النص المفهرس

صفحات 621-640

فقه الحديث
فيه خوارق العادات على يد الصالحين.
وفيه التضحية فى سبيل الله.
وفيه ما تحمل الدعاة إلى الله، ومن تبعهم.
والله أعلم
٦٢١

(٨٠٦) باب حديث جابر الطويل، وقصة أبى اليسر
٦٥٣٢ - ٤َ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ (٧٤) قَالَ: خَرَجْتُ أَنَا وَأَبِي نَطْلُبُ
الْعِلْمَ فِي هَذَا الْحَيِّ مِنَ الأَنْصَارِ، قَبْلَ أَنْ يَهْلِكُوا. فَكَانٌ أَوَّلُ مَنْ لَقِينَا أَبَا الْيَسَرِ، صَاحِبَ
رَسُولِ اللَّهِعَ﴾. وَمَعَهُ غُلامٌ لَهُ. مَعَهُ ضِمَامَةٌ مِنْ صُحُفٍ. وَعَلَى أَبِي الْيَسَرِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِيَّ.
وَعَلَى غُلامِهِ بُرْدَةٌ وَمَعَافِرِيَّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا عَمِّا إِنِّي أَرَى فِي وَجْهِكَ سَفْعَةً مِنْ غَضَبٍ.
قَالَ: أَجّلْ. كَانَ لِي عَلَى فُلانِ ابْنٍ فُلانِ الْحَرَامِيِّ مَالٌ. فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ فَسَلَّمْتُ. فَقُلْتُ: فَمَّ هُوَ؟
قَالُوا: لا. فَخَرَجَ عَلَيَّ ابْنٌ لَهُ جَفْرٌ. فَقُلْتُ لَهُ: أَيْنَ أَبُوكَ؟ قَالَ: سَمِعَ صَوْتَكَ فَدَخَلَ أَرِيِكَةً
أُمِّي. فَقُلْتُ: اخْرُجْ إِلَيَّ. فَقَدْ عَلِمْتُ أَيْنَ أَنْتَ، فَخَرَجَ. فَقُلْتُ: مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنِ اخْتَبَأْتَ
مِنِّي؟ قَالَ: أَنَا، وَاللَّهِ! أُحَدُِّكَ. ثُمَّ لا أَكْذِيُكَ. خَشِيتُ، وَاللَّهِ! أَنْ أُحَدِّفَكَ فَأَكْذِيَكَ. وَأَنْ
أَعِدَكَ فَأَخْلِفَكَ. وَكُنْتَ صَاحِبَ رَسُولَ اللَّهِ:﴿ .. وَكُنْتُ، وَاللَّهِ! مُعْسِرًا. قَالَ: قُلْتُ: آللَّهِ!
قَالَ: اللَّهِ! قُلْتُ: آللَّهِ! قَالَ: اللَّهِ! قُلْتُ: آللَّهِ! قَالَ: اللَّهِ! قَالَ: فَأَتَى بِصَحِيفَتِهِ فَمَحَاهَا بِيَدِهِ.
فَقَالَ: إِنْ وَجَدْتَ قَضَاءً فَاقْضِي، وَإِلا، أَنْتَ فِي حِلِّ. فَأَشْهَدُ بَصَرُ عَيْنَيَّ هَاتَيْنِ (وَوَضَعَ
إِصْبَغَيْهٍ عَلَى عَيْنَيْهِ) وَسَمْعُ أَذِّنَيَّ هَاتَيْنٍ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا (وَأَشَارَ إِلَى مَنّاطٍ قَلْبِهِ) رَسُولَ اللَّهِ
﴿ وَهُوَ يَقُولُ: «مَنْ أَنْظَرَ مُعْسِرًا، أَوْ وَضَعَ عَنْهُ، أَظَلَّهُ اللَّهُ فِي ظِلّهِ» قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ أَنّا: يَا
عَمِّ لَوْ أَنْكَ أَخَذْتَ بُرْدَةَ غُلامِكَ وَأَعْطَيْئَهُ مَعَافِرِيَّكَ، وَأَخَذْتَ مَعَافِرِيَّهُ وَأَعْطَيّْهُ بُرْدَكَ،
فَكَانَتْ عَلَيْكَ حُلَّةٌ. وَعَلَيْهِ خُلَّةٌ. فَمَسَحَ رَأْسِي وَقَالَ: اللَّهُمَّ! بَارِكْ فِيهِ. يَا ابْنَ أَخِي! بَصَرُ
عَيْنَيِّ هَاَيْنٍ، وَسَمْعُ أُذُنَيَّ هَاتَيْنٍ، وَوَعَاهُ قَلْبِي هَذَا (وَأَشَارَ إِلَى مَّيَاطٍ قَلْبِهِ) رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ وَهُوَ
يَقُولُ: «أَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ. وَأَلْبِسُّوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ)». وَكَانَ أَنْ أَعْطَيُهُ مِنْ مَتَاعِ الدُّنْيَا
أَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَسَّنَاِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ. ثُمَّ مَضَيْئًا حَتَّى أَيْئًا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فِي
مَسْجِدِهِ، وَهُوَ يُصَلِّي فِي قَوْبٍ وَاحِدٍ، مُشْتَمِلا بِهِ. فَتَخَطَّيْتُ الْقَوْمَ حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ
الْقِبْلَةِ. فَقُلْتُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ: أَتُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَرِدَاؤُكَ إِلَى جَنْبِكَ؟ قَالَ: فَقَالَ بِيَدِهِ فِي
صَدْرِي هَكَذًا، وَفَرَّقَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَقَوَّسَهَا: أَرَدْتُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَيَّ الأَحْمَقُ مِثْلُكَ، فَيَرَانِي
كَيْفَ أَصْنَعُ. فَصْعُ مِثْلَهُ. أَثَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فِي مَسْجِدِنَّا هَذَا. وَفِي يَدِهِ عُرْجُونُ ابْنٍ طَابٍ،
فَرَأَى فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةٌ فَحَكَّهَا بِالْعُرْجُونِ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ
(٧٤) حَدَّثَنَا هَارُونُ بْنُ مَعْرُوفٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَتَقَارَبًا فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ وَالسَّاقُ لِهَارُونَ قَالا حَدَّقْنَا خَائِمُ بْنُ إِسْمَعِيلَ عَنْ
يَعْقُوبَ بْنٍ مُجَاهِدٍ أَبِي حَزْرَةَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ بْنٍ غْبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ
٦٢٢

