النص المفهرس
صفحات 81-100
المباحث العربية
( الطهور شطر الإيمان ) بضم الطاء وفتحها وقيل: الضم اسم للفعل، والفتح اسم لما يتطهر
به، والمراد من الطهور التطهر، أى رفع الحدث الأكبر أو الأصغر، والشطر فى الأصل النصف، وقيل:
الجزء من قولهم: أشطار الناقة أى أجزاؤها، والإيمان بمعناه الاصطلاحى: التصديق بالله وملائكته
وكتبه ورسله واليوم الآخر، وقيل: المراد من الإيمان هنا الصلاة، باعتبارها مظهراً من مظاهره؛ فيكون
من قبيل ما قيل فى تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] وسيأتى مزيد
إيضاح لهذا فى فقه الحديث.
(والحمد لله تملأ الميزان ) المراد من الميزان ميزان الأعمال يوم القيامة، ومعنى أن الحمد
يملأ الميزان: أن ذاكرها يمتلئ ميزانه بالثواب، وقيل إن الأعمال نفسها والذكر نفسه يتجسم يوم
القيامة، فيكون له ثقل وحجم يملأ الميزان.
(وسبحان الله والحمد لله تملآن - أو تملأ - ما بين السموات والأرض) ((سبحان))
اسم منصوب، على أنه واقع موقع المصدر لفعل محذوف، تقديره: سبحت الله سبحانا. ومعناه تنزيه
اللَّه عما لا يليق به من كل نقص، فيلزم منه نفى الشريك والصاحبة والولد وجميع الرذائل، ويطلق
التسبيح ويراد به جميع ألفاظ الذكر، ويطلق ويراد به صلاة النافلة، والمراد منه هنا الأول، لقرنه
بالحمد لله. وأما قوله ((تملآن أو تملأ)) قد ضبطه النووى بالتاء، فالأول، ((تملآن)) أى الجملتان،
والثانى ((تملأ)) أى الجملة بما فيها المعطوف والمعطوف عليه، وصحح صاحب التحرير فيهما
التذكير ((يملآن أو يملأ)» بالياء بدل التاء، أما الأول فعلى إرادة النوعين من الكلام، أو الذكرين، وأما
الثانى فعلى إرادة الذكر، والمعنى أنه لو قدر ثوابهما جسما لملأ ما بين السموات والأرض.
( والصلاة نور) أى كالنور، يستضاء بها ويهتدى فى ظلمات المعاصى، وقيل غير ذلك مما
سيأتى فى فقه الحديث.
(والصدقة برهان ) أى حجة ودليل على إيمان صاحبها، وقيل غير ذلك.
(والصبرضياء) ((الصبر)) الإمساك فى ضيق، وحبس النفس على المكروه، وعقد
اللسان عن الشكوى، والمكابدة فى التحمل وانتظار الفرج، وتختلف معانيه بتعلقاته، فإن
كان عن مصيبة سمى صبراً، وإن كان فى لقاء عدو سمى شجاعة، وإن كان عن كلام سمى
كتماناً، وإن كان عن تعاطى ما نهى عنه سمى عفة، ومعنى أنه ضياء أنه محمود، لا يزال
صاحبه مستضيئاً به مهتديا مستمراً على الصواب.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أنه لا فرق بين النور والضياء إلا فى اللفظ، لكن التحقيق أن الضياء
هو الحاصل فى الشىء من مقابلته المضىء بذاته، فالذى نراه على الأرض منبسطاً من مقابلتها
٨١
للشمس ضوء، فإذا اشتد هو ضياء، أما النور فهو الحاصل فى الشىء من مقابلته المضىء بالغير،
فالذى نراه على الأرض من مقابلتها القمر الذى استمد ضوءه من مقابلته الشمس هو نور، وحسبنا
القرآن الكريم إذ يقول ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءٌ وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥].
والحاصل أن الضياء فرط الإنارة، وإنما قرن بالصبر الذى هو حبس النفس لأنه عمل الذات
والداخل، بخلاف الصلاة فإنها عمل الأركان والجوارح التابعة للباطن.
( والقرآن حجة لك أو عليك ) أى إن أخلصت فى تلاوته وعملت به كان حجة لك، وإلا كان
حجة عليك، والخطاب لكل من يتأتى خطابه، وقيل: المعنى أنه الحكم الفصل عند التنازع فتحتج به
أو يحتج به عليك.
( كل الناس يغدو ) أى يبكر ويسعى ويعمل، والغدو السير أول النهار.
( فبائع نفسه) معطوف على ((يغدو)) أى كل الناس بائع نفسه، إما للَّه تعالى بطاعته إياه،
وإما للشيطان والهوى باتباعهما، ففى الكلام استعارة تصريحية تبعية، شبه قطع العمر وعمل الدنيا
فى مقابل ما بعد الموت بالبيع، والمراد كل الناس يعمل دنياه.
( فمعتقها أو موبقها ) أى فمنهم معتقها ومخلصها من العذاب، ومنهم موبقها أى مهلكها،
والتعبير بالمسبب وإرادة السبب، أى فمنهم من يعمل عملا يكون سببا فى تخليصها وبعدها عن النار،
ومنهم من يعمل عملا يكون سببا فى عذابها.
فقه الحديث
يتناول الحديث فضل الطهور، والذكر، والصلاة، والصدقة، والصبر، والقرآن.
أما الطهور فقد قال النووى: اختلف فى معنى قوله صلى الله عليه وسلم ((الطهور شطر الإيمان))
فقيل: معناه أن الأجرينتهى تضعيفه إلى نصف أجر الإيمان، وقيل: معناه أن الإيمان يجب ما قبله
من الخطايا، وكذلك الوضوء، لأن الوضوء لا يصح إلا مع الإيمان، فصار لتوقفه على الإيمان فى
معنى الشطر، وقيل: إن للإيمان شطرين: تطهير السر من خبائث النفس، وتطهير الجوارح، فمن طهر
ظاهره للوقوف بين يدى الله جاء بنصف الإيمان، فإذا طهر سره كمل إيمانه، وقيل: المراد بالإيمان
هنا الصلاة، كما قال تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيحَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: ١٤٣] والطهارة شرط فى صحة
الصلاة، فصارت كالشطر، وليس يلزم فى الشطر أن يكون نصفاً حقيقياً قال: وهذا القول أقرب
الأقوال. ثم قال: ويحتمل أن يكون معناه أن الإيمان تصديق بالقلب، وانقياد بالظاهر، وهما شطران
للإيمان، والطهارة متضمنة الصلاة، فهى انقياد فى الظاهر، والله أعلم. اهـ
والذى اختاره الإمام النووى، واعتبره أقرب الأقوال هو بعيد الاحتمال، لأن تفسير الإيمان فى قوله
تعالى ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ بالصلاة أحد التفسيرات البعيدة، وفيه مجاز لا ضرورة له، ثم
٨٢
إنه فى الحديث يضعف القصد والهدف، إذ قولنا: الوضوء شرط الصلاة لا يعطى فضل الوضوء
والترغيب فيه، ولا يأتى بمعنى جديد للمخاطبين الذين لم يصلوا منذ شرعت الصلاة إلا بالوضوء.
وعندى أن الهدف من الحديث هو الترغيب فى استصحاب الوضوء، كما أن الغرض
من المذكورات الخمسة بعده هو الحث على الإكثار منها والإخلاص فيها، لتكثير الثواب لا
لتحصيل أصل الفعل.
