النص المفهرس

صفحات 261-280

عن الأصل فى العلة، وليس فى غير الماء ما فى الماء من رقته وسرعة نفوذه فلا يلحق به. قاله
الحافظ ابن حجر.
ومن الإنصاف القول بأن بعض المائعات كالخل والبنزين لا تنقص عن الماء فى إزالة آثار
النجاسة، بل تزيد عليه، وحيث كان القصد الإنقاء وإزالة عين النجاسة - طعمها وريحها ولونها-
وسال المائع وعصر، فإنه يلحق بالماء. نعم الماء أصل فى التطهير، لوصفه بذلك فى قوله تعالى:
﴿وَأَنزَلْنَّا مِن السَّمَاءِ مَاءٌ طَهُورًا﴾ [الفرقان: ٤٨] وقوله صلى اللَّه عليه وسلم: ((الماء طهور)) فهو
يطهر كل فرد من أفراد النجاسة المنصوص على تطهيرها، وقد يتعين غيره مطهراً، كالدباغ فى
جلود الميتة مثلا، لكن كونه أصلا لا يمنع قيام غيره مقامه إذا أدى مؤداه، ومن الإنصاف أيضا
القول بأن بعض المائعات إن أدى مؤدى الماء فى إزالة النجاسة فإنه لا يؤدى مؤداه فى رفع
الحدث، خلافا لما ذهب إليه ابن أبى ليلى، حيث جوز رفع الحدث وإزالة النجس بكل مائع
طاهر، وخلافا لما روى عن أبى حنيفة من أنه جوز الوضوء بالنبيذ، وهو مردود بقوله تعالى: ﴿فَلَمْ
تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ [النساء: ٤٣].
بقى أن يقال: إذا لم يمكن إزالة جرم النجاسة بالماء وحده وجب إضافة ما يزيل
جرمها، [كالصابون والبوتاس] ووجب الحت والقرض، فقد أخرج أحمد وأبو داود
والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان من حديث أم قيس بنت محصن أنها
سألت رسول الله ﴿ عن دم الحيضة يصيب الثوب، فقال ((حكيه بضلع واغسليه بماء
وسدر)) قال ابن الأعرابى: الضلع هنا العود.
٥- ويستفاد من الحديث أنه لا فرق بين قليل الدم وكثيره فى وجوب تطهيره، لقوله صلى الله عليه
وسلم. ((تحته، ثم تقرصه بالماء» حيث لم يفرق بين قليله وكثيره، ولم يسألها عن مقداره، وهو
مذهب الشافعية، ويؤيدهم قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] ولم يرخصوا إلا فى دم
البراغيث لعدم التمكن من التحرز عنه.
أما المالكية والحنفية فقد حملوا الحديث على الدم الكثير. قال مالك: قليل الدم معفو عنه،
ويغسل قليل سائر النجاسات. وحدد الحنفية القليل بما دون الدرهم، واستندوا إلى ماروى عن
على وابن مسعود أنهما قدرا النجاسة بالدرهم.
قال العينى: وكفى بهما فى حجة الاقتداء.
وقدر العينى الدرهم بمثل عرض الكف، ونقل ذلك عن المحيط، وأيد هذا التقدير بما روى عن عمر
صه أنه قدره بظفره. قال: وفى المحيط: وكان ظفره قريباً من كفنا. اهـ وليس من السهل علينا أن
نتصور أن ظفر عمر كان قدر کف طفل، فضلا عن كونه قدر کفنا.
ومما استدل به ما روى عن أبى هريرة من أنه كان لا يرى بالقطرة والقطرتين بأسا فى الصلاة،
وما روى عن ابن عمر أنه عصر بثرة، فخرج منها دم، فمسحه بيده وصلى. ورغم أن هذه الآثار
٢٦١

واهية، ورغم أنها لا تدل على ما ذهب إليه الحنفية من العفو عن قدر الكف نجد العينى يتحامل
على الشافعية، ويقول: فالشافعية ليسوا بأكثر احتياطاً من أبى هريرة وابن عمر، ولا أكثر رواية
عنهما حتى خالفوهما، حيث لم يفرقوا بين القليل والكثير. اهـ.
ومما استدل به العينى ما نقله عن ابن بطال من استدلاله على حمل الحديث على الدم الكثير،
بقوله: إن اللَّه تعالى شرط فى نجاسته أن يكون مسفوحاً. قال: وهو كناية عن الكثير الجارى.اهـ
والذى عليه المفسرون أن المراد بالسفوح السائل، وليس فيه معنى الكثرة، بل كل ما إذا وضع على
شىء تجاوز موضعه وسال إلى ما حوله، وهذا احتراز عن الكبد والطحال.
٦- وفيه جواز سؤال المرأة عما يستحيا من ذكره.
٧- والإفصاح بذكر ما يستقذر للضرورة.
٨- وجواز مشافهتها الرجال فيما يتعلق بأمور الدين.
٩- واستحباب فرك النجاسة اليابسة ليهون غسلها.
والله أعلم
٢٦٢

(١٣٠) باب وجوب الاستبراء من البول
وعقوبة من يتهاون فيه
٥٢١- ١١٠حَدَّثْنَا الأَعْمَشُ (١١٠) قَالَ: سَمِعْتُ مُجَاهِدًا يُحَدِّثُ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
رَضِي اللَّه عَنْهِمَا قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ عَلَى قَبْرَيِنِ فَقَالَ «أَمَا إِنَّهُمَا لَيُعَذِّبَانِ وَمَا يُعَذِّبَانِ فِى
كَبِيرٍ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكَانَ يَمْشِي بِالْمِيمَةِ وَأَمَّا الآخَرُ فَكَانٌ لا يَسْتَثِرُ مِنْ بَوْلِهِ» قَالَ فَدَقًا
بِعَسِيبٍ رَطْبٍ فَشَقَّهُ بِالَْيْنِ ثُمَّ غَرَسَ عَلَى هَذَا وَاحِدًا وَعَلَى هَذَا وَاحِدًا ثُمَّ قَالَ «لَعَلَّهُ أَنْ
يُخَفّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَنْسَا».
٥٢٢- ١٠ْ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ (١٠) بِهَذَا الإِسْنَادٍ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ «وَكَانُ الآخَرُ لا يَسْتَثْزِهُ عَنٍ
الْبَوْلِ أَوْ مِنَ الْبَوْلِ».
المعنى العام
الإسلام دين نظافة، نظافة الباطن، ونظافة الظاهر، نظافة السلوك، ونطافة البدن والثياب، يمثل
السلوك الخاطئ المشى بالنميمة بين الناس، ويمثل القذر فى الثياب والبدن عدم التنزه من البول،
والتعرض للتلوث من بقاياه، بسبب عدم الاستبراء منه بالحجارة أو الماء.
أمران قد يستهين بهما المسلم، ولا يحسبهما من الكبائر التى يعذب عليها بعد الموت، مع أنهما
من أول ما يعذب من أجله المؤمن فى قبره.
يصور الحديث هذا المنظر. رسول الله# يمر مع بعض أصحابه بمقابر المدينة، فيقول
لأصحابه: إنى أسمع صوت إنسانين فى هذين القبرين يعذبان، أسمعنى اللّه بقدرة أودعها
فى سمعى، إن أصواتهما أصوات تأوه وتضجر وتألم، وقد أخبرنى ربى أنهما يعذبان فى
أمرين استهانا بهما، يعذبان فى معصيتين ليستا كبيرتين فى حسبان الناس، لكنهما عند
اللَّه كبيرتان، كان أحدهما فى دنياه لا يتحرز من بقايا بوله، فكان البول يصيب بدنه
وثوبه، فتبطل صلاته وهو لا يدرى، وكان الآخر فى دنياه ينقل الحديث السيئ من القائل
إلى المقول فيه، ويزيد عليه للوشاية والإيقاع بين الناس.
وأخذت الشفقة والرحمة برسول اللَّه ، فتوجه إلى الله بالدعاء أن يخفف عنهما، ثم طلب من
(١١٠) حَدََّتِي أَبُو سَعِيدٍ الأَشَجُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّقْنَا وَكِيعٌ
حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ
(١٠) حَذَّْنِيهِ أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ الأَزْدِيُّ حَدَثْنَا مُعَلَّى بْنُ أَسَدٍ حَدَّقَا عَبْدُ الْوَاحِدِ عَنْ سُلَيْمَانَ الأَعْمَشِ
٢٦٣

