النص المفهرس
صفحات 401-420
ثانيها: لا يطهر شىء من جلود الميتة بالدباغ. روى هذا عن عمر بن الخطاب وابنه عبد الله
وعائشة ، وهو أشهر الروايتين عن أحمد وإحدى الروايتين عن مالك. وتمسكوا بحديث عبد الله بن
عكيم قال: أتانا كتاب رسول اللّه قبل مونه ((لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب)) أخرجه
الشافعى وأحمد والأربعة، وصححه ابن حبان وحسنه الترمذى وفى رواية الشافعى ((قبل موته بشهر)).
وأجاب الجمهور عن هذا الحديث بأنه معارض الأحاديث الصحيحة له وأنها عن سماع، وهذا
كتابة كتاب، وأنها أصح مخارج، بل طعن بعضهم فيه بالاضطراب، وأعله بعضهم بالانقطاع، وعلى
فرض صحته وقوته يحمل على الجلد قبل الدبغ، فالإهاب هو الجلد قبل الدبغ على المشهور وأنه بعد
الدبغ لا يسمى إهاباً.
ثالثها: يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم، ولا يطهر غيره، وهو مذهب الأوزاعى وابن المبارك وأبى
ثور وإسحق بن راهويه، واحتجوا بأن الأحاديث وردت فى الشاة، بل جزم الرافعى وبعض أهل
الأصول بأن اللفظ العام ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر)» ورد أيضاً فى شاة مولاة ميمونة، فلهذا السبب
يقصر الجواز على المأكول، ويتقوى ذلك بأن الدباغ لا يزيد فى التطهير على الذكاة، وغير المأكول لو
ذكى لم يطهر بالذكاة عند الأكثر، فكذلك الدباغ، وأجاب الجمهور بالتمسك بلفظ العموم، وأن العدرة
بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وبعموم الإذن بالمنفعة، ولأن الحيوان طاهر ينتفع به قبل الموت،
فكان الدباغ بعد الموت قائماً له مقام الحياة.
رابعها: يطهر بالدباغ جلود جميع الميتات إلا جلد الخنزير، وهو مذهب أبى حنيفة، ولا يختلف
عن مذهب الشافعى إلا فى جلد الكلب.
خامسها: يطهر بالدباغ جلود جميع الميتات بدون استثناء، إلا أنه يطهر ظاهر الجلد، دون
باطنه، ويستعمل فى اليابسات دون المائعات، ويصلى عليه لا فيه وهذا مذهب مالك المشهور فى
حكاية أصحابه عنه. والرواية السابعة والثامنة تعارضه، فإن جلود ما ذكاه المجوس نجسة، وقد نص
على طهارتها بالدباغ واستعمالها فى الماء والودك.
سادسها: يطهر بالدباغ جلود جميع الميتات بدون استثناء طاهراً وباطناً، وهو مذهب داود وأهل
الظاهر وحكى عن أبى يوسف.
سابعها: أنه ينتفع بجلود الميتة وإن لم تدبغ، ويجوز استعمالها فى المائعات واليابسات، وهو
مذهب الزهرى ووجه شاذ لبعض الشافعية، وقد يحتج له بالرواية الثانية والرابعة والخامسة ((هلا
انتفعتم بجلدها)»؟ ((ألا أخذتم إهابها فاستمتعتم به»؟ «ألا انتفعتم بإهابها»؟ حيث لم يذكر دباغها.
وأجاب الجمهور بأن هذه الروايات المطلقة، وأخواتها الباقيات مقيدة بالدبغ، وأن الدباغ طهور
الجلد، فيحمل المطلق على المقيد.
هذا، ويجوز الدباغ بكل شىء ينشف فضلات الجلد ويطيبه ويمنع من ورود الفساد عليه.
ولا يحصل الدبغ بالتشميس عند الشافعية، ويحصل عند الحنفية ويحصل بالأدوية النجسة
على الصحيح، ويجب غسله بعد الفراغ من الدباغ بها بلا خلاف.
٤٠١
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- استدل بها على جواز بيع جلود الميتة، لأنها تجيز الاستمتاع والانتفاع وكل ما ينتفع به يصح
بيعه، وما لا فلا.
٢ - أخذابن أبى جمرة من قولهم: ((إنها ميتة)) مراجعة الإمام فيما لا يفهم السامع معنى ما أمره،
كأنهم قالوا: كيف تأمرنا بالانتفاع بها وقد حرمت علينا؟ فبين له وجه التحريم.
٣- وفيه حسن مراجعتهم وبلاغتهم فى الخطاب، لأنهم جمعوا معانى كثيرة فى كلمة واحدة، هى
قولهم: ((إنها ميتة)».
٤- وأخذ منها بعضهم جواز تخصيص الكتاب بالسنة، لأن لفظ القرآن: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْئَةُ﴾
[المائدة: ٣] وهو شامل لجميع أجزائها فى كل حال، فخصت السنة ذلك بالأكل. قاله الحافظ ابن
حجر: ويمكن أن يرد بأن المخصص هو قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى
طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ .. ﴾ [الأنعام: ١٤٥] حيث خصت التحريم بالأكل.
٥- استدل بها ابن أبى جمرة على جواز تنمية المال، لأنهم نصحوا بأخذ جلد الميتة ودبغه والانتفاع
به بعد أن كان مطروحاً.
واللَّه أعلم
٤٠٢
(١٤٨) باب التيمم
٦٥٠ - ١٢٨ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(١٠٨) أَنْهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فِي بَعْضٍ
أَسْفَارِهِ. حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ (أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ) الْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِمَ﴿ عَلَى
الْتِمَاسِهِ. وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ. وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ. وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَأَتَى النَّاسُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ
فَقَالُوا: أَلا تَرَى إِلَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ ( أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِعَ لَّ وَبِالنَّاسِ مَعَهُ. وَلَيْسُوا عَلَى
مَاءٍ. وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِلِ﴿ وَاضِحٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ. فَقَالَ:
حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ وَالنَّاسَ. وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ. قَالَتْ: فَعَاتَّنِي أَبُو بَكْرٍ.
وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ. وَجْعَلَ يَطْعُنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي. فَلا يَمْنَعُنِي مِنَ النَّحَرُّكِ إِلا مَكَانُ
رَسُولِ اللَّهِ ﴿ عَلَى فَخِذِي. فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرٍ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ
الْتَيْهُمِ فَتَيَمَّمُوا، فَقَالَ أُسَيْدُ ابْنُ الْحُضَيْرِ (وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ): مَا هِيَ بِأَوَّلٍ بَرَكَيْكُمْ يَا آلَ أَبِي
بَكْرٍ فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْتُ عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ».
٦٥١ - ثْ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٠٩) أَنْهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلادَةٌ. فَهَلَكَتْ فَأَرْسَلَ
رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ فَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا. فَأَدْرَكَتْهُمُ الصَّلاةُ فَصَلَّوْا بِغَيْرٍ وُضُوءٍ. فَلَمَّا أَتَوُا
النّبِيِّ ◌َّ شَكَوْا ذَلِكَ إِلَيْهِ فَنَزَلَتْ آيَةُ الَّهُمِ. فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ: جَزَاكِ اللَّهُ خَيْرًا. فَوَاللّهِ!
مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ قَطُّ إِلا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ مِنْهُ مَخْرَجًا. وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً.
