النص المفهرس

صفحات 241-260

وضمير المفعول فى ((فصبه)) يعود على الدلو، من إطلاق المحل وإرادة الحال، أو على ((الماء)» فى قوله
((من ماء)).
( أمر بذنوب فصب على بوله ) ((الذنوب)) بفتح الذال وضم النون الدلو المملوءة ماء، وقال
ابن فارس: الدلو العظيمة، وقال ابن السكيت: فيها ماء قريب من الملء، ولا يقال: لها وهى فارغة
ذنوب، اهـ وقوله: ((فصب على بوله)) هكذا هو فى الأصول، بحذف مفعول ((صب)) مع بنائه للمعلوم،
والتقدير: فصبه، أى أمر بصب ما فيه.
( مه. مه ) اسم فعل أمر مبنى على السكون، بمعنى اكفف، فإن وصلت نَوَّنته، و«مه)) الثانى
تأكيد، كما تقول: صه. صه. وقال صاحب المطالع: هى كلمة زجر، قيل: أصلها ما هذا؟ ثم حذف
تخفيفاً، قال: وتقال مكررة: مه. مه. وتقال مفردة. مه. ومثله: به. به. وقال يعقوب: هى لتعظيم الأمر
كبخ. بخ. وقد تنون مع الكسر، وينون الأول ويكسر الثانى بغير تنوين. اهـ
( فشنه عليه) قال النووى: يروى بالشين وبالسين، وهو فى أكثر الأصول والروايات بالشين،
ومعناه: صبه. وفرق بعض العلماء بينهما، فقال: هو بالسين الصب فى سهولة، وبالشين التفريق فى
صبه. اهـ وقال ابن الأثير: هو بالسين الصب المتصل، وبالشين الصب المتقطع.
فقه الحديث
يتعرض الحديث للتطهير من النجاسة ((ولما كان الإمام مسلم لم يخرج من أحاديث تطهير
النجاسات سوى هذا الحديث وأحاديث بول الصبى والمنى والدم، الآتية قريبا كان من المناسب أن
نعرض هنا إلى مذاهب العلماء فى تطهير النجاسات.
والتعبير الدقيق أن تطلق على عين النجاسة وجرمها لفظ ((نجس)) وعلى ما أصابته من مائع أو
جامد لفظ ((متنجس)).
فالعين النجسة لا تطهر، إلا ما كان من جلود الميتة، على خلاف بين العلماء، أوجزه النووى فى
سبعة مذاهب:
أحدها: لا يطهر بالدباغ شىء من جلود الميتة. وهو مروى عن عمر وابنه وعائشة، وهو أشهر
الروايتين عن أحمد ورواية عن مالك.
ثانيها: يطهر بالدباغ جلد مأكول اللحم دون غيره، وهو مذهب الأوزاعى وابن المبارك وأبى داود
وإسحاق بن راهویه.
ثالثها: يطهر بالدباغ كل جلود الميتة إلا الكلب والخنزير، وما تولد من أحدهما وهو مذهب
الشافعية، وحكوه عن على وابن مسعود.
٢٤١

رابعها: يطهر بالدباغ كل الجلود إلا جلد الخنزير، وهو مذهب أبي حنيفة.
خامسها: يطهر بالدباغ جميع الجلود حتى الكلب والخنزير، إلا أنه يطهر ظاهره، دون باطنه،
فيستعمل فى اليابس دون الرطب، ويصلى عليه، لا فيه، وهو مذهب مالك فيما حكى عنه.
سادسها: يطهر بالدباغ جميع جلود الميتة، والكلب والخنزير، ظاهراً وباطناً، قاله داود وأهل
الظاهر، وحكاه الماوردى عن أبى يوسف.
سابعها: ينتفع بجلود الميتة بلا دباغ، ويجوز استعمالها فى الرطب واليابس، حكى عن الزهرى.
ولكل مذهب أدلته تطلب من مواضعها، ولهذه النقطة باب خاص فى آخر كتاب الطهارة إن شاء
الله تعالى.
أما ما كان من العين النجسة كالبول والعذرة، فإنه لا يطهر فى ذاته، وكل ما نفعله إذا أصاب
ثوباً أن نزيله ونحوله عنه، وإذا أصاب ماء أو مائعاً أن يكثر الماء أو المائع عليه كثرة تضعف أو
تخفى تأثيره، فيصلح الماء أو المائع للاستعمال.
وإزالة النجاسة لا تجوز إلا بالماء عند الشافعية والجمهور، وهو منقول عن مالك ومحمد ابن
الحسن وزفر وإسحق بن راهويه، وهو أصح الروايتين عن أحمد.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وداود: يجوز إزالة النجاسة من النوب والبدن بكل مائع يسيل، إذا
غسل به ثم عصر، كالخل وماء الورد، ولا يجوز بدهن أو مرق، ولو وقعت نجاسة فى ماء فغيرت طعمه
أولونه أو ريحه فهو نجس بالإجماع، سواء كان الماء جارياً أو راكداً كثيراً أو قليلا، تغير تغيرا يسيراً
أو فاحشاً.
أما إذا لم يتغير الماء بالنجاسة ففيه مذاهب.
فالشافعية: يرون أنه إن كان الماء قلتين فأكثر لم ينجس، وإن كان دون القلتين نجس، والقلتان
خمسمائة رطل، أو ما يقرب من خمس قرب.
والحنفية يرون أنه إن كان الماء بحيث لوحرك جانبه تحرك الجانب الآخر نجس، وإلا فلا.
والمالكية: والأوزاعى وسفيان الثورى وداود يرون أن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه، إلا إذا
تغير، قل الماء أو كثر، قال ابن المنذر: وبهذا المذهب أقول واختاره الغزالى فى الإحياء، والرويانى فى
كتابيه ((البحر والحلية)».
ولو وقعت النجاسة فى جامد، كالفأرة تموت فى السمن، أخرجت وما حولها، وانتفع بالباقى.
والحديث الذى معنا فى النجاسة تقع على الأرض، فالحنفية - كما ذكر العينى- يرون أنه إذا
أصابت الأرض نجاسة رطبة كالبول، إن كانت الأرض رخوة صب عليها الماء حتى يتسفل فيها، وإذا
لم يبق على وجهها شىء من النجاسة وتسفل الماء يحكم بطهارتها، وإن كانت الأرض صلبة فإن
٢٤٢

كانت صعودًا، يحفر فى أسفلها حفيرة، ويصب الماء عليها ثلاث مرات، ويتسفل إلى الحفيرة، ثم
تكبس الحفيرة.
وإن كانت مستوية بحيث لا يزول عنها الماء لا يغسل لعدم الفائدة فى الغسل، بل تحفر، وعن أبى
حنيفة لا تطهر الأرض حتى تحفر إلى الموضع الذى وصلت إليه النداوة وينقل التراب.
ودليلهم على الحفر ما أخرجه الدارقطنى عن أنس ... فقال رسول اللّه وَ ﴿ ((احفروا مكانه، ثم
صبوا عليه ذنوبا من ماء)) وما أخرجه أبو داود عن عبد الله بن معقل بن مقرن ((خذوا ما بال عليه من
التراب، فألقوه وأهريقوا على مكانه ماء)) وما رواه عبد الرزاق فى مصنفه عن طاوس قال: بال أعرابى
فى المسجد فأرادوا أن يضربوه فقال النبى وَ﴾ ((احفروا مكانه، واطرحوا عليه دلوا من ماء، علموا،
ويسروا ولا تعسروا )».
قالوا: والقياس أيضاً يقتضى هذا الحكم، لأن الغسالة نجسة، فلا تطهر الأرض ما لم تحفر، وينقل
التراب. قال العينى: فإن قلت: قد تركتم الحديث الصحيح، واستدللتم بالحديث الضعيف، قلت: قد
عملنا بالصحيح فيما إذا كانت الأرض صلبة، وعملنا بالضعيف - على زعمكم لا على زعمنا - فيما إذا
كانت الأرض رخوة، والعمل بالكل أولى من العمل بالبعض وإهمال البعض. اهـ
والظاهر أن العينى اشتبه عليه الأمر، فعكس القول، حيث إنه فى الأول قرر أن الحفر فى الأرض
الصلبة، والصب فى الأرض الرخوة، ومقتضاه أنهم عملوا بالصحيح ((صب الماء)) فى الأرض الرخوة
وعملوا بالضعيف ((الحفر)» فى الأرض الصلبة. عكس ما يقول.
وعلى كل فهى مغالطة مكشوفة، لأن الواقعة واحدة، والأرض التى بال عليها الأعرابى واحدة،
[صلبة أو رخوة] فمن أين جاءوا بالحالة الثانية؟ فالحكم إما صب وإما حفر، إن قالوا: إن أرض
المسجد كانت صلبة فقد عطلوا الحديث الصحيح، وإن قالوا: إنها كانت رخوة فقد عطلوا الأحاديث
التى استدلوا بها فهم على أى حال لم يعملوا بالحديثين معا. ثم إنه لماذا الأمر بصب الماء حيث أمر
بإزالة ما بال عليه من التراب فى الأحاديث التى استدلوا بها؟ ثم إن قولهم فى القياس: لأن الغسالة
نجسة غير مسلم، فإن الغسالة لا تعد نجسة إلا إذا انفصلت متغيرة.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١ - أن الاحتراز من النجاسة كان مقرراً فى نفوس الصحابة، ولهذا بادروا إلى الإنكار بحضرته صلى
الله عليه وسلم قبل استئذانه.
٢- وأنه كان مقرراً عندهم الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر.
٣- وفيه إثبات نجاسة بول الآدمى، وهو مجمع عليه، ولا فرق بين الكبير والصغير بإجماع من يعدد
به، لكن بول الصغير يكفى فيه النضج، قاله النووی.
٤- وفيه أن الأرض تطهر بصب الماء عليها وهو مذهب الجمهور.
٢٤٣

