النص المفهرس
صفحات 141-160
بيميننا وأن يحرم شعرنا وجسدنا على النار، وأن يجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه،
وأن يثبت أقدامنا على الصراط المستقيم يوم تزل الأقدام.
المباحث العربية
( إذا توضأ العبد المسلم ) فى لفظ ((توضأ)) مجاز المشارفة، أى إذا أراد الوضوء وأشرف
عليه، وذلك ليصح عطف ((فغسل وجهه)) إلخ إذ غسل الوجه واليدين والرجلين هو الوضوء، وزيادة لفظ
((العبد)» لإفادة إخلاص العبادة، أى إذا توضأ مستشعراً بأنه عبد مخلص مطيع الأوامر.
(أو المؤمن ) شك من الراوى فى أى اللفظين صدر عن الرسول و ﴿.
( خرج من وجهه كل خطيئة نظر إليها بعينيه مع الماء) جملة ((نظر إليها بعينيه)) فى
محل الجرصفة لخطيئة، والخطيئة - كما فى القاموس - الذنب، أو ما تعمد منه كالخطء بكسر
الخاء، والخطأ ما لم يتعمد، و((مع الماء)) متعلق بخرج، والتقدير: إذا غسل وجهه خرج من وجهه مع
الماء كل خطيئة منظور إليها بعينيه. وفى ((إليها)) مجاز مرسل بعلاقة السببية لأنه لا ينظر إلى نفس
الخطيئة، إذ المرأة الأجنبية مثلا سبب الخطيئة، وليست هى عين الخطيئة وخروج الخطيئة من
الوجه ونحوه مجاز عن المغفرة والعفو، إذ الخطايا ليست بأجسام كامنة فى الجسم حتى تخرج،
ويمكن إجراؤه على الاستعارة التصريحية التبعية فى ((خرج)) بأن يقال: شبه العفوعن ذنب الوجه
والعين بالخروج بجامع الانفصال فى كل، واستعير الخروج للعفو واشتق منه خرج من الوجه بمعنى
عفى عن ذنب الوجه على سبيل الاستعارة التصريحية التبعية.
(أو مع آخر قطر الماء) شك من الراوى فى أى العبارتين صدر عن رسول اللّه مح ﴿ وقطر الماء
بفتح القاف وسكون الطاء ما قطر الماء، والواحدة قطرة، أى مع النقاط الأخيرة التى تتساقط من
غسل الوجه.
(خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه ) ((كان)) زائدة، وجملة ((بطشتها يداه)) فى
محل الجرصفة ((خطيئة)) أى كل خطيئة مبطوشة بيديه، ويحتمل أن يكون اسم ((كان)) ضمير الحال
والشأن، وجملة ((بطشتها يداه)) خبر ((كان)) أو اسمها ضمير يعود على العبد المسلم.
( حتى تخرج من تحت أظفاره ) شبه محو الذنوب وغفرانها بخروجها، وشبهت الذنوب
الصغيرة بالأجرام الدقيقة المستترة تحت الأظفار، وخروج ما تحت الأظافر نهاية فى النظافة.
فقه الحديث
ظاهر قوله ((خرج من وجهه)) و((خرج من يديه)) و((خرجت كل خطيئة مشتها رجلاه)» أن التكفير
١٤١
يختص بأعضاء الوضوء، وبهذا قيل، لكن قوله فى نهاية الحديث ((حتى يخرج نقيا من الذنوب))
ظاهر فى تكفير عموم ذنوب بقية الأعضاء، وعلى القول الأول يختص التكفير بفعل الواجبات، فقد
جاء فى الموطأ ((تخرج عند المضمضة من فمه، وعند الاستنشاق من أنفه، وعند غسل الوجه كل
خطيئة نظر إليها بعينه، حتى تخرج من تحت أشفار جفنه، وعند غسل اليدين تخرج من تحت أظفار
يديه، وفى رأسه تخرج من أذنيه، وفى رجليه حتى تخرج من تحت أظفارها)).
ولعل هذه الرواية تجيب عما يثور فى النفس من التساؤل عن عدم ذكر الرأس، وعن
تخصيصه العين من بين أعضاء الوجه كالفم والأنف، ولعل تخصيص العين بالذكر لأن
خيانتها أكثر، فإذا خرج الأكثر خرج الأقل، فالعين كالغاية لما يعفى، وقيل: لأن العين
طليعة القلب فإذا ذكرت أغنت من غيرها.
ولا يخفى أن المراد من الخطايا هذا الصغائر.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- مدى احتياط الرواة فى أداء ما تحملوه من الحديث، بذكر العبارتين المتردد بينهما، وإن كانتا
متقاربتين فى المعنى.
٢- فيه دليل على أن واجب الرجلين فى الوضوء الغسل، لا المسح.
٣- يؤخذ من الحديث أن كل عضو يطهر بانفراده، لأن خروج الخطايا منه فرع طهارته فى نفسه.
٤- أخذ منه بعضهم ترك الوضوء بالماء المستعمل، فإنه ماء قد حمل الذنوب، وهو عند أبى حنيفة
نجس، وعند الشافعية طاهر فى نفسه غير مطهر لغيره، وعند المالكية فيه أقوال أربعة:
الأول الطهورية لكن يستحب تركه مع وجود غيره. الثانى عدم الطهورية، الثالث الكراهة. الرابع
مشكوك فيه يجمع بينه وبين التيمم.
واللَّه أعلم
١٤٢
تابع باب فضل إحسان الوضوء
وإطالة الغرة والتحجيل في الوضوء
٤٣٥- ٣٣ عَنْ نُعَيْمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُجْمِرِ(٣٣)؛ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا هُرَيْرَةً يَتَوَضَّأُ. فَغَسَلَ وَجْهَهُ
فَأَسْبِغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي الْعَضُدِ. ثُمَّ يَدَهُ الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي
الْعَضُدِ. ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ. ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى خَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ. ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ
الْيُسْرَى حَتَّى أَشْرَعَ فِي السَّاقِ. ثُمَّ قَالَ: هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ يَتَوَضَّأُ، وَقَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِفَ﴿: « أَنْتُمُ الْغُرُّ الْمُحَتَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ. مِنْ إِسْبَاغِ الْوُضُوءِ. فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ
فَلْيُطِلْ غُرَّتَهُ وَتَحْجِيلَهُ».
٤٣٦ - ٣٤ عَنْ تُعَيْمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ(٣٤)؛ أَنَّهُ رَأَى أَبَا هُرَيْرَةً يَتْوَضَّأُ. فَفَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ خَنْى
كَادَ يَبْلُغُ الْمَنْكِيَّيْنِ. ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ حَتِى رَفَعَ إِلَى السَّاقَيْنِ. ثُمَّ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ
يَقُولُ «إِنَّ أُمَّتِي يَأْتُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ غُرَّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ. فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ
غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ».
٤٣٧- ٣٥ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(٣٥) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلِ﴿ِ قَالَ «إِنَّ حَوْضِي أَبْعَدُ مِنْ
أَيْلَةَ مِنْ عَدَنِ. لَهُوَ أَشَدُّ بَيَاضًا مِنَ الّْجِ. وَأَخْلَى مِنَ الْعَسَلِ بِاللَبْنِ. وَلآنِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ
عَدَدِ النَّجُومِ. وَإِنِّي لأَصُدُّ النّاسَ عَنْهُ كَمَا يَصُدُّ الرَّجُلُ إِيلَ النَّاسِ عَنْ حَوْضِهِ»
قَالُوا: يَارَسُولَ اللَّهِ! أَتَعْرِفْنَا يَوْمَئِذٍ؟ قَالَ «نَعَمْ. لَكُمْ سِيمًا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ مِنَ الأُمَمِ.
تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرَّا مُحَجَّلِينَ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ».
