المسلم أن يجتنب الخطيئة أصلا ويبتعد عنها فلا يبصق، فإن وقع فى
الخطيئة وبصق فليسرع بالتكفير عن خطيئته ويدفن نخامته فى التراب.
إن البصاق قبيح المنظر تشمئز منه النفس، ويجب على كل مسلم أن يراعى شعور أخيه المسلم
ولا يؤذيه. إن الإسلام حريص على التجاوب والتقارب بين أبنائه، ويحارب كل ما يورث الكراهية أو
تأذى المسلم من المسلم، فنهى عن البصق وأمر بإزالته إذا وقع.
الأمر الواضح فى هذه الأحاديث أن يتنازل الرسول *، وهو الإمام والقائد، ويضرب المثل لكل
فرد من أفراد أمته أن يقتدوا به، فيتقدم بنفسه ويأخذ حصاة من الأرض ويتجه إلى البصاقة فى جدار
المسجد فيحكها حكاً مستمراً حتى يزيل جرمها وأثرها. فما أعظم التشريع السماوى فى نظافته
وحرصه على شعور الآخرين. وعلى كل ما يحبب المسلم للمسلم ويباعد بينه وبين ما يورث
الكراهية والبغضاء.
وما أعظمك وأجلك يا صفوة خلق الله، وما أحلمك وما أشد تواضعك حين تضرب لنا المثل
الأعلى لما ينبغى أن يكون عليه الحاكم والقائد.
فصلى اللّه وسلم عليك وعلى آلك وأصحابك أجمعين.
١٧٦

المباحث العربية
(رأى بصاقًا) وفى ملحق الرواية الأولى ((رأى نخامة)) وهى كذلك فى الرواية الثانية والرابعة
والثامنة ((نخامة)) وفى الرواية الثالثة، ((رأى بصاقًا أو مخاطًا أو نخامة)) وفى الرواية الرابعة
والتاسعة والعاشرة ((فيتنخع)) أى النخاعة، وفى الرواية الخامسة ((فلا يبزقن)) أى البزاق، وهو فى
الرواية السادسة، وفى الرواية السابعة ((التفل)) ويمكن التفرقة بينها بأن ما يتجمع فى الفم من
اللعاب العادى إن أخرج رذاذاً لا يكاد يرى يسمى بالنفث. ولم يرد فى الحديث لأنه خفيف لا يتجمع
ولا يرى له جرم على سطح خارجى اللّهم إلا الزجاج وأمثاله، وإن أخرج قليلا متجمعاً فوق الرذاذ
يسمى بالتفل: ولما كان التفل عادة لا يبقى أثره كثيراً على السطح الخارجى أريد منه فى الرواية
السابعة البصق، لأن الذى يحتاج إلى الدفن البصق لا التفل، وإن كان التفل فى المسجد فى حد ذاته
مكروها وجد أثره خارجاً أولم يوجد، وإن أخرج كثيراً متجمعاً سمى بالبصاق ويقال له: البزاق بالزاى
كما ورد فى الرواية الخامسة، قال النووى: ولغة قليلة بالسين ((بساق)) وعدها جماعة غلطاً اهـ
فالنفث ثم التفل ثم البصاق كلها من السائل الرقيق العادى فى الفم الذى هو اللعاب. أما الغليظ
اللزج الذى ينزل من الرأس فيخرج عن طريق الأنف فهو مخاط وإن أخرج عن طريق الفم فهو
النخامة. والذى يصعد من الصدر مع الكحة غالبا هو النخاعة بالعين وبعضهم يطلق النخامة
والنخاعة على شيء واحد وكثيرًا ما يطلق واحد من المذكورات على الآخر إذا وجد خارجاً من غير أن
يرى الفعل لاشتباه أوصافها أحيانا، وقد يشك الراوى فى حقيقة المرئى خصوصاً اللزج منه فيطلق
عليه إطلاقات مختلفة كما فى الرواية الثالثة.
( فى جدار القبلة) وهو كذلك فى الرواية الثالثة، وفى الرواية الثانية ((فى قبلة المسجد)) وهو
كذلك فى الرواية الرابعة، وفى ملحق الرواية الأولى ((فى القبلة)) وفى رواية للبخارى ((فى جدار
المسجد)، والمراد واحد فى الجميع وهو جدار قبلة المسجد.
