النص المفهرس

صفحات 201-220

(٧٣٧) باب النهى عن اتباع متشابه القرآن، والتحذير
من متبعيه، والنهى عن الاختلاف فى القرآن
٥٨٩٤- ١ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(١) قَالَتْ: ثَلَا رَسُولُ اللَّهِ﴿ ﴿هُوَ الْذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ
الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكّمَاتٌ مُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخْرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ
فَيَتْبِعُونَ مَا تَشَابَةَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ
يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبّنَا وَمَا يَذْكَّرُ إِلا أُوْلُو الأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ٧] قَالَتْ: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ﴿: «إِذَا رَأَيْتُمُ الَّذِينَ يَتْبِعُونَ مَا تَشَابَةَ مِنْهُ، فَأُولَئِكَ الَّذِينَ سَمَّى اللَّهُ،
فَاحْذَرُوهُمْ».
٥٨٩٥ - ٣ٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمًا(٢) قَالَ: هَجَّرْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
يَوْمًا. قَالَ: فَسَمِعَ أَصْوَاتَ رَجُلَيْنِ اخْتَلَفَا فِي آيَةٍ. فَخَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِعَلِ يُعْرَفُ فِي
وَجْهِهِ الْغَضَبُ. فَقَالَ: «إِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِاخْتِلافِهِمْ فِي الْكِتَّابِ».
٥٨٩٦- ٣ّ عَنْ جُدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيِّ(٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «اقْرَعُوا الْقُرْآن
مَا ائْتَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَفْتُمْ فِيهِ فَقُومُوا».
٥٨٩٧- ٤ عَنْ جُنْدَبٍ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ ﴾(٤)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «اقْرَعُوا الْقُرْآنُ
مَا الْتَفَتْ عَلَيْهِ قُلُوبُكُمْ. فَإِذَا اخْتَفْتُمْ فَقُومُوا».
٥٨٩٨- ١٠ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي عِمْرَادُ(١١) قَالَ: قَالَ لَنَا جُنْدَبٌ، وَنَحْنُ غِلْمَانٌ بِالْكُوفَةِ:
قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴾: «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ» بِمِثْلٍ حَدِيثِهِمَا.
٥٨٩٩-٥ْ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٥) قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ّ: «إِنَّ أَنْغَضَ الرِّجَالِ
إِلَى اللَّهِ الأَلَّدُّ الْخَصِمُ».
(١) حَدْثَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةَ بْنٍ فَعْنَبِ خَدََّا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْتُسْتَرِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةً عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ
عَائِشَةً
(٢) حَدَّثْنَا أَبُوٍ كَامِلٍ فُضَيْلُ بْنُ حُسِيْنِ الْجَحْدَرِيُّ حَدِّقَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ حَدْنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْلِيُّ قَالَ كَبَ إِلَيَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَبَاحٍ
الأَنْصَارِيُّ أَنَّ عُّبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِوْ قَالَ
(٣) حَدَّثَنَا يَخْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبُوَنَا أَبِّو قُدَامَةَ الْحَارِثُ مِنُ عُبَيْدٍ عَنْ أَبِيِ عِمْرَانَ عَنْ جُنْدَبِ
(٤) حَدَّتِي إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَّدَ حَدِّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّثَنَا أَبُو عِمْرَانَ الْجَوْنِيُّ عَنْ جُنْدَبِ
(١٠) حَدَّثَِّيَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٌ بْنِ صَخْرِ الدَّارِمِيُّ حَدَّثَنَا حَبَّاتُ حَدَّقَا أَبَانُ حَدَقَّا أَبُو عِمْرَان
(٥) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَّبِي شَيْئَةٌ حَدًَّا وَكِيمٌ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنِ ابْنٍ أَبِي مُلَيْكَةً عَنْ عَائِشَةً
٢٠١

٥٩٠٠- ٣ٌ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ﴾(٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿: «لَتْبِعُنَّ سَنْنَ الَّذِينَ
مِنْ قَبْلِكُمْ. شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا فِي جُحْرٍ ضَبِّ لاَْتَعْتُمُوهُمْ)». قُلْنَا: يَا
رَسُولَ اللَّهِ الُْهُودَ وَالنَّصَارَى؟ قَالَ: «فَمَنْ».
٥٩٠١- ٣ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﴾(٧) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴾: «هَلْكَ الْمُتَطَّعُونَ» قَالَهَا ثَلاَفًا.
المعنى العام
اختلاف القلوب ليس من الإسلام فى شىء، بل الإسلام فى ائتلافها، كما يقول جل شأنه .
﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءٌ فَأَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا ﴾ [آل عمران: ١٠٣]
وكم حذر رسول اللّه مَن الاختلاف، ولو كان فى مسائل العلم، إذا أدى إلى تباعد القلوب
والضغائن، أو إذا أدى إلى التشكك فيما يجب الإيمان به، ومن هنا يقول: إذا رأيتم الذين يتبعون ما
تشابه من القرآن، ويثيرون حوله الجدل ويتشدقون بأنهم عالمون، فاحذروهم، ولا تجالسوهم، وابتعدوا
عن لقائهم، ويقول عنهم: هلك المتنطعون، هلكوا لأن تنطعهم فرق بين قلوبهم وقلوب المؤمنين،
وأهلكوا بتنطعهم من يلوذ بهم، ويقتدى بهم من المقلدين.
ويحذر صلى الله عليه وسلم من زمن يصبح فيه المسلمون أتباعا لأعدائهم، مقلدين لهم فى
شعائرهم وحياتهم، والتابع مغرم بتقليد المتبوع، يحذر من اتباعهم، يحذر من هذا الزمن الذى نعيش
فيه، نحتفل فيه بأعيادهم ونلبس ملابسهم، ونحلق لحانا لتكون كلحاهم، ونسمح لنسائنا أن يقلدن
نساءهم فى الاختلاط واللباس والعلاقات الجنسية والاجتماعية، وحتى فى أخلاقهم الفاسدة،
وجحورهم الخربة ندخلها اليوم كما يدخلون. ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
المباحث العربية
(تلارسول اللَّه ﴿ ﴿هُوَالَّذِي أَنْزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ
الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ رَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ
الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا اللَّهُ وَالَرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ
مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا تَذَّكَّرُ إِلا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾ ﴾.
(٦) حَدَّثَتِي سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةً حَدَّثَتِي زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَنْ عَطَّاءِ ابْنِ يَسَارِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
- وحَّدَّنَا عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبُرْنَا أَبُو غَسَّانَ وَهُوِّ مُحَمَّدَ بْنُ مُّطَرِّفٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ بِهَذَا الإِسْنَادِ
نَحْوَّهُ قَالَ أَبُو إِسْحَقَ إِبْرَاهِيَمُ بِنْ مُحَمَّدٍ خَّدَّثَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْتِى حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا أَبُو ◌َسَّانْ حَدَّثََّا زَيْدُ بَّنُ أَسْلَمَ عَنْ
عَطّاءِ بْنِ يَسَارَ وَذَكَّرَ الْحَدِيثَ نَحْوَهُ
(٧) حَدَّ أَبُو بَكْرِ بْنُّ أَبِي شَيْئَةً حَدََّا خَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ سُلَّيْمَانُ بْنٍ عَنِقٍ عَنْ طَلْقِ بْنِ حِبٍ.
عَنِ الأَخْتَفِ بَّنٍ قَيْسٍَ عَنْ عَبْدِ اللّهِ
٢٠٢

