النص المفهرس

صفحات 301-320

صَدَّقْتَ. وَإِنَّكَ لَنَبِيٌّ. ثُمَّ انْصَرَفَ فَذَهَبَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ ﴿ «لَقَدْ سَأَنِي هَذَا عَنِ الْذِي
سَأَنِي عَنْهُ. وَمَا لِي عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنْهُ. حَتَّى أَتَانِيَ اللهُ بِهِ».
٥٥٩- ١٠ عَنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ سَلامٍ(١١) فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنْهُ قَالَ: كُنْتُ
قَاعِدًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِينَ﴿ وَقَالَ «زَائِدَةُ كَبِدِ النُّونِ» وَقَالَ: «أَذْكَرَ وَأَنَّثَ».
وَلَمْ يَقُلْ: «أَذْكَرًا وَآَنَّفًا».
المعنى العام
الحياء من الإيمان، والحياء لا يأتي إلا بخير، بهذا حث الإسلام على التخلق بخلق الحياء، حث
على انقباض النفس وعدم إقبالها على أمر تخاف أن تلام وتذم عليه، وإذا خاف المسلم من اللوم
والذم اجتنب السيئات، وفى الوقت الذى دعا فيه الإسلام إلى التخلق بهذا الخلق الكريم دعا إلى
الجرأة فى العلم وفى الحق، عملا بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لا يَسْتَحْبِي مِنَ الْحَقِّ﴾ [الأحزاب: ٥٣] وقوله:
﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةٌ فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] لأن العلم يضيع بين الكبر
والحياء، ولا يتعلم العلم مستحى، ومن هنا نجد الرجال والنساء فى عهده صلى الله عليه وسلم يسألون
عما يحتاجون من أمور دينهم ودنياهم، حتى قالت عائشة: «نعم النساء نساء الأنصار. لم يمنعهن
الحياء أن يتفقهن فى الدين.
واتباعًا لهذه التعاليم الحكيمة جاءت أم سليم، أم أنس إلى رسول اللّه:﴿ وعنده عائشة وأم
سلمة. فقالت: يا رسول الله، إنى سائلتك عن مسألة تستحى المرأة من ذكرها لكن الله لا يستحى من
الحق. إن المرأة ترى فى المنام أن زوجها يجامعها وأنها تنزل، وتصبح فتجد بللا فى قبلها، فهل
عليها من غسل إذا هى احتلمت ورأت الماء؟ فتبسمت أم سلمة تعجباً، وغطت وجهها حياء، وقالت:
تربت يمينك يا أم سليم. وقالت عائشة: أف لك يا أم سليم. فضحت النساء بذكر هذا الكلام الذى
يستحيا من ذكره، فقال رسول اللَّه { بل أنتما المستحقتان للإنكار والزجر، كيف تنكران على من
تسأل عن دينها؟ دعوها تسأل. نعم يا أم سليم؟. إذا كان منها ما يكون من الرجل وجب عليها الغسل
قالت أم سلمة: وتحتلم المرأة وترى ذلك يارسول الله؟ قال: نعم. النساء شقائق الرجال، وللمرأة ماء
كما أن للرجل ماء، لكن ماء الرجل مختلف عن ماء المرأة فماؤه أبيض غليظ، وماؤها أصفر رقيق،
وتعجبت أم سلمة وعائشة، إذ هما تحسان بماء الرجل ويريانه، لكن كل واحدة منهما لم تحتلم، ولم تر
ماء يخرج من قبلها، فقال لهما صلى الله عليه وسلم: ألستما تشاهدان شبه الولد بأمه أحياناً كما
تشاهدان شبهه بأبيه أحياناً؟ قالتا: نعم، قال: فمن أين يأتى شبهه بأمه إذا لم يكن لها ماء وشهوة
يلتقى بماء الرجل وشهوته؟ واقتنعت عائشة وأم سلمة وعلمتا علماً يجهله أهل زمانهما، علمتا ما جاء
(١٠) وحَذََّتِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِمِيُّ أَخْبَرَنَا يَحْتَى بْنُ حَسَّانَ حَدََّنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ سَلامٍ
٣٠١

به اليهودى عبد الله بن سلام يسأل عنه النبى # متحدياً مختبرًا صدقه ونبوته. جاء فقال: السلام
عليك يا محمد. فدفعه خادم رسول اللّه ® وقال له: لم لا تناديه برسول الله؟ قال: لم أومن برسالته
بعد، ولكنى أدعوه بما سماه به أهله. ثم قال: جئت أسألك عن شىء لا يعلمه إلا نبى أو رجل أو رجلان.
قال له صلى الله عليه وسلم: أينفعك جوابى إن أجبتك وتؤمن؟ قال: أسمع بأذنى، وأفكر بعقلى: قال
له: سل قال: ما أول طعام يأكله أهل الجنة؟ قال: طرف كبد الحوت، قال: فما غذاؤهم بعده؟ قال
ينحر لهم ثور خلقه الله فى الجنة يأكل من أطرافها قال: فما شرابهم عليه؟ قال: يشربون من عين
فيها تسمى سلسبيلا. قال: فما بال الولد ينزع إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: إن سبق وعلا ماء الرجل نزع
الولد إلى أبيه، وإن سبق وعلا ماء المرأة نزع الولد إلى أمه. قال: صدقت. وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنك
رسول اللَّه. ثم قال: يا رسول الله إن اليهود قوم بهت، يَكْذِبون ويُكَذَّبون، فادعهم واسألهم عنى قبل أن
يعلموا بإسلامى، فإنهم إن علموا بإسلامى قالوا فى ما ليس فى، فأرسل إليهم النبى و803 فجاءوا -
وعبد الله فى داخل الدار - قال لهم النبى : أى رجل فيكم ابن سلام؟ قالوا: سيدنا وابن سيدنا،
وأفضلنا وابن أفضلنا، وأعلمنا وابن أعلمنا، قال: أفرأيتم إن أسلم؟ قالوا: أعاذه اللَّه من ذلك. فأعاد
عليهم ثلاثاً، فقالوا ذلك. فخرج إليهم ابن سلام، فقال: يا معشر اليهود. اتقوا اللَّه الذى لا إله إلا هو،
إنكم لتعلمون أنه رسول الله، وأنه جاء بالحق، فقالوا: هذا شرنا وابن شرنا، وتنقصوه. فقال: هذا ما
كنت أخاف يا رسول الله.
المباحث العربية
( جاءت أم سليم ) بضم السين وفتح اللام، تزوجها مالك بن النضر فولدت له أنسا، ثم قتل
عنها مشركا، فأسلمت، فخطبها أبو طلحة، وهو مشرك، فأبت حتى يسلم فأسلم، فتزوجها.
( فقالت له - وعائشة عنده) جملة ((وعائشة عنده)) مبتدأ وخبر فى موضع الحال من الضمير
فى «له)).
(المرأة ترى ما يرى الرجل فى المنام ) ((ما)) اسم موصول، والمقصود ما يراه الرجل من
أحلام المداعبة والجماع. والمراد من الرؤية هذا رؤية المنام، أى ترى فى منامها أحلامًا جنسية مثلما
يرى الرجل.
( فترى من نفسها ما يرى الرجل من نفسه) الرؤية هنا بصرية أو علمية منشؤها الحس -
كما سيوضح فى فقه الحديث، والمعنى: فترى من نفسها المنى الذى يراه الرجل من نفسه، نتيجة
لهذا الاحتلام.
( فضحت النساء ) أى حكيت عنهن أمراً يستحيا من وصفهن به ويكتمنه، وذلك أن نزول
المنى منهن يدل على شدة شهوتهن للرجال.
٣٠٢