اللَّهُ عَنْهُ؟» قَالَ: فَخَشَعْنَا، ثُمَّ قَالَ: «أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟» قَالَ: فَخَشَعْنَا. ثُمَّ قَالَ:
«أَيُّكُمْ يُحِبُّ أَنْ يُعْرِضَ اللَّهُ عَنْهُ؟» قُلْنَا: لا أَيُّنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إِذَا قَامَ
يُصَلِّي، فَإِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لِلَ وَجْهِهِ. فَلا يَبْصُقَنَّ قِبَلَ وَجْهِهِ. وَلا عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَبْصُقْ عَنْ
يَسَارِهِ، تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى. فَإِنْ عَجِلَتْ بِهِ بَادِرَةٌ فَلْيَقُلْ بِقَوْبِهِ هَكَذَا» ثُمَّ طَوَى قَوْبَةُ بَعْضَهُ
عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ: «أَرُونِي عَبِيرًا» فَقَامَ فَتَّى مِنَ الْحَيِّ يَشْتّدُّ إِلَى أَهْلِهِ. فَجَاءٌ بِخُلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ.
فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ﴿ فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ الْعُرْجُونِ. ثُمَّ لَطَخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النَّخَامَةِ. فَقَالَ جَابِرٌ:
فَمِنْ هُنَاكَ جَعَلْتُمُ الْخُلُوقَ فِي مُسَاجِدِكُمْ. سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فِي غَزْوَةِ بَطْنٍ بُوَاطٍ وَهُوَ
يَطْلُبُ الْمَجْدِيَّ بْنَ عَمْرٍوِ الْجُهَيِيِّ. وَكَانَ الْنّاضِحُ يَعْقُبُهُ مِنَّا الْخَمْسَةُ وَالسَِّّةُ وَالسَّبْعَةُ. فَدَارَتْ
عُقْبَةُ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى نَاضِحٍ لَهُ. فَنَاحَةُ فَرَكِيَهُ، ثُمَّ بَعَثَهُ فَتَلَدَّنْ عَلَيْهِ بَعْضَ الثَّلَدُّنِ. فَقَالَ
لَهُ: شأ. لَعَنَّكَ اللَّهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿َ: «مَنْ هَذَا اللاعِنُ بَعِيرَهُ؟» قَالَ: أَنَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ!
قَالَ: «انْزِلْ عَنْهُ. فَلا تَصْحَبْنَا بِمَلْعُونٍ. لا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ. وَلا تَدْعُوا عَلَى أَوْلادِكُمْ، وَلا
تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ، لا تُوَافِقُوا مِنَ اللَّهِ سَاعَةٌ يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءٌ، فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ)) سِرْنًا مَعَ
رَسُولِ اللَّهِ ﴿. حَتَّى إِذَا كَانَتْ عُشَيْشِيَةٌ وَدَلَوْنَا مَاءٌ مِنْ مِيَاهِ الْعَرَبِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ◌ِّ:
«مَنْ رَجُلٌ يَتَقَدَّمْنَا فَيَمْدُرُ الْحَوْضَ فَيَشْرَبُ وَيَسْقِينًا؟» قَالَ جَابِرٌ: فَقُمْتُ فَقُلْتُ: هَذَا رَجُلٌ، يَا
رَسُولَ اللَّهِ! فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴾: «أَيُّ رَجُلٍ مَعَ جَابِرٍ؟» فَقَامَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ. فَانْطَلَقْنَا إِلَى
الْبِثْرِ. فَتَزَقْنَا فِي الْحَوْضِ سَجْلا أَوْ سَجْلَيْنٍ ثُمَّ مَدَرْنَاهُ. ثُمَّ نَزَغًْا فِيهِ حَتَّى أَفْهَقْنَّاهُ. فَكَانَ أَوَّلَ
طَالِعٍ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِعَ﴿هَ. فَقَالَ: «أَتَأْذَنَانِ» قُلْنَا: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَأَشْرَعَ نَاقَّتَهُ فَشَرِبَتْ.
شَفَقَ لَّهَا فَشَجَتْ قَبَالَتْ، ثُمَّ عَدَلَ بِهَا فَأَنَاخَهَا، ثُمَّ جَاءَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ إِلَى الْحَوْضِ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ
ثُمَّ قُمْتُ فَتَوَضَّأْتُ مِنْ مُتَوَضٍَّ رَسُولِ اللَّهِ﴿َ. فَذَهَبَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ يَقْضِي حَاجَتَهُ. فَقَامَ
رَسُولُ اللَّهِ:﴿ لِيُصَلِّيَ. وَكَانَتْ عَلَيَّ بُرْدَةٌ ذَهَبْتُ أَنْ أُخَالِفَ بَيْنَ طَرَفَيْهَا فَلَمْ تَبْلُغْ لِي. وَكَانَتْ
لَهَا ذَاذِبُ فَنَكْسْتُهَا ثُمَّ خَالَفْتُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا، ثُمَّ تَوَاقَصْتُ عَلَيْهَا. ثُمَّ جِئْتُ حَتَّى قُمْتُ عَنْ
يَسَارٍ رَسُولِ اللَّهِ ﴿َ. فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَبِي خَتَّى أَقَامَتِي عَنْ يَمِينِهِ. ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ
قَتَوَضَاً. ثُمَّ جَاءً فَقَامَ عَنْ يَسَارٍ رَسُولِ اللَّهِ﴿ فَأَخَذَّ رَسُولُ اللَّهِو ◌َ بِيِّدَيْنَا جَمِيعًا. فَدَفَعَنَا حَنِّى
أَقَامَنًا خَلْفَهُ. فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ يَرْمُقُنِي وَأَنَا لا أَشْعُرُ. ثُمَّ فَطِنْتُ بِهِ. فَقَالَ هَكّذًا، بِيَدِهِ يَعْنِي
شُدّ وَسَطَّكَ. فَلَّمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللّهِ﴿ قَالَ: «يَا جَابِرًا» قُلْتُ: لَبَّيْكَ، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ:
«إِذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ. وَإِذَا كَانْ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ». سِرْنَا مَعَ رَسُولٍ
اللَّهِ ﴾. وَكَانَ قُوتُ كُلِّ رَجُلٍ مِنَّا، فِي كُلِّ يَوْمٍ تَمْرَةً، فَكَانٌ يَمِّصُّهَا ثُمَّ يَصُرُّهَا فِي ثَوْنِهِ.
وَكُنَّا نَخْتَبِطُ بِقِسِيِّنَا وَتَأْكُلُ. حَتَّى قَرِحَتْ أَشْدَاقَُّا، فَأَقْسِمُ أُخْطِئَهَا رَجُلٌ مِنَّا يَوْمًا. فَانْطَلَقْنَا بِهِ
٦٢٣

