النص المفهرس
صفحات 341-360
لَهُ قَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَّا إِيَّاهُ بِشَارَتِهِ. وَاللَّهِ! مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ. وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنٍ فَلْبِسْتُهُمَّا.
فَانْطَلَقْتُ أَتَأَمَّمُ رَسُولَ اللَّهِوَ﴿ يَتَلَقَّانِي النَّاسُ فَوْجًا فَوْجًا، يُهَِئُونِي بِالْتَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ: لِتَهِْنْكَ
قَوْبَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ، حَتَّى دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ، وَحَوْلَهُ
النَّاسُ. فَقَامَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ يُّهَرْوِلُ خَتَّى صَافَحَنِي وَهَنَّأَنِي. وَاللَّهِ! مَا قَامَ رَجُلٌ مِنَ
الْمُهَاجِرِينَ غَيْرُهُ. قَالَ: فَكّانَ كَعْبٌ لا يَنْسَاهَا لِطَّلْحَةَ. قَالَ كَعْبٌ: فَلَمَّا سَلَّمْتُ عَلَى رَسُولٍ
اللَّهِفَ﴿ قَالَ: وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنَ السُّرُورِ وَيَقُولُ: «أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرَّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدْكَ
أُمُكَ» قَالَ: فَقُلْتُ: أَمِنْ عِنْدِكَ؟ يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَمْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ؟ فَقَالَ: «لا. بَلْ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ»
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ إِذَا سُرَّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ. كَأَنَّ وَجْهَهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ. قَالَ: وَكُنَّا نَعْرِفُ ذَلِكَ.
قَالَ: فَلَمَّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ مِنْ تَوْيَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إِلَى
اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ ﴿. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ: «أَمْسِكْ بَعْضَ مَالِكَ. فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ» قَالَ:
فَقُلْتُ: فَإِنِّي أُمْسِكُ سَهْمِيَ الْذِي بِخَيْبَرَ. قَالَ: وَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ اللَّهَ إِنَّمَا أَنْجَانِي
بِالصِّدْقِ. وَإِنَّ مِنْ تَوْيَتِي أَنْ لا أُحَدِّثَ إِلا صِدْقًا مَا بَقِيتُ. قَالَ: فَوَاللَّهِ! مَا عَلِمْتُ أَنَّ أَحَدًا مِنَ
الْمُسْلِمِينَ أَبْلاهُ اللَّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ، مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ: ﴿ إِلَّى يَوْمِي هَذَا،
أَحْسَنَ مِمَّا أَبْلاِي اللَّهُ بِهِ، وَاللَّهِ! مَا تَعَمَّدْتُ كَذِبَةٌ مُنْذُ قُلْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ﴾، إِلَى يَوْمِي
هَذَا. وَإِنِّي لأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللَّهُ فِيمَا بَقِيَ. قَالَ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لَقّدْتَابَ اللَّهُ عَلَى
النّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبِعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدٍ مّا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ
مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ وَعَلَى الثّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا خَتَّى إِذَا ضَّاقَتْ
عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾ حَتَّى بَلَغَ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا
اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ قَالَ كَعْبٌ: وَاللّهِ! مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ مِنْ نِعْمَةٍ قَطُ، بَعْدَ إِذْ هَدَانِي
اللَّهُ لِلإِسْلامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي، مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللَّهِ:﴿ِ. أَنْ لا أَكُونَ كَذَبْتُهُ فَأَهْلِكَ كَمَا
هَلَكَ الَّذِينَ كَذَّبُوا. إِنَّ اللَّهَ قَالَ لِلَّذِينَ كَذَبُوا، حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ، شَرَّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ. وَقَالَ
اللَّهُ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا الْقَلَُمْ إِلَيْهِمْ لِتُغْرِضُوا عَنْهُمْ فَاعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ
وَمَأْوَاهُمْ جَهَّنْمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون ◌ِ يَخْلِفُونُ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ
اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ قَالَ كَعْبٌ: كُنَّا خُلّفْنَا، أَيُّهَا الثَّلاثَةُ، عَنْ أَمْرٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ
قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللَّهِ﴿َ حِينَ خَلَفُوا لَهُ. فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ. وَأَرْجَأَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ أَمْرَّنًا
حَتَّى قَضَى فِيهِ. فَبِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. وَلَيْسَ الَّذِي ذَكَرَ
اللّهُ مِمَّا خُلّفْنَا، تَخَلُّفَنَا عَنِ الْغَزْوِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَخْلِفُهُ إِيَّنَا، وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنًا، عَمَّنْ خَلَفَ لَهُ
وَاعْتَذَرَ إِلَيْهِ فَقَبْلَ مِنْهُ.
٣٤١
- عَنِ الزُّهْرِيِّ(٣) سَوَاءٌ.
٦٠٩٧- ٥٤ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ كَعْبٌ بْنَ مَالِكٍ(٥٤) يُحَدِّثُ حَدِيثَةُ، حِينَ تَخَلَّفَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
فِي غَزْوَةِ تَّبُوكَ. وَسَاقَ الْحَدِيثَ. وَزَادَ فِيهِ عَلَى يُونُسَ: فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِلِ﴿ قَلْمَا يُرِيدُ
غَزْوَةً إِلا وَرَّى بِغَيْرِهَا. حَتَّى كَانَتْ بِلْكَ الْغَزْوَةُ: وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ، أَبًا
خَيْئَمَةَ وَلُحُوقَهُ بِالنِّ ◌ِ﴾ .
٦٠٩٨- ٥° وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ (٥٥)، وَهُوَ أَحَدُ الثَّلاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ،
يُحَدِّثُ، أَنَّهُ لَمْ يَتَخَلِّفْ عَنْ رَسُولِ اللّهِ:﴿ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا قَطُّ. غَيْرَ غَزْوَتَيْنٍ. وَسَاقَ
الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ: وَغَزّا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ بِنَّاسٍ كَثِيرٍ يَزِيدُونَ عَلَى عَشْرَةِ آلافٍ. وَلا يَجْمَعُهُمْ
دیوّائ حافِظٍ.
المعنى العام
أمثلة حية للتوبة وقبولها، فقاتل المائة نفس قبلت توبته بدون جهد، وبدون عمل صالح،
والمخلفون الثلاثة قبلت توبتهم بعد جهاد نفسى، وعقوبة دنيوية قاسية، وأيام مريرة.
ذلك ليجمع المسلم بين الخوف والرجاء، لا يطمع طمع اغترار بناء على قاتل المائة، وإنما يخاف
ويعمل، ويندم، ويعزم، ويكفر عن ذنوبه بالحسنات.
وهنا مثال حى آخر للقائد الحكيم، نرى فيه الرسول الرءوف الرحيم، الذى يعز عليه عنتنا ومشقتنا
الحريص على يسرنا، يجزم - بوحى من ربه - ويعاقب عقوبات نفسية مادية قاسية.
ومثال حى آخر أن الفتنة والابتلاء قد تصيب من لم يذنب، إيلاما للمذنب، فقد جوزيت الزوجات
بجريرة الأزواج.
ومثال حى كبير فى التزام الرعية بحكم الحاكم، وتنفيذه بدقة، ولوكان فيه ما فيه لآلام الأحبة
والأقربين.
(-) وحَدَّثَيِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا حُجَيْنُ بْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ بِإِسْنَادٍ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ سَوَاءٌ ..
(٥٤) وحَدِّثَنِي عَبْدُ بْنُ حُمَّيَّدٍ حَدَّتِي يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ بْنِ سَعْدٍ حَدَّقْنَا مُحْمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ ابْنُ أَخِي الزُّهَرِيِّ عَنْ عَمِّهِ
مُحَمَّدٍ بْنٍ مُسْلِمِ الزُّهْرِيِّ أَخْبُرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ أَنْ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ كُعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَ قَائِدَ
كَعْبٍ حِيَنَ عَمِيُّ قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ يُحَدِّثُ حَدِینَهُ
(٥٥) وِحَدَّتِي سَلَمَةُ بْنُ شَبِيبٍ حَدََّا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيْنِ حَدَّقَّا مَعْقِلٌ وَهُوَّ ابْنُ عُبَيْدِ اللّهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدٍ
اللَّهِ بْنِ كُغْبِ بْنِ مَالِكَ عَنْ عَمٍِّ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ وَكَانَ قَائِدٌ كَعْبٍ حِينَ أُصِيبَ بَصَّرُهُ وَكَانَ أَعْلَمَّ قَوْمِهِ وَأَوْعَاهُمْ
لِأَحَادِيثِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ ﴿ قَالَ سَمِعْتٌ أَبِي كَعْبَ بْنَ مَالِكِ
٣٤٢
ونكتفى بذلك اعتمادًا على البيان والتوضيح الآتى فى شرح الحديث.
المباحث العربية
(غزا رسول اللَّه :# غزوة تبوك ) أى أراد أن يغزو، وهيأ الأمة للغزو، وكانت فى شهر رجب
سنة تسع من الهجرة، و((تبوك)) مكان معروف فى نصف الطريق بين المدينة ودمشق، وتسمى غزوة
العسرة.