( تربت يمينك ) قال النووى: فيه خلاف كثير منتشر جداً للسلف والخلف من الطوائف كلها،
والأصح الأقوى الذى عليه المحققون فى معناه أنها كلمة أصلها افتقرت [قال: ترب بكسر الراء، أى
لصق بالتراب، ويكنى به عن الفقر قال تعالى: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾ [البلد: ١٦]، قال الهروى:
ويقال: أترب الرجل إذا استغنى كأن ماله صار بعده التراب] ولكن العرب اعتادت استعمالها غير
قاصدة حقيقة معناها الأصلى، فيذكرون: تربت يداك وقاتلك اللَّه ما أشجعك، ولا أم لك ولا أب لك،
وثكلتك أمك، وما أشبه هذا من ألفاظهم، يقولونها عند إنكار الشىء، أو الزجر عنه، أو الذم عليه، أو
استعظامه، أو الحث عليه، أو الإعجاب به. اهـ والأنسب هنا الإنكار والزجر.
( فقال لعائشة: بل أنت ) ((بل)) للإضراب الإبطالى، فهو صلى الله عليه وسلم يبطل قول
عائشة لأم سليم: تربت يمينك. ثم يقول لها ما أبطله عن أم سليم. و))أنت)) مبتدأ محذوف الخبر، أى
أنت أحق أن يقال لك ذلك، فإنها فعلت ما يجب عليها من السؤال عن دينها، فلا تستحق الإنكار،
وتستحقين أنت الإنكار لإنكارك ما لا إنكار فيه.
( فتريت يمينك ) الفاء فصيحة، فى جواب شرط، تقديره: إذا لم تستحق هى الإنكار، وكنت
أنت أحق به فتربت يمينك.
( نعم) جواب السؤال المطوى فى هذه الرواية، ويصرح به فى الرواية الرابعة، بلفظ ((فهل على
المرأة من غسل إذا هى احتلمت)»؟ وفى الرواية السادسة بلفظ ((هل تغتسل المرأة إذا احتلمت
وأبصرت الماء)»؟
( فلتغتسل - يا أم سليم - إذا رأت ذاك) ((ذا)) اسم إشارة، والكاف حرف خطاب
للمؤنثة، فيكسر، والمشار إليه المنى. وفى الرواية الثانية ((إذا رأت ذلك)) واللام للبعد.
( فقالت أم سليم: واستحبيت من ذلك. قالت: وهل يكون هذا؟ ) ظاهر هذا الأسلوب
أن أم سليم هى التى قالت: وهل يكون هذا؟ وهو مستبعد ولعل الأصل: قالت عائشة، كما تشير الرواية
الخامسة، أو قالت: أم سلمة كما تصرح الرواية الرابعة، وسيأتى مزيد إيضاح لهذا فى فقه الحديث،
والاستفهام للإنكار أو للتعجب.
( نعم فمن أين يكون الشبه) أى مشابهة الولد أمه، ورواية البخارى ((فبم يشبهها ولدها)»؟
كالرواية الرابعة، وفى الرواية السادسة ((وهل يكون الشبه إلا من قبل ذلك)) والاستفهام فى هذه
الرواية للإنكار بمعنى النفى، أى لا يكون الشبه إلا من جهة مائها. والشبه بفتح الشين والباء، وبكسر
الشين وسكون الباء بمعنى المشابهة، وهى الاشتراك ولو فى بعض الصفات.
( فمن أيهما علا أو سبق يكون منه الشبه ) قال النووى: يجوز أن يكون المراد بالعلوهنا
السبق، ويجوز أن يكون المراد الكثرة والقوة بحسب كثرة الشهوة. اهـ. والأولى أن يراد بالعلو والسبق
الغلبة، أى: فمن الذى تتغلب صفاته وخواصه على صفات وخواص الآخر يكون شبه الولد.
٣٠٣

(إذا كان منها ما يكون من الرجل فلتغتسل ) ((كان)) تامة، والمعنى إذا وجد منها ما
يوجد من الرجل من المنى نتيجة للاحتلام فلتغتسل.
(﴿وَاللَّه لا يَسْتَحْبِي مِن الْحَقِّ﴾) ((لا يستحيى)) بياءين. ويقال أيضًا: يستحى بياء واحدة
فى المضارع. اهـ. والحياء تغير وانكسار، يعترى الإنسان من خوف ما يصاب به، أو يذم عليه. وهذا
محال على الله. نعم فى الحديث نفى الاستحياء لا إثباته، لكن مفهوم نفى الاستحياء من الحق
إثبات الاستحياء من غير الحق، ولهذا قال علماء الحديث إن الكلام هنا على غير حقيقته، فيكون
جارياً على الاستعارة التمثيلية، فتشبه حالة ترك الحق وما يحيط بتاركه، وما يكون عليه
بالاستحياء، فكأنها قالت: إن الله لا يترك الحق، أى لا يمتنع من بيان الحق، فكذا أنا لا أمتنع من
سؤالى عما أنا محتاجة إليه، وقيل: معناه. إن اللَّه لا يأمر بالحياء فى الحق ولا يبيحه، وإنما قالت
ذلك اعتذارا بين يدى سؤالها عما دعت الحاجة إليه مما تستحيى النساء فى العادة من السؤال عنه
بحضرة الرجال.
( فهل على المرأة من غسل إذا هى احتلمت؟ ) الفاء فصيحة فى جواب شرط مقدر: أى
وإذا كان الحياء من الحق مذموماً فهل على المرأة من غسل؟ و)(من)) زائدة داخلة على المبتدأ فى
سياق الاستفهام، والاحتلام افتعال من الحلم بضم الحاء وسكون اللام، وهو ما يراه النائم فى نومه،
يقال: حلم بفتح اللام واحتلم، والمراد أمر خاص من الأحلام، وهو الجماع، وشاع فى الإنزال فى جماع
المنام، فإذا قال الرجل: احتلمت، فالمتبادر أنزلت من لذة منامية، والظاهر أن سؤالها عن الاحتلام
بمعنى اللذة الشهوانية فى النوم، أنزلت أم لم تنزل، فكان الجواب اشتراط الإنزال ورؤية الماء، يؤيد
هذا رواية أحمد، من حديث أم سليم أنها قالت ((إذا رأت أن زوجها يجامعها فى المنام أتغتسل)»؟
(وتحتلم المرأة؟ ) معطوف على محذوف، والاستفهام مقدر، أى أترى المرأة الماء وتحتلم؟
وفى رواية ((وهل تحتلم المرأة)»؟ وفى رواية ((أو تحتلم المرأة))؟
( أف لك ) فى ((أف)) عشر لغات، بضم الهمزة مع كسر الفاء، وفتحها وضمها بغير
تنوين، وبالتنوين، فهذه ست لغات، والسابعة ((إف)) بكسر الهمزة وفتح الفاء، والثامنة
((أف)) بضم الهمزة وإسكان الفاء، والتاسعة ((أفى)) بضم الهمزة وبالياء، و((أفه)) بالهاء،
ذكرهن ابن الأنبارى وقال أبو البقاء: من كسر بناه على الأصل، ومن فتح طلب التخفيف،
ومن ضم أتبع، ومن نون أراد التنكير، ومن لم ينون أراد التعريف، ومن خفف الفاء حذف
أحد المثلين تخفيفاً. وقال ابن الأنبارى فى اللغة التاسعة بالياء، كأنه أضافه إلى نفسه.
اهــ والظاهر أنها اسم فعل ماض، أى كرهت وضجرت، وأصل الأف وسخ الأظفار، وهى
كلمة تستعمل فى الاحتقار والاستقذار والإنكار، قال الباجى: والمراد بها هنا الإنكار.
( تربت يداك وألت ) بضم الهمزة وفتح اللام المشددة وإسكان التاء، ومعناها: أصابتها الألة،
بفتح الهمزة وتشديد اللام، وهى الحرية، فكأنها قالت: افتقرت يداك وطعنت.
٣٠٤

(جاء حبر من أحبار اليهود ) ((الحبر)) بفتح الحاء وكسرها لغتان مشهورتان هو العالم،
والمراد به هنا عبد الله بن سلام، كما جاء فى روايات البخارى، وكان أعلم اليهود، وكان اسمه
الحصين، فسماه رسول اللَّه ◌ِ﴿ - لما أسلم - عبداللَّه.
(جئت أسألك) جملة ((أسألك)) فى محل النصب على الحال المقدرة، أى جئت مقدرا
وقاصدًا سؤالك.
( أينفعك شىء إن حدثتك ) الاستفهام تقريرى، أى قر بأن قصدك الانتفاع بالحديث، وليس
التحدى والمعاكسة، وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله.
( قال: أسمع بأذنى) تثنية ((أذنى)) ليس مراده: أسمع بأذنى ولا أعقل ولا أتأثر، وإنما مراده:
لا ألتزم المتابعة، وإنما أسمع بأذنى وأنظر فيما أسمع.
(فنكت رسول اللَّه ◌َ﴿ بعود معه) ((نكت)) بفتح النون والكاف، أى خط بالعود فى الأرض،
وأثر به فيها، وهذا يفعله المفكرون.
( يوم تبدل الأرض غير الأرض ) قيل: إن التبديل تبديل صفات، بأن تمد مد الأديم، وتستوى،
وتزال جبالها، وتصبح بيضاء عفراء، وليس فيها علم ولا شىء يستر، وقيل: إن التبديل تبديل ذات، بأن
تزال هذه الأرض، ویؤتی بغيرها.
(هم فى الظلمة دون الجسر) بفتح الجيم وكسرها، لغتان مشهورتان وهو ما يعبر عليه ،
والمراد منه هنا الصراط.
( فمن أول الناس إجازة؟ ) بكسر الهمزة، ومعناه جوازاً وعبورًا.
( فما تحفتهم؟ ) بإسكان الحاء وفتحها، لغتان، والتحفة ما يهدى إلى الرجل ويخص
ويلاطف به.
(زيادة كبد النون ) وفى رواية ((زائدة كبد النون)» والزيادة والزائدة شىء واحد، والنون الحوت
وزيادة الكبد طرفه، وهو أطيبه، وتعريف النون يشعر بأنه حوت مخصوص. وهذا من الأمور السمعية
التى ينبغى الإيمان بها تعبدًا.
(فما غذاؤهم على إثرها؟ ) ((غذاؤهم)) روى على وجهين: أحدهما: بالذال وكسر الغين، وهو
الطعام أو الشراب الذى يتغذى به الجسم فى أى وقت من الأوقات، وثانيهما: بالدال وفتح الغين، وهو
الأكل أول النهار. قال القاضى عياض: هذا الثانى هو الصحيح وهو رواية الأكثرين، والأول ليس بشىء
[لأن السؤال عن طعامهم فى وقت معين، وليس عن طعامهم فى جميع الأوقات] وقال النووى: وللأول
وجه، وتقديره: ما غذاؤهم فى ذلك الوقت؟.اهـ وهو وجه حسن، يساعده قوله: ((على إثرها)). والإثر
بكسر الهمزة وإسكان الثاء، والأثر بفتح الهمزة والثاء لغتان مشهورتان.
٣٠٥

