النص المفهرس

صفحات 381-400

((أن الفتيا التى كانوا يفتون أن الماء من الماء كانت رخصة رخصها رسول الله {* فى بدء الإسلام،
ثم أمر بالاغتسال بعد)) وأخرجه أيضاً البيهقى وأحمد، وكذا الترمذى، وقال حديث حسن صحيح
وأخرجه أيضاً ابن ماجه وصححه ابن خزيمة وابن حبان، وقال الحافظ ابن حجر: إسناده صالح لأن
يحتج به.
فهذا دليل على أن تلك الأحاديث منسوخة، كما تصرح الرواية الثانية بأن الحديث كان ينسخ
بعضه بعضا. قال النووى: وأما حديث ((إنما الماء من الماء)) فالجمهور من الصحابة ومن بعدهم
قالوا: إنه منسوخ ويعنون بالنسخ أن الغسل من الجماع بغير إنزال كان ساقطا، ثم صار واجباً. اهـ
وظاهر كلام النووى أن عدم وجوب الغسل فى هذه الحالة ثابت بالبراءة الأصلية، والحكم الطارئ على
البراءة الأصلية لا يسمى نسخا، وإلا كانت أكثر الأحكام الشرعية ناسخة، وهذا الذى قاله النووى
بعيد، لأن مفهوم الحصر فى قوله® ((إنما الماء من الماء)» إثبات وجوب الغسل من المنى، ونفى
وجوب الغسل عن الإيلاج بدون إنزال، فكأنه قال: لا غسل من غير إنزال المنى، فالحكم الأول مستفاد
من الحديث وليس من البراءة الأصلية.
وقد حاول البعض الوصول إلى هذا الحكم من غير احتياج للنسخ فابن عباس يرى أنه ليس
بمنسوخ، بل المراد به نفى وجوب الغسل بالرؤيا فى النوم إذا لم ينزل، ففى الترمذى عن ابن عباس
قال ((إنما الماء من الماء فى الاحتلام)) وقد ذكر النسائى حديث ((الماء من الماء)» تحت ترجمة
((باب الذى يحتلم ولا يرى الماء)» مشيرا إلى تأويل ابن عباس بأن الحديث محمول على ما يقع فى
المنام من الاحتلام. ورد هذا الاحتمال بأن مورد الحديث ((إنما الماء من الماء)) فى الجماع وليس فى
الاحتلام، والرواية الأولى فى الباب صريحة فى ذلك، لا تقبل التأويل ولعل ابن عباس لم يطلع على هذا
الحديث بهذه الرواية ولا على الأحاديث الأخرى الصريحة بعدم وجوب الغسل عن الجماع بدون
إنزال، كما يحاول البعض تأويل حديث عائشة وحديث أبى بن كعب ونحوهما يحملهما على ما إذا
باشرها فيما دون الفرج، لكن هذه الاحتمالات بعيدة عن الصواب. قال العينى: عدم دعوى الاحتياج
إلى القول بالنسخ غير صحيح، لأن المستنبطين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم ما وفقوا بين
أحاديث هذا الباب المتضادة إلا بإثبات النسخ. اهـ
قال النووى: واعلم أن الأمة مجتمعة الآن على وجوب الغسل بالجماع، وإن لم يكن معه إنزال،
وكان جماعة من الصحابة على أنه لا يجب إلا بالإنزال، ثم رجع بعضهم، وانعقد الإجماع بعد
الآخرين. اهـ
وقال ابن القصار: وأجمع عليه التابعون ومن بعدهم بعد خلاف من تقدم، والإجماع يرفع الخلاف،
وقد روى أن عمر حمل الناس على ترك الأخذ به حين اختلفوا [كما وضحته فى المعنى العام] ولا يعلم
من قال به بعد خلاف الصحابة إلا ما روى عن الأعمش وداود. اهـ
ويؤخذ من الحديث بالإضافة إلى ما تقدم
١- استدل بعضهم بقوله ((يغسل ما أصابه من المرأة)» على نجاسة رطوبة فرج المرأة قال النووى:
٣٨١

وبها خلاف معروف، والأصح عند بعض أصحابنا نجاستها، ومن قال بالطهارة يحمل الحديث
على الاستحباب.
٢- أخذ النووى من قوله فى الرواية التاسعة ((إنى لأفعل هذا أنا وهذه ثم تغتسل)) جواز ذكر مثل هذا
بحضرة الزوجة، إذا ترتبت عليه مصلحة، ولم يحصل به أذى، وإنما قال النبى{8 1# هذه العبارة
ليكون أوقع فى نفس السائل، ولا يدخل هذا فى النهى عن كشف ما يقع بين الرجل وزوجه.
٣- وفيه أن فعله صلى الله عليه وسلم للوجوب، ولولا ذلك لم يحصل جواب السائل به.
٤- أخذ القاضى عياض من قوله فى الرواية الثامنة ((وإنى أستحيبك)» حياء الصحابة من ذكر جماع
النساء وهو مما يستحيا منه، لاسيما بحضرة النساء، ولا سيما عائشة - رضى الله عنها- ومكانتها
من التوقير.
٥- ويؤخذ منه ذكاء عائشة ومركزها فى الفتوى، وأثرها فى نشر شطر الدين.
والله أعلم
٣٨٢

(١٤٥) باب الوضوء مما مست النار ومن لحوم الإبل
٦٢٧- ٩٠ْ عَنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ﴾(٩٠) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ يَقُولُ « الْوُضُوءُ مِمَّا
مَسَّتِ النَّارُ».
٦٢٨- ٢ْ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي عُمَّرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ؛ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ
أَخْبَرَهُ؛ أَنْهُ وَجَدَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَتَوَضَّأُ عَلَى الْمَسْجِدِ. فَقَالَ: إِنَّمَا أَتَوَضَّأُ مِنْ أَثْوَارِ أَقِطٍ أَكَلْتُهَا. لأنّي
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ :﴿ يَقُولُ « تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ ».
٦٢٩ - ٠ْ، قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ، وَأَنَا أُحَدَّثُهُ هَذَا
الْحَدِيثَ؛ أَنْهُ سَأَلَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ عَنِ الْوُضُوءِ مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ؟ فَقَالَ عُرْوَةُ: سَمِعْتُ عَائِشَةً،
زَوْجَ النَّبِيِّ﴿ّتَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَّ « تَوَضَّئُوا مِمَّا مَسَّتِ النَّارُ».
٦٣٠ - ١١ْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(٩١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ◌ِ﴿ أَكَلَ كَيْفَ شَاةٍ ثُمَّ صَلِّى
وَلَمْ يَتَوَضَّأُ.
٦٣١- ١٠ْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٠) أَنَّ النّبِيَّ ◌َ﴿ أَكَلَ عَرْقًا (أَوْ لَحْمًا) ثُمَّ صَلَّى
وَلَمْ يَتَوَضَّأْ وَلَمْ يَمَسَّ مَاءً.
٦٣٢ - ٩٣ْ عَنِ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ عَنِ أَبِيهِ ﴾(٩٢) أَنَّهُ رَأَى رَسُولَ اللَّهِعَل
يَخْتَرُّ مِنْ كَتِفٍ يَأْكُلُ مِنْهَا، ثُمَّ صَلَى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
٦٣٣ - ٣° عَنِ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَّةَ الصَّمْرِيِّ عَنِ أَبِيهِ﴾(٩٣) قَالَ: رَأَيْتُ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ. فَأَكَلَ مِنْهَا. فَدُعِيَ إِلَى الصَّلاةِ. فَقَامَ وَطَرَحَ
السِّكِّينَ وَصَلِى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ.
(٩٠) وحَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ اللَّيْثِ قَالَ حَدَّثَنِي أَبِي عَنِ جَدِّي حَدََّتِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ أَخْبَرَبِي
عَبْدُالْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامَ أَنَّ خَارِجَةَ بْنَ زَيْدِ الأَنْصَارِيَّ أَخْيَرَهُ أَنْ أَبَاهُ زَيْدَ بْنَ قَابِتٍ قَالَ:
(٩١) حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسَّلَمَةَ بْنٍ فَعْنَبِ خَّدْقَاَ مَالِكَّ عَنٍ زَيِّدِ بْنِ أُسْلَمَ عَنِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
(١٠) وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ خَدَّثَنًا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ هِشَامِ بْنِ غُرْوَةَ أَخْبَرَنِي وَهْبُ بَنُ كَيْسَانَ عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ
عَمْرِو بْنِ عَطَّاءِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ح وحّدَّتِي الزُّهْرِيُّ عَنِ عَلِيِّ بَّنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَّاسٍ عَنِ ابْنِ عَّاسٍ ح وحَدَّثَنِي
مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ عَنِ أَبِهِ عَنِ ابْنِ عُبَّاسٍ
(٩٢) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنَّ الصََّّاحِ خَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ عَنِ جَعْفَرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَّيَّةً
(٩٣) حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى خَدَثْنَا ابْنُ وَهْبٍ أُخْبَرَبِي عَمْرُو بْنُ الْخَّارِثِ عَنِ جَعَّفَرِ بْنِ عَمْرِوَ بْنِ أُمَّةَ الصَّمْرِيِّ عَنِ أَبِيهِ
- قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَحَدَّثِّي عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنِ أَبِيهِ عَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿َ بِذَلِكَ.
٣٨٣