عنى علماء التفسير بموضوع المحكم والمتشابه، وقد بسطت القول فيه فى كتابى «اللآلئ الحسان
فى علوم القرآن»، ونوجز القول هنا بما يحقق الهدف من الحديث.
وقد اختلف المفسرون والأصوليون، وغيرهم فيه اختلافاً كثيراً. وهذا موجز لأهم أقوالهم:
١- المتشابه أمر مدة هذه الأمة، فإن علمه خفى عن العباد.
٢- المحكم من القرآن ما وضح معناه، لوضوح المفردات والتراكيب، والمتشابه نقيضه.
٣- المحكم ما عرف المراد منه إما بالظهور، وإما بالتأويل، والمتشابه ما استأثر بعلمه، كقيام
الساعة، وخروج الدجال، والحروف المتقطعة فى أوائل السور.
٤- المحكم ما يعرفه الراسخون فى العلم، والمتشابه ما لم يعلموه، وهو قريب من سابقه.
٥- المحكم الوعد والوعيد والحلال والحرام، والمتشابه القصص والأمثال.
والزيغ عدم الاستقامة، ويقابل الرسوخ فى العلم، الذى لا يحصل إلا بعد التتبع التام، الاجتهاد
البليغ، فإذا استقام القلب على طريق الرشاد، ورسخ القدم فى العلم، أفصح صاحبه النطق بالقول
الحق، وفى هذا ميل إلى أن الراسخين فى العلم يعلمون تأويل المتشابه، والوقف فى الآية على ﴿في
الْعِلْمِ﴾ و﴿الرَّاسِخُونَ﴾ معطوف على لفظ الجلالة، ويحتمل أن يكون الوقف على ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلا
اللّهُ﴾ ثم يبتدئ قوله تعالى ﴿ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾.
قال النووى: وكل واحد من القولين محتمل، واختاره طوائف، والأصح الأول، وأن الراسخين
يعلمونه لأنه يبعد أن يخاطب اللَّه عباده بما لا سبيل لأحد من الخلق إلى معرفته، وقد اتفق أصحابنا
وغيرهم من المحققين على أنه يستحيل أن يتكلم اللّه تعالى بما لا يفيد. اهـ.
ويقول الآخرون: لا مانع أن يكون فى القرآن الكريم ما لا يدركه عقول البشر، وما استأثر اللّه
بعلمه، كالحكيم - إذا صنف كتابا أجمل فيه أحياناً، ليكون موضع خضوع المتعلم لأستاذه، وكالملك،
يتخذ علامة يمتازبها من يطلعه على سر، ولولم يخضع العقل - الذى هو أشف البدن - لاستمر العالم
فى أبهة العلم، ووصل إلى حد التمرد، فخضوعه يدفعه إلى التذلل لغز الربوبية، والمتشابه هو موضع
خضوع العقول لباريها، استسلاما، واعترافا بقصورها.
ولا تعارض بين هذه الآية، وبين قوله تعالى ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: ١] ولا قوله تعالى ﴿
كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: ٢٣] حتى زعم بعضهم أن كله محكم، وعكس آخرون، لا تعارض، لأن
المراد بالإحكام فى قوله ((أحكمت)) الإتقان فى النظم، وأن كلها حق من عند الله، والمراد من
المتشابه كونه يشبه بعضه بعضا فى حسن السياق والنظم، وليس المراد اشتباه معناه على سامعه،
فللمحكم معنيان، وللمتشابه معنيان.
( إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه، فأولئك الذين سمى الله، فاحذروهم ) وفى
رواية ((فاحذرهم» بالإفراد، والخطاب لكل من يتأتى خطابه.
٢٠٣

أى إذا رأيتم الذين يتتبعون المشكلات، لإثارة الفتنة، وبلبلة العقول، فاحذروا مخالطتهم،
والاستماع لقولهم.
( هجرت إلى رسول اللَّه* يوما) بتشديد الجيم المفتوحة، أى سرت فى الهاجرة،
والهاجرة نصف النهار، والمراد هنا بكرت وبادرت، ولم أنتظر للمساء، كما هو الكثير والغالب.
( فسمع أصوات رجلين اختلفا فى آية ) أى فى قراءة آية، وروى البخارى عن عبد الله بن
مسعود أنه سمع رجلا يقرأ آية، سمع النبى # قرأ خلافها، قال: فأخذت بيده، فانطلقت به إلى
النبى ، فقال: ((كلاكما محسن، لا تختلفوا - فإن من كان قبلكم اختلفوا فأهلكهم». قال الحافظ
ابن حجر: هذا الرجل يحتمل أن يكون هو أبي بن كعب.
(فخرج علينا رسول اللَّه ◌ِ) الظاهر أن عبد الله بن عمرو وقف معهما، حتى خرج إليهم
رسول اللَّه ◌ِ﴾.
( فقال: إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم فى الكتاب ) قال النووى: المراد بهلاك من
قبلنا هنا هلاكهم فى الدين، بكفرهم وابتداعهم، فحذر رسول اللَّه ◌َ من مثل فعلهم، وفى الرواية
الثالثة ((اقرءوا القرآن ما ائتلفت عليه قلوبكم، فإذا اختلفتم فيه فقوموا)» أى إذا اختلفتم فى فهم
معانيه، فقوموا عنه، وتفرقوا، لئلا يتمادى بكم الاختلاف إلى الشر، قال القاضى عياض: يحتمل أن
يكون النهى خاصاً بزمنه صلى الله عليه وسلم، لئلا يكون ذلك سببا لنزول ما يسوؤهم، ويحتمل أن
يكون المعنى: اقرءوا، والزموا الائتلاف على ما دل عليه، فإذا وقع الاختلاف، أو عرض عارض شبهة،
يقتضى المنازعة، الداعية إلى الافتراق، فاتركوا القراءة، وتمسكوا بالمحكم، الموجب للألفة، وأعرضوا
عن المتشابه المؤدى إلى الفرقة، ويحتمل أنه ينهى عن القراءة، إذا وقع الاختلاف فى كيفية الأداء،
بأن يتفرقوا عند الاختلاف، ويستمر كل منهم على قراءته.
( إن أبغض الرجال إلى اللَّه الألد الخصم) الألد بفتح اللام وتشديد الدال شديد الخصومة،
مأخوذ من لديدى الوادى، وهما جانباه، لأنه كلما احتج عليه بحجة، أخذ فى جانب آخر، وأما الخصم
فهو بفتح الخاء وكسر الصاد، وهو الحاذق بالخصومة، قال النووى: والمذموم هو الخصومة بالباطل،
فى رفع حق، أو إثبات باطل.
( لتتبعن سنن الذين قبلكم ) بفتح السين والنون، وهو الطريق، والمراد اتباع طريقهم فى
المعاصي والسيئات، لا فى الكفر.
( شبرا بشبر، وذراعا بذراع ) كناية عن تمام الموافقة لهم.
( حتى لودخلوا فى جحر ضب لاتبعتموهم ) جحر الضب مثل فى الضيق والتعاريج، وهو
كناية عن تمام المتابعة، وفيه تمثيل بالمستحيل.
٢٠٤

( قلنا: يا رسول اللَّه، اليهود والنصارى؟ قال: فمن؟) مبتدأ حذف خبره، أى فمن
غيرهما؟ والاستفهام إنكارى، بمعنى النفى، أى لا أحد غيرهما.
( هلك المتنطعون ) أى المتعمقون الغالون، المجاوزون الحدود فى أقوالهم وأفعالهم، يقال:
نطع اللقمة، إذا أكل منها، ثم ردها إلى الخوان، وتنطع فى الشىء غالى فيه وتكلف، وتنطع فى كلامه،
إذا تفصح وتعمق وتشدق.
فقه الحديث
١- قال النووى: فى هذا الحديث التحذير من مخالطة أهل الزيغ، وأهل البدع، ومن يتبع المشكلات
للفتنة، فأما من سأل عما أشكل عليه منها للاسترشاد، وتلطف فى ذلك فلا بأس عليه، وجوابه
واجب، وأما الأول فلا يجاب، بل يزجر ويعزر، كما عذر عمر بن الخطاب ﴾ ضبيع بن عسل، حين
كان يتتبع المتشابه. اهـ
٢- وفيه الحض على الجماعة والألفة، والتحذير من الفرقة والاختلاف.
٣- والنهى عن المراء فى القرآن بغير حق، والنهى عن الخلاف فيه.
٤- وفى الرواية الثانية غضب الرسول (88، وانفعاله حتى يرى فى وجهه.
٥- وفيها التنظير بالأمم السابقة.
٦- وفى الرواية الرابعة الحث على القيام والتفرق، وتغيير الأوضاع، إذا حصل الاختلاف.
قال النووى: والأمر بالقيام عند الاختلاف فى القرآن محمول - عند العلماء- على اختلاف لا
يجوز، أو اختلاف يوقع فيما لا يجوز، كاختلاف فى نفس القرآن، أو فى معنى منه، لا يسوغ فيه
الاجتهاد، أو اختلاف يوقع فى شك أو شبهة أو فتنة وخصومة وشجار ونحو ذلك. قال: وأما
الاختلاف فى استنباط فروع الدين منه، ومناظرة أهل العلم فى ذلك، على سبيل الفائدة وإظهار
الحق، واختلافهم فى ذلك، فليس منهيا عنه، بل هو مأمور به، وهو فضيلة ظاهرة، وقد أجمع
المسلمون على هذا، من عهد الصحابة إلى الآن.
٧- وفى الرواية الخامسة ذم اللجاج والمخاصمة فى المناقشة والجدال.
٨- وفى الرواية السادسة التحذير من التقليد فى الأعمال السيئة.
٩- وفيها معجزة لرسول اللَّه ◌َل﴾، فقد وقع ما أنذر به، وحذر منه.
١٠- وفى الرواية السابعة التحذير من التنطع والتشدق والتقعر فى النقاش.
والله أعلم
٢٠٥