٤٣٨- ٣٦ٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٣٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿: «تَرِدُ عَلَيَّ أُمَّتِي الْحَوْضَ. وَأَنَا
(٣٣) حَدَّتِي أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَالْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ بْنِ دِينَارٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالُوا حَدَّنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ سُلَيْمَانِ بْنِ
بِلالِ حَدَّثَنِي عُمَارَةُ بْنُ غَزِيَّةَ الأَنْصَارِيُّ عَنْ نُعَيْمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
(٣٤) وَخَدَّثَتِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الأَثِيُّ حَذَّنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِي عَمْرُوِ بْنُ الْحَارِثِ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي هِلالٍ عَنْ نُعَيْمٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
(٣٥) حَدََّا سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ جَمِيعًا عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ قَالَ ابْنُ أَبِّي عُمَرَ حَدَّثَنَا مَرَّوَانُ عَنْ أَبِي مَاَلِكَ الأَشْجَعِيِّ
سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٣٦) وحَدَّثَنَا أَبُوَ كَّرَيْبٍ وَوَاصِلَّ بُّنُ عَبْدِ الأَعْلَى وَاللّفْظُ لِوَاصِيلٍ قَالا حَذََّا ابْنُ فُضَيْلٍ عَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةَ
١٤٣
أَذُودُ النَّاسَ عَنْهُ. كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ إِیلَ الرَّجُلٍ عَنْ إِلِهِ» قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَتَعْرِفْنَا؟ قَالَ
«نَعَمْ. لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ. تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرَّا مُحَجَلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ، وَلَيُصَدَّنَ
عَنِي طَائِفَةٌ مِنْكُمْ فَلا يَصِلُونَ. فَأَقُولُ: يَا رَبِّ! هَؤُلاءِ مِنْ أَصْحَابِي. فَيُجِيبُنِي مَلَكٌ فَيَقُولُ: وَهَلْ
تَدْرِي مَا أَحْدُثُوا بَعْدَكَ؟».
٤٣٩- ٣٥٧ عَنْ حُذَيْفَةَ رَ(٣٧) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ: «إِنَّ حَوْضِي لِأَبْعَدُ مِنْ أَيْلَةً مِنْ
عَدَنِ. وَالْذِي نَفْسِي بِيِّدِهِ! إِنّي لأَذُودُ عَنْهُ الرِّجَالَ كَمَا يَذُودُ الرَّجُلُ الإِبِلَ الْغَرِيبَةَ عَنْ حَوْضِهِ»
قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَتَعْرِفْنَا؟ قَالَ «نَعَمْ تَرِدُونَ عَلَيَّ غُرَّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الْوُضُوءِ. لَيْسَتْ
لأَحَدٍ غَيْرِكُمْ».
٤٤٠- ٣٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَّ ◌َنْ(٣٨) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ أَتَى الْمَقْبُرَةَ فَقَالَ «السَّلامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ
مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّا، إِنْ شَاءَ اللّهُ، بِكُمْ لاحِقُونَ. وَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا » قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانَكَ يَا
رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ « أَنْتُمْ أَصْحَابِي. وَإِخْوَاتُنَا الَّذِينَ لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ». فَقَالُوا كَيْفَ تَعْرِفُ مَنْ لَمْ يَأْتِ بَعْدُ
مِنْ أُمَِّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ «أَرْأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلا لَهُ خَيْلٌ غُرٌّ مُحَجَّلَةٌ. بَيْنَ ظَهْرَيْ خَيْلِ دُهْمٍ بُهْمٍ.
أَلا يَعْرِفُ خَيْلَهُ؟ » قَالُوا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ «فَإِنَّهُمْ يَأْتُون غُرَّا مُحَجَّلِينَ مِنَ الْوُضُوءِ، وَأَنّا
فَرَطُهُمْ عَلَى الْحَوْضِ. أَلا لَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِيٍ كَمَا يُذَادُ الْبَعِيرُ الضَّالُّ. أُنَادِيهِمْ: أَلا هَلُمَّ:
فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ قَدْ بَدُّلُوا بَعْدَكَ. فَأَقُولُ: سُحْقًا سُحْقًا)».
٤٤١ - ◌ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َ﴾(١٠) أَنْ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ خَرَجَ إِلَى الْمَقْبُرَةِ فَقَالَ «السَّلامُ
عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ. وَإِنَّا، إِنْ شَاءَ اللَّهُ، بِكُمْ لاحِقُونَ)) بِمِثْلٍ حَدِيثِ إِسْمَعِيلَ بْنِ جَعْفٍَ
غَيْرَ أَنَّ حَدِيثَ مَالِكٍ « فَلَيُذَادَنَّ رِجَالٌ عَنْ حَوْضِي».
٤٤٢- ٣٩ عَنْ أَبِي حَازِمٍ(٣٩) قَالَ: كُنْتُ خَلْفَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلاةِ. فَكَانُ يَمُدُّ
يَدَهُ حَتّى تَبْلُغَ إِبْطَهُ. فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا هُرَيْرَةً! مَا هَذَا الْوُضُوءُ؟ فَقَالَ: يَا بَنِي فَرُوخَا أَنْتُمْ هَاهُنَا؟
(٣٧) وحَدَّنَا عُثْمَالْ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ سَعْدِ بْنِ طَارِقٍ عَنْ رِئْعِىّ بْنِ حِرَاشٍ عَنْ حُلَيْفَةَ
(٣٨) حَدَّنَا يَحْتِى بْنُ أَيُّوبَ وَسُرَيْجُ بْنُ يُونُسَ وَقُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ حَدَثْنَا
إِسْمَعِيلُ أَخْيَرَنِي الْعَلاءُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٠) حَدَثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ يَعْنِي الدُّرَاوَرْدِيَّ ح وحَدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ حَدَّثْنَا مَعْنٌ حَدَّثَنَا مَالِكٌ
جَمِيعًا عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٣٩) حَذََّا قَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَذْقَنَا خَلَفٌ يَعْنِي ابْنَ خَلِيفَةً عَنْ أَبِي مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ
١٤٤
لَوْ عَلِمْتُ أَنْكُمْ هَاهُنَا مَا تَوَضَّأْتُ هَذَا الْوُضُوءَ، سَمِعْتُ خَلِيلِي ◌َ ﴿ يَقُولُ « تَبْلُغُ الْجِلْيَةُ مِنَ
الْمُؤْمِنِ حَيْثُ يَبْلُغُ الْوَضُوءُ».
المعنى العام
كان أبو هريرة له يحافظ على إسباغ الوضوء، وعلى التأكد من تمامه وكماله، وكان يحرص على
المبالغة فى غسل أعضائه بغسل جزء زائد على الواجب، بل بالغ فى هذا الجزء الزائد حتى وصل فى
غسل يديه إلى إبطيه، وفى غسل رجليه إلى ركبتيه، فسئل عن ذلك حيث إنه قدوة، ومن أئمة الآخذين
عن رسول اللَّه ◌ُ﴾، بل أكثر المكثرين من رواية الحديث.
فقال: أتينا البقيع (مقابر أهل المدينة) مع رسول اللّه * فقال: السلام عليكم دار قوم مؤمنين
وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. ثم التفت إلينا فقال: تمنيت أن لوقد رأينا إخواننا، قلنا: من تقصد
بإخواننا يا رسول الله؟ أولسنا إخوانك؟ قال صلى الله عليه وسلم: أنتم أصحابى وإخوانى، أما
الذين أقصدهم فهم إخواننا وليسوا أصحابنا، هم الذين لم يأتوا بعد، وسيأتون فى الأزمان التى بعدنا.
إن حوضى يوم القيامة واسع الأرجاء، عرضه كما بين أيلة وعدن، يسير حوله الراكب
مسيرة شهر، شرابه أشد بياضاً من اللبن، وأحلى من العسل، وأطيب من المسك، آنيته
لامعة كثيرة، مثل نجوم السماء، من شرب منه شربة لا يظمأ بعدها أبداً، أنادى له أصحابى
وأتباعى، وأصد عنه غير أمتى.