٦٣٤- ٣٠" عَنِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النّبِيِّ :﴿ وَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٠٠٠) أَنَّ النّبِيَّ ◌َ: أَكَلَ عِنْدَهَا كَيِمًا ثُمَّ
صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأُ.
٦٣٥ - ٩٤ْ عَنِ أَبِي رَافِعٍ(٩٤) قَالَ: أَشْهَدُ لَكُنْتُ أَشْوِي لِرَسُولِ اللَّهِعَ﴿هَ بَطْنَ الشَّاةِ. ثُمَّ يِصَلَّى
وَلَمْ يَتْوَضَّأُ.
٦٣٦ - ١٥° عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٩٥) أَنْ النَّبِيَّ ◌ِ شَرِبَ لَيِّنًا، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ
فَتَمَضْمَضَ وَقَالَ «إِنَّلَهُ دَسَمًا ».
٦٣٧- ١٢) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٩٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ِ جَمَعَ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ ثُمَّ خَرَجٌ
إِلَى الصَّلاةِ. فَأْتِيَ بِهَدِيَّةٍ خُبْرٍ وَلَحْمٍ. فَأَكَلَ ثَلاثَ لُقَمٍ. ثُمَّ صَلَّى بِالنَّاسِ، وَمَا مَسَّ مَاءٌ.
٦٣٨ - :: عَنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ(١١) قَالَ كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَاقَ
الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنٍ خَلْحَلَةَ وَفِيهِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ شَهِدَ ذَلِكَ مِنْ النّبِيّ *
وَقَالَ «صَلَّى» وَلَمْ يَقُلْ «بِالنَّاسِ».
٢٣٩- ١٧ عَنِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﴾(٩٧) أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﴾: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومٍ
الْغَمِ؟ قَالَ: «إِنْ شِئْتَ فَتَوَضَّأْ، وَإِنْ شِئْتَ فَلا تَوَضَّأْ» قَالَ: أَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِلِ؟ قَالَ
«لَعَمْ. فَتَوَضَّأُ مِنْ لُحُومِ الإِبِلِ» قَالَ: أُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ؟ قَالَ: «نَعَمْ)) قَالَ: أُصَلِّي فِي
مَبّارِكِ الإِبِلِ؟ قَالَ: «لا».
(١٠٠) قَالَ عَمْرٌو وَحَدَّثَنِي بُكَيْرُ بْنُ الأَشَجِّ عَنِ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسِ عَنٍ مَيْمُونَةً
- قَالَ عَمْرٌو حَدَّثَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ عَنِ يَغْقُوبَ بْنِ الأَشَجِّ ◌َعَنٍ كُرَّيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنِ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ◌َِ بِذَلِكَ.
(٩٤) قَالَ عَمْرٌوٍ وَحَذَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ أَبِيَ هِلالَ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ عَنِ أَبِيْ غَطَّفَانَ عَنِ أَبِي رَافِعٍ
(٩٥) حَدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثُ عَنِ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ عُبَيْدِ اللّهِ بَنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
- وحَّدَّتِي أَحْمَدُ بْنُ عِيسَى حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ وَأَخْبَرَنِي عَمْرَّوحٍ وحَدَّثِّيَ زُهَيْرُ بْنُ حَرَّبٍ حَدَّثَنَا يُحْتِى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ الأَوْزَاعِيِّ
ح وحَدَّقَبِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى أَخْرَنَا ابْنْ وَهْبٍ حَدَّثَنِي يُونُسُ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادٍ عُقَيْلِ عَنِ الزُّهْرِيِّ مِثْلَهُ.
(٩٦) وِحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ حَدَّقْنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو ◌َنِ حَلْحَلَةُ عَنِ مُحَمَّدٍ بْنِ عَمْرِو بْنِ
عَطَاء عَنِ ابْنِ عُبَّاسِ
(١٠) وحّدَّثْنَاهَ أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا أَبُوِ أُسَامَةً عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَاقَ
الْحَدِيثَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ حَلْحَلَةً وِحدَّثَا مُحَمَّدُ ثَنُ عَمَّرِو بْنِ عَطَاءِ
(٩٧) حَدَّثَنَا أَبُوَ كَامِلٍ فُضَّيْلُ بْنَ حُسَيْنِ الْجَحْدَرِيُّ حَذْنَ أَبُو عَوَانَةً عَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ عَنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنِ
جابر بْنِ سَمُرَةً.
- خَدَّثًا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرِو حَدَثَا زَائِدَةُ عَنِ سِمَاكٍ حٍ وَخَذْفِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللّهِ
ابْنُ مُوسَى عَنِ شَيْيَانَ عَنِ عُثْمَانِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ وَأَشْعَثَ بْنِ أَبِّي الشَّعْثَاءِ كُلَّهُمْ عَنِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنِ جَابِرِ بْنِ
سَمُرَةً عَنِ النّبِيِّ ◌َ﴿ُ بِمِثْلَ حَدِيثِ أَبِّي كَامِلٍ عَنٍ أَبِي عَوَانَةً
٣٨٤

المعنى العام
بدأ الإسلام فى أمة أمية، وجماعات بدوية، فكان المسلمون الأولون غير حريصين على النظافة،
بحكم العرف والعادة والبيئة، يأكلون الأرز والإدام واللحم والزبد بأيديهم، ثم يلعقون أصابعهم،
ويمسحونها بما قرب منهم، ثم يمسحون أفواههم.
وجاء دين النظافة فأمر بالوضوء من كل حدث أصغر، والغسل من كل حدث أكبر، وبإزالة الروائح
التى يتأذى منها المجتمع، جاء بالاستنجاء، وغسل اليدين قبل إدخالهما الإناء، وبالمضمضة عند كل
وضوء، وزيادة فى الحث على النظافة أمر بالوضوء من أكل أو شرب ما مست النار، ومن المعروف أن
13
الكثير من الطعام مطهى بواسطة النار، فقال صلى الله عليه وسلم ((توضئوا مما مست النار)) وفهم
بعض الصحابة من هذا الأمر الوجوب، وفهم بعضهم منه الندب وفهم آخرون أن المراد من الوضوء
فيه الوضوء اللغوى وهو النظافة فعمل به على أساس غسل اليدين والفم. وساعد كلا ما فهم عمل
الرسول *، فأبو طلحة يراه يأكل ثور أقط، أى قطعة من اللبن المطبوخ على النار، فيتوضأ منه، وابن
عباس يراه يأكل كتف الشاة مطهية على النار، ثم يصلى دون أن يتوضأ، وعمرو بن أمية الضمرى يراه
يقطع من كتف الشاة بالسكين ويأكل، ثم يدعى إلى الصلاة وهو على هذه الحال، فيطرح السكين من
يده، ويصلى بالناس، ولا يتوضأ، ومبمونة زوج النبى # تروى أنه أكل عندها كتف شاة مطهية على
النار، وصلى ولم يتوضأ، وأبو رافع يشوى لرسول اللّه # بعض ما تحويه بطن الشاة، فيأكله، ثم يصلى،
ولا يتوضأ، وابن عباس يراه يخرج للصلاة ، فيقابل بهدية من خبز ولحم، فيأكل منها ، ثم يصلى ،
ولا یمس ماء.
ويسأله رجل: أأتوضأ يا رسول الله من أكل لحوم الغنم؟ فيقول: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا
تتوضأ، فيسأله: أأتوضأ يا رسول الله من أكل لحوم الإبل؟ فيقول: نعم فتوضأ من لحوم الإبل، ويثور
الجدل بين الصحابة فى هذا الحكم بعد وفاة رسول الله{* ويناظر ابن عباس أبا هريرة، فيقول ابن
عباس: لو وجب الوضوء مما مست النار لم يجزالوضوء بالماء الحار، وإنا نستحم بالماء المسخن
ونتوضأ به، وندهن بالدهن المطبوخ، فيقول أبوهريرة يا ابن أخى. إذا حدثتك عن رسول اللّه ◌ُ ل فلا
تضرب لذلك مثلا. ويقول ابن مسعود: لأن أتوضأ من الكلمة المنتنة أحب إلى من أن أتوضأ من
اللقمة الطيبة.
وينتهى الخلاف والنقاش والجدل بانتهاء الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعده على أنه لا يجب
الوضوء مما مسته النار، عملا بحديث ابن عباس ه «كان آخر الأمرين من رسول اللّه ◌ُ * ترك
الوضوء مما غيرت النار».
المباحث العربية
( الوضوء مما مست النار) الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ، والتقدير الوضوء
٣٨٥