٦٥٢- ٠ ١١ عَنِ شَقِيقٍ (١٠) قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى. فَقَالَ أَبُو
مُوسَى: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ! أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلا أَجْتَبَ فَلَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا. كَيْفَ
يَصْنَعُ بِالصَّلاةِ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لا يَتَيَمَّمُ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا. فَقَالَ أَبُو مُوسَى:
فَكَّيْفَ بِهَذِهِ الآيَةِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ، ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيًِّا﴾
[المائدة: ٦ ] فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: لَوْ رُخّصَ لَهُمْ فِي هَذِهِ الآيَةِ، لِأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمُ
الْمَاءُ، أَنْ يَتَيَمَّمُوا بِالصَّعِيدِ. فَقَالَ أَبُومُوسَى لِعَبْدِ اللّهِ: أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ عَمَّارٍ: بَعَنِي
(١٠٨) حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ يَحْنِى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنِ أَبِيهِ عَنِ عَائِشَةً
(١٠٩) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثْنَا أَبُو أُسَامَةً ح وَحَدَّثَّا أَبُو كُرَيِّبٍ حَدَّثَنَا أَبِّو أُسَامَةً وَابْنُ بِشْرٍ عَنِ هِشَامٍ عَنِ
أَبِيهِ عَنِ عَائِشَةَ
(١١٠) حَدَّثَنَا يَحِى بْنُ يَحْتَى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيَّةً وَابْنُ ثُمَيْرٍ جَمِيعًا عَنِ أَبِي مُعَاوِيَةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدََّا أَبُو مُعَاوِيَّةَ عَنِ الْأَعْمَشِ
عَنِ شَقِيقٍ قَالَ:
٤٠٣
رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ فِي حَاجَةٍ فَأَجْتَبْتُ. فَلَمْ أَجِدِ الْمَاءَ. فَتَمَرَّغْتُ فِي الصَّعِيدِ كَمَا
تَمَرَّغُ الدَّابَّةُ، ثُمَّ أَتَيْتُ النّبِيَّ :﴿ فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: «إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ
تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا» ثُمَّ ضَرَبَ بِيَّدَيْهِ الأَرْضُ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ الشِّمَالَ عَلَى
الْيَمِينِ وَظَاهِرَ كَفَيْهِ، وَوَجْهَهُ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: أَوَلَمْ تَرَ عُمَّرَ لَمْ يَقْنَعْ بِقَوْلٍ عَمَّارٍ؟.
٦٥٣ - ١١١ عَنِ شَقِيقٍ (١١) قَالَ: قَالَ أَبُو مُوسَى لِعَبْدِ اللّهِ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، نَحْوَ
حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ: «إِنْمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ هَكَذَا »
وَضَرَبَ بِيَدَيْهِ إِلَى الأَرْضِ. فَنَفَضَ يَدَيْهِ فَمَسَحَ وَجْهَهُ وَكَفِّيْهِ.
٦٥٤- ١١٢ عَنِ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى(١١٢) عَنِ أَبِيهِ، أَنَّ رَجُلا أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنّي
أَجْتَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءٌ. فَقَالَ: لا تُصَلِّ. فَقَالَ عَمَّارٌ: أَمَا تَذْكُرُ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِذْ أَنَا وَأَنْتَ
فِي سَرِيَّةٍ فَأَجَْبْنَا. فَلَمْ نَجِدْ مَاءٌ. فَمَّا أَنْتَ فَلَمْ تُصَلِّ. وَأَمَّا أَنَا فَتَمَعَّكْتُ فِي التُّرَابِ وَصَلَّيْتُ.
فَقَالَ النّبِيُّ ◌َ﴿: «إِنْمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَضْرِبَ بِيَدَيْكَ الأَرْضَ. ثُمَّ تَنْفُخَ. ثُمَّ تَمْسَحَ بِهِمَا
وَجْهَكَ وَكَفْكَ)) فَقَالَ عُمَرُ: الْقِ اللَّهَ يَا عَمَّارُ! قَالَ: إِنْ شِئْتَ لَمْ أُحَدِّثْ بِهِ. قَالَ الْحَكَمُ
وَحَدََّتِيهِ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنِ أَبِهِ مِثْلَ حَدِيثِ ذَرِّ قَالَ وَحَدَّثْنِي سَلَمَةُ عَنٍ ذَرِّ فِي
هَذَا الإِسْنَادِ الَّذِي ذَكَرَ الْحَكّمُ فَقَالَ عُمَرُ نُوَلِيكَ مَا تَوَلَّيْتَ
٦٥٥ - ١١٣ عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ أَبْزَى(١١٣) قَالَ قَالَ الْحَكُمُ وَقَدْ سَمِعْتَهُ مِنْ ابْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنِ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلا أَتَى عُمَرَ فَقَالَ: إِنِّي أَجْنَبْتُ فَلَمْ أَجِدْ مَاءٌ. وَسَاقَ
الْحَدِيثَ. وَزَادَ فِيهِ قَالَ عَمَّارٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ! إِنْ شِئْتَ - لِمَا جَعَلَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ حَقْكَ -
لا أُحَدِّثُ بِهِ أَحَدًا. وَلَمْ يَذْكُرْ حَدَّفِي سَلَمَةُ عَنِ ذَرِّ.
٦٥٦- ١١٤ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ(١١٤) عَنٍ عُمَيْرٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ؛ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ:
أَقْبَلْتُ أَنَا وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَسَارٍ، مَوْلَى مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﴿. حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَبِي الْجَهْمِ
ابْنِ الْحَارِثِ ابْنِ الصِّمَّةِ الأَنْصَارِيِّ. فَقَالَ أَبُو الْجَهْمِ: أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ مِنْ نَحْوِ بِثْرِ جَمَلٍ.
(١١١) وَحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدٍ حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ عَنِ شَقِيقِ
(١١٢) حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمَ الْعَبْدِيُّ حَدَّثَنَا يَحْتِى يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ الْقَطّانَ عَنِّ شُعْبَةً قَالَ حَدَّثَنِي الْحَكَمُ عَنِ ذَرْ عَنِ سَعِيدِ بْنِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى عَنِ أَبَيْهِ
(١١٣) وَحَدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُوَرٍ حَدََّنَا النَّصْرُ بْنُ شُمْيْلِ أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ عَنِ الْحَكَمٍ قَالَ سَمِعْتُ ذَرَّا عَنِ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبْزَى
(١١٤) قَالَ مُسْلِم وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنِ جَعْفَرٍ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ عَنِ عُمَّيْرٍ مَوْلَى أَبَّنِ عَبَّاسٍ؛
أَنْهُ سَمِعَهُ يَقُولُ:
٤٠٤
فَلَقِيّةُ رَجُلٌ فَسَلْمَ عَلَيْهِ. فَلَمْ يَرُدَّ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ عَلَيْهِ. حَتْىِ أَقْبُلَ عَلَى الْجِدَارِ فَمَسَحَ وَجْهَهُ
وَيَدَيْهِ. ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِ السَّلامَ.
٦٥٧ - ١١٣٥ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١١٥) أَنَّ رَجُلا مَرَّ، وَرَسُولُ اللَّهِلِ﴿ يَسُولُ،
فَسَلَّمَ. فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ.
المعنى العام
تزوجت عائشة رسول اللّه # وهى بنت تسع سنين، وخرجت معه فى هذه السفرة فى غزوة بنى
المصطلق وهى لم تتجاوز الخامسة عشرة، صبية فى تلك السن، تحرص على التجمل لزوج له ست
نساء غيرها، لكنها لا تحافظ على ما تحت يدها، قليلة الخبرة مستهينة بالأمور، لا يمتد غور تفكيرها
إلى النتائج والعواقب، استعارت من أختها أسماء قلادتها وهى عقد جميل من خرز يمنى، ولبسته
وسافرت به، ويبدو أنها لم تتعود إحكام غلقه فسقط منها ليلة عند بئر المريسيع واضطرت بسبب
بحثها عنه إلى التأخر عن الجيش الذى رحل وتركها، وكانت العاقبة حديث الإفك، وفى نفس طريق
العودة وقريباً من المدينة ينزل الجيش ليستريح، فيسقط منها العقد مرة أخرى، لكنها فى هذه المرة
أسرعت وأبلغت رسول اللّه ، فبعث صلى الله عليه وسلم رجالا على رأسهم أسيد بن حضير للبحث
عنه، وانطلقوا هنا وهناك، يفتشون المظان فى الطريق، وغابوا وأدركتهم الصلاة، فصلوا بغير وضوء
لعدم الماء، وتأخروا، وطال انتظار القوم، وهم لا يجدون الماء فى مكان نزولهم، وكاد ينفد ما عندهم
منه. إن بعضهم يسمع همس المنافقين بحديث الإفك، فيألم، ويحمل فى نفسه على عائشة أن وضعت
نفسها موضع التهم، ثم هى الآن بسبب إهمال آخر تعرض الجيش للقحط والعطش، لقد ضاقوا ذرعاً،
فذهبوا إلى أبى بكر يشكونها، يقولون: ألم تريا أبا بكر إلى ما صنعت ابنتك عائشة؟ أضاعت عقدها
للمرة الثانية، فحبستنا وحبست رسول الله فى هذه الصحراء حيث لا ماء، وكان أبوبكر ممن
سمع همس المنافقين، وقلبه يتقطع أسى وحسرة، فدخل مغضبا على ابنته، يعنفها ويؤنبها، ويحرص
على عدم إزعاج رسول اللَّه الذى وجده نائماً على فخذها، يطعنها بيده فى جنبها، يقول لها: ما
أكثر عناءك وبلاءك على الناس، تحبسينهم فى قلادة تافهة وهم على غير ماء، يطعنها فتتألم ولا
تتحرك، يطعنها فتشد على أسنانها وتكتم أنفاسها وآهاتها، وما الفائدة فى الطعن والشتم وقد حصل
ما حصل، والليل المخيم على الناس لا يشجع على الرحيل، أصبح الناس ليسمعوا فضل الله ورحمته
بأمة محمد * ليسمعوا آية التيمم المختومة بقوله جل شأنه: ﴿ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجِ
وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [المائدة: ٦] فَيبتهجون بهذه البشرى، ويقول
حبيبهم: ما أكثر بركاتكم يا آل أبى بكر، ما أنزل اللَّه بكم ضيقاً إلا جعل لكم منه مخرجاً، وجعل
(١١٥) حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ تُمَيْرٍ حَدَّثَنَا أَبِي حَدََّا سُفْيَانُ عَنِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنِ نَافِعٍ عَنِ ابْنٍ عُمَرَ
٤٠٥
للمسلمين من ورائه خيراً وبركة، ويعود الباحثون عن العقد دون أن يجدوه، فلما أقاموا البعير الذى
كانت تركبه عائشة وجدوا العقد تحته. وهكذا أسباب ومسببات، يقدرها اللَّه، ﴿ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ
جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ﴾ [الطلاق: ٣].