وحيث كان الهدف كذلك كان المعنى أن الطهور كشطر الإيمان، فكما يحرص المؤمن على
استصحاب الإيمان كاملاً فى كل حين ينبغى أن يحرص على استصحاب الوضوء فى كل حين، وكما
أن الإيمان الكامل وقاية للمؤمن من الوقوع فى المحرمات، فإن الوضوء سلاح المؤمن ضد إغواء
الشيطان، فالوضوء كشطر الإيمان فى انبغاء استصحابه فى كل حين، وأما الذكر فقد رغب فيه فى
الحديث بعبارتين: ((الحمد للَّه تملأ الميزان)) ((وسبحان الله والحمد للّه تملآن أو تملأ ما بين
السموات والأرض)» وظاهره أفضلية التحميد والتسبيح على سائر الأذكار، ويؤيده ما رواه مسلم عن أبى
ذرقلت: يا رسول اللَّه أخبرنى بأحب الكلام إلى اللَّه قال: ((أحب الكلام إلى اللَّه سبحان الله
وبحمده)) وفيه تلميح بقوله تعالى عن الملائكة ﴿ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ [البقرة: ٣٠]. لكن
يعارضه ما رواه الترمذى والنسائى وصححه ابن حبان والحاكم ((أفضل الذكر لا إله إلا الله)).
ومن هنا قال بعضهم: التهليل أفضل، لأنه صريح فى التوحيد، والتسبيح متضمن له، ولأن نفى
الإله فى قوله ((لا إله إلا الله)) فيه نفى ما يضاده ويخالفه من النقائص، فمنطوق ((لا إله إلا اللَّه))
توحيد، فيكون ((لا إله إلا الله)) أفضل، لأن التوحيد أصل، والتنزيه ينشأ عنه.
وقال الحافظ ابن حجر: الذكر بلا إله إلا اللَّه أرجح من الذكر بالحمد لله، فقد أخرج النسائى عن
أبى سعيد عن النبى { # قال ((قال موسى: يارب، علمنى شيئاً أذكرك به قال: قل لاإله إلا اللّهِ))
الحديث، وفيه ((لو أن السموات السبع، وعامرهن، والأرضين السبع، جعلن فى كفة، ولا إله إلا اللّه فى
كفة لمالت بهن لا إله إلا اللَّه)) قال: وملء الميزان بالحمد للَّه فى حديث أبى مالك الأشعرى يدل على
المساواة، والرجحان فى حديث النسائى صريح فى الزيادة، فيكون أولى. اهـ
وجمع القرطبى بما حاصله: إن هذه الأذكار إذا أطلق على بعضها أنه أفضل الكلام أو أحبه إلى
اللَّه فالمراد: إذا انضمت إلى أخواتها، بدليل حديث سمرة عن مسلم ((أحب الكلام إليه أربع، لا
يضرك بأيهن بدأت: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر)) ويحتمل أن يكتفى فى ذلك
بالمعنى، فيكون من اقتصر على بعضها كفى، لأن حاصلها التعظيم والتنزيه، ومن نزهه فقد عظمه،
ومن عظمه فقد نزهه. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر: يحتمل أن يجمع بأن تكون ((من)) مضمرة فى قوله ((أفضل الذكر لا إله
إلا اللَّه)) وفى قوله ((أحب الكلام)) بناء على أن لفظ ((أفضل وأحب)) متساويان فى المعنى. أهـ
وقال النووى: هذا الإطلاق فى الأفضلية محمول على كلام الآدمى، وإلا فالقرآن أفضل الذكر. اهـ
٨٣
وقال البيضاوى: الظاهر أن المراد من الكلام كلام البشر، فإن الثلاث الأول وإن وجدت فى القرآن
لكن الرابعة لم توجد، ولا يفضل ما ليس فيه على ما هو فيه.اهـ.
ويتحقق بالكلمات الأربع غيرها من الذكر كالحوقلة، والبسملة، والحسبلة والاستغفار والدعاء
بخيرى الدنيا والآخرة، وفى حكم الذكر قراءة التفسير والحديث ومدارسة العلم، ثم الذكر يقع تارة
باللسان، ويؤجر عليه الناطق، ولا يشترط استحضاره لمعناه، ولكن يشترط ألا يقصد به غير معناه، وإن
انضاف إلى النطق الذكر بالقلب فهو أكمل، فإن انضاف إلى ذلك استحضار معنى الذكر وما اشتمل
عليه من تعظيم اللَّه تعالى ونفى التناقض عنه ازداد كمالاً، فإن وقع ذلك فى عمل صالح من صلاة أو
جهاد أو غيرهما ازداد كمالاً.
ثم إن هذا الفضل الوارد فى حديث الباب وما شابهه إنما هو لأهل الفضل فى الدين والطهارة من
الجرائم العظام، ولا يلحق بهم من أصر على شهواته، وانتهك دين اللَّه وحرماته، مصداقاً لقوله جل
شأنه ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ
وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾ [الجاثية: ٢١]. وقوله ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِن الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: ٢٧].
وأما الصلاة: ففى معنى قوله صلى الله عليه وسلم ((والصلاة نور)) يقول الإمام النووى: معناه أنها
تمنع من المعاصى، وتنهى عن الفحشاء والمنكر، وتهدى إلى الصواب، كما أن النور يستضاء به، وقيل:
معناه أن يكون أجرها نوراً لصاحبها يوم القيامة، وقيل: لأنها سبب لإشراق أنوار المعارف، وانشراح
القلب، ومكاشفات الحقائق، الفراغ القلب فيها، وإقباله إلى اللّه تعالى بظاهره وباطنه، وقد قال الله
تعالى ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥]، وقيل: معناه: أنها تكون نوراً ظاهراً على وجهه يوم
القيامة، ويكون فى الدنيا أيضاً على وجهه البهاء، بخلاف من لم يصل، والله أعلم.
وأما الصدقة: وأنها برهان فقد قال صاحب التحرير: معناه يفزع إليها كما يفزع إلى البراهين،
كأن العبد إذا سئل يوم القيامة عن مصرف ماله، كانت صدقاته براهين فى جواب هذا السؤال،
فيقول: تصدقت به. قال: ويجوز أن يوسم المتصدق بسيماء يعرف بها، فيكون برهاناً له على حاله ولا
يسأل عن مصرف ماله. اهـ
وقال بعضهم: معناه: الصدقة حجة على إيمان فاعلها، فإن المنافق يمتنع منها، لكونه لا
يعتقدها، فمن تصدق استدل بصدقته على صدق إيمانه.
وأما الصبر: فقد قيل: إنه ثلاثة أقسام: صبر عن المعصية فلا يرتكبها، وصبر على الطاعة حتى
يؤديها، وصبر على البلية فلا يشكوربه فيها، والصبر سبب فى حصول كل كمال، وإلى ذلك أشار صلى
الله عليه وسلم بقوله ((إن الصبر خير ما أعطيه العبد)) ويقول جل شأنه ﴿وَبَشِّرْ الصَّابِرِينَ﴾ الَّذِينَ إِذَا
أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴿ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَخَّمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هَم
الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥ -١٥٧].
هذا، وإظهار البلاء لا على وجه الشكوى لا ينافى الصبر، إذ هو يتحقق بعدم الاعتراض على
٨٤
المقدور، ففى أيوب - عليه السلام - يقول الله تعالى ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ [ص: ٤٤] مع أنه
قال ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الصُّرُّوَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [الأنبياء: ٨٣].
وأما القرآن: فهو حجة ودفاع عمن يقرؤه مخلصًا مرتلا متدبرًا عاملا بما فيه، وحجة على من قدر
على قراءته فأهمله، أو نسيه بعد ما حفظه، أو راءى بقراءته أو اختال به على من سواه من الخلق، أو
عرضه للسخرية والاستهزاء، أو لم يعمل بما فيه.
القرآن شاهد صدق، وحكم عدل، فهو كلام اللَّه جل شأنه ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِن اللَّهِ
قِيلاً﴾ [النساء: ١٢٢].
ويؤخذ من الحديث
١- فضل الطهور واستحباب استصحابه على الدوام.
٢- فضل الحمد والتسبيح وذكر الله تعالى.
٣- فضل الصلاة والمحافظة عليها والحث على الإكثار من التنفل بها.
٤- الترغيب فى الصدقة.
٥- وفى الصبر.
٦ - وفى قراءة القرآن بإخلاص والعمل بما فيه.