واجب مما مست النار، أو مندوب مما مست النار، و((من)) سببية، و((ما)» اسم موصول، صفة
الموصوف محذوف، وفى الكلام مضاف محذوف، والأصل: الوضوء مطلوب بسبب أكل الطعام الذى
مسته النار.
( ابن قارظ ) بالقاف وكسر الراء بعدها ظاء.
( يتوضأ على المسجد ) أى يتوضأ على سطح المسجد، وكان يصلى على السطح أحياناً.
(إنما أتوضأ من أثوار أقط أكلتها) ((الأنوار)) جمع ((ثور)) والثور - كما فى القاموس-
القطعة من الأقط، و((الأقط)) بتثليث الهمزة وسكون القاف، وقد تحرك القاف بالكسر، على وزن كتف
وإبل، وبالضم على وزن جل وهو طعام يتخذ من اللبن المخيض، ويطبخ على النار، وجملة ((أكلتها)) فى
محل الجر، صفة ((أثوار))، وفى الكلام قصر، طريقه ((إنما)) أى لا أتوضأ الآن من شىء سوى أكل أثوار.
( أكل كتف شاة ) ((الكتف)) العظم بما فيه من لحم، وهى أنثى، والجمع أكتاف، يقال:
((كتف)) بفتح الكاف وكسر التاء، و((كتف)) بكسر الكاف وسكون التاء، وقيل: هى عظم عريض خلف
المنكب، وكتف الشاة أعلى يدها، وفى الكلام مضاف محذوف إن فسر الكتف بالعظم، أى أكل لحم
كتف شاة.
( أكل عرقا أولحما ) بفتح العين وسكون الراء، وهو العظم عليه قليل من اللحم.
(يحتزمن كتف يأكل منها ) ((يحتز)) بالحاء وبالزاى، أى يقطع، وفى البخارى ((يأكل ذراعا
يحتز منها ».
( فقام وطرح السكين ) يذكر ويؤنث، يقال سكين جيد، وجيدة، وسميت سكينا لتسكينها
حركة المذبوح. وحكى الكسائى سكينة.
(أشهد لكنت أشوى) ((أشهد)) فى معنى القسم، و(لكنت أشوى)) جوابه بتقدير ((قد)) لأن لام
الابتداء لا تدخل على الماضى المجرد، وقد أجاز النحاة هذا الأسلوب على قلة.
( بطن الشاة ) قال النووى: يعنى الكبد وما معه من حشوها، وفى الكلام حذف تقديره أشوى
بطن الشاة، فيأكل منه ثم يصلى ولا يتوضأ. اهـ
( أصلى فى مرابض الغنم)؟ بحذف همزة الاستفهام، و((المرابض)) جمع «مربض)» بفتح
الميم وكسر الباء يقال: ريض فى الأرض يربض من باب ضرب إذا لصق بها وأقام ملازما لها، واسم
المكان ((مريض)) قال القاضى عياض: مرابض الغنم حيث تقيل أو تبيت، وقال الأبى: الربوض للغنم
كالاضطجاع للإنسان والبروك للإبل. اهـ وفى رواية ((أصلى فى مباءة الغنم))؟ والمباءة المنزل الذى
تأوی إلیه.
٣٨٦

( أصلى فى مبارك الإبل؟) ((المبارك)) جمع «مبرك)» وهو موضع بروك الجمل عند الماء أو
فى أى مكان، وفى رواية توضئوا من لحوم الإبل ولا تصلوا فى مناخها)) والمناخ بضم الميم المكان
الذى تناخ فيه، وفى رواية ((لا تصلوا فى أعطان الإبل)) و(الأعطان)) جمع «عطن)) وهو اسم لمبرك
الإبل عند الماء، وفى رواية ((أن النبى 8 ** كان يصلى فى مرابض الغنم ولا يصلى فى مرابد الإبل
والبقر)) و(المرابد)) جمع ((مريد)) بالدال، وهى الأماكن التى تحبس فيها الإبل وغيرها من
البقر والغنم.
فقه الحديث
قال النووى: ذكر مسلم رحمه الله تعالى فى هذا الباب الأحاديث الواردة بالوضوء مما مست
النار، ثم عقبها بالأحاديث الواردة بترك الوضوء مما مست النار، فكأنه يشير إلى أن الوضوء منسوخ.
وهذه عادة مسلم وغيره من أئمة الحديث، يذكرون الأحاديث التى يرونها منسوخة، ثم
يعقبونها بالناسخ.
ثم قال: وقد اختلف العلماء فى قوله {₪ ((توضئوا مما مست النار)) فذهب جماهير العلماء من
السلف والخلف إلى أنه لا ينتقض الوضوء بأكل ما مسته النار، وممن ذهب إليه أبو بكر الصديق ه
وعمر وعثمان وعلى وابن مسعود وأبو الدرداء وابن عباس وابن عمر وأنس وجابر ابن سمرة، وزيد بن
ثابت، وأبوموسى الأشعرى وأبوهريرة وأبى بن كعب وأبو طلحة وعامر بن ربيعة وأبو أمامة وعائشة -
رضى الله عنهم أجمعين. وهؤلاء كلهم صحابة، وذهب إليه جماهير التابعين، وهو مذهب مالك وأبى
حنيفة والشافعي وأحمد وإسحق وأبى ثور وأبى خيثمة رحمهم الله تعالى.
وذهبت طائفة إلى وجوب الوضوء الشرعى، وضوء الصلاة، بأكل ما مسته النار، وهو مروى عن عمر
ابن عبد العزيز والحسن البصرى والزهرى وأبى قلابة وأبى مجاز.
ثم قال: ثم إن هذا الخلاف الذى حكيناه كان فى الصدر الأول، ثم أجمع العلماء بعد ذلك على أنه
لا يجب الوضوء بأكل ما مسته النار.
وقال: واحتج الجمهور بالأحاديث الواردة بترك الوضوء مما مسته النار، وقد ذكر مسلم هنا منها
جملة، وباقيها فى كتب أئمة الحديث المشهورة.اهـ
والجملة التى ذكرها مسلم هى الرواية الرابعة عن ابن عباس ((أن النبى * أكل كتف شاة، ثم
صلى ولم يتوضأ)»، والرواية الخامسة عن ابن عباس ((أن النبى 8 أكل عرقا أو لحما، ثم صلى ولم
يتوضأ، ولم يمس ماء)» والرواية السادسة عن عمرو بن أمية الضمرى قال ((رأيت رسول اللّه * يحتز
من كتف شاة، فأكل منها، فدعى إلى الصلاة، فقام وطرح السكين، وصلى ولم يتوضأ)» والرواية الثامنة
عن ميمونة ((أن النبى # أكل عندها كتفا، ثم صلى ولم يتوضأ)» والرواية التاسعة عن أبى رافع قال:
أشهد لكنت أشوى لرسول اللّه * بطن الشاة، ثم يصلى ولم يتوضأ» والرواية الحادية عشرة عن ابن
٣٨٧