تَنْعَشُهُ. فَشَهِدْنَا أَنَّهُ لَمْ يُعْطَهَا. فَأُعْطِيَهَا فَقَامَ فَأَخَذَهَا. سِرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ حَنِّى نَزَلْنَا وَادِيًّا
أَفْيَحَ. فَذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ فَ يَقْضِي حَاجَتَهُ فَبَعْتُهُ بِإِدَاوَةٍ مِنْ مَاءِ. فَنَظَرَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ فَلَمْ
يَرَ شَيْئًا يَسَْيِّرُ بِهِ. فَإِذَا شَجَرَكَانِ بِشَاطِئٍ الْوَادِي، فَانْطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِعَ إِلَى إِحْدَاهُمَا فَأَخَذَ
بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَائِهَا. فَقَالَ: «الْقَادِي عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ» فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَالْبَعِيرِ الْمَخْشُوشِ، الَّذِي
يُصَانِعُ قَائِدَهُ، حَتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الأُخْرَى، فَأَخَذَ بِغُصْنٍ مِنْ أَغْصَائِهَا. فَقَالَ: «انْقَادِي عَلَيَّ.
بِإِذْنِ اللَّهِ» فَانْقَادَتْ مَعَهُ كَذَلِكَ. حَتِّى إِذَا كَانٌ بِالْمَنْصَفِ مِمَّا بَيَْهُمَّا، لِأَمَ بَيْنَهُمَا (يَعْنِي
جَمَّعْهُمَا) فَقَالَ: «الْتَيِّمَا عَلَيَّ بِإِذْنِ اللَّهِ)) فَالْنَأْمَئًا، قَالَ جَابِرٌ: فَخَرَجْتُ أُخْضِرُ مَخَافَةَ أَنْ يُحِسَّ
رَسُولُ اللَّهِ ﴿َ بِقُرْبِي فَيَبْتَعِدَ (وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ: فَيَتَبَعْدَ) فَجَلَسْتُ أُحَدِّثُ نَفْسِي. فَجَانَتْ
مِنِّي لَفْتَةٌ، فَإِذَا أَنَا بِرَسُولِ اللَّهِ ﴿ مُقْبِلا. وَإِذَا الشَّجْرَانِ قَدِ افْتَرَقَتَا. فَقَامَتْ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا
عَلَى سَاقٍ. فَرَأيْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِ﴿ وَقَفَ وَقْقَةٌ. فَقَالَ بِرَأْسِهِ هَكَذَا (وَأَشَارَ أَبُو إِسْمَعِيلَ بِرَأْسِهِ
يَمِيْئًا وَثِمَالا) ثُمَّ أَقْبَلَ. فَلَمَّا الْتَهَى إِلَيَّ قَالَ: «يَا جَابِرًا هَلْ رَأَيْتَ مَقَامِي؟» قُلْتُ: نَعَمْ يَا
رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «فَانْطَلِقْ إِلَى الشَّجَرَيْنِ فَاقْطَعْ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا غُصْنَا. فَأَقْبِلْ بِهِمَا.
حَتَّى إِذَا قُمْتَ مَقَامِي فَأَرْسِلْ غُصْنًا عَنْ يَمِينِكَ وَقُصْنًا عَنْ يَسَارِكٌ» قَالَ جَابِرٌ: فَقُمْتُ
فَأَخَذْتُ حَجَرًا فَكْسَرْتُهُ وَحَسَرْتُهُ. فَانْذَلَقَ لِي. فَأَتَيْتُ الشَّجَرَيْنِ فَقَطَّعْتُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَّا
غُصْنًا، ثُمْ أَقْبَلْتُ أَجُزُّهُمَا حَتَّى قُمْتُ مَقّامَ رَسُولِ اللَّهِ وَ﴿َ. أَرْسَلْتُ غُصْنًا عَنْ يَمِينِي وَغُصْنًا
عَنْ يَسَارِي، ثُمَّ لَحِقْتُهُ فَقُلْتُ: قَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ! فَعَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: «إِنِّي مَرَرْتُ بِقَبْرَيْنِ
يُعَذِّبَانِ. فَأَحْبَبْتُ بِشَفَاعَتِي، أَنْ يُرَّفَّةَ عَنْهُمًا، مَا دَامَ الْغُصْنَانِ رَطْبَيْنٍ». قَالَ: فَأَتَيْنَا الْعَسْكَرَ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَ﴿هَ: «يَا جَابِرًا تَادٍ بِوَضُوءِ» فَقُلْتُ: أَلا وَضُوءِ؟ أَلا وَضُوءَ؟ أَلا وَضُوءَ؟
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا وَجَدْتُ فِي الرَّكْبِ مِنْ قَطْرَةٍ، وَكَانَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ يُبَرَّهُ
لِرَسُولِ اللَّهِف ◌َ﴿َ الْمَاءِ، فِي أَشْجَابٍ لَهُ، عَلَى حِمَارَةٍ مِنْ جَرِيدٍ، قَالَ: فَقَالَ لِيَّ: «انْطَلِقْ إِلَى
فُلانِ ابْنٍ فُلانِ الأَنْصَارِيِّ، فَانْظُرْ هَلْ فِي أَشْجَابِهِ مِنْ شَيْءٍ؟» قَالَ: فَانْطَلَقْتُ إِلَيْهِ فَنَظَرْتُ فِيهَا
فَلَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلاَ قَطْرَةٌ فِي عَزْلاءٍ شَجْبٍ مِنْهَا، لَوْ أَنِي أَفْرِغُهُ لَشَرِبَّهُ يَابِسُهُ. فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ
﴿ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ أَجِدْ فِيهَا إِلا قَطْرَةٌ فِي عَزْلاءٍ شَجْبٍ مِنْهَا، لَوْ أَنّي أُفْرِغُهُ
لَشَرِبَهُ يَابِسُهُ. قَالَ: «اذْهَبْ فَأْتِي بِهِ» فَأَيْتُهُ بِهِ. فَأَخَذَهُ بِيَدِهِ فَجَعَلَ يَتَكُلِّمُ بِشَيْءٍ لا أَذْرِي مَا
هُوَ وَيَغْيِزُهُ بِيَدَيْهِ. ثُمَّ أَعْطَائِهِ فَقَالَ: «يَا جَائِرًا نَادٍ بِجَفْئَةٍ» فَقُلْتُ: يَا جَفْنَةَ الرَّكْبِ! فَأُبِيتُ بِهَا
تُحْمَلُ. فَوَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَّيْهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿َ بِيَدِهِ فِي الْجَفْنَةِ هَكَذَا فَبَسَطَّهَا وَفَرَّقَ بَيْنَ
أَصَابِعِهِ ثُمَّ وَضَعَهَا فِي قَعْرِ الْجَفْنَةِ. وَقَالَ: «خُذْ يَا جَابِرُ: فَصُبَّ عَلَيَّ. وَقُلْ: بِاسْمِ اللَّهِ»
فَصَبَيْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ: بِاسْمِ اللَّهِ. فَرْأَيْتُ الْمَاءَ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعٍ رَسُولِ اللَّهِ:﴿. ثُمَّ فَارَتِ
٦٢٤

الْجَفْنَةُ وَدَارَتْ حَتَّى امْتَلُأَتْ. فَقَالَ: «يَا جَابِرًا نَادٍ مَنْ كَانَ لَهُ حَاجَةٌ بِمَاءِ» قَالَ: فَأَتَى النَّاسُ
فَاسْتَقَوْا حَتَّى رَؤُوا. قَالَ فَقُلْتُ: هَلْ بَقِيَ أَحَدٌ لَهُ حَاجَةٌ؟ فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِيَدَهُ مِنَ الْجَفْةِ
وَهِيَ مَلَأَى، وَشَكّا النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِع ◌َ﴿ِ الْجُوعَ. فَقَالَ: «عَسَى اللَّهُ أَن يُطْعِمَكُمْ)» فَأَيْنًا
سِيفَ الْبَحْرِ. فَزَخَرَ الْبَحْرُ زَخْرَةٌ. فَأَلْقَى دَابَةٌ. فَأَوْرِّنَا عَلَى شِقْهَا النَّارَ. فَاطْبَغْنَا وَاشْتَوَيِنَا،
وَأَكَلْنَا حَتَّى شَبِغْنَا، قَالَ جَابِرٌ: فَدَخَلْتُ أَنَا وَقُلاٌ وَقُلاٌ، حَتَّى عَدَّ خَمْسَةٌ، فِي حِجَاجٍ غَيْنِهَا.
مَا يَرَانًا أَحَدٌ، حَتِّى خَرَجْنَا فَأَخَذْنَا ضِلَعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَقَوَّسْنَاهُ. ثُمَّ دَعَوْنَا بِأَعْظَمِ رَجُلٍ فِي
الرَّكْبِ، وَأَعْظَمٍ جَمّلٍ فِي الرِّكْبِ، وَأَعْظَمٍ كِفْلٍ فِي الرِّكْبِ، فَدَخَلَ تَحْتَهُ مَا يُطَأْطِئُ رَأْسَهُ.
المعنى العام
يجمع هذا الحديث تلميذين، يتعلمان على يدى شيخين، التلميذان عبادة بن الوليد بن عبادة بن
الصامت وأبوه، والشيخان أبو اليسر الصحابى الجليل، وجابر بن عبد الله رضى الله عنهما، أما الشيخ
الأول فدرس للتلميذين حديث إنظار المعسر، وحديث ((أطعموهم مما تأكلون، وألبسوهم مما
تلبسون))، وأما الشيخ الثانى فبسط للتلميذين حديثاً طويلا عن أحداث ووقائع، عايشها فى غزوة بطن
بواط، بعد أن شرح حديثاً فى التحذير من البصاق فى قبلة المصلى.
والأحداث التى تناولها جابر بن عبد الله فى تلك الغزوة تصور الشدة والضنك والمشقة التى
صادفت رسول اللَّه :﴿ والمسلمين. فقد كان السبعة منهم يتعاقبون على البعير الواحد، وتعب منهم
بعير فلعنه صاحبه، فأطلق سراحه، وقل أو ندر الماء، فنبع من بين أصابعه صلى اللّه عليه وسلم، حتى
رووا، وكانت التمرة الواحدة نصيب الرجل يوماً كاملاً، يمصها، ثم يحفظها، ليمصها ثانية بعد
ساعات، حتى أكلوا أوراق الشجر، وتشققت أشداقهم، وجاعوا، ونفد ما عندهم من تمر، فأخرج البحر
لهم دابة عظيمة أشبعتهم وحملوا معهم نصفها.
وهكذا يعطينا جابر بن عبد اللَّه ه وعن أبيه صورة حية للإسلام وكيف أقامه ونشره صحابة
رسول اللَّهِ :﴿ مع نبى الإسلام. رضى الله عنهم أجمعين.
المباحث العربية
( فكان أول من لقينا أبا اليسر) بفتح الياء والسين، واسمه كعب بن عمر، مشهور باسمه
وكنيته، شهد العقبة وبدراً، وهوابن عشرين سنة، وتوفى بالمدينة سنة خمس وخمسين.
( ومعه غلام له، معه ضمامة من صحف) ((ضمامة)) بكسر الضاد))، قال القاضى: وقال
بعض شيوخنا: صوابه: ((إضمامة))، بكسر الهمزة قبل الضاد، قال القاضى: ولا يبعد عندى صحة ما
٦٢٥

