النص المفهرس

صفحات 161-180

من الرحم. اهـ وقيل إن فى رحم المرأة قوتين، قوة انبساط عند ورود منى الرجل، حتى ينتشر فى جسد
المرأة، وقوة انقباض، بحيث لا يسيل من فرجها، مع كونه منكوساً، ومع كون المنى ثقيلا بطبعه، وفى
منى الرجل قوة الفعل، وفى منى المرأة قوة الانفعال، فعند الامتزاج يصير منى الرجل كالأنفحة
للبن.اهـ فالمراد من الجمع التجمع بعد الانتشار، والتماسك والامتزاج والتفاعل، وقيل: إن ابن مسعود
فسره بأن النطفة إذا وقعت فى الرحم، فأراد الله أن يخلق منها بشراً، طارت فى جسد المرأة، تحت
كل ظفر وشعر، ثم تمكث أربعين يوماً، ثم تنزل دما فى الرحم، فذلك جمعها. اهـ وقد رجح الطيبى هذا
التفسير، وقال: الصحابى أعلم بتفسير ما سمع، وتأويله أولى بالقبول، وأكثر احتياطاً فى ذلك من
غيره. اهـ
وظاهر تفسير ابن مسعود أن ابتداء الجمع من ابتداء الأربعين، وظاهر التوجيهات الأخرى أن
ابتداء الجمع من حين اختلاط ماء الرجل بماء المرأة.
ولا يضر التعبير فى بعض الروايات باليوم وبعضها بالليلة، فالمراد أربعون ليلة بأيامها، أو أربعون
يوماً بلياليها، ولا يضر التعبير فى بعض الروايات بالبطن، كما فى روايتنا الأولى، وفى بعضها بالرحم،
كما فى روايتنا الثانية والرابعة، فإن المقصود حقيقة فى الرحم، والرحم فى البطن، والمظروف فى
المظروف فى شىء، مظروف فى ذلك الشىء، ولكن المشكل ما جاء فى بعض الروايات من زيادات
على الأربعين، كروايتنا الثانية، ولفظها ((بأربعين، أو خمسة وأربعين ليلة)) وروايتنا الثالثة ((إذا مر
بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة)) وملحق روايتنا الرابعة ((لبضع وأربعين ليلة)) فالبعض جزم بالأربعين،
والبعض زاد ثنتين أو ثلاثا أو خمسا أو بضعا، ثم منهم من جزم، ومنهم من تردد، وقد جمع بينها
القاضى عياض بأنه ليس فى رواية ابن مسعود بأن ذلك يقع عند انتهاء الأربعين الأولى وابتداء
الأربعين الثانية، بل. أطلق الأربعين، فاحتمل أن ذلك يقع فى أوائل الأربعين الثانية، قال: ويحتمل أن
يجمع الاختلاف فى العدد الزائد على أنه بحسب اختلاف الأجنة. قال الحافظ ابن حجر: وهو جيد،
لوكانت مخارج الحديث مختلفة، لكنها متحدة، وراجعة إلى أبى الطفيل عن حذيفة بن أسيد، فدل
على أنه لم يضبط القدر الزائد على الأربعين، والخطب فيه سهل.أهـ أى ما دام المخرج واحداً، كان
نطق الرسول / بالعدد واحداً، والاختلاف من الرواة.
( ثم يكون فى ذلك علقة مثل ذلك ) أى ثم يكون فى الرحم علقة أربعين يوماً، وفى رواية
للبخارى ((ثم علقة مثل ذلك))، والعلقة قطعة دم جامد، تتعلق بجدار الرحم، ولفظ ((يكون)) معناه
بصير.
( ثم يكون فى ذلك مضغة مثل ذلك ) والمضغة قطعة اللحم الصغيرة، سميت بذلك، لأنها
قدر ما يمضغ الماضغ. والمعنى أن النطفة تكون فى نهاية الأربعين الأولى علقة، ثم تنقلب إلى صفة
المضغة فى نهاية الأربعين الثانية، ولا شك أن انقلابها من صفة إلى صفة لا يكون فجأة، بل شيئًا
فشيئًا، فيخالط الدم النطفة فى الأربعين الأولى، بعد انعقادها وامتدادها، وتجرى فى أجزائها شيئًا
فشيئًا، حتى تتكامل علقة فى الأربعين الثانية، ثم يخالطها اللحم شيئاً فشيئاً، إلى أن تشتد، فتصير
١٦١

مضغة، ولا تسمى علقة ما دامت نطفة، ولا تسمى مضغة ما دامت علقة، قال الحافظ ابن حجر: وأما
ما أخرجه أحمد ((إن النطفة تكون فى الرحم أربعين يوماً على حالها لا تتغير» ففى سنده انقطاع،
وعلى فرض صحته فيحمل على نفى التغيير الكامل التام.