عباس ((أن رسول اللّه * جمع عليه ثيابه، ثم خرج إلى الصلاة، فأتى بهدية - خبز ولحم - فأكل ثلاث
لقم ثم صلى بالناس وما مس ماء» والرواية الثانية عشرة عن جابر بن سمرة أن رجلا سأل رسول اللّه
*: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: ((إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ)).
ومما ذكر فى غير مسلم ما رواه الطبرانى بإسناد حسن من طريق سليمان بن عامر قال: «رأيت
أبا بكر وعمر وعثمان أكلوا مما مست النار، ولم يتوضئوا)) وما رواه ابن أبى شيبة عن محمد بن
المنكدر قال ((أكلت مع رسول اللَّه ﴿﴿ ومع أبى بكر وعمر وعثمان خبزاً ولحماً، فصلوا ولم يتوضئوا)»
وما أخرجه الطحاوى عن ابن مسعود وعلقمة أنهما خرجا يريدان الصلاة، فجىء بقطعة من بيت
علقمة، فيها ثريد، ولحم، فأكلا، فمضمض ابن مسعود، وغسل أصابعه ثم قام إلى الصلاة)) وعن ابن
مسعود قال ((لأن أتوضأ من الكلمة المنتنة أحب إلى من أن أتوضأ من اللقمة الطيبة)).
أما الأحاديث المقابلة الداعية إلى الوضوء مما مسته النار فمنها الرواية الأولى عن زيد ابن ثابت
قال: سمعت رسول اللَّه ﴿ يقول: ((الوضوء مما مست النار)) والرواية الثانية عن أبى هريرة قال:
سمعت رسول اللّه # يقول ((الوضوء مما مست النار)) والرواية الثانية عن أبى هريرة قال ((سمعت
رسول اللَّه﴿ يقول: توضئوا مما مست النار)) والرواية الثالثة عن عائشة قالت: ((قال رسول اللَّه ◌ِ ﴾
توضئوا مما مست النار».
ومما ذكر فى غير مسلم، ما رواه الطحاوى عن أبي طلحة صاحب رسول اللّه ◌ُ﴾ ((أن النبى لت
أكل ثور أقط توضئوا منه)) وما رواه الطحاوى والنسائى والطبرانى عن زيد بن ثابت عن رسول اللّه ل#:
قال: ((توضئوا مما غيرت النار)) وما رواه الطحاوى عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه ◌ُل توضئوا مما
غيرت النار ولو من ثور أقط)) وما رواه الطحاوى عن سهل بن الحنفية قال: قال رسول اللَّه ◌ُ ﴾ ((من
أكل لحما فليتوضأ ».
ويجيب الجهمور عن هذه الأحاديث بتأويل الوضوء فيها بالوضوء اللغوى وليس الشرعى، أى
النظافة وغسل الفم والكفين، وعلى فرض أن المراد بالوضوء الوضوء الاصطلاحى فإنه منسوخ
بالأحاديث الأخرى الدالة على ترك الوضوء مما مسته النار، ولا يقال: إن النسخ يحتاج إلى ضبط
التاريخ، وليس فى مسلم ذكر للتاريخ، ولا ما يشير إليه، فقد ورد فى الموطأ أن ترك الوضوء من ذلك
كان بحنين، وهى متأخرة، كما روى أبو داود عن جابر قال ((كان آخر الأمرين من رسول اللّه ◌ُ * ترك
الوضوء مما غيرت النار)».
قال الحافظ ابن حجر نقلا عن ابن بطال: أمر صلى الله عليه وسلم بالوضوء مما مسته النار لأنهم
كانوا ألفوا فى الجاهلية قلة التنظيف، فأمروا بالوضوء منه فلما تقررت النظافة فى الإسلام
وشاعت نسخ اهـ
وقد جمع ابن تيمية بين هذه الأحاديث المتعارضة بحمل الأمر بالوضوء على الاستحباب، وحمل
أحاديث الترك على أنه ليس بواجب، حيث قال: وهذه النصوص - يعنى الأحاديث الدالة على ترك
٣٨٨

الوضوء مما مست النار- إنما تنفى الإيجاب، لا الاستحباب ولهذا قال صلى الله عليه وسلم للذى
سأله: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ وإن شئت فلا تتوضأ، ولولا أن الوضوء من ذلك
مستحب لما أذن فيه، لأنه إسراف وتضييع للماء بغير فائدة. اهـ والله أعلم.
وظاهر الرواية الثانية عشرة أن أكل لحوم الإبل يوجب الوضوء، وكأن لحوم الإبل مستثناة مما
مسته النار، إذ جاء فى هذه الرواية ((أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا
توضأ، قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم فتوضأ من لحوم الإبل)» وإلى هذا ذهب الإمام أحمد
وإسحق بن راهويه وابن المنذر وابن خزيمة، وفى توجيه هذا الحكم قال الدهلوى: والسر فى إيجاب
الوضوء من لحوم الإبل على قول من قال به أنها كانت محرمة فى التوراة، واتفق جمهور أنبياء بنى
إسرائيل على تحريمها، فلما أباحها اللّه تعالى لنا شرع الوضوء منها المعنيين:
أحدهما: أن يكون الوضوء شكراً لما أنعم الله علينا من إباحتها بعد تحريمها على من قبلنا.
وثانيهما: أن يكون الوضوء علاجاً لما عسى أن يختلج فى بعض الصدور من إباحتها بعد ما
حرمها الأنبياء من بنى إسرائيل، فإن النقل من التحريم إلى كونه مباحاً يناسبه إيجاب الوضوء منه
ليكون أقرب إلى اطمئنان نفوسهم. اهـ
وقال الطحاوى: قد فرق قوم بين لحوم الغنم ولحوم الإبل، فأوجبوا فى أكل لحوم الإبل الوضوء، ولم
يوجبوا ذلك فى أكل لحوم الغنم لما فى لحوم الإبل من الغلظ، ومن غلبة ودكها على يد آكلها، وأباح أن
لا يتوضأ من الحرم الغنم لعدم ذلك منها.اهـ
وذهب الجمهور - ومنهم الخلفاء الأربعة وابن مسعود وأبى بن كعب وابن عباس وأبو الدرداء
ومالك وأبو حنيفة والشافعي وأصحابه إلى أن أكل لحوم الإبل غير ناقض للوضوء.
وقالوا: إن المراد من الوضوء فى الحديث الوضوء اللغوى، أى الغسل والتنظيف، وهو من لحوم
الإبل آكد منه من غيرها من اللحوم. وقالوا: لما كان لحم الإبل فرداً مما مسته النار، وقد نسخ وجوب
الوضوء منه بجميع أفراده استلزم نسخ وجوبه من لحوم الإبل، فهو فرد من أفراد العام الذى نسخ،
وإذا نسخ العام الذى هو وجوب الوضوء مما مست النار نسخ كل فرد من أفراده ومنه لحوم الإبل،
وقالوا: إن الإبل والغنم سواء فى حل بيعهما وشرب لبنهما وطهارة لحومهما، وأنه لا تفترق أحكامهما
فى شىء من ذلك، فاقتضى أن يكونا فى أكل لحومهما سواء: فكما صح أنه لا وضوء من أكل لحوم
الغنم فكذلك لا وضوء من أكل لحوم الإبل.
كما أن ظاهر الرواية الثانية عشرة جواز الصلاة فى مرابض الغنم، وعدم جوازها فى مبارك الإبل،
ومثل ذلك روى الترمذى عن ابن سيرين عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه ◌َ﴾ ((صلوا فى مرابض
الغنم، ولا تصلوا فى أعطان الإبل)) وروى أبو داود حديث البراء وفيه ((سئل رسول اللّه ◌َ ل عن الصلاة
فى مبارك الإبل، فقال: لا تصلوا فى مبارك الإبل فإنها من الشيطان)» كما روى ابن ماجه عن عبد الله
ابن مغفل قال: قال رسول الله (صلوا فى مرابض الغنم ولا تصلوا فى أعطان الإبل، فإنها خلقت
٣٨٩