وتعلم الصحابة التيمم، وتيمموا، لكنهم لم يسألوا عن التيمم فى حال الجنابة حتى سافر عمار بن
ياسر مع عمر بن الخطاب فى سرية، فحدثت لهما جنابة، فأما عمر فلم يصل، وأما عمار فتمرغ فى
التراب كما يتمرغ الحيوان، وصلى، فلما رجع إلى النبى 18# وأخبره، قال له: إن التيمم للجنابة
كالتيمم للحدث الأصغر، فكان يكفيك أن تضرب الأرض بيديك ثم تمسح بهما وجهك وكفيك.
وعلم عمار حكم التيمم للجنابة، وظل عمر على ما يفهم، حتى جاءه رجل يسأله عمن أجنب ولم
يجد الماء، فقال عمر: لا يصلى، فقال عمار: بل يتيمم ويصلى، وساق ما علم، فقال عمر لعمار: استوثق
يا عمار مما تقول: قال عمار: إن شئت - يا أمير المؤمنين أن لا أحدث بهذا أحداً، قال عمر: لا. تول
ما توليت، وأد ما تحملت، وتمسك عبد الله بن مسعود بموقف عمر، وأن الجنب لا يتيمم ولا يصلى،
وتمسك الناس بموقف عمار، ودار الحوار بين أبى موسى الأشعرى وعبد الله بن مسعود، يحكى أبو
موسى ما حكاه عمار ويحكى عبد الله بن مسعود ما حكاه عمر، لكنه حين يعلم أن عمر أذن لعمار أن
ينشر حديثه يعود فيرجع عن رأيه إلى رأى الجماعة، ويقبل تيمم الجنب الفاقد للماء ليؤدى الصلاة.
وبهذه الصورة نرى مدى حرص الصحابة على دقة الاتباع وتحريهم أحكام الشريعة الغراء فجزاهم الله
عنا خير الجزاء.
المباحث العربية
(خرجنا مع رسول اللَّه® فى بعض أسفاره) أى خرجت عائشة والصحابة، وكان صلى
الله عليه وسلم إذا خرج أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها، فأصابت القرعة عائشة فى
هذه السفرة وكانت غزوة بنى المصطلق، وهى غزوة المريسيع.
(حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش) ((حتى)) غاية للسفرة فى عمومها فإن العقد
انقطع فى العودة فى طريقهم إلى المدينة قريباً منها، و((البيداء)) بفتح الباء، مرتفع قريب من ذى
الحليفة فى طريق مكة، و((ذات الجيش)) بفتح الجيم موضع قريب منه، وبينه وبين المدينة نحو
عشرين كيلو متراً.
( انقطع عقد لى ) أى انفك من موضع ربط الطرفين، ولم ينفرط فإنه وجد غير مبعثر ولم يضع
منه حبة، وكان العقد من خرز يمنى، وقيمته نحواثنى عشر درهما، كما جاء فى بعض الروايات،
والعقد فى اللغة بكسر العين كل ما يعقد ويعلق فى العنق، والقلادة ما يجعل فى العنق، فلا تعارض
بين التعبير بالعقد فى الرواية الأولى وبالقلادة فى الرواية الثانية.
وأما قولها ((عقد لى)) فى الرواية الأولى، والتصريح فى الرواية الثانية بأنه كان لأسماء أختها
٤٠٦
استعارته منها فقد قال النووي: لا مخالفة بينهما، فهو فى الحقيقة ملك لأسماء، وأضافته فى الرواية
إلى نفسها لكونه فى يدها.
( فأقام رسول اللَّه على التماسه ) أى فتوقف عن المسير، وأقام بالمكان لأجل التماسه
وطلبه والبحث عنه.
( وليس معهم ماء ) الظاهر أن المراد ليس معهم ماء للوضوء، وأما ما يحتاجون إليه للشرب
فيحتمل أن يكون معهم.
( فعاتبنى أبوبكر) أى لا منى وعنفنى. قال الحافظ ابن حجر: والنكتة فى قول عائشة
((فعاتبنى أبوبكر)) ولم تقل: أبى. لأن قضية الأبوة الحنو، وما وقع من العتاب بالقول والتأديب
بالفعل، مغاير لذلك فى الظاهر، فلذلك أنزلته منزلة الأجنبى، فلم تقل: أبى.اهـ وفيه نظر.
(وقال ما شاء الله أن يقول ) كناية عن كلام مؤلم كثير، وكان مما قال - على ما تذكره
بعض الروايات - حبست رسول الله ﴿ والناس فى قلادة لا تساوى اثنى عشر درهما؟ فى كل سفرة
تكونين عناء وبلاء على الناس؟.
(وجعل يطعن بيده فى خاصرتى) («يطعن)) بضم العين، وكذا فى جميع ما هو حسى، وأما
المعنوى فيقال: ((يطعن)» بالفتح هذا هو المشهور، وحكى فيهما معا الفتح، كما حكى فيهما معا
الضم، وخاصرة الإنسان وسطه.
( فلا يمنعنى من التحرك إلا مكان رسول اللّه لج على فخذى ) المستثنى منه عموم
الفاعل، فلا يمنعنى من التحرك شىء إلا كون رسول اللَّه على فخذى.
(فنام رسول اللَّهَ ﴿ حتى أصبح على غير ماء) فى رواية البخارى ((فقام حين أصبح
على غير ماء)» والمعنى فيهما متقارب، لأن كلا منهما يدل على أن قيامه من نومه كان عند الصبح،
فـ((حتى)) غاية للنوم، وقال بعضهم: ليس المراد بيان غاية النوم إلى الصباح، بل بيان غاية فقد الماء
إلى الصباح، لأنه قيد قولها ((حتى أصبح)) بقولها ((على غير ماء)) أى آل أمره إلى أن أصبح على غير
ماء، وهو كلام حسن.
( فأنزل الله آية التيمم ) من باب تسمية الكل باسم الجزء، لقوله تعالى فيها: ﴿فَتَيَمَّمُوا﴾
والتيمم لغة القصد، وشرعا القصد إلى التراب ونحوه لمسح الوجه واليدين بنية استباحة
الصلاة ونحوها.
( ﴿ فَتَيَمَّمُوا﴾ ) أى فامتثلها الصحابة وتيمموا وصلوا. قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن
يكون خبراً عن فعل الصحابة، أى فتيمم الناس بعد نزول الآية، ويحتمل أن يكون حكاية لبعض الآية،
وهو الأمر فى قوله: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ بياناً لقوله: ((آية التيمم)) أو بدلا. اهـ والأول هو الظاهر.
(فقال أسيد بن حضير) ((أسيد)) تصغير ((أسد)) وهو صحابي جليل من كبار الصحابة،
٤٠٧
زادته عائشة تعظيما بقولها ((وهو أحد النقباء)) وهدفها الاعتزاز بشهادته فيها، لأن شهادة العظيم
يعتزبها.
( ما هى بأول بركتكم ) أى ما هذه البركة والخير الذى جاء على يديكم بأول بركة وخير يأتى
عنكم، بل هى مسبوقة بغيرها من بركاتكم.