( ثم يرسل الملك، فينفخ فيه الروح) قال الحافظ ابن حجر: واتفق العلماء على أن نفخ
الروح لا يكون إلا بعد أربعة أشهر. اهـ والنفخ فى الأصل إخراج ريح من جوف النافخ، ليدخل فى
المنفوخ فيه.
و((يرسل)» بالبناء للمجهول، و((أل)) فى ((الملك)) للعهد، والمراد به ملك من جنس الملائكة
الموكلين بالأرحام، وظاهر هذه الرواية أن الملك إنما يرسل بعد أربعة أشهر، لكن الرواية الثانية
((يدخل الملك على النطفة بعد ما تستقر فى الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة ... )» والرواية الثالثة
((إذا مر بالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث اللَّه إليها ملكا ... )) والرواية الرابعة ((إن النطفة تقع فى
الرحم أربعين ليلة، ثم يتصور عليها الملك ... )) قال النووي: هكذا هو فى جميع نسخ بلادنا «يتصور»
بالصاد، وذكر القاضى ((يتسور)» بالسين، قال: والمراد بيتسور ينزل، وهو استعارة، من تسورت الدار،
إذا نزلت فيها من أعلاها، ولا يكون التسور إلا من فوق، فيحتمل أن تكون الصاد الواقعة فى نسخ
بلادنا، مبدلة من السين. اهـ
أقول: هذه الروايات ظاهرها أن الكتب يكون بعد الأربعين الأولى، مما يتعارض وروايتنا الأولى،
ونجمع العلماء بأن ملائكة الله الذين يقومون بذلك أكثر من ملك، فهناك ملك موكل بالرحم، كا تنص
على ذلك روايتنا الخامسة، ولفظها ((إن الله عز وجل قد وكل بالرحم ملكا)) هذا الملك يدخل على
النطفة، بعد ما تستقر فى الرحم بأربعين أو خمسة وأربعين ليلة، فيسأل ربه: سوى أم غير سوى؟ ذكر
أم أنثى؟ شقى أم سعيد؟ ما أجله؟ ما عمله؟ ما رزقه؟ ما أثره الذى يتركه بعد موته؟ أشقى أم
سعيد؟ فيجيبه ربه، فيكتب الملك الموكل بالرحم الجواب فى كتاب عنده.
وعندما تتحول النطفة إلى علقة، والعلقة إلى مضغة ويحين تخليقها، يرسل الله تعالى ملكاً آخر،
يحضر تخليقها، يخلق الله سمعها وبصرها وجلدها ولحمها وعظامها، وصورتها، فالمضغة فى أيامها
الأولى غير مخلقة، وفى أواخر أيامها تكون مخلقة، وهذا الملك يسأل عند التخليق، ويجاب، ويكتب.
ولا تعارض بين سؤال الأول، وسؤال الثانى، ما داما فى وقتين مختلفين، وما دام الثانى لا يعلم
الجواب الذى أجيب به الأول، ولا تعارض بين كتابة كل منهما، ولا أن يكتب الأمر الواحد فى بضعة
كتب، تسجيلا، وتأكيداً لعدم تغيره، وهو قبل هذا وذاك مكتوب فى اللوح المحفوظ.
وعلى هذا التوجيه، فقوله فى الرواية الأولى ((ثم يكون فى ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يرسل الملك،
فينفخ فيه الروح)) مراد به الملك الثانى، والنافخ هو الله، بقوله: كن فيكون، أو الملك فى الصورة بأمر
اللَّه.
(ويؤمر بأربع كلمات ... ) أى بكتابة أربع كلمات، والعدد لا مفهوم له.
١٦٢

وقوله فى الرواية الثالثة ((إذا مربالنطفة ثنتان وأربعون ليلة، بعث اللَّه إليها ملكاً، فصورها وخلق
سمعها وبصرها ... )) المراد به الملك الثانى أيضاً، وفى الكلام محذوف وطى، تقديره: إذا مرثنتان
وأربعون ليلة تحولت النطفة إلى علقة، فإذا مر على العلقة أربعون ليلة تحولت العلقة إلى مضغة، فإذا
شاء اللَّه أن يخلق المضغة، بعث إليها ملكا ... إلخ، و((خلق)) بفتح الخاء وتشديد اللام المفتوحة،
والفاعل يعود على اللَّه، أو على الملك بأمر الله.
ومثل هذا يقال فى الرواية الرابعة، وتقدير المطوى فيها: إن النطفة تقع فى الرحم أربعين ليلة، ثم
تتحول إلى علقة، ثم تتحول إلى مضغة، ثم يتصور عليها الملك الذى يخلقها ... إلخ.
