النص المفهرس

صفحات 101-120

وضوئه، أو تأكد من نظافتهما ونقاوتهما، ومن قال للتعبد استدل بطلب الغسل ثلاثاً، إذ لوكان
للنظافة لكفت واحدة أو طلب النقاوة دون تحديد بعدد، وعليه يستحب إعادة غسلهما لمن أحدث
أثناء وضوئه أو تأكد من نظافتهما، وهذا الأخير أولى وأحوط.
٢- أما الاغتراف من الماء القليل فعبارته فى الرواية الثانية ((ثم أدخل يمينه فى الإناء، فمضمض)»
وفى الرواية الأولى بعد باب ((ثم أدخل يده فاستخرجها فمضمض .. ثم أدخل يده فاستخرجها،
فغسل وجهه)) ... ثم أدخل يده فاستخرجها، فغسل يديه إلى المرفقين. إلخ)).
وفى رواية البخارى لحديث عبد الله بن زيد ((ثم أدخل يديه فاغترف بهما فغسل وجهه ثلاثاً))
وفى رواية أخرى للبخارى ((ثم أخذ غرفة، فجعل بها هكذا، أضافها إلى يده الأخرى، فغسل بهما
وجهه)) وفى سنن أبى داود فى وصف على الوضوء رسول الله﴿ ((ثم أدخل يديه فى الإناء جميعاً،
فأخذ بهما حفنة من ماء فضرب بها على وجهه)) قال النووى: فهذه أحاديث، فى بعضها ((يده))
وفى بعضها ((يده وضم إليها الأخرى)) فهى دالة على جواز الأمور الثلاثة، وأن الجميع سنة. ويجمع
بين الأحاديث بأنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك فى مرات، وهى ثلاثة أوجه لأصحابنا، ولكن
الصحيح منها والمشهور الذى قطع به الجمهور، ونص عليه الشافعى أن المستحب أخذ الماء
للوجه باليدين جميعاً، لكونه أسهل وأقرب إلى الإسباغ، والله أعلم.اهـ. ويمكن أن يقال فى الجمع
بين هذه الأوجه الثلاثة: إنه إذا كان فم الإناء واسعاً، أو كان الاعتراف من قناة أو بحر مثلا
فالمستحب أخذ الماء باليدين معا لا غير، وإن كان فم الإناء يسمح بضم اليد الأخرى لتقرب
وتساعد أختها فى جمع الماء فالمستحب ضمها لا غير، وإن كان لا يسمح إلا بيد واحدة استحب
بها وأن تكون اليمنى. والله أعلم.
ويجرنا هذا إلى البحث فى طهورية الماء المغترف منه، ومن المقرر عند جمهور العلماء والشافعى
وابن حنبل ومالك فى إحدى الروايتين وأبى حنيفة فى رواية عنه أن الماء المستعمل فى الغسل أو
الوضوء يخرج عن كونه أهلا للتطهير لما رواه مسلم وابن ماجه عن أبى هريرة أن النبى { # قال
((لا يغتسلن أحدكم فى الماء الدائم وهو جنب)) فقالوا: يا أبا هريرة كيف يفعل؟ قال:
يتناوله تناولا ».
وحكم الوضوء حكم الغسل.
وذهب الحسن البصرى والنخعى ومالك وأبو حنيفة فى إحدى الروايات عنهما وجميع أهل
الظاهر إلى أن الماء المستعمل باق على طهوريته.
وأصحاب الرأى الأول القائلون بزوال طهورية الماء المستعمل يقولون: إن الماء مادام متردداً
على العضو لا يصير مستعملا، فإذا انفصل زالت طهوريته.
ويقول النووى فى المجموع: إذا غمس المتوضئ يده فى إناء، فيه دون القلتين، فإن كان قبل غسل
الوجه لم يصر الماء مستعملا، سواء نوى رفع الحدث أم لا (لأن ترتيب وضوء اليد بعد الوجه) وإن
١٠١

كان بعد غسل الوجه فهذا وقت غسل اليد، وفيه خلاف، وإن قصد بوضع اليد فى الإناء أخذ الماء
لم يصر مستعملا. اهـ
٣- وأما الروايات فى المضمضة والاستنشاق والاستنثار، ففى الرواية الأولى ((ثم مضمض واستنثر))
وفى رواية «ثم أدخل يمينه فى الإناء، فمضمض واستنثرثم أدخل يده فاستخرجها، فمضمض
واستنشق من كف واحدة، فعل ذلك ثلاثاً وفى رواية ((فمضمض واستنشق واستنثر من ثلاث
غرفات)» وفى رواية ((فمضمض ثم استنثر)) وفى رواية، إذا توضأ أحدكم فليجعل فى أنفه ماء، ثم
لينتذر، وفى رواية ((إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخريه من الماء، ثم لينتثر)) وفى رواية ((من
توضأ فليستنثر)) وفى رواية ((إذا استيقظ أحدكم من منامه فليستنثر ثلاث مرات، فإن الشيطان
يبيت على خياشيمه».
قال النووى: كمال المضمضة أن يجعل الماء فى فمه، ثم يديره فيه، ثم يمجه، وأما أقلها أن يجعل
الماء فى فمه، ولا يشترط إدارته على المشهور الذي قاله الجمهور، وأما الاستنشاق فهو إيصال
الماء إلى داخل الأنف، وجذبه بالنفس إلى أقصاه، ويستحب المبالغة فى المضمضة والاستنشاق
إلا أن يكون صائماً، قال أصحابنا: وعلى أى صفة وصل الماء إلى الفم والأنف حصلت المضمضة
والاستنشاق، وفى الأفضل خمسة أوجه:
الأول: يتمضمض ويستنشق بثلاث غرفات، يتمضمض من كل واحدة ثم يستنشق منها.
الثانى: يجمع بينهما بغرفة واحدة، يتمضمض منها ثلاثاً، ثم يستنشق منها ثلاثاً.
الثالث: يجمع أيضاً بغرفة، ولكن يتمضمض منها ثم يستنشق، ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق،
ثم يتمضمض منها، ثم يستنشق.
الرابع: يفصل بينهما بغرفتين، فيتمضمض من إحداهما ثلاثاً، ثم يستنشق من الأخرى ثلاثاً.
الخامس: يفصل بست غرفات، يتمضمض بثلاث غرفات، ثم يستنشق بثلاث غرفات.
والصحيح الوجه الأول، وبه جاءت الأحاديث الصحيحة فى البخارى ومسلم وغيرهما.
(ولا يخفى أن جميع الروايات تتفق مع هذا الوجه) ثم قالوا: واتفقوا على أن المضمضة على كل
قول مقدمة على الاستنشاق. وهل هو تقديم استحباب أم اشتراط؟ وجهان.
ثم قال: واختلفوا فى وجوب المضمضة والاستنشاق على أربعة مذاهب:
أحدها: مذهب مالك والشافعى وأصحابهما أنهما سنتان فى الوضوء والغسل، وهو رواية
عن عطاء وأحمد.
والمذهب الثانى: أنهما واجبتان فى الوضوء والغسل، لايصحان إلا بهما، وهو المشهور عن أحمد
ابن حنبل لورود الأمر بهما، وظاهر الأمر أنه للوجوب، ولم يحك أحد ممن وصف وضوءه صلى اللّه
عليه وسلم على الاستقصاء أنه ترك الاستنشاق بل ولا المضمضة.
١٠٢