٧- الحث على سعى الإنسان للخير، لأن الدنيا مزرعة الآخرة، والكيس من أخذ من شبابه لهرمه، ومن
صحته لمرضه، ومن غناه لفقره، والسفيه من أتبع نفسه هواها فأوردها هلاكها، وصدق الله العظيم
إذ يقول ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْئِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ
فِي الآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾ [الشورى: ٢٠].
٨٥
(١١١) باب لا تقبل صلاة بغير طهور ولا صدقة من غلول
٣٩٨ - ٣, عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ (٢)، قَالَ: دَخَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَلَى ابْنِ عَامِرٍ يَعُودُهُ وَهُوَ
مَرِيضٌ. فَقَالَ: أَلا تَدْعُو اللَّهَ لِي، يَا ابْنَ عُمَرَ؟ قَالَ: إِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ « لا
تُقْبَلُ صَلاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ وَلا صَدَقَةٌ مِنْ غُلُولٍ وَكْتَ عَلَى الْبَصْرَةِ».
المعنى العام
عبد الله بن عامر هو ابن خال عثمان بن عفان، ولاه عثمان البصرة بعد أن عزل عنها أبا موسى
الأشعرى، وهو الذى افتتح خراسان، وأحرم من نيسابور شكراً للَّه تعالى، وجمع له عثمان ولاية فارس
مع البصرة وهو ابن أربع وعشرين سنة، ولم يزل والياً لعثمان إلى أن قتل عثمان، ثم عقد له معاوية
على البصرة، ثم عزله عنها، ومات قبل ابن الزبير بقليل، والحديث يحكى زيارة ابن عمر له فى مرض
وفاته، وكان ابن عامر يعرف فضل ابن عمر وصلاحه، ومن أجل ذلك حرص على استرضائه وطلب
دعائه فى وقت الشدة والفزع إلى اللّه تعالى، فقال: ألا تدعو اللَّه لى يا ابن عمر؟ ورغم ما قيل من أن
ابن عامر كان فى ولايته سخياً كريماً حليما، ورغم ما قيل من أنه هو الذى عمل السقايات بعرفة، فإن
ابن عمر التقى الورع، الغيور على الحق والعدل كان يعتقد أن ابن عامر لم يسلم من الغلول، ولا من
المال الحرام فى ولايته وأن ما قام به من سخاء وكرم، ومن نفقة فى الخير إنما كان مصدره حراماً،
وأن المال الحرام موبق لصاحبه ولو أنفق فى الصدقات، وأنه لا ينجى صاحبه إلا رده إلى أصحابه،
ومن هذه العقيدة أراد ابن عمر أن يوجه ابن عامر إلى اتخاذ أسباب النجاة، ولسان حاله يقول:
إن السفينة لا تجرى على اليبس
.:
ترجو النجاة ولم تسلك مسالكها
وكأنه يقول: ماذا يفيدك دعائى لك وأنت مكبل بالمظالم؟ لقد أقمت زمناً طويلا والياً على
البصرة، أكلت فيه المال الحرام، ولبست فبه ثوب الحرام، إن كنت تظن أنك تصدقت وأنك أنفقت
فى وجوه الخير، فاعلم أن ذلك غير نافعك، فإن رسول اللَّه ◌ُ ل* يقول: لا تقبل صدقة من غلول وخيانة،
كما لا تقبل صلاة بغير طهارة، إن طهارة المال شرط لقبول إنفاقه كما أن طهارة البدن شرط لقبول
الصلاة، فسدد وقارب قبل أن تطلب الدعاء.
وإذا كان ابن عمر قد بدا فى هذا الموقف شديداً فإن الذى فعله كان شدة فى الحق
(٢) حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقُتَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ وَالْفْظُ لِسَعِيدٍ قَالُوا حَدََّا أَبُو عَوَالَةَ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ
مُصْعَبٍ بْنِ سَعْدٍ
- حَدََّا مُّحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ حَ وَحَدَّقْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّثَنَا حُسَيْنٌ
ابْنُ عَلِيٍّ عَنْ زَائِدَةً حَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَوْكِيعٌ عَنْ إِسْرَائِيلَ كُلَّهُمْ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ عَنِ النّبِيِّ ◌ِ * بِمِثْلِهِ.
٨٦
وتوجيهاً لما هو خير، إن ابن عمر يؤمن بأن الدعاء ينفع، وهو يحب الخير للناس، ولا يأبى
الدعاء للمؤمن بالخير، وخاصة إذا كان على مشارف الموت، لكنه يخشى الاتكال أو
التواكل، ويدفع للعمل، ويحذر غير ابن عامر من الولاة، ويغرس فى نفوسهم الخوف ويحارب
ركونهم إلى الرجاء والطمع مع التهاون والمظالم.
فرضى الله عنه وأرضاه ورضى عن الصحابة أجمعين.
المباحث العربية
( يعوده ) العود الرجوع، وأطلق على زيارة المريض؛ لما أن الشأن فيها التكرار والرجوع،
والجملة فى محل النصب على الحال من فاعل ((دخل)).
(وهو مريض) الجملة حال من ((ابن عامر)) أو من ضميره فى ((يعوده)».
(ألا تدعو اللَّه لى) ((ألا)) للعرض أو التحضيض، ومعناها طلب الشىء، لكن العرض طلب
بلين، والتحضيض طلب بحث، والمعنى هنا: أطلب منك الدعاء لى.
( ولا صدقة من غلول ) أصل الغلول السرقة من مال الغنيمة قبل القسمة، وسميت بذلك لأن
الآخذ يغل المال فى متاعه، أى يخفيه فيه، ويطلق على الخيانة مطلقاً، والمراد منه هنا مطلق المال
الحرام أخذ خفية أو جهرة.
( وكنت على البصرة ) أى كنت والياً على البصرة، ولم تسلم من الغلول والخيانة.
فقه الحديث
يمكن حصر نقاط الحديث فى خمس:
١- الوضوء، وموجبه، ومتى فرض؟ وطلبه لكل صلاة.
٢- الفرق بين القبول والصحة، وتوجيه قوله ((لا تقبل صلاة بغير طهور)).
٣- الطاعة بالمال الحرام، وإنفاقه فى وجوه الخير.
٤- تحليل موقف ابن عمر من مطلب ابن عامر.
٥- مايؤخذ من الحديث من الأحكام.
وهذا هو التفصيل:
١- الوضوء وموجبه، ومتى فرض؟ وطلبه لكل صلاة: فى موجب الوضوء ذهب أهل الظاهر إلى أنه
٨٧
القيام إلى الصلاة، مستدلين بقوله تعالى: ﴿ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ... ﴾ [المائدة: ٦] وذهب
آخرون إلى أنه الحدث، وذهب الأكثرون إلى أنه إرادة الصلاة بشرط الحدث.
قال النووى: اختلف أصحابنا فى الموجب للوضوء على ثلاثة أوجه: أحدها أنه يجب
بالحدث وجوبًا موسعًا، والثانى لايجب إلا عند القيام إلى الصلاة، والثالث: يجب بالأمرين
وهو الراجح عند أصحابنا. اهـ
واختلفوا متى فرضت الطهارة للصلاة، فذهب ابن الجهم من المالكية إلى أن الوضوء فى أول
الإسلام كان سنة، ثم نزل فرضه فى آية التيمم، وقال ابن حزم بأنه لم يشرع إلا بالمدينة، والجمهور أنه
كان فرضاً قبل نزول آية التيمم فى سورة المائدة، وهذا ما لا يجهله عالم. اهـ
ويمكن الرد على من أنكر وجود الوضوء قبل الهجرة بما رواه الحاكم عن ابن عباس «دخلت
فاطمة على النبى # وهى تبكى، وتقول: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاهدوا ليقتلوك، فقال: إيتونى
بوضوء فتوضأ)) بل نقل ابن عبد البر أنه صلى الله عليه وسلم لم يصل قط إلا بوضوء، قال: واختلفوا فى
أن الوضوء فرض على كل قائم إلى الصلاة أم على المحدث خاصة؟ فذهب جماعة من السلف إلى أن
الوضوء واجب لكل صلاة ولو من غير حدث، روى ذلك عن ابن عمر وأبى موسى وجابر بن عبد الله
وسعيد بن المسيب وغيرهم، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا ... ﴾ فالحكم فى
الآية وهو الغسل معلق بالشرط، فيقتضى تكراره بتكرار الشرط.