( ينحرلهم ثور الجنة الذى كان يأكل من أطرافها ) هذا الأسلوب يشعر بأنه
ثور معهود، ليس فى الجنة غيره. وهل هو موجود الآن - على القول بأن الجنة موجودة - أو
يوجد فيما بعد؟: اللَّه أعلم.
( فما شرابهم عليه؟ ) أى على هذا الغذاء؟ أو على هذا الثور؟
( قال: من عين فيها تسمى سلسبيلا ) قال جماعة من أهل اللغة والمفسرين: السلسبيل
اسم للعين: وقال مجاهد وغيره: هى شديدة الجرى، وقيل: هى السلسة اللينة، قاله النووى. اهـ
والباحث يرى أن الجواب لم يطابق السؤال، إنه السؤال عن المشروب، والجواب عن مكان المشروب،
ولو قصد مطابقته لقال: ماء غير آسن، أو لبنًا، أو خمرًا، أو عسلا مصفى، لكنه جرى على الأسلوب
الحكيم، كأنه قال: شرابهم من الفخامة بحيث لا يوصف، لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على
قلب بشر، لكنه يخرج من عين فى الجنة تسمى سلسبيلا.
( أذكرا بإذن اللَّه وأنثا بإذن اللَّه) ((أذكرا)) أنجبا ذكراً، و))آنثا)) أنجبا أنثى، وقد روى بالمد
وتخفيف النون، وروى بالقصر وتشديد النون.
( ثم انصرف فذهب ) قد يكون العطف عطف تفسير، لرفع وهم أنه انصرف عن قبول الحق
مع بقائه فى المجلس، وقد يكون عطف مغاير، بأن يراد من الانصراف تولية الظهر، ومن الذهاب
البعد عن المجلس بحيث لا يسمح، وهذا هو الظاهر.
فقه الحديث
يستفاد من هذه الروايات
١ - أن خروج المنى من موجبات الغسل على الرجل والمرأة قال النووى: وقد أجمع المسلمون على
وجوب الغسل على الرجل والمرأة بخروج المنى، أو إيلاج الذكر فى الفرج وأجمعوا على وجوبه
عليها بالحيض والنفاس، واختلفوا فى وجوبه على من ولدت ولم تردما أصلا، والأصح عند
أصحابنا وجوب الغسل، وكذا الخلاف فيما إذا ألقت مضغة أو علقة. والأصح وجوب الغسل.
وقال: ثم إن مذهبنا أنه يجب الغسل بخروج المنى، سواء كان بشهوة ودفق أم لا، فى النوم أو فى
اليقظة، وسواء أحس بخروجه أم لا، وسواء خرج من العاقل أم من المجنون.
ثم إن المراد بخروج المنى أن يخرج إلى الظاهر، أما ما لم يخرج فلا يوجب الغسل، وذلك بأن
يرى النائم أنه يجامع، وأنه قد أنزل، ثم يستيقط فلا يرى شيئاً فلا غسل عليه بإجماع المسلمين،
وكذا لواضطرب بدنه لمبادئ خروج المنى فلم يخرج، وكذا لونزل المنى إلى أصل الذكر، ثم لم
يخرج فلا غسل، وكذا لوصار المنى فى وسط الذكر، وهو فى صلاة، فأمسك بيده على ذكره، فوق
٣٠٦

حائل فلم يخرج المنى حتى سلم من صلاته صحت صلاته، فإنه ما زال متطهراً حتى خرج،
والمرأة كالرجل فى هذا، إلا أنها إذا كانت ثيباً فنزل المنى إلى فرجها، ووصل الموضع الذى يجب
عليها غسله فى الجنابة والاستنجاء، وهو الذى يظهر حال قعودها لقضاء الحاجة، وجب عليها
الغسل بوصول المنى إلى ذلك الموضع لأنه فى حكم الظاهر، وإن كانت بكرا لم يلزمها الغسل ما
لم يخرج المنى من فرجها، لأن داخل فرجها كداخل إحليل الرجل، اهـ
٢- وفيه أن المرأة تحتلم كالرجل. قال ابن بطال: فيه دليل على أن كل النساء يحتلمن، قال الحافظ
ابن حجر: والظاهر أن مراده الجواز لا الوقوع، أى فيهن قابلية الاحتلام، وعكسه ابن عبد البر،
فقال: فيه دليل على أن بعض النساء لا يحتلمن، أخذاً من إنكار أم سلمة بقولها: «وهل يكون
هذا)»؟ ((وتحتلم المرأة)»؟ وقال السيوطى. وأى مانع أن يكون ذلك خصوصية لأزواجه صلى اللّه
عليه وسلم أنهن لايحتلمن، كما أن من خصائص الأنبياء أنهم لا يحتلمون، لأنه من الشيطان، فلم
يسلطه عليهم، وكذا لا يسلط على أزواجه تكريماً له. اهـ ورده الزرقانى، فقال: المانع من ذلك أن
الخصائص لا تثبت بالاحتمال، وعلل بعضهم منع وقوعه من أزواجه صلى اللَّه عليه وسلم بأنهن لا
يطعن غيره، لا يقظة ولا مناماً، والشيطان لا يتمثل به، وفيه نظر، لأنهن قد يحتلمن من غير رؤية،
كما يقع لكثير من الناس.
٣- واستدل به على أن ماء المرأة قد يبرز ويرى، وزعم بعضهم أن ماء المرأة لا يبرز، وإنما ينعكس إلى
الرحم، وحمل الرؤية فى الحديث على العلم، أى تغتسل إذا علمت أنها أنزلت بشهوة، والجمهور
على خلافه، وأن المرأة كالرجل لا يجب عليها الغسل بالإنزال إلا إذا برز ماؤها.
٤- وفيه بيان صفات منى الرجل والمرأة. قال النووى: قوله صلى الله عليه وسلم ((إن ماء الرحل غليظ
أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر)) أصل عظيم فى بيان صفة المنى، وهذه صفته فى حال السلامة
وفى الغالب؛ قال العلماء: منى الرجل فى حال الصحة أبيض ثخين يتدفق فى خروجه دفقة بعد
دفقة، ويخرج بشهوة ويتلذذ بخروجه، وإذا خرج استعقب خروجه فتوراً، ورائحته كرائحة طلع
النخل، ورائحة الطلع قريبة من رائحة العجين، وقيل: تشبه رائحته إذا يبس رائحة البول، فهذه
صفاته، وقد يفارقه بعضها مع بقاء ما يستقل بكونه منيا، وذلك بأن يمرض فيصير منيه رقيقاً
أصفر، أو يسترخى وعاء المنى، فيسيل من غير تلذذ ولا شهوة، أو يستكثر من الجماع فيحمر،
ويصير كماء اللحم، وربما خرج دما عبيطا، وإذا خرج المنى أحمر فهو طاهر، موجب للغسل، كما
لوكان أبيض، ثم إن خواص المنى التى عليها الاعتماد فى كونه منيا ثلاث: أحدها: الخروج
بشهوة مع الفتور عقبه، والثانية: الرائحة التى تشبه رائحة الطلع، والثالثة الخروج بزريق ودفق
ودفعات، وكل واحدة من هذه الثلاث كافية فى إثبات كونه منيا، ولا يشترط اجتماعها فيه، وإذا
لم يوجد شىء منها لم يحكم بكونه منيا، وغلب على الظن كونه ليس منيا، هذا كله فى منى
الرجل، وأما منى المرأة فهو أصفر رقيق، وقد يبيض لفضل قوتها، وله خاصيتان، يعرف بواحدة
منهما: إحداهما: أن رائحته كرائحة منى الرجل. والثانية: التلذذ بخروجه وفتور شهوتها عقب
خروجه. قالوا: ويجب الغسل بخروج المنى بأى صفة وأى حال.اهـ
٣٠٧