(٧٣٨) باب رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل
والفتن فى آخر الزمان
٥٩٠٢- ١ُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ: «مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ
يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَثْبُتَ الْجَهْلُ، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَظْهَرَ الزِّنَى».
٥٩٠٣- ٢ْ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(٩) قَالَ: أَلا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهَِ .
لا يُحَدُِّكُمْ أَحَدٌ، بَعْدِي، سَمِعَهُ مِنْهُ: «إِنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ أَنْ يُرْفَعَ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرَ الْجَهْلُ،
وَيَفْشُوَ الزِّنَى، وَيُشْرَبَ الْخَمْرُ، وَيَذْهَبَّ الرِّجَالُ، وَتَبْقَى النِّسَاءُ، حَتَّى يَكُونُ لِخَمْسِينَ امْرَأَةٌ
◌َيِّمٌ وَاحِدٌ».
٥٩٠٤- ١٣ِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ(١٠) قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى فَقَالا: قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ أَيّمًا. يُرْفَعُ فِيهَا الْعِلْمُ، وَيَنْزِلُ فِيهَا الْجَهْلُ، وَتَكْثُرُ فِيهَا
الْهَرْجُ. وَالْهَرْجُ الْقَبْلُ».
٥٩٠٥-١٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «يَتْقَارَبُ الزَّمَانُ، وَيُقْبَضُ
الْعِلْمُ، وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ» قَالُوا: وَمَا الْهَرْجُ؟ قَالَ: «الْقَبْلُ».
(٨) حَدَّثَنَا شَيْيَاهُ بْنُ فَرُّوخٌ حَدَّقْنَا عَبْدُ الْوَارِثِ حَدَّثْنَا أَبُو الْنِّيَّاحِ حَدْفَتِى أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ
(٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بِشَّارِ قَالاَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جُّعْفَرِ حَدَّثَنَا شَعْبَةُ سَمِعْتَ قَتَادَةٌ يُحَدِّثُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
- حَدَّثَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرِحٍ وَ حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَنَا عَبْدَةُ وَأَبُو أُسَامَةً كُلُّهُمَّ عَنَّ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي
عَرُوبَةٌ عَنْ قَادَةً عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنِ النّبِيِّ :﴿ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ بِشْرٍ وَعَبْدَةَ لا يُحَدِّثُكُمُوهُ أَحَدٌ بَعْدِي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ
* يَقُولُ فَذَكَرَ بِمِثْلِهِ
(١٠) حَدْقَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ ثُمَيْرٍ حَدَّثْنَا وَكِيعٌ وَأَبِي فَالا حَدََّا الأَعْمَشُ ح وحَدَِّي أَبُو سَعِيدِ الأَشَجُّ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدَّقْنًا
وَكِيمٌ حَدَّثْنَا الأَعْمَشُ عِنْ أَبِيَ وَائِلٍ
- حَدْثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ النَّصْرِ بْنٍ أَبِيَّ النَّصْرِ حَدَّثَنَا أَبُو النَّصْرِ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ الأَشْجَعِيُّ عَنْ سُّفْيَانٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى الأَشَعَرِيِّ قَالا قَلَ رَسُولُ اللّهِ وَ حِ وحَدَّقَيِي الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ حَدْثَنَا خَسَيْنِ الْجُغَّفِيُّ عَنْ زَائِدَةٌ
عَنْ سُلَيْمَانٍ عَنَّ شَقِيقٍ قَالَ كُنْتَ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللّهِ وَأَبِي مُوسَى وَهُمَّا يَتْحَدَّثَانِ فَقَالَاً قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿لَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ
وکِیع وَابْنِ لُمَيْرِ.
- خَدََّا أَبَّو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَنِيَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ وَابْنُ نُمَيْرٍ وَإِسْحَقُ الْحَنْظَلِيُّ جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ
آپي مُوسی عَنِ الِّيِ ﴾ بِمِفْلِهِ.
- حَدَّثَنَا إِسْحَقَّ بِنَّ إِبْرَاهِيمٌ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ إِنِّي لَجَالِسٌ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي مُوسَى وَهُمَّا يَتَحَدَّثَانِ
فَقَالَ أَبُوَ مُوسَىٍ قَالّ وَسُولُ اللَّهِ ﴿ بِمِثْلِهِ
(١١) حَدَّثَيِي حَرْمَلَّةُ بْنُ يَحْتَى أَخْبُوَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ حَدَّثِي حُمَّيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنْ أَبًا
هُرَيْرَة
٢٠٦