(وهو يريد الروم، ونصارى العرب، بالشام ) ذكر ابن سعد أنه بلغ المسلمين من الأنباط
الذين يقدمون بالزيت من الشام إلى المدينة أن الروم جمعت جموعاً، وأجلبت معهم لخم وجذام
وغيرهم من متنصرة العرب، وجاءت مقدمتهم إلى البلقاء، وعند الطبرانى («كانت نصارى العرب قد
كتبت إلى هرقل: إن هذا الرجل الذى خرج، يدعى النبوة، هلك وأصابتهم سنون، فهلكت أموالهم،
فبعث رجلا من عظمائهم، وجهز معه أربعين ألفا، فبلغ النبى 8# ذلك، ولم يكن للناس قوة)).
وذكر البيهقى فى الدلائل: ((أن اليهود قالوا: يا أبا القاسم، إن كنت صادقاً، فالحقِ بالشام، فإنها
أرض المحشر، وأرض الأنبياء، فغزا تبوك، لا يريد إلا الشام، فلما بلغ تبوك أنزل اللّه تعالى ﴿قَإِنْ
كَادُوا لَيَسْتَفِرُّونَكَ مِنْ الأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ [الإسراء: ٧٦].
( أن عبد الله بن كعب بن مالك كان قائد كعب من بنيه، حين عمى) كعب بن
مالك أنصارى، خزرجى، سلمى، غلب عليه فى الجاهلية أمر الشعر، أسلم وشهد العقبة، وكان أحد
شعراء رسول اللّه﴿ الذين كانوا يردون الأذى عنه، وغلب على شعره تخويف الكفار من قوة
المسلمين، ويقال: إن دوساً أسلمت، فرقا وخوفاً من قول كعب بن مالك:
وخيبر، ثم أغمدنا السيوفا
قضينا من تهامة كل وتر
قواطعهن: دوسا أو ثقيفا
..
نخيرها، ولو نطقت لقالت
فقالت دوس: انطلقوا إلى محمد وأسلموا وخذوا لأنفسكم، لا ينزل بكم ما نزل بثقيف. آخى رسول
اللَّه:﴿ بينه وبين طلحة بن عبيد الله، حين آخى بين المهاجرين والأنصار، روى أنه قال: يارسول
اللَّه، ماذا ترى فى الشعر؟ فقال رسول اللَّه :﴿:((المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه)). وروى أنه قال:
فليغلبن مغالب الغلاب
جاءت سخينة، کی تغالب ربها
فقال له رسول اللَّه ◌َ ل: ((لقد شكرك اللَّه - ياكعب - على قولك هذا)).
عمى فى أواخر عمره، وتوفى بالمدينة وسنه خمس وسبعون سنة، سنة اثنتين وخمسين. فى عهد
معاوية.
٣٤٣
( سمعت كعب بن مالك، يحدث حديثه، حين تخلف عن رسول اللَّه# فى غزوة
تبوك) ((حين تخلف)) ليست ظرفا لسمعت، ولا ليحدث، وإنما هى حال من ((حديثه)) أى حديثه
وقصته الواقعة وقت تخلفه.
( لم أتخلف عن رسول الله فى غزوة غزاها قط، إلا فى غزوة تبوك، غير أنى قد
تخلفت فى غزوة بدر) وسيعتذر عن تخلفه عن غزوة بدر، ثم يحكى قصة تبوك، واستخدم أسلوب
اللف والنشر المشوش، فقدم ((تبوك)) أولا لأهميتها ولأنها صاحبة المقام، وقدم عذر بدر، لأنها الأولى
فى الواقع، ولطول كلامه عن تبوك. وذكر هذه الجملة توطئة لتقدير جهاده وقبول اعتذاره، وقد شهد
الغزوات كلها - كما قال - عدا بدر وتبوك.
(ولم يعاتب أحدا تخلف عنه) فاعل ((يعاتب)) ضمير رسول اللَّه ◌ُل.
( إنما خرج رسول اللّه # والمسلمون، يريدون عير قريش، حتى جمع اللّه بينهم
وبين عدوهم على غير ميعاد ) هذا اعتذاره عن تخلفه عن بدر، وأنه لم يعاتب متخلف، إذ لم تكن
عزيمة، فلا عتب عليه فى تخلفه، على أنه كان قد قدم منقبة قبلها، تغطى ضياع فضل بدر عليه، وهى:
(ولقد شهدت مع رسول اللّه* ليلة العقبة، حين تواثقنا على الإسلام، وما أحب
أن لى بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذكر فى الناس منها ) العقبة معروفة فى طرف منى،
وهى التى يضاف إليها جمرة العقبة، وبايع الرسول 88 أهل المدينة بيعتين فى عامين الأول بايع
فيها ستة نفر من الخزرج، ثلاثة منهم من بنى سلمة، قبيلة كعب بن مالك، ولم يكن فيهم كعب. وبايع
فى البيعة الثانية ثلاثة وسبعين رجلا وامرأتين، حضرها كعب ، وكلهم من الأنصار، ومعنى قوله
((حين تواثقنا على الإسلام)) أى حين تبايعنا عليه وتعاهدنا ولم يذكر الإيواء الوارد فى هذه البيعة
تأدبا، ومعنى قوله ((وإن كانت بدر أذكر فى الناس منها)) أى وإن كانت بدر أشهر عند الناس بالفضل
والذكر.
( وكان من خبرى حين تخلفت ... أنى لم أكن قط أقوى ولا أيسر منى، حين
تخلفت عنه ... إلخ ) أى لا عذرلى من حيث الصحة والمرض، ولا من حيث القدرة المالية، فقد
كان شاباً قوياً لم يتجاوز الثالثة والثلاثين، وكان يملك راحلتين، كان من السهل أن يجاهد بواحدة،
ويحمل عدداً من المسلمين على راحلة، وقد عذر اللّه تعالى غير القادر صحياً أو مالياً، فقال ﴿لَيْسَ
عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى
الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَخَمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ
عَلَيْهِ تَوَلّوا وَأَمْيُنُهُمَّ تَفِيضُ مِنْ الدَّمْعِ حَرَّنًا أَلا يَجِدُوا مَا يَنفِقُونَ﴾ [التوبة: ٩١-٩٢] أى فلا عذرلى من
هذه الناحية، وهذه مصادقة حميدة، مع النفس، ومع الغير، ثم زاد المسؤولية وعدم العذر بأمور أخرى،
هی:
٣٤٤
الأولى: أن زمنها كان شديد الحرارة، فالجهاد فيها كبير الأجر، لما فيها من المشقة.
ثانيا: أن ميدانها بعيد، يحتاج سفرًا طويلا.
الثالث: أن طريقها صحراء ومفازة مهلكة.
الرابع: أن عدوها كبير العَدد والعدد والشوكة.
الخامس: أن رسول اللّه لم يستخدم التورية بموعد ومكان هذه الغزوة، كما كان يفعل، بل جلا
الأمر، وصرح به للمسلمين ليأخذوا الأهبة.
((جلا)» بتخفيف اللام، أى كشف وبين وأوضح.
السادس: أن كثرة المسلمين الخارجين، تجعل من الصعب كشف المتخلف، إذ لم يكن هناك
ديوان، يحصى من حضر ولا من غاب، مما يسمح للمنافقين بالتقاعس، ويوجب على المجاهد
المخلص أن لا يتخلف لأنه يتعامل مع الله العليم الخبير. قال كعب: ((والمسلمون مع رسول اللَّه ◌َ ل
كثير، ولا يجمعهم كتاب حافظ، فَقَلَّ رجل يريد أن يتغيب يظن أن ذلك سيخفى له، ما لم ينزل فيه
وحى من الله عز وجل)). ((فقل)) بفتح الفاء والقاف وتشديد اللام، أى فبعض من تسول له نفسه
بالغياب يظن أن غيابه لاينكشف، قال القاضى عياض: هكذا هو فى جميع نسخ مسلم وصوابه ((أن لا
يظن)) بزيادة ((ألا)) وفى رواية البخارى ((فما رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن سيخفى له))، وفى ملحق
الرواية ((وغزا رسول اللَّه ◌َ ﴾ بناس كثير، يزيدون على عشرة آلاف، ولا يجمعهم ديوان حافظ)».
السابع: أن موعد هذه الغزوة كان مناسباً، إذ كانت الثمار قد طابت، ويمكن حمل الأزواد منها،
((فأنا إليها أصعر)) بضم العين، أى أميل، وفى مسند أحمد ((وأنا أقدر شىء - فى نفسى- على الجهاز،
وخفة الحاذ» أى وخفة الحال.
( وطفقت أغدولكى أتجهز معهم ... إلخ ) بيان لسبب عدم خروجه معهم، وأنه الكسل وعدم
التوفيق، ولا شىء سواه.
( ولم أقض من جهازى شيئاً ) بفتح الجيم وكسرها، أى أهبة سفرى.
( حتى أسرعوا، وتفارط الغزو) أى حتى تقدم الغزاة، فسبقوا وفاتوا.
( يحزننى أنى لا أرى لى أسوة إلا رجلا مغموصاً عليه فى النفاق) أى متهما به،
مطعونا عليه فى دينه، وقيل: معناه مستحقرًا، يقال: أغمصت فلانا إذا استحقرته.