والمذهب الثالث: أنهما واجبتان فى الغسل دون الوضوء، وهو مذهب أبى حنيفة وأصحابه.
والمذهب الرابع: أن الاستنشاق واجب فى الوضوء والغسل، والمضمضة سنة فيهما، وهو مذهب
داود الظاهرى ورواية عن أحمد. اهـ
ومن قال بأنهما سنة حمل الأمر على الندب، بدليل أن الاستنثار مأموربه وهو ليس بواجب
باتفاق، وأما مداومته صلى الله عليه وسلم فكثيراً ما تكون فى السنة، فلم يؤثر أنه صلى اللّه عليه
وسلم ترك التسمية، ومع ذلك هى سنة عند القائل بوجوب المضمضة.
وقال الأبى: المضمضة تحريك الماء فى الفم بالأصابع أو بقوة الفم زاد بعضهم: ((ثم يمجه))
فأدخل فى حقيقتها ((المج)) فعلى هذه الزيادة لوابتلعه لم يكن مؤدياً للسنة، إلا أن يقال: إنما
زاده من حيث العادة لا أن أداء السنة يتوقف عليه، وإذا كان بالأصبع استحب أن يكون باليمين،
لأن الشمال مست الأذى، وإذا كان فى الفم درهم أداره ليصل الماء محله. ثم قال: والاستنثار أن
يدفع الماء من أنفه بنفسه، مع وضع اليد على الأنف، وكرهه فى العتبية دون وضع يده لأنه يشبه
فعل الدابة ويخشى تناثر ما يخرج على الآخرين أو الأماكن النظيفة، وإذا استنثربيده
فالمستحب أن يكون باليسرى. ثم قال فى موضع آخر: قيل: الحكمة فى تقديم المضمضة
والاستنشاق اختبار طعم الماء بالذوق والرائحة، وأما اللون فمشاهد.اهـ
أما ما جاء فى الرواية ٢٢٣ فى تعليل الأمر بالاستنثار من أن الشيطان يبيت على الخياشيم فقد
قال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يكون المراد مبيته قريباً من المكان الذى يوسوس فيه، وهو
القلب، فيكون مبيته على الأنف ليتوصل منه إلى القلب إذا استيقظ، فمن استنثر منعه من
التوصل إلى ما يقصد من الوسوسة.اهـ
والأولى حمل الكلام على الاستعارة للتنفير من عدم الاستنثار. والله أعلم.
٤- وأما غسل الوجه فواجب فى الوضوء بالكتاب والسنن المتظاهرة والإجماع، والخلاف
بين العلماء فى حده الواجب غسله، فالجمهور على أنه ما بين منابت شعر الرأس إلى
الذقن، ومنتهى اللحيين طولا، ومن الأذن إلى الأذن عرضا، والاعتبار بالمنابت المعتادة،
لا بمن يصلح الشعر عن ناصيته، ولا بمن نزل الشعر إلى جبهته. ولا يدخل وتدا الأذن فى
الوجه، أما البياض الذى بين الأذن والعذار فهو من الوجه عند الشافعية، وهو محكى عن
أبى حنيفة ومحمد وأحمد وداود، وعن مالك أنه ليس من الوجه، وعن أبى يوسف يجب
على الأمرد غسله دون الملتحى، واللحية الكثيفة - أى التى تستر البشرة بحيث لا ترى
البشرة عند المواجهة - يجب غسل ظاهرها بلا خلاف، ولا يجب غسل باطنها، ولا
البشرة تحتها فى المذهب الصحيح المشهور، وهو مذهب الشافعى ومالك وأبى حنيفة
وأحمد، وذهب المزنى إلى وجوب غسل البشرة فى الوضوء قياسا على غسل الجنابة،
وعلى الشارب والحاجب، وأجاب الجمهور بأن غسل الجنابة أغلظ. ولهذا وجب غسل
١٠٣

كل البدن، ولم يجز مسح الخف بخلاف الوضوء، ولأن الوضوء يتكرر فيشق غسل البشرة
فيه مع الكثافة بخلاف الجذابة وأما الشارب والحاجب فكثافته نادرة، ولا يشق
إيصال الماء إليه بخلاف اللحية.
أما اللحية الخفيفة فإنه يجب غسل ظاهرها وباطنها والبشرة تحتها عند الشافعية ومالك وأحمد
وداود. وقال أبو حنيفة: لا يجب غسل ما تحتها، كداخل الفم، وكما سوينا بين الخفيف والكثيف
فى الجنابة، وأوجبنا غسل ما تحتهما، فكذا نسوى بينهما فى الوضوء فلا نوجبه.
هذا. وتخليل اللحية الكثيفة سنة، ولو أخذ للتخليل ماء آخر كان أحسن، وعند المالكبة أن
التخليل غير مشروع، واحتج مالك على عدم التخليل بعدم وروده فى هذه الأحاديث، لكن الشافعية
يستدلون بما رواه أبو داود عن أنس به أن رسول اللّه كان إذا توضأ أخذ كفا من ماء فأدخله
تحت حنكه، فخلل بها لحيته، وقال: ((هكذا أمرنى ربى)» ويحسن بنا فى هذا المقام أن نعرف
بالشعور التى فى الوجه حتى لا يلتبس واجب الغسل بغيره.
العذار: هو الشعر النابت على العظم الذاتئ بقرب الأذن، وهو الواقع بين بياض الأذن وبياض
الوجه، ويجب غسله مع الوجه، بل يجب غسل بشرنه، لأن كثافته نادرة ولأن المغسول يحيط
بجوانبه الثلاثة.
والعارضان: هما الشعر النابت تحت العذارين حتى طرفى الفكين، والصحيح أن لهما حكم
اللحية، فيفرق بين الخفيف والكثيف، وشذ من جعل حكمهما حكم العذارين، فأوجب غسل
بشرتهما.
واللحيان: بفتح اللام، واحدهما لحى، وهما الفكان الأيمن والأيسر اللذان عليهما منابت الأسنان
السفلى، واللحية الشعر النابت عليهما، وقد سبق حكم غسلها.
والذقن هى: اللحية أو هى مجمع اللحيين.
والشارب: هو الشعر النابت على الشفة العليا، وحكى عن الشافعى التعبير بالشاربين، فقيل: أراد
الشعر الذى على ظاهر الشفتين وقيل: أراد الشعر الذى على الشفة العليا، وجعل مايلى الشق
الأيمن شارياً وما يلى الأيسر شاريا، وبينهما مجرى الأنف، وهذا هو الصحيح، والواجب غسل
أصول شعره.
والعنفقة: وهى الشعر النابت على الشفة السفلى والواجب غسل أسفل شعرها وبشرتها.
وموضع التحذيف: وهو البياض الذى بين العذار والعين، سمى بذلك لأن الأشراف والنساء
يعتادون حف الشعر، وإزالته عنه ليتسع الوجه قال الغزالى فى الوسيط: هو القدر الذى إذا وضع
طرف الخيط على رأس الأذن والطرف الثانى على زاوية الجبين وقع فى جانب الوجه. اهـ. ويجب
غسل بشرته، واللَّه أعلم.
١٠٤

أما الدلك فى غسل الوجه واليدين والرجلين فى الوضوء، وفى جميع الجسم فى الغسل (وهو إمرار
اليد على العضو مع الماء أو بعده) ففيه خلاف:
ذهب مالك وأصحابه والمزنى من الشافعية إلى وجوبه فى الوضوء والغسل، مستدلين بقوله صلى
اللّه عليه وسلم لعائشة فى الغسل ((ادلكى جسدك بيدك)» والأمر للوجوب، ولا فرق على المذهب
بين الوضوء والغسل، وبأنه من مسمى الغسل، أو شرط فيه. قاله الحطاب والنفراوى. وقال مالك
فى المدونة فى الجنب يأتى للنهر فينغمس فيه انغماساً وهو ينوى الغسل من الجنابة، ثم يخرج.
قال: لا يجزئه وإن نوى الغسل، إلا أن يتدلك. قال: وكذا الوضوء أيضاً. قلت: أرأيت إن أمريديه
على بعض جسده ولم يمررهما على جميع الجسد؟ قال: لا يجزئه ذلك حتى يمرهما على جميع
جسده كله ويتدلك. اهـ
وذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه سنة، واستدلوا بالأحاديث الكثيرة الواردة فى صفة
الوضوء والغسل التى ليس فيها التصريح بالدلك.
والحق أن ما ذهب إليه الإمام مالك تضييق وتعسير، وإلزام بما هو متعذر، فإن بعض أماكن
الظهر مثلا لا يمكن لليدين الوصول إليها إلا بصعوبة، اللهم إلا أن يأمر باستعمال حبل ونحوه،
مما لم يؤثر أن عائشة (رضى الله عنها) قد أمرت به، نعم الدلك فيما يتيسر دلكه من الأعضاء
مطلوب احتياطيا.
٥- وفى غسل اليدين إلى المرفقين تقول الرواية الأولى ((ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ثلاث مرات،
ثم غسل يده اليسرى مثل ذلك» وتقول الرواية ٤٠١ ((ويديه إلى المرفقين ثلاث مرات» وتقول
الرواية ٤١٦ ((فغسل يديه إلى المرفقين مرتين مرتين» وتقول الرواية ٤١٩ «ويده اليمنى ثلاثًا،
والأخرى ثلاثًا ».
ولما كنا سنفرد لتثليث الغسل فى الوضوء فصلا خاصا، فإننا نقصر الكلام هنا على الترتيب بين
اليدين، وعلى غسل المرفقين نفسيهما، وعلى تخليل الأصابع، أما تقديم اليمنى على اليسرى فقد
نصت عليه بعض الروايات، وفيه يقول النووى: وأجمع العلماء على أن تقديم اليمين على اليسار
من اليدين والرجلين، فى الوضوء، سنة لوخالفها فاته الفضل، وصح وضوؤه، وقالت الشبعة: هو
واجب. ولا اعتداد بخلاف الشيعة: واعلم أن الابتداء باليسار - وإن كان مجزيا - فهو مكروه، نص
عليه الشافعى، وهو ظاهر. وقد ثبت فى سنن أبى داود والترمذى وغيرهما بأسانيد حميدة عن أبى
هريرة ، أن رسول اللَّه﴿ قال: ((إذا لبستم أو توضأتم فابدءوا بأيامنكم)) فهذا نص فى الأمر
بتقديم اليمين، ومخالفته مكروهة أو محرمة، وقد انعقد إجماع العلماء على أنها ليست محرمة،
فوجب أن تكون مكروهة، ثم اعلم أن من أعضاء الوضوء ما لا يستحب فيه التيامن، وهو الأذنان،
والكفان، والخدان، بل يطهران دفعة واحدة، فإن تعذر ذلك كما فى حق الأقطع ونحوه قدم اليمين.
والله أعلم. اهـ
١٠٥