ويحاول النووى توجيه الروايات والجمع بينها على أساس الملك الواحد، حتى فى الرواية
الخامسة، فيجعل فى الكلام طياً وحذفاً فى بعضها كما ذكرنا عن الملك الثانى، ويجعله هو الوحيد،
وجمع بعضهم بأن الكتابة تقع مرتين، إحداهما فى صحيفة، والأخرى على جبين المولود، ويحاول
القاضى عياض توجيه الروايات على أساس الملك الواحد، لكنه ينحو نحواً آخر، فيقول عن الرواية
الرابعة: ليس الكلام على ظاهره، ولا يصح حمله على ظاهره، بل المراد بتصويرها، وخلق سمعها ... إلى
آخره، أنه يكتب ذلك، ثم يفعله فى وقت آخر، لأن التصوير عقب الأربعين الأولى غير موجود فى
العادة، وإنما يقع فى الأربعين الثالثة، وهى مدة المضغة، كما قال اللَّه تعالى ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ
مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينِهِ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارِ مَكِينٍ﴾، ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةٌ فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةٌ مُصْفَةٌ
فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: ١٢ -١٤] ثم يكون للملك فيه تصوير آخر، وهو
وقت نفخ الروح عقب الأربعين الثالثة، حين يكمل له أربعة أشهر، ولا تنفخ الروح إلا بعد تمام
التصوير.
هذا كلام القاضى وتبعه النووى وغيره، ويرد عليه تعدد سؤال الملك عن أشياء، قد أجيب عنها،
كما يرد عليه خروجه بالصحيفة، والتعبير بيرسل ويبعث، مع أنه موكل بالرحم، والله أعلم.
(ويؤمر بأربع كلمات، يكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقى أو سعيد) («يكتب رزقه))
بالياء فى أوله، على البدل من ((أربع)) بإعادة حرف الجر، وضبط ((يكتب)) بياء المضارع وقوله ((شقى
أو سعيد)) مرفوع، خبر مبتدأ محذوف، أى وهو شقى أو سعيد، والذى يكتب أحد الأمرين، فالأوامر
أربعة، لا خمسة، والعدد لا مفهوم له، ففى بعض الروايات ما يزيد الكلمات المكتوبات عن أربع، ففى
الرواية الثانية ((أذكر أو أنثى؟ فيكتبان، ويكتب عمله وأثره)» وقد يحمل الأثر على الشقاوة أو السعادة،
وفى الرواية الرابعة ((أسوى أو غير سوى))؟ وفيها ((ما خلقه)) بضم الخاء واللام، والمراد بالكلمات
القضايا المقدرة، وكل قضية تسمى كلمة وفى رواية للبخارى ((فيؤمر بأربعة)) بحذف المعدود.
والمراد من كتابة الرزق تقديره، قليلاً أو كثيراً، وصفته، حراما أو حلالا، زاد فى الرواية الثانية ((ثم
تطوى الصحف، فلا يزاد فيها، ولا ينقص)) وفى الرواية الثالثة ((ثم يخرج الملك بالصحيفة فى يده، فلا
يزيد على ما أمر به، ولا ينقص».
١٦٣

(فوالذى لا إله غيره) فى رواية للبخارى ((فواللّه)) وعند ابن ماجه ((فوالذى نفسى بيده))
وفى رواية ((فوالله الذى لا إله غيره)).
( إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق
عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها ) فى الرواية الحادية عشرة ((إن الرجل ليعمل
الزمن الطويل بعمل أهل الجنة، ثم يختم له عمله بعمل أهل النار» وفى الرواية الثانية عشرة («إن
الرجل ليعمل عمل أهل الجنة، فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار)) فقوله فى روايتنا ((بعمل)) الباء
زائدة، والأصل: ليعمل عمل، فعمل مفعول به، أو مفعول مطلق، وكلاهما مستغن عن الباء، فكان زيادة
الباء للتأكيد، أوضمن ((يعمل)» معنى يتلبس فى عمله بعمل أهل الجنة، والمراد من عمل أهل الجنة
الطاعات الاعتقادية والقولية والفعلية، ويحتمل أن الحفظة تكتب ذلك، ويقبل بعضها، ويرد بعضها،
ويحتمل أن تقع الكتابة، ثم تمحى، وأما القبول، فيتوقف على الخاتمة، وظاهره أنه يعمل بذلك
حقيقة، ويختم له بعكسه، وقيل: هذا فى المنافق والمرائى، لقوله فى روايتنا الحادية عشرة ((فيما يبدو
للناس)».
والتعبير بالذراع تمثيل بقرب حاله من الموت.