قالوا: يا رسول اللّه. أتعرفنا يومئذ؟ قال: نعم. قالوا: وكيف تعرف من يؤمن بك من أمتك ممن
يأتى بعدك يا رسول الله؟ قال: أخبرونى لو أن لأحدكم خيلا فى جبهتها بياض وفى قوائمها بياض،
فى وسط خيل سود سواداً كاملا لا بياض فى لونها، ألا يعرف خيله؟ قالوا: بلى يعرفها يا رسول اللَّه،
قال: فإنكم تردون حوضى يوم القيامة وفى وجوهكم نور، وفى أيديكم نور، وفى أرجلكم نور، علامة
ليست لأحد من الأمم غيركم، وإنه ليبلغ نور أعضائكم حيث يبلغ الوضوء منها، فمن استطاع منكم أن
يطيل غرته وتحجيله، وأن يوسع نوره فليسبغ الوضوء، وليبالغ فى غسل أعضائه، ولئن كان لإسباغ
الوضوء هذا الفضل الكبير، والأثر العظيم، فإن فعل الواجبات، والبعد عن المحرمات أساس لهذا الفوز
المبين، لأننى قد أرى (يوم القيامة، وأنا واقف على الحوض) رجالا أظنهم من أمتى، فأناديهم:
تعالوا، هلموا إلى حوضى، فبحول بينى وبينهم ملك، فيحولهم عن حوضى، فأقول: إلى أين؟ فيقول:
إلى النار. فأقول: وما شأنهم، وإنى لأظنهم مسلمين؟ وإنى لأظنهم من أصحابى؟ فيقول: لا تدرى ما
أحدثوا بعدك، إنهم بدلوا وغيروا، فأقول سحقاً. سحقاً. وبعداً لهؤلاء القوم بعداً. وما ربك بظلام للعبيد.
فاللهم إنا نعوذ بك أن نرجع على أعقابنا، أو نفتن عن ديننا، إنك غفور رحيم.
١٤٥
المباحث العربية
(عن نعيم بن عبد الله المجمر) ((نعيم)) بضم النون وفتح العين، و((المجمر)) بضم الميم
الأولى وإسكان الجيم وكسر الميم الثانية، ويقال: المجمر بفتح الجيم وتشديد الميم الثانية المكسورة،
والتجمير هو التبخير، وهو صفة لنعيم أو لأبيه أولهما، لأنهما كانا يبخران مسجد النبى {َ #.
(رأيت أبا هريرة يتوضأ) جملة ((يتوضأ)» فى محل النصب على الحال، ورواية البخارى عن
نعيم قال: «رقيت مع أبى هريرة على ظهر المسجد فتوضأ».
( فغسل وجهه فأسبغ الوضوء ) أى فأسبغ وضوء وجهه وغسله.
( ثم غسل يده اليمنى حتى أشرع فى العضد ) أى أدخل الغسل فيه ويقال: أشرع إبله إذا
أوردها، وأما شرع الثلاثى فمعناه ورد الماء فى نفسه، كذا يقال: شرع فى كذا إذا ابتدأ. والعضد: ما
بين المرفق إلى الكتف.
( أنتم الغر المحجلون ) قال أهل اللغة: الغرة البياض فى جبهة الفرس، والتحجيل بياض فى
يديها ورجليها، والغر بتشديد الراء جمع أغر، أى ذو غرة. قال الحافظ ابن حجر: وأصل الغرة لمعة
بيضاء تكون فى جبهة الفرس، ثم استعملت فى الجمال والشهرة وطيب الذكر، والمراد بها هنا النور
الكائن فى وجوه أمة محمد صل الت. اهـ
وقال العينى: فى الكلام تشبيه بليغ، حيث شبه النور الذى يكون على موضع الوضوء يوم القيامة
بغرة الفرس وتحجيله، ويجوز أن يكون كناية بأن يكون كنى بالغرة على نور الوجه. اهـ
وظاهر الحديث أن النور ينبعث من أماكن الوضوء؛ لكن قال الأبى: إن الغرة والتحجيل كناية عن
إنارة كل الذات، لا أنه مقصور على أعضاء الوضوء. اهـ ويبعد هذا القول الترغيب فى إطالة الغرة
والتحجيل ليزداد النور، ولو كان كما يقول الأبى لما كان للإطالة فائدة.
( من إسباغ الوضوء ) وفى الرواية الثانية والثالثة ((من أثر الوضوء)» والوضوء بضم
الواو وفتحها.
( فمن استطاع منكم فليطل غرته وتحجيله ) مفعول ((استطاع)) محذوف أى من استطاع
إطالة غرته وتحجيله فليطل، وإطالة التحجيل أى إطالة سبب التحجيل، بإطالة الغسل واضحة
بالشروع فى العضد والساق، إذ لهما طول ظاهر، أما الغرة فيمكن أن يراد من الإطالة التوسع بزيادة
الغسل طولا بالشروع فى منابت الشعر وصفحة العنق وعرضاً بشحمة الأذنين.
ولما كان الكل - غالباً- يستطيع ذلك كان الهدف من التعبير الحث على الإطالة، أى فأطيلوا
الغرة والتحجيل، وليس المقصود التعليق على الاستطاعة.
١٤٦
(حتى كاد يبلغ المنكبين ) ((المنكب» بفتح الميم وكسر الكاف بينهما نون ساكنة مجتمع
رأس الكتف والعضد، وأسفله الإبط.
( ثم غسل رجليه حتى رفع إلى الساقين ) مفعول ((رفع)) محذوف أى حتى رفع الغسل إلى
الساقين، والغاية داخلة، لأنه كان يشرع فى الساق.
( إن أمتى يأتون يوم القيامة غراً محجلين) ((الأمة)) فى اللغة الجماعة، وكل جنس من
الحيوان أمة، ومن معانيها اللغوية الحين، ومنه قوله تعالى ﴿وَاذَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] وأمة محمد
** تطلق على معنيين: أمة الدعوة وهى من بعث إليهم، وأمة الإجابة وهى من آمن به وصدقه، وهذه
هى المراد هنا، وإتيانهم من الموقف إلى الحوض كما يظهر من الرواية الثالثة والرابعة.
( فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل ) ذكر الغرة هنا دون التحجيل للاكتفاء، أو
الإسقاط من الراوى، ومفعول ((فليفعل)) محذوف أى فليفعل الإطالة.
(إن حوضى أبعد من أيلة من عدن ) الحوض مجمع الماء، وسيأتى الكلام عنه فى فقه
الحديث، و((أيلة)) مدينة كانت عامرة بطرف الشام، كان يمربها الحاج من مصر، فتكون شمالهم:
ويمر بها الحاج من غزة فتكون أمامهم. أقرب ما تكون إلى ما يسمى اليوم بالعقبة. ذكره فى الفتح
و((عدن)» مدينة معروفة على ساحل البحر الأحمر.
وفى رواية البخارى ((إن قدر حوضى كما بين أيلة وصنعاء من اليمن)) وفيه ((حوضه ما بين
صنعاء والمدينة)) وعند أحمد ((كما بين أيلة إلى الجحفة)) وفى لفظ ((ما بين مكة وعمان)) وفى رواية
((كما بين مكة إلى أيلة)) وعند ابن ماجه ((ما بين الكعبة إلى بيت المقدس)). وقد جمع العلماء بين
هذا الاختلاف، وأقرب الأقوال أن المقصود ضرب المثل لبعد أقطار الحوض وسعته، لا تحديد
المسافة، وذكره صلى الله عليه وسلم للجهات المختلفة بحسب من حضره ممن يعرف تلك الجهات؛
فيخاطب كل قوم بالجهة التى يعرفونها.
وسيأتى مزيد إيضاح لهذه النقطة ولكثير مما يتعلق بالحوض فى بابه إن شاء الله تعالى.
( لهو أشد بياضاً من الثلج ) اللام لام القسم المحذوف، وفى الكلام مضاف محذوف؛ أى
لماؤه أشد بياضاً من الثلج، قاله الأبى: وكونه أشد بياضاً من الثلج حقيقة، لأن البياض مقول
بالتفاوت. اهـ
ورواية البخارى («ماؤه أبيض من اللبن)» واللبن أشد بياضا من الثلج، وما كان أشد بياضا من
اللبن كان أشد بياضا من الثلج، فلا تعارض بين الروايتين، وعند أحمد ((وأبرد من الثلج)».