وأما المرفقان فقد قال النووى: اتفق الجماهير على وجوب غسل المرفقين، وانفرد زفر وداود
الظاهرى بقولهما: لايجب. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: وقد اختلف العلماء هل يدخل المرفقان فى غسل اليدين أم لا؟ فقال
المعظم: نعم، وخالف زفر، وحكاه بعضهم عن مالك، واحتج بعضهم للجمهور بأن ((إلى)) فى الآية
﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَّكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦] بمعنى ((مع)) كقوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا
أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] وتعقب بأنه خلاف الظاهر، وأجيب بأن القرينة دلت عليه،
وهى كون ما بعد ((إلى)) من جنس ما قبلها.اهـ
وقال الزمخشرى: لفظ ((إلى)) يفيد معنى الغاية مطلقاً: فأما دخولها فى الحكم وخروجها فأمر
يدور مع الدليل، فقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧] دليل عدم الدخول النهى
عن الوصال، وقول القائل: حفظت القرآن من أوله إلى آخره، دليل الدخول كون الكلام مسوقا
لحفظ جميع القرآن، وقوله تعالى: ﴿ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ لا دليل فيه على أحد الأمرين، قال: فأخذ
العلماء بالاحتياط، ووقف زفر مع المتيقن.اهـ
قال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يستدل لدخولهما بفعله صلى اللّه عليه وسلم، ففى الدارقطنى
بإسناد حسن من حديث عثمان فى صفة الوضوء، ((فغسل يديه إلى المرفقين حتى مس أطراف
العضدين)»، وفيه عن جابر قال ((كان رسول الله ﴿ إذا توضأ أدار الماء على مرفقيه)) وفى البزار
والطبرانى من حديث وائل بن حجر فى صفة الوضوء ((وغسل ذراعيه حتى جاوز المرفق)» فهذه
أحاديث يقوى بعضها بعضا، وقد قال الشافعى فى الأم: لا أعلم مخالفا فى إيجاب دخول
المرفقين فى الوضوء، فزفر محجوج بالإجماع قبله على هذا، وكذا من قال بذلك من أهل الظاهر،
ولم يثبت ذلك عن مالك صريحا، وإنما حكى عنه أشهب كلاما محتملا. اهـ
وقال الأبى - وهو مالكى المذهب - ويغسل المرفق عند مالك والكافة لا لأنه من اليد، بل لأن
((إلى)) بمعنى ((مع)) وأيضاً فلأن حد الشىء إذا كان من جنسه دخل فى حكمه، وعند مالك لا
يجب، وأنكره عبد الوهاب. اهـ
وأما تخليل الأصابع: فإن فى الروايات الواردة به مقالا فلا تنهض دليلا على الوجوب، فهى
محمولة على الندب جمعا بينها وبين سائر الروايات الصحيحة الكثيرة التى لم يذكر فيها
التخليل، ولذا ذهب الجمهور إلى استحباب تخليل أصابع اليدين والرجلين، والأكمل فى تخليل
اليدين أن يضع بطن الكف اليمنى على اليسرى، ويدخل الأصابع بعضها فى بعض، وفى الرجلين
أن يكون بخنصر اليد اليسرى، بادئا بخنصر الرجل اليمنى خاتما بخنصر الرجل اليسرى، لما فيه
من السهولة والمحافظة على التيامن.
وما ذكرناه من ندب تخليل أصابع اليدين والرجلين إنما هو إذا كان الماء يصل إليهما من غير
تخليل، فلو كانت الأصابع ملتفة، لا يصل الماء إليها إلا بالتخليل فحينئذ يجب التخليل لا لذاته،
لكن لأداء فرض الغسل. ذكره ابن سيد الناس. والله أعلم.
١٠٦

٦- وأما مسح الرأس فعنه تقول الرواية الأولى ((ثم مسح رأسه)) وتقول الرواية ٤٠١ ((ثم مسح برأسه))
والرواية ٤١٦ ((ثم أدخل يده فاستخرجها، فمسح برأسه فأقبل بيديه وأدبر)). والرواية ٤١٧ ((فأقبل
بيديه وأدبر، بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم ردهما، حتى رجع إلى المكان الذى بدأ
منه)). والرواية ٤١٨ ((فمسح برأسه فأقبل به وأدبر مرة واحدة)). والرواية ٤١٩ «ومسح برأسه بماء
غير فضل يده».
وقد اختلف العلماء فى القدر الواجب مسحه من الرأس عند الوضوء، بعد أن أجمعوا على وجوب
المسح، فجاحد أصل المسح كافر، لأنه إنكار لقطعى، وجاحد المقدار لا يكفر لأن النص فى حق
المقدار ظنى.
قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ
وَأَمْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَّعْبَيْنِ ﴾ [المائدة: ٦].
وسراختلافهم فى المقدار هو الباء فى قوله تعالى («برءوسكم)) فمن رأى أنها للتبعيض اكتفى
بمسح بعض الرأس، وممن أثبت أن الباء تأتى للتبعيض: الأصمعى والفارسى وابن مالك، قيل.
والكوفيون، وجعلوا منه قوله تعالى ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بهَا عِبَادُ اللّهِ﴾ [الإنسان: ٦].
ومن جعل الباء للتعدية يجوز حذفها وإثباتها كقولك: مسحت رأس اليتيم، ومسحت برأسه، أو
جعلها زائدة أوجب مسح الرأس كله، مع استناد كل فريق إلى الأحاديث.
فالإمام مالك وأحمد وجماعة على وجوب استيعاب الرأس بالمسح، ويؤيدهم ظاهر الرواية الأولى
((ثم مسح رأسه)) ورواية ((فأقبل بيديه وأدبر)) ورواية ((بدأ بمقدم رأسه، ثم ذهب بهما إلى قفاه، ثم
ردهما، حتى رجع إلى المكان الذى بدأ منه)».
قال ابن القيم: إنه لم يصح عنه صلى الله عليه وسلم فى حديث واحد أنه اقتصر على مسح بعض
رأسه ألبتة. اهـ
وسئل مالك عن الرجل يمسح مقدم رأسه فى وضوئه، أيجزئه ذلك؟ فقال: حدثنى عمرو بن يحيى
عن أبيه عن عبد الله بن زيد قال مسح رسول اللّه® فی وضوئه من ناصيته إلى قفاه، ثم رد يديه
إلى ناصيته، فمسح رأسه كله.
كما استدل أصحاب هذا الرأى بأن الكل متفق على تعميم غير الرأس من أعضاء الوضوء، فلتعمم
الرأس أسوة ببقية الأعضاء.
والحنفية والشافعية على أن الواجب مسح بعض الرأس، لكن أراد الحنفية بالبعض ربع الرأس،
وأراد الشافعية بالبعض ما يطلق عليه الاسم، ولو شعرة واحدة.
ويستدل هذا الفريق بما رواه أبو داود من حديث أنس بلفظ)) إنه صلى الله عليه وسلم
أدخل يده من تحت العمامة، فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة)» وبما عند مسلم
وأبى داود والترمذى من حديث المغيرة بلفظ ((إنه صلى اللّه عليه وسلم توضأ، فمسح
١٠٧

بناصيته وعلى العمامة)) وبما رواه الشافعى من حديث عطاء ((أن رسول اللَّهِ﴾ * توضأ
فحسر العمامة عن رأسه، ومسح مقدم رأسه )».
قال الشافعى: احتمل قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ ﴾ جميع الرأس أو بعضه فدلت السنة
على أن بعضه يجزئ. اهـ
ويرد هذا الفريق دليل الفريق الأول بأن الفعل بمجرده لا يدل على الوجوب فإن رسول اللّه ◌ُ ﴾
كان يحافظ على الأفضل والأحاديث التى استدلوا بها إنما وردت فى كمال الوضوء، وليس فيما
لابد منه، ومسح الرأس كله مستحب باتفاق العلماء.
وأما استدلالهم بقياس الرأس على بقية أعضاء الوضوء فهو قياس مع الفارق؛ إذ كون المسح
مبنياً على التخفيف واضح بما لا شبهة فيه.
ويضعف الفريق الأول أن أصحاب مالك لم يتفقوا معه على هذا الحكم، فقد قال ابن مسلمة: إن
مسح ثلثيه أجزأه، وقال أبو الفرج: إن مسح ثلثه أجزأه، وقال أشهب: إن مسح الناصية أجزأه،
وعنه أيضاً: إن مسح أى شىء منه أجزأه.
بل يزيده ضعفاً أن ما نسب إلى الإمام مالك نفسه هو المشهور عنه؛ إذ عبارة الأبى المالكى، أن
المشهور لمالك ما ذكر من أن الفرض مسح جميعه. اهـ. ومعنى هذا: أن هناك رأياً آخر له غير
مشهور، وأن ما نسب إلى الإمام أحمد إنما هو إحدى الروايات عنه. والله أعلم.
وقد تعرضت الروايات في الباب بعد التالى إلى كيفية المسح، والسنة فى ذلك أن يمسح شعر
رأسه بيديه: يبدأ بمقدم رأسه، وينتهى بهما إلى قفاه، ثم يرد يديه إلى مقدم رأسه من المكان
الذى بدأ منه، وبهذا الإقبال والإدبار يستوعب جهتى الرأس بالمسح؛ لأنه يمسح فى الرجوع ما لم
يمسحه فى الذهاب وعلى هذا يختص ذلك بمن كان له شعر، وبمن كان شعره غير مضفور، أما
من لا شعر له على رأسه، أو كان شعره مضفوراً فلا يستحب له الرد، إذ لا فائدة فيه، ولو رد فى
هذه الحالة لم يحسب الرد مسحة ثانية، لأن الماء صار مستعملا بالنسبة إلى ما سوى تلك
المسحة. قاله النووى.
كما تعرضت الروايات إلى كون مسح الرأس بماء جديد غير فضل يديه، وقد نقل عن القاضى
عياض أن السنة تجديد الماء لمسح الرأس، وأجاز الحسن والأوزاعى وعروة مسحه ببل اليدين،
وعند بعض المالكية: إن كان بلحيته بلل وبعد عن الماء مسح به، ومعنى هذا أن الرواية وإن
أخبرت عن الإتيان بماء جديد فإنه لا يلزم من ذلك اشتراطه، ولكن جاء فى المدونة: إن مسح
الرأس ببل اللحية لم يجزه، وخرج اللخمى القولين على طهورية الماء المستعمل، فمن رأى
طهوريته أجاز مسح الرأس ببقية ماء غسل اليدين، ومن رأى أنه غير طهور لم يجز مسح الرأس
بفضل اليدين، والخلاف فى طهورية الماء المستعمل وعدم طهوريته مشهور، فأحمد والليثى
والأوزاعى والشافعى، ومالك فى إحدى الروايتين عنه، وأبو حنيفة فى رواية عنه ذهبوا إلى أن
١٠٨