قال الحافظ ابن حجر: وقد ذكر فى هذا الحديث أهل الخير صرفا، وأهل الشر صرفا، إلى الموت،
ولم يذكر الذين خلطوا عملا صالحاً، وآخر سيئاً، وماتوا على الإسلام، لأنه لم يقصد فى الحديث تعميم
أحوال المكلفين، وإنما قصد بيان أن الاعتبار بالخاتمة.
و((حتى)) فى قوله ((حتى مايكون)» ناصبة، و((ما)) نافية، والفعل منصوب بحتى، وأجاز بعضهم أن
تكون ((حتى)» ابتدائية، والفعل مرفوع.
والمراد من ((الكتاب)) فى ((فيسبق عليه الكتاب)) المكتوب، والمراد بسبقه، سبق ما تضمنه،
فالكلام على حذف مضاف، أو المراد أنه يتعارض عمله فى اقتضاء السعادة، والمكتوب فى اقتضاء
الشقاوة، فيتحقق مقتضى المكتوب، فعبر عن ذلك بالسبق.
( الشقى من شقى فى بطن أمه ) معناه أن الشقى مقدر شقاوته، وهو فى بطن أمه.
( كنا فى جنازة، فى بقيع الغرقد ) هو مدفن المدينة.
(فقعد، وقعدنا حوله، ومعه مخصرة ) بكسر الميم وسكون الخاء، وهى ما أخذه الإنسان
بيده، واختصره، وأسند به خصره، كالعصا.
( فنكس ) بفتح النون وتشديد الكاف المفتوحة، ويتخفيفها، لغتان فصيحتان، أى خفض
رأسه إلى الأرض، على هيئة المهموم.
( فجعل ينكت بمخصرته ) بفتح الياء وضم الكاف، أى يخط بها خطا يسيراً، مرة بعد مرة.
١٦٤

( ما منكم من أحد - ما من نفس منفوسة- إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة
والنار) يقال: نفست المرأة، بكسر الفاء، تنفس بفتحها نفاساً، ولدت، فالمنفوسة المولودة، وجملة
((ما من نفس منفوسة)) بدل من التى قبلها، وفى الرواية السابعة ((إلا وقد علم منزلها من الجنة
والنار» أی قبل ولادتها.
( وإلا قد كتبت شقية أو سعيدة ) وهى فى بطن أمها.
( فقال رجل: يارسول الله، أفلا نمكت على كتابنا؟ وندع العمل؟) فى الرواية
السابعة ((يارسول اللَّه، فلم نعمل؟ أفلا نتكل))؟ وفى الرواية الثامنة ((ففيم العمل)»؟ وفى الرواية
التاسعة ((ففيم يعمل العاملون)»؟ وفى الرواية الثامنة ((جاء سراقة بن مالك بن جعشم، قال: يارسول
اللَّه، بين لنا ديننا، كأنا خلقنا الآن)) أى بيانا شافيا، غير معتمد على معلومات سابقة ((فيما العمل
اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام؟ وجرت به المقادير؟ أم فيما نستقبل؟ قال: لا، بل فيما جفت به
الأقلام، وجرت به المقادير، قال: فقيم العمل؟)) وجفاف الأقلام.
وفى الرواية العاشرة، قال عمران بن الحصين، لأبى الأسود الدؤلى: أرأيت ما يعمل الناس اليوم،
ويكدحون فيه، أشىء قضى عليهم؟ ومضى عليهم؟ من قدر ما سبق؟ أو فيما يستقبلون به، مما أتاهم
به نبيهم؟ وثبتت الحجة عليهم؟ قال أبو الأسود: بل شىء قضى عليهم، ومضى عليهم. فقال عمران:
أفلا يكون ظلما؟ ففزع أبو الأسود من عبارة عمران فزعاً شديداً، وقال لعمران: لا ظلم، فكل شىء خلق
الله، وكل شىء ملك يده، فلا يسأل عما يفعل، وهم يسألون، فقال عمران: يرحمك الله يا أبا الأسود،
لقد ظننت أنى أعترض، ولست كذلك، ولكنى أردت أن أحزر عقلك. أى أمتحن عقلك وفهمك، يقال:
حزر الرجل الشىء، بفتح الحاء والزاى بعدها راء، يحزره بضمها، حزراً بسكون الزاى، قدره بالتخمين،
ثم أخذ عمران يسوق قصة رجلين من مزينة، سألا رسول اللّه : * السؤال نفسه، فأجاب الجواب
نفسه. مؤكدا له بقوله تعالى ﴿ وَنَفْسِ وَمَا سَوَّاهَا﴾ فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَفْوَّاهَا﴾ [الشمس: ٨،٧].