( فبعثنا البعير الذى كنت عليه ) أى أثرنا البعير الذى كنت عليه فى حالة السفر.
( فوجدنا العقد تحته ) فى الإسناد مجاز، لأن الذى وجد العقد هو أسيد بن حضير، كما ورد
فى بعض الروايات.
( فهلكت ) أى فضاعت، تعنى هلكت بعض الوقت.
(﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾) اختلف فى المراد بالصعيد، والأكثرون على أنه هنا التراب،
وقال الآخرون: هو كل ما صعد على وجه الأرض، وسيأتى مزيد إيضاح له فى فقه الحديث، أما الطيب
فقيل: الطاهر، وقيل: الحلال، والأول أولى بالقبول.
(لأوشك إذا برد عليهم الماء أن يتيمموا). قال النووى: معنى ((أوشك)) قرب وأسرع، وقد
زعم بعض أهل اللغة أنه لا يقال: أوشك، وإنما يستعمل مضارعا، فيقال: يوشك كذا وكذا. وليس كما
زعم هذا القائل، بل يقال: أوشك أيضاً، ومما يدل عليه هذا الحديث مع أحاديث كثيرة فى الصحيح
مثله. وقوله: ((برد)) هو بفتح الباء والراء، وقال الجوهرى ((برد)) بضم الراء، والمشهور الفتح. اهـ
( كما تمرغ الدابة) («تمرغ)) بفتح التاء وضم الغين، وأصله تتمرغ، فحذفت إحدى التاءين.
( إنما كان يكفيك أن تقول بيديك هكذا ) استعمل القول بدل الفعل أى إنما كان يكفيك
أن تفعل بيديك هكذا، ولعل فى هذا التعبير إشارة إلى مصاحبة قول القلب أى النية لعمل اليدين،
ورواية البخارى ((إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا)).
و((ها)) فى ((هكذا)) للتنبيه، والكاف صفة لمصدر محذوف و((ذا)) اسم إشارة، والتقدير أن تفعل
بيديك فعلا مثل هذا.
( أما تذكريا أمير المؤمنين) ((أما)) حرف عرض بمنزلة ((ألا)) ويمكن أن يقال فيها: إن
الهمزة للاستفهام التقديرى، و((ما)) نافية.
( وأما أنا فتمعكت فى التراب ) فى القاموس: معكه فى التراب كمنعه دلكه وتمعك تمرغ.
( اتق الله يا عمار) أى اتق الله فيما ترويه وتثبت، فلعلك نسيت أو اشتبه عليك الأمر، فإنى
كنت معك ولا أتذكر شيئاً من هذا.
٤٠٨
( إن شئت لم أحدث به ) معناه إن رأيت المصلحة فى إمساكى عن التحديث به راجحة
على التحديث به وافقتك وأمسكت، فإنى قد بلغته، فلم يبق على فيه حرج، ولم أعد كاتما للعلم،
وطاعتك واجبة على فى غير المعصية. ويحتمل أنه أراد إن شئت لم أحدث به تحديثاً شائعاً، بحيث
يشتهر بين الناس بل لا أحدث به إلا نادرا، قاله النووى، لكنه لا تساعده الرواية الآتية «لا أحدث
به أحدًا)).
( قال عمر: نوليك ما توليت ) أى لا يلزم من كونى لا أتذكره ألا يكون حقاً فى نفس الأمر
فليس لى منعك من التحديث به.
( أقبلت أنا وعبد الرحمن بن يسار) قال النووى: هكذا هو فى أصول صحيح مسلم، وقوله
((عبد الرحمن)) خطأ صريح، وصوابه عبد الله بن يسار.
( حتى دخلنا على أبى الجهم بن الحارث بن الصمة) قال النووى: أما ((الصمة)) فبكسر
الصاد وتشديد الميم، وأما أبو الجهم فبفتح الجيم وبعدها هاء ساكنة، هكذا هو فى مسلم، وهو غلط،
وصوابه ما وقع فى صحيح البخارى وغيره ((أبوالجهيم)) بضم الجيم وفتح الهاء وزيادة ياء.
(من نحوبئرجمل) بفتح الجيم والميم، ورواية النسائى ((بئر الجمل)» بالألف واللام، وهو
موضع بقرب المدينة، أى من جهة الموضع الذى يعرف بذاك.
فقه الحديث
قال النووى: اعلم أن التيمم ثابت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة، وهو خصيصة خص اللَّه سبحانه
وتعالى به هذه الأمة، زادها الله تعالى شرفا، وأجمعت الأمة على أن التيمم لا يكون إلا فى الوجه
واليدين، سواء كان عن حدثٍ أصغر أو أكبر، وسواء تيمم عن الأعضاء كلها أو بعضها.
ثم قال: واختلف العلماء فى كيفية التيمم، فمذهبنا ومذهب الأكثرين أنه لا بد من ضربتين، ضربة
للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين، وممن قال بذلك من العلماء سفيان الثورى ومالك وأبو حنيفة
وأصحاب الرأى وآخرون -رضى الله عنهم أجمعين -. وذهبت طائفة إلى أن الواجب ضربة واحدة
الوجه والكفين، وهو مذهب أحمد وإسحق وابن المنذر وعامة أصحاب الحديث. وحكى عن الزهرى
أنه يجب مسح اليدين إلى الإبطين. قال الخطابي: لم يختلف أحد من العلماء فى أنه لا يلزم مسح ما
وراء المرفقين وحكى عن ابن سيرين أنه قال: لا يجزئه أقل من ثلاث ضربات. ضربة للوجه، وضربة
ثانية لكفيه، وثالثة لذراعيه.
وأجمع العلماء على جواز التيمم عن الحدث الأصغر، وكذلك أجمع أهل هذه الأعصار ومن قبلهم
على جوازه للجنب والحائض والنفساء، ولم يخالف فيه أحد من الخلف ولا من السلف، إلا ما جاء عن
عمر بن الخطاب وعبد الله بن مسعود، وقيل إن عمر وعبد الله بن مسعود رجعا عنه، وقد جاءت
بجوازه للجنب الأحاديث الصحيحة المشهورة.
٤٠٩
وإذا صلى الجنب بالتيمم ثم وجد الماء وجب عليه الاغتسال بإجماع العلماء إلا ما حكى عن أبى
سلمة بن عبد الرحمن الإمام التابعى أنه قال: لا يلزمه، وهو مذهب متروك بإجماع من قبله ومن بعده
وبالأحاديث الصحيحة المشهورة فى أمره صلى الله عليه وسلم للجنب بغسل بدنه إذا وجد الماء.
ويجوز للمسافر والمغرب فى الإبل وغيرهما أن يجامع زوجته وإن كانا عادمين للماء، ويغسلان
فرجيهما، ويتيممان ويصليان، ويجزيهما التيمم، ولا إعادة عليهما إذا غسلا فرجيهما، وأما إذا كان
على بعض أعضاء المحدث نجاسة فأراد التيمم بدلا عنها فمذهبنا ومذهب جمهور العلماء أنه لا
يجوز، وقال أحمد بن حنبل رحمه اللّه تعالى: يجوز أن يتيمم إذا كانت النجاسة على بدنه، ولم يجز
إذا كانت على ثوبه، واختلف أصحابه فى وجوب إعادة هذه الصلاة، وقال ابن المنذر: كان الثورى
والأوزاعى وأبو ثور يقولون: يمسح موضع النجاسة بتراب ويصلى.
وأما إعادة الصلاة التى بالتيمم فمذهبنا أنه لا يعيد إذا تيمم للمرض أو الجراحة ونحوهما، وأما
إذا تيمم للعجز عن الماء فإن كان فى موضع يعدم فيه الماء غالباً كالسفر لم تجب الإعادة، وإن كان
فى موضع لا يعدم فيه الماء إلا نادراً وجبت الإعادة على المذهب الصحيح.
وأما جنس ما يتيمم به فاختلف العلماء فيه، فذهب الشافعى وأحمد وابن المنذر وداود الظاهرى
وأكثر الفقهاء إلى أنه لا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر له غبار يعلق بالعضو. وقال أبوحنيفة ومالك:
يجوز التيمم بجميع أنواع الأرض، حتى بالصخرة المغسولة، وزاد بعض أصحاب مالك فجوزه بكل ما
اتصل بالأرض من الخشب وغيره، وعن مالك فى الثلج روايتان، وذهب الأوزاعى وسفيان الثورى إلى
أنه يجوز بالثلج وكل ما على الأرض.