الماء المستعمل غير مطهر، وتوضيح هذه المسألة وأدلة كل فريق سيأتى فى باب النهى عن
الاغتسال فى الماء الراكد (إن شاء الله).
بقى فى هذه النقطة المسح على العمامة وما شاكلها، نعم لم تتعرض رواياتنا له، لكن روى أبو
داود عن ثوبان قال: «بعث رسول اللّه# سرية، فأصابهم البرد، فلما قدموا على رسول اللّه ◌َ لا
أمرهم أن يمسحوا على العصائب والتساخين)»، (العصائب العمائم، جمع عصابة، سميت بذلك
لأن الرأس يعصب بها، فكل ماعصبت به رأسك من عمامة أو منديل أو نحو ذلك فهو عصابة،
والتساخين لا واحد لها من لفظها، فارسى معرب، وهو اسم غطاء من أغطية الرأس كان العلماء
وفقهاء الفرس يلبسونه على رءوسهم) كما روى أبو داود أيضاً عن أنس بن مالك قال: ((رأيت
رسول اللّه * يتوضأ عليه عمامة قطرية (نسبة إلى قرية بإقليم البحرين) فأدخل يده من تحت
العمامة فمسح مقدم رأسه، ولم ينقض العمامة))، فهذان حديثان مختلفان فى حكم الاكتفاء
بمسح العمامة ونحوها، وهذه المسألة من الأهمية بمكان فى عصر لبست فيه المرأة شعراً
مستعاراً (باروكة) ولبسه بعض الرجال أيضاً، كما لبسوا ولبست قبعات وعمائم يصعب خلعها
فى البرد، ويعرض نزعها فى تيارات الشتاء لبعض الأمراض.
وليس موضوع البحث المسح على بعض شعر الرأس ولو شعرة والتكملة على العصابة، فإنه قد
سبق القول بأنه جائز عند الشافعية، وليس الموضوع المسح على ربع الرأس والتكملة على
العصابة، فإنه جائز عند الحنفية أيضاً، وإنما موضوع المسألة الاكتفاء بمسح العصابة والعمامة
بدلا من مسح شعر الرأس.
والحديث الأول المروى عن أبى داود يدل بظاهره على جواز ذلك، وهو قول لبعض العلماء، قال
الترمذى فى جامعه: وهو قول غير واحد من أهل العلم من أصحاب النبى 8# منهم أبو بكر وعمر
وأنس، وبه يقول الأوزاعى وأحمد وإسحق. وقال ابن القيم فى تهذيب السنن: قال عمربن
الخطاب من لم يطهره المسح على العمامة فلا طهره الله، والمسح على العمامة سنة من سنن
رسول اللّه * ماضية مشهورة عند ذوى القناعة من أهل العلم فى الأمصاراهـ. كما قال هذا
الفريق: إن عضوا يسقط فرضه فى التيمم يجوز المسح على حائله كالقدمين، واختلف القائلون
بهذا القول فى: هل يشترط فيمن يمسح على العمامة أن يكون قد لبسها على طهارة، قياساً على
الخفين؟ ذهب إلى ذلك البعض، والأكثرون لا يشترط، كما اختلفوا فى: هل لهذا المسح وقت
ومدة؟ قال أبو ثور: إن وقته كوقت المسح على الخفين، وقال ابن حزم: لا يوقت ذلك بوقت.
وجمهور العلماء والفقهاء، وسفيان الثورى ومالك والشافعى وأبو حنيفة على أنه لا يجوز المسح
على العمامة إلا أن يمسح برأسه مع العمامة، قالوا: إن اللَّه فرض مسح الرأس، وحديث أبى داود
محتمل التأويل، فلا يترك الأصل المتبقن وجوبه بالحديث المحتمل، بل قال بعضهم: إن حديث
أبى داود خاص بهذه السرية، أو بأن المسح على العمامة منسوخ. والله أعلم.
٧- ولم تتعرض روايات مسلم لمسح الأذنين، لكن روى أبو داود فى وصف علی -كرم الله وجهه-
١٠٩

للوضوء ((ثم مسح رأسه وظهور أذنيه)) وروى أيضاً عن المقدام بن معديكرب الكندى فى وصف
وضوء النبى 1 ((ثم مسح برأسه وأذنيه ظاهرهما وباطنهما)) وأخرج ابن حبان فى صحيحه من
حديث ابن عباس ((فمسح برأسه وأذنيه، داخلهما بالسبابتين، وخالف بإبهاميه إلى ظاهر أذنيه.
فمسح ظاهرهما وباطنهما ».
وروى النسائى ((ثم مسح برأسه وأذنيه، باطنهما بالسبابتين، وظاهرهما بإبهاميه))
وروى ابن ماجه «مسح أذنيه، فأدخلهما السبابتين، وخالف إبهاميه إلى ظهر أذنيه
فمسح ظاهرهما وباطنهما».
ولا خلاف بين العلماء فى مشروعية مسح الأذنين فى الوضوء، لكن الخلاف بينهم فى اعتبارهما
من الرأس أو من الوجه أو منهما فذهب جمهور من العلماء إلى أنهما من الرأس، فيمسحان معه،
مستدلين برواية لابن ماجه عن النبى {* قال ((الأذنان من الرأس)» وذهب الزهرى وداود إلى
أنهما من الوجه فيغسلان معه، لحديث ابن عباس ((سجد وجهي للذي خلقه وصوره وشق سمعه
وبصره)) وذهب جماعة من العلماء إلى أن المقبل منهما من الوجه، فيغسل معه، والمدبر منهما
من الرأس، فيمسح معه.
والذى تستريح إليه النفس أنهما عضوان مستقلان، وأن رواية ابن ماجه ضعيفة؛ حتى قال ابن
الصلاح: إن ضعفها كثير لا ينجبر بكثرة الطرق. اهـ
كذلك الخلاف قائم بين العلماء فى حكم مسحهما، فذهبت القاسمية وإسحق بن راهويه وأحمد
ابن حنبل إلى أنه واجب، واستدلوا بأحاديث وصف وضوء النبى * التى سقناها عن أبى داود
وابن حبان والنسائي وابن ماجه، وقالوا: إن أحاديث ((الأذنان من الرأس)) يقوى بعضها بعضاً،
وقد تضمنت أنهما من الرأس فيكون الأمر بمسح الرأس أمراً بمسحهما.
وذهب من عداهم إلى عدم الوجوب وأجابوا عن الأحاديث المذكورة بأنها وصف أفعال لا تدل على
الوجوب، والمتيقن الاستحباب، فلا يصار إلى الوجوب إلا بدليل ناهض، كذلك الخلاف فى
مسحهما بماء الرأس أو بماء جديد، فذهب مالك والشافعى وأحمد إلى أنه يؤخذ لهما ماء جديد،
وذهب أبو حنيفة إلى أنهما يمسحان مع الرأس بماء واحد. والله أعلم.
٨- وعن غسل الرجلين نقول الرواية الأولى ((ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ثلاث مرات، ثم غسل
اليسرى مثل ذلك)) وتقول الرواية ٤٠١ ((ثم غسل رجليه ثلاث مرات)) والرواية ٤١٦ (ثم غسل
رجليه إلى الكعبين)) والرواية ٤١٩ ((وغسل رجليه حتى نقاهما)).
قال النووى: ذهب جميع الفقهاء من أهل الفتوى فى الأعصار والأمصار إلى أن الواجب غسل
القدمين مع الكعبين، ولا يجزئ مسحهما، ولا يجب المسح مع الغسل، ولم يثبت خلاف هذا عن
أحد يعتد به فى الإجماع. اهـ
ويشير النووى فى كلامه إلى الإمامية من الشيعة حيث قالوا: إن فرض الرجلين المسح وإنه لا
١١٠