أصحابه جريدة خضراء لينة، بما عليها من خوص أخضر، فشقها نصفين، ووضع على كل قبر من
القبرين نصفًا، وقال: لعل الله يخفف عن المعذبين هذين بسبب تسبيح الجريدة الخضراء مادامت
رطبة، إلى أن تيبس وتجف. صلى اللَّه عليه وسلم.
المباحث العربية
( أما إنهما ليعذبان ) فى الكلام مضاف محذوف، أى إن صاحبيهما ليعذبان، وقيل: إن
الضمير للقبرين، من قبيل إطلاق المحل وإرادة الحال فيه و))أما)) حرف استفتاح مثل ((ألا)).
(وما يعذبان فى كبير) ((ما)) نافية، والمعنى: وليسا يعذبان فى أمر كبير شاق، بل فى أمر
سهل الترك يسير.
( أما أحدهما فكان يمشى بالنميمة) ((أما)) حرف شرط وتفصيل، قامت مقام مهما يكن
من شىء، والفاء لازمة فى تلوتاليها، و((النميمة)) نقل كلام الغير بقصد الإضرار.
(وأما الآخر فكان لا يستتر من بوله) وفى الرواية الملحقة ((لايستنزه من البول)) وفى رواية
البخارى ((لايستبرئ من البول)» قال النووى: وكلها صحيحة، ومعناها لا يتجنبه، ولا يتحرز منه.اهـ.
فمعنى ((لا يستتر من بوله)) لا يجعل بينه وبينه سترة، يعنى لا يتحفظ منه وحمله بعضهم على
ظاهره، فقال: معناه لا يستر عورته، وهو مردود لأن التعذيب لو وقع على كشف العورة لاستقل الكشف
بالسببية، فيترتب العذاب عليه، سواء وجد البول أم لا، وسياق الحديث يدل على أن للبول بالنسبة
إلى عذاب القبر خصوصية، فلو حمل على مجرد كشف العورة زال هذا المعنى، فتعين الحمل على
المعنى الأول لتجتمع ألفاظ الحديث على معنى واحد، لأن مخرجه واحد.
( فدعا بعسيب رطب ) ((العسيب)) بفتح العين وكسر السين: الجريد والغصن من النخل،
قاله النووى. وقال الحافظ ابن حجر: العسيب هى الجريدة التى لم ينبت فيها الخوص، فإن نبت
فهى السعفة، وخص الجريد بذلك لأنه بطىء الجفاف. اهـ
( فشقه باثنين ) قال النووى: الباء زائدة، و))اثنين)) منصوب على الحال.
( ثم غرس على هذا واحداً وعلى هذا واحداً ) المراد بالواحد النصف. وفى رواية للبخارى
((فغرز)) وفى أخرى له أيضاً((فوضع)).
( لعله أن يخفف عنهما) شبه ((لعل)) بعسى، فأتى بأن فى خبرها. ذكره الكرمانى.
قال ابن مالك: يجوز أن تكون الهاء ضمير الشأن، وجاز تفسيره بأن وصلتها لأنها فى حكم
جملة، لاشتمالها على مسند ومسند إليه، قال: ويحتمل أن تكون ((أن)) زائدة مع كونها
ناصبة، كزيادة الباء مع كونها جارة. اهـ
٢٦٤

و((لعل)) للترجى، وقيل: للتعليل بناء على أنه أوحى إليه صلى الله عليه وسلم أن ذلك
يخفف عنهما.
( مالم ييبسا) ((ما)) مصدرية زمانية، أى مدة عدم اليبس.
فقه الحديث
فى الحديث وجوب التنزه من البول، وعقوبة مخالفه: أما عدم التنزه من البول فإن الحديث
صريح فى أنه من أسباب عذاب القبر، ويرى العلماء أنه من الكبائر، ويؤولون قوله {₪((وما يعذبان
فى كبير» فيقول النووى: وقد ذكر العلماء فيه تأويلين. أحدهما: أنه ليس بكبير فى زعمهما وإن كان
كبيراً فى حقيقته. والثانى: أنه ليس بكبير تركه عليهما، وحكى القاضى عياض تأويلاً ثالثاً. فقال:
ليس بأكبر الكبائر.اهـ
ويؤيد أنه من الكبائر رواية البخارى ((وما يعذبان فى كبير، وإنه لكبير)) ورواية البخارى فى باب
الوضوء ((وما يعذبان فى كبير، بل إنه كبير)) قال النووى: فثبت بهاتين الزيادتين الصحيحتين أنه
كبير. ثم قال: وسبب كونه كبيرًا أن عدم التنزه من البول يلزم منه بطلان الصلاة، فتركه كبيرة
بلا شك.اهـ
ولما كانت رواية مسلم ((لا يستتر من بوله)) ظنه بعضهم من كشف العورة وحمله على ذلك، ولم
يضع فى حسابه الروايات الأخرى للحديث ((لا يستنزه)). ((لايستبرئ)). ((لا يتوقى)» وقد هاجمه ابن
دقيق العيد. فقال: لوحمل ((الاستتار)) على حقيقته للزم أن مجرد كشف العورة كان سبب العذاب
المذكور، وسياق الحديث يدل على أن للبول بالنسبة إلى عذاب القبر خصوصية. قال الحافظ ابن
حجر: يشير إلى ما صححه ابن خزيمة من حديث أبى هريرة مرفوعاً ((أكثر عذاب القبر من البول))
أى بسبب ترك التحرز منه، ويؤيده أن لفظ ((من)) فى هذا الحديث لما أضيف إلى البول اقتضى نسبة
الاستتار - الذى عدمه سبب العذاب - إلى البول، بمعنى أن ابتداء سبب العذاب من البول، فلو حمل
على مجرد كشف العورة زال هذا المعنى، فتعين على المجاز، لتجتمع ألفاظ الحديث على معنى
واحد، لأن مخرجه واحد، ويؤيده أنه فى حديث أبى بكرة عند أحمد وابن ماجه ((أما أحدهما فيعذب
فى البول» ومثله للطبرانى عن أنس. اهـ والله أعلم.
ويؤخذ من الحديث
١- الإيمان بعذاب القبر، كما هو مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة.
٢- ونجاسة الأبوال مطلقاً، قليلها وكثيرها، وهو مذهب عامة الفقهاء وذهب أبو حنيفة إلى العفو عن
قدر الدرهم الكبير، اعتباراً للمشقة. وفى الجواهر للمالكية: أن البول والعذرة من بنى آدم الآكلين
نجسان. وهما طاهران من كل حيوان مباح الأكل، ومكروهان من المكروه أكله.
٢٦٥