(ولم يذكرنى رسول اللَّه # حتى بلغ تبوك) قال النووى: فى أكثر النسخ ((تبوكا))
بالنصب وكذا هو فى نسخ البخارى، وكأنه صرفها لإرادة الموضع، دون البقعة.
( فقال رجل من بني سلمة: حبسه برداه، والنظر فى عطفيه ) بنوسلمة قوم كعب،
٣٤٥
والعطف الجانب، يتهمه الرجل بأن الذى حبسه إعجابه بنفسه، وكبره، ودافع عنه معاذ، فقال: بئس
ما قلت: ما علمنا عليه إلا خيراً.
( فسكت رسول اللَّه :﴿ فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضاً) بالياء المشددة
المكسورة مع ضم الميم وفتح الباء، أى لابسا البياض.
( يزول به السراب ) أى يتحرك به السراب وينهض، من إسراعه وإقدامه.
(فقال رسول اللَّه: كن أبا خيثمة، فإذا هو أبو خيثمة الأنصارى) قال النووى:
قيل: معناه. أنت أبو خيثمة، قال ثعلب: والعرب تقول: كن زيدًا، أى أنت زيد. وكأن رسول اللَّه ◌ِ *
شبه عليه ببعض الصفات، فقالها بالعرافة وشدة الفطنة، وقال القاضى عياض: الأشبه عندى أن
((كن)) هنا للتحقق والوجود، أى لتوجد ياهذا الشخص أبا خيثمة حقيقة، قال صاحب التحرير:
تقديره: اللهم اجعله أبا خيثمة.
(وهو الذى تصدق بصاع التمرحين لمزه المنافقون ) قصتها أن النبى 8# قام مقاما فى
الناس فأمرهم بالصدقة، فقام عبد الرحمن بن عوف، فقال: يارسول الله، عندى ثمانية آلاف، تركت
منها أربعة لعيالى، وجئت بأربعة، أقدمها إلى اللَّه تعالى، فتكاثر المنافقون ما جاء به، ونسبوه للرياء،
وجاء عاصم بن عدى الأنصارى، فقال: يارسول اللَّه، عندى سبعون وسقا من تمر، أقدمها إلى اللّه
تعالى، فتكاثر المنافقون ما جاء به، ثم قام أبو خيثمة، وقيل: قام رجل من الأنصار اسمه الحبحاب
وكنيته أبو عقيل، والأول أولى وهو الذى فى الصحيح، فقال: يارسول اللَّه، مالى من مال، غير أنى
آجرت نفسى البارحة من بنى فلان على صاعين من تمر، فتركت صاعاً لعيالى، وجئت بصاع، أقربه
إلى الله تعالى، فلمزه المنافقون، وتغامزوا عليه، وقالوا: جاء أهل الإبل بالإبل، وجاء أهل الفضة
بالفضة، وجاء هذا بتمرات يحملها، فأنزل اللَّه تعالى ﴿الَّذِينَ يَلْمِرُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فِي
الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٧٩].
وقد روى الطبرانى من حديث أبى حنيفة قال: ((تخلفت عن رسول اللَّه ◌َل﴾، فدخلت حائطاً،
فرأيت عريشاً قد رش بالماء، ورأيت زوجتى، فقلت: ما هذا بإنصاف، رسول اللّه * فى السموم
والحرور، وأنا فى الظل والنعيم؟ فقمت إلى ناضح لى، وتمرات، فخرجت، فلما طلعت على العسكر،
فرآنى الناس، قال النبى 8: كن أبا خيثمة، فجئت، فدعا لى)».
يذكر كعب قصة أبى خيثمة فى حديثه، ليزيد نفسه تأنيباً، مقارناً بين موقفه هو وتخلفه مع
القدرة، وموقف أبى خيثمة ومبادرته مع الجهد، وعدم القدرة.
( فلما بلغنى أن رسول اللّه ﴾، قد توجه قافلا من تبوك، حضرنى بثى) بفتح الباء
وتشديد الثاء المكسورة، وهو أشد الحزن.
( فطفقت أتذكر الكذب، وأقول: بم أخرج من سخطه غدًا؟ .. فلما قيل لى: إن
٣٤٦
رسول اللَّه قد أظل قادمًا، زاح عنى الباطل ... فأجمعت صدقه) أى جزمت بذلك،
وعقدت عليه عزمى وقصدى، وفى رواية ((وعرفت أنه لا ينجينى منه إلا الصدق».
( حتى جئت، فلما سلمت تبسم تبسم المغضب، ثم قال: تعال. فجئت أمشى، حتى
جلست بين يديه، فقال لى: ما خلفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ ) أى اشتريت راحلتك
وأعددتها للخروج؟ وفى رواية ((فأعرض عنى، فقلت: يانبى اللَّه، لم تعرض عنى؟ فوالله ما نافقت، ولا
ارتبت، ولا بدلت؟ قال: فما خلفك؟ )).
( ولقد أعطيت جدلا ) أى فصاحة وقوة كلام بحيث أخرج عن عهدة ماينسب إلى بما يقبل،
ولا يرد.
( ولئن حدثتك حديث صدق، تجد علىّ فيه، إنى لأرجو فيه عقبى الله. والله ما كان
لى عذر ... ) («تجد على فيه)) بكسر الجيم وتخفيف الدال، أى تغضب، وإنى أرجو أن يعقبنى اللّه
خيراً، وأن يثبتنى عليه.
(قال رسول الله :﴿: أما هذا فقد صدق، فقم، حتى يقضى الله فيك. فقمت ... فوالله
مازالوا يؤنبوننى، حتى أردت أن أرجع ... فأكذب نفسى ) أى أخذوا يلوموننى أشد اللوم.
( قالوا: مرارة بن ربيعة العامرى، وهلال بن أمية الواقفى ) قال النووى: هكذا هو فى
جميع نسخ مسلم ((العامرى)) وأنكره العلماء، وقالوا: هو غلط، وصوابه ((العمرى)) بفتح العين وإسكان
الميم، من بنى عمروبن عوف، وأما قوله ((مرارة بن ربيعة)» فكذا وقع فى نسخ مسلم، وفى البخارى
((ابن الربيع)) قال ابن عبد البر: يقال بالوجهين.
قيل: كان سبب تخلف ابن ربيعة أنه كان له حائط، فزهى، فقال فى نفسه: قد غزوت قبلها، فلو
أقمت عامى هذا؟ فلما تذكر ذنبه، قال: اللهم إنى أشهدك أنى قد تصدقت به فى سبيلك، وقيل: سبب
تخلف هلال أنه كان له أهل تفرقوا، ثم اجتمعوا فرغب فى الإقامة معهم بعد فراق طويل، فلما تذكر
ذنبه، قال: اللهم! لك علىّ أن لا أرجع إلى أهل ولا مال.
( أيها الثلاثة ) قال القاضى: هو بالرفع، وموضعه نصب على الاختصاص.
( حتى تنكرت لى فى نفسى الأرض ) معناه تغير علىّ كل شىء، حتى الأرض، فإنها
توحشت علىّ.
( حتى تسورت جدار حائط أبى قتادة ) أى علوته، وصعدت سوره.
( أنشدك باللّه) بفتح الهمزة وضم الشين، أى أسألك اللّه، وأصله من النشيد، وهو الصوت.
( إذا نبطى من نبط أهل الشام ) النبط والأنباط والنبيط فلاحو العجم.
٣٤٧
( ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك) ((المضيعة)) بكسر الضاد.
وبإسكانها وفتح الياء، لغتان، أى فى موضع يضيع فيه حقك، وقوله ((نواسك)) بالجزم فى جواب
الأمر، وفى نسخة ((نواسيك)) أى ونحن نواسيك.
( فتياممت بها التنور فسجرتها ) قال النووى: هكذا هو فى جميع نسخ بلادنا، وهى لغة فى
تيممت ومعناهما قصدت، ومعنى ((سجرتها)) أحرقتها، وأنث الضمير لأنه أراد الصحيفة.
( واستلبث الوحى ) أى أبطأ وتأخر.
( فقلت لامرأتى: الحقى بأهلك، فكونى عندهم، حتى يقضى الله فى هذا الأمر)
يستعمل هذا اللفظ فى كناية الطلاق، وهو هنا لم يرد به الطلاق، وهى أم أولاده الثلاثة عبد اللَّه، وعبيد
الله، ومحمد . .
( وأنا رجل شاب ) أقدر على خدمة نفسى، ولست مثل هلال، فعذره لا يصلح عذراً لى.
( سمعت صوت صارخ أو فى على سلع ) أى صعده، وارتفع عليه، و((سلع)) بفتح السين
وإسكان اللام، جبل معروف بالمدينة، وفى رواية ((وكنت قد ابتنيت خيمة فى ظهر سلع، فكنت أكون
فيها نهاراً ».
( ياكعب بن مالك، أبشر) فى رواية عند أحمد ((إذ سمعت رجلا على الثنية يقول: كعبًا.
كعبا، حتى دنا منى، فقال: بشروا كعبا)) وفى رواية الواقدى أن الذى أوفى على سلع كان أبا بكر
الصديق، فصاح: قد تاب اللَّه على كعب.