جاءت به الرواية هنا. وقال صاحب نهاية الغريب: إن الضمامة لغة فى الإضمامة، والمشهور فى اللغة
الإضمامة بالألف.
( وعلى أبى اليسر بردة ) وهى شملة مخططة، وقيل: كساء مربع، يلبسه الأعراب، وجمعه برد
بضم الباء وفتح الراء.
(ومعافرى ) بفتح الميم، وهو نوع من الثياب، يعمل بقرية تسمى معافر، وقيل: هى نسبة إلى
قبيلة، نزلت تلك القرية.
(إنى أرى فى وجهك سفعة من غضب؟ قال: أجل) ((سفعة)) بفتح السين وضمها،
لغتان وبإسكان الفاء، أى علامة غضب، وتغير فى الوجه.
(كان لى على فلان ابن فلان الحرامى مال) قال القاضى: رواه الأكثرون ((الحرامى))
بفتح الحاء وبالراء نسبة إلى بنى حرام، ورواه الطبرى وغيره ((الحزامى)) بالزاى مع كسر الحاء، ورواه
ابن ماهان ((الجذامى)) بضم الجيم وفتح الذال.
( فأتيت أهله، فسلمت، فقلت: ثم هو؟ قالوا: لا) ((ثم)) بفتح الثاء، بمعنى ((هنا)).
( فخرج على ابن له جفر) أى قارب البلوغ، وقيل: هو الذى قوى على الأكل، وقيل: ابن خمس
سنين.
( فقلت له: أين أبوك؟ قال: سمع صوتك، فدخل أريكة أمى ) قيل: هى السرير الذى
فى الحجلة، أى فى قبة من الثياب. قال ثعلب: ولا يكون السرير المفرد أريكة. وقال الأزهرى: كل ما
اتكأت عليه فهو أريكة.
( فقلت: اخرج إلى، فقد علمت أين أنت؟ فخرج، فقلت: ماحملك على أن اختبأت
منى؟ قال: أنا واللَّه أحدثك، ثم لا أكذبك، خشيت - واللَّه - أن أحدثك، فأكذبك، وأن
أعدك فأخلفك، وكنت صاحب رسول اللَّه ◌ِ﴾، وكنت - والله - معسراً، قال: قلت: آللَّه؟
قال: اللَّه. قلت: آللَّه؟ قال: اللَّه. قلت: آللَّه؟ قال: اللَّه) قال النووى: الأول بهمزة ممدودة
على الاستفهام - أى أتحلف بالله - والثانى بلا مد، والهاء فيهما مكسورة، هذا هو المشهور. قال
القاضى: رويناه بكسرها وفتحها معا، وأكثر أهل العربية لا يجيزون غير كسرها، مجرورة بحرف قسم
محذوف.
( قال: فأتى بصحيفته، فمحاها بيده، فقال: إن وجدت قضاء فاقضنى ) أى محا أبو
اليسر الوثيقة التى تثبت الدين، وقال للمدين: لا تثريب عليك، إن تيسرت وأردت قضاء دينى فى أى
وقت فاقضه، وإلا فأنت فى حل من دینی.
٦٢٦

( فأشهد - بصر عينى هاتين، ووضع إصبعيه على عينيه، وسمع أذنى هاتين، ووعاه
قلبى هذا -وأشار إلى مناط قلبه- رسول اللَّه :﴿، وهو يقول :... ) قال النووى ((بصر)) بفتح
الصاد ورفع الراء، و((سمع)) بإسكان الميم، ورفع العين - أى هذا الحديث الذى سأذكره لك هو سمع
أذنى، وبصر عينى، ووعى قلبى، أى هو مؤكد تأكد اليقين - ورواه جماعة بضم الصاد وفتح الراء،
و((عيناى هاتان)) فعل وفاعل- و((سمع)) بكسر الميم، و((أذناى هاتان)» فعل وفاعل، وكلاهما صحيح.
فالمفعول محذوف، أى بصر عيناى، وسمع أذناى، ووعى قلبى، الحديث الآتى.
و((مناط القلب)) بفتح الميم عرق القلب، وفى بعض النسخ ((نياط)) بكسر النون، وهو بمعناه.
( فقلت له أنا ) كان الكلام الأول بين أبى اليسر وبين الوليد بن عبادة، والكلام الجديد بين
عبادة بن الوليد وبين أبى اليسر.
( ياعم. لو أنك أخذت بردة غلامك، وأعطيته معافريك، وأخذت معافريه وأعطيته
بردتك، فكانت عليك حلة، وعليه حلة ) قال النووى: هكذا هو فى جميع النسخ ((وأخذت))
بالواو، وكذا نقله القاضى عن جميع النسخ والروايات، ووجه الكلام وصوابه أن يقول ((أو أخذت)) بأو،
لأن المقصود أن يكون على أحدهما بردتان، وعلى الآخر معافريان، أما الحلة فهى ثوبان، إزار ورداء،
قال أهل اللغة: لا تكون إلا ثوبين، سميت بذلك لأن أحدهما يحل على الآخر، وقيل: لاتكون إلا الثوب
الجديد، الذى يحل من طيه.
( وكان أن أعطيته من متاع الدنيا أهون على ) أى وكان إعطائى له شيئاً من متاع الدنيا
أهون على.
(وهو يصلى فى ثوب واحد مشتملا به ) أى ملتحفاً به، مشتملاً به اشتمالاً ليس باشتمال
الصماء المنهى عنه.
( فقال بيده فى صدرى هكذا ) أطلق القول على الفعل، أى فضرب بيده فى صدرى.
( أردت أن يدخل على الأحمق مثلك ) المراد بالأحمق هنا الجاهل، وحقيقة الأحمق من
يعمل مايضره مع علمه بقبحه.
( وفى يده عرجون ابن طاب ) العرجون الغصن، وابن طاب نوع من النخيل معروف.
( فخشعنا ) قال النووى: بالخاء، كذا رواية الجمهور، ورواه جماعة بالجيم، وكلاهما صحيح،
والأول من الخشوع، وهو الخضوع والتذلل والسكون، وأيضاً غض البصر، وأيضاً الخوف، وأما الثانى
فمعناه الفزع.
( فإن اللَّه قبل وجهه) قال العلماء: أى الجهة التى عظمها، أو الكعبة التى عظمها قبل وجهه،
ففى الكلام مضاف محذوف، أى كعبة الله.
٦٢٧