( وأحلى من العسل باللبن) قال الأبى: معنى ((أحلى)) هنا أزكى، لأن العسل وحده أحلى منه
مع اللبن. اهـ
١٤٧
وفى رواية لمسلم ((وأحلى من العسل)) وعند أحمد ((وأحلى مذاقا من العسل)) زاد فى البخارى
((وريحه أطيب من المسك)).
(ولآنيته أكثر من عدد النجوم) الآنية جمع إناء، وفى البخارى ((وكيزانه كنجوم السماء))
وفيه أيضاً ((فيه من الأباريق كعدة نجوم السماء)» والمقارنة بين آنيته ونجوم السماء تحتمل الحقيقة
وتحتمل أنها كناية عن الكثرة وهذا الأخير أولى.
زاد البخارى ((من شرب منها فلا يظمأ أبداً)) - أى من شرب من الكيزان أو الأباريق - وفيه ((من
مرعلىَّ شرب، ومن شرب لم يظمأ أبداً)).
(وإنى لأصد الناس عنه) ((أل)) فى الناس للعهد، أى الناس غير المستحقين، وفى الرواية
الرابعة ((وأنا أذود الناس منه)) وهما بمعنى أطرد وأمنع.
( لكم سيما ليست لأحد من الأمم ) السيما العلامة، وهى مقصورة وممدودة لغتان، ويقال:
السيميا، بياء بعد الميم.
( وليصدن عنى طائفة منكم فلا يصلون ) ((يصدن)) بضم الياء وفتح الصاد مضارع مبنى
على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، أى ليمنعن، ومعمول ((يصلون)) محذوف أى فلا يصلون إلى، ويحال
بينهم وبين الوصول إلى الحوض، وفى رواية البخارى ((ليردن على أقوام أعرفهم ويعرفوننى، ثم يحال
بينى وبينهم» وفى رواية له أيضاً ((ويرد على يوم القيامة رهط من أصحابى، فيجلون عن الحوض)»
وفى ثالثة له أيضاً ((فإذا زمرة حتى إذا عرفتهم خرج رجل من بينى وبينهم، فقال: هلم. فقلت: أين؟
فقال: إلى النار، واللَّه. قلت: وما شأنهم؟ قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى، ثم إذا زمرة
حتى إذا عرفتهم خرج رجل بينى وبينهم، فقال: هلم. قلت: أين؟ قال: إلى النار والله. قلت: ما شأنهم؟
قال: إنهم ارتدوا بعدك على أدبارهم القهقرى. فلا أراه يخلص منهم إلا مثل همل النعم)).
( كما يذود الرجل الإبل الغريبة عن حوضه ) الإبل الغريبة هى التى لا تعرف صاحبها،
فكل واحد يضربها ليصرفها عن إبله، ومن كلام الحجاج: لأضربنكم ضرب غرائب الإبل.
( أتى المقبرة ) بضم الباء وفتحها وكسرها، ثلاث لغات، والكسر قليل.
( السلام عليكم دار قوم مؤمنين ) ((دار قوم)) منصوب على النداء، والمراد من الدار الجماعة
أو أهل الدار، والمراد من التسليم عليهم الدعاء لهم.
(وإنا - إن شاء الله - بكم لاحقون) ((إن شاء الله، هنا ليس للشك، لأن الموت لاشك فيه،
بل ذكرها هنا للتبرك وامتثال أمر اللَّه تعالى فى قوله ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدَّا إِلا أَنْ
يَشَاءَ اللَّهُ ﴾ [الكهف: ٢٣].
١٤٨
( وددت أنا قد رأينا إخواننا ) أى رأيناهم فى الحياة الدنيا، قال القاضى عياض: وقيل
المراد تمنى لقائهم بعد الموت.
( قال: أنتم أصحابى، وإخواننا الذين لم يأتوا بعد ) لم يرد نفى الأخوة عنهم، ولكن أراد
ذكرهم بالمرتبة الزائدة وهى الصحبة، فهؤلاء إخوة صحابة، والذين لم يأتوا إخوة ليسوا بصحابة، بل
هو من قبيل قول الله تعالى ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ﴾ [الحجرات: ١٠].
(أرأيت لو أن رجلا له خيل غر محجلة) ((أرأيت)) بمعنى أخبرنى، عن طريق مجاز مرسل
فى الاستفهام بإرادة مطلق الطلب بدلا من طلب الفهم، ومجاز مرسل فى الرؤية بإرادة المسبب عنها
وهو الإخبار، فآل المعنى إلى طلب الإخبار المدلول عليه بلفظ أخبرنى، والخطاب للسائل القائل
كيف تعرف من لم يأت بعد؟ والمعلوم أن السائل واحد، وأسند إلى الجماعة فى ((فقالوا)) لموافقتهم
على السؤال.
( بين ظهرى خيل دهم بهم) («ظهرى)) بفتح الظاء وسكون الهاء، مثنى ظهر، قال الأصمعى:
العرب تقول: بين ظهريهم وظهرانيهم، أى بينهم، فتضع لفظ الاثنين على الجمع. اهـ والدهم جمع
أدهم وهو الأسود، والدهمة السواد، والبهم الذى لايخالط لونه لونا آخر سواه أى خالص اللون، فالمعنى
خيل سود سوادا خالصا.
( وأنا فرطهم على الحوض ) الفرط السبق والتقدم، يقال: فرط القوم إذا تقدمهم ليرتاد الماء،
ويهيئ لهم الدلاء، والمعنى: وأنا أتقدمهم على الحوض.
( ألا ليذادن رجال عن حوضى كما يذاد البعير الضال ) هؤلاء الرجال هم الطوائف التى
يحال بينهم وبين الحوض والذائد لهم الملائكة.
( أناديهم: ألا هلم) معناه تعالوا. قال أهل اللغة: فى ((هلم)) لغتان:
إحداهما لغة الحجازيين حيث يلزمونها حالة واحدة فى المفرد والمثنى والجمع والمذكر
والمؤنث، وهى على هذه اللغة اسم فعل أمر، وبهذه اللغة جاء القرآن الكريم ﴿ وَالْقَائِلِيَن لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ
إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: ١٨].
واللغة الثانية: لغة بنى تمبم، تقول: هلم يا رجل، وهلما يا رجلان، وهلموا يا رجال وهلمى ياهند
وياهندان، وهلممن يا نسوة.
( فيقال: إنهم قد بدلوا بعدك ) فى الرواية الرابعة (وهل تدري ما أحدثوا بعدك)»؟ وفى رواية
البخارى ((لا تدري ما أحدثوا بعدك)) وفى رواية أخرى له ((إنك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنهم ارتدوا
على أعقابهم القهقرى)».
(فأقول: سحقا. سحقا) قال النووى: هكذا هو فى الروايات ((سحقا سحقا)) مرتين، ومعناه
١٤٩
بعدا بعدا، والمكان السحيق البعيد، وفى ((سحقا)) لغتان قرئ بهما فى السبع: إسكان الحاء وضمها،
ونصب على تقدير: ألزمهم الله سحقا، أو سحقهم سحقا. اهـ
(يا بنى فروخ أنتم ههنا) قال فى كتاب العين: بلغنا أن ((فروخ)) رجل من ولد إبراهيم، بعد
إسماعيل وإسحق عليهم السلام، كثر نسله بالعجم الذين بوسط البلاد، وكنى أبو هريرة بذلك عن
الموالى، وأبو حازم هذا هو أبو سليمان الأعرج، مولى عزة الأشجعية.
( لوعلمت أنكم ههنا ما توضأت هذا الوضوء ) لأنكم من العوام، ويخشى عدم فهمكم
لدقائق الأعمال.
( تبلغ الحلية من المؤمن حيث يبلغ الوضوء ) فى النهاية: حليته ألبسته الحلية، ومراده
بالحلية هنا التحجيل من أثر الوضوء.
فقه الحديث
يؤخذ من هذه الأحاديث
١- استحباب تطويل الغرة والتحجيل، أما تطويل الغرة - عند الشافعية والحنفية- فهو غسل شىء من
مقدم الرأس، وما يجاور الوجه، زائدة على الجزء الذى يجب غسله لاستيقان كمال الوجه، زاد
بعضهم غسل صفحة العنق.
