النص المفهرس

صفحات 481-500

(١٦٠) باب قراءة الفاتحة فى كل ركعة
٧٠٤ - ٣٤ عَنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ (٣٤) يَبْلُغُ بِهِ الْبِيِّلَ ﴿و «لا صَلاةَ لِمَن لَمْ يَقْرَأْ
بفَاتِحَةِ الْكِتَابِ».
٧٠٥ - ٣٥٠ عَنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ (٣٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ﴿ِ «لا صَلاةَ لِمَن لَمْ يَقْتَرِئْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ».
٧٠٦ - ٣٦ عَنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ(٣٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ قَالَ «لا صَلاةَ لِمَنْ لَمْ
يَقْرَأْ بِأُمِّ الْقُرْآنِ».
٧٠٧ - ٣٧ عَنِ الزُّهْرِيّ(٣٧) بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ وَزَادَ «فَصَاعِدًا»
٧٠٨ - ٣٨٠ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٣٨) عَنِ النّبِيِّ :﴿ قَالَ «مَنْ صَلَّى صَلاةٌ لَمْ يَقْرَأُ فِيهَا بِأُمِّ
الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ» ثَلاَثًا غَيْرٌ تَمَامٍ فَقِيلَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ: إِنَّا نَكُونُ وَرَاءَ الإِمَامِ فَقَالَ: اقْرَأْ بِهَا فِي
نَفْسِكَ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ : ﴿ يَقُولُ «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: قَسَمْتُ الصَّلاةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي
نِصْفَيْنٍ وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ الْعَبْدُ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى حَمِدَنِي عَبْدِي
وَإِذَا قَالَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي وَإِذَا قَالَ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ قَالَ
مَجَّدَنِي عَبْدِي (وَقَالَ مَرَّةً فَوَّضَ إِلَيَّ عَبْدِي) فَإِذَا قَالَ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ قَالَ هَذَا بَيْنِي
وَبَيْنَ عَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ فَإِذَا قَالَ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ
غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ قَالَ هَذَا لِعَبْدِي وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ» قَالَ سُفْيَانُ: حَدَّثَنِي بِهِ
الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ مَرِيضٌ فِي بَيْتِهِ فَسَأَلْهُ أَنَا عَنْهُ.
٣٩ بمثله (٣٩)
(٣٤) حَذََّنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَعَمْرٌوِ النَّاقِدُ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنِ سُفْيَانَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْنَةً عَنِ
الزُّهْرِيِّ عَنِ مَحْمُودٍ بْنِ الرَّبِيعِ عَنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ
(٣٥) حَدَّثَنِي أَبُوَ الطَّاهِرِ حَدَّثْنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ يُوتُسَ ح وحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَفَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
أَخْبُرَنِي مَحْمُودُ بْنَّ الرَّبِعِ عَنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ
(٣٦) حَدََّنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَّانِيُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَذَّثَنَا أَبِي عَنِ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ مَحْمُودَ بْنَ
الرَّبِيعِ الْدِي مَجِّ رَسُولُ اللّهِ وَ فِي وَجْهِهِ مِنْ بِثْرِهِمْ أَخْبَرَهُ أَنَّ عُيَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ أَخْبُرَهُ
(٣٧) وحَّدَّثْنَه إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ
(٣٨) وَحَدَّثَنَاهِ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنِ الْعَلَاءِ عَنِ أَبِهِ عَنِ أَبِي هُرَّيْرَةَ
(٣٩) حَدَّثَنَا قُتَّةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنِ مَالِكِ بْنِ أَنْسٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحَمَنِ أَنَّهَ سَمِّعَ أَبَّ السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامٍ بْنِ زُهْرَةَ يَقُولُ سَمِعْتُ
أَبَّ هُرَيْرَةً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَتِ.
٤٨١

٧٠٩- ٤٠ْ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ﴾(٤٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ «مَنِ صَلَّى صَلاةٌ فَلَمْ يَقْرَأُ فِيهَا
بِأُمّ الْقُرْآنِ» بِمِثْلٍ حَدِيثِ سُفْيَانِ وَفِي حَدِيثِهِمَا «قَالَ اللَّهُ تَعَالَى قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ
عَبْدِي نِصْفَيْنِ فَيَصْفُهَا لِي وَنِصْقُهَا لِعَبْدِى».
٧١٠ - ١ٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٤١) قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «مَنِ صَلَّى صَلاةٌ لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِفَاتِحَةٍ
الْكِتَابِ فَهِيَ خِدَاجٌ)» يَقُولُهَا فَلاَثًا بِمِثْلِ حَدِيثِهِمْ.
٧١١- ٤٢َ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َ﴾(٤٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِل ◌َ﴿ قَالَ «لا صَلاةَ إِلا بِقِرَاءَةِ» قَالَ
أَبُوهُرَيْرَةَ فَمَا أَعْلَنَ رَسُولُ اللَّهِ،وَ﴿ّ أَعْلِنَّاهُ لَكُمْ وَمَا أَخْفَاهُ أَخْفَيْنَاهُ لَكُمْ.
٧١٢ - ٣) عَنِ عَطَاءِ(٤٣) قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي كُلِّ الصَّلاةِ يَقْرَأُ فَمَا أَسْمَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ
﴿ أَسْمَعْنَاكُمْ وَمَا أَخْفَى مِنْا أَخْفَيْنَا مِنْكُمْ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ إِنْ لَمْ أَزِدْ عَلَى أُمِّ الْقُرْآنِ؟ فَقَالَ إِنْ
زِدْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ خَيْرٌ وَإِنْ انْتَهْتَ إِلَيْهَا أَجْزَأَتْ عَنْكَ.
٧١٣ - ٤ عَنِ عَطَاءٍ(٤٤) قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةً فِي كُلِّ صَلاةٍ قِرَاءَةٌ فَمَا أَسْمَعَنًا
النّبِيُّ فِّ أَسْمَعْنَاكُمْ وَمَا أَخْفَى مِنْا أَخْفَيْنَاهُ مِنْكُمْ وَمَن قَرَأَ بِأُمِّ الْكِتَابِ فَقَدْ أَجْزَأَتْ
عَنْهُ وَمَن زَادَ فَهُوَ أَفْضَلُ.
٧١٤- ٤٥ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ﴾(٤٥) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ِ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَدَخَلَ رَجُلٌ فَصَلَّى ثُمَّ
جَاءً فَسَلَّمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ﴿ فَرَدَّ رَسُولُ اللَّهِ :﴿ِ السَّلامَ قَالَ: «ارْجِعْ فَصَلٌّ فَإِنَّكَ لَمْ
تُصَلِّ» فَرَجَعَ الرَّجُلُ فَصَلَّى كَمَّا كَانَ صَلَّى ثُمَّ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّوَ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ
◌َ* «وَعَلَيْكَ السَّلامُ» ثُمَّ قَالَ «ارْجِعْ فَصَلٌ فَإِنَّكَ لَمْ تُصَلِّ» حَتَّى فَعَلَ ذَلِكَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ
الرَّجُلُ وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ مَا أُحْسِنُ غَيْرَ هَذَا عَلَّمْنِي، قَالَ «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَكَبِّرْ ثُمَّ
اقْرَأْ مَا تَيَسَّرَ مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَحْ خَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ
اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلاتِكَ کُلِّهَا».
(٤٠) حِ وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيِّجٍ أَخْبَرَبِي الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ أَنَّ أَبَا السَّائِبِ
مَوْلَى بَنِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِشَامٍ بْنِ زُهْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةً
(٤١) حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ الْمَعْقِرِيُّ حَدَّثَنَا النَّضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ حَدََّا أَبُو أُوَيْسٍ أَخْبَرَبِي الْعَلاءُ قَالَ: سَمِعْتُ مِنْ أَبِي وَمِنْ أَبِي
السَّائِبِ وَكَانَا جَلِيسَيْ أَبِي هُرَئِّرَةَ قَالا: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةً
(٤٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرِ حَدَّثَنَا أَبُوِ أُسَامَةً عَنِ حَبِيبِ بْنِ الشَّهِيدِ قَالَ: سَمِعْتُ عَطَاءٌ يُحَدِّثُ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٤٣) حَدَّنَا عَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنَّ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لِعَمْرٍو قَالَ خَذََّنَا إِسَّمَعِيلٌ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ عَنِ عَطَاءٍ
(٤٤) حَدَّثَا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٌ عَنٍ حَبِيبِ الْمَّعَلَّمِ عَنِ عَطَاءٍ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةً
(٤٥) حَذَّبِي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى حَدَّثْنَاَ يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ عُنٍ غَبَيْدِ اللَّهِ قَالَ حُدَّثِي سَعِيْدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ أَبِهِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
٤٨٢