من الشيطان)» وذكر الطبرانى فى الأوسط حديث أسيد بن حضير قال: قال رسول اللّه ◌ُ* (( توضئوا
من لحوم الإبل، ولا تصلوا فى مناخها».
وذكر أبو يعلى فى مسنده حديث طلحة بن عبيد الله قال: كان رسول اللّهفي * يتوضأ من ألبان
الإبل ولحومها، ولا يصلى فى أعطانها)» وذكر أحمد فى مسنده حديث عبد الله بن عمرو ابن العاص أن
النبى : «كان يصلى فى مرابض الغنم، ولا يصلى فى مرابد الإبل والبقر» وذكر أحمد والطبرانى أيضا
حديث يعيش الجهنى قال: ((عرض أعرابى لرسول اللّه : وقال: تدركنا الصلاة ونحن فى أعطان
الإبل، أفنصلى فيها؟ فقال رسول اللَّه ع ﴿: لا)).
ولا خلاف بين العلماء فى أن الأمر بالصلاة فى مرابض الغنم للإباحة وليس للوجوب اتفاقاً، ولا
للندب، وقد قصد بهذا الأمر الترغيب فى تربية الغنم، بإبعادها فى هذا الحكم عن حكم الإبل، إذ وصف
أصحاب الإبل بالغلظ والقسوة، ووصف أصحاب الغنم بالسكينة والوقار.
وإنما الخلاف فى النهى عن الصلاة فى مبارك الإبل، هل هو التنزيه؟ أو الكراهة؟ أو للحرمة؟
وذهب أحمد فى الرواية المشهورة عنه أنه إذا صلى فى أعطان الإبل فصلاته فاسدة وهو مذهب أهل
الظاهر وكرهها الحسن البصرى وإسحق وأبو ثور، وأحمد فى رواية عنه.
والجمهور وأبو حنيفة ومالك والشافعى وأبو يوسف ومحمد، على جواز الصلاة فى أعطان الإبل،
وأن النهى للتنزيه.
وهذا الخلاف حيث لا يتصل المصلى بالنجاسة، فإن لم يكن بين المصلى وبين النجاسة حائل
فإنه لا تجوز صلاته فى أى مكان كان.
واختلفوا كذلك فى سبب التفرقة بين مرابض الغنم وأعطان الإبل فقال شريك بن عبد الله: نهى
عن الصلاة فى أعطان الإبل لأن أصحابها من عادتهم التغوط بقرب إبلهم والبول فى مباركها،
فينجسون بذلك أعطان الإبل، فنهى عن الصلاة فيها لذلك، لا لعلة الإبل، وإنما هو لعلة النجاسة التى
تمنع من الصلاة فى أى موضع، بخلاف مرابض الغنم، فإن أصحابها من عادتهم تنظيف مواضعها،
وترك البول والتغوط فيها، فأبيحت الصلاة فى مرابضها لذلك.
قال العينى: وهذا بعيد جداً، مخالف لظاهر الحديث: وقال الطحاوى: هذا التعليل يقتضى النهى
عن الصلاة حيث يكون البول والغائط، سواء كان عطناً أو غيره.
وقيل: إن علة النهى هى كون أبوال الإبل وأرواتها تكون غالباً فى معاطنها. قال العينى: وهذا
أيضًا بعيد، لأن مرابض الغنم تشركها فى ذلك.
وقال يحيى بن آدم: إن العلة فى اجتناب الصلاة فى معاطن الإبل أن الإبل يخاف وثوبها،
فتعطب من تلاقى حينئذ، فالمصلى فى معاطنها يظل مشغولا بها بخلاف الغنم، لأنه لا يخاف منها
ما يخاف من الإبل. اهـ وهذه العلة أقرب للقبول، ولا عبرة لاعتراض الطحاوى عليها بأنها تقتضى أن
تكون الصلاة مكروهة حيث يخاف على النفوس، سواء كانت فى عطن أو فى غير عطن وسواء كانت
٣٩٠

إبلا إو غير إبل، لأن الحق ذلك، وأن الصلاة مكروهة حيث يخاف على النفوس، وهذا موطن من
مواطن الخوف على النفوس والتنصيص عليه لا يمنع من إلحاق غيره به، حيث توجد العلة.
ولا عبرة أيضاً لقوله: إن النظر يقتضى عدم التفرقة بين مرابض الغنم وأعطان الإبل، لأنا رأينا
حكم لحم الإبل كحكم لحم الغنم فى طهارنه، ورأينا حكم أبوالها كحكم أبوالها فى طهارتها أو
نجاستها، فالنظر يقتضى أن يكون حكم الصلاة فى مواضع الإبل كحكمه فى مواضع الغنم.اهـ فإن
ظاهر هذا القول معارضة الحديث الصحيح المصرح بالتفرقة.
ويصل بنا البحث إلى الكلام عن نجاسة أبوال الغنم والإبل أو طهارتها، وقد ذهب مالك إلى
طهارة بول ما يؤكل لحمه، وبه قال أحمد ومحمد بن الحسن والإصطخرى والرويانى الشافعيان، وهو
قول الشعبى وعطاء والنخعى والزهرى وابن سيرين والحكم والثورى.
وذهب أبو داود بن علية إلى أن بول كل حيوان طاهر، سواء كان مأكول اللحم أوغير مأكوله، إلا
بول الإنسان، فإنه نجس.
وذهب الشافعى وأبو حنيفة وأبو يوسف وأبو ثور وكثيرون آخرون إلى أن الأبوال كلها نجسة إلا
ما عفى عنه.
استدل القائلون بطهارته بما رواه البخارى وغيره فى قصة العرنيين أنه صلى الله عليه وسلم
أمرهم أن يشربوا من أبوال اللقاح وألبانها. قالوا: لوكانت أبوال الإبل نجسة لحرم شربها، ولما أمر
به صلى الله عليه وسلم.
ويجيب المخالفون بأن ما فى حديث العرنيين قد كان للضرورة، فليس فيه دليل على أنه يباح
فى غير حال الضرورة، لأن هناك أشياء أبيحت فى الضرورات، ولم تبح فى غيرها، كما فى لبس
الحرير، فإنه حرام على الرجال وقد أبيح لبسه فى الحرب أو للحكة أو لشدة البرد إذا لم يجد غيره، وله
أمثال كثيرة فى الشرع.
ويحاول ابن بطال ومن يقول بطهارة بول وروث ما يؤكل لحمه أن يستدل على هذا الحكم بالرواية
الثانية عشرة من روايات الباب. قالوا: لأن المرابض لا تسلم من البعر والبول، فدل على أنهم كانوا
يباشرونها فى صلواتهم، فلا تكون نجسة، ويجيب الشافعية ومن يقول بنجاسة الأبوال والأروات
باحتمال وجود الحائل، حينئذ، أو بعدم التيقن من وجود الأبوال والأروات فى مكان الصلاة. قال
الحافظ ابن حجر: الأصل الطهارة، وعدم السلامة من الأبوال والأروات فى مرابض الغنم غالب، وإذا
تعارض الأصل والغالب قدم الأصل. اهـ
ومن أدلة الشافعية عموم حديث ((استنزهوا من البول، فإن عامة عذاب أهل القبر منه)» وهو ظاهر
فى تناول جميع الأبوال، وحديث أن النبى ₪ حين أتى الغائط، وطلب ثلاثة أحجار، فأتى بحجرين
وروثة، أخذ الحجرين ورد الروثة وقال: هو رجس أى نجس، والله أعلم.
٣٩١

ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- من الرواية العاشرة يؤخذ استحباب المضمضة من شرب اللبن، ومن التعليل بأن له دسما
استحباب المضمضة من كل ما له دسم أو لزوجة أو بقايا تتعلق بالفم، وأما ما جاء فى سنن أبى
داود من «أنه صلى الله عليه وسلم شرب لبناً ولم يتمضمض ولم يتوضأ)» فهو محمول على الجواز،
والأمر بالمضمضة من اللبن فى رواية ابن ماجه، ولفظها ((مضمضوا من اللبن، فإن له
دسماً)» للاستحباب.
ومثل المضمضة غسل اليدين قبل الطعام وبعده، قال النووى: والأظهر استحباب غسل اليدين قبل
الطعام، إلا أن يتيقن نظافة اليدين من النجاسة والوسخ، واستحباب غسلهما بعد الفراغ من
الطعام إلا أن لا يبقى على اليد أثر الطعام، بأن كان يابساً، أولم يمسسه بها، كمن يأكل [بالشوكة
والملعقة] ومالك يكره غسل البدين قبل الطعام إلا أن يكون بها قذر، وبعده إلا أن يكون للطعام
دسم يعلق باليد، أو رائحة كريهة كزفورة السمك، انتهى بتصرف.
٢- ومن الرواية السابعة جواز قطع اللحم بالسكين للأكل، قال النووى: وذلك حين تدعو إليه الحاجة،
كصلابة اللحم، أو كبر القطعة. اهـ وقال الحافظ ابن حجر: وفى النهى عنه حديث ضعيف فى
سنن أبى داود، فإن ثبت خص بعدم الحاجة الداعية إلى ذلك، لما فيه من التشبه بالأعاجم
وأهل الترف.
٣- ومن الرواية الأولى جواز الوضوء فى المسجد، قال النووى: وقد نقل ابن المنذر إجماع العلماء على
جوازه ما لم يؤذ به أحداً. اهـ
٤- ومن الرواية السابعة، من قوله: ((فدعى إلى الصلاة)) جواز، بل استحباب استدعاء الأئمة إلى
الصلاة إذا حضروقتها.
٥- ومن قوله فى الرواية نفسها ((وصلى ولم يتوضأ)) أن الشهادة على النفى تقبل، إذا كان المنفى
محصوراً مثل هذا. قاله النووى.
٦ - وفيها أن الوضوء مما مست النار ليس بواجب.
والله أعلم
٣٩٢