( فخررت ساجدًا، وعرفت أن قد جاء الفرج) فى رواية ((فخر ساجدًا، يبكى فرحًا
بالتوبة )».
(فآذن رسول اللَّه الناس بتوبة اللَّه علينا حين صلى صلاة الفجر) أى أعلمهم،
وفى رواية ((فأنزل اللَّه توبتنا على نبيه، حين بقى الثلث الأخير من الليل، ورسول اللّه * عند أم
سلمة، وكانت أم سلمة محسنة فى شأنى، معنية بأمرى، فقال: يا أم سلمة، تيب على كعب، قالت:
أفلا أرسل إليه، فأبشره؟ قال: إذا يحطمكم الناس، فيمنعونكم، النوم سائر الليلة، حتى إذا صلى
الفجر، آذن بتوبة اللَّه علينا».
( فذهب الناس يبشروننا، فذهب قِبَل صاحبى مبشرون، وركض رجل إلىَّ فرساً،
وسعى ساع من أسلم قِبَلى، وأوفى الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءنى
الذى سمعت صوته يبشرنى، فنزعت له ثوبيّ، فكسوتهما إياه ببشارته، واللّه! ما أملك
غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين، فلبستهما) قيل: الذى خرج على فرسه الزبير بن العوام،
٣٤٨
وكان الذى بشره، فنزع له ثوبيه حمزة بن عمرو الأسلمى، وأن الذى أعاره الثوبين الآخرين أبو قتادة،
وكان الذى بشر هلال بن أمية بتوبته سعيد بن زيد، قال: وخرجت إلى بنى واقف، فبشرته، فسجد.
قال سعيد: فما ظننته يرفع رأسه حتى تخرج نفسه، يعنى لما كان فيه من الجهد، فقد قيل: إنه
امتنع من الطعام، حتى كان يواصل الأيام صائماً، ولا يفتر من البكاء.
( فانطلقت أتأمم رسول اللّه #، يتلقانى الناس فوجاً فوجاً، يهنئوننى بالتوبة،
ويقولون: لتهنئك توبة الله عليك) فى رواية البخارى ((ليهنك)) بكسر النون، وزعم ابن التين أنه
بفتحها، قيل: وهو أصوب، لأنه من الهناء.
(حتى دخلت المسجد، فإذا رسول اللّه جالس فى المسجد، وحوله الناس، فقام
طلحة بن عبيد اللّه يهرول، حتى صافحنى وهنأنى، والله ما قام أحد من المهاجرين
غيره، قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة) فى رواية البخارى ((ولا أنساها لطلحة)) قيل: كان
النبى * قد آخى بينه وبين طلحة، وقيل: إن الزبير هو الذى كان قد آخى النبى بينه وبين طلحة،
فطلحة أخو أخيه.
( قال كعب: فلما سلمت على رسول اللّه # قال - وهو يبرق وجهه من السرور-
ويقول: أبشر بخير يوم مرعليك منذ ولدتك أمك) قال النووى: معناه سوى يوم إسلامك، إنما
لم يستثنه لأنه معلوم، لابد منه. اهـ قال الحافظ ابن حجر: والأحسن أن يقال: إن يوم توبته مكمل
ليوم إسلامه، فيوم إسلامه بداية سعادته، ويوم توبته مكمل لها، فهو خير جميع أيامه.
( فقلت: أمن عندك يارسول اللَّه؟ أم من عند اللَّه؟ فقال: لا. بل من عند اللَّه) زاد
فى رواية ((إنكم صدقتم الله، فصدقكم)).
(وكان رسول اللَّه: إذا سراستناروجهه، كأن وجهه قطعة قمر) وفى رواية ((كأن
وجهه قطعة من القمر)) قال الحافظ ابن حجر: ويسأل عن السرفى التقييد بالقطعة، مع كثرة ما ورد
فى كلام البلغاء من تشبيه الوجه بالقمر، من غير تقييد، قيل: للاحتراز من السواد الذى فى القمر، ورد
بأن المراد تشبيهه بالقمر فى تمامه من الضياء والاستنارة، وقيل للإشارة إلى موضع الاستنارة، وهو
الجبين، وفيه يظهر السرور، كما قالت عائشة: ((مسرورًا تبرق أسارير وجهه))، فكأن التشبيه وقع على
بعض الوجه، فناسب أن يشبه ببعض القمر.
( قلت: يارسول اللَّه، إن من توبتي أن أنخلع من مالى، صدقة إلى الله وإلى رسول
اللَّه ◌ِ﴿) أى أن أخرج منه، وأتصدق به.
( قلت: فإنى أمسك سهمى الذى بخيبر) فى رواية أبى داود ((أن أخرج من مالى كله إلى
الله ورسوله، صدقة، قال: لا، قلت: نصفه؟ قال: لا. قلت: فثلثه؟ قال: نعم)) وفى رواية ((يجزئ عنك
الثلث)».
٣٤٩
(فوالله! ما علمت أحداً من المسلمين، أبلاه الله تعالى فى صدق الحديث أحسن
مما أبلانى اللَّه به) البلاء والإبلاء يكون فى الخير والشر، لكن إذا أطلق كان للشر غالباً، فإذا أريد
الخبر قيد، كما قيده هنا، فقال: ((أحسن مما أبلانى اللَّه به)).
(والله! ما أنعم اللَّه علىّ من نعمة قط - بعد إذ هدانى اللَّه للإسلام - أعظم فى
نفسى من صدقى رسول اللَّه ﴿، ألا أكون كذبته، فأهلك ) قال النووي: هكذا هو فى جميع
نسخ مسلم، وكثير من روايات البخارى، قال العلماء: لفظة ((لا)) زائدة، فى قوله ((ألا أكون)) ومعناه أن
أكون كذبته فأهلك. كقوله تعالى ﴿ مَا مَنَّعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢].
( يزيدون على عشرة آلاف ) قال النووي: هكذا وقع هنا، ولم يبين قدر الزيادة، وقال أبو زرعة
الرازى: كانوا سبعين ألفاً، وقال ابن إسحاق: كانوا ثلاثين ألفاً، وهذا أشهر، وجمع بينهما بعض
الأئمة بأن أبا زرعة عد التابع والمتبوع، وابن إسحاق عد المتبوع فقط.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث فوق ماتقدم
١ - التصريح بجهة الغزو، إذا لم تقتض المصلحة ستره.
٢- وأن الإمام إذا استنفر الجيش عمومًا، لزمهم النفير، ولحق اللوم بكل فرد فرد، أن لو تخلف، قال
السهيلى: إنما اشتد غضب النبى على من تخلف، وإن كان الجهاد فرض كفاية، لكنه فى حق
الأنصار خاصة فرض عين، لأنهم بايعوا على ذلك، فكان تخلفهم عن هذه الغزوة كبيرة، لأنها
كالذكث لبيعتهم. قال الحافظ ابن حجر: وعند الشافعية وجه أن الجهاد كان فرض عين فى زمن
النبى﴾، ويؤيده قوله تعالى ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الأَعْرَابِ أَنْ يَتَّخَلَّقُوا عَنْ
رَسُولِ اللّهِ﴾ [التوبة: ١٢٠] وعلى هذا فيتوجه العتاب على من تخلف مطلقاً.
٣- وفيه أن العاجز عن الخروج بنفسه أو بماله، لا لوم عليه.
٤- وفيه ترك قتل المنافقين.
٥- وفيه عظم أمر المعصية، وقد نبه الحسن البصرى على ذلك، إذ قال: ياسبحان الله! ما أكل هؤلاء
الثلاثة مالا حراماً، ولا سفكوا دما حراماً، ولا أفسدوا فى الأرض، أصابهم ما أصابهم وضاقت
عليهم الأرض بما رحبت، فكيف بمن يواقع الفواحش والكبائر؟.
٦ - وفيه أن القوى فى الدين، يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ الضعيف فى الدين.
٧- وجواز إخبار المرء عن تقصيره وتفريطه، وعن سبب ذلك، وما آل إليه أمره، تحذيراً ونصيحة
لغيره.
٣٥٠
٨- وجواز مدح المرء نفسه بما فيه من خير، إذا أمن الفتنة.
٩- وفضيلة أهل بدر والعقبة.
١٠- والحلف للتأكيد، من غير استحلاف.
١١- وفيه أن المرء، إذا لاحت له فرصة الطاعة، فحقه أن يبادر إليها، ولا يسوف بها، لئلا يحرمها،
قال تعالى ﴿اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْدِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾
[الأنفال: ٢٤].
١٢ - وجواز تمنى ما فات من الخير.
١٣- وفى طعن الرجل فى كعب، وعدم رد الرسول :8# عليه جواز الطعن فى الرجل، بما يغلب
على اجتهاد الطاعن، عن حمية للَّه ولرسوله { ﴾.
١٤ - وجواز الرد على الطاعن، إذا غلب على ظن الراد وهم الطاعن أو غلطه، قال النووي: فيه دليل لرد
غيبة المسلم الذى ليس بمتهتك فى الباطل، وهو من مهمات الآداب وحقوق الإسلام.