٣- ويستدل به على وجوب إزالة النجاسة. خلافا لمن خص الوجوب بوقت إرادة الصلاة.
٤- وفيه دليل- كما قال الخطابى - على استحباب قراءة القرآن على القبور، لأنه إذا كان يرجى عن
الميت التخفيف بتسبيح الشجر، فتلاوة القرآن أعظم رجاء ويركة. ومذهب أبى حنيفة وأحمد
وصول ثواب القراءة إلى الميت. قال النووى: والمشهور من مذهب الشافعى وجماعة أن قراءة
القرآن لا تصل إلى الميت. قال: والأحاديث حجة عليهم، ولكن أجمع العلماء على أن الدعاء
ينفعهم، ويصلهم ثوابه، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْلَنَا وَلإِخْوَانِنَا
الَّذِينَ سَبَقُونًا بالإيمَانِ﴾ [الحشر: ١٠] وغير ذلك من الآيات والأحاديث المشهورة، منها قوله صلى
اللّه عليه وسلم ((اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد)) وقوله ((اغفر لحينا وميتنا)).
٥- استدل به ابن بطال على أن التعذيب لا يختص بالكبائر بل قد يقع على الصغائر. قال: لأن
الاحتراز من البول لم يرد فيه وعيد. اهـ قال الحافظ ابن حجر: يعنى قبل هذه القصة، وتعقب
بالزيادة الواردة فى بعض الروايات وهى تثبت أنه كبيرة كما سبق قريباً.
٦- وفيه حرمة النميمة، وهى كبيرة بلا خلاف.
٧- استدل به بعضهم على استحباب وضع الجريد الأخضر على القبور، ويطرد فى كل ما فيه
رطوبة من الأشجار والزهور وغيرها. قال النووي: قيل لكونهما يسبحان ماداما رطبين.
وليس لليابس تسبيح. وهذا مذهب كثيرين أو الأكثرين من المفسرين فى قوله تعالى:
﴿وَإِنٌّ مِّن شَىءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤] قالوا: معناه: وإن من شىء حى. ثم
قالوا: حياة كل شىء بحسبه، فحياة الخشب ما لم ييبس والحجر ما لم يقطع، وذهب
المحققون من المفسرين وغيرهم إلى أنه على عمومه، ثم اختلف هؤلاء: هل يسبح
حقيقة أم فيه دلالة الصانع. فيكون مسبحا منزها بصورة حاله؟ والمحققون على أنه
يسبح حقيقة، وقد أخبر اللَّه تعالى بقوله ﴿وَإِنَّ مِن الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ
مِنْهَا لَمَا يَشَقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَّمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشِيَةِ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] وإذا
كان العقل لا يحيل جعل التمييز فيها، وجاء النص به، وجب المصير إليه.اهـ.
وأنكر الخطابى مايفعله الناس على القبور من الأخواص ونحوها متعلقين بهذا الحديث. وقال:
لاأصل له. ولا وجه له. وقال عن الحديث إنه محمول على أنه دعالهما بالتخفيف مدة بقاء
النداوة. لا أن فى الجريد معنى يخصه ولا أن فى الرطب معنى ليس فى اليابس. وقال الطيبى:
الحكمة فى كونهما مادامتا رطبتين تمنعان العذاب يحتمل أن تكون غير معلومة لنا. كعدد
الزبانية. اهـ وقال الطرطوشى: لأن ذلك خاص ببركة يده صلى الله عليه وسلم. قال القاضى
عياض: لأنه علل غرزها على القبر بأمر مغيب. وهو قوله ((ليعذبان)) اهـ والهدف من هذا كله أنه لا
يقتدى به صلى اللّه عليه وسلم فى هذا الفعل.
وقد حمل على ذلك الحافظ ابن حجر فقال: لا يلزم من كوننا لا نعلم أيعذب أم لا؟ أن لانتسبب
٢٦٦

له فى أمر يخفف عنه العذاب لوعذب. كما لا يمنع كوننا لا ندرى أرحم أم لا؟ أن ندعوله
بالرحمة. وقد تأسى بريدة بن الحصيب الصحابى بذلك. فأوصى أن يوضع على قبره جريدتان
[كما جاء ذلك فى البخارى] وهو أولى أن يتبع من غيره. اهـ
(فائدة) لم يعرف اسم صاحبى القبرين، ولا أحدهما. والظاهر أن ذلك كان على عمد من
الرواة. لقصد الستر عليهما، وهو عمل مستحسن، وينبغى أن لا يبالغ فى الفحص عن تسمية
من وقع منه ما يذم به. قاله الحافظ ابن حجر، ثم قال: والظاهر أنهما كانا مسلمين، إذ
حصر سبب عذابهما فى البول والنميمة ينفى كونهما كافرين؛ لأن الكافر وإن عذب على
ترك أحكام الإسلام فإنه يعذب مع ذلك على الكفر بلا خلاف. اهـ وقال بعضهم: إنهما لو
كانا كافرين لم يدع لهما بتخفيف العذاب ولا ترجاه.
والله أعلم
٢٦٧

كتاب الحيض
١٣١ - باب مباشرة الحائض فوق الإزار،
والاضطجاع معها فى لحاف واحد.
١٣٢ - باب طهارة يد الحائض وسؤرها
ومجرها.
١٣٣ - باب حكم المدى.
١٣٤ - باب وضوء الجنب قبل نومه، وغسل
فرجه قبل أكله أو شربه أو جماعه.
١٣٥ - باب منى المرأة، ووجوب الغسل عليها
بخروجه.
١٣٦ - باب الصفة الكاملة لغسل الجنابة.
١٣٧ - باب القدر المستحب من الماء فى
غسل الجنابة.
١٣٨ - باب استحباب إفاضة الماء ثلاثا فى
الغسل.
١٣٩ - باب نقض ضفائر المرأة عند الغسل.
١٤٠ - باب استعمال المرأة قطعة من المسك
عند غسلها من الحيض.
١٤١ - باب المستحاضة، وغسلها وصلاتها.
١٤٢ - باب قضاء الحائض الصوم دون
الصلاة.
١٤٣ - باب حفظ العورة، والتستر عند البول
والاغتسال.
١٤٤ - باب وجوب الغسل بالجماع وإن لم
ينزل.
١٤٥ - باب الوضوء مما مست النار من لحوم
الإبل.
١٤٦ - باب من تيقن الطهارة وشك فى
الحدث.
١٤٧ - باب طهارة جلود الميتة بالدباغ.
١٤٨ - باب التيمم.
١٤٩ - باب المسلم لا ينجس.
١٥٠ - باب أكل المحدث وذكر اللَّه حال
الجنابة.
١٥١ - باب ما يقول إذا دخل الخلاء.
١٥٢ - باب نوم الجالس لا ينقض الوضوء.
٢٦٩