(١٤٦) باب من تيقن الطهارة وشك فى الحدث
٦٤٠- ٩٨ْ عَنِ سَعِيدٍ وَعَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ عَنٍ عَمِّهِ عِ﴾ (٩٨) شُكِيَ إِلَى النّبِيِّ ◌َ﴾: الرَّجُلُ يُخَيَّلُ
إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّيْءَ فِي الصَّلاةِ. قَالَ « لا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا، أَوْ يَجِدَ رِيحًا ».
٦٤١ - ١٩ْ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ضَ﴾(٩٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ ﴾: «إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ فِي بَطْنِهِ
شَيْئًا فَأَشْكَلَ عَلَيْهِ. أَخَرَجَ مِنْهُ شَيْءٌ أَمْ لا. فَلا يَخْرُجَنَّ مِنَ الْمَسْجِدِ خَنِى يَسْمَعَ صَوّْا أَوْ
يَجِدَ رِيحًا».
المعنى العام
سبحان من خلق، ويعلم من خلق، وهو اللطيف الخبير، خلق الإنسان وفى طبعه الشك والنسيان،
ثم سلط عليه الشيطان الوسواس الخناس، ليقعد له من بين يديه ومن خلفه ليوسوس له، ويشككه فى
عبادته، ويخرجه من الإقبال على ربه وأمام هذين التيارين رسم له طريق العمل فى حالة الحيرة وعدم
الاهتداء، ولو أنه تركه فى تخبطه لأصبحت حياته مزيجا من الوسوسة وخليطاً من التردد والارتباك،
رسم له قاعدة استصحاب الأصل، وطرح الشك، وإبقاء ما كان على ما كان، وتكفل جل شأنه، رحمة
منه وفضلا، أن يعفو عن الخطأ، ويتقبل العمل على ذلك الوجه وإن وقع على خلاف أصله. فالمصلى
الذى يخيل إليه أنه أحدث وخرج منه الريح المبطل للوضوء، المبطل للصلاة، لا ينبغى أن يخرج من
صلاته، ولا أن يعتقد بطلانها، بل عليه أن يستصحب فى نفسه طهارته التى دخل بها، وأن يطرح
الشك الذى طرأ عليه، وأن لا ينصرف حتى يتيقن الحدث يقينا، لا يمازجه شك، يقينا ناشئا عن
الحواس الموجبة للعلم، يقينا صادرا عن السمع أو الشم، فلا ينصرف حتى يسمع بأذنه صوت
الضراط، أو يشم بأنفه ريح الفساء، أو يتأكد بواسطة حس آخر أنه أحدث. بهذا الطريق الشرعى
المرسوم يسد المسلم على الشيطان أبواب ولوجه، ويدفع عن نفسه، أخطار الشك والتردد ويخطو إلى
الإمام بعزم وثبات.
المباحث العربية
( عن عباد بن تميم عن عمه) أى عم عباد، وهو عبد الله بن زيد بن عاصم المازنى الأنصارى،
قال الحافظ ابن حجر: واختلف: هل هو عم عباد لأبيه أو لأمه.اهـ
(٩٨) وحَدَّثَنِي عَمْرٌو النّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حِ وَحَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةً قَالَ عَمْرٌو حَدََّنَا سُفْيَاهُ بْنُ
عُيَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ سَعِيدٍ وَعَبَّدِ بْنِ تَمِيمٍ عَنِ عَمِّهِ
- قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَزُهَيْزَّ بْنُ حَرْبٍ فِي رِوَايَتِهِّمَا هَوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ
(٩٩) وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدََّا جَرِيرَّ عَنِ سُهَيْلٍ عَنِ أَبِهِ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ
٣٩٣

(شكى إلى النبى * الرجل) قال النووى: ((شكى)) بضم الشين وكسر الكاف، و((الرجل))
مرفوع، ولم يسم هنا الشاكى، وجاء فى رواية البخارى أن السائل هو عبد الله بن زيد الراوى، وينبغى
ألا يتوهم بهذا أنه ((شكى)) مفتوحة الشين والكاف، ويجعل الشاكى هو المذكور، فإن هذا الوهم
غلط.اهـ وإنما كان هذا الوهم غلطا لأن ((شكا)» بفتح الشين والكاف بالألف، ليس لأن توهم كون
السائل عمه خطأ، فرواية البخارى ((عن عباد بن تميم عن عمه أنه شكا إلى رسول اللّه * الرجل الذى
يخيل إليه ... )) إلخ قال الحافظ ابن حجر ((شكا)) بألف، ومقتضاه أن الراوى هو الشاكى، وصرح بذلك
ابن خزيمة ولفظه «عن عمه عبد الله بن زيد قال: سألت رسول اللّه{# عن الرجل ... » إلخ.
( شكى ... الرجل يخيل إليه أنه يجد الشىء فى الصلاة) جملة ((يخيل إليه)) فى محل
النصب على الحال من ((الرجل)) أى شكى إليه حالة الرجل. و((يخيل)) بضم أوله، وفتح الخاء، وتشديد
الياء الثانية المفتوحة، وأصله من الخيال، قال الحافظ ابن حجر: والمعنى: يظن، والظن هنا أعم من
تساوى الاحتمالين، أو ترجيح أحدهما، على ما هو أصل اللغة من أن الظن خلاف اليقين، اهـ والمراد
من الشىء الحدث، والعدول عن ذكره للأدب وصيانة اللسان عن المستقذر بخاص اسمه حيث لا
ضرورة، ومعنى وجدانه الحدث ظن خروجه منه، وقوله ((فى الصلاة)) قيد لبيان الواقع وحال الحادثة،
وليس للاحتراز، فالحكم خارج الصلاة هو الحكم فيها على ما ذهب إليه الجمهور وجعله المالكية
للاحتراز، وسيأتى شرحه فى فقه الحديث.
(لا ينصرف) بالجزم على النهى، ويجوز الرفع، على أن ((لا)) نافية، ورواية البخارى ((لا ينفتل
أو لا ينصرف)» بالشك من الراوى.
( حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا) معناه حتى يعلم وجود أحدهما، ولا يشترط السماع والشم
بإجماع المسلمين. والمراد من سماع الصوت أو وجدان الريح الخارجين من مخرجه.
( إذا وجد أحدكم فى بطنه شيئاً) أى ريحاً يتحرك ليخرج.
( فأشكل عليه ) أى فالتبس عليه أمره.
( فلا يخرجن من المسجد ) أى من الصلاة، وليس المراد المكان المعد للصلاة للتصريح
بذلك فى الرواية الأولى، ولأنه لا يترتب على الحدث الأصغر الخروج من المسجد.
فقه الحديث
قال النووى: هذا الحديث أصل من أصول الإسلام، وقاعدة عظيمة من قواعد الفقه، وهى أن
الأشياء يحكم ببقائها على أصولها حتى يتيقن خلاف ذلك، ولا يضر الشك الطارئ عليها، فمن ذلك
مسألة الباب التى ورد فيها الحديث وهى أن من تيقن الطهارة وشك فى الحدث حكم ببقائه على
٣٩٤

الطهارة، ولا فرق بين حصول هذا الشك فى نفس الصلاة وحصوله خارج الصلاة. هذا مذهبنا ومذهب
جماهير العلماء من السلف والخلف، وحكى عن مالك - رحمه الله - روايتان: إحداهما أنه يلزمه
الوضوء إن كان شكه خارج الصلاة، ولا يلزمه إن كان فى الصلاة، والثانية يلزمه على كل حال [أى
سواء كان الشك أثناء الصلاة أو كان خارجها] قال الشافعية ولا فرق فى الشك بين أن يستوى
الاحتمالان فى وقوع الحدث وعدمه، أو يترجح أحدهما، أو يغلب على ظنه، فلا وضوء عليه بكل حال،
ويستحب له أن يتوضأ احتياطاً فلو توضأ احتياطاً ودام شكه فذمته بريئة، وإن علم بعد ذلك [أى بعد
أن توضأ احتياطاً] أنه كان محدثاً، فهل تجزيه تلك الطهارة الواقعة فى حال الشك؟ فيه وجهان
للشافعية، أصحهما عندهم أنه لا تجزيه، لأنه كان متردداً فى نيته. وأما إذا تيقن الحدث، وشك فى
الطهارة فإنه يلزمه الوضوء بإجماع المسلمين، وأما إذا تيقن أنه وجد منه - بعد طلوع الشمس مثلا -
حدث وطهارة، ولا يعرف السابق منهما، فإن كان لا يعرف حاله قبل طلوع الشمس لزمه الوضوء، وإن
عرف حاله ففيه أوجه لأصحابنا أشهرها عندهم أنه يكون بضد ما كان قبل طلوع الشمس، فإن كان
قبلها محدثا فهو الآن متطهر، وإن كان قبلها متطهراً فهو الآن محدث، والوجه الثانى - وهو الأصح
عند جماعات من المحققين - أنه يلزمه الوضوء بكل حال. الثالث يبنى على غالب ظنه، والرابع
يكون كما كان قبل طلوع الشمس، ولا تأثير للأمرين الواقعين بعد طلوع الشمس، وهذا الوجه غلط
صريح، إذ كيف يحكم بأنه على حالة تيقن بطلانها بما وقع بعدها؟.
قال: ومن مسائل القاعدة المذكورة أن من شك فى طلاق زوجته، أوعتق عبده، أو نجاسة الماء
الطاهر، أو طهارة الماء النجس، أو نجاسة الثوب أو الطعام أو غيره، أو أنه صلى ثلاث ركعات أو
أربعاً، أو أنه ركع وسجد أم لا، أو أنه نوى الصوم أو الصلاة أو الوضوء أو الاعتكاف، وهو فى أثناء هذه
العبادات وما أشبه هذه الأمثلة، فكل هذه الشكوك لا تأثير لها، والأصل عدم هذا الحادث.
انتهى بتصرف.
والروايات عن مالك - رحمه الله - فى هذه المسألة مختلفة، فقد روى عنه نقض الوضوء مطلقا،
وروى عنه النقض خارج الصلاة دون داخلها، وروى ابن نافع عنه: لا وضوء عليه مطلقاً، كقول
الجمهور، وروى ابن وهب عنه ((أحب إلى أن يتوضأ)).
ومشهور مذهب مالك - كما يقول القرطبى - النقض داخل الصلاة وخارجها، وحمل بعض أتباعه
الحديث على من كان به وسواس، وتمسك بأن الشكوى لا تكون إلا عن علة، قال الحافظ ابن حجر:
وأجيب بما دل على التعميم، وهو حديث أبى هريرة عند مسلم [روايتنا الثانية]، ولفظه ((إذا وجد
أحدكم فى بطنه شيئاً، فأشكل عليه، أخرج منه شىء أم لا؟ فلا يخرجن من المسجد حتى يسمع
صوتاً أو يجد ريحاً)).
وقال العراقى: ما ذهب إليه مالك راجح، لأنه احتاط للصلاة، وهى مقصد، وألغى الشك فى السبب
المبرئ. وغيره احتاط للطهارة وهى وسيلة، وألغى الشك فى الحدث الناقض لها، والاحتياط للمقاصد
أولى من الاحتياط للوسائل.اهـ
٣٩٥