١٥ - وفيه أن المستحب للقادم أن يكون على وضوء.
١٦ - وأن يبدأ بالمسجد، قبل بيته، فيصلى.
١٧- ومشروعية السلام على القادم، وتلقيه.
١٨ - وفى معاملة الرسول # للمنافقين المتخلفين، الحكم بالظاهر، ووكول السرائر إلى اللّه تعالى.
١٩ - وفيه ترك السلام على من أذنب.
٢٠ - وأن الإمام لا يهمل من تخلفّ عنه فى بعض الأمور، بل يذكره ليراجع التوبة.
٢١- وأن التبسم قد يكون عن غضب، كما يكون عن تعجب، ولا يختص بالسرور.
٢٢- وفيه معاتبة الكبير أصحابه، ومن يعز عليه، دون غيره.
٢٣ - وفيه الحزم والإغلاظ فى اللوم للمصلحة.
٢٤ - وفيه العمل بمفهوم اللقب، إذا حفته قرينة، لقوله صلى الله عليه وسلم، لما حدثه كعب: ((أما هذا
فقد صدق)». فإنه يشعر بأن من سواه كذب، لكن ليس على عمومه فى حق كل أحد سواه، لأن
صاحبيه قد صدقاً كذلك، ففيه إشارة إلى كذب من اعتذر، لا من اعترف.
٢٥ - وفيه تبرير حر المصيبة بالتأسى بالنظير، لراحة كعب حين ذكر صاحباه.
٢٦ - وفيه عظم مقدار الصدق فى القول والفعل، وحسن عاقبته.
٢٧- وتعليق سعادة الدنيا والآخرة، والنجاة من شرهما به.
٣٥١
٢٨ - وجواز هجر المسلم أكثر من ثلاثة أيام، لمصلحة وسبب، وفيه استحباب هجران أهل البدع
والمعاصى الظاهرة، وترك السلام عليهم، ومقاطعتهم، تحقيراً لهم وزجراً.
٢٩- وأن من عوقب بالهجر، يعذر فى التخلف عن صلاة الجماعة، لأن مرارة وهلالا لم يخرجا من
بيتيهما تلك المدة.
٣٠- وفيه سقوط وجوب رد السلام على المهجور، إذ لو كان واجباً لم يقل كعب: هل حرك شفتيه برد
السلام؟.
٣١- وفيه جواز دخول المرء دار جاره وصديقه بغير إذنه، ومن غير الباب، إذا علم رضاه، وإذا لم يكن
هناك كشف حرمة.
٣٢- وفيه أن قول: الله ورسوله أعلم. ليس بخطاب، ولا كلام مع المهجور، ولا يحنث به من حلف أن
لا يكلم الآخر، إذا لم ينوبه مكالمته، وإنما قال أبو قتادة ذلك، لما ألح عليه كعب، وأن السلام
كلام، وأن من حلف لا يكلم إنساناً، فسلم عليه، أو رد عليه السلام حنث.
٣٣- وفيه مبالغة الصحابة فى اتباع الأوامر، واجتناب النواهى، فقد جعل الناس يشيرون إلى كعب
لرسول ملك غسان، ولا يتكلمون، وكان بمقدورهم أن يقولوا: هذا هو، ولا يكون هذا تكليما له.
٣٤ - وفيه أن مسارقة النظر فى الصلاة لا يقدح فى صحتها ..
٣٥- وإيثار طاعة الرسول 18 على مودة القريب.
٣٦ - وجواز ترك وطء الزوجة مدة.
٣٧- وخدمة المرأة زوجها.
٣٨- وفى إرسال كعب زوجته إلى أهلها، الاحتياط لمجانبة ما يخشى الوقوع فيه، وأن عبارة: الحقى
بأهلك، ليس صريحاً فى الطلاق.
٣٩ - وفى تحريق كعب لرسالة ملك غسان، جواز تحريق ما فيه اسم الله، للمصلحة، إذ كان فى الورقة
((لم يجعلك اللَّه بدار هوان)).
٤٠- وفيه دليل للشافعى وموافقيه فى استحباب سجود الشكر بكل نعمة ظاهرة حصلت، أو نقمة
ظاهرة اندفعت، قاله النووى، وفيه نظر. إذ ما حصل كان من أعظم النعم.
٤١- وفيه استحباب إجازة البشير بخلعة.
٤٢- وجواز العارية، وإعارة الثوب للبسه.
٤٣- وفى استقبال طلحة لكعب استحباب مصافحة القادم، والقيام له إكراما، والهرولة إلى لقائه
بشاشة وفرحًا.
٣٥٢
٤٤- وفيه استحباب الصدقة، شكرا للنعم المتجددة، لاسيما ما عظم منها.
٤٥- ومن قوله عن الثوبين: ((واللَّه! ما أملك غيرهما)) فى حين أنه كان يملك راحلتين وبيتاً وسهم
خيبر، دليل على تخصيص اليمين بالنية، قال النووى: وهو مذهبنا، فإذا حلف لا مال له، ونوى
نوعا لم يحنث بنوع آخر من المال، أو حلف لا يأكل، وذوى تمراً، لم يحنث بالخبز.
٤٦- واستحباب بكاء المسلم على نفسه، إذا وقعت منه معصية.
٤٧- واستحباب التبشير بالخير.
٤٨- واستحباب تهنئة من رزقه الله خيرا ظاهراً، أو صرف عنه شراً ظاهراً.
٤٩- واستحباب سرور الإمام وكبير القوم، بما يسر أصحابه وأتباعه.
٥٠- واستحباب اجتماع الناس عند الإمام فى الأمور المهمة.
٥١- وأنه يستحب لمن تاب بسبب من الخير، أن يحافظ على ذلك السبب، كما فعل كعب فى
الصدق.
والله أعلم
٣٥٣
(٧٦٥) باب فى حديث الإفك وقبول توبة القاذف
وبراءة حرم النبي # من الريبة
٦٠٩٩ - ٦°° عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٥٦)، زَوْجِ النّبِيِّ ◌ِ﴾َ. حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ
الإِفْكِ مَا قَالُوا، فَبَرَأَهَا اللَّهُ مِمَّا قَالُوا، وَكُلُّهُمْ حَدَّثَنِي طَائِفَةٌ مِنْ حَدِيثِهَا. وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى
لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ. وَأَثْبَتَ اقْتِصَاصًا. وَقَدْ وَعَبْتُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَِّي.
وَتَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا. ذَكَرُوا أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ :﴿ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ﴾
إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا، أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ. فَأَُّهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا، خَرَجُ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ مَل
مَعَهُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَأَقْرَعَ بَيْنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا. فَخَرَجٌ فِيهَا سَهْمِي. فَخَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ
﴿ وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ. فَأَنَا أُحْمَلُ فِي مَوْدَجِي، وَأَنْزَلُ فِيهِ، مَسِيرَنًا. حَتَّى إِذَا فَرَغَ
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ مِنْ غَزْوِهِ، وَقَفَلَ وَدَنَوْنَا مِنَ الْمَدِينَةِ، آذَنْ لَيْلَةٌ بِالرَّحِيلِ. فَقُمْتُ حِينَ آذْنُوا
بِالرَّحِيلِ. فَمَشَيْتُ حَتَّى جَاوَزْتُ الْجَيْشَ. فَلَمَّا قَضَيْتُ مِنْ هَأْنِي أَقْبَلْتُ إِلَّى الرَّحْلِ. فَلَمَسْتُ
صَدْرِي فَإِذَا عِقْدِي مِنْ جَزْعٍ ظَفَارٍ قَدِ الْقَطَعَ. فَرَجَعْتُ فَالْتَمَسْتُ عِقْدِي فَحَبَسَنِي انْتِغَاؤُهُ.
وَأَقْبَلَ الرَّفْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونُ لِي فَحَمَلُوا هَوْدَجِي. فَرَ حَلُوهُ عَلَى بَعِيرِيّ الْذِي كُنْتُ
أَرْكَبُ. وَهُمْ يَحْسِبُونَ أَنِّي فِيهِ. قَالَتْ: وَكَانَتِ النِّسَاءُ إِذْ ذَاكَ خِفَافًا، لَمْ يُهَّلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ
اللّحْمُ. إِنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنَ الطَّعَامِ. فَلَمْ يَسْتَنْكِرِ الْقَوْمُ ثِقَلَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَخَلُوهُ وَرَفَعُوهُ.
وَكُنْتُ جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنّ. فَبَعَثُوا الْجَمِلَ وَسَارُوا. وَوَجَدْتُ عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ.
فَجِئْتُ مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلا مُجِيبٌ فَتَيَمَّمْتُ مَنْزِلِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ. وَظَنَنْتُ أَنَّ الْقَوْمَ
سَيَفْقِدُونِي فَيَرْجِعُونَ إِلَيَّ. فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبْنِي عَيْنِي فَيِمْتُ. وَكَانْ صَفْوَاهُ بْنُ
الْمُعَطَّلِ السُّلَمِيُّ، ثُمَّالذِّكْوَانِيُّ، قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَاذَلَجَ. فَأَصْبِحَ عِنْدَ مَسْزِي. فَرَأَى
سَوَادَ إِنْسَانٍ نَائِمٍ. فَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي. وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبِ الْحِجَابُ عَلَيٍّ.