أما تطويل التحجيل فهو غسل ما فوق المرفقين والكعبين، وهذا مستحب بلا خلاف بين
الشافعية، واختلفوا فى القدر المستحب على أوجه.
أحدها: أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير تحديد. والثانى يستحب إلى نصف
العضد والساق. والثالث: يستحب إلى المنكبين والركبتين قال النووى: وأحاديث الباب تقتضى
هذا كله. اهـ وقال القشيرى: ليس فى الحديث تقييد ولا تحديد لمقدار ما يغسل من العضدين
والساقين، وقد استعمل أبو هريرة الحديث على إطلاقه وظاهره، من طلب إطالة الغرة، فغسل إلى
قريب المنكبين، ولم ينقل ذلك عن النبى ، ولا كثر استعماله فى الصحابة والتابعين، فلذلك لم
يقل به الفقهاء، ورأيت بعض الناس قد ذكر أن حد ذلك نصف العضد والساق. اهـ قال العينى:
هذا قول - لم يقل به الفقهاء - مردود؛ اهـ أقول: قال بذلك القاضى حسين من الشافعية وآخرون،
وقال البغوى: نصف العضو فما فوقه ونصف الساق فما فوقه.
وقال القاضى عياض وابن بطال وبعض المالكية: لا يتعدى بالوضوء محل الفرض، وقالوا عن هذه
الأحاديث: إنه مذهب لأبى هريرة، فهمه من قوله صلى الله عليه وسلم ((أنتم الغر المحجلون))
ومن حديث ((تبلغ الحلية حيث يبلغ الوضوء، ولم يتابعه أحد عليه؛ والناس مجمعون على خلافه،
وقالوا: إن الوجه لا سبيل إلى الزيادة فى غسله، إذ استيعاب الوجه بالغسل واجب، فتفسير الغرة
١٥٠
بالزيادة على محل الفرض خطأ، وفسروا إطالة الغرة والتحجيل بالمواظبة على الوضوء لكل صلاة،
فتطول الغرة بتقوية نور الأعضاء، واستدلوا بما أخرجه أبوداود وأحمد والنسائى من أن أعرابياً
أتى النبي : ﴿، فقال: يا رسول اللَّه كيف الطهور؟ فدعا بماء فى إناء، فغسل كفيه ثلاثا، ثم غسل
وجهه ثلاثا، ثم غسل ذراعيه ثلاثا، ثم مسح برأسه، فأدخل أصبعيه السباحتين فى أذنيه، ومسح
بإبهاميه على ظاهر أذنيه وبالسباحتين باطن أذنيه، ثم غسل رجليه ثلاثا ثلاثا، ثم قال: ((هكذا
الوضوء، فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم) فحملوا الزيادة الممنوعة على الزيادة عن
محل الفرض فى أعضاء الوضوء.
وجميع ما تمسك به هؤلاء مردود.
أما قولهم: عن الأحاديث إنها مذهب لأبى هريرة فقد رده النووى فى المجموع بأن أبا هريرة لم
يفعله من تلقاء نفسه، بل أخبر أنه رأى النبى * يفعل ذلك - كما هو ثابت فى الرواية الأولى، إذ
فيها بعد أن غسل رجله اليسرى حتى أشرع فى الساق قال ((هكذا رأيت رسول اللّه ﴿ يتوضأ)».
وأما قولهم: لم يتابعه عليه أحد فهو مردود بما قدمنا من أنه مذهب الشافعية والحنفية حتى قال
النووى فى شرح مسلم: وهو مذهبنا، لا خلاف فيه عندنا، ولو خالف فيه مخالف كان محجوجا
بهذه السنن الصحيحة الصريحة. اهـ
فقولهم (والناس مجمعون على خلافه)» ظاهر البطلان، وفى مصنف ابن أبى شيبة عن نافع عن
ابن عمر رضى الله عنهما («أنه كان ربما بلغ بالوضوء إبطه فى الصيف».
أما قولهم: إن الوجه لا سبيل إلى الزيادة فى غسله عن حد الواجب ففاسد، لإمكان الإطالة فى
الوجه بأن يغسل إلى صفحة العنق مثلا.
وأما تفسيرهم الحث على إطالة الغرة والتحجيل بالمواظبة على الوضوء فباطل؛ لأن روايات
مسلم صريحة فى الاستحباب، فلا تعارض بالاحتمال، ثم إن الراوى أدرى بما روى.
وأما استدلالهم بقوله صلى الله عليه وسلم: ((فمن زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم))، فهو
فاسد، لأن المراد بالزيادة الزيادة فى عدد المرات أو النقص عن الواجب، كمن يتنطع ويتشكك
ويكثر من عدد المرات معتقداً أنها السنة، أو يغسل عضواً ليس من أعضاء الوضوء معتقداً
شرعيته، أو بنقص عضواً من أعضاء الوضوء أو بعض عضو.
أما حمله على الزيادة فى غسل عضو من أعضاء الوضوء فمستبعد خصوصاً والحديث لم يبين
حدود الوجه واليدين والرجلين حتى يقال: إنه يقصد الزيادة على هذه الحدود، على أن الحديث
نفسه فى صحته مقال. والله أعلم.
٢- كما يؤخذ من الأحاديث الصحيحة استحباب المحافظة على الوضوء وسنته المشروعة
فيه وإسباغه.
١٥١
٣- وفيه فضل الوضوء لأن الفضل الحاصل بالغرة والتحجيل من آثار الزيادة على الواجب، فكيف
الظن بالواجب.
٤- وفيها ما أعده الله من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة.
٥- وفيها دلالة قطعية على أن واجب الرجلين فى الوضوء الغسل وليس المسح.
٦- استدل به جماعة من العلماء على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة، وقال الآخرون: ليس الوضوء
مختصاً بهذه الأمة، وإنما الذى اختصت به الغرة والتحجيل وادعوا أنه المشهور من قول العلماء،
واحتجوا بقوله صلى الله عليه وسلم ((هذا وضوئى ووضوء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قبلى))
وأجاب الأولون عن هذا الحديث بوجهين أحدهما أنه ضعيف والآخر أنه لوصح لاحتمل
اختصاص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذه الخصوصية، وامتازت الأمة بالغرة والتحجيل،
ولكن ورد فى حديث جريج فى الصحيح ((أنه قام فتوضأ وصلى ثم كلم الغلام)) وثبت أيضاً عند
البخارى فى قصة سارة عليها السلام مع الملك الذى أعطاها هاجر أن سارة لماهم الملك بالدنو
منها قامت تتوضأ وتصلى، فهذا دليل على أن الوضوء كان مشروعا قبل الإسلام، وعلى هذا فيكون
خاصة هذه الأمة الغرة والتحجيل الناشئين عن الوضوء. ذكره النووى وابن حجر والعينى.
٧- يؤخذ من قول أبى هريرة ((لو علمت أنكم ههنا ما توضأت هذا الوضوء)) أنه ينبغى لمن يقتدى به
إذا ترخص فى شىء لضرورة، أو شدد فى شىء أن لا يفعله بحضرة العوام، خوف أن يترخص فيه
لغير ضرورة، أو يعتقد أن ما شدد فيه واجب. ذكره الأبی.
٨- جواز قول المؤمن: خليلى رسول اللّه﴿، ولا يعارض هذا قوله صلى اللّه عليه وسلم ((لوكنت
متخذاً خليلا لاتخذت أبا بكر خليلا)) لأن الممتنع أن يتخذ النبى * أحداً خليلا، لا أن يتخذه
أحد خليلا.
٩- إثبات حوضه صلى اللّه عليه وسلم، وفى وقت وروده ومكانه خلاف بين العلماء، فقال بعضهم:
الورود على الحوض يكون بعد نصب الصراط والمرور عليه، مستندين إلى ما أخرجه أحمد
والترمذى عن أنس قال: «سألت رسول اللّه ** أن يشفع لى فقال أنا فاعل، فقلت: أين أطلبك؟
قال: اطلبنى أول ما تطلبنى على الصراط قلت: فإن لم ألقك؟ قال: أنا عند الميزان. قلت فإن لم
ألقك؟ قال: أنا عند الحوض)).