وأما حكم التيمم فمذهبنا ومذهب الأكثرين أنه لا يرفع الحدث، بل يبيح الصلاة فيستبيح به
فريضة، وما شاء من النوافل، ولا يجمع بين فريضتين بتيمم واحد، وإن نوى بتيممه الفرض استباح
الفريضة والنافلة، وإن نوى النفل استباح النفل ولم يستبح به الفرض، وله أن يصلى على جنائز بتيمم
واحد، وله أن يصلى بالتيمم الواحد فريضة وجنائز، ولا يتيمم قبل دخول وقتها، وإن رأى المتيمم لفقد
الماء ماء وهو فى الصلاة لم تبطل صلاته، بل له أن يتمها إلا إذا كان ممن تلزمه الإعادة، فإن صلاته
تبطل برؤية الماء انتهى بتصرف.
ويؤخذ من الحديث
١ - جواز الإقامة فى موضع لا ماء فيه، وإن احتاج إلى التيمم، وكذا سلوك الطريق الذى لا ماء فيها.
قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأن المدينة كانت قريبة منهم وهم على قصد دخولها، ويحتمل
أن يكون صلى الله عليه وسلم لم يعلم بعدم وجود الماء مع الركب، وإن كان قد علم بأن المكان لا
ماء فيه، ويحتمل أن يكون قوله ((ليس معهم ماء)) أى كثير.
٢- استدل به على أن الوضوء كان واجباً عليهم قبل نزول آية الوضوء، ولهذا استعظموا نزولهم على غير
ماء، وقال الحافظ ابن حجر: قال ابن عبد البر: معلوم عند جميع أهل المغازى أنه صلى اللّه عليه
٤١٠
وسلم لم يصل منذ افترضت الصلاة عليه إلا بوضوء ولا يدفع ذلك إلا جاهل أو معاند. قال: وفى
قوله فى هذا الحديث ((آية التيمم: إشارة إلى الذى طرأ عليهم من العلم حينئذ حكم التيمم، لا
حكم الوضوء.
قال: والحكمة فى نزول آية الوضوء مع تقدم العمل به ليكون فرضه متلواً بالتنزيل.أهـ
وقال غيره: ويحتمل أن يكون أول آية الوضوء نزل قديما، فعلموا به الوضوء، ثم نزل بقيتها وهو
ذكر التيمم فى هذه القصة، وإطلاق آية التيمم على هذا من تسمية الكل باسم البعض.
قال الحافظ ابن حجر: لكن الرواية التى أخرجها البخارى فى التفسير تدل على أن الآية نزلت
جميعها فى هذه القصة، فالظاهر ما قاله ابن عبد البر.اهـ.
وهذا الإشكال مبنى على أن المراد بآية التيمم فى الحديث آية المائدة ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا
قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيَنِ
وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرَ أَوْ جَاءَ أَخَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لا مَسْتُمَّ
النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءٌ فَتَتَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بَوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ
عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَّعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦].
أما لو أريد بآية التيمم آية النساء ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا
مَا تَقُولُونَ وَلا جُنُّبًا إلا عَابري سَبيل حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرِ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ
مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لا مَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمَّ تَجْدُوا مَاءٌ فَتَيَمَّمُواَ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ
اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا ﴾ [النساء: ٤٣] فلا إشكال.
قال ابن العربى: هذه مشكلة ما وجدت لدائها من دواء لأنا لا نعلم أى الآيتين عنت عائشة. قال
ابن بطال: هى آية النساء أو آية المائدة، وقال القرطبى: هى آية النساء ووجهه بأن آية المائدة
تسمى آية الوضوء وآية النساء لا ذكر فيها للوضوء فيتجه تخصيصها بآية التيمم.
وأورد الواحدى فى أسباب النزول هذا الحديث عند ذكر آية النساء أيضاً.
قال الحافظ ابن حجر: وخفى على الجميع ما ظهر للبخارى من أن المراد بها آية المائدة بغير
تردد، لرواية عمرو بن الحارث، إذ صرح فيها بقولها فنزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الصَّلاةِ ﴾ الآية.
٣- استدل بقوله فى الآية ((فتيمموا)) على وجوب النية فى التيمم، لأن معنى ((فتيمموا)) اقصدوا، وهو
قول فقهاء الأمصار إلا الأوزاعى.
٤- واستدل بهذه اللفظة أيضاً على أنه يجب نقل التراب، ولا يكفى هبوب الريح، بخلاف الوضوء
كما لو أصابه مطر، فنوى الوضوء به، فإنه يجزئ، قال الحافظ ابن حجر: والأظهر الإجزاء لمن
قصد التراب من الريح الهابة، بخلاف من لم يقصد.
٤١١
٥- واستدل بقوله ((إذا قمتم إلى الصلاة» على أنه يجب التيمم لكل فريضة.
٦- ويقوله ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرِ﴾ على عدم جواز التيمم فى الحضر لمن فقد الماء، وقد
اختلف السلف فى أصل المسألة، فذهب مالك إلى عدم وجوب الإعادة على من تيمم فى الحضر،
ووجهه ابن بطال بأن التيمم إنما ورد فى المسافر والمريض لإدراك وقت الصلاة، فيلتحق بهما
الحاضر إذا لم يقدر على الماء، قياساً، وقال الشافعى: تجب عليه لندور ذلك، وعن أبى يوسف وزفر
لا يصلى إلى أن يجد الماء ولو خرج الوقت، والرواية الخامسة، وتيمم الرسول من الجدار تجيز
التيمم فى الحضر.
٧- استدل بقوله ((صعيداً طيباً)) على تعين الصعيد الطيب للتيمم، لكن اختلف العلماء فى المراد
بالصعبد الطيب، وقد سبق بيان هذا الاختلاف.
٨- استدل بقوله فى ملحق الرواية الثالثة ((فنفض يديه)) وبقوله فى الرواية الرابعة ((ثم تنفخ)) على
استحباب تخفيف التراب.
٩- وعلى سقوط استحباب التكرار فى التيمم، لأن التكرار يستلزم عدم التخفيف.
١٠ - بل استدل بالنفخ والنفض على أن التراب ليس شرطاً، بل الشرط القصد فجوزوا التيمم
بالحجارة وما لا غبار عليه، قالوا: إذ لوكان الغبار معتبرا لم ينفض البد، وهذا القول بعيد عن
القبول: لأن المراد بالنفض تخفيف الغبار الكثير، لا إزالته كله، إذ يصير الضرب عبثاً.
١١- استدل بقوله فى الرواية الثالثة (ثم ضرب بيديه الأرض ضربة واحدة ... إلخ)) على الاكتفاء بضربة
واحدة فى التيمم للوجه والكفين جميعاً، وللآخرين أن يجيبوا عنه بأن المراد هنا صورة الضرب
للتعليم، وليس المراد بيان جميع ما يحصل به التيمم، وهو جواب ضعيف.
١٢- استدل بقوله فى ملحق الرواية الثالثة ((فمسح وجهه وكفيه)) وقوله فى الرواية الرابعة ((ثم تمسح
بهما وجهك وكفيك)) على أن ما زاد على الكفين ليس بفرض وإليه ذهب أحمد وإسحق وابن جرير
وابن المنذر ونقله ابن الجهم وغيره عن مالك، ونقله الخطابى عن أصحاب الحديث. وهذا القول
وإن كان مرجوحا لدى جمهور العلماء هو القوى فى الدليل، ولا يقاومه قياس التيمم على الوضوء
فى البلوغ باليدين إلى المرفقين، لأن القياس فاسد الاعتبار فى مقابلة النص. والله أعلم.
١٣ - استدل بقوله فى الرواية الثانية ((فأدركتهم الصلاة فصلوا بغير وضوء)» على أن من عدم الماء
والتراب يصلى على حاله، نعم ليس فى الحديث فقد التراب، وكان قبل نزول التيمم، لكن وجه
الدلالة أنهم صلوا معتقدين وجوب الصلاة عند فقد المطهر، ولو كانت الصلاة حينئذ ممنوعة لأنكر
عليهم النبى 8# وبهذا قال الشافعى وأحمد وجمهور المحدثين، وأكثر أصحاب مالك اختلفوا فى
وجوب الإعادة فالمنصوص عن الشافعى وجوبها وصححه أكثر أصحابه، واحتجوا بأنه عذر نادر،
فلم يسقط الإعادة، والمشهور عن أحمد، وبه قال المزنى وسحنون وابن المنذر لا تجب، واحتجوا
بحديث الباب، وبأنها لو كانت واجبة لبينها لهم النبى 18*، إذ لا يجوز تأخير البيان عن وقت
الحاجة، ورد عليهم بأن الإعادة لا تجب على الفور، فلم يتأخر البيان عن وقت الحاجة، وقال مالك
٤١٢
وأبو حنيفة فى المشهور عنهما: لا يصلى فاقد الطهورين، ولا يجب عليه القضاء عند مالك فيما
حكاه عنه المدنيون، ويجب عند أبى حنيفة وأصحابه، وبه قال الثورى والأوزاعى، ونقل عن
الشافعى فى القديم: تستحب له الصلاة وتجب الإعادة.