فَاسْتَيْقَظْتُ بِاسْتِرْ جَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي. فَحَمَّرْتُ وَجْهِي بِجِلْبَابِي. وَ وَاللَّهِ! مَا يُكَلِّمُنِيٍ كَلِمَةً وَلا
سَمِعْتُ مِنْهُ كَلِمَةٌ غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ. حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ. فَوَطِئَّ عَلَى يَدِهَا فَرَكِبْتُهَا. فَانْطَلَقَ يَقُودُ
بِيّ الرَّاحِلَةَ. حَتّى أَثَيْنَا الْجَيْشَ، بَعْدَ مَا تَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ. فَهَلَكَ مِّنْ هَلَكَ فِي
(٥٦) حَدََّا حِيَّانُ بْنُ مُوسَى أَخْبُرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ أَخْبُرَنًا يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ الْأَيْلِيُّ ح وَ حَدََّنَا إِسحاق بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ
وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالَ ابْنُ رَافِعٍ حَدًّْا و قَالَ الْآَخَرَانِ أَخَبَرَّنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُوَنَا مَعْمَرٌ وَالسَّاقُ حَدِيثُ مَعْمَرٍ
مِنْ رِوَايَّةٍ عَبْدٍ وَأَبْنِ رَافِعٍ قَالَ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَّنِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَّيَّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَلْقَمَةُ بْنٍّ
وَقَاصٍَّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بَّنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُتْبَةَ بْنٍ مَسْعُودٍ عَنْ حَدِيثَ عَائِشَةً
٣٥٤
شَأْيِي. وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبَيِّ ابْنُ سَلُولَ. فَقَدِمْنَا الْمَدِينَّةَ. فَاشْتَكَيْتُ، حِينَ
قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ، شَهْرًا. وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ، وَلا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ. وَهُوَ
يَرِبُنِي فِي وَجَعِي أَنّي لا أَغْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ :﴿ اللُّطْفَ الْذِي كُنْتُ أَرَى مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي.
إِنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللَّهِ،فَ﴿ِ فَيُسَلَّمُ ثُمَّ يَقُولُ: «كَيْفَ تِيَكُمْ؟» فَذَاكَ يَرِبُّبِي. وَلا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ.
حَتَّى خَرَجْتُ بَعْدَ مَا نَقَهْتُ وَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِيَلَ الْمَنَاصِعِ. وَهُوَ مُتَبَرَُّنَا. وَلا نَخْرُجُ
إِلا لَيْلا إِلَى لَيْلٍ. وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تَتْخِذَ الْكُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا. وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الأُوَلِ فِي
السََّزُّهِ. وَكُنَّا نَتَأَذِى بِالْكُفِ أَن نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا. فَانْطَلَقْتُ أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ، وَهِيَ بِنْتُ أَبِي
رُهْمِ بْنِ الْمُطِّبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ. وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَعْرِ بْنِ عَامِرٍ، خَالَةُ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ. وَأُْهَا
مِسْطَحُ بْنُ أَثَاقَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطْلِبِ. فَأَقْبَلْتُ أَنَا وَبِنْتُ أَبِي رُهْمٍ قِيَلَ بَيْتِي. حِينَ فَرَغْنَا مِنْ
شَأْيًِّا: فَعَفَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا. فَقَالَتْ: تَعِسَ مِسْطَحٌ، فَقُلْتُ لَّهَا: بِئْسٌ مَا قُلْتٍ. أَتَسُبِينَ
رَجُلا قَدْ شَهِدَ بَذْرًا. قَالَتْ: أَيْ هَنْتَاه! أَوْ لَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ؟ قُلْتُ: وَمَاذَا قَالَ؟ قَالَتْ:
فَأَخْبُرْنِي بِقَوْلِ أَهْلِ الإِفْكِ. فَازْدَدْتُ مَرَضًا إِلَى مَرَضِي. فَلَمَّا رَجَعْتُ إِلَى بَيْتِي فَدَخَلَ عَلَّيَّ
رَسُولُ اللَّهِ فَ﴿َ. فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ: «كَيْفَ تِيَكُمْ؟» قُلْتُ: أَتَأْذَنُ لِي أَدْ آتِيَّ أَبَوَيَّ؟ قَالَتْ: وأنّا
حِينَيْدٍ أُرِيدُ أَنْ أَيَقْنَ الْخَبْرَ مِنْ قِبَلِهِمَا. فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ. فَجِئْتُ أَبُوَيَّ فَقُلْتُ لأُمِّي:
يَا أُمََّاهْ! مَا يَتْحَدَّثُ النَّاسُ؟ فَقَالَتْ: يَا بُنَّةُ: هَوِِّي عَلَيْكِ فَوَاللَّهِ! لَقَلْمَا كَانَتِ امْرَأَةٌ قَطٌّ وَضِيئَةٌ
عِنْدَ رَجُلٍ يُحِيُّهَا، وَلَهَا ضَرَائِرُ، إِلا كَثِّرْنَ عَلَيْهَا. قَالَتْ: قُلْتُّ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَقَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ
بِهَذَا؟ قَالَتْ: فَبَكَيْتُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْتُ لا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلا أَكْتَجِلُ بِنَوْمٍ. ثُمَّ أَصْبَحْتُ
أَبْكِي. وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ﴿ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُّ.
يَسْتَشِيرُهُمَّا فِي فِرَاقٍ أَهْلِهِ. قَالَتْ: فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿َّ بِالَّذِي يَعْلَمُ
مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ، وَبِالَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ لَهُمْ مِنَ الْوُدِّ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِاَ هُمْ أَهْلُكَ وَلا نَعْلَمُ
إِلا خَيْرًا، وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ: لَمْ يُصَيِّقِ اللَّهُ عَلَيْكَ. وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ. وَإِنْ
تَسْأَلِ الْجَارِيَّةَ تَصْدُقْكَ. قَالَتْ: فَدَهَا رَسُولُ اللَّهِوَلَّ بَرِيرَةَ فَقَالَ: «أَيْ بَرِيرَةُ! هَلْ رَأَيْتٍ مِنْ
شَيْءٍ يَرِبُكِ مِنْ عَائِشَةٌ؟)» قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ: وَالْذِي يَعْثِكَ بِالْحَقِّ! إِنْ رَأَيْتُ عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُ
أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْفَرَ مِنْ أَنْهَا جَارِيّةٌ حَدِيفَةُ السِّنِّ، تَنَامُ عَنْ عَجِينٍ أَهْلِهَا، فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ.
قَالَتْ: فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِفَ ﴿ عَلَى الْمِنْبَرِ. فَاسْتَغْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبَيِّ ابْنِ سَلُولَ. قَالَتْ: فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِ:﴿ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ: «يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ! مَنْ يَعْذِرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَ أَذَاهُ فِي
أَهْلٍ بَيْتِي. فَوَاللَّهِ! مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إِلا خَيْرًا. وَلَقّدْ ذَكْرُوا رَجُلا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إِلا خَيْرًا.
وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إِلا مَعِي» فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذِ الأَنْصَارِيُّ فَقَالَ: أَنَّا أَعْذِرُكَ مِنْهُ يَا
٣٥٥
رَسُولَ اللَّهِ! إِنْ كَانٌ مِنَّ الأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنْقَهُ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إِخْوَاتِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا
أَمْرَكَ. قَالَتْ: فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةً، وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ، وَكَانَ رَجُلاً صَالِحًا. وَلَكِنِ اجْتَهَلَتْهُ
الْحَمِيَّةُ. فَقَالَ لِسَعْدِ بْنٍ مُّعَاذٍ: كَذَبْتَ. لَعَمْرُ اللَّهِ! لا تَقْتُلُهُ وَلا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ. فَقَامَ أَسَيْدُ بْنُ
حُضَيْرٍ، وَهُوَ ابْنُ عَمَّ سَعْدٍ بْنٍ مُعَاذٍ، فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ: كَذَبْتَ. لَعَمْرُ اللَّهِ! لَنَقْتُلَنَّهُ. فَإِنَّكَ
مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنِ الْمُنَافِقِينَ. فَقَارَ الْحَيَّانِ الأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ، حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا. وَرَسُولُ
اللَّهِ ﴿ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ. فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ وَ﴿ يُخَفّضُهُمْ خَنِّى سَكَنُوا وَسَكَتَ. قَالَتْ:
وَبَكَيْتُ يَوْمِي ذَلِكَ. لا يَرْقَأْ لِي دَمْعٌ وَلا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ثُمَّ بَكَيْتُ لَيْلَتِي الْمُقْبِلَةَ. لا يَرْقَّأُ لِي دَمْعٌ
وَلا أَكْتَجِلُ بِنَوْمٍ. وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءِ فَالِقٌ كَبِدِي. فَيْنَمَا هُمَّا جَالِسَانِ عِنْدِي، وَأَنَا
أَبْكِي، اسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَأَذِنْتُ لَهَا. فَجَلَسَتْ تَنْكِي. قَالَتْ: فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى
ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ فَ﴿ِ. فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ. قَالَتْ: وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مّا
قِيلَ. وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لا يُوحَى إِلَيْهِ فِي شَأْنِي بِشَيْءٍ. قَالَتْ: فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِع ◌َّ حِينَ جَلّسَ
ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ يَا عَائِشَةُ، فَإِنَّهُ قَدْ بَلَغَنِي عَنْكِ كَذَا وَكَذَا. فَإِنْ كُنْتِ بَرِيئَةٌ فَسَيُبَرِّتُكِ اللَّهُ.