وذهب قوم إلى أن ذلك قد كان ثم نسخ، ويؤيدهم ما أخرجه أحمد وأبو داود عن عبد اللَّه ابن
حنظلة الأنصارى ((أن رسول اللّه ﴿ أمر بالوضوء لكل صلاة، طاهراً كان أو غير طاهر، فلما شق عليه
وضع عنه الوضوء إلا من حدث)). وعن النخعى أنه لا يصلى بوضوء واحد أكثر من خمس صلوات.
وجمهور العلماء والأئمة الأربعة وأكثر أصحاب الحديث وغيرهم أن الوضوء لا يجب إلا من حدث،
ولكن تجديده لكل صلاة مستحب، قال النووى: وعلى هذا أجمع أهل الفتوى بعد ذلك، ولم يبق بينهم
فيه خلاف. اهـ
واستدلوا بالأحاديث الصحيحة الكثيرة منها ما رواه البخارى ((لا تقبل صلاة من أحدث حتى
يتوضأ)) وما رواه مسلم من حديث بريدة ((كان النبى * يتوضأ عند كل صلاة، فلما كان يوم الفتح
صلى الصلوات بوضوء واحد، فقال له عمر: إنك فعلت شيئاً لم تكن تفعله فقال: عمداً فعلته)) وفى
مسند الدارمى ((لاوضوء إلا من حدث)) وعند أبى داود والنسائى عن أنس ((كان النبى# يتوضأ كل
صلاة وكنا نصلى الصلوات بوضوء واحد)».
قال بعض العلماء: كانت هذه عادته صلى الله عليه وسلم الغالبة، وإلا فقد جمع بين صلاتين
فأكثر بوضوء واحد، كما فى حديث بريدة السابق، وكما جاء فى حديث سويد بن النعمان عند
البخارى بلفظ ((خرجنا مع رسول اللَّهُ عام خيبر، حتى إذا كنا بالصهباء صلى لنا رسول اللَّه ◌َ ا﴾
العصر، فلما صلى دعا بالأطعمة، فلم يؤت إلا بالسويق، فأكلنا وشربنا، ثم قام النبى 88 إلى المغرب،
فمضمض، ثم صلى لنا المغرب، ولم يتوضأ».
٨٨
قال بعض العلماء: يحتمل أن ذلك كان واجباً عليه صلى اللّه عليه وسلم خاصة، ثم نسخ يوم
الفتح، ويحتمل أنه كان يفعله استحباباً، ثم خشى أن يظن وجوبه، فتركه لبيان الجواز، وهذا أقرب،
وأجابوا عن قوله تعالى ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا .. ﴾ بأنها فى حق المحدثين، أو أن الأمر
بالغسل فيها للندب، وحكى الشافعى عمن لقيه من أهل العلم أن التقدير: إذا قمتم من النوم.
قال الزمخشرى عند تفسير الآية: فإن قلت: ظاهر الآية يوجب الوضوء على كل قائم إلى الصلاة،
محدث وغير محدث، فما وجهه؟ قلنا: يحتمل أن يكون الأمر للوجوب، فيكون الخطاب للمحدثين
خاصة، وأن يكون للندب، فإن قلت: هل يجوز أن يكون الأمر شاملا للمحدثين وغيرهم؟ لهؤلاء على
وجه الإيجاب، ولهؤلاء على وجه الندب؟ قلت: لا. لأن تناول الكلمة الواحدة المعنيين مختلفين من
باب الإلغاز والتعمية. اهـ
وفى استحباب تجديد الوضوء ذكر النووى أوجها: أحدها: أنه يستحب لمن صلى به صلاة، سواء
أكانت فريضة أم نافلة، الثانى: لا يستحب إلا لمن صلى فريضة، الثالث: يستحب لمن فعل به ما لا
يجوز إلا بطهارة، كمس المصحف وسجود التلاوة، الرابع: يستحب وإن لم يفعل به شيئاً أصلا بشرط
أن يتخلل بين التجديد والوضوء زمن يقع بمثله تفريق.
ولا يستحب تجديد الغسل على المذهب المشهور، وفى استحباب تجديد التيمم وجهان
أشهرهما لا يستحب.
والوضوء واجب على المحدث عند القيام إلى أى نوع من أنواع الصلاة. قال النووي: وأجمعت
الأمة على تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب، ولا فرق بين الصلاة المفروضة والنافلة وسجود
التلاوة والشكر وصلاة الجنازة إلا ما حكى عن الشعبى ومحمد بن جرير الطبرى من قولهما: تجوز
صلاة الجنازة بغير طهارة، وهذا مذهب باطل، وأجمع العلماء على خلافه، ولوصلى محدثاً متعمداً بلا
عذر أثم، ولا يكفر عند الشافعية وعند الجماهير وحكى عن أبى حنيفة - رحمه الله تعالى - أنه يكفر
لتلاعبه، ودليل الشافعية: أن الكفر للاعتقاد، وهذا المصلى اعتقاده صحيح، وهذا كله إذا لم يكن
للمصلى محدثاً عذر، وأما المعذور، كمن لم يجد ماء ولا تراباً ففيه أربعة أقوال للشافعى - رحمه الله
تعالى- وهى مذاهب العلماء، قال بكل واحد منها قائلون: أصحها يجب عليه أن يصلى على حاله،
ويجب أن يعيد إذا تمكن من الطهارة، والثانى يحرم عليه أن يصلى، ويجب القضاء، والثالث
يستحب أن يصلى ويجب القضاء، والرابع يجب أن يصلى ولا يجب القضاء، وهو أقوى الأقوال دليلا،
فأما وجوب الصلاة فلقوله صلى الله عليه وسلم ((وإذا أمرتكم بأمر فافعلوا منه مااستطعتم)) وأما
الإعادة فإنها تجب بأمر مجدد، والأصل عدمه.اهـ
والقول الأول مشهور وهو مذهب الشافعية، وقول لبعض المالكية، والقول الثانى قول أبى حنيفة.
وقال أبو يوسف: يتشبه بالمصلى فلا ينوى ولا يقرأ ويركع ويسجد، ويعيد الصلاة متى قدر على إحدى
الطهارتين، والقول الرابع قول أحمد، واختاره المزنى من الشافعية.
٨٩
٢- والفرق بين القبول والصحة دقيق، فالقبول يفسر بوقوع الطاعة مجزئة رافعة لما فى الذمة،
والصحة الإتيان بها مستوفية الأركان والشروط، وقد يتخلف القبول مع تحقق الصحة، فصلاة العبد
الآبق، وشارب الخمر مادام فى جسده شىء منها، والصلاة فى الدار المغصوبة صحيحة عند الشافعية
غير مقبولة، فقد تقع العبادة صحيحة ولا تقبل لمانع.
وقد يطلق القبول ويراد به الصحة لما بينهما من تلازم غالباً، كما فى قوله صلى الله عليه وسلم
((لا تقبل صلاة بغير طهور)) أى لا تقبل ولا تصح صلاة بغير طهور، وسيأتى مزيد إيضاح لهذه النقطة فى
الحديث التالي.
٣- الطاعة بالمال الحرام وإنفاقه فى وجوه الخير: وأما الطاعة بالمال الحرام فباطلة غير مقبولة،
وإذا بطلت الصدقة بسبب ما يتبعها من معصية بنص قوله تعالى ﴿ لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ
وَالأَذَى﴾ [البقرة: ٢٦٤] بطلت إن قارنتها السيئة من باب أولى، بل إن المتصدق من غلول يجعل
الصدقة بعين المعصية، لأن الغال فى دفعه المال إلى الفقير غاصب متصرف فى ملك الغير، فهو آثم
باستيلائه على المال، آثم بتصرفه فيه، لأن كل من أخذ مال غيره بلا وجه شرعی لزمه رده لصاحبه إن
كان حيا، وإلا رده على ورثته، ولا يغنى عنه شيئاً التصدق به.