يجزئ الغسل، محتجين بقراءة الجرفى قوله تعالى ﴿ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلِكُمْ﴾ قالوا: وهى
قراءة صحيحة سبعية مستفيضة، وجعلوا قراءة النصب عطفا على محل ((برءوسكم)).
كما يشير بقوله ((ولا يجب المسح مع الغسل)» إلى ما ذهب إليه بعض أهل الظاهر من أنه يجب
الجمع بين الغسل والمسح.
وقد ذهب محمد بن جرير الطبرى والجبائى والحسن البصرى إلى أنه مخير بين الغسل والمسح
لاختلاف القراءتين.
ويوجه الجمهور قراءة الجربأن الجر للجوار، وقد أجازه جماعة من أئمة الإعراب كسيبويه
والأخفش كما فى قوله تعالى: ﴿إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ﴾ [هود:٢٦] حيث جر « أليم)»
على الجوار ليوم، وإن كان صفة للعذاب، وحملت عليه هذه القراءة مع أنه قليل نادر لمداومته
صلى الله عليه وسلم على غسل الرجلين، وعدم ثبوت المسح عنه من وجه صحيح وتوعده على
المسح بقوله («ويل للأعقاب من النار)) ولإجماع الصحابة على الغسل، وهناك جواب ثان، وهو أن
الأرجل عطفت على الرءوس، لأنها تغسل بصب الماء عليها فكانت مظنة الإسراف المنهى عنه، لا
لتمسح ولكن لينبه على وجوب الاقتصاد فى صب الماء عليها، وجىء بالغاية ليعلم أن حكمها
مخالف لحكم المعطوف عليه، لأنه لا غاية فى الممسوح، قاله الزمخشرى، وجواب ثالث وهو أن
قراءة الجر للمسح، لكن فى حالة لبس الخف. وقراءة النصب على الغسل عند عدم الخف. قال
الحافظ أبوبكر بن العربى: قراءتا النصب والجر مشهورتان وبينهما تعارض، والحكم فى تعارض
الروايتين كالحكم فى تعارض الآيتين، وهو أنه إن أمكن العمل بهما مطلقا يعمل، وإن لم يمكن
يعمل بهما بالقدر الممكن، وهنا لا يمكن الجمع بين الغسل والمسح فى عضو واحد فى حالة
واحدة، لأنه لم يقل به أحد من السلف، ولأنه يؤدى إلى تكرار المسح، لأن الغسل يتضمن المسح،
والأمر المطلق لا يقتضى التكرار، فيعمل فى حالتين، فيحمل فى قراءة النصب على ما إذا كانت
الرجلان باديتين، وتحمل قراءة الخفض على ما إذا كانتا مستورتين بالخفين، توفيقاً بين
القراءتين وعملا بهما بالقدر الممكن. اهـ
وسيأتى مزيد إيضاح لغسل الرجلين فى باب إسباغ الوضوء، وغسل الأعقاب.
هذا وفى غسل الكعبين نفسيهما ما فى غسل المرفقين من خلاف سابق، وكذلك فى تقديم الرجل
اليمنى على اليسرى ما فى تقديم اليد اليمنى من أحكام.
وفى تخليل أصابع الرجلين ما فى تخليل أصابع اليدين، وقد سبق الكلام عنه فى النقطة
الخامسة من شرح هذه الأحاديث. والله أعلم.
٩- ومن العطف بثم بين الأعضاء فى بعض الروايات يؤخذ وجوب الترتيب بين أركان الوضوء، وبه
قال الشافعى، وهو المشهور عن أحمد، واستدلوا بأنه صلى الله عليه وسلم لم يتوضأ إلا مرتبا، ولو
لم يجب لتركه فى وقت بيانا للجواز، وبما رواه النسائى من قوله صلى الله عليه وسلم ((ابدءوا بما
بدأ الله به)) ورواه مسلم بلفظ ((نبدأ بما بدأ الله)).
١١١

فهذا الحديث وإن كان واردا فى الحج فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾
[البقرة: ١٥٨] لكن العبرة بعموم اللفظ، والأمر فيه فى رواية النسائى صريح بوجوب الترتيب.
وقالوا: إن آية الوضوء وإن كانت مجملة ببنتها السنة بفعله صلى اللّه عليه وسلم، ثم إن الآية
الكريمة ذكرت ممسوحا بين مغسولات، وتفريق التجانس لا ترتكبه العرب إلا لفائدة وقصد، وهى
هذا الوجوب، ودهب مالك وأبو حنيفة إلى أن الترتيب غير واجب، لأنه من لفظ الراوى، وقالوا:
إن الفعل بمجرده لا يدل على الوجوب وإن داوم عليه صلى الله عليه وسلم، وحديث النسائى إنما
قصد به التبرك بالبدء بما بدأ الله به.
قال ابن رشد: وسبب اختلافهم شيئان: أحدهما الاشتراك الذى فى واو العطف وذلك أنه قد
يعطف بها الأشياء المرتبة بعضها على بعض، وقد يعطف بها غير المرتبة، وذلك ظاهر من
استقراء كلام العرب ولذلك انقسم النحويون فيها قسمين، فقال نحاة البصرة: لاتقتضى نسقاً ولا
ترتيباً، وإنما تقتضى الجمع فقط وقال الكوفيون: بل تقتضى النسق والترتيب، فمن رأى أن الواو
فى آية الوضوء نقتضى الترتيب قال بإيجاب الترنيب، ومن رأى أنها لا تقتضى لم يقل بإيجابه.
السبب الثانى: اختلافهم فى أفعاله صلى الله عليه وسلم هل هى محمولة على الوجوب أو على
الندب؟ فمن حملها على الوجوب قال بوجوب الترتيب، لأنه لم يرد عنه صلى الله عليه وسلم أنه
توضأ قط إلا مرتباً، ومن حملها على الندب قال: إن الترتيب سنة، ومن فرق بين المسنون
والمفروض من الأفعال قال: إن الترتيب الواجب إنما ينبغى أن يكون فى الأفعال الواجبة، ومن
لم يفرق قال: إن الشروط الواجبة قد تكون فى الأفعال التى ليست واجبة. اهـ
ولا يخفى أن القائلين بعدم وجوب الترتيب بين الأركان يقولون باستحبابه بينها كترتيب
السنن بعضها مع بعض، والقائلين بوجوبه بين الأركان يقولون بأنه سنة بين السنن.
اللهم إلا ما روى عن أحمد من قوله بوجوبه أيضاً بين المضمضة والاستنشاق، لأنهما من تمام
غسل الوجه عنده، وأما تقديمهما على غسل الوجه فسنة. والله أعلم.
ولم تتعرض رواياتنا للموالاة التى هى متابعة أعضاء الوضوء، من غير تفرقة بينها، بحيث يغسل
العضو الثانى قبل جفاف العضو الأول، مع اعتدال الزمان والمزاج والهواء، ومذهب أحمد أنها
واجبة، وبوجوبها قال الشافعى فى القديم، وبه قال مالك لكن قيده بالذكر والقدرة، ومذهب أبى
حنيفة أنها سنة وهو قول الشافعى فى الجديد. والله أعلم.
١٠ - والروايات تصرح بالوضوء ثلاثاً ثلاثاً.
قال النووى: وقد أجمع المسلمون على أن الواجب فى غسل الأعضاء مرة مرة وعلى أن الثلاث
سنة، وقد جاءت الأحاديث الصحيحة بالغسل مرة مرة، وثلاثا ثلاثا، وبعض الأعضاء ثلاثاً
وبعضها مرتين وبعضها مرة، قال العلماء: فاختلافها دليل على جواز ذلك كله، وأن الثلاث هى
الكمال، والواحدة تجزئ، فعلى هذا يحمل اختلاف الأحاديث.
١١٢