٥٩٠٦ - : وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِع ◌َ﴿: «يَتْقَارَبُ
الزَّمَانُ وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ» ثُمَّ ذَكَّرَ مِثْلَهُ.
٥٩٠٧- ١٣ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١٢)، عَنِ النّبِيِّل ◌َ قَالَ: «يَتْقَارَبُ الزَّمَانُ،
وَتِنْقُصُ الْعِلْمُ)) ثُمَّ ذَكَرَ مِثْلَ حَدِيثِهِمَا.
٥٩٠٨- ١١٠ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(١٠٠) قَالَ: عَنِ النّبِيِّ ◌ِ ﴾. بِمِثْلِ حَدِيثِ
الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَّيْدٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً. غَيْرَ أَنَّهُمْ لَمْ يَذْكُرُوا: «وَيُلْقَى الشُّحُّ».
٥٩٠٩ - -١٣ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٣) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولٌ
اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ الْعِلْمَ الْعِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ. وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضٍ
الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَخْرُّكْ عَالِمًا، أَتَّخَذَ النَّاسُ رُءُوسًا جُهَّالاً فَسُئِلُوا فَأَقْتَوْا بِغَيْرٍ عِلْمٍ. فَضَلُّوا
وَأَضَلُّوا».
٥٩١٠- ٤ٍّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ(١٤) قَالَ: قَالَتْ لِي عَائِشَةُ: يَا ابْنَ أُخْتِي! بَلَغَيِي أَنَّ عَبْدٌ
اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو مَارٌّ بِنَا إِلَى الْحَجِّ. فَالْقَهُ فَسَائِلْهُ. فَإِنَّهُ قَدْ حَمَلَ عَنِ النَّبِيِّ :﴿ عِلْمًا كَثِيرًا. قَالَ:
فَلَقِيتُهُ فَسَاءَلُْهُ عَنْ أَشْيَاءَ يَذْكُرُهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾. قَالَ عُرْوَةُ: فَكَانَ فِيمَا ذَكَرَ؛ أَنَّ النّبِيَّ
(١٠) حَدََّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الدَّارِيُّ أَخْبَرَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبُرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ حَدَّثَتِي حُمَّيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الزُّهْرِيُّ أَنْ أَبَا هُرَيْرَةً قَالَ
(١٢) حَدَّثَ، أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدْقَا عَبْدُ الأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٠٠٠) حَدَّثَنَا يَحْتِىَ بْنُ أَيَوِبَ وَقُتِبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ يَغُونَ ابْنَ جَعْفَرِ عَنِ الْعَلَّاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِيٍ هُرَيْرَةً حٍ و
حَدََّا ابْنُ ثُمَّيْرٍ وَأَبُوِ كُرَيْبٍ وَعَمْرٌو النَّاقِدُ قَّالُوا حَدَّقْنَا إِسْحَقُ بْنُ سُلَّيْمَانَ عَنْ حَنْظَلَةً عَنْ سَالِمٍ عَنَّ أَبِي هُرِّيْرَةَ حِ وَ حَدَّثَنًا
مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٌ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هِمَّامٍ بْنٍ مُنَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حِ وَ حَدَّثَنِي أَبُّو الطَّاهِرِ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ
عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٣) حَدَّثَنَا قُتَيْبَةٌ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَاَ جَرِيرٌ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةً عَنْ أَبِهِ سَمِعْتَ عَبْدَ اللَّهِ ابْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ
- حَدَّثْنَا أَبُو الرَّبِيعِ الْعَتِكِيُّ خَدَّثَنَا حَمَّاذٌ يَغْيِي ابْنَ زَيْدَحْ وِ حَدَّنًا يَحْيَى بْنُ يَحْتَّى أَخْبَرَنَا عَبَّادُ بْنُ عَبَادٍ وَأَبُو
مُعَاوِيَّةً حٍ و حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَزُهَّيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا حَدَّقْنَا وَكِيعٌ حِ وَ حَدَّثََّا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّقَا ابْنُ
إِذْرِيَسَ وَأَبُو أُسَامَةَ وَابْنُ نُمَّيْرٍ وَعَبْدَةُ حِ وِ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّقْنَا سُفْيَاهُ ح وِ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ خَالِمٍ حَدَّثْنَا
يَّحْتَّى بْنُ سَعِيدٍ حَ وِحَدَّفَیِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعٍ قَالَ حَدَّثَنًا عُمِّرُ بْنُ عَلِي حِ وَحَدَقْنَا عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ حَدَّثَنَا یُّزِیدُ بْنُ
هَارُونَ أَخْبُرَنَا شَعْبَةُ بْنُ الْحَجَّاجِ كُلُّهُمْ عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً عِنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ الِّْيِّ ◌َ بِمِثْلِ
حَدِيثٍ جَرِيرٍ وَزَادَ فِي حَدِيثٍ غُمَرَ بْنِ عَلِيِّ ثُمَّ لْقِتُ عَبْدَ اللّهِ بَنَ عَمْرٍوَ عَلَى رَأْسِ الْحَوَّلِ فَسَّأَلْتَّةُ فَرَدْ عَلَيْنَاً
الْحَدِيثَ كَّمَاً حَدَّثَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُوَّلَ اللَّهِ مِ﴿ يَقُولُ.
- حَدَّثْنَا مُحَمَّدُ ابْنُ الْمُثَتِى حَدْثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حُمْرَانَ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ أَخْبُرَنِي أَبِي جَعْفَرْ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْحُكْمِ عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنِ النَّبِيِّ :﴿ بِمِثْلِ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةً
(١٤) حَدًَّا حَرَّمَلَةُ بَّنُ يَخَّى النّجْبِيِّ أَخْبَّرْنَا عَبْدًّ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ حَذََّتِيَّ أَبُو شَرَيْحٍ أَنْ أَبَا الأَسْوَدِ حَدَّثَهُ عَنْ غُرْوَةَ بْنِ الزُّبِيْرِ
٢٠٧

﴿ قَالَ: «إِنَّ اللّهَ لا يَنْتَزِعُ الْعِلْمَ مِنَ النَّاسِ انْتِزَاعًا. وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعُلَمَاءَ فَيَرْفَعُ الْعِلْمَ مَعَهُمْ.
وَيُنْقِي فِي النّاسِ رُءُوسًا جُهَّالا. يُفْتُونَهُمْ بِغَيْرٍ عِلْمٍ. فَيَضِلُّونَ وَيُضِلُّون». قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا
حَدَّثْتُ عَائِشَةَ بِذَلِكَ، أَعْظَمَتْ ذَلِكَ وَأَنْكَرَتْهُ. قَالَتْ: أَحَدَّثَكَ أَنَّهُ سَمِعَ النَّبِيِّ :﴿ يَقُولُ هَذَا؟
قَالَ عُرْوَةُ: حَتَّى إِذَا كَانَ قَابِلٌ، قَالَتْ لَهُ: إِنَّ ابْنَ عَمْرٍو قَدْ قَدِمَ، فَالْقَهُ، ثُمَّ فَاتِحْهُ حَتَّى تَسْأَلَهُ
عَنِ الْحَدِيثِ الَّذِي ذَكَرَهُ لَكَ فِي الْعِلْمِ. قَالَ: فَلَقِيتُهُ فَسَاءَلْتُهُ. فَذَكَرَهُ لِي نَحْوَ مَا حَدَّثَنِي بِهِ فِي
مَرَّتِهِ الأُولَى. قَالَ عُرْوَةُ: فَلَمَّا أَخْبُرْتُهَا بِذَلِكَ. قَالَتْ: مَا أَحْسَبُهُ إِلا ◌َقَدْ صَدَقَ. أَرَاهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ
شَيْئًا وَلَمْ يَنْقُصْ.
المعنى العام
فى حجة الوداع، وفى خطبه صلى الله عليه وسلم فيها، وفى وصاياه صلى اللَّه عليه وسلم لأمته،
وتحذيرهم من أمور تحدث لهم فى مستقبل أيامهم، وفى آخر أزمانهم، ليأخذوا حذرهم، وليقللوا من
أضرار الفتن التى تنتظرهم، يقول لهم:
من أشراط الساعة وعلاماتها وأماراتها أن يرفع الله العلم، وليس من صدور العلماء، بل بموت
العلماء، فكل عالم يموت - إن لم يورث علمه لتلميذ أو لتلاميذ - يموت معه علمه، وكلما بعد الناس
عن مصدر التشريع، وطال بهم الزمن كلما نضب معين العلم الدينى، وبردت حرارته فى القلوب، حتى
ينتهى الأمر بقبض العلم، وانتشار الجهل، واستعلاء الجهلاء، وتقمصهم دور العلماء، يستفتون فيفتون
بغير علم، فيضلون فى أنفسهم، ويضلون غيرهم.
ومن أشراط الساعة أيضا: انتشار الزنى، وشيوعه، وقلة الاستحياء منه، والمجاهرة به.
ومن أشراطها: كثرة شرب الخمر، والتجاهر بها، وتسميتها بغير اسمها، واستحلالها . .
ومن أشراطها: كثرة النساء، وقلة الرجال بسبب الحروب. وغيرها.
ومن أشراطها: كثرة القتل، لأتفه الأسباب، بل قتل الولد أباه وأمه، وأخاه وأخته، وكثرة الحروب،
وانتشار أسلحة الدمار الشامل.
ومن أشراطها: كثرة الفتن والوشايات والضغائن والتحاسد والتدابر.
ومن أشراطها: تقارب الزمان، وضعف البركة فيه، وقلة العمل الأخروى، وتضييع الوقت فيما لا
يغنى ولا يفيد، حتى تضيع قيمته، ويمر مر السحاب، ولا يحس المرء بعمره، وكأنه لم يعش إلا ساعة
من نهار.
﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾ [إبراهيم: ٥٢] ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾
[الأنعام: ١٠٤] ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦].
٢٠٨