نعم إن لم يكن له ورثة، أو لم يدر صاحبه، أو استولى عليه بعقد فاسد ولم يتمكن من فسخه فإنه
يتصدق به، وثوابه لمالكه، ويرجى لهذا الغال الخلاص يوم القيامة إن أدركه عفو اللَّه.
قال الأبى: وانظر الحج بالمال الحرام، والظاهر الصحة كالصلاة فى الدار المغصوبة، وأما النكاح
به فقال مالك فيه: أخاف أن يضارع الزنا. اهـ
٤- وفى تحليل موقف ابن عمر من مطلب ابن عامر يقول النووى: معناه أنك لست بسالم من
الغول، فقد كنت والياً على البصرة، وتعلقت بك تبعات من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، ولا يقبل
الدعاء لمن هذه صفته، كما لا تقبل الصلاة والصدقة إلا من متصون، والظاهر - والله أعلم- أن ابن عمر
قصد زجرابن عامر، وحثه على التوبة وتحريضه على الإقلاع عن المخالفات، ولم يرد القطع حقيقة
بأن الدعاء للفساق لا ينفع، فلم يزل النبى 8# والسلف والخلف يدعون للكفار وأصحاب المعاصى
بالهداية والتوبة. اهـ
ويقول الأبى: لعله مذهب لابن عمر أنه لا يدعى للمتلبس بالمخالفة، وإلا فهو جائز. اهـ
والذى تستريح إليه النفس أن ابن عمر لم يقصد بكلامه أن الدعاء لا يقبل لمن هذه صفته، كما لا
تقبل الصلاة والصدقة إلا من متصون، كما يقول النووى، لأن ابن عمر وفقهه يبعد هذا الفهم الخطأ،
ويبعد أن يراد بالفتوى الخاطئة الزجر والتغليظ.
كما أن ابن عمر وفقهه يبعد أن يكون ذلك مذهبا له كما ذهب إليه الأبی.
إن الحديث لم يتعرض لدعاء ابن عمر بنفى ولا إثبات، فيحتمل الإثبات، ويكون المعنى: لقد
ارتكبت ظلماً فى ولايتك، وما أنفقته من مال حرام غير مقبول، فرد المظالم والجأ إلى التوبة لتساعد
٩٠
على قبول الدعاء، وأسأل الله لك العفو والقبول. فسكت الراوى عن حكاية الدعاء، وحكى الزجر
والوعظ، ويحتمل الذفى، ويكون المعنى: سأحجب دعائى عنك حتى تتخلص من معاصيك، ويكون قد
قصد بذلك وعظه ودفعه إلى عدم الاتكال على الدعاء، وإلى إبراء الذمة ما دام قادراً بنفسه على
إبرائها. والله أعلم.
٥- ويؤخذ من الحديث
١- عيادة المريض، وهى مشروعة، وتكرارها ومقدارها يختلف باختلاف الظروف.
٢- أن الصلوات كلها مفتقرة إلى الطهارة، ويدخل فيها صلاة الجنازة وغيرها؛ لأن لفظ ((صلاة)) نكرة
فى سياق النفى، فتفيد العموم.
٣- قال الكرمانى: فيه أن الطواف لا يجزئ بغير طهور، لأن النبى و8 30 سماه صلاة فقال
((الطواف صلاة إلا أنه أبيح فيه الكلام)) ورد العينى هذا الاستدلال، وحمل الحديث على
التشبيه، وقال: الطواف كالصلاة فى الثواب دون الحكم، ثم يقول: ألا ترى أن
الانحراف والمشى فى الطواف لا يفسده؟
٤- وفيه أن الصدقة من المال الحرام غير مقبولة.
٥- وفيه طلب الدعاء من أهل التقوى والصلاح، فإنه لم ينكر أحد على ابن عامر طلبه.
٦- فيه شدة ابن عمر فى الدين، وقيامه بالأمر بالمعروف والنهى عن المنكر خير قيام دون
مجاملة أو مداراة.
٧- وفيه جمع الرسول ول# بين الصلاة والصدقة، ووضعهما فى قرن واحد كعنوان للعبادات البدنية،
والعبادات المالية.
والله أعلم
٩١
(١١٢) باب الوضوء من الحدث
٣٩٩- ٣ِ عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ(٣) أَخِي وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهِ قَالَ: هَذَا مَا حَدَثَنَا أَبُو هُرَيْرَةً عَنْ مُحَمَّدٍ
رَسُولِ اللَّهِ ﴿ٌ. فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ه « لا تُقْبَلُ صَلاةُ أَحَدِكُمْ، إِذَا
أَحْدَثَ، حَتَّى يَتَوَضَّأَ».
المعنى العام
الصلاة لقاء بين الإنسان وربه، فيها يقف العبد بين يدى مولاه، يناجيه ويذكره ويدعوه، ومن حق
العظيم أن يكون لقاؤنا له على أجمل مظهر، وأطهر مخبر، ومن هنا وجبت الطهارة للصلاة، طهارة
الثوب والبدن والمكان، ومن هنا وجب الغسل والوضوء ورفع الحدث.
إن بعض الخبائث كالفساء والضراط يؤثر فى البدن تأثيراً معنوياً، ويحدث حالة تقوم به وإن
كانت غير محسوسة، تعرف عند الفقهاء بالحدث، ولا يليق بالمؤمن أن يقف بين يدى الله بهذه
الحالة الخبيثة، حتى يطهر نفسه بالوضوء أو ما يقوم مقامه عند عدمه؛ فإن اللَّه لا يقبل صلاة من
أحدث حتى يتوضأ.
المباحث العربية
( لا تقبل صلاة أحدكم ) المخاطبون الحاضرون ليسوا وحدهم المقصودين بالخطاب، بل
المقصود الأمة، أى لا تقبل صلاة أحدكم معشر أمة الإسلام، وفى بعض نسخ البخارى ((لا تقبل صلاة
من أحدث)) وفى بعضها ((لايقبل اللَّه صلاة من أحدث)).
( إذا أحدث ) من الحدوث، وهو وجود شىء لم يكن، يقال: أحدث أى وجد منه الحدث، أوقام
به الحدث، والحدث يطلق على الخارج المعتاد، وعلى نفس الخروج، وعلى الوصف الحكمى، المقدر
قيامه بالأعضاء قيام الأوصاف الحسية، وعلى المنع من العبادة المترتب على كل واحد من الثلاث،
والمراد فى الحديث، أحد الأخيرين (الوصف الحكمى أو المنع من العبادة) لأنه جعل الوضوء رافعا
للحدث، فلا يعنى بالحدث الخارج المعتاد ولا نفس الخروج، لأن الواقع لا يرتفع.
(حتى يتوضأ) بالماء أو ما يقوم مقامه، ومعنى ((لا تقبل صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ))
أى مع باقى شروط الصلاة.
(٣) حَدََّنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّقْنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ حَدَّثَنَا مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَبِّهِ
٩٢
فقه الحديث
بينا فى الحديث السابق الفرق بين الصحة والقبول، ونزيد هنا أن بعضهم فسر الإجزاء بمطابقة
الأمر، والقبول بترتب الثواب، فلم يتم الاستدلال بالحديث على نفى الصحة، قال ابن دقيق العيد: إلا
أن يقال: دل الدليل على كون القبول من لوازم الصحة، فإذا انتفى انتفت، فيصح الاستدلال بنفى
القبول على نفى الصحة. اهـ
وهذا التلازم الذى ذكره ابن دقيق العيد تلازم فى الغالب، فقد نفى القبول بمعنى نفى الثواب مع
ثبوت الصحة فى قوله صلى الله عليه وسلم ((من أتى عرافا لم تقبل له صلاة)) رواه أحمد والبخارى.