(١٣١) باب مباشرة الحائض فوق الإزار
والاضطجاع معها فى لحاف واحد
٥٢٣ - ١ عَنِ عَائِشَةَ رَضِي اللَّه عَنْهَا (١) قَالَتْ: كَانَ إِحْدَانًا، إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، أَمَرَهَا رَسُولُ
اللّهِ ﴿ فَأْتَزِرُ بِإِزَارٍ، ثُمَّيُبَاشِرُهَا.
٥٢٤- ٣ِ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٢) قَالَتْ: كَانَ إِحْدَانًا، إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، أَمَرَهَا رَسُولُ
اللّهِ وَ﴿ أَنْ تَأْتَزِرَ فِي فَوْرِ حَيْضَتِهَا، ثُمَّ يُبَاشِرُهَا. قَالَتْ: وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إِرَّبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ
اللَّهِ ﴿ يَمْلِكُ إِرْبَهُ.
٥٢٥- ٣ّ عَنِ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٢) قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ :﴿ يُبَاشِرُ بِسَاءَهُ فَوْقَ
الإِزَارِ، وَهُنَّ حُيَّضٌ.
٥٢٦- ١ِ عَنِ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٤) زَوْجِ النّبِيِِّ﴿ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَضْطَجِعُ
مَعِي وَأَنَا حَائِضٌ، وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ ثَوْبٌ.
٥٢٧ - ٥ْ عَنِ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٥) قَالَتْ: بَيْنَمَا أَنَا مُضْطَجِعَةٌ مَعَ رَسُولِ اللَّهِلِ فِي
الْخَمِيلَةِ. إِذْ حِضْتُ. فَالْسَلَلْتُ. فَأَخَذْتُ ثِيَابَ حَيْضَتِي فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ « أَنَفِسْتِ؟»
قُلْتُ: نَعَمْ. فَدَعَانِي فَاضْطَجَعْتُ مَعَهُ فِي الْحَمِيلَةِ، قَالَتْ: وَكَانَتْ هِيَ وَرَسُولُ اللَّهِ
يَغْتَسِلانِ، فِي الإِنَاءِ الْوَاحِدِ، مِنَ الْجَنَابَةِ.
المعنى العام
هبطت حواء من الجنة إلى الأرض، من عالم الطهر والراحة إلى دنيا الأذى والشقاء، وكان مما
(١) حَدَّثَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شََّةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنَا وَقَالَ الآخَرَانِ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنٍ مَنْصُورٍ
عَنِ إِبْرَاهِيمٌ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنِ عَائِشَةً
(٢) وحَّدَّثَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشَّبَائِيِّ ح وحَذَّبِي عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ وَاللّفْظُ لَهُ أَخْرَنَا عَلِيُّ
ابْنُ مُسْهِرٍ أَخْبَرَنَا أَبُوَ إِسْحَقَ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنِ أَبِيهِ عَنِ عَائِشَةً
(٣) حَدَّثَنَا يَخْتِّى بْنُ يَحْتِى أَخْبُرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الشََّالِيِّ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ شَدَّادٍ عَنِ مَيْمُونَةً
(٤) حَدَِّي أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنِ مَخْرَمَةً حَ وَحَدَّثَنَا هَارُوَنُ بْنُ سَعِيدٍ اَلأَنِيُّ وَأَخَّمَدُ بْنُ عِيسَى قَالا حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ
أَخْبُرَلِي مَخْرَمَةُ عَنِ أَبِيهِ عَنٍ كُرَيِّبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسِ قَالَ: سَمِعْتُ مَيْمُونَةَ
(٥) حَدَّنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ حَدَّثَنِّي أَبِي عَنٍ يُحْتِى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنَا أَبُو سَلَمَّةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَ زَيْنَبَ
بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ حَدَّثْهُ أَنَّ أُمّ سَلَّمَةَ حَدْقَتْهُا
٢٧١

أصابها زيادة على آدم ما نزل عليها من دم الحيض والنفاس، وهكذا كتب الله عليها وعلى بناتها هذا
الأذى، دم يسيل من الرحم أياماً فى كل شهر، من يوم وليلة إلى خمسة عشر يوماً، دم أسود كريه
الرائحة يتكرر شهريا ما دامت خالية من الحمل وحتى سن اليأس، فإن هى حملت، وانقطع عنها مدة
حملها نزل بعد الولادة أياماً قد تبلغ الأربعين يوماً تشمئز منه نفسها، فضلا عن زوجها، دم يحد من
تشوف المرأة إلى الرجل، وتشوف الرجل إليها. وقد اختلفت معاملات الناس للحائض قبل الإسلام،
فكانوا فى الجاهلية يتجنبونها فإذا غلبت عليهم شهوتهم أتوها فى دبرها، وكان النصارى يجامعونها
فى فرجها، وكان اليهود والمجوس يبالغون فى هجرانها، ويتجنبونها ويعتزلونها حتى بعد انقطاع
الدم لمدة سبعة أيام، ويزعمون أن ذلك فى كتابهم.
وجاء الإسلام، وتساءل المسلمون؛ فنزل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَنَّى
فَاعْتَزْلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأَتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ إِنَّ
اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢] فكان وسطا فى المعاملة، وخير الأمور الوسط،
وأمر الرسول# الحائض أن تستر ما بين سرتها وركبتها عن زوجها، لئلا تتقزز نفسه منها، وشرع
مباشرتها أعلى إزارها، كما شرع مضاجعتها فى الفراش الواحد واللحاف الواحد، لكنه منع وطأها فى
فرجها، وقال رسول اللَّه ◌َ للرجل الذى سأله: ما يحل لى من امرأتى وهى حائض؟ قال: «لتشد
عليها إزارها، ثم شأنك بأعلاها».
المباحث العربية
( كان إحدانا إذا كانت حائضاً) قال النووى: هكذا وقع فى الأصول ((كان إحدانا)) من غير
تاء فى ((كان)) وهو صحيح، فقد حكى سيبويه فى كتابه، فى باب ما جرى من الأسماء التى هى من
الأفعال وما أشبهها من الصفات مجرى الأفعال قال: وقال بعض العرب: قال امرأة. فهنا نقل الإمام
هذه الصيغة، أنه يجوز حذف التاء من فعل ما له فرج، من غير فصل، وقد نقله أيضاً ابن خروف فى
شرح الجمل. قال النووى: ويجوز أن تكون ((كان)) هنا التى للشأن والقصة. أى كان الأمر أو الحال، ثم
ابتدأت، فقالت: إحدانا إذا كانت حائضاً أمرها.اهـ
ثم قال: وأصل الحيض فى اللغة السيلان، يقال: حاض الوادى إذا سال. والحيض جريان دم
المرأة فى أوقات معلومة، يرخيه رحم المرأة بعد بلوغها، والاستحاضة جريان الدم فى غير أوانه، قال
الأزهرى والهروى وغيرهما: ودم الحيض يخرج من قعر الرحم، ودم الاستحاضة يسيل من العاذل، وهو
عرق، فمه الذى يسيل منه فى أدنى الرحم دون قعره وقال أهل اللغة: يقال: حاضت المرأة تحيض
حيضا ومحيضا ومحاضا، فهى حائض، بلا هاء. هذه اللغة الفصيحة المشهورة، وحكى الجوهرى عن
الفراء حائضة بالهاء، ويقال: حاضت وتحيضت ودرست وطمثت وعركت وضحكت ونفست، كله
بمعنى واحد، وزاد بعضهم: أكبرت وأعصرت بمعنى حاضت.
٢٧٢