٧١٥ - ٤٢٦ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٤٦) أَنَّ رَجُلا دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى وَرَسُولُ اللَّهِ ﴿ فِي نَاحِيَةٍ
وَسَاقًا الْحَدِيثَ بِمِثْلٍ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَزَادَا فِيهِ «إِذَا قُمْتَ إِلَى الصَّلاةِ فَأَسْبِغْ الْوُضُوءَ ثُمَّ اسْتَقْبِلْ
الْقِبْلَةَ فَكَبِّرْ»
٧١٦ - ٤٧ عَنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﴾(٤٧) قَالَ صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللّهِ وَ صَلاةَ الظُّهْرِ (أَوْ
الْعَصْرِ) فَقَالَ: «أَيُّكُمْ قَرَأْ خَلْفِي بِسَبِّحِ اسْمٌ رَبِّكَ الأَعْلَى؟» فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا. وَلَمْ أُرِدْ بِهَا إِلا
الْخَيْرَ قَالَ «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا».
٧١٧ - ١٨٢ِ عَنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عَ﴾(٤٨) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِل ◌َ﴿ْ صَلَّى الظُّهْرَ فَجَعَلَ رَجُلٌ يَقْرَأً
خَلْفَهُ بِسَبِّحٍ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ: «أَيّكُمْ قَرَأْ» أَوْ «أَيُّكُمْ الْقَارِئُ)) فَقَالَ رَجُلٌ:
أَنَّا. فَقَالَ «قَدْ ظَنْتُ أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا».
٧١٨ - ٤٩ عَنِ قَتَادَةً(٤٩) بِهَذَا الإِسْنَادِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ِ صَلَّى الظُّهْرَ وَقَالَ «قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ
بَعْضَكُمْ خَالَجَبِيهَا».
المعنى العام
الصلاة هى الصلة بين العبد وربه، خمس مرات فى كل يوم وليلة يتجه الإنسان إلى خالقه، ويقف
بين يديه، منقطعا عن شواغل الحياة الدنيا، مقبلا عليه بالحمد والشكر والثناء والدعاء، ومن هنا
كانت مباهاة اللَّه لملائكته بالمؤمنين المصلين، وكانت شهادة الملائكة لهم بحسن العبادة من
أجلها، حين يسألهم ربهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون،
ومن هنا حرص الرسول # على المحافظة عليها، وإعلانها، والحث على جماعتها، لينقلها السلف
واضحة جلية إلى الخلف، ولم يكتف بتنصيب نفسه القدوة العملية، بل أخذ يبين ما قد يخفى، ويزيل
ما قد يعلّق بالنفس من شبهات، لقد كان إمام المسلمين، وكان يجهر فى مواطن الجهر، ويسر فى
مواطن الإسرار، فعرف الناس حكم الإمام فى جهره، وخفى على بعضهم قراءته فى سره، وقراءة
(٤٦) حَدَّثَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيَِّةَ حَدََّا أَبُو أُسَامَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ ح وحَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرٍ حَدْنَا أَبِي قَالا حَدََّا غُبَيْدُ اللَّهِ عَنِ
سَعِيدِ ابْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٤٧) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ كِلَاهُمَا عَنٍ أَبِي عَوَانَةَ قَالَ سَعِيدٌ حَدََّا أَبُو عَوَالَةَ عَنِ فَتَادَةَ عَنٍ زُرَارَةَ بْنٍ أَوْفَى عَنِ
عِمْرَانَ بْنِ حُصَیْنِ
(٤٨) حَدَّثَنَا مُخَّمَّدُ بْنُ الْمُثَتَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالا حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّنَا شُعْبَةُ عَنٍ قَنَادَةً قَالَ سَمِعْتُ زُرَارَةَ بْنَ أَوْفَى
يُحَدِّثُ عَنِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنِ
(٤٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيَّ شَيَةً خَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ ح وَ حَدَّنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَثْنَا ابْنُ أَبِي عَدِيِّ كِلاهُمَا عَنِ ابْنِ أَبِي
عَرُوبَةَ عَنِ قَتَادَّةَ
٤٨٣

المنفرد والمأموم، حتى ذهب بعضهم فى حكمها مذاهب مختلفة، فقام عبادة بن الصامت يبلغ عن
الرسول # أنه قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)) وقام أبو هريرة يبلغ عن النبى ول أنه
قال: ((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج [أى ناقصة] غير تمام)» ويشتبه المشتبه،
فيسأل أبا هريرة كيف يقرأ المأموم خلف الإمام؟ لوقرأ الناس خلف إمامهم لصار المسجد سوقا يعج
بالتهويش؟ فيقول: أبو هريرة: اقرأ بها فى نفسك ولا ترفع صوتك، ولا تسمع بقراءتك غيرك، فلا صلاة
لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب، وقد سمعت رسول اللَّه في ﴿ يقول: قال اللّه تعالى فى الحديث القدسى:
قسمت الفاتحة بينى وبين عبدى المصلى نصفين، لى نصفها، وله نصفها، نصفها الأول حمد وثناء
عليَّ، أجزيه عليه خير الجزاء، ونصفها الثانى تضرع ودعاء، أستجيب دعاءه وأعطيه ما سأل، فإذا قال
العبد ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قلت: حمدنى عبدى. وإذا قال. ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قلت: أثنى عليَّ
عبدى، وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قلت: مجدنى وفوض الأمر إلىَّ عبدى، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ
وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قلت: هذا بينى وبين عبدى، فالنصف الأول اعتراف بالألوهية، واستجابة بالعبادة،
والنصف الثانى دعاء بالاستعانة، ولعبدي ما سأل، فإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ
الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ﴾ قلت هذا تضرع ودعاء من عبدى، وقد أجبت
دعاءه، ولعبدي ما سأل. فيا سعادة من حافظ عليها، ويا ضيعة من لا يقرؤها. قال رجل لأبى هريرة
حسنا ما قلت بشأن الفاتحة، فما الحكم لولم أرد عليها؟ ولم أقرأ بعدها سورة؟ قال أبو هريرة: إن
اكتفيت بها أجزأت عنك، وإن قرأت بعدها سورة كان أفضل، ويزيد أبو هريرة قراءة الفاتحة تأكيداً
فيروى قصة المسيء صلاته، فيقول: بينما رسول اللّه ◌ُ * جالس فى ناحية المسجد إذ دخل أعرابى،
فصلى صلاة عاجلة، لا يدرى فيها أقرأ أم لا؟ ولا يدرى كيف ركع؟ ولا كيف سجد؟ فلما انتهى جاء
إلى النبى * فألقى السلام، فرد عليه، وقال له: صلى الله عليه وسلم ارجع فصل، فإنك لم تصل، وما
فعلت ليس الصلاة المطلوبة، فرجع الرجل فصلى مثل ما كان صلى، ثم جاء فسلم فرد صلى الله عليه
وسلم السلام، وقال له: ارجع فصل، فإن صلاتك هذه ليست الصلاة المطلوبة، فرجع فصلى مثل التى
قبلها، ثم جاء فسلم، فرد الرسول 43# السلام، ثم قال له: ارجع فصل، فإنك كمن لم يصل. فقال: والذى
بعثك بالحق لا أعرف غير هذا فعلمنى، فعلمه الرسول # كيف يدخل فى الصلاة، وكيف يقرأ وكيف
يركع، وكيف يرفع وكيف يسجد، وكيف يجلس، وأكد له القراءة فى الصلاة.
ويزيد عمران بن حصين الأمر وضوحاً، ويحكى أن الصحابة كانوا يقرءون خلف النبى { ل، بل
كانوا يقرءون السورة فى نفسهم، ولما رفع أحدهم صوته بقراءة السورة حتى سمعه الرسول و / عن بعد
قال حين سلم: من منكم الذى قرأ بصوت مرتفع ﴿سَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى﴾؟ قال رجل: أنا يا رسول
اللَّه، ولم أرد بذلك إلا الخير، قال: لا تعد لرفع الصوت، حتى لا يظن أنك تنازع الإمام القراءة، وأنك
تغالبه بصوتك، فقال: سمعا وطاعة، وكف الناس عن الجهر بالقراءة خلف الإمام.
المباحث العربية
( لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب ) أى لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب فى نفس الصلاة،
٤٨٤

إذ قد يتوهم أن الشرط أن يقرأ المصلى الفاتحة، ولو قبل الصلاة. كما نقول: لا صلاة لمن لم يتطهر.
والباء فى: ((بفاتحة الكتاب)» للمصاحبة والتقدير. لا صلاة لمن لم يقرأ مصاحبا فى قراءته فاتحة
الكتاب. وفى القاموس: قرأه وقرأ به. وسمبت هذه السورة بفاتحة الكتاب لأن اللّه جل شأنه افتتح
بها كتابه المجيد، والكتاب بالنسبة للمسلمين أصبح علما بالغلبة على القرآن، كما غلب لفظ المدينة
على مدينة الرسول /*، وبالنسبة لليهود والنصارى التوارة والإنجيل، فقد أطلق عليهم القرآن أهل
الكتاب، وأصل الكتاب ما يكتب فيه.
( لا صلاة لمن لم يقترئ بأم القرآن) قرأ القرآن، واقترأه تلاه، لكن فى ((اقرأ)) معنى
المعالجة والتحمل، وزيادة المبنى تدل على زيادة المعنى غالبا، وسميت الفاتحة بأم القرآن، - كما
يقول القاضى عياض - لأنها أصله كما قيل لمكة [أم القرى]. قال الأبى: لأنها أول الأرض وأصلها
ومنها دحيت. اهـ وفى كلامه نظر. وقيل: لأنها مجمع العلوم والخيرات كما سمى الدماغ [أم الرأس]
لأنه مجمع الحواس والمنافع.
وقال ابن دريد: الأم فى كلام العرب للراية ينصبها الأمير للعسكر يفزعون إليها فى حياتهم
وموتهم، وقال الحسن بن الفضل: سميت بذلك لأنها إمام لجميع القرآن، وتقدم على كل سورة، كأم
القرى لأهل الإسلام، وقيل: سميت بذلك لأنها أعظم سورة فى القرآن. والأقوال كلها متقاربة المعنى.
قال النووى فى المجموع: لفاتحة الكتاب عشرة أسماء، حكاها الإمام أبو إسحق الثعلبى وغيره:
أحدها: فاتحة الكتاب، الثانى: سورة الحمد، الثالث: أم القرآن. الرابع: أم الكتاب. الخامس: الصلاة،
لحديث: ((قسمت الصلاة بينى وبين عبدى)) روايتنا الثالثة. السادس: السبع المثانى (أى الآيات
السبع التى تثنى وتكرر فى كل صلاة) السابع: الوافية بالفاء، لأنها لا تنقص، فلا يقرأ بعضها فى
ركعة وبعضها فى أخرى، بخلاف غيرها. الثامن: الكافية، لأنها تكفى عن غيرها، التاسع: الأساس،
العاشر: الشفاء، وفيه حديث مرفوع (ولا يخفى أن أسماء السور توقيفية على الصحيح) قال
الماوردى فى تفسيره: واختلفوا فى جواز تسميتها بأم الكتاب، فجوزه الأكثرون، لأن الكتاب تبع لها،
ومنعه الحسن وابن سيرين وزعما أن هذا اسم للوح المحفوظ، فلا يسمى به غيره، قال النووي: وهذا
غلط، فقد ورد تسميتها بذلك فى حديث مسلم. اهـ، وهو يقصد روايتنا السابعة. والله أعلم.
( لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن فصاعدا). قال الأبى: أى فما زاد عليها، كقولهم:
اشتريته بدرهم فصاعدا، وهو منصوب على الحال، أى فزاد الثمن صاعداً، قال القرطبى: وهذا يقتضى
أن السورة واجبة، ولا أعلم من قال به. اهـ وسيأتى إيضاح هذه النقطة فى فقه الحديث.
( فهى خداج ) بكسر الخاء، وآخرها جيم، قال أهل اللغة: الخداج النقصان، يقال خدجت
الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج، وإن كان تام الخلق، وأخدجته إذ ولدته ناقصا، وإن كان لتمام
الولادة، ومنه قيل لقصير اليد: مخدج اليد: أى ناقصها، قالوا: فقوله:{2} ((فهى خداج)) أى ذات
خداج.ا.هـ فالخداج مصدر، ولا يقع خبرا إلا بتأويله بمشتق، أو بتقدير مضاف، كقولنا: زيد عدل، أى
عادل، أو ذو عدل.
٤٨٥