وقوله صلى الله عليه وسلم ((إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة)) رواه مسلم.
نعم المراد من نفى القبول فى هذا الحديث والذى قبله نفى الصحة، من إطلاق الملزوم وإرادة
اللازم، ويكفى التلازم الغالبى فى هذا الإطلاق.
والحدث المذكور فى الحديث مقصود به الحدث الأصغر، لأنه الذى يستوجب الوضوء ويرفعه
الوضوء، ويكون بخروج شىء من أحد السبيلين، سواء كان ريحاً أو غيره، نعم فسر أبو هريرة الحدث
فى رواية البخارى بالريح، ولفظها ((عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّهل﴾ لاتقبل صلاة من أحدث
حتى يتوضأ)) قال رجل من حضرموت: ما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: ((فساء أو ضراط)» بل فسره فى
رواية أخرى للبخارى بالضراط فقط، ولفظها ((عن أبى هريرة قال: قال رسول اللّه ◌ُل: ((لايزال العبد
فى صلاة ما كان فى المسجد ينتظر الصلاة ما لم يحدث)) فقال رجل أعجمى: ما الحدث يا
أباهريرة؟ قال: الصوت. ((يعنى الضَّرْطَةُ)).
ولما كان العلماء متفقين على أن مايخرج من السبيلين من غير الريح ناقض للوضوء وجهوا
تفسير أبى هريرة للحدث بأنه تفسير بالأخص للتنبيه بالأخف على الأغلظ، ولأن الفساء والضراط قد
يقعان فى أثناء الصلاة، أو لعلمه أن السائل كان يعلم حكم غيرهما ويجهل كونهما حدثا، فتعرض
لحكمهما بيانا لذلك.
وليس فى تفسير أبى هريرة حجة لمن قصر الحدث على ما يخرج من السبيلين؛ لأن تفسير
أبى هريرة ليس بحجة، فقد يكون رأيا له، على أنه - كما سبق- فسره بالأخف وترك الأغلظ، على أن
العلماء اتفقوا على أن زوال العقل بالجنون والإغماء والسكر ينقض الوضوء، سواء قل أو كثر، ولم
يذكره أبو هريرة.
وأما باقى الأحداث المختلف فيها بين العلماء فهى:
١- النوم: وقد اختلف العلماء فيه على مذاهب ثمانية ذكرها النووى، الأول: أنه لا ينقض الوضوء
على أى حال، وهو محكى عن أبى موسى الأشعرى وسعيد بن المسيب والشيعة الإمامية، واستدلوا بما
٩٣
رواه أبو دواد ومسلم والترمذى عن أنس قال ((كان أصحاب رسول اللّه * ينتظرون العشاء الآخرة
حتى تخفق رءوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون )».
الثانى أن النوم ينقض الوضوء بكل حال: قليله وكثيره، وهو مذهب الحسن البصرى
والمزنى وابن المنذر، واستدلوا بما رواه أحمد والنسائي والترمذى عن صفوان بن عسال قال
((كان رسول اللّه * يأمرنا إذا كنا سفرا أن لاننزع خفافنا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من
جذابة، لكن من غائط وبول ونوم» فذكر الأحداث التى ينزع منها الخف، وعد من جملتها
النوم، وجعله مقترنا بالبول والغائط اللذين هما ناقضان بالإجماع، كما استدلوا بما رواه
أحمد وأبو داود وابن ماجه عن علىَّه قال: قال رسول اللّهِ ﴾((العين وكاء السَّة فمن نام
فليتوضأ)» لم يفرق بين قليل النوم وكثيره ولا بين حال للنائم وحال أخرى.
الثالث: أن كثير النوم ينقض بكل حال، وقليله لاينقض بكل حال، وهو مذهب الأوزاعى ومالك
وأحمد فى إحدى الروايتين عنه، واستدلوا بحديث أنس السابق، وحملوا ما فيه على قليل النوم.
الرابع: إذا نام على هيئة من هيئات المصلى كالراكع والساجد والقائم والقاعد مستلقيا على قفاه
انتقض، وهو مذهب أبى حنيفة وداود وهو قول غريب للشافعى، واستدلوا بما رواه البيهقى ((إذا نام
العبد فى سجوده باهى الله به الملائكة »
الخامس: أنه لا ينقض إلا نوم الراكع والساجد، وهو مروى عن أحمد، ولعل وجهه أن الركوع
والسجود مظنة للانتقاض.
السادس: أنه لا ينقض إلا نوم الساجد وهو مروى أيضاً عن أحمد.
السابع: أنه لا ينقض النوم فى الصلاة بكل حال، وينقض خارج الصلاة، ونسب إلى أبى حنيفة.
الثامن: أنه إذا نام جالسا ممكنا مقعدته من الأرض لم ينقض، سواء قل أو كثر، وسواء كان فى
الصلاة أو خارجها، وهو مذهب الشافعى، وعنده أن النوم ليس حدثا فى نفسه، وإنما هو دليل على
خروج الريح، قال النووى: وهذا أقرب المذاهب عندى، وبه يجمع بين الأدلة.اهـ
٢- لمس المرأة: ومذهب الشافعى وأصحابه وابن مسعود وابن عمر والزهرى أن لمس المرأة
الأجنبية من غير حائل ناقض للوضوء، صغيرة كانت أو كبيرة، تشتهى أو لا تشتهى سدا للذرائع،
واستدلوا بقوله تعالى ﴿أَوْ لامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾ [النساء: ٤٣، المائدة: ٦] فهو صريح بأن اللمس من جملة
الأحداث الموجبة للوضوء، وهو حقيقة فى لمس اليد ويؤيد بقاءه على معناه الحقيقى قراءة ﴿ أَوْ
لمَسْتَمْ﴾ فإنها ظاهرة فى مجرد اللمس، وذهب أبو حنيفة وأبو يوسف وعلى وعطاء وابن عباس إلى
أنه لاينقض. قال أبو حنيفة وأبو يوسف: إلا إذا تباشر الفرجان وانتشر، حصل مذى أو لم يحصل،
واستدلوا بحديث عائشة ((أن النبى - كان يقبل بعض أزواجه، ثم يصلى - ولا يتوضأ)» رواه أبو داود
والنسائى، فهذا الحديث قرينة على أن المراد من اللمس فى الآية الجماع، ورد بأن الحديث
مرسل وضعيف.
٩٤
وذهب مالك والليث وأحمد إلى أن اللمس بشهوة ينقض وبدونها لا ينقض جمعا بين الآية
والحديث، فحملوا اللمس فى الآية على ما إذا كان بشهوة، وفى الحديث على ما إذا كان بدونها.
٣- مس ذكر الآدمى وقبل المرأة: ومذهب الشافعى وأحمد وإسحق ومالك فى المشهور عنه أنه
ناقض للوضوء، سواء كان ذكر نفسه أو غيره، واستدلوا بما رواه الخمسة وصححه الترمذى عن بسرة
بنت صفوان أن النبى # قال ((من مس ذكره فلا يصلى حتى يتوضأ)» وبما رواه ابن ماجه وصححه
أحمد عن أم حبيبة قالت: سمعت رسول اللّه * يقول ((من مس فرجه فليتوضأ)».
ومذهب أبى حنيفة وأصحابه والثورى وغيرهم أنه لا ينقض، واحتجوا بما رواه أبو داود والترمذى
والنسائى وابن ماجه وأحمد مرفوعا بلفظ ((الرجل يمس ذكره أعليه وضوء؟ قال صلى الله عليه وسلم:
إنما هو بضعة منك)).
٤- القىء: ومذهب أبى حنيفة أنه من نواقض الوضوء بشرط أن يكون من المعدة، وأن يكون ملء
الفم، وأن يكون دفعة واحدة، ودليله ما رواه أحمد والترمذى عن أبى الدرداء ((أن النبى { قاء فتوضأ)»
ومذهب الشافعى وأصحابه أنه لا ينقض الوضوء، وأجابوا عن الحديث بأن المراد بالوضوء غسل
اليدين، أو أنه مندوب.