(فقال: من كان من أهل السعادة، فسيصير إلى عمل أهل السعادة، ومن كان من أهل الشقاوة،
فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة، اعملوا، فكل ميسر، أما أهل السعادة فييسرون لعمل أهل السعادة،
وأما أهل الشقاوة، فييسرون لعمل أهل الشقاوة، ثم قرأ ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ﴾ وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى﴾
فَسَنُيَسُِّهُ لِلْيُسْرَى﴾ وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى﴾ وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى ◌ِ فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى﴾ [الليَلَ: ٥-١٠].
فقه الحديث
يؤخذ من الأحاديث
١- قال النووى عن أحاديث الكتابة: فيها تصريح بإثبات القدر.
٢- وأن التوبة تهدم الذنوب قبلها. اهـ أى لأنه إذا هدم الله الذنوب، لمن عمل بعمل أهل النار، حتى لم
يكن بينه وبين النار إلا قليل، بدون توبة، هدم الذنوب بالتوبة من باب أولى.
١٦٥

٣- قال: وأن من مات على شىء، حكم له به، من خير أو شر، إلا أن أصحاب المعاصى - غير الكفر-
فى المشيئة.
٤- وأن العبرة بالخاتمة، فقد تغاير واقع العمل فى طول الحياة، قال: وهذا قد يقع فى نادر الناس، لا
أنه غالب فيهم، ثم إنه من لطف الله تعالى وسعة رحمته انقلاب الناس من الشر إلى الخير فى
كثرة، وأما انقلابهم من الخير إلى الشرففى غاية الندور، ونهاية القلة، وهو نحو قوله تعالى ((إن
رحمتى سبقت غضبى)) قال: ويدخل فى هذا من انقلب إلى عمل النار، بكفر أو معصية، لكن
يختلفان فى التخليد وعدمه، فالكافر يخلد فى النار، والعاصى الذى مات موحداً لا يخلد فيها.
٥- ثم قال: وفى هذه الأحاديث دلالات ظاهرة لمذهب أهل السنة فى أن جميع المواقعات بقضاء الله
وقدره، خيرها وشرها، نفعها وضرها، وأن مصير الأمور فى العاقبة، إلى ما سبق به القضاء، وجرى
به القدر فى الابتداء، وقد سبق فى أول الكتاب، فى كتاب الإيمان، قطعة صالحة من هذا، عند
الكلام على حديث سؤال جبريل، وتعريف الإيمان والإسلام وسبق هناك الرد على القدرية.
٦- وفيه أن الأعمال، حسنها وسيئها، أمارات، وليست بموجبات.
٧- وفيه القسم على الخبر الصادق، تأكيداً فى نفس السامع.
٨- وفيه الإشارة إلى علم المبدأ والمعاد، وما يتعلق ببدن الإنسان وحاله، فى الشقاوة والسعادة.
٩- وفيه أن عموم مثل قوله تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرِ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْبِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةٌ
وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ .. ﴾ [النحل: ٩٧] مخصوص بمن ماتٌ على ذلك.
١٠- قال الحافظ ابن حجر: وفيه أن من عمل السعادة، وختم له بالشقاوة، فهو فى طول عمره عند اللّه
شقى، وبالعكس، قال: وقد اشتهر الخلاف فى ذلك بين الأشعرية والحنفية، وتمسك الأشاعرة
بمثل هذا الحديث، وتمسك الحنفية بمثل قوله تعالى ﴿يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ [الرعد: ٣٩]
وأكثركل من الفريقين الاحتجاج لقوله، والحق أن النزاع لفظى، وأن الذى سبَق فى علم اللَّه لا
يتغير ولا يتبدل، وأن الذى يجوز عليه التغير والتبديل ما يبدو للناس من عمل العامل، ولا يبعد أن
يتعلق ذلك بما فى علم الحفظة والموكلين بالآدمى، فيقع فيه المحو والإثبات، كالزيادة فى العمر
والنقص، وأما ما فى علم الله، فلا محو فيه، ولا إثبات. والعلم عند الله.
١١- وفى الأحاديث التنبيه على صدق البعث بعد الموت، لأن من قدر على خلق الشخص من ماء
مهين، ثم نقله إلى علقة، ثم مضغة، ثم نفخ فيه الروح، قادر على نفخ الروح، بعد أن يصير ترابا،
ويجمع أجزاءه بعد أن يفرقها.
١٢ - وفيه أن مقادير الخلائق تكتب وهم فى بطون أمهاتهم، وأما ما رواه مسلم من حديث عبد الله
ابن عمر مرفوعا «كتب اللَّه مقادير الخلائق، قبل أن يخلق السموات بخمسين ألف سنة» فهو
محمول على كتابة ذلك فى اللوح المحفوظ، على وفق ما فى علم الله تعالى.