( غير تمام) خبرثان لقوله ((فهى خداج)) أو خبر لمبتدأ محذوف، والجملة تفسير لما
قبلها، أو تأكید.
( اقرأ فى نفسك ) معناها اقرأها سراً بحيث تسمع نفسك، وحمل ذلك على التدبر غير سليم،
لأن القراءة لا تطلق إلا على حركة اللسان، وسيأتى مزيد إيضاح لذلك فى فقه الحديث.
( قسمت الصلاة بينى وبين عبدى ) قال النووى قال العلماء المراد بالصلاة هنا الفاتحة.
سميت بذلك لأنها لا تصح إلا بها، كقوله صلى الله عليه وسلم ((الحج عرفة)). ا.هـ. ففى الكلام مجاز
مرسل من إطلاق الكل وإرادة الجزء.
( نصفين) المراد المناصفة من حيث المعنى والمدلول، فجزؤها الأول تحمبد للَّه تعالى
وتمجيد وثناء عليه وتفويض إليه. وشقها الثانى سؤال وطلب وتضرع وافتقار، وليس المراد قسمة
الكلمات، لأن الشطر الأخير يزيد على الأول من جهة الألفاظ والحروف.
( حمدنى عبدى، أثنى على عبدى، مجدنى عبدى ) فى القاموس حمده كسمعه. وفى
الألفاظ الثلاثة (الحمد والثناء والتمجيد) قال القاضى عياض: الحمد الثناء بصفات الأفعال،
. والتمجيد الثناء بصفات الجلال، والثناء يكون بهما، ولذا جاء الثناء مع ((الرحمن الرحيم)) لاشتمال
الاسمين على صفة الذات من الرحمة، مدلول الرحمن، ولذا اختص به تبارك وتعالى، فلا يتصف به
غيره وذلك نهاية العظمة، فالرحمن صفة الجلال، وصفة الفعل مدلول الرحيم، لأن الرحيم هو العائد
برحمته على عباده، ووجه مطابقة التمجيد؛ لقوله: ﴿ مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أن اللَّه تعالى هو المنفرد
بالملك ذلك اليوم، وبجزاء العباد وحسابهم (والدين الحساب، وقيل: الجزاء) ولا دعوى لأحد ذلك
اليوم، ولا تجاز، وأما فى الدنيا فلبعض العباد ملك مجازى، ويدعى بعضهم دعوى باطلة، وهذا كله
ينقطع فى ذلك اليوم، وهذا معناه، وإلا فاللَّه سبحانه وتعالى هو الملك والمالك على الحقيقة للدارين،
وما فيهما ومن فيهما، وكل من سواه مربوب له، وعبد مسخر، ففى هذا الاعتراف من التعظيم
والتمجيد وتفويض الأمر ما لا يخفى.اهـ
(وقال مرة: فوض إلى عبدى) وفى رواية ((وربما قال: فوض إلى عبدى)) قال القرطبى: أى
يقول هذا، ويقول هذا (أى يقول مرة: مجدنى عبدى، ويقول مرة: فوض إلى عبدى) غير أن قوله
((فوض إلى عبدى)) قليلا يقال. فليست الصيغة شكاً فيما يقول.
(فإذا قال ﴿ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بينى وبين عبدى ) فالجملة الأولى
ثناء وخضوع، والجملة الثانية طلب وسؤال ودعاء.
( فما أعلن رسول اللَّه﴿ أعلناه لكم، وما أخفاه أخفيناه لكم) أى ما جهر به بالقراءة
جهرنا به، وما أسر به أسررنا به، وقيل: معناه ما عين لنا كالفاتحة عيناه لكم، وما لم يعينه كغيرها لم
نعينه لكم، والأول أظهر وأصح.
٤٨٦

( فى كل الصلاة يقرأ) بضم الياء، مبنى للمجهول، ورواية البخارى ((فى كل صلاة يقرأ)).
(وإن انتهيت إليها أجزأت عنك ) أى كفت عنك.
( صلاة الظهر أو العصر) شك من الراوى، وجاءت الرواية الحادية عشرة بالظهر، بدون شك،
وهى كذلك فى أكثر الطرق.
(وقد علمت أن بعضكم خالجنيها ) أى نازعنيها، كأنه ينزعها من لسانه كما قال فى رِوَايَةٍ
((ما لى أنازع القرآن)»؟.
فقه الحديث
اختلف العلماء فى هذا الموضوع اختلافاً متشعباً، فمنهم من لم يوجب القراءة فى الصلاة مطلقاً،
ومنهم من أوجبها، ومن أوجبها منهم من عين الفاتحة ولم يقبل بدلها، ومنهم من أجاز قراءة غير
الفاتحة، ومن أوجب القراءة منهم من أوجبها فى جميع الركعات، ومنهم من أوجبها فى الأوليين
فقط إذا كانت رباعية أو ثلاثية، ثم منهم من أوجبها على الإمام والمأموم والمنفرد، ومنهم من أوجبها
على المنفرد والإمام، دون المأموم، وسنعرض للمذاهب وأدلتها محاولين ضبط الشوارد، مع التنسيق
والاختصار جهد الطاقة، وبالله التوفيق.
أولا: حكى القاضى أبو الطيب ومتابعوه عن الحسن بن صالح وأبى بكر الأصم أنهما قالا: لا تجب
القراءة فى الصلاة، بل هى مستحبة، واحتج لهما بما رواه أبوسلمة ومحمد بن على ((أن عمربن
الخطاب ◌ّه صلى المغرب، فلم يقرأ، فقيل له؟ فقال: كيف كان الركوع والسجود؟ قالوا: حسناً. قال:
فلا بأس)) رواه الشافعى فى الأم، وعن الحارث الأعور ((أن رجلاً قال لعلى ظنه إنى صليت ولم أقرأ؟
قال: أتممت الركوع والسجود؟ قال نعم. قال: تمت صلاتك)) رواه الشافعى، وعن زيد بن ثابت ه
قال ((القراءة سنة)) رواه البيهقى.
ومذهب الشافعية والحنفية والمالكية والحنابلة ومذهب العلماء كافة وجوب القراءة، ولا تصح
الصلاة إلا بها، وحجتهم الأحاديث الصحيحة التى لا معارض لها ومنها أحاديث الباب، وأجابوا عن
الأثر عن عمره﴾ بثلاثة أجوبة: أحدها أنه ضعيف، لأن أباسلمة ومحمد بن على لم يدركا عمر، الثانى
أنه محمول على أنه أسر بالقراءة، على فرض صحته، الثالث أن البيهقى رواه من طريقين موصلين
عن عمره أنه صلى المغرب ولم يقرأ، فأعاد. قال البيهقى: وهذه الرواية موصولة موافقة للسنة فى
وجوب القراءة، والقياس فى أن الأركان لا تسقط بالنسيان.
وأما الأثر عن على ه فضعيف أيضاً، لأن الحارث الأعور متفق على ضعفه وترك الاحتجاج به،
وأما الأثر عن زيد فقال البيهقى وغيره: مراده أن القراءة لا تجوز إلا على حسب ما فى المصحف فلا
تجوز مخالفته، وإن كان على مقاييس العربية، بل حروف القراءة سنة متبعة.
٤٨٧