١٤- أخذ من قصة عمار جواز الاجتهاد فى زمن النبى و *، فإن عمارا ظه اجتهد فى صفة التيمم،
واستعمل القياس، لأنه لما رأى أن التيمم إذا وقع بدل الوضوء وقع على هيئته وأعضائه، رأى أن
التيمم عن الغسل يقع على هيئة الغسل. قال النووي: وقد اختلف أهل الأصول فى هذه المسألة على
ثلاثة أوجه: أصحها، يجوز الاجتهاد فى زمنه صلى الله عليه وسلم بحضرته وفى غير حضرته،
والثانى: لا يجوز بحال، والثالث: لا يجوز بحضرته ويجوز فى غير حضرته.
١٥- كما أخذ من تمرغ عمار فى التراب حيث أجزأه ذلك أن من غسل رأسه بدل المسح فى
الوضوء أجزأه.
١٦ - وجواز الزيادة على الضربتين فى التيمم.
١٧ - وسقوط إيجاب الترتيب فى التيمم عن الجنابة.
١٨ - استدل بقولها فى الرواية الأولى ((فنام حتى أصبح)) على الرخصة للنبى 48* فى ترك التهجد فى
السفر، إن ثبت أن التهجد كان واجبا عليه.
١٩- ويؤخذ من الرواية الخامسة جواز التيمم بالجدار.
٢٠ - وجواز التيمم للنوافل والفضائل، فإن قيل: كيف تيمم بالجدار من غير إذن مالكه أجيب بأنه
محمول على العلم برضا صاحبه.
٢١ - ويؤخذ من الرواية الأولى شكوى المرأة إلى أبيها وإن كان لها زوج، وكأنهم إنما شكوا إلى أبى
بکر لکون النبی {ے کان نائماً، وكانوا لا يوقظونه.
٢٢- ويؤخذ منها نسبة الفعل إلى من كان سببا فيه، لقولهم، وصنعت وحبست.
٢٣ - وجواز دخول الرجل على ابنته، وإن كان زوجها عندها، إذا علم رضاه بذلك، ولم تكن
حالة مباشرة.
٢٤ - وتأديب الرجل ولده بالقول والفعل والضرب ونحوه.
٢٥ - تأديب الرجل ابنته وإن كانت كبيرة وزوجة وخارجة عن بيته.
٢٦ - وجواز مسافرة الزوج بزوجته الحرة.
٢٧ - وجواز العارية.
٢٨ - وجواز عارية الحلى.
٢٩- وجواز المسافرة بالعارية، وهو محمول على رضا صاحبها.
٤١٣
٣٠- وجواز اتخاذ النساء الحلى تجملا لأزواجهن.
٣١- واعتناء الإمام بحفظ حقوق المسلمين وأموالهم وإن قلت، فقد ثبت أن العقد لم يكن يساوى
اثنى عشر درهما وأقام صلى الله عليه وسلم بالناس على التماسه.
٣٢- وفيه إشارة إلى ترك إضاعة المال.
٣٣ - وفيه حب عائشة لرسول الله ﴿ وشدة حرصها على راحته وعدم إزعاجه.
٣٤- وفيه دليل على فضل عائشة وأبيها وتكرار البركة منها.
٣٥- ويكره الكلام أثناء قضاء الحاجة، كما يكره ذكر الله ولو كان واجبا. تشير إلى ذلك الرواية
الخامسة والسادسة، قال العلماء: ولا يستحق المسلم فى تلك الحال جوابا. قال النووي: وهذا
متفق عليه. ثم قال: ويكره أن يسلم على المشتغل بقضاء حاجة البول والغائط، ((فإن سلم عليه
كره رد السلام، وكذا يكره الكلام على قضاء الحاجة بأى نوع كان من أنواع الكلام، ويستثنى من
هذا كله موضع الضرورة. كما إذا رأى ضريراً يكاد أن يقع فى بئر أو رأى حية أو عقربا يقصد
إنساناً أو نحو ذلك فإن الكلام فى مثل هذه المواضع ليس بمكروه بل هو واجب، وهذا الذى ذكرناه
مذهب الأكثرين. وحكى عن النخعى وابن سيرين عدم كراهة الكلام مطلقاً عند قضاء الحاجة.
واختلف فى العاطس يحمد الله، والأولى أن يحمد بقلبه؛ لتشريف الذكر وتعظيمه وتنزيهه.
والله أعلم
٤١٤
(١٤٩) باب المسلم لا ينجس
٦٥٨- ٠٠ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١٠) أَنَّهُ لَقِيَهُ النَّبِيُّ ◌َ ﴿َ فِي طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ جُنُبٌ.
فَانْسَلَّ فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ. فَتَفَقِّدَهُ النَّبِيُّ :﴿َ. فَلَمَّا جَاءَهُ قَالَ: « أَيْنَ كُنْتَ؟ يَا أَبَا هُرَيْرَةً! » قَالَ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ! لَقِيتَنِي وَأَنَا جُنُبٌ. فَكَرِهْتُ أَنْ أُجَالِسَكَ خَتَّى أَغْتَسِلَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَلِّ:
«سُبْحَانَ اللَّهِ! إِنَّ الْمُؤْمِنَ لا يَنْجُسُ».
٦٥٩ - ١١٢٦ عَنِ حُذَيِقَةَ ◌َ﴾(١١٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ لَقِيَّهُ وَهُوَ جُنُبٌ. فَحَادَ عَنْهُ فَاغْتَسَلَ. ثُمَّ
جَاءَ فَقَالَ: كُنْتُ جُنُبًا قَالَ «إِنَّ الْمُسْلِمَ لا يَنْجُسُ».
المعنى العام
كان من عادة رسول اللّه ◌َ﴿ إذا التقى بصحابى أن يمسح عليه، وأن يربت عليه بيده، وأن
يصاحبه فيجالسه، تلطفاً وتأنيساً وتكرماً وتودداً، وفى يوم من الأيام، وفى بعض طرق المدينة، وجد
أبو هريرة نفسه مقابلا لرسول اللّه * فى طريق واحد، وكان جنباً، فأخذه رسول اللّهِ وُ لّبيده،
وجالسه وهو فى هذه الحالة غير المستحبة، فاستخفى وتسلل وانصرف، وذهب إلى بيته، فاغتسل،
وعاد إلى رسول اللَّه ﴿ كأن لم يحدث شىء.
وكان صلى الله عليه وسم قد أحس به ينخنس وينسل، ويتوارى فى خفاء، فلما جاء سأله: ماذا
بك يا أبا هريرة؟ أين كنت؟ وأين ذهبت؟ وماذا فعلت! قال: يا رسول الله. لقيتنى وأنا جنب،
فكرهت أن أجالسك حتى أغتسل، وكان أدبا حسنا من أبى هريرة أن يفعل ذلك احتراماً وتقديساً
لحضرة النبى ®، وفهم صلى الله عليه وسلم أن أبا هريرة يعتقد نجاسة الجنب، وأنه لايصح للنجس
أن يجالس النبى صلوات الله وسلامه عليه، فقال: سبحان اللَّه؟ عجبا لك يا أبا هريرة فى فهمك
الخطأ، إن المؤمن لا ينجس حياً ولا ميتاً، فلا تكن الجنابة مانعة من لقاء الأصحاب، وإن حسن
التعجيل بالغسل. وحسن اللقاء على أحسن هيئة وأبلغ نظافة.
المباحث العربية
(لقيه النبى ... فانسل) عطف على محذوف أبرزته رواية البخارى ((لقينى
(١٠) حَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَا يَحْتِى يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ قَالَ حُمَّيْدٌ حَدَّثْنَا حِ وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثًّا
إِسْمَعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ عَنِ حُمَّيْدٍ الطَّوِيلِ قَالَ حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ أَبِي رَافِع عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً
(١١٦) وحَدََّا أَبُو بَكْرٍ بَّنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنٍ مِسْعْرٍ عَنِ وَاصِلٍ عَنٍ أَّبِي وَائِلٍ عَنِ حُذَيْفَةً.