(أمرها رسول اللّه فتأتزر بإزار) المأمور به محذوف، لدلالة ((فتأتزر)» عليه، والتقدير:
أمرها بأن تأتزر فتأتزر، بأن تشد إزاراً تستربه ما بين سرتها وركبتها.
( ثم يباشرها ) من المباشرة التى هى أن يمس الجلد الجلد، وليس المراد به الجماع وإن
كانت ترد بهذا المعنى.
( أن تأتزر فى فور حيضها ) ((فور الحيضة)) بفتح الفاء وسكون الواو معناه معظمها ووقت
كثرتها، قال الجوهرى: فورة الحرشدته، وفار القدر فوراً إذا جاشت.
(وأيكم يملك إربه كما كان رسول اللَّه ◌َ * يملك إربه؟) قيل: المراد بالإرب العضو
الذى يستمتع به، أى الفرج، وهو بكسر الهمزة وسكون الراء فى أكثر الروايات قال النووى: ورواه
جماعة بفتح الهمزة والراء، ومعناه حاجته، وهى شهوة الجماع. اهـ والاستفهام إنكارى بمعنى النفى،
أى لا أحد منكم يضبط شهوته، ويملك نفسه من الوقوع فى المحرم وهو مباشرة فرج المرأة كما كان
رسول اللّه مَ لَّ يملك.
( يباشر نساءه فوق الإزار) أى فوق السرة وأعلى الجسم، أى فوق المكان الذى يستره الإزار،
وليس المراد المباشرة مع الحائل الذى هو الإزار، لأن لفظ المباشرة فى معناه وضع البشرة على
البشرة، ومس الجلد الجلد.
( وهن حيض ) بضم الحاء وتشديد الياء المفتوحة، جمع حائض.
( يضطجع معى ) أى فى فراش واحد وغطاء واحد.
( بينما أنا مضطجعة) ((بينما)) أصله ((بين)) ظرف زمان، وزيدت عليه الميم والألف والعامل
فيه جوابه ((إذ حضت)) والتقدير: فاجأنى الحيض وقت أن كنت مضطجعة.
( فى الخميلة ) بفتح الخاء وكسر الميم، ويقال: الخميل بحذف الهاء. قال السكرى: هو
القطيفة ذات الخمل، والخمل هدب القطيفة ونحوها، مما ينسج ويفضل له فضول، وفى البخارى
((مضجعة فى خميصة)) وفى آخر الرواية ((فدعانى فاضطجعت معه فى الخميلة)) والخميصة كساء
مربع، وقيل: ثوب من خزثخين، له علمان، وهو أسود، فلعل الغطاء كان من قطعتين إحداهما
خميصة، والأخرى خميلة.
( فانسللت ) أى انسحبت من الفراش فى رفق وخفية، لعدم إزعاجه صلى اللّه عليه وسلم.
وكأنها استقذرت نفسها، وترفعت بمضاجعة رسول اللّه* فى هذه الحالة، أو خافت وصول شىء
من الدم إليه، أو أن يطلب منها الاستمتاع بها، أو أن ينزل الوحى عليه صلى الله عليه وسلم.
( فأخذت ثياب حيضتى ) قال النووى: بكسر الحاء، وهى حالة الحيض أى أخذت الثياب
٢٧٣

المعدة لزمن الحيض. هذا هو الصحيح المشهور المعروف فى ضبط ((حيضتى)) فى هذا الموضع، قال
القاضى عياض: ويحتمل فتح الحاء هنا أيضاً، أى الثياب التى ألبسها فى حال حيضتى، فإن
الحيضة بالفتح هى الحيض.اهـ
( أنفست؟ ) بفتح النون وكسر الفاء. قال النووى: هذا هو المعروف فى الرواية، وهو الصحيح
المشهور فى اللغة أن ((نفست)) بفتح النون وكسر الفاء معناه حاضت، وأما فى الولادة فيقال:
((نفست)) بضم النون وكسر الفاء، وقال الهروى: فى الولادة ((نفست)) بضم النون وفتحها، وبالحيض
بالفتح لا غير. ونقل أبو حاتم عن الأصمعى الوجهين فى الحيض والولادة، وذكر ذلك غير واحد، وأصل
ذلك كله خروج الدم، والدم یسمی نفسا. اهـ
( قالت: وكانت هى ) جردت من نفسها من تتحدث عنها، وكان الأصل: قالت: وكنت.
( يغتسلان فى الإناء الواحد من الجنابة ) أى من الحدث الأكبر، يقال: أجنب يجنب
إجنابا، والجنابة الاسم، وهو فى اللغة البعد، وسمى الإنسان جنباً لأنه نهى أن يقرب من مواضع
الصلاة ما لم يتطهر.
فقه الحديث
قسم النووى فى شرح مسلم مباشرة الحائض إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: أن يباشرها فى الفرج بالجماع. فهذا حرام بإجماع المسلمين وبنص القرآن، قال
تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَنّى فَاعْتَزْلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَيُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ
فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأُتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَّرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يَحِبُّ التَّوَّبِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢]
وبالأحاديث الصحيحة المتضافرة. قال: قال أصحابنا: ولو اعتقد مسلم حل جماع الحائض فى
فرجها صاركافرًا مرتدا، ولو فعله إنسان غير معتقد حله، فإن كان ناسياً أو جاهلا بوجود الحيض، أو
جاهلا بتحريمه، أو مكرها، فلا إثم عليه، ولا كفارة، وإن وطئها عامدا، عالما بالحيض والتحريم،
مختارا، فقد ارتكب معصية كبيرة، نص الشافعى على أنها كبيرة، وتجب عليه التوبة، وفى وجوب
الكفارة قولان للشافعى:
أصحهما وهو الجديد وقول مالك وأبى حنيفة وأحمد فى إحدى الروايتين وجماهير السلف، أنه لا
كفارة عليه وممن ذهب إليه من السلف عطاء وابن أبى مليكة والشعبى والنخعى وكثيرون غيرهم.
والقول الثانى: وهو القديم الضعيف أنه يجب الكفارة، وهو مروى عن ابن عباس والحسن البصرى
وسعيد بن جبير وقتادة والأوزاعى وإسحق، وأحمد فى الرواية الثانية عنه، قالوا: لأنه وطء محذور،
كالوطء فى نهار رمضان. واختلف هؤلاء فى الكفارة، فقال الحسن وسعيد: عتق رقبة، وقال الباقون:
أو نصف دينار، على اختلاف منهم فى الحال الذى يجب فيه الدينار، ونصف الدينار، هل الدينار فى
أول الدم؟ ونصفه فى آخره؟ أو الدينار فى زمن الدم؟ ونصفه بعد انقطاعه؟
٢٧٤