ثانيا: قال أبو حنيفة: لا تتعين الفاتحة للوجوب، لكن تستحب، وقيل: تجب بمعنى إنه يأثم
بتركها، ولو قرأ غيرها أجزأ، ولو ترك القراءة جملة بطلت، واختلف الحنفية فى أقل قدر يجزئ بدلاً
من الفاتحة، فقال أبو حنيفة: تجزئ آية واحدة: وقال أصحابه: ثلاث آيات، أو آية طويلة. وقال
الطبرى: سبع آيات، عدد أى الفاتحة وحروفها.
واستدلوا بقوله تعالى ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْ الْقُرْآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] فقد أمر تعالى بقراءة ما تيسر
من القرآن مطلقاً، وتقييده بالفاتحة زيادة على مطلق النص، وذلك لا يجوز، لأنه نسخ، فيكون أقل ما
ينطلق عليه القرآن فرضاً، لكونه مأموراً به والقراءة خارج الصلاة ليست بفرض، فتعين أن يكون فى
الصلاة، كما استدلوا بحديث فى الأوسط ((فى كل صلاة قراءة ولو بفاتحة الكتاب)) وبروايتنا
الخامسة لا صلاة إلا بقراءة، والسابعة ((فى كل صلاة قراءة)) والثامنة ((إذا قمت إلى الصلاة فكبر، ثم
اقرأ ما تيسر معك من القرآن)».
وذهب مالك والشافعى وأحمد وإسحق وأبو ثور وداود إلى وجوب قراءة الفاتحة بعينها فى
الصلاة، ولا يغنى عنها شيء من القرآن.
واستدلوا بأحاديث الباب، بالرواية الأولى)) لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب)»
وبالرواية الثانية)): لا صلاة لمن لم يقترئ بأم القرآن)) قالوا: إن المعنى: لا صلاة صحيحة،
وقال الحنفية: من المعروف أن الأصوليين اختلفوا فى مثل قوله: ((لا صلاة)) فقيل: هو
مجمل، لأنه حقيقة فى نفى الذات، والذات واقعة، لا ترتفع، فينصرف لنفى الحكم، وهو
متردد بين نفى الكمال، ونفى الصحة وليس أحدهما أولى من الآخر، فأنتم تقولون: لا صلاة
صحيحة، ونحن نقول: لا صلاة كاملة، كقوله صلى الله عليه وسلم)) لا صلاة لجار المسجد إلا
فى المسجد)) وقوله ((لا صلاة بحضرة الطعام)) وأجاب الجمهور بأن أحدهما هنا أولى من
الآخر، لأنه فى نفى الصحة أظهر، لأن مثل هذا اللفظ يستعمل عرفا لنفى الفائدة، كقولهم:
لا علم إلا ما نفع، ونفى الصحة أظهر فى بيان نفى الفائدة وأيضا اللفظ يشعر بالنفى العام،
ونفى الصحة أقرب إلى العموم من نفى الكمال لأن الفاسد لا اعتبار له بوجه، وأيضا يمكن
أن يقال: لا يمتنع نفى الذات، أى الحقيقة الشرعية، فإن الصلاة فى عرف الشرع اسم
للصلاة الصحيحة، فإذا فقد شرط صحتها انتفت كما استدلوا بالرواية الثانية، ((من صلى
صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج غير تمام)) فهذا يدل على الركنية، قال الحنفية: لا
نسلم لأن معناه أن صلاته ناقصة، ونحن نقول بنقصانها، بمعنى أنها لم تبلغ حد الكمال
ولهذا قلنا باستحباب قراءة الفاتحة.
كما استدل الجمهور بما رواه الدارقطنى عن عبادة بن الصامت أن النبى 6# قال ((لا تجزئ صلاة
لا يقرأ الرجل فيها بفاتحة الكتاب)) وأجابوا عن الآية التى احتج بها الحنفية بأنها وردت فى قيام
الليل، لا فى قدر القراءة، وعن حديث المسيء صلاته فى قوله ((ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن)» بأن
الفاتحة مما تيسر فيحمل عليها جمعاً بين الأدلة، أو يحمل على من لا يحسنها، وعن حديث الأوسط
٤٨٨

((فى كل صلاة قراءة ولو بفاتحة الكتاب)) بأنه ضعيف، ولو صح كان معناه أن أقل ما يجزئ فاتحة
الكتاب، كما يقال: صم ولو ثلاثة أيام من الشهر، أى أكتر من الصوم، فإن نقصت فلا تنقص عن ثلاثة
أيام، وعن الرواية الخامسة ((لاصلاة إلا بقراءة)) والسابعة ((فى كل صلاة قراءة)) بأن القراءة لفظ عام
أو مطلق فيحمل على الخاص أو المقيد، الذى ثبت به الأحاديث الصحيحة، وهو تعين الفاتحة فى
القراءة، والله أعلم.
ثالثا: قال الثورى والأوزاعى فى رواية وأبو حنيفة * لا تجب القراءة فى الركعتين الأخيرتين، بل
هو بالخيار، إن شاء قرأ، وإن شاء سبح، وإن شاء سكت، قال صاحب الهداية وغيره من الحنفية،: إلا
أن الأفضل أن يقرأ، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ قالوا: فالمصلى مأمور بالقراءة،
والأمر لا يقتضى التكرار، فتتعين الركعة الأولى منها، وإنما أوجبناها فى الثانية استدلالاً بالأولى،
لأنهما تتشاكلان من كل وجه، كذلك استدلوا بروايات هذا الباب ((لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة
الكتاب)). ((لا صلاة لمن لم يقترئ بأم القرآن)). ((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج».
((لا صلاة إلا بقراءة)) ((فى كل صلاة قراءة)) وقالوا: هذه أحاديث لا تقتضى القراءة أكثر من مرة. كما
استدلوا بما رواه أبو داود بإسناد صحيح ولفظه «دخلنا على ابن عباس، فقلنا لشاب: سل ابن عباس
أكان رسول اللَّه * يقرأ فى الظهر والعصر؟ فقال: لا. فقيل له: لعله كان يقرأ فى نفسه؟ فقال:
خمش (أى خمش اللَّه وجه هذا القائل وجلده) هذه شر من الأولى، كان عبدا مأموراً، بلغ ما أرسل
به))، وبما رواه أبو داود بإسناد صحيح أيضاً عن عكرمة عن ابن عباس قال: ((لا أدرى أكان رسول الله
﴿ يقرأ فى الظهر والعصر أم لا».
وقال بعض أصحاب داود: لا تجب القراءة إلا فى ركعة من كل الصلوات وعن مالك فى رواية: إن
ترك القراءة فى ركعة من الصبح لم تجزه، وإن تركها فى ركعة من غيرها أجزأه.
وذهب الشافعية والحنابلة والأوزاعى وأبو ثور فى رواية عنهما وهو الصحيح عن مالك وداود أن
قراءة الفاتحة واجبة فى كل ركعة، واحتجوا بحديث المسيء صلاته، وفيه ((ثم افعل ذلك فى صلاتك
كلها)) وبرواية البيهقى له بلفظ ((ثم افعل ذلك فى كل ركعة))، وبحديث مالك بن الحويرث أن النبى
﴿* قال (صلوا كما رأيتمونى)) رواه البخارى، وقد ثبت بأن النبى * كان يقرأ فى كل الركعات ويما
رواه مسلم عند أبى قتادة قال ((كان رسول اللّه : * يقرأ فى الظهر والعصر فى الركعتين الأوليين
بفاتحة الكتاب وسورتين، ويسمعنا الآية أحيانا ويقرأ فى الركعتين الآخيرتين بفاتحة الكتاب،
وأصله فى صحيح البخارى.
قال النووى فى المجموع: وأما الجواب عن احتجاجهم بالآية فهو أنها وردت فى قيام الليل، وعن
حديث ابن عباس أنه نفى، وغيره أثبت، والمثبت مقدم على النافى، كيف وهم أكثر منه؟ وأكبر سنا؟
وأقدم صحبة؟ وأكثر اختلاطا بالنبى #؟ لاسيما أبو هريرة وأبو قتادة وأبو سعيد، فتعين تقديم
أحاديثهم على حديثه، والرواية الثانية عن ابن عباس تبين أن نفيه فى الرواية الأولى كان على سبيل
التخمين والظن، لا عن تحقيق، فلا يعارض الأكثرين الجازمين بإثبات القراءة.اهـ
٤٨٩