( فإن عجلت به بادرة ) أى غلبته بصقة، أو نخامة.
( فليقل بثوبه هكذا ) فيه استخدام القول بدل الفعل.
( أرونى عبيراً) بفتح العين وكسر الباء، وهو الزعفران، وقيل: أخلاط من الطيب، تجمع
بالزعفران، قيل: العبير هو الخلوق، وقيل: غيره.
( فقام فتى من الحى يشتد إلى أهله ) أى يسعى، ويعدو عدوا شديداً.
( فى غزوة بطن بواط ) بضم الباء وفتحها، والواو مخففة، وهو جبل من جبال جهينة.
(وهو يطلب المجدى بن عمرو الجهنى) قال النووى: ((المجدى)) بفتح الميم وإسكان
الجيم، هكذا فى جميع النسخ عندنا، قال القاضى: وفى بعضها ((النجدى)) بالنون بدل الميم، قال:
والمعروف الأول.
( وكان الناضح يعتقبه منا الخمسة والستة والسبعة) ((الناضح)) البعير يستقى عليه،
أما العقبة فهى ركوب هذا نوبة، وهذا نوبة، قال النووى: ورواية أكثرهم ((يعقبه)) بفتح الياء، وضم
القاف، وفى بعضها ((يعتقبه)) بزيادة التاء وكسر القاف، وكلاهما صحيح.
( فتلدن عليه بعض التلان ) أى تلكأ عليه، وتمرد عليه بعض التمرد.
( فقال له: شألعنك الله) ((شأ)) بفتح الشين، بعدها همزة. قال النووي: هكذا هو فى نسخ
13
بلادنا، وذكر القاضى رحمه الله أن الرواة اختلفوا فيه، فرواه بعضهم بالسين، قالوا: وكلاهما صحيح،
وهى كلمة زجر للبعير، يقال منهما: شأ شأت البعير، وسأسأت البعير، إذا زجرته.
( حتى إذا كانت عشيشية) قال النووى: هكذا الرواية فيها على التصغير، مخففة الياء
الأخيرة، ساكنة الأولى.
( من رجل يتقدمنا، فيمدر الحوض ) أى يطينه، لئلا يخرج منه الماء، ويصلحه وينظفه؟.
( فنزعنا فى الحوض سجلا، أو سجلين ) السجل بفتح السين وسكون الجيم الدلو
المملوءة، أى غسلاه ونظفاه بدلو أو دلوين.
( ثم مدرناه ) أى سددا ثقوبه ومنافذه حتى لا يسيل منه الماء.
( ثم نزعنا فيه حتى أفهقناه ) قال النووى: هكذا فى جميع نسخنا، وكذا ذكره القاضى عن
الجمهور، قال: وفى رواية السمرقندى ((أصفقناه)) بالصاد، ومعناهما ملأناه.
(فأشرع ناقته، فشربت. شنق لها فشجت، فبالت ) ((أشرع لها)) يعنى أرسل لها رأسها
٦٢٨

فى الماء لتشرب، ويقال: شنقها وأشنقها، أى كفها بزمامها وهو راكبها، قال ابن دريد، هو أن تجذب
زمامها، حتى تقارب رأسها قادمة الرحل، وقوله ((فشجت)» بفاء وشين وجيم مفتوحات، والجيم
مخففة، والفاء هنا أصلية، يقال: فشج البعير إذا فرج بين رجليه للبول، وفشج بالتشديد أشد من فشج
بالتخفيف.
قال النووى: هذا الذى ذكرناه من ضبطه هو الصحيح الموجود فى عامة النسخ، وهو الذى ذكره
الخطابى والهروى وغيرهما من أهل الغريب، وذكره الحميدى فى الجمع بين الصحيحين ((فشجت))
بتشديد الجيم، وتكون الفاء زائدة للعطف، وفسره الحميدى فى غريب الجمع بين الصحيحين، قال:
معناه قطعت الشرب من قولهم: شججت المفازة، إذا قطعتها بالسير، وأنكر بعضهم اجتماع الشين
والجيم، وادعى أن صوابه ((فشحت)) بالحاء، من قولهم: شحا فاه، إذا فتحه، فيكون بمعنى تفاجت،
والصحيح ما قدمناه عن عامة النسخ.
(وكانت لها ذباذب، فنكستها) ((ذباذب)) أى أهداب وأطراف، واحدها ذبذب، بكسر
الذالين، سميت بذلك لأنها تتذبذب على صاحبها إذا مشى، أى تتحرك وتضطرب، و«نكستها)»
بتخفيف الكاف وتشديدها.
( ثم تواقصت عليها ) أى أمسكت عليها بعنقى، وأملته عليها، لئلا تسقط.
(فجعل رسول اللَّه# يرمقنى، وأنا لا أشعر) أى ينظر إلى نظراً متتابعاً.
( وإذا كان ضيقا فاشدده على حقوك ) بفتح الحاء وكسرها، وهو معقد الإزار، والمراد هنا
أن يبلغ السرة.
( وكان قوت كل رجل منا كل يوم تمرة، فكان يمصها ) بفتح الميم على اللغة المشهورة،
وحكى ضمها.
( وكنا نختبط بقسينا ) بكسر القاف والسين والياء المشددة، جمع قوس، أى نضرب الشجر
بالقسى، ليسقط ورقه، فنأكله.
( حتى قرحت أشداقنا ) ((قرحت)) بكسر الراء، أى تجرحت من خشونة الورق وحرارته.
( فأقسم. أخطئها رجل منا يوماً، فانطلقنا به تنعشه، فشهدنا أنه لم يعطها،
فأعطيها ) أى أحلف أن رجلا منا أخطئ توزيع التمر، وفاتته تمرته، وظن القاسم أنه أعطاه،
فتنازعاً فى ذلك، وشهدنا له أنه لم يعطها، فأعطيها بعد الشهادة، ومعنى ((ننعشه)) بفتح النون الأولى
وسكون الثانية وفتح العين، أى نرفعه ونقيمه من شدة الضعف والجهد، وقال القاضى: الأشبه عندى
أن معناه: نشد جانبه فى دعواه، ونشهد له.
(حتى نزلنا وأديا أفيح ) هو بالفاء، أى واسعاً.
٦٢٩

( فإذا شجرتان بشاطئ الوادى ) أى بجانبه.
( فانقادت معه كالبعير المخشوش ) بالخاء والشين، وهو الذى يجعل فى أنفه خشاش،
بكسر الخاء، وهو عود يجعل فى أنف البعير، إذا كان صعباً، ويشد فيه حبل، ليذل وينقاد.
(حتى إذا كان بالمنصف مما بينهما لأم بينهما، يعنى جمعهما) ((المنصف)) بفتح
الميم والصاد وهو نصف المسافة، ومعنى ((لأم)) بهمزة مقصورة وممدودة، أى جمع بينهما، ووقع فى
بعض النسخ ((الام)) بالألف من غير همزة.
( فخرجت أحضر) بضم الهمزة وسكون الحاء وكسر الضاد، أى أعدو، وأسعى سعياً شديداً.
(فحانت منى لفتة) أى نظرة إلى الجنب، وهى بفتح اللام، ووقع لبعض الرواة ((فحالت))
باللام، والمشهور بالنون، وهما بمعنى، فالحين والحال الوقت. أى وقعت واتفقت وكانت.
(فأخذت حجراً، فكسرته، وحسرته، فانذلق لى) ((حسرته)) بحاء وسين مفتوحة
مخففة، أى حددته، ونحيت عنه ما يمنع حدته، بحيث صار صالحاً لقطع الأغصان به، وهو معنى قوله
((فانذلق)» بالذال، أى صار حاداً، وقال الهروى ومن تابعه: الضمير فى ((حسرته)) عائد على الغصن، أى
حسرت غصنا من أغصان الشجرة، أى قشرته بالحجر، وأنكر القاضى عياض هذا على الهروى
ومتابعيه، وقال: سياق الكلام يأبى هذا، لأنه حسره، ثم أتى الشجرة، فقطع الغصنين، ولأنه قال:
حسرته فانذلق، والذى يوصف بالانذلاق الحجر، لا الغصن، وصوب النووى عود الضمير على الحجر. ثم
قال: واعلم أن قوله ((فحسرته)) بالسين، هو فى جميع النسخ وكذا هو فى الجمع بين الصحيحين، وفى
كتاب الخطابى والهروى وجميع كتب الغريب، وادعى القاضى روايته عن جميع شيوخهم لهذا
الحرف بالشين، وادعى أنه أصح، وليس كما قال.
( فقلت: قد فعلت. فعم ذاك؟ ) أى فعن أى شىء هذا العمل؟ وما فائدته؟.
( أن يرفه عنهما ) أى يخفف العذاب عن صاحبى القبرين.
( وكان رجل من الأنصار يبرد لرسول اللَّه الماء فى أشجاب له على حمارة من
جريد ) الأشجاب هنا جمع شجب بسكون الجيم، وهو السقاء الذى قد أخلق وبلى وصار شناً، يقال:
شاجب، أى يابس، وهو من الشجب، الذى هو الهلاك، ومثله قوله صلى الله عليه وسلم: ((قام إلى
شجب، فصب منه الماء وتوضأ)». ومثله قوله صلى الله عليه وسلم لجابرهنا: ((فانظر هل فى أشجابه
من شىء)»؟ قال النووى: وأما قول المازرى وغيره: إن المراد بالأشجاب هنا الأعواد التى تعلق عليها.
القرية، فغلط، لقوله ((يبرد فيها على حمارة من جريد)) وأما الحمارة بكسر الحاء وتخفيف الميم.
ممدودة، فهى أعواد، تعلق عليها أسقية الماء، قال القاضى: ووقع لبعض الرواة ((حمار)) بحذف الهاء،
ورواية الجمهور ((حمارة)» وكلاهما صحيح.
٦٣٠