وتعلقوا بحديث ابن عباس المرفوع ((من أتى امرأة وهى حائض، فليتصدق بدينار أو نصف
دينار)) وهو حديث ضعيف باتفاق الحفاظ، فالصواب أن لا كفارة. وعلى فرض صحة الحديث تكون
الصدقة على الاستحباب.
القسم الثانى: المباشرة فيما فوق السرة وتحت الركبة، وبالذكر، أو بالقبلة أو المعانقة،
أو اللمس أو غير ذلك. وهو حلال باتفاق العلماء. وقد نقل الشيخ أبو حامد الإسفرايينى
وجماعة كثيرة الإجماع على هذا، وأما ما حكى عن عبيدة السلمانى وغيره من أنه لا يباشر
منها شيئاً بشىء منه فشاذ منكر غير معروف ولا مقبول، ولو صح عنه لكان مردوداً
بالأحاديث الصحيحة المشهورة المذكورة فى الصحيحين وغيرهما فى مباشرة النبى وُ لد
فوق الإزار، وإذنه فى ذلك بإجماع المسلمين قبل المخالف وبعده.
ثم إنه لا فرق بين أن يكون على الموضع الذى يستمتع به شىء من الدم، أو لا يكون؛ هذا هو
الصواب المشهور الذى قطع به جماهير أصحابنا وغيرهم من العلماء للأحاديث المطلقة، وحكى
المحلى من أصحابنا وجها لبعض أصحابنا أنه يحرم مباشرة ما فوق السرة وتحت الركبة، إذا كان
عليه شىء من دم الحيض. وهذا الوجه باطل، لا شك فى بطلانه.
القسم الثالث: المباشرة فيما بين السرة والركبة، فى غير القبل والدبر، وفيها ثلاثة أوجه
لأصحابنا، أصحها عند جماهيرهم، وأشهرها فى المذهب أنها حرام والثانى أنها ليست بحرام،
ولكنها مكروهة كراهة تنزيه، وهذا الوجه أقوى من حيث الدليل وهو المختار. والوجه الثالث: إن كان
المباشر يضبط نفسه عن الفرج، ويثق من نفسه باجتنابه، إما لضعف شهوته، وإما لشدة ورعه جاز،
وإلا فلا. وهذا الوجه حسن.
وممن ذهب إلى الوجه الأول، وهو التحريم مطلقا مالك وأبو حنيفة وهو قول أكثر العلماء، وممن
ذهب إلى الجواز عكرمة ومجاهد والشعبى والنخعى والثورى والأوزاعى وأحمد بن حنبل ومحمد بن
الحسن وأبو ثور وابن المنذر وداود، واحتجوا بحديث أنس الآتى ((اصنعوا كل شىء إلا النكاح)) قالوا:
وأما اقتصار النبى فى مباشرته على ما فوق الإزار فمحمول على الاستحباب.
ثم قال النووي: واعلم أن تحريم الوطء والمباشرة على قول من يحرمهما يكون فى مدة الحيض،
وبعد انقطاعه إلى أن تغتسل، أو تتيمم إن عدمت الماء بشرطه، هذا مذهبنا ومذهب مالك وأحمد
وجماهير السلف والخلف. وقال أبو حنيفة: إذا انقطع الدم لأكثر الحيض - وهو عشرة أيام عنده - حل
وطؤها فى الحال، واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأُتُوهُنَّ مِنْ
حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللَّهُ ﴾. اهـ
وقال داود الظاهرى: إذا غسلت فرجها حل الوطء، واحتج لأبى حنيفة بأنه يجوز الصوم والطلاق
قبل الغسل، فكذا الوطء، لأن تحريم الوطء هو الحيض وقد زال، وصارت كالجنب، ومن الإنصاف
القول بأن القياس مع أبى حنيفة والنص مع الجمهور، والله أعلم.
٢٧٥

ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- أن الحائض لابد لها من الاتزار فى أيام حيضها، لأن النبى # أمر عائشة بذلك وذلك لتمتنع
المرأة به عن الجماع، وقد روى أبو داود عن ميمونة - رضى الله عنها- ((أن النبى® كان يباشر
المرأة من نسائه وهى حائض، إذا كان عليها إزار إلى أنصاف الفخذ أو الركبتين، تحتجزبه)» أى
تمتنع المرأة بالإزار عن الجماع. وفى رواية ((محتجزة به)) أى حال كون المرأة ممتنعة به عن
الجماع، فالإزار وقاية وحماية من ثورة الشهوة، وعقبة أمام جموحها نحو مخالفة الشرع.
٢- أن المباشرة فوق الإزار ودون الركبة إنما تجوز لمن يضبط نفسه ويمنعها من الاسترسال والوقوع
فى الجماع، أما من لا يملك إربه فلا يجوز له ذلك، لأن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه.
٣- أخذ بعضهم من قولها ((فى فور حيضتها)) الفرق بين ابتداء الحيض وبعده، فالمباشرة فى نهايته
أخف منها فى بدايته، ويشهد له ما رواه ابن ماجه فى سننه عن أم سلمة - رضى الله عنها- «أنه
صلى الله عليه وسلم كان يتقى سورة الدم ثلاثا، ثم يباشرها بعد ذلك)).
٤- وفيه ما كان عليه رسول اللَّه ◌َ ل من ضبط النفس وقوة الإرادة.
٥- جواز النوم مع الحائض فى ثيابها، والاضطجاع معها فى لحاف واحد إذا كان هناك حائل يمنع
من ملاقاة البشرة فيما بين السرة والركبة.
٦- استحباب اتخاذ المرأة ثياباً للحيض، غير ثيابها المعتادة.
٧- استدل به بعضهم على أن عرق الحائض طاهر، لأن اضطجاعها معه فى لحاف واحد لا يخلو من
إصابة العرق زوجها أو ثيابه أو غطاءه، فقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ معناه
فاعتزلوا وطأهن، ولا تقربوا وطأهن.
٨- واستدل بقوله صلى الله عليه وسلم ((أنفست)) على أن حكم الحيض والنفاس واحد.
٩- وفيه محافظة أمهات المؤمنين -رضى الله عنهن- على شعور النبى * وحرصهن على إبعاد
الأذى عنه.
١٠- وفيه عطفه صلى الله عليه وسلم ولطفه وحسن عشرته لأزواجه.
١١- وجواز اغتسال الرجل مع امرأته من إناء واحد.
١٢ - وفيه أن من سنة أهل الخير النوم مع الزوجة، على خلاف طريقة العجم.
والله أعلم
٢٧٦