١٦٦

١٣- واستدل به على أن السقط بعد الأربعة أشهر، يصلى عليه، لأنه وقت نفخ الروح فيه، قال الحافظ
ابن حجر: وهو منقول عن القديم للشافعى، والمشهور عن أحمد وإسحاق، وعن أحمد: إذا بلغ
أربعة أشهر وعشرا، ففى تلك العشر ينفخ فيه الروح، ويصلى عليه، قال: والراجح عند الشافعية أنه
لابد من وجود الروح، وهو الجديد. قالوا: وإذا بلغ مائة وعشرين يوماً غسل وكفن ودفن بغير صلاة،
وما قبل ذلك لا يشرع له غسل ولا غيره.
١٤ - وفيه الحث القوى على القناعة، والزجر الشديد عن الحرص، لأن الرزق إذا كان قد سبق تقديره،
لم يغن التعنى فى طلبه، وإنما شرع الاكتساب، لأنه من جملة الأسباب التى اقتضتها الحكمة فى
دار الدنيا. كذا قال الحافظ ابن حجر. وفيه نظر، فعدم العلم بما كتب يحتم على المسلم السعى
بكل ما يستطيع إلى زيادة رزقه، وبناء حياته، والحرص على كل ما ينفعه ((أحرص على ما ينفعك
واستعن بالله ولا تعجز)) والقناعة والرضا إنما تكون بعد بذل الجهد الكامل، والطلب المستطاع،
وهذا معنى ((وإن فاتك شىء فلا تقل: لو فعلت كذا لكان كذا وكذا، فإن لو تفتح عمل الشيطان)»
((فالمسلم القوى - ولو فى أمور الدنيا فى الحدود الشرعية - خير وأحب إلى الله تعالى من المؤمن
الضعيف».
١٥- وفيه أن الأعمال سبب دخول الجنة أو النار، ولا يعارض ذلك حديث ((لن يدخل أحدا عمله
الجنة)) فالأعمال سبب مرتبط بمشيئة الله تعالى.
١٦ - وفيه الحث على الاستعاذة من سوء الخاتمة.
١٧ - واستدل به المعتزلة على أن من عمل عمل أهل النار، وجب أن يدخلها، لترتب دخولها فى
الحديث على العمل، وترتب الحكم على الشىء يشعر بعليته، وأجيب بأنه علامة، لا علة، والعلامة
قد تتخلف.
١٨ - قال الحافظ ابن حجر: وفيه أن الأقدار غالبة، والعاقبة غائبة، فلا ينبغى لأحد أن يغتر بظاهر
حاله، ومن هنا شرع الدعاء بالثبات على الدين، وبحسن الخاتمة، نسأله ذلك بفضله وكرمه ومنه.
إنه سميع مجيب ..
والله أعلم
١٦٧

(٧٣٠) باب حجاج آدم وموسى عليهما السلام
٥٨٦٤- ١٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ه: «اخْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى. فَقَالَ
مُوسَى: يَا آدَمُ! أَنْتَ أَبُونًا. خَيَِّتْنَا وَأَخْرَجْتَنَا مِنَ الْجَنَّةِ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى. اصْطَفَاكَ
اللَّهُ بِكَلامِهِ. وَخَطَّ لَكَ بِيَدِهِ. أَتْلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَن يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَّةُ؟»
فَقَالَ النَّبِيُّ ◌َ﴿ّ: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى. فَحَجَّ آدَعُ مُوسَى». وَفِي حَدِيثِ ابْنٍ أَبِي عُمَرَ وَابْنٍ
عَبْدَةَ. قَالَ أَحَدُهُمَا: خَطّ وَقَالَ الآخَرُ: كَتَبَ لَكَ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ.
٥٨٦٥ - -تٍّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٤) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «تَحَاجٌّ آدَمُ وَمُوسَى. فَحَجِّ
آدَمُ مُوسَى. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ؟ فَقَالَ آدَمُ:
أَنْتَ الْذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ، وَاصْطَفَاهُ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَتَلُومُنِي
عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟».
٥٨٦٦- ١٢ عَنْ أَبِي مُرَيْرَةَ ﴾(١٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «اخْتَجِّ آدَمُ وَمُوسَى
عَلَيْهِمَا السَّلامُ عِنْدَ رَبِّهِمَا. فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى. قَالَ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الْذِي خَلَقَكَ اللَّهُ بِيْدِهِ،
وَتَفَخَ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ، وَأَسْجَدَ لَكَ مَلائِكَّهُ، وَأَسْكّنَكَ فِي جَنَّتِهِ، ثُمَّ أَهْبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيْقَتِكَ
إِلَى الأَرْضِ؟ فَقَالَ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِرِسَالَتِهِ وَبِكَلامِهِ، وَأَعْطَاكَ الأَلْوَاحَ
فِيهَا ◌ِبْيَاهُ كُلِّ شَيْءٍ وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا، فَبِكُمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَ النَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ؟ قَالَ مُوسَى:
بِأَرْبَعِينَ عَامًا. قَالَ آدَمُ: فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا ﴿ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى﴾؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ:
أَقَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتُ عَمَلا كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلُهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَيِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةُ؟» قَالَ
رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ّ: «فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى».