٥- وفيه إثبات الوراثة، وشبه الولد لأبيه أو أمه، وما زال العلم -رغم تقدمه- عاجزاً عن التحكم فى علو
ماء الرجل أو سبقه، وعلو ماء المرأة أو سبقه، بل عاجزاً عن إدراك كيفية هذا العلو وأسبابه.
يقول علماء الطب الحديث: إن ثلاثة سنتيمترات مكعبة من منى الرجل تحوى مائتين وخمسين
مليونا من الحيوان المنوى، كل حيوان منها يمكن أن يكون جنيناً، ويحمل ثلاثة وعشرين من
العوامل الوراثية ولكل عامل من هذه العوامل مكونات داخلية، تبلغ المائة وتسمى بالمورثات.
أما الأنثى فإن مبيضها يقذف ببويضة واحدة كل شهر، تحمل هذه البويضة ثلاثة وعشرين من
العوامل الوراثية للمرأة أيضًا.
ويتكون الجنين باختراق حيوان منوى واحد جدار البويضة واستقراره فيها وهنا تلتقى العوامل
الوراثية للذكر بالعوامل الوراثية للأنثى، فتعلوا وتغلب إحداهما الأخرى.
ولا يتنافى هذا التشريع الطبى مع أحاديثنا التى تثبت للمرأة ماء، ولا مع تفسير المفسرين لقوله
تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَهُ خُلِقَ مِن مَّاءِ دَافِقِه يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾
[الطارق: ٥-٧] حيث قالوا: من بين صلب الرجل، ومن بين ترائب المرأة، فإن منى الرجل الذى
يتم تكوينه فى الخصية مربالصلب كمرحلة من مراحله، وإن بويضة المرأة التى تتكون فى
المهبل، هى فى أصلها ماء يخرج من بين ترائب المرأة كمرحلة من مراحله.
إن الطب لا ينكر أن المرأة تحتلم كما يحتلم الرجل، ولا ينكر أن المرأة تفرز عند شهوتها ماء
رقيقاً أصفر، وإن قال: إن اللقاح يتم عن طريق البويضة.
لقد كان الهنود قبل المسيحية يعتقدون أن الأب هو عامل التكوين فى إيجاد الطفل. إذ يضع
البذرة فى بطن المرأة، وأن المرأة ليست أكثر من حقل لإنماء هذه البذرة، وأخذ عنهم المصريون
القدامى هذه الفكرة، وتأثربهم كذلك اليونان والرومان، وكان هذا هو الشائع حين سأل اليهود
رسول اللَّه ﴿، ولهذا قال: ((لا يعلمه أحد إلا نبى أو رجل أو رجلان)) وكان جوابه صلى الله عليه
وسلم دليلا على صدقه، بل إن أوربا لم تكتشف مشاركة ماء المرأة لماء الرجل فى تكوين الجنين
إلا عام ١٦٦٧م حين اكتشف عالم التشريح الفلورنسى ((ستينو)) البويضة عند المرأة، ثم تابع العلم
اكتشافات وراثة الطفل لأبويه فى الصفات، ولكنه - كعادته- حين يعجز عن إدراك الطريقة
والسبب يعزو الأمر إلى الصدفة.
يقول الدكتور فاخر عاقل رئيس قسم علم النفس بجامعة دمشق: أما الثلاثة والعشرين صبغيا [أى
عاملا وراثياً] الموجودة فى النطفة، والتى ستلتقى بالثلاثة والعشرين صبغيا الأخرى، الموجودة
فى البويضة. والتى ستكون المخلوق الجديد، فأمرها متروك للصدفة مرة أخرى، وهكذا تكون
قوانين الوراثة قوانين متصلة بالصدفة فى تجمع الصبغيات فى كل بويضة أو نطفة.اهـ
ولكن الإسلام يقول: إن علو عوامل الوراثة فى ماء الرجل وغلبتها لمثيلاتها عند المرأة
مرتبط بعلم الله ومشيئته، جلت قدرته ﴿يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ﴾ [القصص: ٦٨]. ﴿يَهَبُ
٣٠٨

لِمَن يَّشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَّشَاءُ الذُّكُورَهِ أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَن يَّشَاءُ
عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾ [الشورى: ٤٩-٥٠].
٦- وفى الحديث جواز استفتاء المرأة بنفسها من الرجال.
٧- وأنه لا حياء فى الدين، وأن من عرضت له مسألة ينبغى أن يسأل عنها، ولا يمتنع من السؤال حياء
من ذكرها، فإن ذلك ليس بحياء حقيقى، لأن الحياء كله خير، والحياء لا يأتي إلا بخير، والإمساك
عن السؤال فى هذه الحال ليس بخير، بل هو شر، فكيف يكون حياء؟ قاله النووى.
٨- يؤخذ من قول أم المؤمنين ((فضحت النساء)) حياء أزواج النبي { *، وقد جاء فى بعض روايات
البخارى ((فغطت أم سلمة وجهها)) ولما كانت الرواية الأولى والخامسة والسادسة تصرح بأن
التى أنكرت على أم سليم هى عائشة وكانت الرواية الثالثة والرابعة تصرحان بأنها أم سلمة جمع
النووى بين الروايات بأنه يحتمل أن تكون عائشة وأم سلمة جميعاً أنكرتا على أم سليم، قال
الحافظ ابن حجر: وهو جمع حسن، لأنه لا يمتنع حضور أم سلمة وعائشة عند النبى {0# فى
مجلس واحد.
٩- وفيه مشروعية زجر من يلوم الذى يسأل عما يجهل.
١٠- وفيه التمهيد للعذر، وأنه خير من تأخيره، لأن الذى يقدم العذر عن المعتذر منه يهيئ
المخاطب لقبول الوضع خالياً من العتب، وإذا تأخر العذر استثقلت النفس المعتذر
منه، فتأثرت بقبحه، ثم يأتى العذر رافعًا، وعلى الأول يأتى دافعًا، ودفع الشىء المستكره
قبل وقوعه أيسر من رفعه بعد وقوعه.
١١- ويؤخذ من قوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا كان منها ما يكون من الرجل فلتغتسل)» حسن العشرة
ولطف الخطاب، واستعمال اللفظ الجميل موضع الذى يستحيا منه فى العادة.
١٢ - ومن حديث الحبر يؤخذ أدب العلم الذى اتصف به عبد الله بن سلام، إذ بدأ بالسلام، وسأل عن
سبب دفعه، ولم يعنف الدافع، وقال: إنما ندعوه باسمه الذى سماه به أهله، ولم يقل كما قالت
قريش فى الحديبية: لو نعلم أنك رسول اللَّه لم نقاتلك.
١٣ - وإنصافه صلى الله عليه وسلم، وحسن خلقه، واستئلافه الخلق إلى الإيمان حيث قال: إن اسمى
الذی سمانی به أهلی محمد.
١٤ - وجواز الذكت بالعود فى الأرض عند التفكر، وأنه ليس مخلا بالمروءة كما يتصور البعض.
١٥- وفيه فضل فقراء المهاجرين، وليس معنى ذلك أن فقراء المهاجرين أفضل من أغنيائهم، للإجماع
على أن عثمان وعبد الرحمن بن عوف أفضل من أبى هريرة وأبى ذر -رضوان الله عليهم-
أجمعين، وقد يختص المفضول بخاصية ليست فى الفاضل، ولا يكون بسببها أفضل، ولهذا
المعنى لا يحتج به لترجيح الفقراء. ذکرہ الأبی.
والله أعلم
٣٠٩

(١٣٦) باب الصفة الكاملة لغسل الجنابة
٥٦٠- ٣٥ عَنِ عَائِشَةَ رَضِىَ اللّهُ عَنْهَا (٣٥) قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ ﴿ إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ
الْجَنَابَةِ، يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يَدَيْهِ. ثُمَّ يُفْرِغُ بِمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ. فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ. ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ
لِلصَّلاةِ. ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ. فَيُدْخِلُ أَصَابِعَهُ فِي أُصُولِ الشَّعْرِ. خَتِى إِذَا رَأَى أَنْ قَدِ اسْتَبْرَأَ، حَقْنَ
عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثَ حَفَنَاتٍ. ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ. ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ.
:: عَنِ هِشَامٍ(١٠) فِي هَذَا الإِسْنَادِ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ
٥٦١- ٣٦ عَنِ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا (٣٦)؛ أَنَّ النّبِيَّ لَّ اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ. قَبْدَأَ فَغَسَلَ
كَفّيْهِ ثَلاثًا. ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ غَسْلَ الرِّجْلَيْنِ.
٥٦٢ - شْ عَنِ عَائِشَةَ رَضِىَ اللّهُ عَنْهَا (١٠) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ كَانَ، إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ الْجَنَابَةِ،
بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ. ثُمَّ تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِهِ لِلصَّلاةِ.
٥٦٣- ٣ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمّا(٣٧) قَالَ: حَدَّثَنْنِي خَالَتِي مَيْمُونَةُ قَالَتْ: أَذَيْتُ
لِرَسُولِ اللَّهِ﴿ غُسْلَهُ مِنَ الْجَنَابَةِ. فَغَسَلَ كَفَّيْهِ مَرََّيْنٍ أَوْ ثَلاَثًا. ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ. ثُمَّ
أَقْرَغَ بِهِ عَلَى فَرْجِهِ. وَغَسَلَهُ بِشِمَالِهِ. ثُمَّ ضَرَبَ بِشِمَالِهِ الأَرْضَ. فَدَلَكَهَا ذَلْكًا شَدِيدًا. ثُمَّ
تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلاةِ. ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى رَأْسِهِ ثَلاثَ حَفَنَاتٍ مِلْءَ كَفّهِ. ثُمَّ غَسَلَ سَائِرَ جَسَدِهِ.
ثُمَّ تَنَحَّى عَنِ مَقَامِهِ ذَلِكَ. فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ. ثُمَّ أَتَيْتُهُ بِالْمِنْدِيلِ فَرَدَّهُ.
٥٦٤- نْ عَنِ الأَعْمَشِ(١٠) بِهَذَا الإِسْنَادِ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمَا إِفْرَاغُ ثَلاثِ حَفَنَاتٍ عَلَى
الرَّسِ. وَفِي حَدِيثِ وَكِيعٍ وَصْفُ الْوُضُوءِ كُلِّهِ. يَذْكُرُ الْمَضْمَضَةَ وَالاسْتِنْشَاقَ فِيهِ. وَلَيْسَ فِي
حَدِيثٍ أَبِي مُعَاوِيَّةَ ذِكْرُ الْمِنْدِيلِ
(٣٥) حَدَّثَنَا يَحْبَى بْنُ يَخْتِى الْتَّمِيمِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً عَنِ أَبِهِ عَنِ عَائِشَةً
(١٠) وحَدْثّاه قُتَيِّبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالاَ حَدَّقَاَ جَرِيرَّ حَ وحَدَّثَنَاَ عَلِيُّ بَنُ حُجْرٍ حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرِ حِ وحَدَّثّا
أَبُوكُرَيْبٍ حَدََّا ابْنُ نُمَيْرِ كُلُّهُمْ عَنِ هِشَامٍ فِي هَذَا الإِسَّْادِ وَلَّيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ
(٣٦) وحَدَّثَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيَ شَيْئَةً حَدَّثْتًا وَكِيَّعٌ خَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنِ أَبِهِ وَعْنِ عَائِشَةً
(١٠) وحَدَّثَنَاه عَمْرٌوَ النَّاقِذَ حَدَّثْنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ عَمْرِو حَدَّثَا زَائِدَةٌ عَنِ هِشَامٍ قَالَ أَخْبَرَبِي عُرْوَةُ عَنِ عَائِشَةَ
(٣٧) وحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ خَدِّْي عِيِّى بْنُ يُونُسَ حَدَّثَنَا الأَعْمُشُ عَنِ سَالِمٍ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنِ كُرَیْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
(٠٠) وحَذََّنَا مُحَمَّدُ بْنُ الصَِّّاحِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو كُرَّيْبٍ وَالأَشْجُّ وَإِسْحَقُ كُلَّهُمَّ غَنِ وَكِيعٍ حَ وَحَدَّثَنَاه يَحّْى بَنُ يَحْتِّى
وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حَدَّقْنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ كِلاَهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ
٣١٠