( فلم أجد فيها إلا قطرة فى عزلاء شجب منها، لو أنى أفرغه لشريه يابسه ) المراد
بقطرة أى قدراً يسيراً، و(العزلاء)) فم القرية، ومعنى ((شربه يابسه)) أنه قليل جداً، لقلته مع شدة يبس
باقى الشجب، وهو السقاء، لو أفرغه، لشربه اليابس من القربة، ولم ينزل منه شىء.
( فأتيته به، فجعل يتكلم بشىء، لا أدرى ماهو؟ ويغمزه بيديه، ثم أعطانيه ) وفى
بعض النسخ ((ويغمزه بيده)» أى يعصره.
( ناد بجفنة. فقلت: ياجفنة الركب، فأتيت بها تحمل ) فى الكلام مضاف محذوف،
أى ياصاحب جفنة الركب، والجفنة بفتح الجيم إناء كبير.
( فأتينا سيف البحر، فزخر البحر زخرة، فألقى دابة، فأورينا على شقها النار)
((سيف البحر)) بكسر السين هو ساحله، و((زخر» علا موجه، و(«أورينا)» أوقدنا.
(فاطبخنا واشتوينا، وأكلنا حتى شبعنا) ((اطبخنا)) بتشديد الطاء، أى طبخنا من
لحمها كثيراً.
( فدخلت أنا وفلان ... فى حجاج عينها ) بكسر الحاء وفتحها، وهو عظمها المستدير.
( وأعظم كفل فى الركب ) بكسر الكاف وإسكان الفاء، قال الجمهور: المراد بالكفل هنا
الكساء، الذى يحويه راكب البعير على سنامه، لئلا يسقط، فيحفظ الراكب، قال الأزهرى: ومنه
اشتقاق قوله تعالى ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهٍ﴾ [الحديد: ٢٨] أى نصيبين يحفظانكم من الهلكة، كما
يحفظ الكفل الراكب. وقال القاضى عياض: وضبط بعض الرواة بفتح الكاف والفاء، والصحيح الأول.
ووقع لرواة البخارى ((أعظم رجل)) بالجيم، و((أعظم رحل)) بالحاء.
فقه الحديث
ويؤخذ من الحديث فوق ماتقدم
١- الرحلة فى طلب العلم من الابن وأبيه.
٢- والحرص على الإفادة من كبار العلماء قبل أن يرحلوا.
٣- وطلب الإسناد العالى.
٤- وسؤال التلميذ الشيخ عن حاله الخاص.
٥- واستصحاب الشيخ غلاماً يحمل له الكتب.
٦- ذهاب الدائن إلى بيت المدين، وسؤال أهله عنه، وتسليم الرجال على النساء.
٧- كشف ستر المدين، وإحراجه، إذا استخفى من الدائن.
٦٣١

٩- صدق المدين، وحسن اعتذاره، خير له من الكذب.
١٠ - توثيق راوى الحديث بروايته.
١١ - جزاء من أنظر معسراً، أو وضع عنه.
١٢ - سؤال التلميذ الشيخ عما يشكل عليه، ولو فى أمور الدنيا، كالملبس.
١٣ - رفق العالم بالمتعلم، وتأنيسه، والمسح على رأسه، ورفع إشكاله بالدليل.
١٤ - دقة الاستجابة الحرفية لمطالب الشرع فى معاملة الخدم والأتباع.
١٥- من حديث جابر اتخاذ الإنسان مسجداً، يعرف به.
١٦ - فعل المعلم فعلا يثير تساؤل التلاميذ، ليعلمهم جواز الفعل، وإن كان غيره أولى.
١٧ - جواز الصلاة فى ثوب واحد، مع وجود ثياب غيره.
١٨ - جواز الاشتمال بالثوب الواحد فى الصلاة، مادام ساتراً لما بين السرة والركبة، وإن كانت عورته
ترى من أسفله، لوكان على سطح ونحوه، فإن هذا لا يضره، قاله النووی.
١٩ - جواز تخطى الناس فى المسجد للوصول للشيخ، مع عدم الإيذاء.
٢٠- جواز جلوس التلميذ بين الشيخ والقبلة، ولا يعد ذلك إساءة أدب.
٢١ - الدعاء للمرء كالتماس للعذر قبل اللوم.
٢٢ - شدة جابر فى تأديب تلاميذه، إذا أحس منهم قسوة فى سؤالهم.
٢٣ - تحمل التلميذ لتأديب شيخه له.
٢٤ - ذهاب الرسول إلى مساجد أصحابه، للاطمئنان على سير عباداتهم.
٢٥ - استحباب الإمساك بعصا ونحوها، ولو بعرجون نخل، فى البيئة التى تحتاج ذلك.
٢٦ - تواضع الكبير، ومحوه الأذى بنفسه، وعدم استخدام التابع فى ذلك.
٢٧ - حسن خلقه صلى الله عليه وسلم، وتطبيقه النظريات بالعمل.
٢٨- حرمة البصق والنخامة فى قبلة المسجد.
٢٩- استحباب البصق تحت الرجل اليسرى فى الأرض الرملية فى المسجد إذا استدعت الضرورة
البصق.
٣٠ - جواز البصق فى الثوب ونحوه عند الضرورة، وطى بعضه على بعض، هذا إذا لم يكن معه منديل
ونحوه، وغلبه البصاق أو رشح الأنف.
٣١ - تعظيم المساجد، وتنزيهها من الأوساخ ونحوها.
٣٢ - استحباب تطييب المساجد بالزعفران والخلوق ونحوها.
٦٣٢