٥- وفيه تعيين الماء لإزالة النجاسة عن الأرض المتنجسة، ولا يكفى الجفاف بالريح أو الشمس، لأنه
لوكفى ذلك لما حصل التكليف بصب الماء وهو مذهب الشافعى ومالك والحنابلة وزفر، وقال
أبوحنيفة وأبو يوسف: هما مطهران، لأنهما يحيلان الشىء.
٦ - وفيه أن غسالة النجاسة الواقعة على الأرض طاهرة، لأن البلة الباقية على الأرض غسالة نجاسة،
فإذا لم يثبت أن التراب نقل، وعلمنا أن المقصود التطهير، تعين الحكم بطهارة البلة، وإذا كانت
طاهرة فالمنفصلة أيضًا مثلها، لعدم الفارق.
٧- واستدل به على عدم اشتراط نضوب الماء، لأنه لو اشترط لتوقفت طهارة الأرض على الجفاف،
وكذا لا يشترط عصر الثوب، إذا لا فارق.
٨- واستدل به على جواز التمسك بالعموم إلى أن يظهر الخصوص، قال ابن دقيق العيد: والذى يظهر
أن التمسك يتحتم عند احتمال التخصيص عند المجتهد، ولا يجب التوقف عن العمل بالعموم
لذلك، لأن علماء الأمصار ما برحوا يفتون بما بلغهم، من غير توقف على البحث عن التخصيص،
ولهذه القصة لم ينكر النبى 38 على الصحابة، ولم يقل لهم: لم نهيتم الأعرابى؟ بل أمرهم بالكف
عنه للمصلحة الراجحة.
٩- وفيه دفع أعظم المفسدتين باحتمال أيسرهما، وتحصيل أعظم المصلحتين بترك أيسرهما، لقوله
صلى الله عليه وسلم ((دعوه)) قال العلماء: إنما أمروا بتركه يبول فى المسجد المصلحتين:
إحداهما: أنه لو قطع عليه بوله تضرر، وأصل التنجيس قد حصل، فكان احتمال زيادته أولى من
إيقاع الضرر به.
والثانية: أن التنجيس قد حصل فى جزء يسير من المسجد، فلو أقاموه فى أثناء بوله لتنجست
ثيابه وبدنه ومواضع كثيرة من المسجد.
١٠- وفيه المبادرة إلى إزالة المفاسد عند زوال المانع، لأمرهم عند فراغه بصب الماء.
١١- وفيه الرفق بالجاهل، وتعليمه ما يلزمه من غير تعنيف، إذا لم يكن ذلك منه عنادًا، ولا سيما إذا
كان ممن يحتاج إلى استئلافه، يؤخذ ذلك من إنكاره صلى الله عليه وسلم لفعل الصحابة، ودعوة
الأعرابى وتبصيره بحرمة المساجد.
١٢ - وفيه رأفة النبى ®، وحسن خلقه.
١٣ - وفيه صيانة المساجد، وتنزيهها عن الأقذار والقذى؟ قال الحافظ ابن حجر: والحصر فى قوله
((إنما هى لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن)) مفهومه أنه لايجوز فى المسجد شىء غير ما ذكر،
وهذا المفهوم غير معمول به بالإجماع. اهـ
وذكر النووى وغيره جملة مما يجوز عمله فى المسجد وما لا يجوز، نذكر منها:
٢٤٤

أنه لا يجوز البصاق ولا النخامة، فإن اضطر ففى منديله أو ثوبه، فإن لم يجد وكانت أرض
المسجد ترابًا حفر ودفنها، وإلا لزمه الخروج من المسجد وقذفها.
ولا يجوز إدخال النجاسات فيه، بل قال النووى: يحرم إدخالها؛ قال اللخمى: ومن رأى بثوبه
كثيردم يخرجه، وقيل: يتركه بين يديه، ويسترالدم ببعض الثوب. اهـ وأرى إخراجه إن لم يخف
عليه، فإن خاف عليه وضعه بين يديه وستره، وكذا يقال فى نعله. ومن دمى فمه، أو أنفه فى
المسجد خرج منه فوراً لئلا يلوثه، ولا يدخل حجاما فيه وإن جمع فى إناء، قال النووى: إن كان
فى غير إناء فحرام، وإن كان فى إناء فمكروه. اهـ وإن بال فى إناء فى المسجد، فإن كان لحاجة
فمكروه، وإن لم يكن لحاجة فحرام، ومن كان على بدنه أو ثوبه نجاسة، فإن خاف تنجيس
المسجد لم يجزله الدخول، فإن أمن ذلك جاز: ويمنع إدخال البهائم والمجانين والصبيان الذين
لايميزون، لغير حاجة مقصودة، لأنه لا يؤمن تنجيسهم المسجد، قال النووى: ويجوز أن يمكن
الكافر من دخول المسجد بإذن المسلمين، ويمنع من دخوله بغير إذن، وكره مالك قتل القملة فيه،
وقتل البرغوث أخف، وتقتل به العقرب والفأرة، وكره فى العتبية أكل الطعام به، إلا للمضطر،
واستخف للضيف أن يأكل به جاف الطعام كالتمر المنزوع النوى، وليحذر وقوع الفتات، ويكره
الدخول بريح الثوم وكذا البصل والكرات والفجل إن آذى، ولاترفع فيه الأصوات، ولا تجوز فيه
الخصومات، ولا البيع، ولا الشراء، ولا سائر العقود، ولا ينشد به ضالة، وينهى عن السؤال فيه، قال
ابن عبد الحكم: ولا يعطى فيه للسائل.
قال فى المدونة: ولا يأخذ المعتكف من شعره وأظفاره فيه. ولا يحدث به حدث الريح، وجازت
القراءة فيه للكتب الحلال، قال ابن حبيب: ولا بأس بالشعر غير الهجاء، ولا يقرأ به ما فيه كذب
وفحش، قال سحنون: لا يعلم الصبيان به، وهو خلاف عمل الشيوخ فالصحيح جوازه مع تعليمهم
آداب المسجد.
أما الوضوء فى المسجد فقد قال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء فى المسجد،
إلا أن يتوضأ فى مكان يبله، أو يتأذى به الناس فإنه مكروه، وكره مالك وسحنون الوضوء
بالمسجد، وقال ابن القاسم: ترك الوضوء بصحنه أحب إلى، وقال المحققون: إن كان فيه موضع
معد للوضوء، فلا بأس به، وإلا فلا. فينبغى أن تكون أماكن قضاء الحاجة بعيدة ومنفصلة عن
المسجد، لئلا يحصل منها الأذى بالتلويث أو الرائحة.
وأما الجلوس فى المسجد، فإن كان لعبادة، أو قراءة علم، أو درس، أو سماع موعظة أو انتظار
صلاة، أو نحو ذلك فهو مستحب، ويثاب عليه، وإن كان لأمور الدنيا المباحة غير المحرمة، وغير
المكروهة فقد قال بعض الشافعية: إنه مكروه، والصحيح أنه مباح وتركه أولى، ويكره أن يوضع
فيه فراش أو وسادة للجلوس عليها.
وأما النوم فى المسجد فقد قال النووى: يجوز النوم عندنا فى المسجد، نص عليه الشافعى -
رحمه الله تعالى - فى الأم قال ابن المنذر فى الإشراق: رخص فى النوم فى المسجد ابن المسيب
٢٤٥