رابعا: قال أبو حنيفة: لا تجب على المأموم قراءة، بل نقل القاضى أبو الطيب والعبدرى عن أبى
حنيفة أن قراءة المأموم معصية، فالحنفية أسقطوا قراءة الفاتحة عن المأموم مطلقا، أسر أو جهر.
والصحيح عند الشافعية وجوب قراءة الفاتحة على المأموم فى كل الركعات من الصلاة السرية
والجهرية، قال الترمذى فى جامعه: القراءة خلف الإمام هى قول أكثر أهل العلم من أصحاب النبى
45* والتابعين. وبه يقول مالك (أى فى رواية) وابن المبارك (أى فى رواية) والشافعى وأحمد (أى فى
رواية) وإسحاق (أى فى رواية).اهـ
قال ابن المنذر: قال الزهرى ومالك (أى فى رواية) وابن المبارك (أى فى رواية) وأحمد (أی فی
رواية) وإسحق (أى فى رواية) لا يقرأ فى الجهرية، وتجب القراءة فى السرية.
ويحكى ابن العربى فى أحكام القرآن مذهب المالكية، فيقول: لعلمائنا فى ذلك ثلاثة أقوال:
الأول: يقرأ إذا أسر الإمام خاصة، قاله أبو القاسم، الثانى: قاله ابن وهب وأشهب فى كتاب محمد:
لا يقرأ، الثالث: قال محمد بن عبد الحكم: يقرؤها خلف الإمام، فإن لم يفعل أجزأه، كأنه رأى ذلك
مستحبا. والأصح عندى وجوب قراءتها فيما أسر، وتحريمها فيما جهر، إذا سمع قراءة الإمام؛ لما فيه
من فرض الإنصات له، والاستماع لقراءته، فإن كان منه مقام بعيد فهو بمنزلة صلاة السراهـ
فتحصل فى هذه المسألة ثلاثة مذاهب أساسية: لا يقرأ مطلقا، يقرأ مطلقا، لا يقرأ فى الجهرية
ويقرأ فى السرية، ولكل من هذه المذاهب أدلته.
فالقائلون: لا يقرأ مطلقا يحتجون بحديث مروى عن أبى حنيفة عن موسى بن أبى عنبسة عن
أبى عبد الله بن شداد عن جابر عن النبى قال: «من صلى خلف الإمام فإن قراءة الإمام له قراءة)»،
ويروى ابن عمر مثله، وبروايتنا العاشرة والحادية عشرة عن عمران بن حصين ولفظها فى بعض
الروايات الضعيفة ((كان النبى * يصلى، ورجل يقرأ خلفه، فلما فرغ قال: من الذى يخالجنى
سورتى، فنهى عن القراءة خلف الإمام».
وبما روى عن أبى الدرداء قال: سئل النبى ®®، أفى كل صلاة قراءة؟ فقال: نعم. فقال رجل من
الأنصار: وجبت هذه؟. فقال لى رسول اللَّه ◌ِ * -وكنت أقرب القوم إليه - ((وما أرى الإمام إذا أم
القوم إلا قد كفاهم».
وبما روى عن جابر عن النبى 8 قال: «من صلى صلاة لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب فهى خداج إلا
أن يكون وراء الإمام)».
وبما أسند إلى سعد بن أبى وقاص من قوله ((وددت أن الذى يقرأ خلف الإمام فى فيه حجر)).
وبما أسند إلى على من قوله: ((من قرأ خلف الإمام فليس على الفطرة))، أو ((فقد أخطأ الفطرة)).
وبما أسند إلى زيد بن ثابت من قوله: ((من قرأ وراء الإمام فلا صلاة له)).
والقائلون: يقرأ مطلقا يحتجون بعموم قوله صلى الله عليه وسلم، ((لا صلاة لمن لم يقرأ
٤٩٠

بفاتحة الكتاب)» قالوا: هذا عام فى كل مصل، ولم يثبت تخصيصه بغير المأموم بمخصص
صريح، فبقى على عمومه.
وبما رواه أبو داود عن عبادة بن الصامت قال: «صلى بنا رسول اللّه# فثقلت عليه القراءة، فلما
انصرف قال: إنى لأراكم تقرءون خلف إمامكم. قلنا: واللَّه أجل يا رسول اللَّه، نفعل هذا، قال: لا
تفعلوا إلا بأم الكتاب، فإنه لا صلاة لمن لم يقرأ بها)) ورواه كذلك الترمذى والدارقطنى والبيهقى
وغيرهم وقال الترمذى: حديث حسن.
كما احتجوا بروايتنا الثالثة، وفيها ((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهى خداج))، فقيل
لأبى هريرة: إنا نكون وراء الإمام؟ فقال: ((اقرأ بها فى نفسك)).
قالوا: والجواب عن الأحاديث التى احتج بها القائلون بإسقاط القراءة أنها كلها ضعيفة، وليس
فيها شيء صحيح عن النبى 348، وبعضها موقوف وبعضها مرسل، وبعضها فى رواته ضعيف أو
ضعفاء، وقد بين البيهقى علل جميعها وأوضح تضعيفها.
قال النووى: وأجاب أصحابنا عنها على تقدير صحتها بأنها محمولة على قراءة المأموم للسورة
خلف الإمام، بعد قراءة الفاتحة جمعاً بين الأدلة، كما هو صريح روايتنا العاشرة والحادية عشرة، إذ
فيها أن المأموم كان يقرأ بسبح اسم ربك الأعلى، وقراءة السورة سنة، فتركت لاستماعه قراءة إمامه
القرآن بخلاف الفاتحة.
والقائلون بالقراءة فى السرية دون الجهرية يحتجون بقوله تعالى ﴿وَإِذَا قُرِئِ الْقُرْآنُ
فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وبما رواه مسلم عن أبى موسى الأشعرى ◌َالله قال:
خطبنا رسول الله: ﴿، فبين لنا سننا وعلمنا صلاتنا، فقال: ((أقيموا صفوفكم، ثم ليؤمكم
أحدكم، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا)).
وبما رواه أبو داود والترمذى عن أبى هريرة ((أن رسول اللّه *، انصرف من صلاة جهر فيها
بالقراءة، فقال: هل قرأ معى أحد منكم، فقال رجل: نعم يا رسول اللَّه. قال إنى أقول ما لى أنازع
القرآن؟ فانتهى الناس عن القراءة مع رسول اللَّه ◌َ ﴿ فيما جهر فيه بالقرآن من الصلوات حين سمعوا
ذلك من رسول اللّه ێ)).
ورد الشافعية على هذا الفريق بالأحاديث السابقة المذكورة فى الاحتجاج على المانعين مطلقا،
وأجابوا عن الآية بأنها فى قراءة القرآن خارج الصلاة، وهذا إذا سلمنا أن المراد بها قراءة القرآن
حقيقة، وإلا فقد روى عن مجاهد وغيره أنها نزلت فى الخطبة، حيث كان الناس يتكلمون أثناءها
وسميت قرآنا لاشتمالها عليه.
وأجابوا عن حديث مسلم ((إذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا، بأن القرآن المأمور بالإنصات له
قراءة السورة، وقراءة الإمام لها قراءة للمأموم)». بل إننا نقول: بأنه يستحب للإمام أن يسكت بعد
الفاتحة قدر ما يقرأ المأموم الفاتحة، ودليل هذه النكتة حديث الحسن البصرى أن سمرة بن جندب
٤٩١

وعمران بن حصين تذاكرا، فحدث سمرة أنه ((حفظ من رسول اللّه* سكتتين، سكتة إذا كبر،
وسكتة إذا فرغ من قراءة ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ ﴾ فحفظ ذلك سمرة، وأنكر علبه عمران،
وكتبا فى ذلك إلى أبى بن كعب فكان فى كتابه إليهما أن سمرة قد حفظ)) رواه أبو داود والترمذى،
وقال: حديث حسن.
وأجابوا عن قول أبى هريرة فيما رواه أبو داود والترمذى ((فانتهى الناس عن القراءة مع
رسول اللَّهِ ﴿، فيما جهر فبه بالقراءة من الصلوات حين سمعوا ذلك من رسول اللَّهِ {))،
بأنهم انتهوا عن قراءة السورة، لا عن قراءة الفاتحة على أن الحفاظ طعنوا فى هذا الحديث،
وقالوا: إنه ضعيف، فيه رأو مجهول، وإن هذه الزيادة ليست من كلام أبى هريرة، بل هى من
كلام الزهرى، مدرجة فى الحديث. واللَّه أعلم.
ويؤخذ من أحاديث الباب فوق ما تقدم
١ - قال النووى: واحتج القائلون بأن البسلمة ليست من الفاتحة بحديث أبى هريرة [الرواية الثالثة]
وهو أوضح ما احتجوا به، قالوا: لأنها سبع آيات بالإجماع، فثلاث فى أولها ثناء، أولها [كما
ذكرها أبو هريرة] ((الحمد لله)» وثلاث دعاء، أولها (اهدنا الصراط المستقيم)) والسابعة متوسطة،
وهى ((إياك نعبد وإياك نستعين)) قالوا: ولأنه سبحانه وتعالى قال ((قسمت الصلاة بينى وبين
عبدى نصفين)) فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فلم يذكر البسلمة، ولو كانت منها
لذكرها، وأجاب أصحابنا وغيرهم ممن يقول إن البسلمة من الفانحة؟ بأجوبة: أحدهما ((أن
التنصيف عائد إلى جملة الصلاة، لا إلى الفاتحة وهذا حقيقة اللفظ، والثانى: أن التنصيف عائد
إلى ما يختص بالفاتحة من الآيات الكاملة، والثالث: معناه فإذا انتهى فى قرائته إلى ﴿الْحَمْدُ
لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ اهـ
ثم قال: وفى هذه الرواية دليل على أن ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ وما بعده إلى آخر السورة
ثلاث آيات، لا آيتان، وفى المسألة خلاف مبنى على أن البسلمة من الفاتحة أو لا، فمذهبنا
ومذهب الأكثرين أنها من الفاتحة وأنها آية ((واهدنا)) ومابعده آيتان، ومذهب مالك وغيره ممن
يقول: إنها ليست من الفاتحة يقول: ((اهْدِنًا)) وما بعده ثلاث آيات اهـ
وللكلام عن البسملة باب خاص وهو الباب التالى، فليراجع. والله أعلم.
(ملحوظة) لم يتعرض هذا الحديث للتأمين وسيأتى شرحه فى باب التحميد والتسميع والتأمين ..
إن شاء الله بعد خمسة أبواب.
٢- أخذ من قول أبى هريرة فى الرواية الخامسة ((فما أعلن رسول اللّه * أعلناه لكم وما أخفاه
أخفيناه لكم)) مشروعية الجهر بالقراءة والإسراربها، قال النووى: وقد أجمعت الأمة على الجهر
بالقراءة فى ركعتى الصبح والجمعة والأوليين من المغرب والعشاء، وعلى الإسرار فى الظهر
والعصر وثالثة المغرب والأخريين من العشاء، واختلفوا فى العيد والاستسقاء، ومذهبنا الجهر
٤٩٢