(فحكه ) وفى الرواية الثانية ((فحكها بحصاة)) وفى رواية للبخارى ((فحكه بيده)) قال الشراى:
أى تولى ذلك بنفسه، لا أنه باشر النخامة بيده الشريفة والوارد أنه قلعها مرة بحصاة، ومرة بعرجون،
رواه أبو داود. والعرجون بضم العين هو العود الأصفر الذى فيه الشماريخ إذا يبس واعوج.
(فلا يبصق قبل وجهه ) ((قبل)) بكسر القاف وفتح الباء، أى جهة ما يواجهه، أى جهة
القبلة، وفى رواية للبخارى ((قبل قبلته)) أى جهة قبلته.
(فإن اللّه قبل وجهه إذا صلى) وفى الرواية الرابعة ((يقوم مستقبل ربه)) وفى رواية
للبخارى ((أو أن ربه بينه وبين القبلة)) قال النووى، قيل معناه: إن قبلة الله قبل وجهه، وقيل: ثواب
اللّه قبل وجهه، أو عظمة الله قبل وجهه، وقال الخطابى فى شرح رواية ((إن ربه بينه وبين القبلة)
معناه أن توجهه إلى القبلة مفض بالقصد منه إلى ربه، فصار فى التقدير: فإن مقصوده بينه وبين
١٧٧

قبلته. اهـ وقد نفهم معنى آخر، وهو أن المصلى يناجى ربه فى صلاته كما هو صريح الرواية الخامسة،
والمناجى والمناجَى لا فاصل بينهما فى الشأن والعادة فكأن اللّه أمامه وبين القبلة، فإن الله بينه
وبين القبلة تقديرًا واعتبارًا وتصورًا. والله أعلم.
( فإن لم يجد فليقل هكذا ) أى فإن لم يجد صلاحية عن يساره تحت قدمه كأن كان على
يساره رجل أو كان تحت قدمه ثياب تتلوث، ولفظ القول مستعمل هنا فى الفعل، أى فإن لم يجد
متسعاً فليفعل هكذا [أى الهيئة التى وصفها الراوى].
( ووصف القاسم ) أصل السند: حدثنا ابن علية عن القاسم بن مهران عن أبى رافع عن أبى
هريرة، فالقائل: ووصف القاسم هو ابن علية، والقاسم نقل هذا الوصف عن أبى رافع، وأبورافع نقل
الوصف نفسه عن أبى هريرة فالمعنى: ووصف القاسم الهيئة المطلوبة.
(فتفل فى ثوبه ثم مسح بعضه على بعض ) فى رواية البخارى يصف أنس فعل النبى والس
فيقول: ((ثم أخذ طرف ردائه، فبصق فيه، ثم رد بعضه على بعض)).
( فإنه يناجى ربه ) قال العينى: المناجاة والنجوى هو السربين الاثنين ومناجاة الرب مجاز،
لأن القرينة صارفة عن إرادة الحقيقة، إذ لاكلام محسوس إلا من طرف واحد هو العبد، فيكون المراد
لازم المناجاة، وهو إرادة الخير.
( ولكن عن شماله تحت قدمه) أى اليسرى، وفى الرواية الثانية ((ولكن يبزق عن يساره أو
تحت قدمه اليسرى، بأو وهى تبيح له أن يبزق عن يساره بعيداً عن قدمه إذا كان فى خلاء مثلا.
وسيأتى توضيح الحكم الشرعى.
فقه الحديث
يمكن ضبط نقاط الحديث وآداب البصاق وحكمه فى ست نقاط.
الأولى: آداب البصاق وحكمه خارج المسجد وخارج الصلاة.
الثانية: آداب وحكم البصاق داخل المسجد فى غير صلاة وبعيداً عن حائط القبلة.
الثالثة: آداب وحكم البصاق داخل المسجد فى صلاة وبعيداً عن حائط القبلة.
الرابعة: آداب وحكم البصاق داخل المسجد فى صلاة وفى حائط القبلة.
الخامسة: واجب من رأى بصاقاً فى المسجد.
السادسة: ما يؤخذ من الأحاديث من الأحكام والحكم.