المباحث العربية
( من أشراط الساعة أن يرفع العلم، ويثبت الجهل ) قال النووى: هكذا هو فى كثير من
النسخ ((يثبت الجهل)» من الثبوت، وفى بعضها ((يبث)) بضم الياء وفتح الباء، بعدها ثاء مشددة، أى
ينشر ويشيع. وفى الرواية الثانية ((ويظهر الجهل)) وفى الرواية الثالثة ((وينزل فيها الجهل)) و((أشراط))
جمع ((شرط)) بفتح الراء، وهو العلامة، وفى الرواية الثالثة ((إن بين يدى الساعة أياما يرفع فيها
العلم)) وسيأتى كيفية رفع العلم، وثبوت الجهل، والتعبير برفعه معناه خلو الأرض منه، وهو المراد من
قبضه فى الرواية الرابعة، وفى ملحقها ((وينقص العلم)) ونقصانه حالة سابقة على قبضه، وهو المراد
بانتزاعه فى الروايات الأخيرة.
(ويشرب الخمر) بضم الياء، مبنى للمجهول، ومنصوب عطفاً على ((يرفع العلم)) والمراد كثرة
شربها إذ لم يتوقف شربها.
(ويظهر الزنى ) المراد من ظهوره كثرته وإعلانه، وعدم الاستحياء منه، وفى الرواية الثانية
((ويفشو الزنى)) زاد فى الرواية الثانية ((ويذهب الرجال)) أى بالحروب وغيرها، والمراد من ذهابهم
ذهاب الكثيرين منهم ((وتبقى النساء)) أى يكثر عددهن عن الرجال ((حتى يكون لخمسين امرأة قيم
واحد)) أى ولى أمر واحد لخمسين امرأة بنتا وأختا وأما، وليس المراد زوجًا، وزاد فى الرواية الثالثة
والرابعة ((ويكثر فيها الهرج، والهرج القتل)) والهرج بفتح الهاء وسكون الراء القتل بلسان الحبشة. وزاد
فى الرواية الرابعة ((ويلقى الشح)) بضم الياء وسكون اللام، أى يلقى فى القلوب ويكثر.
وفى الأوسط للطبرانى ((يظهر الفحش والبخل)) وزاد فى الرواية الرابعة أيضا ((وتظهر الفتن)» أى
تكثر وتنتشر وتعظم.
وزاد فى ملحق الرواية الرابعة («تقارب الزمان)» أى قصره، وعدم البركة فيه، وقلة ما يشغله من
الأعمال النافعة فى الدنيا والآخرة، وفى رواية للبخارى ((يتقارب الزمان، وينقص العمل)) وقيل: المراد
به قصر الأعمار، وقيل: المراد به ضعف مدة استلذاذ العيش. قال الخطابي: وما زال الناس
يستقصرون مدة أيام الرخاء، وإن طالت، ويستطيلون مدة المكروه، وإن قصرت. وهذا القول غير سليم.
وقيل: المراد به تقارب أحوال الناس فى الشر والفساد والجهل. قاله الطحاوى: والأول أقرب، فعند.
أحمد ((لا تقوم الساعة حتى يتقارب الزمان، فتكون السنة كالشهر، والشهر كالجمعة، والجمعة
كاليوم، ويكون اليوم كالساعة، وتكون الساعة كاحتراق السعفة)).
( إن اللَّه لا يقبض العلم انتزاعا، ينتزعه من الناس، ولكن يقبض العلم بقبض
العلماء، حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رءوساً جهالا، فسئلوا، فأفتوا بغير علم،
فضلوا، وأضلوا ) قال النووى: ضبطناه فى البخارى ((رءوسا)) بضم الهمزة، وبالتنوين، جمع رأس،
٢٠٩

وضبطوه فى مسلم هنا بوجهين، أحدهما هذا، والثانى ((رؤساء)) بالمد، جمع ((رئيس)) وكلاهما صحيح،
والأول أشهر. اهـ
والمراد من علم العلماء هنا العلم الدينى، وهذا لا يمنع انتشار العلوم الأخرى، كما أن المراد من
العلماء الذين يقبضون العلماء المعرضون للفتوى، والذين يلجأ الناس إليهم، ويعتقدون فى فتواهم، فلا
يعارضه كثرة علماء الدين فى هذه الأيام، حتى ولو كانوا متعمقين فى العلم، لأنهم وقد لبسوا لباساً غير
لباسهم أصبحوا مجهولين، لايعرفهم الناس، ولا يفيدون منهم، ومن لا يؤدى رسالته فى حكم المعدوم،
وقد تصدر للفتوى فى هذه الأيام - نتيجة لتخلى العلماء المؤهلين عن رسالتهم - الجهال، فكثرت
الفتاوى الضالة المضلة.
( عن عروة بن الزبير قال: قالت لى عائشة: يا بن أختى، بلغنى أن عبد الله بن
عمرو، ماربنا إلى الحج، فالقه، فسائله، فإنه قد حمل عن النبى # علما كثيراً، قال:
فلقيته، فساءلته) عبد الله بن عمرو كان يكتب عن رسول اللّه:﴿، وأبو هريرة لا يكتب، ومن هنا
اشتهر بأنه المكثر الأول رواية عن رسول اللّه. وكان فى ظروف هذا الحديث يسكن مصر، وكانت
عائشة وابن أختها عروة بن الزبير يسكنان المدينة، وقدم عبد الله بن عمرو من مصر إلى مكة، مارا
بالمدينة، فى طريقه إلى الحج، فلقيه عروة، فسأله.
( فكان فيما ذكر أن النبى 8: قال: إن اللَّه لا ينتزع العلم من الناس انتزاعا، ولكن
يقبض العلماء، فيرفع العلم معهم، ويبقى فى الناس رءوساً جهالا، يفتونهم بغير علم،
فيضلون ويضلون، فلما حدثت عائشة بذلك أعظمت ذلك، وأنكرته ) فى رواية للبخارى
((إن اللَّه لا ينزع العلم بعد أن أعطاكموه))، وفى رواية ((بعد أن أعطاهموه، ولكن ينتزعه منهم مع قبض
العلماء بعلمهم)) وعند الحميدى ((من قلوب العباد)) وعند الطبرانى ((إن الله لا ينزع العلم من صدور
الناس بعد أن يعطيهم إياه)) وفى رواية ((ألا إن ذهاب العلم ذهاب حملته)) ثلاث مرات، أخرجه
أحمد والطبرانى، وفى رواية عند أحمد والبزار ((إن قبض العلم ليس شيئاً ينزع من صدور الرجال،
ولكنه فناء العلماء)) وفى رواية ((ولكن يقبض العلماء، فيرفع العلم معهم)) وفى رواية ((ولكن يقبض
العلم بقبض العلماء)) وفى رواية ((ولكن يذهب العلماء، كلما ذهب عالم، ذهب بما معه من العلم، حتى
يبقى من لا يعلم)».
( قال عروة: ثم لقيت عبد الله بن عمرو، على رأس الحول ، فسألته، فرد علينا
الحديث، كما حدث) فى الرواية السادسة ((قال عروة: حتى إذا كان قابل، قالت له: إن ابن
عمرو، قد قدم، فالقه، ثم فاتحه حتى تسأله الحديث الذى ذكره لك فى العلم. قال: فلقيته، فسألته، فذكر
لى نحو ما حدثنى به فى مرته الأولى، قال عروة: فلما أخبرتها بذلك قالت: ما أحسبه إلا قد صدق،
أراه لم يزد فيه شيئاً، ولم ينقص)» قال النووى: ليس معناه أنها اتهمته، لكنها خافت أن يكون اشتبه
عليه، أو قرأه من كتب الحكمة، فتوهم عن النبى 8®، فلما كرره مرة أخرى وثبت عليه، غلب على ظنها
٢١٠