وأما اختلاف الرواة فيه عن الصحابى الواحد فى القصة الواحدة فذلك محمول على أن بعضهم
حفظ وبعضهم نسى، فيؤخذ بما زاده الثقة، كما تقرر من قبول زيادة الثقة الضابط. اهـ
ثم قال فى موضع آخر: وقد أجمع العلماء على كراهة الزيادة على الثلاث.
والمراد بالثلاث المستوعبة للعضو، وأما إذا لم يستوعب العضو إلا بغرفتين فهى غسلة واحدة. ولو
شك هل غسل ثلاثا أو اثنتين جعل ذلك اثنتين؛ وأتى بثالثة، هذا هو الصواب الذى قاله الجماهير
من أصحابنا، وقال الجوينى: يجعل ذلك ثلاثا ولا يزيد عليها، مخافة ارتكاب بدعة بالرابعة،
والأول هو الجارى على القواعد، وإنما تكون الرابعة بدعة ومكروهة إذا تعمد كونها رابعة. اهـ
وما حكاه النووى من إجماع المسلمين على أن الواجب فى غسل الأعضاء مرة مرة وعلى أن
الثلاثة سنة، هو المشهور، فقد قال الأبى وحكى الإسفراينى عن مالك وجوب الثانية. اهـ
وما حكاه من إجماع العلماء على كراهة الزيادة على الثلاث هو المشهور أيضاً، فقد قال أحمد
وإسحق وغيرهما: لا تجوز الزيادة على الثلاث، ولا يزيد على الثلاث إلا رجل مبتلى، وقال ابن
المبارك: لا آمن إذا زاد فى الوضوء على الثلاث أن يأثم، فهذا الرأى يجعل الزيادة على الثلاث
أقوى من الكراهة، ويقابله ما نقله الحافظ ابن حجر عن الشافعى أنه قال: لا أحب أن يزيد
المتوضئ على ثلاث، فإن زاد لم أکرهه.
وفى المرقاة قال الإمام النسفى: هذا إذا زاد معتقداً أن السنة هذا؛ فأما لوزاد لطمأنينة القلب
عند الشك أو نية وضوء آخر فلا بأس، لأنه عليه الصلاة والسلام أمر بترك ما یریبه إلى ما لا
يريبه.اهـ
فتعبير الإمام النووى فى الحالتين بإجماع المسلمين محمول على التسامح.
والتحقيق: أن ما حكاه إنما هو قول جماهير المسلمين وجماهير العلماء.
ولا يفوتنا أن ننبه أن كراهة الزيادة على الثلاث مقصورة على حالة قصد الوضوء، فإن كان على
العضو وسخ وقصد إزالته أزيل بقطع النظر عن العدد، وعليه تحمل الرواية ٤١٩ التى جاء فيها
((وغسل رجليه حتى أنقاهما)) بل استدل بعض الفقهاء بهذه الرواية على أن غسل الرجلين فى
الوضوء لا يحد بالثلاث، لأن الرجل لقربها من الأرض فى المشى تكثر فيها الأوساخ والأدران،
فيحال الأمر فيها على مجرد الإنقاء من غير اعتبار العدد، لكن هذا الرأى مردود، وإزالة الأوساخ
فى أى عضو مطلوبة بقطع النظر عن العدد، والثلاث للرجل كغيرها مطلوبة حيث لا وسخ، وقد
نصت الرواية الأولى والثانية على التثليث فى غسل الرجلين.
أما مسح الرأس فالجمهور على عدم التثليث، وجميع رواياتنا لم تذكر التثليث فى مسح الرأس،
بل نص في بعضها على أنه مسح مرة واحدة، وقال أبو داود فى السنن: أحاديث عثمان الصحاح
كلها تدل على أن مسح الرأس مرة واحدة، وكذا قال ابن المنذر: إن الثابت عن النبى { 2 فى
١١٣

المسح مرة واحدة، وبأن المسح مبنى على التخفيف، فلا يقاس على الغسل المراد منه المبالغة فى
الإسباغ، وبأن العدد لواعتبر فى المسح لصار فى صورة الغسل، إذ حقيقة الغسل جريان الماء.
وبالغ أبو عبيدة فقال: لا نعلم أحدا من السلف استحب تثليث مسح الرأس إلا إبراهيم التيمى،
لكن الشافعى يستحب التثليث فى المسح كما فى الغسل، وتكرار المسح مسنون عند أبى حنيفة
أيضا - كما صرح بذلك صاحب الهداية - ولكن بماء واحد، ولعل بعض الروايات فى ظاهرها
تؤيدهما، إذ جاء فيها ((توضأ ثلاثا ثلاثا)) فلم تستثن مسح الرأس.
وقد وردت أحاديث كثيرة بالمسح ثلاثا، ففى سنن أبى داود من حديث عبدالرحمن بن وردان عن
حمران ((ومسح رأسه ثلاثا)) وفبه أيضا من حديث على ه رفعه ((ومسح برأسه ثلاثا)) وفى سنن
الدارقطنى عن عمر ناه فى وصف وضوء النبى { # ((ومسح برأسه ثلاثا)) والله أعلم.
١١- ولم تتعرض الروايات للنية، ومذهب المالكية والشافعية وأحمد أنها واجبة فى الوضوء والغسل
كبقية العبادات، واستدلوا بقوله تعالى ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ [البينة: ٥].
وقالوا: الإخلاص هو النية، لأنه عمل من أعمال القلب، وهو مأمور به، كذلك استدلوا بقوله صلى
اللَّه عليه وسلم ((إنما الأعمال بالنيات)) وقدروا معناه: إنما صحة الأعمال بالنيات. ومذهب
الحنفية عدم وجوب النية فى الوضوء والغسل، وقدروا المعنى فى الحديث: إنما كمال الأعمال، أو
ثوابها بالنيات.
قال ابن رشد: وسبب اختلافهم هو تردد الوضوء بين أن يكون عبادة محضة، أى مقصوداً بها
القرية فقط كالصلاة وغيرها، وبين أن يكون عبادة معقولة المعنى، كغسل النجاسة، فإنهم لا
يختلفون فى أن العبادة المحضة مفتقرة إلى النية، والعبادة المفهومة المعنى غير مفتقرة إلى
النية، والوضوء فيه شبه من العبادتين، ولذلك وقع الخلاف فيه، وذلك أنه يجمع عبادة ونظافة.اهـ
والنية محلها القلب وإن جمع اللفظ مع القلب كان آكد وأفضل عند الشافعية وجمهور العلماء،
ومنع الجهر بها ابن تيمية وابن القيم وجماعة من العلماء.
١٢- وأما التسمية عند الوضوء فلم تأت فى شىء من الأحاديث الصحيحة، بل قال أحمد: لا أعلم فيها
حديثاً له سند جيد. اهـ
وأما ما رواه الدارقطنى والبيهقى عن أبى هريرة أن النبى ® قال ((من نوضأوذكر اسم اللّه تعالى
عليه كان طهوراً لجميع بدنه، ومن توضأ ولم يذكر اسم الله عليه كان طهوراً لما مرعليه الماء» وما
رواه أبو داود من حديث أبى هريرة عن النبى ®® أنه قال ((لا وضوء لمن لم يذكر اسم اللّه عليه)»
فإن أسانيدهما كلها ضعيفة، وأقوى ما يحتج به فى مشروعية التسمية حديث ((كل أمرذى بال
لا يبدأ فيه ببسم الله فهو أقطع)) رواه أبو داود وابن ماجه والنسائى. ولما لم ترد التسمية فى
أحاديث الوضوء اختلفت المذاهب فى مشروعيتها فيه: فالشافعية على أن التسمية سنة فى
الوضوء وجميع العبادات وغيرها من الأفعال، حتى عند الجماع، لما رواه البخارى ومسلم من قوله
١١٤

صلى الله عليه وسلم ((لو أن أحدكم إذا أتى أهله قال باسم الله، اللهم جنبنا الشيطان وجنب
الشيطان مارزقتنا، فقضى بينهما ولد لم يضره الشيطان)».
قال النووى: هذا مذهبنا، وبه قال مالك وأبو حنيفة وجمهور العلماء، وهو أظهر الروايتين عن
أحمد، وعنه رواية أنها واجبة، وعن أبى حنيفة رواية أنها ليست بمستحبة فى الوضوء، وعن مالك
رواية أنها بدعة فيه، ورواية أنها مباحة، لا فضيلة فى فعلها ولا تركها. اهـ والله أعلم.
ويؤخذ من مجموع هذه الأحاديث فوق ما تقدم
١- التعليم بالفعل لأنه أبلغ وأضبط للمتعلم.
٢- جواز الاستعانة فى إحضار الماء للوضوء من غير كراهة.
٣- استحباب غسل الكفين قبل إدخالهما الإناء، وإن لم يكن قد قام من النوم.
٤- الإفراغ على اليدين معا فى ابتداء الوضوء.
٥- استدل بقوله ((ثم أدخل يمينه فى الإناء» على عدم اشتراط نية الاعتراف. قال الحافظ ابن حجر:
ولا دلالة فيه نفيا ولا إثباتا.
٦- يؤخذ من الاعتراف من الماء القليل للتطهير أنه لا يصيره مستعملا.
٧- قد يستدل به على أن المضمضة والاستنشاق يكونان بغرفة واحدة. وهو أحد الأوجه المستحبة
المتقدمة فى الشرح.
٨- يؤخذ منه تقديم اليمنى على اليسرى.
٩- الترتيب بين أعضاء الوضوء.
١٠ - أن الوضوء الواحد يكون بعضه بمرة، وبعضه بمرتين، وبعضه بثلاث.
١١ - الترغيب فى الإخلاص.
١٢ - فضل إحسان الوضوء والصلاة بعده، وسيأتى قريباً في باب خاص.
١٣ - الوتر فى الاستجمار، وسيأتى فى بابه.
والله أعلم
١١٥