٤١٥
رسول الله ﴿ وأنا جنب، فأخذ بيدى فمشيت معه حتى قعد، فانسللت)) أى ذهبت خفية.
وفى رواية البخارى ((فانخنست، أى مضيت عنه مستخفياً، ولذلك وصف الشيطان
بالخناس وروى ((فانبجست)) أى جريت واندفعت، وروى ((فانبخست)) من البخس وهو
النقص، أى اعتقدت نقصان نفسى، قال الحافظ ابن حجر: وقد نقل الشراح فيها ألفاظًا
مختلفة مما صحفه بعض الرواة، لا معنى للتشاغل بذكرها.
( فذهب) إلى رحله، كما بينته رواية البخارى ((فانسللت فأتيت الرحل فاغتسلت)).
(سبحان الله) مصدر منصوب بفعله المحذوف، وهذه الكلمة تقال فى مثل هذا الموضع
للتعجب، وكذا ((لا إله إلا الله)) ومعنى التعجب هنا: كيف يخفى عليك مثل هذا الظاهر الذى لا يحتاج
الإنسان فى فهمه إلى فكر؟
( إن المؤمن لا ينجس ) لغتان فى الماضى والمضارع يقال نجس بضم الجيم فيها من باب
كرم، ويكسر الجيم فى الماضى وفتحها فى المضارع من باب سمع.
( فحاد عنه ) أى مال وعدل عنه.
فقه الحديث
قال الإمام النووى: هذا الحديث أصل عظيم فى طهارة المسلم حياً وميتاً، فأما الحى فطاهر
بإجماع المسلمين، حتى الجنين إذا ألقته أمه وعليه رطوبة فرجها، قال أصحابنا: هو طاهر بإجماع
المسلمين. قال: ولا يجىء فيه الخلاف المعروف فى نجاسة رطوبة فرج المرأة، ولا الخلاف المذكور
فى كتب أصحابنا فى نجاسة ظاهر بيض الدجاج ونحوه.
هذا حكم المسلم الحى، وأما الميت ففيه خلاف للعلماء، وللشافعى فيه قولان الصحيح
منهما أنه طاهر، ولهذا غسل، ولقوله صلى الله عليه وسلم ((إن المسلم لا ينجس حياً ولا
ميتاً)) هذا حكم المسلم.
وأما الكافر فحكمه فى الطهارة والنجاسة حكم المسلم. هذا مذهبنا ومذهب الجماهير من السلف
والخلف، وأما قول اللَّه عز وجل، ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] فالمراد نجاسة الاعتقاد
والاستقذار، وليس المراد أن أعضاءهم نجسة كنجاسة البول والغائط ونحوهما، فإذا ثبتت طهارة
الآدمى مسلماً كان أو كافراً فعرقه ولعابه ودمعه طاهرات، سواء كان محدثاً أو جنباً أو حائضاً أو
نفساء، وهذا كله بإجماع المسلمين، وكذلك الصبيان، أبدانهم وثيابهم ولعابهم محمولة على الطهارة
حتى تتيقن النجاسة، فتجوز الصلاة فى ثيابهم، والأكل معهم من المائعات إذا غمسوا أيديهم فيها،
ودلائل هذا كله من السنة والإجماع مشهورة.اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: تمسك بعض أهل الظاهر بمفهوم قوله ((المؤمن لا ينجس)» فقال: إن
٤١٦
الكافر نجس العين، وقواه بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ وأجاب الجمهور عن الحديث بأن
المراد أن المؤمن طاهر الأعضاء، لاعتياده مجانبة النجاسة، بخلاف المشرك، لعدم تحفظه عن
النجاسة، وعن الآية بأن المراد أنهم نجس فى الاعتقاد والاستقذار وحجتهم أن الله أباح نكاح نساء
أهل الكتاب، ومعلوم أن عرقهن لا يسلم منه من يضاجعهن، ومع ذلك فلم يجب عليه من غسل
الكتابية إلا مثل ما يجب عليه من غسل المسلمة، فدل على أن الآدمى الحى ليس ينجس العين، إذ لا
فرق بين النساء والرجال. وأغرب القرطبى فى الجنائز من شرح مسلم، فنسب القول بنجاسة الكافر
إلى الشافعى. اهـ
ويؤخذ من الحديث
١- استصحاب الطهارة عند ملابسة الأمور المعظمة.
٢- استحباب احترام أهل الفضل، وأن يوقرهم جليسهم ومصاحبهم فيكون على أكمل الهيئات
وأحسن الصفات، وقد استحب العلماء لطالب العلم أن يحسن حاله فى حال مجالسة شيخه،
فيكون متطهراً متنظفاً، بإزالة الشعور المأمور بإزالتها، وقص الأظفار، وإزالة الروائح الكريهة،
والملابس المكروهة وغير ذلك، فإن ذلك من إجلال العلم والعلماء، ذكره النووى.
٣- أن العالم إذا رأى من متابعه أمراً يخاف عليه فيه خلاف الصواب سأله عنه، وقال له صوابه وبين
له حكمه.
٤- وفيه استحباب استئذان التابع للمتبوع إذا أراد أن يفارقه، لقوله: أين كنت؟ فأشار إلى أنه كان
ينبغى له أن لا يفارقه حتى يعلمه.
٥- وفيه جواز تأخير الاغتسال عن أول وقت وجوبه.
٦- وبوب عليه ابن حبان: الرد على من زعم أن الجنب إذا وقع فى البئر فنوى الاغتسال أن
ماء البئرينجس.
٧- واستدل به البخارى على طهارة عرق الجنب، لأن بدنه لا ينجس بالجنابة فكذلك ما تحلب منه.
٨- وعلى جواز تصرف الجنب فى حوائجه قبل أن يغتسل.
والله أعلم
٤١٧
(١٥٠) باب أكل المحدث الطعام وذكر الله حال الجنابة
٦٦٠ - ١١٧ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(١١٧) قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ◌ِ ﴿ يَذْكُرُ اللَّهَ
عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ
٦٦١ - ١١٨ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١١٨) أَنَّ النَّبِيِّ ◌َّ خَرَجٌ مِنَ الْخَلاءِ. فَأْتِيَ
بِطَعَامٍ. فَذَكَرُوا لَهُ الْوُضُوءَ فَقَالَ « أُرِيدُ أَنْ أُصَلِّيَ فَأَتَوَضَّأَ؟».
٦٦٢ - ١١٩ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١١٩) قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النّبِيِّ﴿. فَجَاءَ مِنَ الْغَائِطِ.
وَأَتِيَ بِطَعَامٍ. فَقِيلَ لَهُ: أَلا تَوَضَّأُ؟ فَقَالَ « لِمَ أَصَلِّي فَأَتَوَضَّأَ؟».
٦٦٣- ١٣٠ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٢٠) قَالَ: ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِع ◌ْ إِلَى
الْغَائِطِ. فَلَمَّا جَاءَ، قُدِّمَ لَهُ طَعَامٌ. فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَلا تَوَضَّأُ؟ قَالَ: «لِمَ أَلِلصَّلاةِ؟».
٦٦٤ - ٣١ِ عَنِ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٢١) قَالَ: إِنَّ النّبِيِّ لَّ قَضَى حَاجَتَهُ مِنَ
الْخَلَاءِ. فَقُرِّبَ إِلَيْهِ طَعَامٌ فَأَكَّلَ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءٌ. قَالَ وَزَادَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنِ سَعِيدِ ابْنٍ
الْحُوَيْرِثِ؛ أَنَّ النّبِيَّ لَّ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ لَمْ تَوَضَّأُ؟ قَالَ: « مَا أَرَدْتُ صَلاةٌ فَأَتَوَضَّأَ » وَزَعَمَ
عَمْرٌو أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ سَعِيدٍ بْنِ الْحُوَيْرِثِ.