قال الحافظ ابن حجر: وجوابه أن ذلك من حيث النظر قوى، لكنه مغاير لمدلول
الحديث، لأنه أمر بعدم الانصراف إلى أن يتحقق، والنهى عن إبطال العبادة متوقف على
صحتها، فلا معنى للتفريق بذلك، لأن هذا التخيل إن كان ناقضاً خارج الصلاة فينبغى أن
يكون كذلك فى الصلاة، كبقية النواقض. اهـ
والله أعلم
٣٩٦

(١٤٧) باب طهارة جلود الميتة بالدباغ
٦٤٢ - ١٢٠ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٠٠) قَالَ: تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلاةٍ لِمَيْمُونَةً بِشَاةٍ.
فَمَاتَتْ. فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِوَلَّ فَقَالَ: « هَلا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا، فَدَيَغْتُمُوهُ، فَانْفَعْتُمْ بِهِ؟» فَقَالُوا:
إِنْهَا مَيْئَةٌ. فَقَالَ: « إِنَّمَا حَرُمٌ أَكْلُهَا ».
٦٤٣ - ١ْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٠١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ وَجَدَ شَاةً مَيْنَةٌ، أُعْطِيْهَا
مَوْلاةٌ لِمَيْمُونَةَ، مِنَ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَتْ: « هَلَا انْتَفَعْتُمْ بِجِلْدِهَا» قَالُوا: إِنَّهَا مَيْئَةٌ
فَقَالَ: «إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا ».
٦٤٤ - ٢ْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٠٢) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِوَ مَرَّ بِشَاةٍ مَطْرُوحَةٍ.
أُعْطِيَتْهَا مَوْلاةٌ لِمَيْمُونَةَ، مِنَ الصَّدَقَةِ. فَقَالَ النّبِيُّلَ﴿ِ: «أَلا أَخَذُوا إِهَابَهَا فَدَبَغُوهُ
فَانْتَفَعُوا بِهِ؟ ».
٦٤٥- ١:٣ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٠٣) أَنَّ مَيْمُونَةً أَخْبَرَتْهُ؛ أَنَّ دَاجَنَةً
كَانَتْ لِبَعْضِ نِسَاءِ رَسُولِ اللَّهِ﴿ِ. فَمَاتَتْ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «أَلا أَخَذْتُمْ
إِهَابَهَا فَاسْتَمْتَغُمْ بِهِ؟ ».
٦٤٦ - ١٢٤ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٠٤) أَنَّ النّبِيَّ : ﴿ مَرَّ بِشَاةٍ لِمَوْلاةٍ لِمَّيْمُونَةَ.
فَقَالَ: « أَلَا انْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا؟».
(١٠٠) وحَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ قَالَ يَحْتَى أَخْرَنَا سُفْيَاهُ
ابْنُ عُبَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ أَبِّي عُمَّرَ فِي حَدِيثِهِمَّا عَنٍ مَّيْمُونَةً رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا
(١٠١) وحَدَّثَنِيَّ أَبُو الطّاهِرِ وَحَرْمَلَّةُ قَالا حَدَّثَنَا أَبْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُْبَةً عَنِ
ابْنِ عَبَّاسٍ
- حَدََّا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ جَمِيعًا عَنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدَِّي أَبِي عَنِ صَالِحٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا
الإِسْنَادِ بِنَحْوِ رِوَايَةِ يُونُسَ.
(١٠٢) وَحَدَّثَنَا ابَنَّ أَبِي عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ الزُّهْرِيُّ وَاللَّفْظُ لابْنِ أَبِي عُمَّرَ قَالا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنِ عَمْرٍو عَنِ
عطاء عَن ابْنِ عَّاسِ
(١٠٣) حَدَّنَا أَحْمَذَ بْنُ عُثْمَانَ النَّوْقَلِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ حَذََّنَا ابْنُ جُرَيِّجٍ أَخْبَرَبِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَخْبَرَبِي عَطَاءٌ مُنْذُ حِينٍ قَالَ
أُخْبَرَنِي ابْنُ عَبَّاسِ
(١٠٤) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنِ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
٣٩٧

٦٤٧- ° ١ْ٥ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (١٠٥) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِعَ
يَقُولُ: « إِذَا دُبِغَ الإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ ».
: بِمِعلِهِ(١).
٦٤٨ - لَّهْد عَنِ أَبِي الْخَيْرِ(١٠٦) قَالَ: رَأَيْتُ عَلَى ابْنِ السَّيَئِيِّ فَرْوًا. فَمَسِسْتُهُ. فَقَالَ: مَا لَكَ
تَمَسُّهُ؟ قَدْ سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ. قُلْتُ: إِنَّا تَكُونُ بِالْمَغْرِبِ. وَمَعَنَا الْبَرْبَرُ وَالْمَجُوسُ نُؤْتَى
بِالْكَبْشِ قَدْ ذَبَحُوهُ. وَتَحْنُ لا تَأْكُلُ ذَبَائِحَهُمْ. وَيَأْتُونَا بِالسِّقَاءِ يَجْعَلُونَ فِيهِ الْوَدَكَ. فَقَالَ ابْنُ
عَبَّاسٍ: قَدْ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ ﴿َ عَنِ ذَلِكَ؟ فَقَالَ: « دِبَاغُهُ طَهُورُهُ».
٦٤٩ - ١٧ عَنِ ابْنٍ وَعْلَةَ السَّبَّئِيِّ(١٠٧) قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسِ قُلْتُ: إِنَّا نَكُونُ
بِالْمَغْرِبِ. فَيَأْتِيْنَا الْمَجُوسُ بِالأَسْقِيَةِ فِيهَا الْمَاءُ وَالْوَدَكُ. فَقَالَ: اشْرَبْ. فَقُلْتُ: أَرَأَيّ تَرَاهُ؟
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ لَ﴿ يَقُولُ « دِبَاغُهُ طَهُورُهُ».
المعنى العام
إن الشريعة السمحة، التى تحل الطيبات وتحرم الخبائث، تدعو إلى الانتفاع بكل ما يمكن
الانتفاع به، فليس معنى خبثه وتحريم أكله تحريم الاستفادة منه، ليس معنى تحريم أكل الميتة
إبطال جميع منافعها، وإنما الذى حرم أكلها، محافظة على صحة الإنسان من خبث لحمها، أما
الانتفاع بجلدها بعد الدبغ فعمل مشروع، وقد كان رسول الله : رجلاً عملياً يضع القول عند العمل،
وينتهز الفرصة والواقعة ليبين للأمة شريعتها الغراء، ويطبقها فى بيته قبل أن يطالب بها الآخرين.
رأى شاة ميتة فى بيت زوجه ميمونة، أخرجوها وطرحوها فى خرية مهجورة، فقال: ما هذه؟ قالوا:
شاة أعطيتها مولاة زوجك ميمونة، فماتت فطرحناها، قال: كان خيراً أن تسلخوها وتأخذوا جلدها
وتدبغوه وتنتفعوا به بشتى أنواع الانتفاع قالوا: إنها ميتة وقد حرم الله علينا الميتة؟ قال صلى اللّه
عليه وسلم إنما حرم اللَّه أكل الميتة، ولم يحرم الانتفاع بجلدها، فسلخوها وأخذوا جلدها ودبغوه
(١٠٥) حَدَّثَنَا يَحْنِى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالِ عَنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ وَعْلَةَ أَخْبَرَهُ عَنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبَّاسٍ
(١٠) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَعَمْرٌوِ النَّاقِذٌ قَالاً حَدَّلْنَا ابْنُ عُيَيْئَةً ح وَحَدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِيَ ابْنَ
مُحَمَّدٍ ح وحَدَّثَّا أَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنِ وَكِيعٍ عَنِ سُفْيَانَ كُلَّهُمْ عَنِ زَيْدِ بْنِ أُسْلَمَ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
وَغْلَةً عَنِ ابْنٍ عبّاسٍ عَنِ النّبي څ بِمِعلِهِ يُغْنِي حَدِیث یحتِى بْنِ يَخِْى.
(١٠٦) حَدَّثَنِيَ إِسْحَقُ بْنَّ مَنْصُورٍ وَأَبُو بِّكْرِ بْنُ إِسْحَقَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّثْنَا وَقَالَ ابْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَمْرُو بْنُ الرَّبِيعِ أَخْبُرْنًا يَحْيَى
ابْنُ أَيُّوبَ عَنِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ أَنْ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ قَالَ
(١٠٧) وَحَدَّثَنِي إِسْخَقُ بْنْ مَنْصُورٍ وَأَبُوِ بَكْرِ بْنُ إِسْحَقَ عَنِ عَمْرِو بْنِ الرَّبِعِ أَخْرَلَا يَحْتَى بْنُ أَيُّوبَ عَنِ جَعْفَرٍ بْنِ رَبِيعَةَ عَنِ أَبِي
الْخَيْرِ حَدَّثَّهُ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنٌ وَعْلَةَ السََّبِيِّ
٣٩٨