(١١٤) باب فضل إحسان الوضوء والمشى إلى المسجد
والصلاة وانتظار الصلاة والجمعة إلى الجمعة
٤٠٢- ٢, عَنْ حُمْرَان(٦) مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانُ وَهُوَ بِفِنَاءِ الْمَسْجِدِ فَجَاءَهُ
الْمُؤَدُِّ عِنْدَ الْعَصْرِ فَدَعَا بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ وَاللَّهِ لأَحَدِّثْكُمْ حَدِيثًا لَوْلا آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ
مّا حَدَّْكُمْ إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ يَقُولُ «لا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ مُسْلِمٌ فَيُحْسِنُ الْوُضُوءَ فَيُصَلّي
صَلَاةً إِلا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلاةِ الَّتِي تَلِهَا».
وَفِي حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ «فَيُحْسِنُ وُضُوءَهُ ثُمَّ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ».
٤٠٣-٣ عَنْ حُمْرَان(٧) أَنَّهُ قَالَ: فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ وَاللَّهِ الأُحَدِّثْكُمْ حَدِيثًا وَاللَّهِ لَوْلا
آيَةٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ إِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ «لا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ فَيُحْسِنُ
وُضُوءَهُ ثُمَّ يُصَلِّي الصَّلاةَ إِلا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلاةِ الّتِي تَلِيهَا» قَالَ عُرْوَةُ الآيَةُ ﴿إِنَّ
الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَِّاتِ وَالْهُدَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿اللاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩].
٤٠٤- ثُ عَنْ إِسْحَقِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ(٨) حَدَّقَيِي أَبِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ:
كُنْتُ عِنْدَ عُثْمَانِ فَدَعَا بِطَهُورٍ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ وَ لَّ يَقُولُ «مَا مِنِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ
تَحْضُرُهُ صَلاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إِلا كَانَتْ كَفَّارَةٌ لِمَا قَبْلَهَا مِنَ
الدُّنُوبِ مَا لَمْ يُؤْتِ كَبِيرَةٌ وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلُّهُ».
٤٠٥- ١° عَنْ حُمْرَان(٩) مَوْلَى عُثْمَانَ قَالَ أَتَيْتُ عُثْمَانِ بْنَ عَفْانْ بِوَضُوءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ قَالَ إِنَّ
نَاسًا يَتْحَدَّثُونَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ أَحَادِيثَ لا أَدْرِي مَا هِيَ إِلا أَنّي رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِلَّ
تَوَضَّأَ مِثْلَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ قَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَكَانَتْ صَلاَتُهُ
وَمَشْيُهُ إِلَى الْمَسْجِدِ نَافِلَةً)» وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدَةَ أَتَيْتُ عُثْمَانِ فَتَوَضَّأَ.
(٦) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ مُحَمّدٍ بْنِ أَبِيٍ شَيْئَةَ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْخَنْظَلِيُّ وَاللَّفْظُ لِقْتَتْبَةَ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنًا وَقَالَ
الآخْرَانِ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةً عَنَّ أَبِيهِ عَنْ حُمْرَان
- وحَدَّا أَبُو كُرَّيِّبٍ حَدَّثَنَا أَبُوَ أُسَّامَةً ح وحَدْثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حَدَّنَا وَكِيعٌ حَ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثْنَا
سُفْيَاهُ جَمِيعًا عَنْ هِشَامٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ
(٧) وحَدَّثَنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ خَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدََّنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَلَكِنْ عُرْوَةٌ يُحَدِّثُ عَنْ حُمْرَانٌ
(٨) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ وَحْجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ كِلاهُمَا عَنْ أَبِيَ الْوَلِيدِ قَالَ عَبْدٌ حَدَّثَنِي أَبُو الْوَلِيدِ حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ سَعِيدٍ
(٩) حَدَّثَنَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَّبِيُّ قَالاَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ وَهُوَ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ
حُمْرَانْ مَوْلَى عُثْمَان
١١٦

٤٠٦- ٢ْ عَنْ أَبِي أَنَسٍ(١٠)؛ أَنَ عُثْمَانَ تَوَضَّأَ بِالْمَقَاعِدِ. فَقَالَ: أَلا أُرِيكُمْ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ
*؟ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلاثًا ثَلاثًا.
٤٠٧- ١٢ سَمِعْتُ حُمْرَالَ بْنِ أَبَادُ(١٠) قَالَ: كُنْتُ أَضَعُ لِعُثْمَانَ طَهُورَهُ فَمَا أَتَى عَلَيْهِ يَوْمٌ إِلا
وَهُوَ يُفِيضُ عَلَيْهِ نُطْفَةً وَقَالَ عُثْمَانُ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِلِ﴿ِ عِنْدَ انْصِرَافِنَا مِنْ صَلاتِنَا هَذِهِ (قَالَ
مِسْعَرٌ أُرَاهَا الْعَصْرَ فَقَالَ «مَا أَدْرِي أُحَدَّثُكُمْ بِشَيْءٍ أَوْ أَسْكُتُ؟» فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِن
كَانَ خَيْرًا فَحَدِّثْنَا وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ذَلِكَ قَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَتَطَهَّرُ فَيْتِمُ
الطُّهُورَ الَّذِي كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَيُصَلّي هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ إِلا كَانَتْ كَفَّارَاتٍ لِمَا بَيْنَهَا».
٤٠٨- ١١ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدَّادٍ(١١) قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانُ بْنَ أَبَانٌ يُحَدِّثُ أَبَا بُرْدَةً فِي هَذَا
الْمَسْجِدِ. فِي إِمَارَةٍ بِشْرٍ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانْ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ مَنْ أَتَمَّ الْوُضُوءَ كَمَا
أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَی. فَالصَّلَوَاتُ الْمَكْتُوبَاتُ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ»
٤٠٩- ١٣ عَنْ حُمْرَان(١٢) مَؤْلَى عُثْمَانَ قَالَ: تَوَضَّأَ عُثْمَانُ بْنُ عَقْانْ يَوْمًا وُضُوءًا حَسَنًا. ثُمَّ
قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِو ◌َ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ قَالَ «مَنْ تَوَضَّأَ هَكَذَا. ثُمَّ خَرَجَ إِلَى
الْمَسْجِدِ لا يَنْهَزُهُ إِلا الصَّلاةُ. غُفِرَ لَهُ مَا خَلا مِنْ ذَنْبِهِ».
٤١٠- ١٣ عَنْ حُمْرَان(١٣) مَوْلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ
اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: «مَنْ تَوَضَّأَ لِلصَّلاةِ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلاةِ الْمَكْتُوبَةِ فَصَلَاهَا مَعَ
النّاسِ أَوْ مَعَ الْجَمَاعَةِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ ذُنُوبَهُ».
(١٠) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَزُّهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لِقْتَيَِّةَ وَأَبِي بَكْرِ قَالُوا حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي
النِّضْرِ عَنْ أَبِي أُنْسِ
- وَزَادَ قُتْبَةُ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ سُفْيَاهُ قَالَ أَبُو النَّصْرِ عَنْ أَبِي أَنَسٍ قَالَ وَعِنْدَهُ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ◌ِلتِ.
(١٠) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا ثُنْ وَكِيعٍ قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ عَنْ مِسْعَرٍ عَنْ جَامِعِ بْنِ
شَدَّادٍ أَبِي صَخْرَةً قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَاتٌ بْنِ أَبَانُ
(١١) حَدَّنَا غُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّثَنَا أَبِي ح وَحَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثْنِى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ قَالا جَمِيعًا حَدََّا
شُعْبَةُ عَنْ جَامِعٍ بْنِ شَدَّادٍ
- هَذَا حَدِيثُ ابْنِ مُعَاذٍ وَلَّيْسَ فِي حَدِيثِ غُنْدَرِ فِي إِمّارَةٍ بِشْرٍ وَلَا ذِكْرُ الْمَكْتُوبَاتِ
(١٢) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ حَدَّثَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ وَأَخْبَرَنِّي مُخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرِ عَنْ أَبِهِ عَنْ حُمْرَان
(١٣) وحَدَّثَنِي أَبُوِ الطَّاهِرِ وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى قَالا أَخْبُرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِوَ بْنِ الْحَارِثِ أَنَّ الْحُكَيْمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ
الْقُرَشِيَّ حَدَّثَهُ أَنَّ نَافَعَ بْنَ جُبَيْرٍ وَعَبْدَ اللّهِ بْنَ أَبِي سَلَّمَةَ حَدَّثَهُ أَنْ مُعَاذَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُمَّا عَنْ حُمْرَان
١١٧