أولا: أما عن النقطة الأولى فإن الإسلام - ولا ريب - دين النظافة، ودين منع الأذى ودين مراعاة شعور
١٧٨

المسلمين، ودين تكريم اليمين، ودين التقديس لأماكن العبادة، ولا شك أن ما يخرج من الفم
بأنواعه، ابتداء من النفث وانتهاء بالنخاعة أمر مستقذر، لكنه قد يضطر إليه المسلم، أو يحتاجه،
أو يعتاده عادة تغلب عليه، وحينئذ يجب عليه أن يستخدم وسائل تحقق أهداف الإسلام
ومقاصده التى ذكرناها.
ففى خارج المسجد وخارج الصلاة ونعنى بالمسجد أماكن الصلاة المعتادة ولو مصلى، كما لو
كان فى البيت أو فى المكتب أو فى الطريق أو فى صحراء فإن كان معه أحد، أو يحتمل أن يراه
أحد فليحذر من إيذائه بذلك ولو بالرؤية، وإن لم يكن معه أحد ولا يحتمل أن يراه أحد فليحذر
القذف إلى الأمام أو إلى اليمين، وليحذر الإساءة إلى المكان بالقذر، ولو كان المكان بيت الخلاء.
وإذا كانت أحاديث الباب قد تعرضت للتفل والنخامة فى حائط المسجد أو فى الصلاة فإن
أحاديث أخرى جاءت مطلقة، ففى البخارى، ((إذا تنخم أحدكم فلا يتنخم قبل وجهه ولا عن
يمينه وليبصق عن يساره أو تحت قدمه اليسرى)) وفيه ((لا يتفلن أحدكم بين يديه ولا عن يمينه،
ولكن عن يساره أو تحت رجله)).
ولسنا مع الذين يحملون المطلق على المقيد فيخصون النهى بالمسجد وبالصلاة مراعاة لخصوص
السبب، ولا مع الذين يحصرون العلة فى تقديس المسجد وحمايته من القاذورات، فإن عمل
الصحابة بعد صدور النهى يوحى بأنهم اعتمدوا التعميم والإطلاق، فعن ابن مسعود أنه كره أن
يبصق عن يمينه وليس فى الصلاة، وعن معاذ بن جبل قال: ما بصقت عن يمينى منذ أسلمت
وعن عمر بن عبد العزيز أنه نهى ابنه عنه مطلقاً، وهذه كلها تشهد المنع المطلق ويعجبنا فى هذا
المقام ما جزم به النووى من المنع فى كل حالة داخل الصلاة وخارجها وسواء أكان فى المسجد
أم فى غيره.
إن الأذى بالنخامة لا يقتصر على المسجد، كما هو معروف ومشاهد، بل إن بعض النخامات
تحمل «ميكروبا)» وجراثيم تعدى السليم إذا لاقاها، بل قد تنتقل منها الجراثيم محمولة على الهواء
القريب، أضف إلى ذلك التقززوالاشمئزاز الذى يصيب الرائى فيؤثر على غدده وأمعائه.
وإذا كانت الأحاديث قد عالجت النخامة بدلكها بالقدم اليسرى أو بتغييبها فى الأرض، فإنما
كان ذلك اقتصارًا على الوسيلة المقدورة آنذاك، مع وضعها فى بعض أجزاء الثوب إن خيف من
تلك الوسيلة أولم تتيسر. وفى هذه الأزمان. وقد أصبحت الأرض فى أكثر أماكن إقامتنا مفروشة
أو صلبة مبلطة ونظيفة لا يغيب معها أثر النخامة، بل قد تزيدها القدم سوءًا وقذرًا. وجب أن لا
يستخدم المسلم قدمه اليسرى، ووجب أن يتخذ لنفسه منديلاً أو قطعة من القماش أو الورق، فإن
لم يجد فجزء ثوبه، وبحيث لا يراه أحد ولا يتأذى به ما أمكن، ولو أدى ذلك إلى كتمان نفسه
بعض الشيء ومغالبة النازل.
وإذا كان بعض العلماء قد ذهب إلى أن النهى لكراهة التنزية، فإننا نرى أن الأمرليس على
١٧٩

إطلاقه، فليس التفل فى درجة النخاعة، وليس الأثرهنا كالأثر هناك، فالأولى أن يختلف الحكم
باختلاف آثاره، أحياناً للتنزيه وأحياناً للحرمة. والله أعلم.