وقد استشكل كون الحوض بعد الصراط مما جاء فى أحاديثنا من أن جماعة يدفعون عن
الحوض، بعد أن يكادوا يردون، ويذهب بهم إلى النار، ووجه الإشكال أن الذى يمر على الصراط
إلى أن يصل إلى الحوض يكون قد نجا من النار، فكيف يرد إليها؟ ويمكن أن يجاب بأنهم
يقربون من الحوض، بحيث يرونه ويرون النار، ويراهم صلى الله عليه وسلم فيناديهم فيدفعون إلى
النار.
وقال بعض العلماء: إن الحوض قبل الصراط، فإن الناس يردون الموقف عطاشى فيرد المؤمنون
١٥٢
الحوض، ويتساقط الكفار فى النار بعد أن يقولوا: ربنا عطشنا، فترفع لهم جنهم كأنها سراب،
فقال: ألا تردون؟ فيظنونها ماء فيتساقطون فيها.
وقد استشكل كون الحوض قبل الصراط بما جاء فى رواية البخارى ((وكيزانه كنجوم السماء، من
شرب منها فلا يظمأ أبداً)) ووجه الإشكال أن ظاهر اللفظ يدل على أن الشرب منه يقع بعد
الحساب والنجاة من النار، لأن ظاهر حال من لا يظمأ أن لايعذب بالنار، ومن الثابت أن بعض
المؤمنين يتساقطون فى النار عند مرورهم على الصراط، ومن سقط فى النار أصابه الظمأ، وأجاب
القاضى عياض بأنه يحتمل أن من قدر عليه التعذيب منهم أن لا يعذب فيهم بالظمأ، بل بغيره.
ورد الحافظ ابن حجر هذا الاحتمال بما وقع فى بعض الروايات من قوله صلى الله عليه وسلم،
ومن لم يشرب منه لم يرو أبداً)) واختار أن للنبى 48 حوضين، أحدهما فى الموقف قبل الصراط،
والآخر داخل الجنة.
والراجح عندى أنه حوض واحد، لأنه لم يثبت ذكر حوضين فى الأحاديث الصحيحة، وأمور
الآخرة تثبت بالروايات لا بالاحتمال، وكونه بعد الصراط ظاهر الأحاديث. والإشكال عليه سهل
الجواب واللَّه تعالى أعلم.
وقد اشتهر اختصاص نبينا # بالحوض، لكن أخرج الترمذى من حديث سمرة رفعه ((إن لكل
نبى حوضا)) وأخرجه ابن أبى الدنيا بسند صحيح، عن الحسن قال: قال رسول اللّه مَ ﴾ ((إن لكل
نبى حوضا، وهو قائم على حوضه، بيده عصا، يدعو من عرف من أمته إلا أنهم يتباهون أيهم أكثر
تبعا، وإنى لأرجو أن أكون أكثرهم تبعاً » وأخرجه الطبرانى موصولا مرفوعاً.
قال الحافظ ابن حجر: فإن ثبت أن لكل نبى حوضاً فالمختص بنبينا الكوثر - أى
النهر - الذى يصب من مائه فى حوضه ، فإنه لم ينقل نظيره لغيره، ووقع الامتنان
عليه به فى السورة المذكورة.
وقال القرطبى فى المفهم تبعا للقاضى عياض: مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به أن
الله سبحانه وتعالى قد خص نبيه محمداً ®﴿ بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه فى
الأحاديث الصحيحة الشهيرة التى يحصل بمجموعها العلم القطعى، إذ روى ذلك عن النبى 8 *
من الصحابة نيف على الثلاثين، منهم فى الصحيحين ما ينيف على العشرين، وفى غيرهما بقية
ذلك مما صح نقله واشتهرت رواته، ثم رواته عن الصحابة المذكورين من التابعين أمثالهم، ومن
بعدهم أضعاف أضعافهم، وهلم جرا، وأجمع على إثباته السلف، وأهل السنة من الخلف، وأنكرت
ذلك طائفة من المبتدعة، وأحالوه على ظاهره، وغلوا فى تأويله، من غير استحالة عقلية ولا عادية
تلزم من حمله على ظاهره وحقيقته، ولا حاجة تدعو إلى تأويله، فخرق من حرفه إجماع السلف،
وفارق مذهب أئمة الخلف. اهـ والمنكرون له المعتزلة وبعض الخوارج.
١٠- وفى الأحاديث أن بعض أتباعه صلى الله عليه وسلم يحال بينهم وبين الحوض، وفى المقصود
١٥٣
بهم أقوال: قيل: هم المرتدون بعده صلى الله عليه وسلم ممن أسلموا فى زمنه فيناديهم صلى اللَّه
عليه وسلم وإن لم يكن عليهم سيما الوضوء، لما كان يعرفه صلى الله عليه وسلم فى حياته من
إسلامهم، فيقال له: إنهم ارتدوا بعدك فيقول: سحقا سحقا. وهذا القول جدير بالقبول لولا أن
الكلام مرتبط بالغرة والتحجيل، فصار بعيداً.
وقيل: هم المنافقون، يحشرون بالغرة والتحجيل كالمؤمنين، يحشرون بالنور، لدخولهم فى غمار
المؤمنين لتسترهم بالإيمان فى الدنيا، ثم يطفأ نورهم عند الحاجة إليه عند المرور على الصراط،
فيعرفهم صلى الله عليه وسلم بالغرة والتحجيل، ويظنهم مؤمنين حقاً فيناديهم حين يرى
تخبطهم، فيقال له: ليس ممن وعدت بهم، إن هؤلاء بدلوا بعدك، أى لم يموتوا على ما طهر من
إسلامهم، وهذا القول بعيد، وفى تطبيق الروايات عليهم تمحل.
وقيل: المراد بهم أصحاب المعاصى الكبائر الذين ماتوا على التوحيد، وأصحاب البدع
الذين لم يخرجوا ببدعتهم عن الإسلام، ولا يمتنع أن يكون لهم غرة وتحجيل، سواء كانوا
فى زمنه صلى اللّه عليه وسلم أو بعده، فمعرفته لهم بالسيما. وهؤلاء المبعدون عن
الحوض لا يقطع لهم بالنار، بل يجوز أن يبعدوا عن الحوض عقوبة لهم، ثم يرحمهم الله
سبحانه وتعالى، فيدخلهم الجنة بغير عذاب.
وهذا أقرب الأقوال، وأحراها بالقبول.
قال ابن عبد البر: كل من أحدث فى الدين فهو من المطرودين عن الحوض كالخوارج والروافض
وأصحاب الأهواء. وقال: كذلك الظلمة المسرفون فى الجور وطمس الحق والمعلنون بالكبائر،
قال: وكل هؤلاء يخاف عليهم أن يكونوا ممن عنوا بهذا الخبر. والله أعلم.
١١ - ويؤخذ منها أن الرسول و# لا يدرى ما أحدث المسلمون بعده، وفى هذا تعارض مع ما روى من
أن أعمال أمته تعرض عليه يوم الخميس ويوم الاثنين، فما وجد منها من خير حمد الله عليه، وما
وجد منها غير ذلك استغفر الله له، ويمكن أن يرفع هذا التعارض بأنها تعرض عليه عرضا مجملا،
فيقال: عملت أمتك خيراً، أو عملت أمتك شراً دون تعيين لفاعلى الخير والشر.
١٢- ويؤخذ منها أن الرسول # يذود غير المسلمين ويبعدهم عن حوضه، ولا يقال: كيف يطرد الناس
عن حوضه وهو الكريم؟ فإن الذود المذكور قصد منه إرشاد كل أحد إلى حوض نبيه على ما تقدم
من أن لكل نبى حوضا، وأنهم يتباهون بكثرة من يتبعهم فيكون ذلك من جملة إنصافه؛ ورعاية
إخوانه النبيين عليهم السلام، لا أنه يطردهم بخلا عليهم بالماء، ويحتمل أن يطرد من لا يستحق
الشرب من الحوض والعلم عند الله تعالى. ذكره الحافظ فى الفتح.