فيهما ونوافل الليل قيل: يجهر فيها، وقيل: بين الجهر والإسرار، ونوافل النهار يسربها، والكسوف
يسربها نهارا ويجهر ليلا، والجنازة يسربها ليلا ونهارا، وقيل: يجهر ليلا ولو فاته صلاة ليل
كالعشاء، فقضاها فى ليلة أخرى جهر، وإن قضاها نهارا فوجهان، والأصح يسر، وإن فاته نهارية
كالظهر، فقضاها نهارا أسر، وإن قضاها ليلا فوجهان، والأصح يجهر، وحيث قلنا: يجهر أو يسر
فهو سنة، فلو تركت صحت صلاته، ولا يسجد للسهو عندنا، وبه قال الأوزاعى وأحمد فى أصح
الروايتين، وقال مالك والثورى وأبو حنيفة وإسحق: يسجد للسهو اهـ
وقال فى المجموع: وأما المرأة فقال أكثر أصحابنا، إن كانت تصلى خالية أو بحضرة نساء أو
رجال محارم جهرت بالقراءة، سواء صلت بنسوة أو منفردة، وإن صلت بحضرة أجنبى أسرت.
قال البندنيجى، ويكون جهرها أخفض من جهر الرجل، وأطلق صاحب الحاوى أنها تسر، سواء
صلت منفردة أو إمامة .اهـ
وفى حد السرقال صاحب الحاوى: أن يسمع نفسه، وقال النووى: ويشترط فى القراءة وفى كل
الأذكار إسماع نفسه. اهـ
وفى العتبية: أحبه أن يسمع نفسه، وتحريك اللسان يجزئ، وفى حد الجهر قال ابن رشد: والجهر
أن يسمع غيره، وأحبه فوق ذلك.
٣- ويؤخذ من الرواية العاشرة والحادية عشرة نهى المأموم عن الجهر خلف الإمام قال النووى: ولا
خلاف فى مشروعية الجهر للإمام فى مواضع الجهر، وأما المنفرد فيسن له الجهر عندنا وعند
الجمهور، قال العبدرى: هو مذهب العلماء كافة إلا أبا حنيفة فقال: جهر المنفرد وإسراه سواء،
دليلنا أن المنفرد كالإمام فى الحاجة إلى الجهر للتدبر، فسن له الجهر كالإمام وأولى، لأنه أكثر
تدبراً لقراءته لعدم ارتباط غيره به، وقدرته على إطالة القراءة، ويجهر به للتدبر كيف شاء ويخالف
المنفرد المأموم فإنه مأمور بالاستماع ولئلا يهوش على الإمام، وأجمعت الأمة على أن المأموم
يسن له الإسرار ويكره له الجهر، سواء سمع قراءة الإمام أو لا.اهـ
ثم قال: قال القاضى أبو الطيب: وحكم التكبير فى الجهر والإسرار حكم القراءة. اهـ
هذا وسيعقد باب خاص للجهر والإسرار بالقراءة فى الصلاة بعد سبعة عشر بابا فليراجع.
٤- ويؤخذ من الرواية السادسة والسابعة، من قوله ((ومن قرأ بأم الكتاب أجزأت عنه، ومن زاد فهو
أفضل))، استحباب السورة بعد الفاتحة. قال النووي: وهذا مجمع عليه فى الصبح والجمعة
والأوليين من كل الصلوات، وهو سنة عند جميع العلماء، وحكى القاضى عياض عن بعض
أصحاب مالك وجوب السورة وهو شاذ مردود، وأما السورة فى الثالثة والرابعة فاختلف العلماء
هل تستحب أو لا؟ وكره ذلك مالك، والأصح عند الشافعية عدم استحبابها، وتستحب السورة فى
صلاة النافلة، ولا تستحب فى صلاة الجنازة على الأصح، لأنها مبنية على التخفيف، وقال عن
الرواية العاشرة: فيه أنهم كانوا يقرءون بالسورة فى الصلاة السرية، وفيه إثبات قراءة السورة فى
٤٩٣

الظهر للإمام وللمأموم، فإن الإنكار على الرجل كان فى جهره ورفع صوته بحيث أسمع غيره، لا
عن أصل القراءة.اهـ
وسيعقد باب خاص لما يقرأ من السور فى الصلاة عقب الفاتحة بعد ثمانية عشر بابا فليراجع.
٥- قال النووى بخصوص حديث المسيء صلاته [الرواية الثامنة] هذا الحديث مشتمل على فوائد
كثيرة، وليعلم أولا أنه محمول على بيان الواجبات دون السنن، فإن قيل: لم يذكر فيه كل
الواجبات، فقد بقى واجبات مجمع عليها، ومختلف فيها، فمن المجمع عليه النية، والقعود فى
التشهد الأخير، وترتيب أركان الصلاة، ومن المختلف فيه التشهد الأخير والصلاة على النبى وا
فيه، والسلام، وهذه الثلاثة أوجه عند الشافعى -رحمه الله تعالى-، وقال بوجوب السلام الجمهور،
وأوجب التشهد كثيرون وأوجب الصلاة على النبى # مع الشافعى الشعبى وأحمد بن حنبل
وأصحابهما، وأوجب جماعة من الشافعية نية الخروج من الصلاة، وأوجب أحمد - رحمه اللّه
تعالى - التشهد الأول، وكذا التسبيح، وتكبيرات الانتقال.
فإن قيل هذا فالجواب أن الواجبات الثلاثة المجمع عليها كانت معلومة عند السائل، فلم يحتج
إلى بيانها. وكذا المختلف فيه عند من يوجبه يحمله على أنه كان معلوما عنده. اهـ
٦ - قال النووى: وفى هذا الحديث دليل على أن إقامة الصلاة ليست واجبة.ا. هـ. ويمكن الرد عليه
بنفس رده السابق، فتحمل على أنها كانت معلومة عند السائل، مؤداة على وجهها الصحيح.
٧- ويؤخذ من الرواية التاسعة)) إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة، فكبر)) وجوب
الطهارة.
٨- ووجوب استقبال القبلة.
٩- ووجوب تكبيرة الإحرام.
١٠- قال النووى: وفيه أن التعوذ، ودعاء الافتتاح، ورفع اليدين فى تكبيرة الإحرام، ووضع اليد اليمنى
على اليسرى، وتكبيرات الانتقالات، وتسبيحات الركوع والسجود، وهيئات الجلوس، ووضع اليد
على الفخذ، وغير ذلك مما لم يذكره فى الحديث ليس بواجب إلا ما ذكرناه من المجمع عليه
والمختلف فيه.اهـ وهذا المأخذ من الإمام النووى - رحمه الله تعالى - عجيب، فإن عدم الذكر
ليس دليل النفى، وقولهم إن الاقتصار فى مقام البيان يفيد القصر قد دفعه النووى نفسه بايجاب
أشياء لم يذكرها الحديث باتفاق. والتحقيق أنه ليس فى الحديث ما يفيد إيجابها أو عدم
إيجابها.
١١ - وفيه دليل على وجوب الاعتدال عن الركوع.
١٢ - والجلوس بين السجدتين.
١٣- ووجوب الطمأنينة فى الركوع، والسجود، والجلوس بين السجدتين قال النووي: وهذا مذهبنا
٤٩٤

ومذهب الجمهور، ولم يوجبها أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- وطائفة يسيرة، وهذا الحديث حجة
عليهم، وليس عنه جواب صحيح، وأما الاعتدال فالمشهور من مذهبنا ومذاهب العلماء أنه يجب
الطمأنينة فيه، كما تجب فى الجلوس بين السجدتين، وتوقف فى إيجابها بعض أصحابنا،
واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم، فى هذا الحديث ((ثم ارفع حتى تعتدل قائما)) فاكتفى
بالاعتدال، ولم يذكر الطمأنينة كما ذكرها فى الجلوس بين السجدتين وفى الركوع والسجود.
١٤- وفيه أن المفتى إذا سئل عن شىء، وكان هناك شيء آخر يحتاج إليه السائل ولم يسأله عنه
يستحب أن يذكره له، ويكون هذا من النصيحة، لا من الكلام فيما لا يعنى، وموضع الدلالة أنه
قال: ((علمنى يا رسول الله)) أى علمنى الصلاة، فعلمه الصلاة، واستقبال القبلة والوضوء ليسا من
الصلاة، لكنهما شرطان لها.
١٥- وفيه الرفق بالمتعلم والجاهل وملاطفته، وإيضاح المسألة له وتلخيص المقاصد، والاقتصار، فى
حقه على المهم دون المكملات التى لا يحتمل حاله حفظها والقيام بها.
١٦ - وفيه استحباب السلام عند اللقاء وأنه يستحب تكراره إذا تكرر اللقاء، وإن قرب العهد.
١٧ - وأنه يجب رده فى كل مرة.
١٨- وأن صيغة الجواب ((وعليكم السلام)) أو ((وعليك السلام)) بالواو مستحبة عند الجمهور، وأوجبها
بعض أصحابنا، وليس بشيء بل الصواب أنها سنة، قال اللّه تعالى: ﴿قَالُوا سَلامًا قَالَ سَلامٌ﴾
[هود: ٦٩] بدون الواو.
١٩ - وفيه أن من أخل ببعض واجبات الصلاة لا تصح صلاته ولا يسمى مصليا، بل يقال له: لم تصل.
قال النووي: فإن قيل كيف تركه مرارا يصلى صلاة فاسدة؟
فالجواب: أنه لم يؤذن له فى صلاة فاسدة، ولا علم من حاله إنه يأتى بها فى المرة الثانية والثالثة
فاسدة، بل هو محتمل أن يأتى بها صحيحة، وإنما لم يعلمه أولا ليكون أبلغ فى تعريفه وتعريف
غيره بصفة الصلاة المجزئه اهـ
قال الأبى: لم يعلمه ابتداء لأن التعليم بعد تكرار الخطأ أثبت من التعليم ابتداء، وقيل: تأديبا له،
إذ لم يسأل، واكتفى بعلم نفسه، ولذا لما سأل، وقال: لا أحسن غير هذا علمه، وليس فيه تأخير
البيان عن وقت الحاجة، لأنه كان فى الوقت سعة. اهـ
٢٠- أخذ منه الأبى أن المخطئ فى صلاته لا يطالب بالإعادة إلا فى الوقت، لأن الرجل كان يصلى
فى الأيام السابقة، ولم يؤمر بإعادة صلاتها.
والله أعلم
٤٩٥