٥٨٦٧- ٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «اخْتَجَّ آدَمُ وَمُوسَى. فَقَالَ
(١٣) حَدَّثَتِي مُحَمِّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكّيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدَةَ الضَِّّيُّ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُبَيْئَةً وَاللَّفْظُ لِابْنٍ
حَاتِمٍ وَابْنِ دِينَارٍ قَالا حَدَّثَنَاَ سُفْيَانُ ابْنُ عُبَيْنَةً عَنْ غَمْرِوِ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةً يَقُولُ
(١٤) حَدََّّا قُتَِّةُ بْنٌّ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عُلَيْهِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٥) حَدَّقَا إِسْحَقُ بْنُ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِّ مُوسَى بَّنِ عَبْدِ اللَّهِ بَ يَزِيدَ الأَنْصَّارِيِّ حَدَّقْنَا أَنْسُ بْنُ عِيَاضٍ حَدَّقِي الْحَارِثُ بْنُ
أَبِي ذُبَابَ عَنْ يَزِيدَ وَهُوَ ابْنَّ هُرْمُزَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ قَالا: سَمِعْنَا أَبَا هُرَيَّرَةَ قَالَ:
(٠٠) حَدَّقَتِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ حَاتِمٍ قَالا حَدََّا يَغَّقُوبُ بْنَّ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَّيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ
أَبِي هُرَيْرَةً
- حَدَّقَتِي عَمْرٌو النّاقِدُ حَدَّثْنَا أَيُّوبُ بْنُ النَّجَّارِ الْيَمَامِيُّ حَدَّا يَحْتِى بْنُ أَبِي كَثِيرِ عَنْ أَبِي سَلّمَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النّبِيِّ ◌َ}
ح وحَدَّثْنَا ابْنُ رَافِعٍ حَدََّا عَيْدُ الرَّزَاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمِرٌ عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مُنَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النّبِيِّ ◌َِ بِمَّعْنَى حَدِيثِهِمْ وَحَدَّقَبَا
مُحَمِّدُ بْنُ مِنْهَالِ الضَّرِيرُ حَدَّقْنَا يَزِيدُ بْنُّ زُرَيْعٍ حَدَّقْنَا هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ عَنْ مُخْمَّدٍ بْنِ سِيرِيَّنَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ
# نحوَ حَدِيثِهِمْ
١٦٨

لَهُ مُوسَى: أَنْتَ آدَمُ الَّذِي أَخْرَ جَتْكَ خَطِيْتُكَ مِنَ الْجِنَّةِ. فَقَالَ لَهُ آدَمُ: أَنْتَ مُوسَى الَّذِي
اصْطَفَاكَ اللَّهُ بِسَالَتِهِ وَبِكْلامِهِ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ، فَحَجّ آدَمُ
مُوسَى».
٥٨٦٨- ١٦ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو بْنِ الْعَاصِ(١٦) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ :﴿ يَقُولُ:
«كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلَائِقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنّةٍ. قَالَ:
وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ».
٥٨٦٩- ٢١ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَبِي هَاِيٍ(١٠)، بِهَذَا الإِسْنَادِ، مِثْلَهُ. غَيْرَ أَنْهُمَا لَمْ يَذْكُرًا:
وَعَرْشَهُ عَلَى الْمَاءِ.