٥- الدم: ومذهب أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد وأحمد بن حنبل أن الدم من نواقض الوضوء
وقيدوه بالسيلان، واستدلوا مما رواه ابن ماجه والدارقطنى عن عائشة قالت: قال رسول اللّه ◌ُ ﴾ ((من
أصابه قىء أو رعاف [وهو خروج الدم من الأنف] أو قلس [القلس بفتح اللام ما يخرج من الحلق ملء
الفم وليس بقىء] أو مذى فلينصرف فليتوضأ)» وذهب مالك والشافعى إلى أنه غير ناقض، وردوا
الحديث السابق بأنه ضعيف، ولم يثبت عند أحد من أئمة الحديث المعتبرين.
٦- أكل لحوم الإبل: وقد ذهب أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وابن خزيمة وغيرهم إلى
انتقاض الوضوء به، واستدلوا بما رواه أحمد ومسلم عن جابر بن سمرة «أن رجلا سأل رسول اللَّه ◌َ ﴾.
أنتوضأ من لحوم الغنم؟ قال إن شئت توضأ، وإن شئت فلا تتوضأ، قال: أنتوضأ من لحوم الإبل؟ قال:
نعم. توضأ من لحوم الإبل)) وذهب الخلفاء الأربعة ومالك وأبو حنيفة والشافعى وأصحابهم إلى أنه لا
ينقض الوضوء، واحتجوا بما عند الأربعة وابن حبان من حديث جابر «إنه كان آخر الأمرين منه *
عدم الوضوء مما مست النار)).
ويؤخذ من الحديث فوق ماتقدم
١- أن الوضوء لا يجب لكل صلاة، لأنه جعل نفى القبول ممتداً إلى غاية هى الوضوء وما بعد الغاية
مخالف لما قبلها، فيقتضى ذلك قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقاً حتى الحدث، وتدخل تحته
الصلاة الثانية قبل الوضوء لها ثانية. قاله ابن دقيق العيد.
٢- واستدل به على بطلان الصلاة بالحدث سواء كان خروجه اختياريا أو اضطرارياً لعدم التفرقة فى
الحديث بين حدث وحدث، وأن الصلوات كلها مفتقرة إلى الطهارة.
٩٥
٣- وفيه رد على أبى حنيفة حيث يقول: إذا سبقه الحدث فى الصلاة يتوضأ ويبنى على صلاته، ووجه
الرد أنه لا يخلو حال انصرافه أن يكون مصلياً أو غير مصل، فإن قيل: هو مصل رد لأن الصلاة لا
تقبل مع الحدث، وإن قيل: هو غير مصل لم يقبل أن يبنى على ما تقدم.
٤- وفيه رد على أبى حنيفة حيث يقول: إن من أحدث فى القعدة الأخيرة من غير تعمد بعد التشهد
توضأ وسلم، وإن تعمده فصلاته صحيحة، ويكون حدثه كلامه، ووجه الرد أن التحلل من الصلاة
ركن منها، فلا تصح مع الحدث، إذا الحديث صريح فى أن صلاة المحدث لا تقبل، أحدث قبل
الصلاة أو فى أثنائها.
والله أعلم
٩٦
(١١٣) باب صفة الوضوء وكماله
٤٠٠- ٤ٌ عَنْ حُمْرَانُ مَوْلَى عُثْمَانٌ(٤) أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّان ◌َّهَ ذَهَا بِوَضُوءٍ، فَتَوَضَّأَ. فَغَسَلَ
كَفَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُمْنَى
إِلَى الْمِرْفَقِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ غَسَلَ يَدَهُ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَهُ
الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ غَسَلَ الْيُسْرَى مِثْلَ ذَلِكَ. ثُمَّ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ
تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ِ «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا، ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ
رَكْعَتَيْنِ، لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَكَانْ عُلَمَاؤُنَا يَقُولُونَ: هَذَا الْوُضُوءُ أَسْبَغُ مَا يَتَوَضَّأُ بِهِ أَحَدٌ لِلصَّلاةِ.
٤٠١- مْ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانٌ(٥)؛ أَنْهُ رَأَى عُثْمَانُ دَعَا بِنَاءِ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَيْهِ ثَلاثَ
مِرَارٍ. فَغَسَلَهُمَا. ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ، فَمَضْمَضَ وَاسْتَثْرَ. ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلاثَ مَرَّاتٍ.
وَيَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ. ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلاثَ مَرَّاتٍ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا. ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنٍ، لا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ
لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
المعنى العام
علم رسول الله ﴿ أصحابه كيفية الوضوء بالقول وبالفعل، وكثيراً ما كان يلفت نظرهم إلى تتبع
وضوئه، فيتوضأ أمامهم وضوءاً كاملا ثم يقول ((من توضأ نحو وضوئى هذا ثم صلى ركعتين لا يحدث
فيهما نفسه غفرله ما تقدم من ذنبه ».
وحرص الصحابة كل الحرص على الاقتداء الكامل، فلما اتسعت رقعة الإسلام انحرف بعض
المسلمين المتأخرون فى إسلامهم عن الدقة فى الوضوء، ورأى كبار الصحابة والغيورون أن من
واجبهم تبصير العامة، وتصحيح الخطأ بوضع الصورة الحقة أمامهم، وكان عثمان بن عفان ظه من
هؤلاء الذين التزموا تعليم الأمة، وكان وقت أن كان أمير المؤمنين يجلس على مرتفع فى ميدان
(٤) حَدَّثَنِي أَبُو الطَّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ وَحَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى التَّجِيبِيُّ قَالا أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ
يُونُسَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَطَاءَ بَنَ يَزِيَدَ اللَِّيَّ أَخْبَرَهُ أَنَّ حُمَّرَانٌ مَّوْلَى عُثْمَانَ أَخْبَرَهُ
(٥) وحَدَّثْيِيَ زُهَيَّرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثْنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَثْنَا أَبِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ اللَّيْئِيِّ عَنْ
حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانِ
٩٧
المسجد بين الحين والحين ليقضى بين الناس، وليجتمع بأولى الشأن وأهل العلم، وليقوم بالوعظ
والنصح عندما يرى الخلل، فجلس يوما هذا المجلس ونادى مولاه حمران، وطلب منه أن يأتيه بماء
للوضوء، وأمام القوم بدأ يتوضأ وهو يقول: ألا أريكم وضوء رسول اللّه له؟ كان من السهل أن يطلب
من حمران أن يصب عليه من الإناء، لكنه أراد أن يشعرهم بتواضعه، وأن يبين لهم طريقة استخدام
الشخص لنفسه إناء الوضوء، أخذ الإناء من حمران فوضعه على الأرض، ثم شمر عن ساعديه: وأكفأ
الإناء قليلا على كفيه، ثم أعاده وغسل كفيه بما فيهما من ماء، ثم أكفأه مرة ثانية على كفيه فغسلهما
ثم أكفأه مرة ثالثة فغسلهما، وكان الإناء ذا فم واسع، فأدخل فيه يمينه فملأ كفها، ثم أخرجها
فتمضمض واستنشق من هذه الكف، ثم استنثر فأخرج ماء أنفسه بيسراه، فعل ذلك ثلاث مرات، ثم
أدخل يمينه للمرة الرابعة فملأ كفها، ثم أخرجها وأسند إليها اليسرى فغسل بهما وجهه، فعل ذلك
ثلاث مرات، ثم أدخل يمينه فملأكفها وأسال ماءها على يده اليمنى إلى المرفقين تدلكها يسراه،
فعل ذلك ثلاث مرات، ثم أدخل يده اليمنى فى الإناء فملأ كفها، ثم أخرجها فأسند إليها كف اليسرى،
ثم أسال الماء على يسراه إلى المرفقين تدلكها يمناه، فعل ذلك ثلاث مرات، ثم أدخل يده فأخرج ماء
مسح به رأسه، ثم أدخل يده فأخرج ماء ثلاث مرات غسل بها رجله اليمنى إلى الكعبين، ثم ثلاثاً
أخرى غسل بها رجله اليسرى إلى الكعبين ثم قال: رأيت رسول اللّه * توضأ نحو وضوئى هذا.