(١٣٢) باب طهارة يد الحائض وسؤرها وحجرها
٥٢٨- { عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٦) قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُِّ﴿ِ، إِذَا اغْتَكَفَ، يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ
فَأَرَجُلُهُ. وَكَانٌ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلا لِحَاجَةِ الإِنْسَانِ.
٥٢٩- ٣ عَنِ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِيِّ ◌َ ﴿ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٧) قَالَتْ: إِن كُنْتُ لأَدْخُلُ الْبَيْتَ
لِلْحَاجَةٍ. وَالْمَرِيضُ فِيهِ. فَمَا أَسْأَلُ عَنْهُ إِلا وَأَنَا مَارَّةٌ. وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِلِ﴿ لَيُدْخِلُ عَلَيَّ
رَأْسَهُ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَرَجِّلُهُ. وَكَانَ لا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إِلا لِحَاجَةٍ. إِذَا كَانٌ مُعْتَكِفًا. وَقَالَ ابْنُ
رُمْحٍ: « إِذَا كَانُوا مُعْتَكِفِينَ».
٥٣٠- ◌ُ عَنِ عَائِشَةَ زَوْجِ النّبِيِّ :﴿َ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٨) أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللّهِعَلَّ
يُخْرِجُّ إِلَيَّ رَأْسَهُ مِنَ الْمَسْجِدِ. وَهُوَ مُجَاوِرٌ. فَأَغْسِلُهُ وَأَنَا حَائِضٌ.
٥٣١ - ١° عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٩) أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ يُدْنِي إِلَيَّ رَأْسَهُ وَأَنَا
فِي حُجْرَبِي. فَأَرَجِّلُ رَأْسَهُ وَأَنَا خَائِضٌ.
٥٣٢- ٠ ١ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٠) قَالَتْ: كُنْتُ أَغْسِلُ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ◌ِ
وَأَنَا خَائِضٌ.
٥٣٣- ١١ِ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(١١) قَالَتْ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ «نَاوِلِينِي الْخُمْرَةَ
مِنَّ الْمَسْجِدِ » قَالَتْ فَقُلْتُ: إِنِّي خَائِضٌ. فَقَالَ «إِنَّ خَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ».
٥٣٤- ٣ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٢) قَالَتْ: أَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ وَ أَنْ أَتَاوِلَهُ الْخُمْرَةَ مِنَ
الْمَسْجِدِ. فَقُلْتُ: إِنِّي خَائِضٌ. فَقَالَ « تَنَاوِّيهَا فَإِنَّ الْحَيْضَةَ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ».
(٦) حُذَّنَا يَحْتَى بْنُ يَحْتِى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ عُرْوَةَ عَنِ عَمْرَةً عَنِ عَائِشَةٌ
(٧) وحَدََّا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ ح وحَدَّْنَا مُحَمَّدَ بْنُ رُمْحٍ قَالَ أَخْبَرَنَّا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ بِنْتِ
عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ عَائِشَةً
(٨) وحَدَّتِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِي عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنِ مُحَمِّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ تَوْقَلٍ عَنِ عُرْوَةً
ابْنِ الزُّبَيْرِ عَنِ عَائِشَةً
(٩) وحَدَّثََّا يَخَّتِى بَّنُ يُحْتِى أَخْبُرَنَا أَبُوٍ خَيْفَمَةَ عَنِ هِشَامٍ أَخْبَرَنَا عُرِوَةُ عَنِ عَائِشَةٌ
(١٠) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بَنُ عَلِيٍّ عَنٍ زَائِدَةَ عَنِ مَنْصُورٍ عَنِ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الأَسْوَدِ عَنِ عَائِشَةً
(١١) وحَدََّا يَحْتِىَ بْنُ يَخْتِى وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُوِ كُرَيْبٍ قَالَ يَّحْتِى أَخْبَرَنَا وَقَالَ الآخَرَّانِ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيّةً عَنِ الأَعْمَشِ
عَنِ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ عَائِشَةً
(١٢) حَدَّثَاً أَبُو كُرَيْبٍ حَدَََّّا ابْنُ أَّبِيَ زَائِدَةً عَنِ حَجَّاجٍ وَابْنِ أَبِي غَنِيّةَ عَنِ ثَابِتِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنِ عَالِشَةَ
٢٧٧

٥٣٥- ١٣ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٣) قَالَ: بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِل ◌ِ ﴿ فِي الْمُسْجِدِ. فَقَالَ: «يَا
عَائِشَةُ نَاوِلِينِي الثَّوْبَ » فَقَالَتْ: إِنِّي خَائِضٌ. فَقَالَ «إِنَّ خَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ » فَنَاوَلْهُ.
٥٣٦- ١٤ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٤) قَالَتْ: كُنْتُ أَشْرَبُ وَأَنَا خَائِضٌ. ثُمَّ أَنَاوِلُهُ النّبِيَّ
﴿. فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعٍ فِيَّ. فَيَشْرَبُ. وَأَتَعَرَّقُ الْعَرْقَ وَأَنَا خَائِضٌ. ثُمَّ أَنَاوِلُهُ الْبِيَّ ◌َلُ
فَيَضَعُ فَاهُ عَلَى مَوْضِعٍ فِيَّ. وَلَمْ يَذْكُرْ زُهَيْرٌ « فَيَشْرَبُ ».
٥٣٧- °١٥ عَنِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٥) أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ: ﴿ يَتَّكِئُ فِي حِجْرِي
وَأَنَا حَائِضٌ. فَيَقْرَأُ الْقُرْآنِ.
٥٣٨- ١٢٦ عَنِ أَنَسٍ ◌َُ(١٦) أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا، إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ، لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ
يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ. فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ◌ِ النَّبِيِّ :﴿ّ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ
عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذّى فَاعْتَزِلُوا الْنّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ إِلَى آخِرِ الآيَةِ [البقرة: ٢٢٢] فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِلَّ « اصْنَعُوا كُلْ شَيْءٍ إِلا النّكَاحَ» فَبَلَغَ ذَلِكَ الْيَهُودَ فَقَالُوا: مَا يُرِيدُ هَذَا الرَّجُلُ
أَن يَدَعَ مِنْ أَمْرِنَا شَيْئًا إِلا خَالَفَنَا فِيهِ. فَجَاءَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ فَقَالا: يَا رَسُولَ
اللّهِ إِنَّ الْيُهُودَ تَقُولُ: كَذَا وَكَذَا. فَلا نُجَامِعُهُنَّ؟ فَتَغَيَّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِعَ ﴿ْ حَتَّى ظَنًّّا أَنْ قَدْ
وَجَدَ عَلَيْهِمَا. فَخَرَجًا فَاسْتَقْبَلَهُمَا هَدِيَّةٌ مِنْ لَبَنٍ إِلَى النّبِيِّ ◌َّ. فَأَرْسَلَ فِي آثَارِهِمَا. فَسَقَاهُمَا.
فَعَرَّفَا أَنْ لَمْ يَجِدْ عَلَيْهِمَا.
المعنى العام
كان اليهود إذا حاضت منهم المرأة أخرجوها من البيت، ولم يخالطوها فى مسكن، ولم يجلسوا
معها فى مكان، ولم يؤاكلوها أو يشاربوها، بل كانوا لا يأكلون شيئاً صنعته يداها، كانوا يعتبرونها
نجسة نجاسة شاملة، بل كانوا يعدونها تنجس كل شىء تمد يدها فيه.
ربما كانت المرأة اليهودية بسلوكها تستحق هذه المعاملة، ربما كانت تهمل دم الحيض فيلطخ
ثيابها، وتلوث به يدها، وتنتن به ريحها.
(١٣) وحَدَّثَنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كَامِلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ كُلُّهُمْ عَنِ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثْنَا يُحْتِى عَنِ يَزِيدُ بْنِ كَيْسَانُ
عَنِ أَبِي حَازِمٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٤) حَدَّلْنَا أَبُو بَكْرِ بْنَ أَبِي شَيْبَةَ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا حَدَّثْنَا وَكِيعٌ عَنٍ مِسْعَرٍ وَسُفْيَانُ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنِ أَبِهِ عَنِ عَائِشَةً
(١٥) حَدََّا يَحْتِى بَنُ يَخْتَّى أَخْبَرَنَا دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَكْيُّ عَنِ مَنْصُورٍ غَنِ أُمِّهِ عَنٍ غَائِشَةً
(١٦) وَحَدَّتِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهَّدِيٌّ حَدَّثَنَا حَمَّدُ بْنُّ سَلَّمَةَ حَدَّثَنَا ثَابِتٌّ عَنِ أَنْسٍ
٢٧٨