والحسن وعطاء والشافعى. وقال ابن عباس. لا تتخذوه مرقدًا. وروى عنه أنه قال: إن كنت تنام
فيه لصلاة فلا بأس. وقال الأوزاعى: يكره النوم فى المسجد. وقال مالك: لا بأس بذلك للغرياء، ولا
أرى ذلك للحاضر. وقال أحمد: إن كان مسافرًا أو شبهه فلا بأس، وإن اتخذه مقيلا أو مبيتا فلا.
واحتج من جوزه بنوم على بن أبى طالب نظره وابن عمر وأهل الصفة والمرأة صاحبة الوشاح،
وثمامة بن أثال، وصفوان بن أمية وغيرهم، وأحاديثهم فى الصحيح مشهورة.
ثم قال: ويجوز الاستلقاء فى المسجد، وهز الرجل، وتشبيك الأصابع الأحاديث الصحيحة
المشهورة فى ذلك من فعل رسول اللَّه ﴿.
ثم قال: ويستحب استحبابًا متأكدًا كنس المسجد وتنظيفه الأحاديث الصحيحة المشهورة فيه.
والله أعلم
٢٤٦

(١٢٧) باب حكم بول الطفل الرضيع
٥١١- شْطِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٠٠) زَوْجِ النَّبِيِّ ◌ِ﴿ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ كَانَ يُؤْتَى
بِالصِّيَانِ فَيُبَرِّكُ عَلَيْهِمْ وَيُحَتِكُهُمْ. فَأَّتِيَ بِصَبِيِّ فَبَالَ عَلَيْهِ. فَدَعَا بِمَاءٍ. فَأَتْبَعَهُ بَوْلَهُ وَلَمْ يَعْسِلْهُ.
٥١٢- لْ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(١٠١) قَالَتْ: أَتِيَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ بِصَبِيِّ يَرْضَعُ فَبَالَ
فى حِجْرِهِ. فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ.
٥١٣- ١ْ٢ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا (١٠٢) أَنْهَا أَتْ رَسُولَ اللّهِ ﴿َ بِابْنِ لَهَا
لَمْ يَأْكُلِ الطَّعَامَ. فَوَضَعَتْهُ فى حِجْرِهِ. قَبَالَ. قَالَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالْمَاءِ.
٥١٤- بْ عَنِ الزُّهْرِيِّ(١١) بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالَ «فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ ».
٥١٥ - ١٠٣ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ(١٠٣) أَنْ أُمَّ قَيْسٍ بِنْتَ مِحْصَنٍ
(وَكَانَتْ مِنَ الْمُهَاجِرَاتِ الأُوَّلِ اللاِي بَايَعْنَ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ِ، وَهِيَ أُخْتُ عُكَّشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ.
أَحْدُ بَنِي أَسَدِ ابْنِ خُزَيْمَةَ) قَالَ: أَخْبَرَيْنِي؛ أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿َ بِابْنٍ لَهَا لَمْ يَبْلُغْ أَن يَأْكُلَ
الطَّعَامَ. قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ: أَخْبَرَتْنِي؛ أَنَّ ابْنَهَا ذَاكَ بَالَ فى حِجْرٍ رَسُولِ اللَّهِعَ﴿ِ. فَدَعًا رَسُولُ اللَّهِ
◌َ* بِمَاءٍ فَنَصَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلا.
المعنى العام
تتمثل الإنسانية الحقة فى العطف والمودة، واللطف والمحبة بين الناس، وأعلى درجاتها ما يكون
بين الرجل والأطفال، فإنها آنذاك خالصة بريئة، لا تستهدف مقابلا، ولا ترجو من الطفل نفعا، إنها
آنذاك نابعة من القلب والوجدان والإحساس المرهف، والصدر الحنون ولقد كان رسول اللَّهلم المثل
الأعلى فى هذا العطف، فقد كان يحمل الصبيان، ويتحمل أذاهم بصدر رحب، ونفس راضية، يركبون
(١٠٠) حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو كُرَيِّبٍ قَالا حَدََّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ حَذََّنَا هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ
(١٠١) وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بَّنُ حَرَّبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةً
- وحَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَلَا عِيسَى حَدَّثْنَا هِشَامٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَ حَدِيثِ ابْنِ نُمَّيْرٍ
(١٠٢) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُفَّحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَبٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ عَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ
(٠٠) وحَدَّثْنَاه يَحْتِى بْنُ يَحْتَى وَأَبُو بَكْرِ بَنُ أَبِي شَيْئَةَ وَعَمْرَّوِ النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُنَيْنَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ
(١٠٣) وَحَدَّثَنِيهِ حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى أَخْبُرَنَاَ ابْنُ وَّهْبٍ أَخْبُرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ أَخْبَرَهُ قَالَ أَخْبَرَبِي عَبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
ابْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ
٢٤٧

على ظهره فى سجوده، فيظل صلى اللّه عليه وسلم ساجدًا إشفاقاً عليهم، وخوفاً عليهم من الوقوع،
ويبولون على ثيابه، فينزعج من حوله من الصحابة، وتحاول أم الطفل خطفه، فيقول: دعوه حتى يتم
بوله ولا تقطعوه، ويراه بعضهم يقبل طفلا، فيعجب، فيقول: تقبلون الأطفال يا رسول الله؟ نحن لا
نقبلهم، فيقول صلى الله عليه وسلم: وما لنا وقد قدت قلوبكم من الحجارة ؟ من لا يرحم لا يرحم.
ومن أجل غمر الأطفال بالحنان، وعدم التحرز أو التأفف ممن حملهم خفف اللّه عن
الأمة معالجة أذاهم وتبعاتهم، وعفا عن غسل بولهم، واكتفى بصورة الغسل لا حقيقته، بل
بمجرد الرش، ونضح قليل الماء.
وشاعت هذه الشريعة السمحة بين أمهات الأطفال، كما شاع حب الرسول/ لهم، ورأفته بهم،
وتحنيكه ودعاؤه لهم، فأسرعت كثيرات من الأمهات بحمل أطفالهن إلى رسول اللّه ®، يلتمسن منه
الدعاء، ويرجون منه التحنيك، ومن هؤلاء أم قيس، حملت طفلها الذى يقتصر على رضاعة اللبن ولم
يأكل بعد الطعام وذهبت إلى رسول اللّه* فوضعته فى حجره، فمضغ تمرة ثم أخذها يدلك بها
سقف حلق الطفل والحنك، ثم دعا له بالبركة، وبينما هو كذلك بال الطفل فى حجره صلى اللّه عليه
وسلم، ورأت الأم البول يسيل على ثوب الرسول الكريم ®، فأسرعت تخطفه من حجره. فقال دعيه.
وتركه حتى أكمل بوله، ثم أعطاه لها، ودعا بقليل من ماء فرشه على ثيابه، ومكان بلله فصدق من
سماه الرءوف الرحيم، وخاطبه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
المباحث العربية
( كان يؤتى بالصبيان ) بكسر الصاد، ويجوز ضمها، جمع صبى، قال الجوهرى: الصبى
الغلام، والجمع صبية وصبيان، وفى المخصص: يكون صبيا ما دام رضيعاً، وفى المنتخب: أول ما
يولد الولد يقال له: وليد وطفل وصبى. أهـ والصبايا جمع صبية.
( فيبرك عليهم ) بضم الياء وفتح الباء وكسر الراء المشددة، أى يدعولهم بالبركة وفى
القاموس: البركة النماء والزيادة والسعادة، والتبريك الدعاء بها وبارك الله لك وفيك، وعليك،
وباركك. اهـ يتعدى باللام، و((فى))، و((على)) وبنفسه، وخص الصبيان بهذه الدعوة لأن الصبى فى أول
الأمر، قابل للبركة والزيادة، مبتدئ لها فى جسمه وعقله وحياته.
( ويحنكهم) فى القاموس: الحنك - بفتح الحاء والنون- باطن أعلى الفم من داخل، أو الأسفل
من طرف مقدم اللحيين، وحنكه تحنيكا دلك حنكه وحنك الصبى مضع تمراً أو غيره فدلكه
بحنكه.اهـ وفيه لغتان: حنكته بتشديد النون، وحنكته بتخفيفها، والرواية هنا ((فيحنكهم)) بالتشديد،
وهى أشهر اللغتين.
( فأتى بصبى ) قال الحافظ ابن حجر: يظهر لى أن المراد به ابن أم قيس المذكور فى الرواية
٢٤٨