(١٦١) باب البسملة
٧١٩ - ٠ْ عَنِ أَنَسِ رَ﴾(٥٠) قَالَ صَلَيْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ ﴿ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانِ فَلَمْ
أَسْمَعْ أَحَدًا مِنْهُمْ يَقْرَأُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ.
٥١ْ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ(٥١) فِي هَذَا الإِسْنَادِ وَزَادَ قَالَ شُعْبَةُ فَقُلْتُ لِقَتَادَةَ أَسَمِعْتَهُ مِنْ أَنَسِ قَالَ
نَعَمْ وَنَحْنُ سَأَلْنَاهُ عَنْهُ.
٧٢٠ - ٣°ْ عَنِ عَبْدَةَ(٥٢) أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطْابِ ﴿ه كَانَ يَجْهَرُ بِهَؤُلاءِ الْكَلِمَاتِ يَقُولُ
سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِكَ تَبَارَكَ اسْمُكَ وَتَعَالَى جَدُّكَ وَلا إِلَهَ غَيْرُكَ وَعَنٍ قَادَةَ أَنَّهُ كَتَبَ إِلَيْهِ
يُخْبِرُهُ عَنِ أَنَسِ ابْنٍ مَالِكٍ أَنَّهُ حَدَّثَهُ قَالَ صَلَيْتُ خَلْفَ النّبِيِّ : ﴿ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ
فَكَانُوا يَسْتَفْتِحُونَ بِالْحَمْد لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا يَذْكُرُونَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ فِي أَوَّلِ
قِرَاءَةٍ وَلا فِي آخِرِهَا.
٧٢١ - ٣ّْ عَنِ أَنَسٍ ◌َ﴾(٥٣) قَالَ بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِعَ ﴿ ذَاتَ يَوْمٍ بَيْنَ أَظْهُرِنَا إِذْ أَغْفَى إِغْفَاءَةً
ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مُتَسِّمًا فَقُلْنَا مَا أَضْحَكَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «أَنْزِلَتْ عَلَيَّ آنِفًا سُورَةٌ فَقَرَأْ بِسْمٍ
اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ فَصَلٌّ لِرَّبِّكَ وَانْحَرْ إِنَّ شَانِتَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾» ثُمَّ قَالَ
«أَتَدْرُونَ مَا الْكَوْثَرُ؟» فَقُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ «فَإِنَّهُ نَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهِ خَيْرٌ
كَثِيرٌ هُوَ خَوْضٌ تَرِدُ عَلَيْهِ أُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ آلِيَتُهُ عَدَدُ النَّجُومِ فَيُخْتَلَجُ الْعَبْدُ مِنْهُمْ فَأَقُولُ رَبِّ
إِنّهُ مِنْ أُمَّتِي فَيَقُولُ مَا تَذْرِي مَا أَحْدَثَتْ بَعْدَكَ» زَادَ ابْنُ حُجْرٍ فِي حَدِيثِهِ بَيْنَ أَظْهُرِنَا فِي
الْمَسْجِدِ وَقَالَ «مَا أَحْدَثَ بَعْدَكَ».
٧٢٢ - :: عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ◌َ﴾(١) قَالَ: أَغْفَى رَسُولُ اللَّهِلَّ إِغْفَاءَةً بِنَحْوٍ
(٥٠) حَدَّثَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بَشَارٍ كِلَاهُمَا عَنٍ غُنْدَرٍ قَالَ ابْنُ الْمُثَنِى حَدََّنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدْثَنَا شُعْبَةُ قَالَ سَمِعْتُ قَنَادَةً
يُحَدِّثُ عَنِ أَنْسِ
(٥١) حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثْنَا أَبُو دَاوُدَ حَدْثَنَا شُعْبَةُ
(٥٢) حَدَّثّنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ الرَّازِيُّ حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ عَنِ عَبْدَةَ
- حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِهْرَانَ خَذْثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنِ اَلْأَوْزَاعِيِّ أَخْبَرَبِي إِسْحَقُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ آَنَسَ بْنَ
مَالِكٍ يَذْكُرُ ذَلِكَ.
(٥٣) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ أَخْبَرَنَا الْمُخْتَرُ بْنُ فُلْفُلٍ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ح وحَدَّقْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَّبِي
شَيْئَةً وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثًَّا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الْمُخْتَارِ عُنِ أَنَسٍ
(١٠) حَدَّثْنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ أَخْبُرَّنَا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنِ مَّخْتَرِ بْنِ فُلْقُلٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ
٤٩٦

حَدِيثِ ابْنٍ مُسْهِرٍ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ «تَهْرٌ وَعَدَنِيهِ رَّبِّي عَزَّ وَجَلَّ فِي الْجَنّةِ عَلَيْهِ حَوْضٌ»
وَلَمْ يَذْكُرْ «آنِيَتُهُ عَدَدُ النُّجُومِ».
المعنى العام
وصلت إلينا الصلاة عن طريق التواتر العملى، يتناقلها الأبناء عن الآباء والأصاغر عن الأكابر،
تحت حراسة ورقابة رجال الدين العلماء الغيورين، ولقد حرص كبار الصحابة، وفقهاؤهم على تتبع
دقائق الصلاة حين كانوا يصلون خلف النبى 3%، وخلف خلفائه الراشدين من بعده، ثم حرصوا على
تبليغ الأمة بما تحمله من علم، وما حفظوه من أحكام. وها هو ذا أنس بن مالك، وقد رأى بعض
الناس يجهرون قبل قراءة الفاتحة فى الصلاة ببسم الله الرحمن الرحيم، وبعضهم لا يجهر بها، ولكن
يسربها، وبعضهم لا يجهر بها ولا يسر، فقال لأصحابه: لقد صليت خلف النبى ®، وخلف أبى بكر
وعمر وعثمان، فلم أسمع أحدا منهم يجهر قبل الفاتحة ببسم الله الرحمن الرحيم، ولقد سمعت عمر بن
الخطاب يجهر بدعاء الاستفتاح بعد تكبيرة الإحرام، ويقول: سبحانك اللَّه وبحمدك، تبارك اسمك،
وتعالى جدك وعظمتك، ولا إله غيرك: وكأن أصحاب أنس قالوا له: إذن البسملة ليست آية من
الفاتحة ولا من غيرها من السور؟ وكأنه قال لهم: افهموا ما تفهمون، ولكنى أنقل لكم ما أعلم، وقد
كنت مع النبى { # ذات يوم فى المسجد، فأغفى إغفاءة، وأخذته سنة خفيفة من النوم، فانتبه وهو
يبتسم، فقلنا: مم تضحك يارسول اللَّه؟ أضحك الله سنك: قال: لقد أنزلت عليَّ فى هذه اللحظات
سورة، فقرأ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَهِ فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْهٌ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ
الأَبْتَرُ﴾ لقد كان العاص بن وائل يقول إن محمدا لا عقب له، فإذا مات مات ذكره، فنزلت هذه
السورة تبشر رسول اللّه* بفضل الله عليه، وتكريمه إياه بالكوثر، وتتوعد العاص وأمثاله بانقطاع
ذكرهم فى الدنيا من بعدهم. قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: أتدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله
أعلم، فأخبرنا يا رسول الله. قال: هو نهر عظيم فى الجنة، ماؤه أشد بياضا من اللبن، وأحلى من
العسل، آنيته عدد نجوم السماء، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا، وإن أمتى ترده يوم القيامة،
أعرفهم من بين الناس، إذ هم غر محجلون من آثار الوضوء وقد أجد أحدهم يزاد عن الحوض، فأقول:
يارب هذا من أمتي؟ فيقول لى: لا تدري ما أحدث بعدك، لقد ارتد على أدباره، فأقول ما قال أخى
عيسى ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَقَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ
شَيْءٍ شَهِيدٌهُ إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَّإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْلَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧-١١٨].
المباحث العربية
(سبحانك اللَّهم ويحمدك) سئل الزجاج عن الواو فى قوله ((وبحمدك)) فقال:
معناه سبحانك اللَّهم، وبحمدك سبحتك. اهـ فالجار والمحرور متعلق بمحذوف، والجملة
معطوفة على سابقتها.
٤٩٧