٥٦٥- ٣١ عَنٍ مَيْمُونَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا(٣٨) أَنَّ النّبِيَّ : ﴿ أَتِيَ بِمِنْدِيلٍ. فَلَمْ يَمَسَّهُ. وَجَعَلَ
يَقُولُ « بِالْمَاءِ هَكَذَا» يَعْنِي يَنْفُضُهُ.
٥٦٦- ٣٩ عَنِ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهَا(٣٤) قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ، إِذَا اغْتَسَلَ مِنَ
الْجَنَابَةِ، دَعَا بِشَيْءٍ نَحْوَ الْحِلابِ. فَأَخَذَ بِكَفّهِ بَدَأَ بِشِقٌّ رَأْسِهِ الأَيْمَنِ. ثُمَّ الأَيْسَرِ. ثُمَّ أَخَذَ
بِكَفَّيْهِ. فَقَالَ بِهِمَا عَلَى رَأْسِهِ.
المعنى العام
حقاً كان لابد أن نأخذ شطر الدين عن أمهات المؤمنين، لأنهن اللاتى باشرن العلاقة الزوجية
والأعمال الداخلية لرسول الله*، بل إن كثيرًا من التشريعات لم يكن من السهل تبليغها للأمة إلا عن
طريقهن، وكانت عائشة - رضى الله عنها- أولاهن لأداء هذه الرسالة؛ لأنها كانت أحب أزواجه إليه
صلى الله عليه وسلم، وأقربهن منه، وتمرض مرضه الأخير فى بيتها، وكانت أطول نسائه حياة بعده،
فأدت الأمانة هى وأخواتها -رضى اللَّه عنهن- بكل إخلاص.
وهذا مثل من أمثلة الأعمال السرية التى كان من الصعب العلم بها بدون تحديثهن. ها هي عائشة
وميمونة تتحدثان عن غسل رسول اللّه* من الجنابة وتشرحان أن أمهات المؤمنين كن يهيئن له
الماء، ويقفن بجواره ينتظرن أوامره ويحضرن المنشفة لتنشيفه، وأنه كان لا يستعين بهن فى نفس
الغسل تقربا وتعبداً، وأنه كان يفرغ بيمينه على شماله ليغسل بها فرجه، بعد أن يغسل يديه قبل أن
يدخلهما الإناء فإذا غسل فرجه أكد نظافة يسراه بدلكها فى الأرض ليزيل ما قد يكون قد علق بها من
ريح كريه، ثم يأخذ الماء بيديه فيدخل أصابعهما فى أصول شعره، ويفركه ويدلكه، حتى يصل الماء
إلى البشرة ومنابت الشعر وحتى يلين ويترطب ويستعد لأن يغمر بالغسل، حتى إذا اطمأن لذلك أخذ
ثلاث حفنات فصبها على رأسه، ثم أفاض الماء على سائر جسده، ثم انتقل من مكان وقوفه إلى
مكان جديد نظيف يغسل فيه رجليه اللتين غمرهما ماء الغسل أو لوثهما تراب الأرض، ثم يأخذ فى
نفض الماء عن جسده ويديه، فتناوله أم المؤمنين منديلا ليتنشف به، فمرة يأخذه، ومرة يعرض عنه
تعجلا أو تواضعًا، فصلى اللَّه وسلم عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
المباحث العربية
( كان رسول اللَّهَ﴿ إذا اغتسل من الجنابة) أى إذا أراد أن يغتسل، والأسلوب يدل على
(٣٨) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ عَنِ الأَعْمَشِِ عَنِ سَالِمٍ عَنِ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عِبَّاسٍ عَنِ مَّيْمُونَةً
(٣٩) وحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَنُ الْمَّثَنَّى الْغَنْزِيُّ حَدَّتِي أَبُو عَاصِمٍ عَنِ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِّي سُقْيَانَ عَنِ الْقَاسِمِ عَنِ عَائِشَةً
٣١١

العادة والغالب والشأن الكثير، والغسل بضم الغين اسم مصدر من ((اغتسل)» وبفتح الغين مصدر
((غسل)) ويجوز فيه الضم أيضاً. قاله أهل اللغة. والمشهور فى استعماله عند الفقهاء فتح الغين إذا
أضيف إلى المغسول، كغسل الثوب. وضم الغين إذا أضيف إلى غيره كغسل الجنابة.
وغسل الجنابة لغة الإسالة، وشرعا إيصال الماء إلى جميع ظاهر الجسد بنية رفع الجنابة.
والجنابة فى الأصل البعد، وسمى من اتصف بها جنبا لأنه منهى عن قربان مواضع الصلاة حتى
يتطهر، وشرعا أمر معنوى. يقوم بالبدن يمنع من صحة الصلاة حيث لا مرخص.
( ثم يتوضأ وضوءه للصلاة ) الكلام على التشبيه، أى وضوءاً مثل وضوئه للصلاة كما فى
الرواية الثانية، واحترز به عن الوضوء اللغوى.
( فيدخل أصابعه فى أصول الشعر) أى فى منابته وما يتصل منه بجلدة الرأس.
(حتى إذا رأى أن قد استبرأ) ((أن)) مخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف، أو
ضميره صلى الله عليه وسلم، وجملة ((قد استبرأ)) خبرها، و))رأى)) بمعنى ((ظن ظناً قويا)) والمعنى
حتى إذا ظن ووثق أنه أوصل البلل إلى جميع أصول الشعر.
(حفن على رأسه ثلاث حفنات) الحفنة ملء الكفين، قال النووي: معنى ((حفن)) أخذ
الماء بيديه جميعًا، وسيأتى تثليث الغُسل فى فقه الحديث.
( ثم أفاض على سائر جسده ) أى أسال الماء، فالمفعول محذوف للعلم به،
والإفاضة الإسالة.
(أدنيت لرسول الله غسله من الجنابة) وفى رواية أبى داود: ((وضعت للنبى ® غسلا
يغتسل به من الجنابة)) والمراد من الغسل هنا - وهو بضم الغين - الذى يغتسل به، وفى رواية
للبخارى ((عن ميمونة قالت: وضعت له صلى الله عليه وسلم ماء الغسل)».
( فغسل كفيه مرتين أوثلاثاً ) شك من الراوى.
( ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه ) سبق القول: إن الحفنة ملء الكفين، فلعل
الإفراد فى ((ملء كفه)) تحريف. ولهذا قال النووى: هكذا هو فى الأصول التى ببلادنا («كفه)» بلفظ
الإفراد، وكذا نقله القاضى عياض عن رواية الأكثرين، وفى رواية الطبرى ((كفيه)» بالتثنية وهو مفسر
لرواية الأكثرين إذ الحفنة ملء الكفين جميعًا. اهـ وقال الداودى. الحفنة باليد الواحدة، لكن غيره من
العلماء على أنها باليدين جميعًا، أما الحثية فباليد الواحدة، والكف تذكر وتؤنث.
( ثم تنحى عن مقامه ذلك ) أى تحول عن مكان اغتساله إلى مكان آخر، وسيأتى بيان
الحكمة فيه. والمقام مكان القيام، فيفيد أنه كان يغتسل وافقاً، كذا قيل، وفيه نظر فالمقام مكان
اللبث، عن قيام أو غيره.
٣١٢