بعده، ويحتمل أن يكون الحسن بن على، أو الحسين، فقد ثبت فى الأحاديث بول كل منهما فى
حجره صلى اللَّه عليه وسلم. اهـ ويحتمل غيرهما، فقد كان يؤتى بالصبيان كما فى أول الرواية، ولا
يتوقف على معرفة شخصية الصبى شىء فى المقصود من الحديث، اللهم إلا إثبات البركة لمن تثبت
شخصيته، لما هو معلوم من قبول دعائه صلى الله عليه وسلم.
(فدعا بماء فأتبعه بوله) أى أتبع الرسول و البول الذى على الثوب أتبعه الماء
فصبه عليه.
( أتى بصبى يرضع ) بفتح الياء، أى رضيع، وهو الذى لم يفطم.
( فبال فى حجره ) بفتح الحاء وكسرها، لغتان مشهورتان.
( لم يأكل الطعام ) قال الحافظ ابن حجر: المراد بالطعام ما عدا اللبن الذى يرتضعه والتمر
الذى يحنك به، والعسل الذى يلعقه للمداواة وغيرها، فكأن المراد أنه لم يحصل له الاغتذاء بغير اللبن
على الاستقلال.
وحمل الموفق الحموى فى شرح التنبيه قوله ((لم يأكل)) على ظاهره، فقال: معناه لم يستقل بجعل
الطعام فى فيه.
وقال ابن التين: يحتمل أنها أرادت أنه لم يتقوت بالطعام، ولم يستغن به عن الرضاع ويحتمل
أنها إنما جاءت به عند ولادته، ليحنكه صلى الله عليه وسلم فيحمل النفى على عمومه. والأول أولى.
( أم قيس بنت محصن ) بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد.
( وكانت من المهاجرات الأول) من مكة إلى المدينة، فقد أسلمت بمكة قديما
وهى من المعمرات.
(وهى أخت عكاشة بن محصن ) ((عكاشة)) بتشديد الكاف على المشهور وهو صاحب
القولة المشهورة ((سبقك بها عكاشة)) التى أصبحت مثلا، وأصلها فى الحديث الذى رواه مسلم عن
أبى هريرة أن النبى ® قال: ((يدخل من أمتى الجنة سبعون ألفاً بغير حساب)» قال أبو هريرة: فقام
عكاشة بن محصن، فقال: يارسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال رسول اللّه لَ﴿ ((اللهم اجعله
منهم)) وفى رواية قال: ((أنت منهم)) فقام آخر فقال: يا رسول اللَّه، ادع الله أن يجعلني منهم، قال:
((سبقك بها عكاشة )).
( لم يبلغ أن يأكل الطعام) ((أن)) وما دخلت عليه فى تأويل مصدر، مفعول ((يبلغ)) والتقدير:
لم يبلغ أكل الطعام.
( فنضحه على ثوبه ) قال ابن سيده: نضح الماء عليه، ينضحه نضحا، إذا ضربه بشىء،
فأصابه منه رشاش، ونضع عليه الماء رش.
٢٤٩

فقه الحديث
الحديث دليل الشافعية على أن بول الصبى يكتفى فيه بإتباع الماء إياه، ولا يحتاج إلى الغسل.
والمذاهب فى المسألة يحكيها النووى: فيقول: الخلاف فى كيفية تطهير الشىء الذى بال عليه
الصبى، ولا خلاف فى نجاسته، وقد نقل بعض أصحابنا إجماع العلماء على نجاسة بول الصبى، وإنه
لم يخالف فيه إلا داود. ثم قال: وكيفية طهارة بول الصبى والجارية على ثلاثة مذاهب، وفيها ثلاثة
أوجه لأصحابنا. الصحيح المشهور المختار أنه يكفى النضح فى بول الصبى، ولا يكفى فى بول
الجارية، بل لابد من غسله، كغيره من النجاسات. الثانى: أنه يكفى النضح فيهما. الثالث: لا يكفى
النضح فيهما. قال: وهما شاذان ضعيفان. اهـ
فمشهور مذهب الشافعية وأحمد وداود التفرقة بين بول الصبى وبول الجارية، فيرش على مكان
بول الصبى، ويغسل مكان بول الجارية، واستدلوا بحديث عائشة وأم قيس السابقين.
وبما أخرجه أبو داود والترمذى وابن ماجه عن النبى # أنه قال فى الرضيع: «يغسل بول
الجارية، وينضح بول الغلام)».
وبما أخرجه أبو داود وابن ماجه وابن خزيمة والبيهفى والطحاوى من حديث لبابة بنت الحارث،
أخت ميمونة بنت الحارث، زوج النبى ®®، قالت: ((كان الحسين بن على -رضى الله عنهما- فى
حجر رسول اللَّهَ﴿، فبال عليه، فقلت: البس ثوباً، وأعطنى إزارك حتى أغسله، قال: إنما يغسل من
بول الأنثى، وينضح من بول الذكر)».
وبما أخرجه الطبرانى فى الكبير ((أنه يصب من الغلام، ويغسل من الجارية)).
وبما أخرجه الطبرانى فى الأوسط ((أن النبى ﴿ ﴿ أتى بصبى، فبال عليه فنضحه، وأتى بجارية،
فبالت عليه، فغسله)).
وبما أخرجه ابن ماجه أن رسول اللَّه ﴿ قال: ((بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل)».
وقالوا فى سر التفرقة: إن النفوس أعلق بالذكور منها بالإناث، فحصلت الرخصة فى الذكور،
لكثرة المشقة، وقيل. إن بول الجارية أغلظ وأشد رائحة من بول الغلام، فروعيت كثافة النجاسة فيه،
فوجب غسله. والله أعلم.
ومذهب مالك وأبى حنيفة وأصحابهما أنه لا يفرق بين بول الصغير والصغيرة فى نجاسته،
وجعلوهما سواء فى وجوب الغسل منهما.
قالوا: والنضح والرش يذكران ويراد بهما الغسل، فيحمل ما جاء فى هذا الباب من النضح والرش
على الغسل، وقالوا عن حديث أم قيس: إن المراد من قولها ((ولم يغسله غسلا)) أى غسلا مبالغًا فيه.
٢٥٠

وواضح أن هذه التأويلات خلاف الظاهر، ويبعدها ما ورد فى الأحاديث التى ذكرناها من التفرقة
بين بول الصبى والجارية.
ويؤخذ من الحديث
١- الرفق بالصغار والشفقة عليهم، اقتداء برسول الله *، حيث كان يأخذهم فى حجره، ويتلطف بهم،
حتى إن منهم من يبول على ثوبه، فلا يؤثر فيه ذلك، ولا يتغير، بل ثبت أنه صلى الله عليه وسلم لم
يكن يزعج الصبى أو يحركه أو يدفعه إلى من بجواره، بل كان يرد من يحاول ذلك، وكان صلى
الله عليه وسلم يخفف الصلاة عند سماعه بكاء الصبى وأمه وراءه.
٢- وحمل الأطفال إلى أهل الفضل والصلاح، لتبريكهم والدعاء لهم.
٣- قال النووى: وفيه التبرك بأهل الصلاح والفضل.
٤- وفيه ندب تحنيك الأطفال.
والله أعلم
٢٥١