( وتعالى جدك ) الجد هنا العظمة.
( فلم أسمع أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم ) بسم الله الرحمن الرحيم، مقصود
لفظها وحكايتها فى محل نصب، مفعول يقرأ، أى يقرأ هذه الجملة.
( عن عبدة أن عمربن الخطاب ) هذا الإسناد مرسل، لأن عبدة بسكون الباء هو ابن أبى
لبابة، وهو لم يسمع من عمر، فقول مسلم فى نفس الرواية: وعن قتادة معطوف على (عن عبدة) أى عن
قتادة عن أنس.
( عن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك ) أى كتب قتادة إلى عبدة يخبره عن
أنس بن مالك، وهذه هى الرواية المتصلة المقصودة للإمام مسلم.
( فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين) ((الحمد)) بضم الدال مرفوع على الحكاية،
والجملة كلها فى محل جر بالباء.
( لايذكرون بسم الله الرحمن الرحيم فى أول قراءة ولا فى آخرها) أى ولا فى آخر
قراءة، أى لا يذكرونها فى أول الفاتحة، ولا فى أول السورة، فى أول ركعة ولا فى آخر ركعة. قال الأبى
((ولا فى آخرها)): تأكيد لنفى قراءتها إذ لا تتوهم قراءتها فى الآخر. اهـ وكأنه رحمه اللّه. حمل الآخرية
على آخرية القراءة الأولى، على معنى آخر آية فى المقروء، وعلى هذا قال: لا يتوهم قراءتها فى الآخر،
أما لوحملها كما حملناها لرفع التوهم. وهو أولى، لأن حمل الأبى يجعل اللفظة مهملة.
(بينا رسول اللَّهِ﴿ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة) ((إذ) للمفاجأة و((بينا)» هى
((بين)» ظرف الزمان، أشبعت الفتحة فصارت ألفاً، وربما زيدت عليها (ما)) فقيل ((بينما)) قال
الجوهرى: بينا نحن نرقبه أتانا، معناه أتانا بين أوقات رقبتنا إياه ثم حذف المضاف الذى هو
أوقات. اهـ وقوله)) بين أظهرنا)) معناه بيننا، وقوله)) أغفى إغفاءة)) بفتح الهمزة فى الأول، أى نام،
قال النووى: والإغفاءة هى السنة من النوم، دون الاستغراق، قال القرطبى: وهى حالة من الحالات
التى كان يوحى إليه فيها. اهـ
( قلنا: ما أضحكك)؟ عبروا بالضحك عن التبسم، لأن التبسم منه صلى الله عليه وسلم كان
واضحا قاله الأبى. وفى القاموس: التبسم أقل من الضحك وأحسنه، اهـ فتعبيرهم حقيقة، لا يعلل له،
ولعله يفرق بينهما بأن الضحك يبين عن الأسنان، فإن الضاحكة هى كل سن تبدو عند الضحك، أما
الابتسام فهو انفراج الأسارير والشفتين دون ظهور الأسنان.
( أنزلت عليَّ آنفا سورة) فى القاموس: ﴿مَاذَا قَالَ آنِفًا﴾ [محمد: ١٦] ((آنف)» كصاحب
بالمد، وبالقصر ككتف، وقرئ بهما، أى منذ ساعة، أى فى أول وقت يقرب مناءاهـ فمعنى)) أنزلت عليّ
آنفا» أى حالاً وقريبا من الآن.
٤٩٨

(﴿ إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾) فى القاموس: الكوثر الكثير من كل شىء والنهر، ونهر فى
الجنة.اهـ قال النووي: والكوثرهنا نهر فى الجنة كما فسره النبى ®، وهو فى موضع آخر عبارة عن
الخير الكثير.
(﴿ إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾) الشائئ المبغض والأبتر هو المنقطع العقب، وقيل: المنقطع عن
كل خير. نَزلت فى العاص بن وائل، وكان يقول: إن محمدا لا عقب له ولا ولد، فإذا مات انقطع ذكره.
( عليه خير كثير، هوحوض) ضمير ((هو)»: يعود على ((خير» فكأنه قال: عليه حوض، وهذا
الحوض خير كثير، تشرب منه الأمة فلا تظمأ أبدا.
( آنيته عدد النجوم ) المراد من الآنية ما يشرب بها الشاربون من الحوض، وليس المقصود
من العبارة مساواة أعدادها بأعداد نجوم السماء، بل كناية عن الكثرة بحيث تكفى الواردين عليه،
دون تزاحم.
( فيختلج العبد منهم ) قال النووى: يختلج أى ينتزع ويقتطع اهـ وفى القاموس: خلج يختلج
جذب وانتزع، اهـ فالمعنى فينجذب وينتزع العبد من أمتى إلى ناحية بعيدة عن الحوض، ويذاد عنه
ويطرد ويدفع.
( لا تدري ما أحدثت بعدك ) أى ما أحدثت أمتك بعدك، وفى الرواية الأخرى ((ما أحدث
بعدك» أى ما أحدث العبد المختلج المطرود عن الحوض.
فقه الحديث
لا خلاف بين المسلمين فى أن (بسم الله الرحمن الرحيم) فى سورة النمل جزء آية من القرآن
الكريم فى قوله جل شأنه ﴿إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ [النمل: ٣٠] وإن منكرها
أو منكر حرف من حروفها كافر بالإجماع.
والخلاف بين العلماء فى ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ الموجودة فى أول كل سورة من القرآن
غير سورة براءة، ويمكن حصر شوارد الخلاف فى أربعة آراء.
الرأى الأول: أن البسلمة فى أوائل السور كلها ليست قرآنا، لا فى الفاتحة ولا فى غيرها، وهو
مذهب مالك والأوزاعى ومشهور مذهب أبى حنيفة ورواية عن أحمد، ورواية عن داود.
الرأى الثانى: يرى أن البسملة آية فى أول الفاتحة فقط، وليست بقرآن فى أوائل السور، وهو
مشهور مذهب أحمد وهو قول إسحق وأبى عبيد وجماعة من أهل الكوفة ومكة وأكثر أهل العراق.
الرأى الثالث: يرى أنها آية قبل كل سورة غير التوبة، وليست من السورة بل هى قرآن، كسورة
قصيرة، وهو مشهور قول داود، ونحوه لأبى حنيفة، قال الأبى: وفى حكايته عن أبى حنيفة نظر، لأن
٤٩٩

الواقع له أنه قال: لا يجهر بها، وأما الكلام فيها بالنفى والإثبات فلم يقع له ولا لأحد من أصحابه،
حتى قال بعضهم: تورع أبو حنيفة وأصحابه فلم يتكلموا فى المسألة؛ ولذا قال الكرخى: لا نص لأحد
من متقدمى أصحابنا فى المسألة، إلا أن أمرهم بإخفائها يدل على أنها ليست من السورة، قال يعلى:
سألت عنها محمد بن الحسن، فقال: ما بين دفتى المصحف كلام اللّه تعالى. قلت: فلم تسرفيها؟
فسكت ولم یجبنی.
الرأى الرابع: يرى أنها آية من أول الفاتحة، وهو قول الشافعية بلا خلاف بينهم، وهى كذلك آية
كاملة من أول كل سورة غير براءة على الصحيح عندهم، ثم اختلفوا هل هى فى الفاتحة وغيرها قرآن
على سبيل القطع كسائر القرآن؟ أو على سبيل الحكم، على معنى أنه لا تصح الصلاة إلا بقراءتها فى
أول الفاتحة، ولا يكون قارئا لسورة غيرها بكمالها إلا إذا ابتدأها بالبسملة، ولا يمسها المحدث؟
جمهورهم [وهو الصحيح] أنها آية على سبيل الحكم، لاختلاف العلماء فيها، ولأنه لا خلاف بين
المسلمين أن نافيها لا يكفر، ولو كانت قرآنا قطعاً لكفر، كمن نفى غيرها.
ويتلخص لنا من هذا العرض الموجز أن الرأى الأول والثانى على أنها ليست قرآنا فى أوائل
السور. وسنعرض لدليل كل من الفريقين، وموقفه من أحاديث الباب، باذلين الجهد فى الحصر
والإيجاز، فقد بلغ اهتمام الأوائل بهذه المسألة أن ألفوا فبها كتباً، وصنفوا فيها تصانيف مقررة، وقد
جمع الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم المقدسى الدمشقى معظم الأقوال
والمصنفات فيها فى كتابه المشهور، وهو مجلد كبير، وبالله التوفيق.
احتج من نفاها فى أول الفاتحة وغيرها من السور
(أ) بأن القرآن لا يثبت بالظن، ولا يثبت إلا بالتواتر.
(ب) وبحديث أبى هريرة [الرواية الثالثة من روايات الباب السابق] وفيه ((سمعت رسول اللّه
﴿: يقول: قال الله تعالى: قسمت الصلاة بينى وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل. فإذا قال
العبد: الحمد لله رب العالمين ... )) إلى آخر الحديث، ولم يذكر البسملة.
(جـ) ويحديث أبى هريرة ((أن رسول اللّه { } قال: إن من القرآن سورة ثلاثون آية، شفعت لرجل
حتى غفر له، وهى ﴿ تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ [الملك: ١])) رواه أبو داود والترمذى، وقال: حديث
حسن. وقد أجمع القراء على أنها ثلاثون آية سوى البسملة.
(د) وبحديث عائشة فى مبدأ الوحى ((أن جبريل أتى النبى * فقال: ﴿اقْرَأُ بِسْمٍ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾
خَلَقَ الإِنسَانَ مِنْ عَلَقِ﴿ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ [العلق: ١-٣] ولم يذكر البسملة فى أولها)) رواه
البخارى ومسلم.
(هـ) وبحديث أنس [روايتنا الثالثة من هذا الباب] وفيه ((صليت خلف النبى { وأبى بكر وعمر
وعثمان، فكانوا يستفتحون بالحمد لله رب العالمين، لا يذكرون بسم الله الرحمن الرحيم فى أول
قراءة ولا فى آخرها ».
٥٠٠