وَإِنْ كُنْتِ أَلْمَمْتٍ بِذَّئْبٍ. فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ وَتُوبِي إِلَيْهِ. فَإِنَّ الْعَبْدَ إِذَا اغْتَرَفَ بِذَنْبٍ ثُمَّ تَابَ،
تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ» قَالَتْ: فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ:﴿ مَقَالَتَهُ، قَلْصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ
قَطْرَةٌ. فَقُلْتُ لأَبِي: أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ﴿ فِيمَا قَالَ: فَقَالَ: وَاللَّهِ! مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ
لِرَسُولِ اللَّهِ﴿﴿ فَقُلْتُ لُأُمِّي: أَجِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ِ. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ! مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ
لِرَسُولِ اللَّهِعَ﴿ه. فَقُلْتُ، وَأَنَا جَارِيّةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ، لا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنَ الْقُرْآنِ: إِنِّي، وَاللَّهِ! لَقَدْ
عَرَفْتُ أَنْكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذَا حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي تُفُوسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ. فَإِنْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي بَرِيئَةٌ،
وَالِلَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ، لا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ، وَلَيْنِ اعْتَرَفْتُ لَكُمْ بِأَمْرٍ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ،
لَتُصَدِّقُونِي، وَإِنِّي، وَاللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلا إِلا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ
وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ قَالَتْ: ثُمَّ تَحَوَّلْتُ فَاضْطَجَعْتُّ عَلَى فِرَاشِي. قَالَتْ: وَأَنَا،
وَاللَّهِ! حِيْدٍ أَعْلَمُ أَنْي بَرِئَةٌ. وَأَنَّ اللَّهَ مُبَرِِّي بِبَرَاءَتِي. وَلَكِنْ، وَاللَّهِ! مَا كُنْتُ أَظُنُّ أَنْ يُنْزَلَ
فِي شَأْنِي وَحْيٌّ يُثْلَى. وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكُلِّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيَّ بِأَمْرٍ يُغْلَى.
وَلَكِنِّي كُنْتُ أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِوَ لَ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرُِّنِي اللَّهُ بِهَا. قَالَتْ: فَوَاللَّهِ! مَا
وَامَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ مَجْلِسَهُ، وَلا خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ، حَتِى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيُّهِ
◌ِ﴾. فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنَ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْيِ. حَتَّى إِنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِفْلُ الْجُمّانِ مِنَ
الْعَرَقِ، فِي الْيَوْمِ الشَّاتِ، مِنْ ثِقْلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ. قَالَتْ: فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
﴿، وَهُوَ يَضْحَكُ، فَكّانَ أَوَّلَ كُلِمَةٍ تَكُلُّمَ بِهَا أَنْ قَالَ: «أَبْشِرِي. يَا عَائِشَةُ! أَمَّا اللَّهُ فَقَدْ
٣٥٦
بَرََّكِ». فَقَالَتْ لِي أُمِّي: قُومِي إِلَيْهِ. فَقُلْتُ: وَاللَّهِ! لا أَقُومُ إِلَيْهِ. وَلا أَحْمَدُ إِلا اللّهَ. هُوَ الْذِي
أَنْوَلَ بَرَاءَتِي. قَالَتْ: فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِنْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ ﴾ عَشْرَ
آيَاتٍ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَؤُلاءِ الآيَاتِ بَرَاءَتِي. قَالَتْ: فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى
مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ: وَاللَّهِ! لا أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا، بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةٌ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ
عَزْ وَجَلَّ: ﴿وَلا يَأْتَلٍ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْثُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَلَا
تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ قَالَ حِيَّاهُ بْنُ مُوسَى: قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ: هَذِهِ أَرْجَى آيَةٍ
فِي كِتَابِ اللَّهِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ! إِنِّي لأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي. فَرَجَعَ إِلَى مِسْطَحِ الْفَقَةَ
الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ. وَقَالَ: لا أَنْزِعُهَا مِنْهُ أَبَدًا. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ِ سَّأَلَ
زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ، زَوْجَ النَّبِيِّ :﴿ عَنْ أَمْرِي «مَا عَلِمْتٍ؟ أَوْ مَا رَأَيْتِ؟» فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ
اللَّهِ! أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي. وَاللَّهِ! مَا عَلِمْتُ إِلا خَيْرًا، قَالَتْ عَائِشَةُ: وَهِيَّ الَّتِي كَانَتْ
تُسَامِي مِنْ أَزْوَاجِ النِّبِيِّ : ﴿ فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ. وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ
لَهَا. فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ. قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَهَذَا مَا انْتَهَى إِلَيْنَا مِنْ أَمْرٍ هَؤُلاءِ الرَّهْطِ. وَقَالَ فِي
حَدِيثٍ يُونُسَ: احْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ.
٦١٠٠- ٥٧ وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ(٥٧) بِمِثْلٍ حَدِيثٍ يُونُسَ وَمَعْمَرٍ. يإِسْنَادِهِمَا. وَفِي
حَدِيثِ فُلَيْحٍ: اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، كَمَا قَالَ مَعْمَرٌ. وَفِي حَدِيثٍ صَالِحٍ: اخْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ، كَقَوْلٍ
يُونُسَ. وَزَادَ فِي حَدِيثٍ صَالِحٍ: قَالَ عُرْوَةُ: كَانَتْ عَائِشَةُ تَكْرَهُ أَنْ يُسَبَّ عِنْدَهَا حَسَّاتُ.
وَتَقُولُ: فَإِنَّهُ قَالَ:
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي .. لِعِرْضٍ مُحَمَّدٍ مِنْكُمْ وِقَاءُ
وَزَادَ أَيْضًا: قَالَ عُرْوَةُ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَاللَّهِ! إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ مَا قِيلَ لَيَقُولُ: سُبْحَانَ
اللَّهِ، فَوَالْذِي نَفْسِي بِيْدِهِ! مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَّفِ أَنْثَى قَطُّ. قَالَتْ ثُمَّ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهِيدًا فِي
سَبِيلِ اللّهِ. وَفِي حَدِيثِ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ: مُوعِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ. وَقَالَ عَبْدُ الرََّّاقِ:
مُؤْغِرِينَ. قَالَ عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ: مَا قَوْلُهُ مُوغِرِينَ؟ قَالَ: الْوَغْرَةُ شِدَّةُ الْحَرِّ.
٦١٠١- ثْ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٥٨) قَالَتْ: لَمَّا ذُكِرَ مِنْ شَأْنِي الْذِي ذُكِرَ، وَمَا
(٥٧) وحَدَّتِي أَبُو الرَّبِيعِ الْعَنْكِيُّ خَذََّا فُلَيْحُ بْنْ سَلَيْمَانْ حِ وَ حَدَّنَا الْحَسِنُ بْنُ عَلِّ الْخُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ فَالا حَدَّا يَعْقُوبُ
ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنٍ سَعْدٍ حَدَّثْنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ بْنِ كَيْسَانْ كِلاهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ
(٥٨) حَدَّقَّا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْيَةً وَمُحْمَّدُ بْنُ الْعَلَّاءِ قَالْ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةً عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةً
٣٥٧
عَلِمْتُ بِهِ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ّ خَطِبًا فَتَشَهَّدَ. فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَقْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ. ثُمَّ قَالَ:
«أَمَّا بَعْدُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أَنَاسٍ أَيُنُوا أَهْلِي. وَايْمُ اللَّهِ! مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي مِنْ سُوءٍ قَطُ.
وَأَبُوهُمْ، بِمَنْ وَاللَّهِ! مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطَّ، وَلا دَخَلَ بَيْتِي قَطُّ إِلا وَأَنَا حَاضِرٌ. وَلا
غِيْتُ فِي سَفَرٍ إِلا غَابَ مَعِيٍ» وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَفِيهِ: وَلَقَدْ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِعَ بَيْتِي
فَسَأَلَ جَارِي. فَقَالَتْ: وَاللَّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا عَنْبًا، إِلا أَنْهَا كَانَتْ تَرْقُدُ حَتَّى تَدْخُلَ الشَّاةُ
فَتَأْكُلَ عَجِيْنَهَا، أَوْ قَالَتْ خَمِيرَهَا (شَكَّ هِشَامٌ) فَانْتَهَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِهٍ فَقَالَ: اصْدُقِي رَسُولَ
اللَّهِعَ﴿. حَتَّى أَسْقَطُوا لَهَا بِهِ. فَقَالَتْ: سُبْحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ! مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إِلا مَا يَعْلَمُ
الصَّائِعُ عَلَى تِبْرِ الذَّهَبِ الأَحْمَرٍ. وَقَدْ بَلَغَ الأَمْرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الْذِي قِيلَ لَهُ. فَقَالَ: سُبْحَانٌ
اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا كَشَفْتُ عَنْ كَنَفِ أَنْثَى قَطُ. قَالَتْ عَائِشَةُ: وَقُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ. وَفِهِ
أَيْضًا مِنَ الزِّيَادَةِ: وَكَانَ الَّذِينَ تَكَلِّمُوا بِهِ مِسْطَحْ وَحَمْنَةُ وَحَسَّاهُ. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
أَبِيِّ فَهُوَ الْذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ. وَهُوَ الْذِي تَوْلَّى كِبْرَهُ وَحَمْنَةُ.