( ثم أتيته بالمنديل فرده) ((المنديل)) بكسر الميم معروف، قال ابن فارس: لعله مأخوذ من
الندل، وهو النقل، وقال غيره: هو مأخوذ من الندل، وهو الوسخ، لأنه يندل به ويقال: تندلت بالمنديل.
( وجعل يقول بالماء هكذا - يعنى ينفضه - ) كان الظاهر أن يقول: وجعل يفعل الماء
هكذا، لكن العرب تجعل القول عبارة عن الأفعال، وتطلقه أيضًا على غير الكلام فتقول: قال بيده كذا،
أى أشار، وذلك على المجاز والاتساع، والنفض الإسقاط، يقال: نفضت الورق عن الشجرة أسقطته
ونفضت الوسخ عن الثوب أسقطته.
( دعا بشىء نحو الحلاب ) لفظ ((نحو)) هنا بمعنى ((مثل)) أى دعا بإناء مثل الحلاب،
والحلاب وعاء يملؤه قدر حلب الناقة، ووصفه أبو عاصم بأنه أقل من شبر فى شبر، وفى رواية للبيهقى
((قدر كوز يسع ثمانية أرطال)».
( بدأ بشق رأسه الأيمن ) أى بجانب رأسه الأيمن، والشق بكسر الشين يطلق أيضاً على
نصف الشىء، ومنه ((تصدقوا ولو بشق تمرة)).
( ثم أخذ كفيه فقال بهما على رأسه ) أى ففعل بهما على رأسه، أى أخذ كفين من الماء
فصبهما على رأسه.
فقه الحديث
يتناول فقه الحديث المسائل التالية:
١- حكم غسل الجنب يديه قبل إدخالهما الإناء.
٢- تنظيف اليد بعد الاستنجاء.
٣- الوضوء قبل الغسل، أو بعده.
٤- المضمضة والاستنشاق فيه.
٥- تخليل الشعر وغسل أصوله فى الرجل والمرأة.
٦ - الدلك فى الغسل.
٧- التثليث فى الغسل الكامل.
٨- التنشيف من ماء الغسل.
٩- ما يؤخذ من الحديث من أحكام أخرى.
٣١٣

وهذا هو التفصيل:
١- حكم غسل الجنب يديه قبل إدخالهما الإناء: تصرح الرواية الأولى والثانية والثالثة بأنه صلى الله
عليه وسلم كان يبدأ الغسل بغسل كفيه، وقد تناولنا حكم غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء فى
باب صفة الوضوء وكماله، ولما كان كل ما قيل فى هذه المسألة فى الوضوء يقال فى الغسل من
باب أولى فإنا نعيد ما قلناه، لبعد العهد به وتيسيره فقد جاء فى مسلم عن غسل الكفين قبل
الوضوء فى وصف وضوئه صلى الله عليه وسلم ((فغسل كفيه ثلاث مرات)). («فأفرغ على كفيه
ثلاث مرار، فغسلهما)» («فدعا بإناء» فأكفأ منها على يديه، فغسلهما ثلاثا)».
قال النووى فى شرحه: هذا دليل على أن غسل اليدين فى أول الوضوء سنة، وهو كذلك باتفاق
العلماء، ثم قال: وفيه استحباب تقديم غسل الكفين قبل غمسهما فى الإناء. اهـ
والتحقيق: أن الكلام فى نقطتين مختلفتين: الأولى: غسل اليدين فى أول الوضوء وهو سنة ثابتة،
لا نزاع فى سنيته. قال الحافظ ابن حجر: هو سنة فى حق المستيقظ الذى لا يشك فى نجاسة
يده، ولا يكره ترك غسلهما، لعدم ورود النهى فيه. والنقطة الثانية: غسل اليدين لمن قام من النوم،
أوشك فى نجاستهما. وقد ورد الأمر بغسلهما فى هذه الحالة قبل غمسهما فى الإناء، وورد النهى
عن غمسهما فى الإناء قبل غسلهما - وقد عقد لهذه المسألة باب خاص فى هذا الكتاب - ومذهب
الجمهور من الفقهاء والمحققين أن غسل اليدين قبل غمسهما لمن قام من النوم، أوشك فى
نجاستهما مندوب، ويكره تركه، وذهب أحمد إلى وجوب غسلهما عند القيام من نوم الليل، دون
نوم النهار، وفى رواية عنه أن ترك الغسل بعد القيام من نوم الليل مكروه كراهة تحريم، وتركه بعد
القيام من نوم النهار مكروه كراهة تنزيه.
والجمهور من المتقدمين والمتأخرين على أن الماء لا ينجس إذا غمس يده فيه قبل غسلهما، لأن
الأصل فى اليد والماء الطهارة، فلا ينجس بالشك.
وحكى عن الحسن البصرى وإسحق بن راهويه ومحمد بن جرير الطبرى أنه ينجس بالغمس بعد
القيام من نوم الليل، لكنه خلاف قواعد الشريعة المتظاهرة.
وقد اختلف فى الكيفية المستحبة لغسل الكفين، هل يغسلهما مجتمعتين؟ أو يغسل اليمنى، ثم
يدخلها، فيخرج ما يغسل به الأخرى؟ والظاهر الأول حيث أمكن.
كما اختلف فى كون هذا الغسل المستحب للنظافة أو للتعبد، فمن قال للنظافة استدل بقوله
صلى الله عليه وسلم ((فإنه لا يدرى أين باتت يده)) وعليه لا يستحب غسلهما لمن أحدث فى أثناء
وضوئه، أو تأكد من نظافتهما ونقاوتهما، ومن قال للتعبد استدل بطلب الغسل ثلاثاً، إذ لوكان
للنظافة لكفت واحدة، أو طلب النقاوة دون تحديد بعدد وعليه يستحب إعادة غسلهما لمن أحدث
أثناء وضوئه، أو تأكد من نظافتهما، وهذا أولى وأحوط، والله أعلم.
٢- تنظيف اليد بعد الاستنجاء: أما عن استنجاء الجنب، وتنظيف اليد بعده فتقول الرواية الأولى ((ثم
٣١٤

يفرغ بيمينه على شماله، فيغسل فرجه)» وتقول الرواية الثالثة ((ثم أدخل يده فى الإناء، ثم أفرغ به
على فرجه، وغسله بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض، فدلكها دلكا شديدًا ».
قال النووى: وينبغى لمن اغتسل من إناء كالإبريق ونحوه أن يتفطن لدقيقة قد يغفل عنها، وهى
أنه إذا استنجى وطهر محل الاستنجاء بالماء، فينبغى أن يغسل محل الاستنجاء بعد ذلك بنية
غسل الجنابة، لأنه إذا لم يغسله الآن ربما غفل عنه بعد ذلك، فلا يصح غسله لترك ذلك، وإن ذكره
احتاج إلى مس فرجه فينتقض وضوؤه، أو يحتاج إلى كلفة فى لف خرقة على يده.اهـ
ويستحب للمستنجى بالماء إذا فرغ أن يغسل يده بتراب أو أشنان [صابون] أو يدلكها بالتراب أو
حائط، ليذهب الاستقذار منها، قال ابن دقيق العيد: وإذا بقيت رائحة النجاسة بعد الاستقصاء
فى الإزالة لم يضر على مذهب بعض الفقهاء، وفى مذهب الشافعى خلاف، وقد يؤخذ العفو عنه
من هذا الحديث لأن ضرب الأرض باليد بعد انفصالها عن محل الاستنجاء، بناء عن ظن طهارته
دليل على أن هذا الضرب لطلب الأكمل فيما لا تجب إزالته، لأن اليد لو كانت نجسة بعد
انفصالها لم يكن المحل طاهراً، لأنها لابسته مبتلا، فلزم أن تكون طاهرة عند انفصالها عنه
طاهراً، ولزم أن يكون الضرب لفائدة، فلزم أن يكون لإزالة الريح طلباً للأكمل إذ لا جائز أن يكون
الضرب لإزالة الطعم، لأن بقاء الطعم دليل على بقاء العين، ولا لإزالة اللون، لأن الجذابة بالإنزال أو
بالمجامعة لا تقتضى لوناً يلصق باليد، وإن اتفق فنادر، وسهل الزوال بقليل الماء. انتهى
بتصرف. والله أعلم.
٣- الوضوء قبل الغُسل أو بعده: وصرحت الروايات بأن النبى # كان يتوضأ وضوءه للصلاة مع غسل
الجنابة، وبها أخذ أبو ثور وداود الظاهرى فقالا بوجوب الوضوء قبل الغسل، ومن عداهما يقولون:
الوضوء مع الغسل سنة غير واجب، أما كونه سنة فلفعله صلى الله عليه وسلم وهو محمول على
الاستحباب جمعًا بين الأدلة، وأما كونه غير واجب فلأنه يدخل فى الغسل كالحائض إذا أجنبت
يكفيها غسل واحد، ولأن اللَّه تعالى أمر بالغسل ولم يذكر وضوءاً، ولقوله صلى الله عليه وسلم لأم
سلمة: ((يكفيك أن تفيضى عليك الماء» وقد روى عن الشافعى رواية ضعيفة أنه يلزم الجنب
الوضوء فى الجنابة مع الحدث، ولا يعتد بها، فقد نقل ابن بطال الإجماع على أن الوضوء لا يجب
مع الغسل، وكأنه لم يعتبر خلاف أبى ثور وداود الظاهرى.
نعم يقع البحث فى هذا الوضوء، هل هو وضوء حقيقة؟ أى غسل أعضائه بنية الوضوء فقط وتجب
إعادة الماء على سائر الجسد فى الغسل؟ أو هو كذلك ولا تجب إعادة الماء على أعضاء الوضوء،
اكتفاء بغسلهما، باعتبار أن موجب الطهارتين بالنسبة إلى هذه الأعضاء واحد؟ الظاهر أنه يلزمه
إعادة غسل أعضاء الوضوء ما لم ينو رفع الجنابة.
أو هو وضوء غير حقيقى؟ أى وضوء فى الصورة فقط، وحقيقته تقديم غسل هذه الأعضاء على بقية
الجسد، فى غسل الجنابة، تكريما لها وتشريفاً ويسقط غسلها الوضوء باندراج الطهارة الصغرى
فى الطهارة الكبرى؟ ظاهر قولهما فى الرواية الأولى ((ثم أفاض على سائر جسده)) وقولهما فى
٣١٥