(١٢٨) باب حكم المنى
٥١٦- قَبْد عَنْ عَلْقَمَةً وَالأَسْوَدِ(١٠٤) أَنَّ رَجُلا تَزَلَ بِعَائِشَةَ. فَأَصْبَحَ يَغْسِلُ ثَوْبَهُ. فَقَالَتْ
عَائِشَةُ: إِنْمَا كَانَ يُجْزِلُكَ؛ إِنْ رَأَيْنَهُ، أَنْ تَغْسِلَ مَكَالَهُ. فَإِنْ لَمْ تَرَ، نَضَحْتَ حَوْلَهُ. وَلَقَدْ رَأَيُنِي
أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَرِكًا. فَيُصَلِّي فِيهِ.
٥١٧- ١٥٥ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهِ عَنْها(١٠٥) فى الْمَنِيِّ. قَالَتْ: كُنْتُ أَفْرُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ
اللَّهِ مَ ﴿.
قيا مثله (١٠٦)
٥١٨- لِمْا عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ(١٠٧) قَالَ: سَأَلْتُ سُلَيْمَانَ بْنَ يَسَارِ عَنِ الْمَنِيِّ يُصِيبُ ثَوْبَ
الرَّجُلِ. أَيَغْسِلُهُ أَمْ يَغْسِلُ الْقَوْبَ؟ فَقَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِل:﴿ كَانَ يَغْسِلُ الْمَنِيّ
ثُمَّ يَخْرُ جُ إِلَى الصَّلاةِ فِى ذَلِكَ الثَّوْبِ. وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَى أَثَرِ الْغَسْلِ فِيهِ.
وَأَمَّ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبْدُ الْوَاحِدِ فَفِي حَدِيثِهِمَا قَالَتْ كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولِ اللَّهِ وَعِ
٥١٩- ١٨ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابِ الْخَوْلانِيّ(١٠٨) قَالَ: كُنْتُ نَازِلا عَلَى عَائِشَةَ. فَاخْتَلَمْتُ
فى ثَوْبَيَّ. فَغَمَسْتُهُمَا فِى الْمَاءِ. فَرَأْتِي جَارِيَةٌ لِعَائِشَةَ. فَأَخْبَرَتْهَا. فَبَعَثَتْ إِلَيَّ عَائِشَةُ فَقَالَتْ: مَا
حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ بِثَوْتَيْكَ. قَالَ قُلْتُ: رَأَيْتُ مَا يَرَى النَّائِمُ فى مَنَامِهِ. قَالَتْ: هَلْ رَأَيْتَ
فِيهِمَا شَيْئًا؟ قُلْتُ: لا. قَالَتْ: فَلَوْ رَأَيْتَ شَيْئًا غَسَلْتَهُ. لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَإِنّي لأَحُكُهُ مِنْ ثَوْبِ رَسُولٍ
اللَّهِ وَلِّ يَابِسًا بِظُفُرِي.
(١٠٤) وحَدََّا يَحْتِى بْنُ يَحْبَى أَخْبُوَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ خَالِدٍ عَنْ أَبِي مَعْشَرِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالأَسْوَدِ
(١٠٥) وحَدَّثَنَا عُمِّرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَّاهِيمَ عَنِّ الأَسَّوَدٍ وَهَمَّامٍ عَنْ عَائِشَةً
(١٠٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ خَدًَّا حَمَّادٌ يَعْنِي ابْنَ زَيْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانْ حِ وَحَدَّقَنَا إِسْحُقُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنًا عَبْدَةُ بْنُ
سُلَيْمَانْ حَدَّقَا ابْنُ أَبِي عَرُوبَةَ جَمِيعًا عَنْ أَبِي مَعْشَرِ ح وحَدَّثَنَا أَبُوَ بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدَّثَنَا مُشِيَّمٌ عَنْ مُغِيرَةً حٍ وَحَدِّقَيِي
مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهَدِيٍّ عَنْ مَهْدِيِّ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ وَاصِلِ الأَحْذَبِ حِ وحَدَّثَنِي ابْنُ حَاتِمٍ حَدَّلَا إِسْحَقُ
ابْنُ مَنْصُورٍ حَذْثَنَا إِسْرَائِيلُ عَنْ مَنْصَّورٍ وَمُغِيرَةً كُلُّ هَؤُلاءِ عَنْ إِبْرَاهِيْمَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةً فِى حَتِّ الْمَنِيِّ مِّنْ ثَوْبِ رَسُولٍ
اللَّهِ وَلِ نَخْوَ حَدِيثٍ خَالِدٍ عَنْ أَبِي مَغْشَرٍ.
- وحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا ابْنُ عَّيْنَةَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ عَائِشَةَ بِنَحْوِ حَدِيثِهِمْ.
(١٠٧) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَّيْبَةَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ
- وحَدَّثَنَا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدٍ يُّعْنِي ابْنَ زِيَادٍح وحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ أَخْبَرَنَا ابْنُ الْمُبَارَكِ وَابْنُ أَبِي زَائِدَةَ
كُلَّهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونِ بَهَذَا الإِسْنَادِ أَمَّ ابْنُ أَبِي زَائِدَةً فَحَدِيثُهُ كَمَا قَالَ ابْنُ بِشْرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ فِ﴿ كَانَ يَغْسِلُ الْمَنِيِّ.
(١٠٨) وَحَدَّقَا أَحْمَّدُ بْنَّ جَوَّاسِ الْحَنَفِيُّ أَبُو عَاصِمٍ حَدََّا أَبُو الأَخْوَصِ عَنْ شَبِيبِ بْنٍ غَرْقَدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الْخَوْلانِيِّ
٢٥٢

المعنى العام
كانت عائشة - زوج النبى - أما للمؤمنين بحق، إليها يلجأ المؤمنون عند شدائدهم،
ويقصدونها فى مشاكلهم، ويأوون إلى دارها فى أسفارهم وكانت نعم الأم أعدت دارها لاستقبال
الفقير والمسكين والسائل وابن السبيل أعدت داراً للضيافة ملحقة بدارها، وأسندت خدمة الضيوف
والنازلين إلى جاريتها.
ونزل بساحتها عبد الله بن شهاب الخولانى، فبات ليله، فأصبح يذكر أنه رأى فى منامه ما يرى
النائم، رأى فى منامه أنه مع امرأة يجامعها، وظن أنه بذلك نجس الفراش الذى نام عليه، فأخذ
الفراش المكون من ثوبين وغمسهما كلهما فى الماء، رأته جارية عائشة فأخبرت بذلك أم المؤمنين،
فأسفت لما فعل، وقالت: لم أفسد علينا ثوبنا؟ إنما كان يكفيه أن يفركه بأصبعه، إن كان قد أمنى،
فربما فركته من ثوب رسول اللَّه * بأصبعى. ثم أمرت خادمتها أن تدعوه إليها. فجاء، ومن وراء
حجاب سلم على أم المؤمنين، فردت السلام، ثم قالت: ما حملك على ما صنعت بثوبيك؟ ولماذا
غمستهما كلهما فى الماء؟ قال: يا أم المؤمنين. رأيت ما يرى النائم فى منامه، فأردت تطهير
الثوبين. قالت له: هل رأيت فيهما بللا؟ قال: لا. قالت: لوكنت رأيت بللا لكفاك غسل مكان البلل
دون غمس الثوب كله، ولو كنت رأيت يابساً لكفاك فركه بأصبعك، أما وقد اشتبه عليك الأمر، ولم
تعرف إن كان قد أصاب الثوب شىء أولم يصبه؟ ولم تعرف مكان الإصابة إن كان قد أصاب فقد
كان يكفيك أن ترش المكان المشتبه فيه ببعض الماء، وأن تنضح المكان المظنون وحوله، طرداً
الوسوسة والشك وتثبيتاً للاطمئنان، ولقد كنت أحك المنى اليابس من ثوب رسول اللّه * بأظافرى،
فيخرج بثوبه هذا، فيصلى فيه.
المباحث العربية
( أن رجلاً نزل بعائشة ) الظاهر أنه هو عبد الله بن شهاب الخولانى المصرح به فى الرواية
الرابعة، وفى الكلام حذف، أى نزل ضيفاً ببيت عائشة أم المؤمنين - رضى اللَّه عنها.
(فأصبح يغسل ثوبه) جملة ((يغسل ثوبه)) خبر ((أصبح)» والمراد من الثوب الجنس، بما
يصدق على المثنى والجمع، للتوفيق بين ما هنا وبين الرواية الرابعة ((ثوبى)) بالتثنية.
( إنما يجزئك أن تغسل مكانه) الضمير فى ((مكانه)) وفى ((إن رأيته)) يرجع إلى المفهوم
من الفحوى والمقام، إذ لم يسبق له ذكر، والمراد به المنى الناشئ عن رؤية ما يراه النائم، والمصدر
المنسبك من ((أن تغسل)) فاعل ((يجزئك)) بضم الياء والهمز.
( فإن لم ترنضحت حوله) مفعول ((ترى)) محذوف، والمعنى فإن لم تحدد مكانه وترآثاره
نضحت مكانه تقديرًا واجتهادًا، وزدت على المكان شيئاً.
٢٥٣