٣٣ - إزالة المنكر باليد، لمن قدر عليه.
٣٤ - ما لاقى الصحابة من الجهد والمشقة فى غزوة بواط.
٣٥- اعتقاب البعير متوالياً، بشرط طاقته.
٣٦ - تحريم لعن الدواب.
٣٧ - النهى عن الدعاء على النفس أو المال أو الأولاد، خشية الإجابة.
٣٨- الندب لخدمة القوم من يتطوع بها.
٣٩- فضيلة لجابر بن عبد الله وصاحبه جبار بن صخر.
٤٠- من قوله صلى الله عليه وسلم ((أتأذنان)) تعليمه لأمته الآداب الشرعية.
٤١- والورع والاحتياط والاستئذان فى مثل هذا، وإن كان يعلم أنهما راضيان، وقد أرصدا ذلك له صلى
الله عليه وسلم ثم لمن بعده.
٤٢- جواز الوضوء من الحوض الذى شربت منه الإبل ونحوها من الحيوان الطاهر، وأنه لا كراهة فيه،
وإن كان الماء دون القلتين. قال النووي: وهذا مذهبنا.
٤٣- وأن المأموم إذا كان واحداً وقف عن يمين الإمام، وإذا كانا اثنين فأكثر وقفوا خلف الإمام، ولم
يخالف فى ذلك إلا ابن مسعود وصاحبيه، فإنهم قالوا: يقف الاثنان عن جانبيه.
٤٤- وجواز العمل اليسير فى الصلاة، لأن الرسول { أخذ بيد جابر وأداره إلى اليمين.
٤٥- من كون قوت الرجل تمرة واحدة فى اليوم ما كانوا عليه من ضيق العيش، والصبر عليه فى سبيل
طاعة اللَّه، وكذا ما يتعلق بالماء.
٤٦- وفى الشهادة مع الرجل الذى لم يأخذ تمرته، جواز الشهادة على النفى فى المحصور الذى يحاط
به.
٤٧- معجزة الرسول # فى الشجرتين، وصاحبى القبرين، ووضع الأخضر على القبر.
٤٨- ومعجزة الرسول # فى تكثير الماء، وفى قذف البحر ما أطعمهم.
٤٩- وفيه تحديث المرء عن نفسه بما فيه ثناء عليه، مادام يأمن العجب والزهو.
والله أعلم
٦٣٣

(٨٠٧) باب فى حديث الهجرة، ويقال له: حديث الرحل
٦٥٣٣- ٣٥ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ﴾(٧٥) قَالَ: جَاءَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ إِلَى أَبِي فِي مَنْزِلِهِ.
فَاشْتَرَى مِنْهُ رَحْلا. فَقَالَ لِعَازِبٍ: ابْعَثْ مَعِيَّ ابْنَكَ يَحْمِلْهُ مَعِيٍ إِلَى مَنْزِي. فَقَالَ لِي أَبِي
احْمِلْهُ. فَحَمَلْتُهُ. وَخَرَجَ أَبِي مَعَهُ يَنْتَقِدُ ثَمَنْهُ. فَقَالَ لَهُ أَبِي: يَا أَبَّا بَكْرٍ! حَدِّثْبِي كَيْفَ صَنَعْتُمَا
لَيْلَةَ سَرَّيْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ: ﴿ِ. قَالَ: نَعَمْ. أَسْرَيْنَا لَيْتَنَا كُلُّهَا. حَتَّى قَّامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ. وَخَلا
الطّرِيقُ فَلا يَمُرُّ فِيهِ أَحَدٌ. حَتْىِ رُفِعَتْ لَنَا صَخْرَةٌ طَوِيلَةٌ لَّهَا ظِلٌّ. لَمْ تَأْتٍ عَلَيْهِ الشَّمْسُ بَعْدُ.
فَنْزَلْنَا عِنْدَهَا، فَأَتَيْتُ الصَّخْرَةَ فَسَوَّيْتُ بِيَدِي مَكّانًا، يَنَامُ فِيهِ النَّبِيُّ ◌َ﴿ فِي ظِلَّهَا. ثُمَّ بَسَطْتُ
عَلَيْهِ فَرْوَةٌ. ثُمَّ قُلْتُ: لَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَأَنَا أَنْفُضُ لَكَ مَا حَوَّلَكَ. قَنَامَ. وَخَرَجْتُ أَنْفُضُ مَا
حَوْلَهُ. فَإِذَا أَنَا بِرَاعِي غَنَمٍ مُقْبِلٍ بِغَنَمِهِ إِلَى الصَّخْرَةِ، يُرِيدُ مِنْهَا الَّذِي أَرَدَّنَا. فَلَقِيتُهُ فَقُلْتُ: لِمَنْ
أَنْتَ؟ يَا غُلامُ! فَقَالَ: لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ. قُلْتُ: أَفِي غَنَمِكَ لَبَنٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ
أَفْتَخْلُبُ لِي؟ قَالَ: نَعَمْ. فَأَخَذَ شَاةً فَقُلْتُ لَهُ: انْقُضِ الصَّرْعَ مِنَ الشَّعَرِ وَالتُّرَابِ وَالْقَذَى (قَالَ:
فَرَأَيْتُ الْرَاءَ يَضْرِبُ بِيّدِهِ عَلَى الأُخْرَى يَنْفُضُ) فَحَلَبَ لِي، فِي قَعْبٍ مَعَهُ، كُثْبَةٌ مِنْ لَبَنٍ. قَالَ:
وَمَعِي إِدَاوَةٌ أَرْتَوِي فِيهَا لِلَّبِيِّ:﴿، لِيَشْرَبَ مِنْهَا وَيَقْوَضَّأَ، قَالَ: فَأَتَيْتُ النّبِيَّ :﴿ .. وَكَرِهْتُ
أَنْ أُوقِظَهُ مِنْ نَوْمِهِ. فَوَافَقْتُهُ اسْتَيْقَظَ. فَصَبَّيْتُ عَلَى اللَّبْنِ مِنَ الْمَاءِ حَتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ. فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِا اشْرَبْ مِنْ هَذَا اللَّبْنِ. قَالَ: فَشْرِبَ حَتِى رَضِيتُ، ثُمَّ قَالَ: «أَلَمْ يَأْنِ لِلرَّحِيلٍ؟»
قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: فَارْتَحَلْنَا بَعْدَمَا زَالَتِ الشَّمْسُ. وَاتَّبَعَنَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ. قَالَ: وَنَحْنُ فِي جَلّدٍ
مِنَ الأَرْضِ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أُبِينًا، فَقَالَ: «لا تَحْزَلْ إِنَّ اللَّةَ مَعَنَا» فَدَهَا عَلَيْهِ رَسُولُ
اللَّهِ ﴿ّ. فَارْتَطَمَّتْ فَرَسُهُ إِلَى بَطْيِهَا. أُرَى فَقَالَ: إِنِّي قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكُمَا قَدْ دَعَوْتُمَا عَلَيٍّ.
فَادْعُوَا لِي. قَاللَّهُ لَكُمَا أَنْ أَرُدَّ عَنْكُمَا الطَّبَ. فَدَهَا اللَّهَ. فَنَجَا. فَرَجْعَ لا يَلْقَى أَحَدًا إِلا قَالَ:
قَدْ كَفَيْتُكُمْ مَا هَاهُنَا. فَلا يَلْقَى أَحَدًا إِلا رَدَّهُ. قَالَ: وَوَفَى لَّا.
٦٥٣٤- ١٠ْ عَنِ الْبَرَاءِ ﴾(١١) قَالَ: اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَبِي رَحْلَا بِثَلاَلَةً عَشَرَ دِرْهَمًا.
وَسَاقَ الْحَدِيثَ. بِمَعْنَى حَدِيثٍ زُهَيْرٍ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ. وَقَالَ فِي حَدِيثِهِ، مِنْ رِوَايَةٍ عُثْمَانُ بْنِ
عُمَرَ: فَلَمَّا ذَّا دَعَا عَلَّيْهِ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ. فَسَاخَ فَرَسُهُ فِي الأَرْضِ إِلَى بَطْنِهِ. وَوَثَبَ عَنْهُ.
(٧٥) حَدَِّي سَلَّمَةُ بْنُ شَبِيبٍ حَدْقَّا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ حَدَّنَا زُهَيْرٌ حَدْقَنَا أَبُو إِسْحَقّ قَالَ سَمِعْتُ الْرَاءَ بْنَ عَازِبٍ يَقُولُ
(٠٠) وحَدَّثَيِيهِ زُهَيْرُ بْنُ خَّرْبٍ حَدَّقَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ حِ وحَدَثَتَهَ إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا النَّصْرُ بْنُ ثُمَّيْلٍ ◌َِلاهُمَا عَنْ إِسْرَائِيلَ
عَنْ أَبِي إِسْحَقَ عَنِ الْرَاءِ
٦٣٤