الرواية الثالثة ((ثم غسل سائر جسده)) يدل على أن المطلوب وضوء حقيقى مستقل عن إفاضة
الماء على سائر الجسد، لتحصل فضيلة الوضوء.
قال النووي: والوضوء سنة، فلو أفاض الماء على جميع بدنه من غير وضوء صح غسله، واستباح به
الصلاة وغيرها، ولكن الأفضل أن يتوضأ وتحصل الفضيلة بالوضوء قبل الغسل، أو بعده، وإذا توضأ
أولا [قبل الغسل] لا يأتى به ثانيًا [بعد الغسل] فقد اتفق العلماء على أنه لا يستحب وضوءان. اهـ
وقد استشكل على الرواية الأولى والثالثة إذا تفيدان البدء بوضوء الصلاة ثم الغسل ثم غسل
الرجلين؛ مما يترتب عليه أن الوضوء الأول غير كامل، أو أن الرجلين تغسلان مرتين.
ففى الرواية الأولى ((فيغسل فرجه، ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم يأخذ الماء فيدخل أصابعه فى
أصول الشعر، حتى إذا رأى أن قد استبرأ حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم أفاض على سائر
جسده، ثم غسل رجليه)».
وفى الرواية الثالثة ((ثم يتوضأ وضوءه للصلاة، ثم أفرغ على رأسه ثلاث حفنات ملء كفه، ثم غسل
سائر جسده، ثم تنحى عن مقامه ذلك فغسل رجليه».
وأجيب عن هذا الإشكال باحتمال أن المراد بوضوء الصلاة أكثره، على سبيل المجاز من إطلاق
الأكثر، وإرادة الكل، ويؤيده رواية ميمونة عند البخارى، ونصها ((توضأ رسول اللّه * وضوءه
للصلاة غير رجليه، ثم أفاض عليه الماء، ثم نحى رجليه، فغسلهما)».
قال الحافظ ابن حجر: وليس فى شىء من الروايات عن عائشة وميمونة التصريح بإكمال الوضوء
أو الغسل، بل الروايات إما محتملة، كرواية ((توضأ وضوءه للصلاة)) أو ظاهرة فى تأخير الرجلين،
كرواية ((توضأ وضوءه للصلاة غير رجليه)» فتحمل المحتملة على الصريحة. انتهى بتصرف.
وأجاب بعضهم عن الإشكال باختلاف فعله صلى الله عليه وسلم لاختلاف الحالتين فكان يتم
وضوءه قبل الغسل، ويعيد غسل رجليه حينما يكون المُغْتَسَل غير نظيف.
وأجاب النووى بجواب ثالث: حاصله أنه صلى الله عليه وسلم كان يكمل الوضوء ويعيد
غسل الرجلين بعد الفراغ، لزيادة النظافة لا لأجل الجنابة، فكان صلى الله عليه وسلم
يواظب على ذلك، لأنه الأكمل والأفضل، وحمل النووى رواية ميمونة فى البخارى ((توضأ
وضوءه للصلاة غير رجليه)) على أنه فعل ذلك مرة لبيان الجواز. قال: وهذا كما ثبت أنه
صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً ثلاثاً، ومرة مرة، فكان الثلاث فى معظم الأوقات، لكونه
الأفضل، والمرة فى نادر من الأوقات لبيان الجواز. اهـ
وتعقبه الحافظ ابن حجر بأن فى رواية أحمد ما يدل على المواظبة، ولفظه ((كان إذا اغتسل من
الجنابة يبدأ فيغسل يديه ... )) الحديث.
ونتيجة لهذا الإشكال وأجوبته اختلف العلماء، فذهب الجمهور إلى استحباب تأخير غسل
٣١٦

الرجلين فى الغسل، وذهب أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الأفضل إكمال الوضوء أولا إن كان
الاغتسال فى محل لا يجتمع فيه الماء وتأخير غسل القدمين إن كان يغتسل فى نحو طست.
وعن مالك: إن كان المكان غير نظيف فالمستحب تأخير غسلهما، وإلا فالتقديم، وعند الشافعية
قولان فى الأفضل، أصحهما وأشهرهما أنه يكمل وضوءه. والله أعلم.
٤- المضمضة والاستنشاق فى وضوء الغسل: جاء فى ملحق الرواية الثالثة ذكر المضمضة
والاستنشاق فى وضوء الغسل، وقد سبق لنا بيان حكم المضمضة والاستنشاق بالتفصيل فى باب
صفة الوضوء وكماله، وقلنا: إن العلماء اختلفوا فى حكم المضمضة والاستنشاق على أربعة
مذاهب:
أحدها: مذهب مالك والشافعى وأصحابهما أنهما سنتان فى الوضوء والغسل، رواية عن عطاء
وأحمد، أما أنهما سنتان فى الوضوء فللآية الكريمة: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ
وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] وليس فيها ذكر
المضمضة والاستنشاق وأما أنهما سنتان فى الغسل فلأنهما من توابع الوضوء، فإذا سقط
الوضوء سقط توابعه، وقد قام الإجماع - كما سبق- على أن الوضوء فى غسل الجنابة غير
واجب.
ثانيها: أنهما واجبتان فى الوضوء والغسل، لا يصحان إلا بهما، وهو المشهور عن أحمد ابن حنبل،
واستدل له بورود الأمر بهما فى الوضوء، وظاهر الأمر أنه للوجوب، ولم يحك أحد ممن وصف
وضوءه صلى اللّه عليه وسلم على الاستقصاء أنه ترك المضمضة والاستنشاق، فدل ذلك على
المواظبة، وهى تدل على الوجوب، ورد بحمل الأمر بهما على الندب جمعاً بين الأدلة، وبدليل
أن الاستنثار مأمور به، وهو ليس بواجب باتفاق، وأما مداومته صلى الله عليه وسلم فكثيراً ما
تكون فى السنن، فلم يُؤثر أنه صلى الله عليه وسلم ترك التسمية، ومع ذلك هى سنة عند
القائل بوجوب المضمضة.
المذهب الثالث: أنهما واجبتان فى الغسل دون الوضوء، وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه،
واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا
البشر)) قال العينى: بهذا الحديث احتج أبو حنيفة على أن المضمضة والاستنشاق فرضان
فى الجنابة، أما الاستنشاق فلقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن تحت كل شعرة جنابة)) وفى
الأنف شعور، وأما المضمضة فلأن الفم من مظاهر البدن، بدليل أنه لا يقدح فى الصوم [أى لا
يفطر ما دخل فيه] فيطلق عليه ما يطلق على البدن، فلهدا الاعتبار فرضت المضمضة.اهـ.
المذهب الرابع: أن الاستنشاق واجب فى الوضوء والغسل، والمضمضة سنة فيهما وهو مذهب
داود الظاهرى، ورواية عن أحمد.
وقد أوضحنا فى باب صفة الوضوء وكماله كيفية المضمضة والاستنشاق وكمالهما ومباحث
أخرى تتعلق بهما، فمن أراد المزيد فليرجع إليه. والله أعلم.
٣١٧

٥- تخليل الشعر وغسل أصوله فى الرجل والمرأة: وتصف الرواية الأولى والخامسة غسل شعر رأسه
صلى الله عليه وسلم بأنه كان يأخذ الماء فى يده فيدخل أصابعه فى أصول الشعر، يبدأ بشق
رأسه الأيمن، ثم الأيسر، حتى إذا اطمأن أن الماء قد وصل إلى أصول الشعر والبشرة حفن على
رأسه ثلاث حفنات.
ولا خلاف بين العلماء فى وجوب إيصال الماء إلى جميع الشعر والبشرة فى غسل الجنابة
والحيض والنفاس، وإنما الخلاف فى تخليل الشعر ومباشرته باليد والأصابع للاستيثاق من
تعميم الماء.
فمذهب الحنفية والشافعية والحنابلة استحباب تخليل شعر اللحية والرأس إن وصل الماء إلى
أصول الشعر بدون تخليل وإلا فلا بد من التخليل.
وذهب المالكية إلى وجوب تخليل الشعر مطلقًا، لا فرق بين لحية وغيرها خفيفًا كان الشعر أو
كتبفًا، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((خللوا الشعر وأنقوا البشرة فإن تحت كل شعرة جنابة)) رواه
النسائى والترمذى وهو معتمد المذهب، وقيل: يفرق فى اللحية بين الخفيفة والكثيفة، فيجب إذا
كانت خفيفة، ويندب إذا كانت كثيفة، والمراد بالتخليل الواجب عندهم عرك الشعر وتحريكه
حتى يصل الماء للبشرة، فلا يجب إدخال الأصابع تحته.
كذلك الخلاف فى وجوب نقض الضفائر فى شعر الرجل والمرأة، فالمالكية على أنه إذا كان
مضفورًا بنفسه، واشتد وجب نقضه فى الغسل دون الوضوء وإن كان مضفورًا بخيوط ثلاثة فأكثر
وجب نقضه فى الغسل والوضوء، اشتد أم لا، وإن كان بخيط أو خيطين واشتد نقض، وإلا فلا، لا
فرق بين الرجل والمرأة ولا بين غسل الجنابة وغيرها، واستدلوا بقوله صلى الله عليه وسلم: ((إن
تحت كل شعرة جنابة، فاغسلوا الشعر، وأنقوا البشر» رواه أبوداود.
وقالت الشافعية: إن وصل الماء إلى جميع الشعر والبشرة بدون نقض لم يجب وإلا وجب، لا فرق
بين الرجل والمرأة، ولا بين الجنابة والحيض والنفاس واستدلوا بما استدلت به المالكية.
وقالت الحنفية: لا يجب على المرأة نقض ضفيرتها إن بل الماء أصلها، ويجب على الرجل نقض
ضفائره ولو وصل الماء إلى أصول الشعر على الصحيح واستدلوا بما رواه أبو داود عن أم سلمة
((أن امرأة من المسلمين قالت: يا رسول اللَّه، إنى امرأة أشد ضفر رأسى [أى أحكم ضفر شعر
رأسى] أفأنقضه للجنابة؟ قال: إنما يكفيك أن تحفنى عليه ثلاثاً، ثم تفيضى على سائر
جسدك، فإذا أنت قد طهرت)). وقد حمله الشافعية على أن شعرها كان خفيفاً، فعلم النبى
أن الماء يغم شعرها ويصل إلى أصوله، فلذا لم يأمرها بالنقض، وفرق الحنفية بين المرأة
والرجل باعتبار أن فى النقض عليها حرجا ومشقة، وفى الحلق مثله فسقط عنها النقض،
بخلاف الرجل، فيجب عليه النقض مطلقاً لعدم الحرج.
وقالت الحنابلة: يجب نقضه فى الحيض والنفاس، ولا يجب فى الجنابة إن بل الماء أصوله،
٣١٨