(ولقد رأيتنى أفركه فركا) جملة ((أفركه)) فى محل النصب على الحال، أى ولقد رأيتنى
فاركة إياه من ثوب رسول اللَّه ◌ُ﴿، و((فركا)) مفعول مطلق مؤكد لعامله.
( فيصلى فيه ) الضمير المجرور يعود على الثوب الذى أصابه المنى ونظف بالفرك.
( عن المنى يصيب ثوب الرجل) جملة ((يصيب)» فى محل النصب على الحال من
((المنى)) وسمى المنى منيا لأنه يمنى، أى يصب، يقال: أمنى، ومنى بالتخفيف، ومنى بالتشديد،
والأولى أفصح، وبها جاء القرآن. قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٌّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧]؟ وقال:
﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ﴾ [الواقعة: ٥٨] وللمنى صفات يتميز بها عن غيره مما يخرج من القبل. قال النووى:
فمنى الرجل فى حال صحته أبيض ثخين، يتدفق فى خروجه دفعة بعد دفعة، ويخرج بشهوة. ويتلذذ
بخروجه، ثم إذا خرج يعقبه فتور، ورائحته كرائحة طلع النخل، قريبة من رائحة العجين، وإذا يبس
كانت رائحته كرائحة البيض. هذه صفات، وقد يفقد بعضها مع أنه منى موجب للغسل بأن يرق
ويصفر لمرض، أو يخرج بغير شهوة ولا لذة لاسترخاء وعائه، أو يحمر لكثرة الجماع ويصير كماء اللحم،
وربما خرج دما عبيطا ويكون طاهرًا موجبًا للغسل. وأما منى المرأة فأصفر رقيق، ولا خاصية له إلا
التلذذ، وفتور شهوتها عقب خروجه. اهـ
( أيغسله ) أى: أيغسل المكان الذى أصيب من الثوب؟
( أم يغسل الثوب ) كله، ما أصيب وما لم يصب؟
(أن رسول اللَّه# كان يغسل المنى) من ثوبه، أى يزيله عن ثوبه بالغسل، أو يغسل
مكانه من الثوب، وإسناد الغسل إلى ضميره صلى اللّه عليه وسلم قيل: على سبيل الحقيقة، وأنه فعل
ذلك بنفسه، وقيل: على سبيل المجاز وأن التى كانت تغسل زوجه، والثانى هو الموافق لعموم
الروايات، وإن جاز أن يكون قد فعل ذلك بنفسه مرة تواضعاً ومشاركة.
( ثم يخرج إلى الصلاة فى ذلك الثوب، وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه ) جملة ((وأنا
أنظر)» إلخ حال من فاعل ((يخرج)) والرابط محذوف، أى يخرج فى حالة نظرى إلى أثر غسل ثوبه، أو
من «الثوب)» أى يخرج بثوبه المبلل حالة كونه منظوراً إليه منى. والجملة كناية عن الخروج بالثوب
مبللا، وعدم انتظار الجفاف، للحاجة إلى الخروج إلى الصلاة، وعدم وجود غير الثوب المبلل.
( فاحتلمت فى ثوبى ) فى القاموس: حلم بفتح اللام، واحتلم رأى رؤيا والاحتلام الجماع فى
النوم. اهـ وفى الكلام حذف، والأصل رأيت رؤيا جماع وأنزلت فى ثوبی.
( فغمستهما فى الماء ) أى غمست الثوبين فى الماء لغسلهما، والظاهر أنه غمس الثوبين
كلهما، ولم يكتف بغمس مكان الإصابة منهما.
٢٥٤

( رأيت ما يرى النائم فى منامه ) المراد من الموصول رؤيا الجماع، لا أى رؤيا وهذا أدب
رفيع فى التعبير عما يستهجن.
( هل رأيت فيهما شيئاً ) المراد من الشىء المنى، والمعنى هل رأيت فى الثوبين بلل المنى؟
أو جرمه أو أثره؟
(لورأيت شيئاً غسلته ) الأسلوب يتسم بالإنكار، أى لو كنت رأيت شيئاً لحسن غسلك، لكن
حيث لم ترشيئاً فما كان ينبغى لك أن تغسل معتقداً وجوب الغسل.
وقال النووى: قولها ((فلو رأيت شيئاً غسلته» هو استفهام إنكار، حذفت منه الهمزة، وتقديره:
أكنت غاسله معتقداً وجوب غسله؟. اهـ وتقدير الاستفهام هنا بعيد متكلف.
( أحکه يابسا بظفرى ) أى أفركه جافا وأحكه بظفرى.
فقه الحديث
ذهب الشافعى وأحمد وإسحق وداود إلى أن المنى طاهر، وأنه لا يفسد الماء إن وقع فيه، وأن
حكمه فى ذلك حكم النخامة، واستدلوا: بأحاديث الباب وهى تفيد الغسل تارة والفرك أخرى، فحملوا
الغسل على الاستحباب للتنظيف، لا على الوجوب، قالوا: وبهذا يعمل بالأحاديث وبالقياس معاً، لأنه
لو كان نجساً لكان القياس وجوب غسله، دون الاكتفاء بفركه، كالدم وغيره وقالوا: ما لا يجب غسل
يابسه، لا يجب غسل رطبه، كالمخاط، فسقوط الغسل فى يابسه يدل على طهارته.
كما استدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] وتكريمه لا يتناسب وجعل أصله
نجساً، وبقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِن الْمَاء بَشَرًا﴾ [الفرقان: ٥٤] فقد سماه ماء، وهو فى الحقيقة
ليس بماء، فدل على أنه أراد به التشبيه فى الحكم، ومن حكم الماء أن يكون طاهراً.
وقالوا: إن المنى أصل الأنبياء والأولياء، فيجب أن يكون طاهراً.
كما استدلوا بما رواه ابن خزيمة عن عائشة - رضى الله عنها- «كانت تسلت المنى من ثوبه
بعرق الإذخر [أى تمسح المنى الرطب بعود من الإذخر وهو نبت طيب الرائحة] ثم يصلى فيه، وتحته
من ثوبه يابساً، ثم يصلى فيه)» فإن هذا الحديث يتضمن ترك الغسل فى الحالتين. وبما رواه أيضاً عن
عائشة («أنها كانت تحكه من ثوبه صلى الله عليه وسلم)».
قالوا: وعلى تقدير عدم ورود شىء من ذلك، فليس فى حديث الغسل ما يدل على نجاسة المنى،
لأن غسلها فعل، وهو لا يدل على الوجوب بمجرده قاله الحافظ ابن حجر.
وذهب مالك وأبو حنيفة وآخرون إلى أن المنى نجس، أما المالكية فلم يعرفوا الفرك والعمل
عندهم على وجوب غسله رطبا ويابسا.
٢٥٥