٦١٠٢ - ٦ْ عَنْ أَنَسٍ ﴾(٥٩)؛ أَنَّ رَجُلا كَانُ يُتَّهَمُ بِأُمِّ وَلْدِ رَسُولِ اللَّهِعَ﴿ِ. فَقَالَ رَسُولُ
اللّهِ﴾﴿ لِعَلِيِّ: «اذْهَبْ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ» فَأَتَاهُ عَلِيٍّ فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيِّ يَتْبَرَّدُ فِيهَا. فَقَالَ لَهُ عَلِيِّ:
اخْرُجْ. فَنَاوَلَةُ يَدَهُ فَأَخْرَجَهُ. فَإِذَا هُوَ مَجْبُوٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرٌ. فَكَفَّ عَلِيٍّ عَنْهُ. ثُمَّ أَتَى الْنِّيَّ ◌ِ﴾
فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ لَمَجْبُوبٌ. مَا لَهُ ذَكَرٌ.
المعنى العام
نكتفى بما أخذناه من حادثة الإفك من عبر فى آخر فقه الحديث.
المباحث العربية
( عن الزهرى قال: حدثنى سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص
وعبيد اللّه بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة إلخ) قال النووي: هذا الذى
ذكره الزهرى، من جمعه الحديث عنهم، جائز، لامنح منه، ولا كراهة فيه، لأنه قد بين أن بعض
الحديث عن بعضهم، وبعضه عن بعضهم، وهؤلاء الأربعة أئمة حفاظ ثقات، من أجل التابعين، فإذا
ترددت اللفظة من هذا الحديث بين كونها عن هذا أو ذاك، لم يضر، وجاز الاحتجاج بها، لأنهما
(٥٩) حَدِِّي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنًا عَفَّانُ حَدََّنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَّمَةً أَخْبَرَنًا قَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ
٣٥٨
ثقتان، وقد اتفق العلماء على أنه لوقال: حدثنى زيد أو عمرو، وهما ثقتان معروفان بالثقة عند
المخاطب جاز الاحتجاج به.
( وكلهم حدثنى طائفة من حديثه ) فى رواية «وكل حدثنى بعض هذا الحديث، وقد
جمعت لك كل الذى حدثونی)».
(وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض، وأثبت اقتصاصا ) أى أحفظ، وأحسن إيرادا
وسردا للحديث.
( وبعض حديثهم يصدق بعضا ) قال الحافظ ابن حجر: كأنه مقلوب، والمقام يقتضى أن
يقول: وحديث بعضهم يصدق بعضاً، ويحتمل أن يكون على ظاهره، والمراد أن بعض حديث كل
منهم، يدل على صدق الراوى الآخر فى بقية حديثه.
(كان رسول اللَّه ﴿ إذا أراد أن يخرج سفراً، أقرع بين نسائه) أى أن يخرج إلى
سفر، فهو منصوب بنزع الخافض، أو ضمن ((يخرج)) معنى ينشئ، فيكون ((سفراً)) منصوباً على
المفعولية، وفى رواية للبخارى ((كان إذا أراد سفراً، أقرع بين أزواجه)) ومعنى ((أقرع بين نسائه)) أى
ضرب سهاما معلمة لكل واحدة.
( فأقرع بيننا فى غزوة غزاها ) هى غزوة بنى المصطلق، وصرح بها فى بعض الروايات.
( وذلك بعد ما أنزل الحجاب) أى بعد ما أنزل الأمر بالحجاب، أى حجاب أمهات
المؤمنين عن رؤية الرجال لهن، بقوله تعالى ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاء حِجَابٍ﴾
[الأحزاب: ٥٣] وقالت هذا كالتوطئة للسبب فى كونها كانت تستقر فى الهودج، حتى أفضى ذلك إلى
الظن أنها فيه، وهى ليست فيه، بخلاف ما كان قبل الحجاب، حيث كن يركبن ظهر الرواحل بغير
هوادج، أو يركبن الهوادج، غير مستترات، فما كان يقع لها الذى وقع.
( فأنا أحمل فى هودجى، وأنزل فيه مسيرنا ) الهودج بفتح الهاء والدال، بينهما واو
ساكنة، محمل له قبة، تستتر بالثياب ونحوها، يوضع على ظهر البعير، يركب عليه النساء، ليكون
أسترلهن، وفى رواية ابن إسحاق ((فكنت إذا رحلوا بعيرى جلست فى هودجى، ثم يأخذون بأسفل
الهودج، فيضعونه على ظهر البعير».
(حتى إذا فرغ رسول اللَّه من غزوه، وقفل ) أى رجع من غزوته.
(ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل) قال النووى: ((آذن)) روى بالمد وتخفيف الذال،
وبالقصر وتشديدها، أى أعلم بتحرك الجيش، بعد نزوله، وفى رواية ابن إسحاق ((فنزل منزلا فبات به
بعض الليل، ثم آذن بالرحيل».
( فقمت حين آذنوا بالرحيل ) لأقضى حاجتى منفردة، بعيداً عن الجيش.
٣٥٩ .
( فلما قضيت من شأنى ) أى قضيت حاجتى.
( أقبلت إلى الرحل ) أى إلى الهودج.
( فلمست صدرى، فإذا عقدى، من جزع ظفار، قد انقطع) ((جزع ظفار)) بفتح الجيم
وإسكان الزاى، وهو خرز يمانى معروف، فى سواده بياض كالعروق، و((ظفار)» قرية باليمن مبنية على
الكسر، وفى رواية للبخارى ((جزع أظفار)) وحكى ابن التين أن قيمة هذا العقد كانت اثنى عشر درهما،
وفى رواية الواقدى ((فكان فى عنقى عقد، من جزع ظفار، كانت أمى أدخلتنى به على رسول اللَّه ◌ِ﴾))
وفى رواية ابن إسحاق ((قد انسل من عنقى، وأنا لا أدرى)).
( فرجعت، فالتمست عقدى، فحبسنى ابتغاؤه) وفى رواية ابن إسحاق ((فرجعت عودى
على بدئى، إلى المكان الذى ذهبت إليه)) زاد فى رواية الواقدى ((وكنت أظن أن القوم، لولبثوا شهراً،
لم يبعثوا بعیری، حتى أكون فی هودجی )».
( وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لى ) بفتح الياء وسكون الراء، يقال: رحلت البعير، إذا
شددت عليه الرحل، قال النووى: هكذا وقع فى أكثر النسخ ((يرحلون لى)) وفى بعض النسخ ((بی)).
( فحملوا هودجى، فرحلوا على بعيرى الذى كنت أركب، وهم يحسبون أنى فيه،
وكان النساء إذ ذاك خفافا، لم يهبلن، ولم يغشهن اللحم، إنما يأكلن العلقة من الطعام،
فلم يستنكر القوم ثقل الهودج، حين رحلوه ورفعوه ) قال النووى ((لم يهبلن)) ضبطوه على
أوجه: أشهرها ضم الياء وفتح الهاء والباء المشددة، أى يثقلن باللحم والشحم، والثانى بفتح الياء
والباء وإسكان الهاء بينهما، والثالث بفتح الياء وضم الباء، ويجوز بضم الياء وسكون الهاء وكسر الباء،
قال أهل اللغة: هبله اللحم، وأهبله، إذا أثقله، وكثر لحمه وشحمه، وفى رواية للبخارى ((لم يثقلهن
اللحم)) وهو أيضاً المراد من قولها ((لم يغشهن اللحم)) ومعنى ((يأكلن العلقة)) بضم العين، أى القليل،
ويقال لها أيضاً ((البلغة)) وفى رواية للبخارى ((ولم يستنكر القوم خفة الهودج)) وهى أوضح، لأن مرادها
إقامة عذرهم فى تحميل هودجها، وهى ليست فيه.
( وكنت جارية حديثة السن) كان سنها إذ ذاك لا يتجاوز الخامسة عشرة، وفائدة ذكر هذه
الجملة. المبالغة فى خفتها، أى إنها مع نحافتها كانت صغيرة السن، أو الإشارة إلى بيان عذرها فيما
فعلته من الحرص على العقد، ومن استقلالها بالتنبيش عليه، وترك إعلام أهلها بذلك.
( فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب ) أى منازل الجيش، وفى رواية ((وليس فيها
أحد».
( فتيممت منزلى الذى كنت فيه ) أى قصدت المكان الذى كان فيه هودجى.
٣٦٠