٤١١- بَّإِعَنْ أَبِي هُرَيْرَةََّهِ(١٤) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ قَالَ «الصَّلاةُ الْخَمْسُ. وَالْجُمْعَةُ إِلَى
الْجُمْعَةِ. كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ. مَا لَمْ تَغْشَ الْكَبَائِرُ».
٤١٢ - ١/١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ◌َ﴾(١٥) عَنِ النّبِيِّ:﴿ قَالَ «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمْعَةُ إِلَى
الْجُمْعَةِ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ».
٤١٣ - ١٣٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَّ ◌َ﴾(١٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ و ◌َ كَانَ يَقُولُ «الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ.
وَالْجُمْعَةُ إِلَى الْجُمْعَةِ. وَرَمَضَاهُ إِلَى رَمَضَانَ. مُكَفّرَاتٌ مَا بَيْنَهُنَّ إِذَا اجْتَبَ الْكَبَائِرَ».
المعنى العام
وترغيبا فى إسباغ الوضوء وإكماله وتحسينه، وفى الصلاة بعده يقول عثمان بن عفان
وضربه بعد أن توضأ فأحسن الوضوء: إن فضل الله واسع، تفضل بالأجر الكبير على العمل
الصغير، وإنى أعلم ثوابا جزيلا على عمل سهل يسير، أخاف إن بلغتكم نبأه أن تتكلوا
وتكسلوا ولا تنشطوا، وأخاف إن لم أحدثكم أن أكون كاتما للعلم، يصدق على ما قاله اللّه
تعالى فى أهل الكتاب ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِن الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ
لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُوْلَئِكَ يَلَّعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاعِنُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩].
إننى سأختار تحديثكم بالأمر، كما اختاره لنا رسول اللّه { حين قال لنا - بعد أن توضأ فأحسن
الوضوء، وصلى بنا العصر - وبعد انصرافنا من الصلاة - قال: لا أدرى أحدثكم بشىء أحفظه وأعلمه،
أو أترك تحديثكم به مخافة أن تتكلوا على فضل الله وتكسلوا عن العبادة؟ ونشط الصحابة وثار فيهم
حب الاستطلاع والحرص على معرفة هذا الأمر، لكنهم تأدبوا فى الطلب فقالوا: يا رسول اللّه إن كان
خيرا فحدثنا به نزد خيرا، وإن كان غير ذلك فالأمرللَّه ولك تقرر فيه ما تشاء.
ورأى صلى الله عليه وسلم أن يحدثنا، فقال: لا يتوضأ رجل مسلم، فيحسن الوضوء، ويتم الطهور
الذى أمره الله تعالى به، ثم يمشى إلى المسجد، لا يدفعه إليه شىء إلا الصلاة، فتحضره المكتوبة،
فيصليها فى المسجد مع الجماعة، لا يحدث فيها نفسه إلا غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما بينه وبين
أدائه الصلاة التى تليها. فمن نوضأ وضوءاً حسنا غفر له ما تقدم من ذنبه، وكانت صلاته ومشيه إلى
(١٤) حَدَّثْنَا يُحْتِى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرِ كُلُّهُمْ عَنْ إِسْمَعِيلَ قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ أُخْبَرَنِي
الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبِ مَوْلَى الْحُرَقَّةِ عَنْ أَبِّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٥) حَدَّثَنِي نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الأَعْلَى خَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٦) حَدَّثَتِي أَبُو الطَّاهِرِ وَهَارُونُ بْنُ سَعِيدِ الأَيْلِيُّ قَالا أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ أَبِي صَخْرٍ أَنَّ عُمَرَ بْنَ إِسْحَقَ مَوْلَى زَائِدَةَ حَدَّثَهُ عَنْ
أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ
١١٨

المسجد زيادة فى أجره وثوابه، ومن توضأ هكذا ثم خرج إلى المسجد لا يدفعه شىء إلا الصلاة غفرله
ما تقدم من ذنبه، والصلوات الخمس كفارات لما بينها من الذنوب ما لم تؤت كبيرة.
فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، وآتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا
عذب النار.
المباحث العربية
(وهو بفناء المسجد) ((أل)) فى المسجد للعهد، والمقصود المسجد النبوى بالمدينة، وفناء
المسجد بكسر الفاء هو المتسع أمامه، بين يديه أو فى جواره، قال الأبى: المراد ما تحت الجدار مما
يلى الشارع، لا ما يأخذه الغلق لأنه لا يتوضأ فى المسجد.
( فدعا بوضوء ) أى بماء يتوضأ به.
( لولا آية فى كتاب الله ما حدثتكم) المفعول الثانى لحدث محذوف وقد ذكر
فى الرواية الثانية بلفظ ((ما حدثتكموه)) و((آية)) مبتدأ خبره محذوف وجوبا، أى لولا آية
كائنة فى كتاب اللّه موجودة.
( لا يتوضأ رجل مسلم فيحسن الوضوء ) إحسان الوضوء الإتيان به تاما بصفته وآدابه
وسننه، والفاء هنا ليست للترتيب والتعقيب، لأن إحسان الوضوء ليس متأخراً عن الوضوء، وإنما
وقعت الفاء هنا موقع ((ثم)) التى لبيان الرتبة ولا شك أن الوضوء الجيد أعلى رتبة من الوضوء الخالى
من الإجادة، والتعبير بالرجل من باب التغليب، والحكم شامل للمرأة والفتى والفتاة والخنثى.
( فيصلى صلاة) تذكير ((صلاة)) يشير إلى أن الحكم المذكور تابع لأى صلاة، فرضا كانت أو
نفلا، لكن الرواية الثالثة فى وصفها ((الصلاة)) تتفق مع الرواية السادسة والسابعة والتاسعة والعاشرة
والحادية عشر والثانية عشرة فى أن المراد منها المكتوبة، ولعله سقط من الراوى فى الرواية الأولى
وصف الصلاة وكان الأصل: فيصلى صلاة مكتوبة. وسيأتى مزيد إيضاح لهذه النقطة فى فقه الحديث.
( إلا غفر الله له) المستثنى محذوف، والتقدير: لا يتوضأ رجل صفته كذا وكذا إلا رجل غفر
اللَّه له، أو الجملة حال والمستثنى منه محذوف أى لا يتوضأ رجل صفته كذا وكذا فى حال من
الأحوال إلا فى حال المغفرة، فالاستثناء من عموم الأحوال.
( ما بينه وبين الصلاة التى تليها ) أى التى بعدها، لا الماضية قبلها، فقد جاء فى الموطأ
((التى تليها حتى يصليها)).
( عن حمران أنه قال: فلما توضأ عثمان قال) الفاء عاطفة على محذوف، تقديره: عن
حمران أنه رأى عثمان دعا بإناء فأفرغ على كفيه ... إلى أن قال: ثم غسل رجليه إلى الكعبين فلما
توضأ قال ... إلخ.
١١٩

( ما لم يأت كبيرة ) بفتح الياء، كذا هو مضبوط فى النسخة التى بين أيدينا من شرح النووى،
وفى كثير من النسخ ((يؤت كبيرة)) بضم الياء وكسر التاء من ((آتى)) الرباعى، و))كبيرة)) بالنصب،
وتحمل هذه الرواية على معنى: ما لم يأت بكبيرة، ففى اللسان عن الجوهرى. آتاه: أتى به، ومنه قوله
تعالى ﴿ آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ [الكهف: ٦٢] أى ائتنا به. اهـ كأن فاعل الكبيرة يعطيها من نفسه.
وفى نسخة شرح الأبى والسنوسى ((ما لم تؤت كبيرة)) بالتاء الأولى مضمومة والثانية مفتوحة،
مبنيا للمجهول و((كبيرة)) بالرفع نائب فاعل، و))ما)) على الروايتين مصدرية زمانية أى مدة عدم
الإتيان بكبيرة، وليس المعنى أن ترك الكبيرة شرط فى محو الصغائر بالوضوء والصلاة، وإنما المعنى
أن بالوضوء والصلاة يغفر ما تقدم إلا أن يكون فيما تقدم كبيرة، فإنها لا تغفر بالوضوء والصلاة، أى
إلا كانت كفارة لما قبلها من الذنوب ما لم تكن الذنوب كبيرة.
(وذلك الدهر كله ) ((الدهر)» ظرف متعلق بمحذوف خبر، والإشارة لإحسان الوضوء والخشوع
والركوع والتكفير، أى وذلك الفعل والتكفير مستمر ومستقر الدهر كله، أى زمن الحياة كله.
(إن ناساً يتحدثون) أصل ((ناس)) أناس، حذفت الهمزة تخفيفاً، وحذفها كاللازم مع لام
التعريف، لا يكاد يقال: الأناس. وهو من أسماء الجمع.
( لا أدرى ما هى )؟ أى ما حقيقتها ومدى صحتها؟.
( وكانت صلاته ومشيه إلى المسجد نافلة ) النافلة مايفعل مما لم يجب، والمقصود أن
صلاته ومشيه إلى المسجد لها ثواب زائد على غفران الذنب.
( أن عثمان توضأ بالمقاعد ) بفتح الميم، قيل: هى دكاكين عند دار عثمان بن عفان وقيل
درج، وقيل: موضع بقرب المسجد اتخذه للقعود فيه لقضاء حوائج الناس والوضوء ونحو ذلك.
( كنت أضع لعثمان طهوره ) أى أعد وأحضر لعثمان ماء وضوئه.
( فما أتى عليه يوم إلا وهو يفيض عليه نطفة ) المستثنى منه عموم الأحوال و)) يفيض))
بضم الياء من أفاض الماء على نفسه بمعنى أفرغه، والنطفة بضم النون الماء القليل، والمعنى: ماأتى
عليه يوم وهو فى حال من الأحوال إلا فى إفراغ الماء على نفسه، ومراده من هذه العبارة وصف عثمان
بالمحافظة على الطهر والنظافة، وفهم منها بعضهم ملازمته للاغتسال وإن قل ماؤهم، رغبة فى
تحصيل الثواب، لكن المقام يبعد الغسل، ويفيد فقط الحرص على النظافة وإسباغ الوضوء.
( ما أدرى أحدثكم بشىء أو أسكت )؟ قال بعضهم: تردد صلى الله عليه وسلم فى تحديثهم
هذا الحديث، هل فيه مصلحة الآن أو لا مصلحة فيه الآن خوف الاتكال؟ ثم رأى أن المصلحة فى
تحديثهم، فحدثهم. هكذا قال، لكن لما كان التردد منه صلى الله عليه وسلم فى مثل هذا غير مستحسن
كان أولى أن يقال: إنه ليس بتردد، إنما هو أسلوب يقصد به تنشيط المخاطبين، وإثارة انتباههم،
وإشعارهم بعظيم ما سيلقى إليهم.
١٢٠