وحمل بعضهم أحاديث الفرك على الدلك بالماء، وهو مردود برواية مسلم - الرواية الرابعة فى
الباب - وفيها ((وإنى لأحكه من ثوب رسول الله ﴿ ﴿ يابسا بظفرى)) وقال بعضهم: الثوب الذى
اكتفت فيه بالفرك ثوب النوم، والثوب الذى غسلته ثوب الصلاة والثياب النجسة بالغائط والبول
والدم لا يطهرها الفرك، ومع ذلك لا بأس بالنوم فيها، ولا تجوز الصلاة فيها حتى تغسل، فالمنى كذلك،
وهذا القول مردود أيضاً بما جاء فى مسلم، فى الرواية الأولى بلفظ ((ولقد رأيتنى أفركه من ثوب
رسول اللَّه ◌َ﴿ فركا، فيصلى فيه)) فهذا الحديث نص فى فرك ثوب الصلاة. قالوا: يحتمل أن يكون
فى هذا الحديث حذف وأصله ((ولقد رأيتنى أفركه من ثوب رسول اللَّه ◌َ فركا [فأغسله] فيصلى فيه
فالفاء فى ((فيصلى فيه)» عاطفة على محذوف. قلنا: هذا احتمال بعيد واه، إذ الأصل فى الفاء أنها
للترتيب والتعقيب.
وقال بعضهم: إن أحاديث فرك ثوب الرسول : لا تدل على تطهير المنى بالفرك لاحتمال أن
منى النبى ® طاهر. خصوصية له. قلنا: إن الخصوصية لا تثبت بالاحتمال ولو كان خصوصية
لكانت عائشة أعلم الناس بها، ولما أنكرت على ضيفها الغسل، ولما قالت عنه لجاريتها فى رواية
الترمذى (( إنما يكفيه أن يفركه بأصبعه )).
قال الحافظ ابن حجر: وعن تقدير صحة كونه من الخصائص أن منيه كان عن جماع فيخالط
منى المرأة. اهـ يعنى إن كان منيه صلى الله عليه وسلم طاهراً وصح فركه فكيف صح فركه حين
امتزج بمنى غيره؟ وهذا الرد ضعيف لاحتمال أن المرأة لم تمن فى هذه المرة فالامتزاج غير ثابت.
والأولى ما رددنا به أولا.
وأما الحنفية فقد قالوا: إن المنى نجس، والقياس وجوب غسله مطلقا رطباً ويابساً، ولكن خص
هذا العموم بحديث الفرك يابسا، فالفرك بخصوص المنى اليابس مطهر.
قال العينى مدافعا عن الحنفية: فإن قلت: ما لا يجب غسل يابسه لا يجب غسل رطبه
كالمخاط؟ قلت: لا نسلم أن القياس صحيح، لأن المخاط لا يتعلق بخروجه حدث ما أصلا، والمنى
موجب لأكبر الحدثين وهو الجنابة. اهـ وهذا دفاع واه، كما لا يخفى، لأن موطن النزاع عين المنى
وجرمه، هل هو طاهر أو نجس، وليس النزاع فى أثر خروجه، فقد تحدث الجنابة بالطاهر، كالتقاء
الختانين دون إنزال.
ودافع مرة ثانية، فقال: فإن قلت: سقوط الغسل فى يابسه يدل على الطهارة؟ قلت: لا نسلم ذلك،
كما فى موضع الاستنجاء. اهـ وهذه مغالطة مكشوفة لأن النزاع: هل الفرك يطهر النجاسة أو لابد من
غسلها، ولم يقل الحنفية ولا غيرهم إن الأحجار تطهر من الغائط، وإنما تبيح الصلاة مع وجود أثر
النجاسة بل الغسل ساقط فى الرطب فى الاستنجاء بالأحجار فالمقصود من قولهم هو: سقوط
الغسل فى اليابس عند تطهير ما يجب تطهيره يدل على الطهارة، وسقوط الغسل عند الاستنجاء ليس
عند تطهير المحل، بل عند استباحة الصلاة.
٢٥٦

ثم دافع مرة ثالثة فقال: قياسكم المنى على الدم قياس فاسد، لأنه لم يأت نص بجواز الفرك فى
الدم ونحوه، وإنما جاء فى يابس المنى على خلاف القياس فيقتصر على مورد النص. اهـ وكان الأولى
بالعينى أن يقول: قياسكم قياس صحيح، لكنا [أهل الرأى والقياس] تركنا القياس هذه المرة
واقتصرنا على النص.
ودافع مرة رابعة فقال: والرد على الحنفية برواية ابن خزيمة عن عائشة -رضى اللَّه عنها-
((كانت تسلت المنى من ثوبه بعرق الإذخر، ثم يصلى فيه، وتحته من ثوبه يابسا، ثم يصلى فيه)) وأن
هذه الرواية تدل على ترك الغسل فى الحالتين. قال: هذا الرد غير صحيح وليس فيه دليل على طهارته،
وقد يجوز أن يكون عليه الصلاة والسلام كان يفعل ذلك. فيطهر الثوب، والحال أن المنى فى نفسه
نجس. اهـ وهذا الدفاع من العينى أوهى دفاع، إذ لم يقل الحنفية ولا غيرهم أن نجاسة ما رطبة،
أصابت ثوبا، فتشربها، يمكن تطهيره بمسحها بعود من نبات. والله أعلم.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- جواز سؤال النساء عما يستحيا منه، لمصلحة تعلم الأحكام.
٢- وخدمة المرأة زوجها فى غسل ثيابه ونحو ذلك، خصوصاً إذا كان من أمر يتعلق بها، وهو من
حسن العشرة وجميل الصحبة.
٣- خروج المصلى إلى المسجد بثوبه الذى غسل، قبل جفافه.
٤- استدل بعضهم بقولها فى الرواية الثالثة: «وأنا أنظر إلى أثر الغسل فيه على أن بقاء الأثر بعد
زوال العين فى إزالة النجاسة وغيرها لا يضر. ذكره الحافظ ابن حجر.
٥- قال النووى: وقد استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث على طهارة رطوبة فرج المرأة، وفيها
خلاف مشهور عندنا وعند غيرنا، والأظهر طهارتها وتعلق المحتجون بهذا الحديث بأن قالوا:
الاحتلام مستحيل فى حق النبى * لأنه من تلاعب الشيطان بالنائم، فلا يكون المنى الذى على
ثوبه صلى الله عليه وسلم إلا من الجماع، ويلزم من ذلك مرور المنى على موضع أصاب رطوبة
الفرج، فلو كانت الرطوبة نجسة لتنجس بها المنى، ولما تركه فى ثوبه، ولما اكتفى بالفرك.
والله أعلم
٢٥٧

(١٢٩) باب نجاسة الدم وكيفية غسله
٥٢٠- ٩ْا عَنْ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٠٩) قَالَتْ: جَاءَتِ امْرَأَةٌ إِلَى النَّبِيِّ:﴿ .. فَقَالَتْ:
إِحْدَانًا يُصِيبُ ثَوْبَهَا مِنْ دَمِ الْحَيْضَّةِ كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ؟ قَالَ «تَخْتُّهُ، ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ. ثُمَّ
تنضحُهُ. ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ ».
المعنى العام
حرص الإسلام على تعلم المرأة أمور دينها، وشجعها على حضور مجلس الوعظ وحضور المساجد،
وقال الرسول وص /: ((لا تمنعوا إماء الله مساجد الله)) ولما كثر الرجال فى مجالس العلم، وبعد النساء
على مسامع الصوت طلبن من رسول اللّه : أن يجعل لهن يوما فجعل لهن يوما، وحرضت عائشة
على عدم الحياء فى العلم، ويمدح نساء الأنصار، إذ قالت: نعم النساء نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء
أن يتفقهن فى الدين.
ومن هذا المنطلق السمح الحنيف تأتى أسماء بنت أبى بكر الصديق إلى رسول اللّه * فتسأله
عن حكم دم الحيض. تسأله عن حكم ما يصيب ثوبها من دم الحيض، تقول: يا رسول اللّه إذا لم يكن
للمرأة إلا ثوب واحد تحيض فيه فأصابه الدم من الحيضة، كيف تصنع به لتصلى؟ قال لها رسول الله
*: إذا أصاب ثوب إحداكن الدم من الحيضة فلتقرضه، وتحته بإصبعها، ثم تغسله وتدلكه بالماء، ثم
ترشه بالماء، ثم تصلى فيه. قالت: يا رسول اللَّه إن لم يخرج أثره؟ وإن لم يزل لونه من الثوب بعد
الحت والغسل؟ قال: يكفيك الماء ولا يضرك أثره. قالت عائشة: كانت إحدانا تحيض، ثم تقرص الدم
من ثوبها عند طهرها، فتغسله، وتنضح وترش على سائره، ثم تصلى فيه.
المباحث العربية
( عن أسماء ) بنت أبى بكر الصديق - رضى الله عنهما -.
(جاءت امرأة) فى رواية الشافعى عن هشام فى هذا الحديث أن ((أسماء)) هى
السائلة، وأنكر النووى هذا، وضعف الرواية، قال الحافظ ابن حجر: ولا وجه لإنكاره، لأنه لا
يبعد أن يبهم الراوى اسم نفسه.
(١٠٩) وحَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدْنَا وَكِيعٌ حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةً ح وحَدَّقَتِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ
سَعِيدٍ عَنْ هِشَامٍ بَنِ عُرْوَّةً قَالَ حَدَّثْنِي فَاطِمَةُ عَنْ أَسْمَاءٌ
- وحَدَّثَنَا أَبُو كٌرَّيِّبٍ حَدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ حِ وحَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبُرَلِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يَحْتَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمٍ وَمَالِكُ بْنُ
أَنَسٍ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلٌ حَدِيثٍ يَحْتِى بْنِ سَعِيدٍ.
٢٥٨