أنه سمعه من النبى{®، وقولها ((أراه)) بفتح الهمزة، أى أعلمه. اهـ وقال الحافظ ابن حجر: ويحتمل
أن عائشة كان عندها علم من الحديث، وظنت أنه زاد فيه أو نقص، فلما حدث به ثانياً كما حدث به
أولا، تذكرت أنه على وفق ما كانت سمعت.
وفى رواية ((قال عروة: ثم لبثت سنة، ثم لقيت عبد الله بن عمرو فى الطواف، فسألته .. )) الحديث.
قال الحافظ ابن حجر: أفاد أن لقاءه إياه فى المرة الثانية كان بمكة، وكأن عروة كان حج فى تلك
السنة من المدينة، وحج عبد الله من مصر، فبلغ عائشة، ويكون قولها: ((إن ابن عمرو قد قدم)» أى من
مصر، طالبا مكة، لا أنه قدم المدينة، إذ لو دخلها للقيه عروة بها، ويحتمل أن تكون عائشة حجت تلك
السنة، وحج معها عروة، فقدم عبد الله بعد، فلقيه عروة بأمر عائشة.
فقه الحديث
أثارت هذه الأحاديث قضيتين: الأولى: استدل بها الجمهور على خلو الزمان عن مجتهد، لأنها
صريحة فى رفع العلم وقبضه بقبض العلماء، وفى ترئيس أهل الجهل، ومن لازمه الحكم بالجهل، وإذا
انتفى العلم، ومن يحكم به، استلزم انتفاء الاجتهاد والمجتهد.
وأكثر الحنابلة وبعض من غيرهم يقولون: لا يخلوزمان عن مجتهد، ويستدلون بحديث ((لاتزال
طائفة من أمتي ظاهرين، حتى يأتيهم أمر الله)) وفى لفظ ((حتى تقوم الساعة)) فإنه ظاهر فى عدم
الخلو، وقالوا: إن الاجتهاد فرض كفاية، وانتفاؤه يستلزم الاتفاق على الباطل.
وأجيب بأن فرض الكفاية مشروط ببقاء العلماء، فأما إذا قام الدليل على انقراض العلماء فلا، لأن
بفقدهم تنتفى القدرة والتمكن من الاجتهاد، وإذا انتفى أن يكون مقدوراً، لم يقع التكليف به. هذا.
وينبغى أن نحدد موطن الخلاف أولا، لوضوح القول الفصل.
إن كان المراد جواز خلو الزمان عن مجتهد، فهو جائز، كما أن عدم خلو الزمان عن مجتهد جائز.
وإن كان المراد وقوع وحصول خلو الزمان عن مجتهد، فى آخر الزمان، يوم لا يقال فى الأرض:
اللَّه. الله، ويوم ((يدرس الإسلام، كما يدرس وشى الثوب)) كما رواه أحمد، ويوم تأتى الريح اللينة،
فتقبض كل مؤمن، فى قلبه مثقال ذرة من إيمان، فلا يبقى إلا شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة،
فخلو الزمان حينئذ عن مجتهد محقق، لا يقبل النزاع فيه، وحديث ((لاتزال طائفة من أمتي ظاهرين))
لا يعارضه، لأنه معنيا بقوله ((حتى يأتى أمر الله)) وقوله ((حتى تقوم الساعة)) معناه حتى إشرافها
ووجود آخر أشراطها، كما وضحنا ذلك فى شرح هذا الحديث.
وإن كان المراد وقوع خلو الزمان عن مجتهد فى أيام الضعف، كأيامنا التى نعيشها، فلا دليل فى
حديثنا للجمهور، لأن قضايا العصر تتجدد، ولابد من حكم شرعى، وإلا لم يكن الإسلام صالحا لكل
زمان ومكان، فلابد من وجود مجتهد، وإن لم يكن على مستوى المجتهدين الأوائل.
٢١١

وفى هذا المقام يعجبنى تقرير الحافظ ابن حجر، إذ يقول: ويمكن أن تنزل هذه الأحاديث على
الترتيب فى الواقع، فيكون أولا رفع العلم بقبض العلماء المجتهدين الاجتهاد المطلق، ثم المقيد، فإذا
لم يبق مجتهد استووا فى التقليد، لكن ربما كان بعض المقلدين أقرب إلى بلوغ درجة الاجتهاد
المقيد من بعض، ولا سيما إن فرعنا على جواز تجزؤ الاجتهاد، ولكن لغلبة الجهل يقدم أهل الجهل
أمثالهم، وإليه الإشارة بقوله ((اتخذ الناس رءوسا جهالا)) وهذا لا ينفى ترئيس بعض من لم يتصف
بالجهل التام، كما لا يمتنع ترئيس من ينسب إلى الجهل فى الجملة، فى زمن أهل الاجتهاد، وقد
أخرج ابن عبد البرفى ((كتاب العلم)) عن دراج أبى السمح يقول: ((يأتى على الناس زمان يسمن
الرجل راحلته، حتى يسير عليها فى الأمصار، يلتمس من يفتيه بسنة قد عمل بها، فلا يجد إلا من
يفتيه بالظن)). فيحمل على أن المراد الأغلب الأكثر فى الحالين، وقد وجد هذا مشاهدا، ثم يجوز أن
يقبض أهل هذه الصفة، ولا يبقى إلا المقلد الصرف، وحينئذ يتصور خلو الزمان عن مجتهد، ولو فى
بعض الأبواب، بل فى بعض المسائل، ولكن يبقى من له نسبة إلى العلم فى الجملة، ثم يزداد حينئذ
غلبة الجهل، وترئيس أهله، ثم يجوز أن يقبض أولئك، حتى لا يبقى منهم أحد، وذلك جدير بأن يكون
عند خروج الدجال، أو بعد موت عيسى عليه السلام، وحينئذ يتصور خلو الزمان عمن ينسب إلى العلم.
أصلا، ثم تهب الريح، فتقبض كل مؤمن، وهناك يتحقق خلو الأرض عن مسلم، فضلا عن عالم، فضلا
عن مجتهد، ويبقى شرار الناس، وعليهم تقوم الساعة، والعلم عند اللَّه. اهـ
القضية الثانية: الإفتاء بالرأى، وروايتنا الخامسة والسادسة تذم الإفتاء بغير علم، والقرآن الكريم
يقول ﴿ وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ورواية البخارى ((فيتبقى ناس جهال، يستفتون
فيفتون برأيهم، فيضلون ويضلون)» والتحقيق أن الذم موجه إلى القول بغير علم، فيخص به من تكلم
برأى مجرد عن استناد إلى أصل، وذم من أفتى مع الجهل، ولذلك وصفهم بالضلال والإضلال، وقد
امتدح القرآن الكريم من استنبط من الأصل بقوله ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: ٨٣]
فالرأى إن كان مستنداً إلى أصل من الكتاب أو السنة أو الإجماع، فهو المحمود، وإذا كان لا يستند
إلى شىء منها، فهو المذموم، وحديث سهل بن حنيف فى البخارى، وقوله: ((ياأيها الناس اتهموا
رأيكم على دينكم)) وإن كان يدل على ذم الرأى، لكنه مخصوص بما إذا كان معارضا للنص، فكأنه
قال: اتهموا رأيكم إذا خالف السنة، وقد ثبت أن عمر له كتب إلى أبى شريح: «انظر ماتبين لك من
كتاب الله، فلا تسأل عنه أحدا، فإن لم يتبين لك من كتاب الله، فاتبع فيه سنة رسول اللَّهلف﴿، وما لم
يتبين لك من السنة، فاجتهد فيه رأيك)). وفى رواية أنه كتب لشريح: ((اقض بما فى كتاب اللَّه، فإن
لم يكن فبما فى سنة رسول اللّه، فإن لم يكن فيما قضى به الصالحون، فإن لم يكن، فإن شئت فتقدم،
وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيراً لك)). فهذا عمر يأمر بالاجتهاد، فدل على أن الرأى المذموم
ما خالف الكتاب والسنة.
ويؤخذ من الأحاديث فوق ما تقدم
١- الحث على حفظ العلم.
٢١٢

٢- وفى الرواية الخامسة والسادسة حض أهل العلم وطلبته، على أخذ بعضهم عن بعض.
٣- وشهادة بعضهم لبعض بالحفظ والفضل.
٤- وحض العالم تلميذه على الأخذ عن غيره، ليستفيد ماليس عنده.
٥- والتثبت فيما يحدث به المحدث، إذا قامت قرينة الذهول.
٦- ومن قول عائشة ((فالقه، ثم فاتحه، حتى تسأله عن الحديث الذى ذكره لك فى العلم)) ولم تقل له:
سله عنه ابتداء، خشية من استيحاشه، يؤخذ من هذا مراعاة الفاضل، واحترام قدره.
٧- وفى هذه الأحاديث الزجر عن ترئيس الجاهل، لما يترتب عليه من المفسدة، قال الحافظ ابن
حجر: وقد يتمسك به من لا يجيز تولية الجاهل، ولو كان عاقلا عفيفاً، لكن إذا دار الأمربين العالم
الفاسق، والجاهل العفيف، فالجاهل العفيف أولى، لأن ورعه يمنعه عن الحكم بغير علم، فيحمله
على البحث والسؤال.
٨- وفى الأحاديث بعض أشراط الساعة من رفع العلم، وظهور الجهل والشح، وشرب الخمر، والزنى،
وقلة الرجال، وكثرة النساء، والقتل، والفتن، وتقارب الزمان.
والله أعلم
٢١٣