١٣- ويؤخذ من الرواية السادسة زيارة القبور، ولا خلاف فيها للرجال، والنهى عنه منسوخ، واختلف
فيها للنساء، والظاهر أنه صلى الله عليه وسلم أتاها للزيارة، لا لدفن أو غيره.
١٥٤
١٤ - السلام على أهل المقابر، وهل المقصود به تحية الموتى وأنهم يسمعون؟ أو المقصود به الدعاء
لهم؟ قولان، الراجح الثانى.
١٥ - وتمنى لقاء الفضلاء، ووجهه القاضى عياض بأنه صلى الله عليه وسلم تمنى لهم (أى الذين لم
يأتوا بعد) أن يلقوه لينتفعوا برؤيته، وهذا التوجيه كان يصح لو أن العبارة: وددت لو أن إخواننا
رأونا، أما وأنها ((وددت أنا قد رأينا إخواننا)) فإن معناها أنه صلى الله عليه وسلم تمنى أن لو
رآهم هو وأصحابه لينتفعوا برؤيته. وهل تمنى صلى الله عليه وسلم لقاءهم فى الحياة؟ أو بعد
الممات؟ قولان. اعترض على الأول بأنه كيف يصح أن يتمنى ذلك، وهم معدومون والمعدوم لايرى،
وأيضًا كيف تمنى ما لا يكون؟ لأن عمره لا يمتد إلى أن يرى من هم فى آخر الزمان؟.
ويمكن أن يقال: إن التمنى لا يشترط فيه إمكان وقوع المتمنى عرفا. والله أعلم.
١٦- يؤخذ من قوله ((وأنا فرطهم على الحوض)) بشارة هذه الأمة وتشريفها. فهنيئاً لمن كان رسول الله
* فرطه ليستقبله ويهيئ له المقام والنعيم.
١٧- يؤخذ من قوله فى الرواية الخامسة ((والذى نفسى بيده)) جواز الحلف من غير استحلاف ولا
ضرورة. قاله النووى.
١٨ - وفى الأحاديث المذكورة ما أطلع الله نبيه * عليه من المغيبات المستقبلة.
واللَّه أعلم
١٥٥
(١١٨) باب فضل إحسان الوضوء
وكثرة الخطا إلى المساجد
٤٤٣- ٤٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٤٠) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ «أَلا أَذُلُّكُمْ عَلَى مَا يَمْحُو اللَّهُ بِهِ
الْخَطَايَا وَيَرْفَعُ بِهِ الدَّرَجَاتِ؟» قَالُوا: بَلَى. يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ «إِسْبَاغُ الْوُضُوءِ عَلَى
الْمَكَارِهِ. وَكَثْرَةُ الْخُطَا إِلَى الْمَسَاجِدِ. وَانْتِظَارُ الصَّلاةِ بَعْدَ الصَّلاةِ. فَذَلِكُمُ الرَّبَاطُ ».
٤٤٤ - -ْ وَعَنِ الْعَلاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ( ** ) بِهَذَا الإِسْنَادٍ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ شُعْبَةَ ذِكْرُ
«الرِّبَاطِ» وَفِي حَدِيثِ مَالِكِ ثِنْتَيْنِ «فَذَلِكُمُ الرَّبَاطُ فَذَلِّكُمُ الرَّبَاطُ».
المعنى العام
حقا حفت الجنة بالمكاره، والنار بالشهوات وكلما شقت العبادة، وتحملت النفس فى سبيلها
الصعاب كلما عظم الأجر. من هنا يجمع رسول اللَّه * ثلاثاً من الطاعات، فى كل منها مشقة وجهاد،
إسباغ الوضوء بالماء البارد فى الشتاء، وكثرة المشى إلى المسجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة. بهذه
الثلاث يمحو الله الخطايا ويرفع الدرجات، وإذا كان هذا الأجر العظيم عن وسائل العبادات، فما
بالنا بالأجر عن الغايات؟ لاريب أنه فضل كبير.
المباحث العربية
( ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات ) محو الخطايا كناية عن
غفرانها، ويحتمل محوها من كتاب الحفظة، ورفع الدرجات إعلاء المنازل فى الجنة، والاستفهام
مقصود به التنبيه، واستجماع الهمم، وإثارة المشاعر.
( فذلكم الرباط ) الرباط فى الأصل الحبس على الشىء، وفى هذه الأمور الثلاثة حبس النفس
على مشقة الطاعة، والقصر بتعريف الطرفين ادعائى، كأنها أفضل الرباط، وقد تكررت هذه الجملة فى
بعض الروايات مرتين وفى بعضها ثلاثا للاهتمام.
(٤٠) حَدَّثْنَا يَحْتِى بْنُ أَيُوبَ وَقُتِبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنٍ جَعْفَرٍ قَالَ ابْنُ أَيُوبٌ حَدَّثْنَا إِسْمَعِيلُ أَخْبُرَبِي الْعَلَاءُ عَنْ أَبِيهِ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٠) حَدَّثَنِي إِسْحَقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ حَدَثَّا مَعْنٌ حَدَّا مَالِكٌ ح و حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّقْنَا
شُعْبَةُ جْمِيَعًا وعَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
١٥٦
فقه الحديث
ما يؤخذ من الحديث
١- الحث على إسباغ الوضوء على المكاره، وتكون ببرودة الماء فى الشتاء، أو حرارته فى الصيف أو
ألم الجسم، أو نحو ذلك.
٢- الترغيب فى كثرة الخطا إلى المساجد، وتكون ببعد المسجد، أو تكرار الذهاب إليه، أوهما معاً.
٣- وانتظار الصلاة بعد الصلاة فى المسجد، فإن المؤمن يعتبر فى صلاة ما دامت الصلاة تحبسه، فقد
روى البخارى: ((أما إنكم فى صلاة ما انتظرتموها)).
١٥٧
(١١٩) باب السواك
٤٤٥- ٤١ٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(٤١) عَنِ النَّبِيِّ ◌َهِ قَالَ « لَوْلا أَنْ أَشْقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (وَفِي
حَدِيثِ زُهَيْرٍ عَلَى أُمَّتِي) لِأَمَرُّتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلاةٍ ».
٤٤٦- ٤٢ٍ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ(٤٢)، عَنْ أَبِهِ، قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ. قُلْتُ: بِأَيِّ شَيْءٍ كَان
يَبْدَأُ النّبِيُّ : ﴿ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ؟ قَالَتْ: بِالسِّوَاكِ.
٤٤٧- ٤٣ْ عَنْ عَائِشَةَ رضى الله عَنْهَا (٤٣)؛ أَنَّ النّبِيِّ وَ كَانَ إِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسِّوَاكِ.
٤٤٨- ٤٤ عَنْ أَبِي مُوسَى ◌َُّ(٤٤) قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ :﴿ وَطَرَفُ السِّوَاكِ عَلَى لِسَانِهِ.
٤٤٩- ٤٥ عَنْ حُذَيْفَةَ مَ﴾(٤٥) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ّ إِذَا قَامَ لِيَتَهَجَّدَ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.
٤٥٠- ١٠ عَنْ حُذَيْفَةَ وَ﴾(١١) قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ،وَ ﴿ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ بِمِثْلِهِ وَلَمْ يَقُولُوا «لِيَتَهَجَّدَ».
٤٥١ - ٤٢٦ْ عَنْ حُذَيْفَةَ عَ﴾ (٤٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ِ كَالَ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ.
٤٥٢ - ٤٣ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(٤٧) أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ النّبِيِّ ◌َ﴿ ذَاتَ لَيْلَةٍ.
فَقَامَ نَبِيُّ اللّهِ ﴿ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ. فَخَرَجَ فَنَظَرَ فِي السَّمَاءِ. ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ فِي آلِ
عِمْرَانَ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، حَنِى بَلَغَ
﴿فَقَِّا عَذَابَ النّارِ﴾ [آلِ عِمْرَال: ١٩٠، ١٩١] ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْتِيْتِ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ.
ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى. ثُمَّ اضْطَجَعَ، ثُمَّ قَامَ فَخَرَجَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَتَلَا هَذِهِ الآيَةَ، ثُمَّ
رَجَعَ فَتَسَوَّكَ فَتَوَضَّأَ. ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى.