وانتفعوا به، واستفاد بجلد الميتة من علم، واستفهم من لم يعلم فهذا أبو الخير يجهل الحكم، ويرى
ابن السبئى يلبس جلد شاة، فمسه متعجباً فقال ابن السبئى: لم تعجب؟ إننى استفتيت ابن عباس
قبل أن أفعله، قلت له: إننا ببلاد فيها مجوس لا نأكل ذبائحهم، ولكنهم يأتوننا بالماء والشحم فى
قرب اتخذوها من جلود ذبائحهم التى هى فى حكم الميتة، فماذا نفعل؟ قال ابن عباس: اشرب من
قربهم وكل. قلت: أهذا رأى لك أو حكم الشريعة عن الرسول *؟ قال: قال رسول اللّه عَ ل:((دباغ
الجلد طهوره».
المباحث العربية
( تصدق على مولاة لميمونة بشاة ) ((تصدق)) بضم التاء والصاد، مبنى للمجهول، وفى
الرواية الثانية ((أعطيتها مولاة لميمونة من الصدقة)) وفى رواية للبخارى عن ابن عباس قال: ((مر
النبى # بعنز ميتة)» قال الحافظ ابن حجر: العنز هى الماعزة، وهى الأنثى من المعز، ولا ينافى رواية
((ماتت شاة)) لأنه يطلق عليها شاة كالضأن.اهـ
وعندى أن العنز غير الشاة، وحمل الروايتين على حادثتين مختلفتين أولى من حمل العنز والشاة
على ذات واحدة.
(هلا أخذتم إهابها فدبغتموه) ((هلا)) بتشديد اللام حرف تحضيض، مختص بالجمل
الفعلية الخبرية، وهى فى دخولها على الماضى الذى لا يمكن تداركه للتنديم، لكنها هنا للتحضيض،
لأن الماضی یمکن تداركه وعمله.
والإهاب بكسر الهمزة وتخفيف الهاء هو الجلد قبل أن يدبغ، وقيل: هو الجلد دبغ أو لم يدبغ،
وجمعه ((أهب)) بفتحتين، ويجوز بضمتين، وفى الرواية الثانية ((هلا انتفعتم بجلدها)»؟
(إنها ميتة ) بسكون الياء، ويجوز فى غير الرواية تشديد الياء المكسورة، ففى
القاموس: هى ميتة وميتة وميت، والميتة مالم تحلقه الذكاة. اهـ وفى اللسان: وقيل: الميت
بسكون الياء الذى مات، والميت بالتشديد والمأت بالهمز الذى لم يمت بعد. قال تعالى:
﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠].
(إنما حرم أكلها) ((حرم)) بضم الراء المخففة، وروى بضم الحاء وكسر الراء المشددة،
والضمير فى ((أكلها)) يعود للميتة، أى إنما حرم أكل الميتة، والقصر إضافى، وهو قصر إفراد، لأن
المخاطبين كانوا يعتقدون حرمة الأكل والانتفاع.
( ألا أخذوا إهابها فدبغوه) ((ألا)) هنا بفتح الهمزة وتخفيف اللام حرف عرض وتحضيض،
ومعناهما طلب الشىء، لكن العرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحث.
٣٩٩

( أن داجنة كانت لبعض نساء رسول اللَّه ◌َ ل) يقال: دجن بالمكان يدجن دجونا أقام
به وألفه، ودجن فى بيته إذا لزمه، وبه سميت دواجن البيوت وهى ما ألف البيت من الشاء وغيرها،
الواحدة داجن وداجنة، وظاهر هذه الرواية أن الشاة كانت لواحدة من أزواج النبى وُ ل﴾، والروايات
الأخرى صريحة بأنها كانت لمولاة ميمونة، فإن كانت القصة واحدة كانت الرواية هنا على المجاز،
فما كان لمولاة ميمونة هو لميمونة مجازاً وإن كانت القصة مختلفة فلا مجاز وهو الظاهر، ففى
البخارى عن ابن عباس عن سودة زوج النبي # قالت: «ماتت لنا شاة فدبغنا مسكها ».
( إذا دبغ الإهاب فقد طهر) يقال: طهر الشىء بفتح الهاء وضمها لغتان، والفتح أفصح.
( رأيت على ابن السبئي فرواً ) ابن السبئي هو عبد الرحمن بن وعلة السبئى بفتح السين
والباء بعدهما همزة ثم ياء النسب، والفروبدون هاء هو الصحيح المشهور فى اللغة، وجمعه فراء،
ككعب وكعاب، ويقال فروة بالهاء كما يقولها العامة، وهى لغة قليلة حكاها ابن فارس.
( فمسسته ) بكسر السين الأولى على اللغة المشهورة، وفى لغة قليلة بفتحها، فعلى الأولى
المضارع يمسه بفتح الميم، وعلى الثانية بضمها.
( ويأتونا بالسقاء ) أصله ويأتوننا حذفت النون الأولى تخفيفاً، والسقاء القرية من
الجلد المدبوغ.
( يجعلون فيه الودك ) بفتح الواو والدال، هو الشحم، قال النووي: هكذا هو فى الأصول ببلادنا
((يجعلون)) بالعين بعد الجيم، وكذا نقله القاضى عياض عن أكثر الرواة قال: ورواه بعضهم ((يجملون))
بالميم بعد الجيم، ومعناه يذيبون، يقال: يجملون بفتح الياء وضمها، لغتان، يقال: جملت الشحم
وأجملته أذبته. اهـ
فقه الحديث
اختلف العلماء فى طهارة جلود الميتة بالدباغ على سبعة مذاهب:
أحدها: مذهب الشافعى، وهو أنه يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة إلا جلد الكلب والخنزير، وما
تولد منهما أو من أحدهما، وذلك لنجاسة عينهما فى المذهب، ويطهر بالدباغ ظاهر الجلد وباطنه،
ويجوز استعماله فى الأشياء المائعة واليابسة، ولا فرق بين مأكول اللحم وغيره، وروى هذا المذهب عن
على بن أبى طالب وعبد الله بن مسعود - رضى الله عنهما- وهو مذهب الأكثرين. ومجموع الأحاديث
تؤيده، والرواية السادسة ((إذا دبغ الإهاب فقد طهر)) صريحة فى عموم المأكول وغير المأكول، ومن
المعلوم أن نجس العين لا يطهر، والرواية السابعة والثامنة صريحة فى طهارة ظاهر الجلد وباطنه بعد
الدبغ، وصريحة فى استعماله فى الماء والودك.
٤٠٠