ثانيًا: وما قيل فى البصاق خارج المسجد وخارج الصلاة يقال فى البصاق داخل المسجد فى غير
صلاة، وفى غير جدار القبلة، ويزيد الإثم بحرمة المسجد والرواية السادسة والسابعة والثامنة
ظاهرة فى إنكار هذا الفعل واعتباره خطيئة وسيئة، وإذا كانت الروايتان السادسة والسابعة
حكمتا بذلك على التفل والبصاق فإن الخطيئة فى المخاط والنخامة والنخاعة أشد وأعظم. وقد
أثار العلماء جدلا حول هاتين الروايتين، وهل التفل فى المسجد فى حد ذاته خطيئة؟ أو هو
خطيئة إذا لم تدفن؟ على معنى: هل تكتب سيئة ثم تمحى هذه السيئة بالدفن، مصداقاً لقوله
تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]؟ أو إذا دفنت فلا كتابة ولا محو، وإذا لم
تدفن كتبت سيئة؟ المآل واحد وهو أنه لا إثم إذا دفنت، والإثم ثابت إذا لم تدفن، ولكن الجدل
حول الكتابة وعدمها فى حالة الدفن، وللفائدة نسوق ما قيل فى ذلك. قال الحافظ ابن حجر فى
الفتى: قال القاضى عياض: إنما يكون خطيئة إذا لم يدفنه، وأما من أراد دفنه فلا. ورد النووى
فقال: هو خلاف صريح الحديث. قال الحافظ قلت: وحاصل النزاع أن هنا عمومين تعارضًا، وهما
قوله ((البزاق فى المسجد خطيئة)) وقوله ((وليبصق عن يساره أو تحت قدمه)) فالنووى يجعل
الأول عامًا، ويخص الثانى بما إذا لم يكن فى المسجد: والقاضى بخلافه، يجعل الثانى عامًا،
ويخص الأول بما لم يرد دفنها، وقد وافق القاضى جماعة منهم ابن مكى فى ((التنقيب)) والقرطبى
فى ((المفهم)) وغيرهما، ويشهد لهم ما رواه أحمد بإسناد حسن من حديث سعد بن أبى وقاص
مرفوعًا قال ((من تنخم فى المسجد فليغيب نخامته أن تصيب جلد مؤمن أو ثوبه فتؤذيه»،
وأوضح منه فى المقصود ما رواه أحمد أيضًا والطبرانى بإسناد حسن من حديث أبى أمامة
مرفوعًا قال)) من تنخع فى المسجد فلم يدفنه فسيئة وإن دفنه فحسنة)» فلم يجعله سيئة إلا بقيد
عدم الدفن، ونحوه حديث أبى ذرعند مسلم مرفوعاً قال ((وجدت فى مساوئ أعمال أمتى النخاعة
تكون فى المسجد لا تدفن)). قال القرطبى: فلم يثبت لها حكم السيئة لمجرد إيقاعها فى المسجد،
بل به ويتركها غير مدفونه. اهـ. وروى سعيد بن منصور عن أبى عبيدة بن الجراح أنه تنخم فى
المسجد ليلة فنسى أن يدفنها حتى رجع إلى منزله، فأخذ شعلة من نار، ثم جاء فطلبها حتى
دفنها، ثم قال: الحمد لله الذى لم يكتب على خطيئة الليلة. فدل على أن الخطيئة تختص بمن
تركها لا بمن دفنها، وعلة النهى ترشد إليه، وهى تأذى المؤمن بها، ومما يدل على أن عمومه
مخصوص جواز ذلك فى الثوب ولو كان فى المسجد بلا خلاف. اهـ
وليس غريبًا على القاضى عياض والقرطبى هذا الاتجاه المالكى، فقد نقل عن الإمام مالك له أنه
قال: لا بأس بالبصق خارج الصلاة، ولكن ميل الحافظ ابن حجر لهذا الرأى يحتاج إلى وقيفة. وما
ذكره من أنه يشهد لهم ما روى عن سعد بن أبى وقاص لايشهد لهم، فإنه أمر بتغييب النخامة،
وهو يصلح أن يكون لرفع ما كتب من سيئة، وأن يكون لعدم كتابتها، وحديث أبى أمامة فإن
المراد منه أنه إذا لم يدفنها بقيت سيئة فلم تمح. نعم كان يصلح دليلا لو أنه قال: من تنخع فى
١٨٠