(٧٣٩) باب من سن سنة حسنة أو سيئة
ومن دعا إلى هدى أو ضلالة
٥٩١١- ١٢ عَنْ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﴾(١٥) قَالَ: جَاءَ نَاسٌ مِنَ الأَعْرَابِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ
*. عَلَيْهِمُ الصُّوفُ. فَرَأَى سُوءٍ حَالِهِمْ قَدْ أَصَابَتْهُمْ حَاجَةٌ. فَحَثَّ النَّاسَ عَلَى الصَّدَقَّةِ.
فَأَبْطَُّوا عَنْهُ. حَتَّى رُئِيَ ذَلِكَ فِي وَجْهِهِ. قَالَ: ثُمَّ إِنَّ رَجُلا مِنَ الأَنْصَارِ جَاءً بِصُرَّةٍ مِنْ وَرِقٍ.
ثُمَّ جَاءَ آخَرُ. ثُمَّ تَتَابَعُوا حَتَّى عُرِفَ السُّرُورُ فِي وَجْهِهِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ّ: «مَنْ سَنَّ فِي
الإِسْلامِ سُنّةً حَسَنَةً، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ لَهُ مِفْلُ أَجْرٍ مَنْ عَمِلَ بِهَا، وَلا يَنْقُصُ مِنْ أُجُودِهِمْ
شَيْءٌ، وَمَنْ سَنَّ فِي الإِسْلامِ سُنَّةً سَيِّئَةٌ، فَعُمِلَ بِهَا بَعْدَهُ، كُتِبَ عَلَيْهِ مِثْلُ وِزْرٍ مَنْ عَمِلَ بِهَا،
وَلا يَنْقُصُ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْءٌ».
٥٩١٢ - :" وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (١٠): قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿: «لا يَسُنُّ عَبْدٌ
سُنَّةٌ صَالِحَةٌ يُعْمَلُ بِهَا بَعْدَهُ» ثُمَّ ذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ.
٥٩١٣- ٣٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١٦)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «مَنْ دَعَا إِلَى هُدًى، كَانَ لَةُ
مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أُجُورٍ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا. وَمَنْ دَعَا إِلَى ضَلالَةٍ، كَانَ
عَلَيْهِ مِنَ الإِثْمِ مِثْلُ آثَامٍ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ آَثَامِهِمْ شَيْئًا».
المعنى العام
الدال على الخير كفاعله، والدال على الشر كفاعله، ومن فتح باب خير، كان له أجر مثل أجر من
عمل به، ومن فتح باب شركان عليه من الوزر مثل وزر من عمل به، لأنه سبب ووسيلة فى الخير أو
(١٥) حَدَِّي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ وَأَبِي الصُّحَى عَنْ عَبْدٍ
الرَّحْمَنِ بْنِ هِلالِ الْعَبْسِيِّ عَنْ جَرِيِّرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ
- حَدَّثَا يَخْتَى بْنُ يَحْتِى وَأَبُو بَكْرٍ بَّنْ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُوٍ كُرِيْبٍ جَمِيعًا عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
ابْنِ هِلالِ عَنْ جَرِيرٍ قَالَ خَطّبَ رَسُولُ اللّهِ ﴾﴿ فخَثْ عَلَى الصَّدَقَدِ بمعنی حَدِيثُ جَرِيرٍ.
(١٠) خَدَّقَا مُّحَمَّدُ بُنَّ بِّشَارٍ حَذََّا يَحْتِى يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي إِسْمَعِيلَ خَّدْقْنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هِلالِ الْعَبْسِيُّ قَالَ
- حَدْفِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَّرَ الْقَوَارِبِيُّ وَأَبُو ◌َكَامِلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَّلِكِ الأُمَوِيُّ قَالُوا حَدَّثَنَا أَبُو عَوَّنَةً عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ
عُمَّيْرٍ عَنِ الْمُنْذِرِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ غَنِ النّبِيِّ {َْحِ وحَدْثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى خَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حِ وَ حَدَقْنَا أَبُو بَكْرٍ
بْنُ أَبِي شَّبِيَةٌ حَدَّثَنَا أَبُو أَسَّمَةً حَ وحَدَّثْهَا غُبْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدََّا أَبِي قَالُوا حَدَّنَا شُعْبَةُ عَنْ عَوْنِ بْنٍ أَبِي جُحَيْفَةَ عَنِ الْمُنْدِرَ
بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ الْبِيِّ لْ بِهَذَا الْحَدِيثِ
(١٦) حَدَّثَا يُحْتِى بَّنُ أَيْوَبَ وَقْبَةُ بْنَ سَعِيدٍ وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا حَدَّقَّا إِسْمَعِيلُ يَعْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلاءِ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٢١٤

الشر، والسبب والوسيلة تعطى حكم الغاية، حتى روى أن ابن آدم الذى شرع قتل أخيه، وقتل أخاه،
عليه وزر فى كل قتل لبنى آدم، لأنه أول من قتل، فاقتدى به من يقتل. وهذه دعوة إلى الناس عامة أن
يكونوا مفاتيح خير، مغاليق شر، وأن ينصحوا بالخير، ويعملوا به، وأن يحذروا غيرهم من الشر، بعد
أن يبتعدوا عنه. هدانا الله الصراط المستقيم.
المباحث العربية
( جاء ناس من الأعراب إلى رسول اللَّه #) راغبين فى أن يتصدق عليهم، وأن يحسن
عليهم.
( عليهم الصوف ) ولباس صوف الغنم رمز فى تلك الأيام على الفقر، وسوء الحال، ولهذا قال:
( فرأى سوء حالهم ) فى الملبس، وعلم سوء حالهم بالشكوى.
( قد أصابتهم حاجة ) بجدب الصحراء وقلة الزرع والضرع.
( فحث الناس على الصدقة، فأبطئوا عنه، حتى رؤى ذلك فى وجهه ) كان صلى الله
عليه وسلم يورى، ويعرض، ولا يأمر، ولا ينهى، فربما فهموا عدم العزيمة، مع جهد من سمع، وضعف
حال من وجد.
( ثم إن رجلا من الأنصار جاء بصرة من ورق ) أى من فضة، فكان هذا الرجل فاتحة
خير، وبداية عطاء، وسن لمن يراه أن يعمل مثل ما عمل.
( ثم جاء آخر) أى بصرة أيضاً.
( ثم تتابعوا، حتى عرف السرور فى وجهه ) أى تتابعوا يحملون صدقاتهم وعطاءاتهم.
( من سن فى الإسلام سنة حسنة، فعمل بها بعده، كتب له مثل أجر من
عمل بها) قيد («فعمل بها بعده)» قيد فى مثل الأجر، لا فى مطلق الأجر، والبعدية تشمل
العمل بها بعد سنه وفى حياته، كما تشمل من عمل بها بعد مماته. وأما إذا لم يعمل بها
أحد، فله أجر أيضاً، وإن لم يكن مثل التى عملت. وكذلك من ابتدع سنة سيئة كان عليه وزر
ما سن، سواء عمل بها، أم لم يعمل بها، لكن كلما كثر العاملون بها زاد إثمه ووزره، كما قال
تعالى ﴿وَمِنْ أَوْرَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥].
( لا ينقص من أجورهم شىء ) رفع لإيهام الاشتراك فى أجر واحد، وذلك فضل من الله.
٢١٥

فقه الحديث
أخرجه الترمذى من وجه آخر، بلفظ ((من سن سنة خير، ومن سن سنة شر». وقال مجاهد فى
قوله تعالى ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْرَّارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ [النحل: ٢٥] قال:
حملهم ذنوب أنفسهم، وذنوب من أطاعهم، ولا يخفف ذلك عمن أطاعهم شيئاً. وقال المهلب: هذا
الباب فى معنى التحذير من الضلال، واجتناب البدع، ومحدثات الأمور فى الدين، والنهى عن مخالفة
سبيل المؤمنين.
قال الحافظ ابن حجر: ووجه التحذير أن الذى يحدث البدعة، قد يتهاون بها، لخفة أمرها فى
أول الأمر، ولا يشعر بما يترتب عليها من المفسدة، وهو أن يلحقه إثم من عمل بها من بعده، ولولم
يكن هو عمل بها، بل لكونه كان الأصل فى إحداثها.
واللَّه أعلم
٢١٦