فلما جاء الإسلام، دين الطهارة والنظافة، دين المودة والإنسانية، وتعلمت منه المسلمة نقاء
موضع البول والغائط، والتطهر للصلاة خمس مرات فى اليوم والليلة، وطهارة الثوب والبدن والمكان،
والغسل الواجب والمندوب، واستعمال المسك والطيب، وتعلم منه الرجل المسلم إكرام المرأة والوصية
بها، والعطف عليها وحبها، وحفظ كرامتها وتقديرها كان لا بد من تغير النظرة، وتبدل المعاملة.
لقد كان أهل المدينة جيراناً لليهود، يعلمون أحوالهم، ويشاهدون سلوكهم ويقتدون بهم فيما
يعجبهم، ويخالفونهم فيما لا يرضيهم، وجاءهم الإسلام فبرزت شخصيتهم، ونزل الدين بأصوله
وفروعه، يرسم لهم حياتهم، وشاء اللَّه أن يقوم أسيد بن حضير وعباد بن بشر، الصحابيان الجليلان،
السابقان إلى الإسلام، شاء الله أن يقوما بسؤال النبى * يقولان: يا رسول الله. لقد علمت ما يفعله
اليهود مع الحائض من نسائهم، فىماذا يأمرنا ديننا فى هذا الأمر؟ وتبسم رسول اللّه ◌ُع له وطلب
إليهما التريث حتى يأتى أمر الله. ونزل قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَنَّى فَاعْتَزْلُوا
النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأُتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَّكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ
التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتِّطَهِّرِينَ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
وعلم الرسول : أصحابه ما ينبغى أن يكون، لكن الذين يسمعون بالآية كانوا أكثر من الذين
يسمعون شرحها ونفسيرها، ففهمها بعض الأعراب على غيروجهها، وجاءوا إلى رسول الله
يقولون: يا رسول اللَّه البرد شديد والثياب قليلة، فإن آثرناهن هلك سائر أهل البيت، وإن استأثرنا
بها هلكت الحيض، فقال: إنما أمرتم أن تعتزلوا وطأهن، ولم تؤمروا بإخراجهن من البيوت،
خالطوهن فى البيوت، وجالسوهن فى المجالس، وشاركوهن فى الفراش وآكلوهن وشاربوهن، وافعلوا
كل شىء إلا النكاح.
لقد كانت الآية - حقاً - فى حاجة إلى بيان الرسول ، وكان العرف والعادة الراسخة فى
حاجة إلى قوة لاجتثاثها، لقد كانت أمهات المؤمنين - حتى بعد نزول الآية وبعد بيانها وتفسيرها-
إذا حاضت الواحدة منهن وهى فى لحاف الرسول ◌َ﴾ انسلت من اللحاف، فيناديها صلى اللّه عليه
وسلم، ليعيدها إليه، ويروى أبو داود عن عائشة أنها قالت: ((كنت إذا حضت نزلت عن المثال على
الحصير [المثال فراش النبى . وكان من جلد مدبوغ حشوه ليف يشبه المعروف فى أيامنا المرتبة]
فلم نقرب رسول اللّه﴿، ولم ندن منه حتى نطهر».
إن الأمر فى حاجة إلى حملة شديدة، وقد قام بها صلى الله عليه وسلم خير قيام، لقد كان يأمر
الحائض من أزواجه بل فى فورة حيضتها أن تأتزر ثم يباشرها فوق إزارها، ولم تكن به شهوة جامحة،
بل كان أقدر الناس على أن يملك إربه، ولكنه التشريع الحكيم والبلاغ المبين.
كان يؤتى بقطعة اللحم، فيناولها زوجه الحائض لتأكل منها قبله، فتعتذر فى لطف وأدب، فيقسم
عليها أن تأكل قبله، فتأخذها، فتعض منها عضة، ثم تناولها له، فيعض من المكان الذى عضت منه،
ويدعو بالشراب فيأتيه، فيناوله لها فتعتذر، فيقسم عليها، فتشرب منه، ثم يأخذه فيضع فه حيث
وضعت فمها فیشرب.
٢٧٩

كان يأتى زوجه الحائض، فيضع رأسه فى حجرها، ثم يقرأ القرآن، وهو يعلم علم اليقين
أن القراءة على المصلى فى مكان سجوده، وباستقبال القبلة أفضل منها على هذه الحالة،
ولكنه التشريع الحكيم.
كان يدخل المسجد للاعتكاف، فينادى زوجه الحائض من بيتها، فتفتح بابها المتصل بالمسجد،
فيطلب منها أن تغسل له رأسه، وترجل له شعره، ومرة أخرى يناديها: ناولينى المصلى، فتتحرج من
إدخال يدها فى المسجد، فتقول: إنى حائض، فكيف أمد يدى فى المسجد، فيقول لها - والصحابة
يسمعون- ناولينى، فإن حيضتك ليست فى يدك. فتناوله.
وأزعجت هذه الحملة اليهود. فقالوا: عجباً لهذا الرجل! ما يريد أن يترك شيئاً من أمرنا إلا
خالفنا فيه، وسمع مقالتهم هذه أسيد بن حضير وعباد بن بشر، فسرا لغيظ اليهود، وانشرحت
صدورهما لانزعاجهم، ورغبا أن يزيدهم الإسلام غيظاً، فذهبا إلى رسول اللَّهِ وَ﴿. قالوا: يارسول اللَّه.
إن اليهود تقول كذا وكذا، ومازلنا نوافقهم فى اعتزال وطء الحائض. أفلا يشرع اللّه لنا جماع
الحائض، لتتم المخالفة بيننا وبينهم؟ فغضب رسول اللّه تعالى{ * كيف يحرص الصحابة على
إغاظة الأعداء ولو على حساب الطهر الذى جاء به الإسلام؟ غضب ولم يتكلم، وكان إذا غضب تغير
وجهه، وخافا على أنفسهما من غضب الله ورسوله{*؛ فانسلا وخرجا، وجاءت هدية لبن إلى رسول
اللَّه ◌ِ ﴾، وأحس أن غضبه أزعجهما، وعذرهما فى خطئهما لحسن قصدهما، فأرسل من يتبعهما ويأتى
بهما، فحضرا فسقاهما من الهدية، وأزال بذلك خوفهما، فصلى الله وسلم وبارك عليه، ورضى الله عن
أصحابه أجمعين.
المباحث العربية
( إذا اعتكف ) الاعتكاف فى اللغة الحبس؛ وفى الشرع حبس النفس فى المسجد
خاصة مع النية.
( يدنى إلى رأسه) كانت حجرة عائشة ملاصقة للمسجد؛ ولها باب يفتح فيه، فكان صلى
اللَّه عليه وسلم يجلس فى المسجد معتكفا، ويقرب رأسه من باب الحجرة، وعائشة فى داخلها، أو
يدخل رأسه الحجرة وجسمه فى المسجد كما هو ظاهر الرواية الثانية، وقد جاء هذا الوضع صريحاً
فى رواية النسائى: «كان يأتينى وهو معتكف فى المسجد، فيتكئ على باب حجرتى، فأغسل رأسه
وسائر جسده فى المسجد».
( فأرجله ) وفى الرواية الثالثة ((فأغسله)) ولا منافاة، فقد كانت تغسل له شعر رأسه ثم ترجله،
أى تمشطه وتدهنه، وتسرحه، وفى هذه الرواية حذف صرح به فى الرواية الثالثة والرابعة، وأصله:
((فأرجله وأنا حائض)».
٢٨٠