( إحدانا) مبتدأ، والجملة بعده خبر، قال الحافظ ابن حجر: ((إحدانا)) أى أزواج النبي { آ.اهـ
وهو مبنى على أن السائلة أسماء، والأولى أن يكون المراد إحدانا معشر النساء، أعم من أزواج النبى
* ولو كانت السائلة أسماء.
(يصيب ثوبها من الحيضة) ((الحيضة)) بفتح الحاء الحيض و()من)) اسم بمعنى ((بعض))
فاعل ((يصيب)) والتقدير: يصيب ثوبها بعض الحيضة.
( كيف تصنع به؟) ((كيف)) اسم استفهام مفعول مقدم لتصنع. أى ماذا تصنع
بثوبها المصاب؟.
( قال: تحته) بفتح التاء، وضم الحاء وتشديد التاء، أى تحكه، وتفركه وتقشره وتنحته، وقيل:
الحت دون النحت.
( ثم تقرصه بالماء ) بفتح التاء، وسكون القاف، وضم الراء، وبالصاد أو الضاد، قال فى
المغرب: الحت القرص باليد، والقرص بأطراف الأصابع، وفى المحكم: القرص التخميش والقرض
بالأصبع، وقد قرضه وقرصه. اهـ والمعنى: تحكه وتفركه جافا بدون ماء، ثم تدلك موضع الدم بأطراف
أصابعها مع الماء ليتحلل بذلك، ويخرج ما تشربه الثوب منه مع الماء.
قال القاضى عياض: رويناه بفتح التاء وسكون القاف وضم الراء، وبضم التاء وفتح القاف وكسر
الراء المشددة قال: وهو الدلك بأطراف الأصابع، مع صب الماء عليه، حتى يذهب أثره.
( ثم تنضحه ) بفتح الضاد وضم الحاء، أى تغسله. قاله الخطابى وقال القرطبى: المراد به
الرش، لأن غسل الدم استفيد من قوله ((تقرضه بالماء)) وأما النضح فهو لما شك فيه من الثوب، قال
الحافظ ابن حجر: فعلى هذا يكون الضمير فى ((تنضحه)) عائداً على الثوب، بخلاف ((تحته» فإنه
يعود على الدم. فيلزم منه اختلاف الضمائر، وهو خلاف الأصل، فالأحسن ما قاله الخطابی.
فقه الحديث
يستفاد من الحديث
١- أن الدم نجس، قال النووى: والدلائل على نجاسته متظاهرة، ولا أعلم فيه خلافاً عن أحد المسلمين
إلا ما حكاه صاحب الحاوى عن بعض المتكلمين أنه قال: هو طاهر، ولكن المتكلمين لا يعتمد
بهم فى الإجماع، قال: وفى دم السمك والجراد والدم المتحلب من الكبد والطحال وجهان
مشهوران، والأصح فى الجميع النجاسة.
وممن قال بنجاسة دم السمك مالك وأحمد وداود. وقال أبو حنيفة: طاهر. وأما دم القمل
والبراغيث والبق ونحوها فنجسة عندنا، لكن يعفى عنها فى الثوب والبدن للحاجة، وممن قال:
٢٥٩

بنجاسة هذه الدماء مالك. وقال أبو حنيفة: هى طاهرة، ومما تعم به البلوى الدم الباقى على اللحم
وعظامه، فيعفى عنه، ولو غلبت حمرة الدم فى القدر، لعسر الاحتراز اهـ
٢- وأنه يجب غسل النجاسات من الثياب عند إرادة الصلاة فيها.
٣- وأن إزالة النجاسة لا يشترط فيها العدد. قال النووى: واعلم أن الواجب فى إزالة النجاسة الإنقاء،
فإن كانت النجاسة حكمية - وهى التى لا تشاهد بالعين، كالبول ونحوه - وجب غسلها مرة، ولا
تجب الزيادة، ولكن يستحب الغسل ثانية وثالثة، لقوله صلى الله عليه وسلم: ((إذا استيقظ
أحدكم من نومه فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها ثلاثاً))، وأما إذا كانت النجاسة عينية
كالدم وغيره، فلا بد من إزالة عينها، ويستحب غسلها بعد زوال العين ثانية وثالثة، وهل يشترط
عصر الثوب إذا غسله؟ فيه وجهان. الأصح أنه لا يشترط. وإذا غسل النجاسة العينية فبقى لونها
لم يضره، بل قد حصلت الطهارة، وإن بقى طعمها فالثوب نجس، فلا بد من إزالة الطعم، وإن
بقيت الرائحة ففيه قولان الشافعى: أصحهما يطهر، والثانى لايطهر.اهـ. وهذا فى نجاسة غير
الكلب والخنزير، وقد سبق بيان حكمها.
٤- قال الخطابي: فيه دليل على أن النجاسات إنما تزال بالماء، دون غيره من المائعات، قال
الحافظ ابن حجر: لأن جميع النجاسات بمثابة الدم، ولا فرق بينه وبينها إجماعاً، قال: وتعين
الماء لإزالة النجاسة هو قول الجمهور.
وعن أبى حنيفة وأبى يوسف وداود أنه يجوز تطهير النجاسة من الثوب والبدن بكل مائع طاهر
[كالبنزين والغاز والخل والكحول] ولا يجوز بدهن ومرق. واحتجوا بحديث عائشة ((ماكان
لإحدانا إلا ثوب واحد، تحيض فيه، فإذا أصابه شىء من دم الحيض قالت بريقها [أى بلته
بريقها، كما جاء فى رواية أبى داود] فمصعته بظفرها)) أى فركته وحللته بظفرها. رواه البخارى.
قالوا: لو كان الريق لا يطهر لزادت النجاسة باستعماله، وأجيب بأنها ربما فعلت ذلك تحليلا
لأثره، ثم غسلته بعد ذلك.
كما استدلوا بحديث مسح النعل، وفرك المنى، وحته، وإماطته بإذخرة. ورد بأننا لا نسلم النجاسة
حتى نسلم التطهير بالمسح.
وقالوا: إن مجرد الأمر بالماء فى بعض النجاسات لا يستلزم الأمربه مطلقاً فذكر الماء
فى حديث الباب خرج مخرج الغالب لا مخرج الشرط، كقوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمْ اللاتِي
فى حُجُورِكُمْ﴾ [النساء: ٢٣] والمعنى أن الماء أكثر وجوداً من غيره، ثم إن تخصيص
الشىء بالذكر لا يدل على نفى الحكم عما عداه، ثم إنه مفهوم، ولا يعمل به عندنا؛ ولم
يأت دليل يقتضى حصر التطهير فى الماء.
ورد عليهم بأن الحديث نص على الماء، فإلحاق غيره به يكون بالقياس وشرطه أن لا ينقص الفرع
٢٦٠