المعنى العام
جاء الإسلام وسطاً بين مادية اليهود ورهبانية النصارى، جاء بخيرى الدنيا والآخرة، جاء باليسر
والرفق فى الأمور وكانت القاعدة ((أوغل فى الدين برفق، فإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى))
جاء بصفاء الروح والتقشف والزهد، كما جاء بالتمتع بالمتع الدنيوية المباحة ﴿وَابْتَغْ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ
(١١٧) حَدَثْنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي زَائِدَةً عَنِ أَبِهِ عَنِ خَالِدِ ابْنِ سَلَمَةَ عَنِ الْبَهِيِّ عَنِ
عُرْوَةَ عَنِ عَائِشَةً
(١١٨) حَدََّا يَخْتِى بْنُ يَحْتَى التَّمِيمِيُّ وَأَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ قَالَ يَخْتَى أَخْبُرَنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ وَقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ حَدَّثَنَا حَمَادٌ عَنِ
عَمْرٍو ابْنِ دِينَارٍ عَنِ سَعِيدِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ غَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
(١١٩) وَحَدَّثَنَا أَبُو بُّكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّثَنَا سُفْيَكُ بْنُ عُيَيْنَةً عَنٍ عَمْرٍو عَنِ سَعِيدٍ بْنِ الْحُوَيْرِثِ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسِ يَقُولُ
(١٢٠) وحَدَّثَنَا يَحْتِى بَنُ يَحْتِّى أَخْبُرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ الطّائِفِيُّ عَنِ عَمْرٍوَ بْنِ دِينَارٍ عَنِ سَعِيدٍ بْنِ الْحُوَيْرِثِ مَوْلَى آلِ السَّائِبِ أَنَّهُ
سَمِعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسِ
(١٢١) وَحَدَّثَِّي مُحَمَّدُ بْنُ عُمْرِو بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَبَلَةً حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ حَدَّنَا سَعِيدُ بْنُ حُوَيْرٍثٍ أَنْهُ سَمِعَ ابْنَ
عَّاسٍ يَقُولُ
٤١٨
الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنْ الدُّنْيَا﴾ [القصص: ٧٧] ويضرب الرسول ﴿ المثل الأعلى لأمته،
والقدوة الصالحة الحسنة.
فيلازم الوضوء فى عامة أحواله، ولا يخرج من الخلاء فيشغل بأمر أهم من الوضوء، ويلحظ
الصحابة هذه الملازمة، فيظنون التزامها، ويكاد يستقر فى نفوسهم وجوبها، لكنه صلى الله عليه وسلم
رسول من أنفسنا، عزيز عليه عنتنا، حريص علينا بالمؤمنين رءوف رحيم، كان إذا واظب على أمر
خالفه ولو مرة، خشية أن يفرضه الله على أمته فيعجزوا عنه، وليزيل من عقائدهم المشادة فى الدين،
ووجوب ما ليس بواجب، ومن هذا القبيل ما يحكيه هذا الحديث. لقد خرج من الخلاء، وانتهى من
قضاء الحاجة ولم يتجه نحو الوضوء، بل وجد أهله قد أعدوا الطعام فاتجه إليه، فقال أصحابه: يا
رسول اللَّه إنك لم تتوضأ كعادتك، ألا تتوضأ قبل أن تأكل؟ فقال: إنى لم أقصد الصلاة، وإنما يجب
الوضوء عند إرادة الصلاة، وفى الوقت متسع، وإن لبدنك عليك حقا، والدين يسر، فيسروا ولا تعسروا،
وإذا حضر العِشاء والعَشاء فقدموا العَشاء على العشاء؛ ولا صلاة كاملة بحضرة طعامٍ. فصلى اللّه
وسلم عليه.
المباحث العربية
(كان النبى ◌َ ﴿ يذكر الله على كل أحيانه) ((على)) بمعنى ((فى)) أى فى كل أوقاته، وفى
جميع أحواله، متوضئاً كان أو محدثاً، جنباً أو غير جنب، والمقصود من ((كل)) الغالب والكثير، فلم
يكن يذكر حين قضاء الحاجة، ولا وهو مستغرق فى النوم مثلاً.
( خرج من الخلاء ) أصل الخلاء بفتح الخاء الموضع الخالى، وسمى به موضع قضاء الحاجة،
لأنهم كانوا يقصدون المكان الخالى للحاجة، وخروجه صلى الله عليه وسلم من الخلاء يشعر بأن هذا
الموضع كان ميسوراً مهيأً لذلك، حتى يدخل إليه صاحب الحاجة، ويخرج منه.
( فأتى بطعام) التعبير بالفاء للإشارة إلى الترتيب والتعقيب، وعدم الفصل بين الخروج من
الخلاء والإتيان بالطعام بوضوء.
( فذكروا له الوضوء ) معطوف على محذوف، أى فأقبل على الطعام، فظنوا أنه نسى أن
يتوضأ قبل أن يأكل، فذكروه، بأن قالوا له: يا رسول اللَّه. ألا تتوضأ قبل الطعام؟
( فقال: أريد أن أصلى فأتوضأ؟ ) الكلام على الاستفهام، والأصل: أأريد أن أصلى فأتوضأ؟
والاستفهام إنكارى بمعنى النفى أى لا أريد أن أصلى حتى أتوضأ.
( فجاء من الغائط ) ((الغائط)) فى الأصل المنخفض من الأرض فى الفضاء، وسمى به موضع
قضاء الحاجة؛ لأنهم كانوا يقصدونه للتستر فيه، ومنه هذا الحديث وقوله تعالى ﴿ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ
٤١٩
مِنْ الْغَائِطِ ﴾ ثم اتسع فيه حتى صار يطلق على الخارج المعروف من دبر الآدمى. وليس مراداً هنا،
لاحتمال أنه جاء من البول.
( ألا توضأ؟ ) أصله: ألا تتوضأ؟ فحذف إحدى التاءين، و((ألا)) للعرض.
( أأصلى فأتوضأ)؟ أى أأريد الصلاة وأقصدها فأتوضأ لها؟ والاستفهام إنكارى كما سبق.
( إنك لم توضأ ) أصله: إنك لم تتوضأ، والمقصود التذكير ليتوضأ.
فقه الحديث
قال النووي: اعلم أن العلماء مجمعون على أن للمحدث أن يأكل ويشرب ويذكر الله سبحانه
وتعالى، ويقرأ القرآن، ويجامع، ولا كراهة فى شىء من ذلك، وقد تظاهرت على هذا كله دلائل السنة
الصحيحة المشهورة، مع إجماع الأمة.
وقد اختلف أصحابنا - رحمهم الله - فى وقت وجوب الوضوء، هل هو بخروج الحدث ويكون
وجوباً موسعاً؟ أم لا يجب إلا بالقيام إلى الصلاة! أم يجب بخروج الحدث والقيام إلى الصلاة معا!
ثلاثة أوجه، أصحها عندهم الثالث.
ثم قال: والمراد من الوضوء فى هذا الحديث الوضوء الشرعى، وحمله القاضى عياض على الوضوء
اللغوى، وجعل المراد غسل الكفين، وحكى اختلاف العلماء فى كراهة غسل الكفين قبل الطعام،
واستحبابه، وحكى الكراهة عن مالك والثورى -رحمهما الله تعالى- والظاهر ما قدمناه أن المراد
الوضوء الشرعى. اهـ
وسبب تذكير الصحابة لرسول الله # أنهم عهدوه إذا خرج من الخلاء توضأ وأنه كان محافظا
على الوضوء فى جميع أوقاته، وهو الداعى إلى مداومة الوضوء، لأنه سلاح المؤمن.
وإنما تركه صلى الله عليه وسلم هذه المرة متعمدا البيان الجواز وتبليغ التشريع ورفع ما يمكن أن
يحل بنفوس أصحابه أنه لا يجوز لمن خرج من الخلاء أن يأكل قبل أن يتوضأ.
أما ذكر الله تعالى فقد قال النووى: ويكره للقاعد على قضاء الحاجة أن يذكر الله تعالى بشىء
من الأذكار، فلا يسبح ولا يهلل، ولا يرد السلام ولا يشمت العاطس، ولا يحمد الله تعالى إذا عطس، ولا
يقول مثل ما يقول المؤذن، ولا يأتى بشىء من هذه الأذكار فى حال الجماع، وإذا عطس فى هذه
الأحوال يحمد الله تعالى فى نفسه، ولا يحرك به لسانه. ثم قال: وهذا الذى ذكرناه من كراهة الذكر
فى حال البول والجماع هو كراهة تنزيه لا تحريم، فلا إثم على فاعله، فقول عائشة ((كان النبى وَ ﴾
يذكر الله على جميع أحواله)» مخصوص بما سوى هذه الأحوال، والكثير الغالب ينزل منزلة الكل.
والمقصود أنه صلى اللّه عليه وسلم كان يذكر الله متطهراً ومحدثاً وجنباً، وقائماً وقاعداً
ومضطجعاً وماشياً.
٤٢٠