وَقَالَ: يَا مُحَمَّدًا قَدْ عَلِمْتُ أَنَّ هَذَا عَمَلُكَ. فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يُخَلِّصَنِي مِمَّا أَنَّا فِيهِ. وَلَكَ عَلَيَّ
لأُعَمِّيَنَّ عَلَى مَنْ وَرَائِي. وَهَذِهِ كِنَانَتِي. فَخُذْ سَهْمًا مِنْهَا. فَإِنَّكَ سَتَمُرُّ عَلَّى إِلِي وَغِلْمَانِي
بِمَكّانٍ كَذَا وَكَذَا فَخُذْ مِنْهَا حَاجْتَكَ. قَالَ: «لا حَاجَةً لِي فِي إِلِكَ» فَقَدِمْنَا الْمَدِينَةَ لَيْلا.
فَتَازَعُوا أَيُّهُمْ يَنْزِلُ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ﴿َ. فَقَالَ: «أَنْزِلُ عَلَى بَنِي النَّجَّارِ، أَخْوَالِ عَبْدِ
الْمُطِِّبِ، أُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ» فَصَعِدَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَوْقَ الْبُيُوتِ. وَتَفَرَّقَ الْغِلْمَانُ وَالْخَدَمُ فِي
الطُّرُقِ. يُنَادُونَ: يَا مُحَمَّدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ! يَا مُحَمَّدًا يَا رَسُولَ اللَّهِ !.
المعنى العام
هذا الحديث ينسب إلى سبب روايته، كما ينسب لموضوعه، فراويه أبو بكر الصديق
استجابة لطلب الصحابى الجليل عازب والد البراء، يوم أن باع لأبى بكر رحل بعير، وذهب معه
يوصل الرحل هو وابنه إلى بيت أبى بكر، وليتسلم ثمنه، والحديث فصل من فصول هجرة النبى 8 إلى
المدينة، يحكى كيف كان أبو بكر حريصاً على حماية رسول اللّه # وراحته فى رحلته، يختار له
مكان النزول، وينظفه له، ويفرشه، ويطلب منه أن ينام ليستريح، ويقوم هو على حراسته من طلب
قريش له، ثم يعد له الشراب واللبن، ليسقيه، والماء ليشرب ويتوضأ.
المنظر الثانى من هذا الفصل، منظر سراقة الذى خرج يطلب النبى ®، ليأخذ الجائزة التى
رصدتها قريش لمن يأتى بمحمد حياً أو ميتاً، فيرى بعينه معجزة للرسول ®، فيتحول حامياً بعد أن
كان طالبًا ومهاجمًا، وكان الله مع صاحب الهجرة، ونصره، وما النصر إلا من عند الله.
المباحث العربية.
( فاشترى منه رحلا) الرحل ما يوضع على ظهر البعير للركوب.
(وخرج أبى معه ينتقد ثمنه ) أى يستوفيه، وفى الرواية الثانية ((اشترى أبو بكر من أبى
رحلا بثلاثة عشر درهما)».
( ليلة سريت مع رسول اللَّه #) يقال: سرى وأسرى، لغتان بمعنى.
( حتى قام قائم الظهيرة ) أى نصف النهار، وهو حال استواء الشمس، سمى قائماً لأن الظل
لايظهر، فكأنه واقف قائم، ووقع فى أكثر النسخ ((قائم الظهر)) بضم الظاء وحذف الياء.
( حتى رفعت لنا صخرة طويلة، لها ظل ) أى ظهرت لأبصارنا صخرة إلخ.
٦٣٥

( ثم بسطت عليه فروة ) المراد الفروة المعروفة التى تلبس. قال النووي: هذا هو الصواب،
وذكر القاضى أن بعضهم قال: المراد بالفروة هنا الحشيش، فإنه يقال له: فروة. وهذا القول باطل،
ومما يرده قوله فى رواية البخارى ((فروة معى)) ويقال لها: ((فروة)) بالهاء، و))(فرو)) بحذفها وهو الأشهر
فى اللغة، وإن كانتا صحيحتين.
( وأنا أنفض لك ما حولك، فنام، وأنا خرجت أنفض ما حوله ) أى أفتش حوله، لئلا
يكون هناك عدو.
( قلت: لمن أنت ياغلام؟ فقال: لرجل من أهل المدينة ) المراد بالمدينة هنا مكة، ولم
تكن مدينة النبى * سميت بالمدينة، إنما كان اسمها يثرب. قال النووي: هذا هو الجواب الصحيح،
أما قول القاضى: إن ذكر المدينة هنا وهم، فليس كما قال، بل هو صحيح، والمراد بها مكة.
( أفى غنمك لبن؟ ) بفتح اللام والباء، يعنى اللبن المعروف، هذه الرواية المشهورة، وروى
بعضهم ((لبن)) بضم اللام وسكون الباء، أى شياه ذوات ألبان؟.
( قال: فحلب لى فى قعب معه كثبة من لبن) ((القعب)) قدح من خشب معروف،
و)) الكتبة)) بضم الكاف وسكون الثاء قدر الحلبة، وقيل: هى القليل منه.
(ومعى إداوة أرتوى فيها للنبى ®، ليشرب منها ويتوضأ) ((الإداوة)) إناء صغير يحمل
فيه الماء، و(( أرتوى)) أى أستقى.
(ونحن فى جلد من الأرض) بفتح الجيم واللام، أى أرض صلبة، وروى ((جدد)) بدالين، وهو
المستوى، وكانت الأرض مستوية صلبة.
( فارتطمت فرسه إلى بطنها ) أى غاصت قوائمها، فى تلك الأرض الجلد، وفى ملحق
الرواية («فساخ فرسه فى الأرض إلى بطنه، ووثب عنه، وقال: يامحمد. قد علمت أن هذا عملك، فادع
اللَّه أن يخلصنى مما أنا فيه، ولك على، لأعمين على من ورائى، وهذه كنانتى، فخذ سهما منها ... ».
( أرى ) بضم الهمزة، أى أظن ذلك.
( فنجى ) بفتح النون والجيم.
( ووفى لنا ) بتخفيف الفاء.
( وهذه كنانتى، فخذ سهما منها، فإنك ستمر على إبلى وغلمانى بمكان
كذا وكذا ) إلخ.
٦٣٦

فقه الحديث
قال النووي: هذا الحديث مما يسأل عنه، فيقال: كيف شربوا اللبن من الغلام، وليس هو مالكه؟
وجوابه من أوجه: أحدها أنه محمول على عادة العرب أنهم يأذنون للرعاة، إذا مربهم ضيف، أو عابر
سبيل أن يسقوه اللبن. والثانى: أنه كان لصديق لهم يدلون عليه، وذلك جائز الثالث: أنه مال حربى،
لا أمان له، ومثل هذا جائز الرابع: لعلهم كانوا مضطرين.
قال النووى: والجوابان الأولان أجود.
ويؤخذ من الحديث فوق ذلك
١- معجزة ظاهرة للنبى 45%.
٢- وفضيلة ظاهرة لأبى بكر طلبه.
٣- وخدمة التابع للمتبوع.
٤- واستصحاب الإداوة والإبريق ونحوهما فى السفر.
٥- وفضل التوكل على الله سبحانه وتعالى، وحسن عاقبته.
٦- وفضل الأنصار، لفرحهم بقدوم النبى {*، وظهور سرورهم.
٧- وفيه فضيلة صلة الرحم، سواء قربت القرابة أو بعدت.
٨- وأن الرجل الجليل إذا قدم بلداً له فيه أقارب، نزل عندهم يكرمهم بذلك.
واللَّه أعلم
٦٣٧

كتاب التفسير
٨٠٨- باب كتاب التفسير.
٦٣٩