(٤١) حَدَّثْنَا قُتَنْيَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزَّنَادِ عَنِ الأَغْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٤٢) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ حَدَّثَنَا ابْنُ بِشْرِ عَنْ مِسْعَرٍ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ
(٤٣) وحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّخْمَنِ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الْمِقْدَامِ بْنِ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ عَائِشَةً
(٤٤) حَدَّثْنَا يُحْيِى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ حَدَّثَّا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ غَيْلالْ وَهُوَّ ابْنُ جَرِيْرِ الْمَعْوَلِيُّ عَنْ أَبِي بُرْدَةً عَنْ أَبِي مُوسَى
(٤٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٍ حَدْفَنَا هُشَيْمٌ عَنْ حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ حُذَيْفَةٌ
(١٠) حَدَّثَنَا إِسْحَقُّ بْنُ إِنْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ حَ وحَدَّثَنَا ابْنٌ نُمَّيْرٍ حَدَّقْنَا أَبِي وَأَبُو مُعَاوِيّةً عَنِ الأَعْمَشِ كِلاهُمَا عَنْ أَبِي
وَائِل عَنَّ حُذَيْفَةً
(٤٦) حَدًِّا مُحَمَّدُ بْنُّ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَارٍ قَالا حَدََّنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ حَدَّقَنَا سُفْيَاهُ عَنْ مَنْصُورٍ وَحُصَيْنٌّ وَالأَعْمَشُ عَنْ
أَبِي وَائِلِ عَنْ حُدَيْفَةً
(٤٧) ◌َحَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ حَدَّثَنَا أَبُو لُعَيْمٍ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدََّا أَبُو الْمُتَوَكّلِ أَنَّ ابْنٍ عَبَّاسٍ حَدَّه
١٥٨
المعنى العام
لا شك أن الإسلام دين النظافة، ودين المحافظة على الصحة، ودين الألفة والمحبة بين أعضاء
المجتمع، أهداف جليلة تتحقق من عمل سهل يسير، يشرعه الحكيم الخبير. تلك الأهداف العملاقة
يغرسها عود الأراك المسمى بالسواك، مطهرة للفم من فضلات الطعام والروائح الكريهة التى تنشأ من
بعض الأطعمة، أو من أبخرة المعدة، أو من خلل فى اللثة وقواعد الأسنان. منظف للأسنان واللسان
من الألوان الغريبة، والصفرة الطارئة، ثم هو بعد ذلك يحفظ الفم من كثير من الأمراض، والأضراس
من الحفر والسوس، واللثة من الضعف والتشقق والارتخاء، ويحفظ المعدة من عفونات الطعام التى
كانت قد تتراكم بين الأسنان، وبالرائحة الطيبة، والصحة البارزة، والنظافة الظاهرة تتم المودة
والألفة بين الناس، تلك بعض فوائد السواك، بل هى الفوائد الدنيوية التى لا تقاس بالفوائد الأخروية،
لقد جعلته الشريعة مرضاة للرب جل شأنه، وطلبته فى كل حين، وعلى أى حال، وشددت طلبه فى
مواطن الإقبال على العبادة، ومواطن الإقبال على الأهل، ولولا الرفق بالمؤمنين لكان فرضاً عليهم عند
كل وضوء، وعند كل صلاة، وعند كل دخول للبيت، وعند كل قيام من نوم.
ولقد كان الرسول و المثل الأعلى، والقدوة الكاملة، محافظاً عليه فى كل هذه المواطن أمام
أصحابه فى وضح النهار، وبين أهله فى جوف الليل، ويحدثنا ابن عباس أنه بات ليلة عند خالته
ميمونة أم المؤمنين، ليلة كان رسول اللّه * يبيتها عندها، وتحراها وهو صبى ليرقب أعمال رسول
اللَّه ◌ِالثّ ليقتدى به، وليبلغ من وراءه ليقتدوا، فرأى النبى (33 يقوم من آخر الليل، فيخرج من حجرته،
وينظر فى النجوم، ويتأمل الكون، ويتلو من كتاب الله من سورة آل عمران ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ
وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِهِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ثم يرَجَعُ
إلى البيت فيتسوكَ ويتوضأ ويقوم يصلى متهجداً، ثم يضطجع قليلا، ثم يقوم فيخرج متهجداً. وهكذا
كان السواك شريعته كلما قام من النوم وكلما أقبل على الوضوء. فصلى اللّه عليه وسلم، وجعلنا من
أتباعه العاملين.
المباحث العربية
( لولا أن أشق على المؤمنين ) ((لولا)) كلمة تدل على انتفاء الشىء لوجود غيره، والمصدر
المنسبك من ((أن)) والفعل مرفوع على الابتداء، وفيه مضاف محذوف، والخبر محذوف وجوباً،
وجواب ((لولا)) لأمرتهم، والتقدير: لولا خوف المشقة على المؤمنين موجود لأمرتهم بالسواك، فانتفى
الأمر بالسواك لوجود خوف المشقة.
(أو أمتى) شك من الراوى فى أى اللفظين صدر عن الرسول و 94.
١٥٩
( لأمرتهم بالسواك ) قال أهل اللغة: السواك بكسر السين يطلق على الفعل، وعلى العود الذى
يتسوك به، يقال: ساك فمه يسوكه سوكا، فإذا قلت: استاك لم يذكر الفم، وجمع السواك سوك
بضمتين مثل كتاب وكتب، وذكر صاحب المحكم أنه يجوز أيضاً سؤك بالهمز، ثم قيل: إن السواك
مأخوذ من ساك إذا دلك. وهو فى الاصطلاح: استعمال عود أو نحوه فى الأسنان لتذهب عنها
الصفرة والتغيير.
والمعنى هنا: لأمرتهم بالتسوك، أو لأمرتهم باستعمال السواك، والأول أقرب.
( عند كل صلاة ) أى عند إرادة الصلاة، فرضاً أو نفلا.
( إذا قام ليتهجد ) التهجد الصلاة فى أول الليل، ويقال: هجد الرجل إذا نام، وتهجد إذا خرج
من الهجود (وهو النوم) بالصلاة، كما يقال: تحنث وتأثم وتحرج، إذا اجتنب الحنث والإثم والحرج،
ذكره النووى فى شرح مسلم، لكن المذكور فى القاموس: الهجود النوم كالمتهجد، وبالفتح المصلى
بالليل، وتهجد استيقظ كهجد، ضد، وهجده تهجيداً أيقظه ونومه. ضد. اهـ
(يشوص فاه بالسواك ) («يشوص)) بفتح الياء وضم الشين، مضارع ((شاص)) والشوص دلك
الأسنان بالسواك عرضاً. قاله ابن الأعرابى، وقال الهروى: هو الغسل، وقال أبو عبيد: هو التنقية، وقال
ابن عبد البر: هو الحك قاله النووى: وأكثرها متقاربة، وأظهرها الأول.
فقه الحديث
فى السواك وردت أحاديث كثيرة منها:
١- عن أبى خيرة الصباحى قال: كنت فى الوفد، فزودنا رسول اللَّه ◌َ بالأراك وقال: ((استاكوا بهذا»
رواه البخارى فى تاريخه.
٢- وروى الطبرانى فى الأوسط عن معاذ بن جبل قال: سمعت النبى وُ* يقول: ((نعم السواك الزيتون،
من شجرة مباركة، يطيب الفم، ويذهب بالحفر وهو سواكى، وسواك الأنبياء من قبلى)) (الحفر
داء يفسد أصول الأسنان).
٣- وروى البخارى عن أبى هريرة مرفوعا ((لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل وضوء)).
٤- وروى أحمد والنسائى والترمذى عن عائشة أن النبى و8 قال: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب».
٥- وعند أحمد عن عائشة قالت: ((كان النبى ◌ُ ** لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ إلا يتسوك قبل
أن يتوضأ)».
٦- وروى الحاكم والبيهقى ((لولا أن أشق على أمتى لفرضت عليهم السواك مع الوضوء)».
١٦٠