كتاب الذكر والدعاء
والتوبة والاستغفار
٧٤٠ - باب الحث على ذكر اللَّه تعالى.
٧٤١ - باب فى أسماء اللَّه تعالى، وفضل من أحصاها.
٧٤٢ - باب العزم فى الدعاء، ولا يقل: إن شئت.
٧٤٣ - باب كراهة تمنى الموت لضر نزل به.
٧٤٤ - باب من أحب لقاء الله، أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء اللَّه، كره اللَّه لقاءه.
٧٤٥ - باب فضل الذكر، والدعاء والتقرب إلى الله ، وحسن الظن به.
٧٤٦ - باب كراهة الدعاء بتعجيل العقوبة فى الدنيا.
٧٤٧ - باب فضل مجالس الذكر.
٧٤٨ - باب فضل الدعاء باللهم آتنا فى الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار.
٧٤٩ - باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء.
٧٥٠- باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر.
٧٥١ - باب استحباب الاستغفار والاستكثار منه والتوبة.
٧٥٢ - باب استحباب خفض الصوت بالذكر، إلا فى المواضع التى ورد الشرع برفعه فيها، كالتلبية
وغيرها واستحباب الإكثار من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله.
٧٥٣ - باب فى الدعوات والتعوذ.
٢١٧

(٧٤٠) باب الحث على ذكر الله تعالى
٥٩١٤- ١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ُ: «يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: أَنَا عِنْدَ
ظَنٌّ عَبْدِي بِي. وَأَنّا مَعَهُ حِينَ يَذْكُرُبِي. إِنْ ذَكَرَبِي فِي نَفْسِهِ، ذَكَرُهُ فِي نَفْسِي. وَإِنْ ذَكَرَنِي
فِي مَلٍ، ذَكَّرُهُ فِي مَلإٍ هُمْ خَيْرٌ مِنْهُمْ. وَإِنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا، تَقَرِّتُ إِلَيْهِ ذِرَاعًا. وَإِذْ تَقَرَّبَ
إِلَيَّ ذِرَاعًا، تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا. وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي، أَيْتُهُ مَرْوَلَةٌ».
٥٩١٥ - - وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الأَعْمَشِ (١٠)، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ «وَإِنْ تَقَرَّبَ إِلَيَّ ذِرَاعًا،
تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا».
٥٩١٦- ٣ٌ عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُبِّهٍ(٢) قَالَ: هَذَا مَا حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ. فَذَكَرَ
أَحَادِيثَ مِنْهَا: وَقَالَ رَسُولُ اللّهِعَ﴿: «إِنَّ اللّهُ قَالَ: إِذَا تَلْقَانِي عَبْدِي بِشِبْرٍ، تَقْيُهُ بِذِرَاعٍ.
وَإِذَا تَلَقَّالِي بِذِرَاعٍ، تَلَقْتُهُ بِبَاعٍ. وَإِذَا تَلَقَّائِي بِبَاعٍ، أَيْتُهُ بِأَسْرَعَ».
٥٩١٧- ٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٣) قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ يَسِيرُ فِي طَرِيقٍ مَكْةٌ. فَمَرْ عَلَى
جَبَلٍ، يُقَالُ لَهُ جُمْدَالُ. فَقَالَ: «سِيرُوا. هَذَا جُمْدَانُ. سَبَقَ الْمُفَرِّدُون». قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ؟
يَا رَسُولَ اللَّهِ! قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتُ».
المعنى العام
يقول اللَّه تعالى ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] ويقول ﴿ وَمَا خَلَقْتُ الْجنَّ وَالإِنسَّ
إِلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] وذكر اللَّه تعالى عبادة الملائكة، واعتراف من المخلّوق
للخالق، وقدَ مدح الله الذاكرين له فى آيات كثيرة، وجعلهم أولى الألباب فى قوله ﴿إِنَّ فِي
خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ
قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُّوَبِهِمْ.﴾ [آل عمران: ١٩٠ - ١٩١].
والذاكرون لا يشقون، ولا يشقى جليسهم، ويباهى اللَّه بهم ملائكته. يذكرهم اللَّه فى الملأ الأعلى
ويجيب دعاءهم، ويثيبهم ويرحمهم ويضاعف أجرهم.
(١) حَدَّا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَاللَّفْظُ لِقُعَةَ قَالا حَدَّقََّا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٠) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو كُرَّيْبٍ قَالا حَدََّا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَغْمَشِ
(٢) حَدْقَا مُحَمَّدُ بْنَّ رَافِعَ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ بْنٍ مُنٍَّ
(٣) حَدََّا أُمَيُّ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ حَدََّا يَزِيدٌ يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ حَدَّقْنَاْ رَوَّحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنِ الْعَلاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٢١٩

يقول لملائكته: ماذا يطلبون؟ يقولون: الجنة. يقول: فهل رأوها؟ يقولون: لا. فيقول: كيف حالهم
إذا رأوها؟. ومم يستعيذون؟. فيقولون: من النار. فيقول: وهل رأوها؟. فيقولون: لا. فيقول: فكيف إذا
رأوها؟. أشهدكم ياملائكتى أنى غفرت لهم.
المباحث العربية
( أنا عند ظن عبدى بى ) أى أنا قادر على أن أعمل به، ما ظن أنى عامل به. وقصره
الكرمانى على الرجاء، وقصره القرطبى فى المفهم على ظن الإجابة عند الدعاء، وظن القبول عند
التوبة، وظن المغفرة عند الاستغفار، وظن المجازاة عند فعل العبادة بشروطها، تمسكاً بصدق وعده،
ويؤيده حديث ((ادعو الله وأنتم موقنون بالإجابة)).
( وأنا معه حين يذكرنى ) فى رواية للبخارى ((وأنا معه إذا ذكرنى)) أى بعلمى، كقوله تعالى
﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ [طه: ٤٦] وقيل: أنا معه بالرحمة والتوفيق والهداية والرعاية، وقيل: أنا
معه فی ظنه الذی یظنه بی، وذکره لی.
( إن ذكرنى فى نفسه، ذكرته فى نفسى ) أى إن ذكرنى بالتنزيه والتقديس سراً، ذكرته
بالثواب والرحمة سراً، قال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: ١٥٢] ومعناه: اذكرونى بالتعظيم
أذكركم بالإنعام ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: ٤٥] أى أكبر العبادات، فمن ذكره وهو خائف آمنه، أو
مستوحش آنسه ﴿ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨] ويجوز أن يكون المعنى: إن ذكرنى
خاليا، أثبته وجازيته بما لا يطلع عليه أحد.
(وإن ذكرنى فى ملأ، ذكرته فى ملأ، هم خير منهم) ((الملأ» بفتح الميم واللام وبالهمز
الجماعة، وسيأتى فى فقه الحديث خيرية الملأ على أنهم الملائكة.
(وإن تقرب منى شبراً، تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلى ذراعا تقريت منه باعا،
وإن أتانى يمشى أتيته هرولة) الأصل: تقربت منه ذراعا، فعبر بإلى التى تفيد الانتهاء، وعكس
الحرفين ((من)) و(إلى)) فى الذراع والباع، فتبادل الحرفان الموقعين، وقد اختلفت الروايات فى وضع
الحرفين، والحروف ينوب بعضها عن بعض.
قال ابن بطال: وصف سبحانه وتعالى نفسه بأنه يتقرب إلى عبده، ووصف العبد بالتقرب إليه،
ووصفه بالإتيان والهرولة، كل ذلك يحتمل الحقيقة والمجاز، فحملها على الحقيقة يقتضى قطع
المسافات، وتدانى الأجسام، وذلك فى حقه تعالى محال، فلما استحالت الحقيقة تعين المجاز،
٢٢٠