واستدلوا على التفرقة بقول النبي * لعائشة - رضى اللّه عنها- وكانت حائضاً- ((انقضى
رأسك وامتشطى)) رواه البخارى. وسيأتى باب خاص بهذه النقطة بعد بابين.
٦- الدلك فى الغسل: ويستفاد من قولهما فى الرواية الأولى ((ثم أفاض على سائر جسده)) أن الدلك
غير واجب، وقد سبق إيضاح حكم الدلك فى باب صفة الوضوء وكماله، وقلنا: إن المراد بالدلك
فى الوضوء وفى الغسل إمرار اليد على العضو، مع الماء أو بعده، وفى وجوبه خلاف.
فقد ذهب مالك وأصحابه والمزنى من الشافعية إلى وجوبه فى الوضوء والغسل مستدلين بقوله
صلى الله عليه وسلم لعائشة فى الغسل: ((أدلكى جسدك بيدك)) والأمر للوجوب. ولا فرق على
المذهب بين الوضوء والغسل وبأنه من مسمى الغسل، أو شرط فيه، قاله الحطاب والنفراوى. وقال
مالك فى المدونة، فى الجنب يأتى النهر، فينغمس فيه انغماسًا وهو ينوى الغسل من الجنابة، ثم
يخرج قال: لا يجزئه وإن نوى الغسل إلا أن يتدلك، قال: وكذا الوضوء أيضًا، قلت: أرأيت إن أمر
يديه على بعض جسده، ولم يمرها على جميع الجسد؟ قال: لا يجزئه ذلك حتى يمرهما على جميع
جسده كله ويتدلك.اهـ
وعلل القاضى عياض وجوب الدلك بأن فى البدن مغابن يقطع بأنه لا يصل الماء إليها بإمرار اليد،
ورد هذا القول بأنه لا يتعين فى وصول الماء إلى تلك المغابن أن يكون بالدلك.
وذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه سنة، واستدلوا بالأحاديث الكثيرة الواردة فى صفة
الوضوء والغسل التى ليس فيها التصريح بالدلك.
والحق أن فيما ذهب إليه الإمام مالك تضييقاً وتعسيراً، وإلزاماً بما هو متعذر، فإن بعض الأماكن
من الجسم لا يمكن وصول اليد إليها إلا بصعوبة اللهم إلا أن يأمر باستعمال حبل ونحوه، مما لم
يؤثر أن عائشة - رضى اللَّه عنها - قد أمرت به.
نعم الدلك فيما يتيسر دلكه من الأعضاء مطلوب احتياطاً - والله أعلم.
٧- التثليت فى الغسل الكامل: واستدل بقولهما فى الرواية الأولى والثالثة ((حفن على رأسه ثلاث
حفنات)) استدل به على أن المسنون فى الغسل ثلاث مرات، وعليه إجماع العلماء، وأما الفرض
منه فغسل سائر البدن بالإجماع.
قالت الشافعية: استحباب صب الماء على الرأس ثلاثاً متفق عليه، وألحق به سائر الجسد قياساً
على الرأس وعلى أعضاء الوضوء، وهو أولى بالثلاث من الوضوء فإن الوضوء مبنى على التخفيف
لتكراره، فإذا استحب فيه الثلاث فالغسل أولى. وقال النووى: ولا نعلم فيه خلافاً إلا ما تفرد به
الماوردى، حيث قال: لا يستحب التكرار فى الغسل، وهو شاذ متروك.اهـ. وبما قاله النووى قالت
الحنفية والحنابلة.
وقالت المالكية: ليس فى الغسل شىء يندب فيه التثليث سوى الرأس بخلاف الوضوء، والفرق
كثرة المشقة فى الغسل، وسيأتى فى باب خاص بهذه النقطة بعد باب واحد إن شاء اللّه تعالى.
٣١٩

٨- صفة الغسل وكماله: ويحسن بنا هنا أن نورد ما ذكره العلماء فى صفة الغسل وكماله، تتميما
للفائدة، فنقول: قال النووى: قال أصحابنا: كمال غسل الجنابة أن يبدأ المغتسل، فيغسل كفيه
ثلاثا، قبل إدخالهما فى الإناء، ثم يغسل ما على فرجه وسائر بدنه من الأذى، ثم يتوضأ وضوءه
للصلاة بكماله ثم يدخل أصابعه كلها فى الماء، فيغرف غرفة يخلل بها أصول شعره من رأسه
ولحيته، ثم يحتى على رأسه ثلاث حثيات، ويتعاهد معاطف بدنه، كالإبطين وداخل الأذنين
والسرة، وما بين الإليتين وأصابع الرجلين وعكن البطن وغير ذلك، فيوصل الماء إلى جميع ذلك، ثم
يفيض الماء على سائر جسده ثلاث مرات يدلك فى كل مرة ما تصل إليه يداه من بدنه، وإن كان
يغتسل فى نهر أو بركة انغمس فيها ثلاث مرات، ويوصل الماء إلى جميع بشرته والشعور الكثيفة
والخفيفة، ويعم بالغسل ظاهر الشعر وباطنه وأصول منابته، والمستحب أن يبدأ بميامنه وأعالى
بدنه، وأن يكون مستقبل القبلة وأن يقول بعد الفراغ: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وينوى الغسل من أول شروعه فيما ذكرناه ويستصحب النية إلى
أن يفرغ من غسله. فهذا كمال الغسل، والواجب من هذا كله النية فى أول ملاقاة أول جزء من
البدن للماء، وتعميم البدن شعره وبشره بالماء، ومن شرطه أن يكون البدن طاهراً من النجاسة،
وما زاد على هذا مما ذكرناه سنة.اهـ وهذا مذهب الشافعية.
وذهبت المالكية إلى أن فرائضه النية، وتعميم الجسد بالماء، والدلك وتخليل الشعر والموالاة.
وذهبت الحنفية إلى أن فرائضه غسل فمه، وأنفه، وتعميم سائر جسده بالماء.
وقالت الحنابلة: إن فرائضه إزالة ما على بدنه من نجاسة أو غيرها مما يمنع وصول الماء إلى
البشرة، والنية، والتسمية، وتعميم الجسد بالماء حتى أنفه وفمه وظاهر الشعر وباطنه.
وهل يشترط أن يكون الماء قراحا؟ أو يصح بالماء المختلط [بالصابون ونحوه] خلاف.
ذهبت الحنفية إلى صحة الغسل والوضوء بالماء المخلوط بطاهر، واحتجوا بما رواه أبو داود عن
عائشة عن النبى ول أنه كان يغسل رأسه بالخطمى [بكسر الخاء وقد تفتح، نبات يوضع فى
الماء فيحلل الأوساخ عند الغسل كالصابون] وهو جنب، يجتزئ، ولا يصب عليه الماء)».
ولا حجة لهم فيه، لأن فيه اضطراباً، وراويا مجهولا، وعلى تقدير صحته فهو محمول على أن النبى
* وضع الخطمى على رأسه، ثم صب عليه الماء، فهو وإن كان فيه اختلاط إلا أنه يسير، لا يخرج
الماء عن كونه مطلقا تزال به الجنابة وغيرها. بهذا يقول الجمهور وقال ابن رسلان: المراد أنه
صلى الله عليه وسلم كان يكتفى بالماء المخلوط به الخطمى الذى يغسل به، وينوى به غسل
الجنابة ولا يستعمل بعده ماء آخر صافيا يخص به الغسل وهذا فيما إذا وضع السدر أو الخطمى
على الرأس، وغسله به: فإنه يجزئ ذلك، ولا يحتاج إلى أن يصب عليه الماء ثانياً مجرداً للغسل،
وأما إذا طرح السدر فى الماء، ثم غسل به رأسه فإنه لا يجزئه ذلك، بل لا بد من الماء القراح بعده.
فليتنبه لذلك لئلا يلتبس، ويحتمل أنه صلى الله عليه وسلم غسل رأسه بالماء الصافى قبل أن
٣٢٠