هذا ما كان من عثمان بنع. لكن جماعة أخرى لم يكونوا قريبين من عثمان حتى يروا منه الوضوء
الصحيح لجئوا إلى فقيه من فقهاء الصحابة هو عبد الله بن زيد بن عاصم الأنصارى وطلبوا منه أن
يريهم وضوء النبى 31: فدعا بإناء وتوضأ أمامهم مثل وضوء عثمان السابق، ثم قال: هكذا كان وضوء
النبى ﴾
وهكذا حرص كل خلف أن يتمثل وضوء سلفه، وعلم الآباء الأبناء، ونقل كل جيل هيئات العبادة
نقلا متواتراً عن الجيل الذى قبله، حتى جاءتنا الشريعة الغراء واضحة جلية، لا لبس فيها ولا غموض،
وستظل هكذا إلى يوم القيامة إن شاء الله.
المباحث العربية
( عن حمران مولى عثمان ) ((حمران)) بضم الحاء وسكون المبم، كان من سبى عين التمر،
سباه خالد بن الوليد ، فوجده غلاماً كيساً فوجهه إلى عثمان ، فأعتقه، وكان كاتبه وحاجبه،
وولى نيسابور من الحجاج، وهو تابعی.
( أن عثمان بن عفان دعا بوضوء ) فى القاموس: وضؤككرم، فهو وضى، والوضاءة الحسن
والنظافة، وتوضأت للصلاة، وتوضيت لغية أولغة، والميضأة الموضع يتوضأ فيه ومنه، والوضوء بضم
الواو الفعل، وبالفتح ماؤه، ومصدر أيضاً، أو لغتان قد يعنى بهما المصدر، وقد يعنى بهما الماء. اهـ
٩٨
والحديث فى رواياته يجرى على أنهما لغتان، فإن اللفظة التى معنا مروية بضم الواو، ومقصود
بها الماء، وفى آخر الحديث ((من توضأ نحو وضوئى هذا)) بضم الواو أيضاً، ومقصود بها الفعل.
( فتوضأ ) أى فتأهب للوضوء وشرع فبه، ففيه مجاز المشارفة.
( فغسل كفيه ) الفاء تفسيرية، لأن غسل الكفين وما بعده هو الوضوء.
( ثم مضمض ) يقال: مضمض وتمضمض إذا حرك الماء فى فمه، وأصل المضمضة الحركة.
( واستنثر) قال جمهور أهل اللغة والفقهاء والمحدثون: الاستنثار هو إخراج الماء من الأنف
من مخاط وشبهه، وقال ابن الأعرابى وابن قتيبة: هو الاستنشاق. قال النووي: والصواب الأول. اهـ
ويؤيده الرواية الرابعة، إذ فيها ((فمضمض واستنشق واستنثر)) فجمع بين الاستنشاق والاستنثار،
وكذا الرواية السابعة إذ فيها ((فليستنشق بمنخريه من الماء، ثم لينتثر)).
( ثم غسل يده اليمنى إلى المرفق ) المرفق على وزن منبر، وهو موصل الذراع فى العضد، أى
العظم الناتئ فى آخر الذراع، قيل: سمى بذلك لأنه يرتفق به فى الاتكاء ونحوه.
( ثم غسل رجله اليمنى إلى الكعبين ) قال النووى: اتفق العلماء على أن المراد
بالكعبين العظمان الناتئان بين الساق والقدم، وفى كل رجل كعبان، وشذت الرافضة:
فقالت: فى كل رجل كعب، وهو العظم الذى فى ظهر القدم، وحجة العلماء فى ذلك نقل أهل
اللغة والاشتقاق وهذا الحديث الصحيح الذى فيه، ((غسل رجله اليمنى إلى الكعبين .. ثم
غسل اليسرى مثل ذلك» فأثبت فى كل رجل كعبين. اهـ
فقه الحديث
يتناول فقه الحديث النقاط التالية:
١- غسل الكفين قبل إدخالهما الإناء.
٢- الاعتراف للوضوء.
٣- المضمضة والاستنشاق والاستنثار.
٤- غسل الوجه.
٥- غسل اليدين إلى المرفقين.
٦- مسح الرأس.
٧- مسح الأذنين فى الوضوء.
٨-غسل الرجلين إلى الكعبين.
٩- الترتبب بين الأعضاء.
٩٩
١٠ - الوضوء ثلاثا ثلاثا.
١١ - النية للوضوء.
١٢ - التسمية عنده.
١٣- مايؤخذ من الحديث
وإليك الكلام على هذه النقاط بالتفصيل:
١ - روايات الإمام مسلم فى غسل الكفين نصها فى الرواية الأولى ((فغسل كفيه ثلاث مرات)) وفى
الثانية ((فأفرغ على كفيه ثلاث مرار، فغسلهما »
قال النووي: هذا دليل على أن غسل اليدين فى أول الوضوء سنة، وهو كذلك باتفاق العلماء. اهـ ثم
قال: وفيه استحباب تقديم غسل الكفين قبل غمسهما فى الإناء. اهـ والتحقيق أن الكلام فى
نقطتين مختلفتين.
النقطة الأولى: غسل اليدين فى أول الوضوء، وهو سنة ثابتة، لا منازعة فى سنيته، قال الحافظ
ابن حجر: هو سنة فى حق المستيقظ الذى لا يشك فى نجاسة يده: ولا يكره ترك غسلها لعدم ورود
النهی فبه. اهـ
والنقطة الثانية: غسل اليدين لمن قام من النوم أو شك فى نجاستهما، وقد ورد الأمر
بغسلهما فى هذه الحالة قبل غمسهما فى الإناء، وورد النهى عن غمسهما، ففى البخارى
ومسلم ((إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يده قبل أن يدخلها فى وضوئه، فإن
أحدكم لا يدرى أين باتت يده)) وفى رواية ((إذا قام أحدكم من الليل)) وفى أخرى لأبى
داود ((إذا قام أحدكم إلى الوضوء حين يصبح)) وعند أحمد ((فلا يضع يده فى الوضوء
حتى يغسلها)) ولمسلم ((فلا يغمس يده فى الإناء حتى يغسلها)).
ومذهب الجمهور من الفقهاء والمحققين أن غسل اليدين قبل غمسهما لمن قام من النوم أو شك
فى نجاستهما مندوب ويكره تركه، وذهب أحمد إلى وجوب الغسل عند القيام من نوم الليل دون
نوم النهار، وفى رواية عنه أن ترك العسل بعد القيام من نوم الليل مكروه كراهة تحريم، وتركه بعد
القيام من نوم النهار مكروه كراهة تنزيه، والجمهور من المتقدمين والمتأخرين على أن الماء لا
ينجس إذا غمس يده فيه قبل غسلهما، لأن الأصل فى اليد والماء الطهارة، فلا ينجس بالشك،
وحكى عن الحسن البصرى وإسحق بن راهويه ومحمد بن حرير الطبرى أنه ينجس بالغمس بعد
القيام من نوم الليل، لكنه خلاف قواعد الشريعة المتظاهرة.
هذا وقد اختلف فى الكيفية المستحبة لغسل الكفين، هل يغسلهما مجتمعتين؟ أو يغسل اليمنى،
ثم يدخلها فيخرج ما يغسل به الأخرى؟ والظاهر الأول حيث أمكن.
كما اختلف فى كون هذا الغسل المستحب للنظافة أو للتعبد، فمن قال للنظافة استدل بقوله
صلى الله عليه وسلم ((فإنه لا يدرى أين باتت يده)) وعليه لا يستحب غسلهما لمن أحدث فى أثناء
١٠٠