المعنى العام
يقول اللَّه تعالى ﴿وَإِنْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَّجْعَلُ فِيهَا
مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الَدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَّكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾
[البقرة: ٣٠] وخلق آدم من الأرض، من ترابها ومائها، كمية من التراب والماء صارت طينا،
مضى عليها زمن فأنتنت، مضى عليها زمن فيبست وجمدت، صورها وخلقها جل شأنه، قال
لها: كونى آدم، فكانت بشرا سويا، وتسلطت عليها الشمس فطبخت وصارت كالفخار،
ونفخ فيها من روحه، فتحركت إنساناً عاقلاً، علمه الأسماء كلها، ولم يعلمها ملائكته، كان
من الممكن أن يبقى فى الأرض التى منها خلق، والتى إليها سيعود، ولكنه جل شأنه أراد
من الأزل، وقضى وقدر لآدم وذريته أن يقطعوا مشواراً طويلاً، قبل أن يصلوا إلى النهاية،
وبدأت رحلة آدم، عرج به إلى الجنة، سجد له الملائكة، إلا إبليس أبى واستكبر وكان من
الكافرين، فطرد من الجنة، وطلب الإنظار إلى يوم القيامة، فكان من المنظرين، وتوعد آدم
وذريته ﴿لِأَغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: ٣٩] وخلقت لآدم حواء من جنبه، أسكن هو وزوجه
الجنة، أمرا بأول تكليف، لينفذ قضاء اللَّه ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَرَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ
شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنْ الظَّالِمِينَ ﴾ [البقرة: ٢٢] وحذرهما من إبليس
عدوهما. ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ٢٢] وكان الامتحان قاسياً، ﴿فَوَسْوَسَ
لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيّ لَهُمَا مَا وُورِيَّ عَنْهُمًا مِنْ سَوْآَتِهِمَا وَقَالَ مَّا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ
(١٦) حَدَّفِي أَبُو الطّاهِرِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍوٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ سَرْحٍ حَدْنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَنِي أَبُو هَالِيٍ الْخَوْلَانِيُّ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ
الْحُبُلِيِّ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصَِّ
(١٠) حَدََّا ابْنُ أَبِي عُمَرَ خَّدَّثَنَا الْمُفْرِّئُ حَدْنَا حَيْوَةُ ح وحَدَّتِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلِ الْمِيمِيُّ حَدََّا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ أَخْبُرَنَا تَافِعٌ يَعْني
ابْنَ يَزِيدَ كِلاَهُمَا عَنْ أَبِي هَالِيٍ
١٦٩

الشَّجَرَةِ إِلا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْن أَوْ تَكُونَا مِنْ الْخَالِدِينَ ﴾ وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنْ النَّاصِحِينَ﴾
فَدَلاهُمَا بَغُرُورِ فَلَمَّا ذَاقًا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ
وَنَادَاهُمَاَ رَيُّهُمَّا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا هَدُوٌّ مُبِينَ﴾ قَالا
وَيَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْلَنّا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَّ الْخَاسِرِينَ﴾ [الأعراف: ٢٠-٢٣] ثم
اجتباه ربه، وتاب عليه، وهداه، لكنه حكم عليه بعقوبة مؤقته، ﴿قَّالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضِ
عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَّاعٌ إِلَى حِينِ﴾ قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيَهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَاً
تُخْرَجُونَ﴾ [الأعراف: ٢٤-٢٥] وهبط آدم وحواء وإبليس إلى الأرض، وبدأت الرحلة الشاقة،
وبدأ أبناؤهما يدفعون ثمن خطيئتهما.
هل كان آدم فى مقدوره أن يخالف القضاء؟ لقد قال تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ
خَلِيفَةٌ ﴾ [البقرة: ٣٠] فالمقدر والمكتوب أن يقضى هو وذريته رحلة فى الأرض يشاركهم فيها إبليس
وجنوده، ولابد من نفاذ القدر، فهل يلام آدم أن كان سبباً فى رحلة العذاب؟ أم لا يلام، فالأمر أمر قدر
وقضاء؟.
تلك قضية حديثنا: التقت روح موسى عليه السلام بروح آدم عليه السلام فى الملأ
الأعلى، قال له موسى: أنت آدم أبو البشر؟ قال: نعم. قال: أنت آدم الذى خلقك اللّه بيده؟
ونفخ فيك من روحه؟ وأسجد لك ملائكته؟ وأسكنك جنته؟ قال: نعم. قال: أنت الذى نهاك
ربك عن الأكل من شجرة واحدة فعصيته وأكلت منها؟ أنت آدم الذى أخرجتك خطيئتك
من الجنة؟ أنت الذى أشقيت الناس؟ أنت الذى أدخلت ذريتك النار؟ فوالله لولا ما
فعلت، ما دخل أحد من ذريتك النار، خيبتنا، وحرمتنا من نعيم الجنة زمنا لاذنب لنا فيه،
بل حرمت بعض ذريتك من نعيم الجنة حرمانا أبديا، لماذا يا آدم أشقيت نفسك،
وأشقيت ذريتك؟ وعرضتنا للغواية والمعصية والضلال؟.
وكما هو الشأن فى طبيعة الآباء مع الأبناء، مهما ظهرت من الأبناء قسوة أو تعنيف أو مالا يليق،
تبسم آدم. وقال: من أنت؟ قال: أنا موسى. قال: نبى بنى إسرائيل؟ قال: نعم. قال: أنت الذى
اصطفاك ربك؟ وكلمك تكليما دون وسيط من خلقه؟ قال: نعم. قال: أنت الذى أعطاك التوراة، وكتب
لك الألواح بيده؟ وعلمك حتى ظننت أنك أعلم أهل الأرض؟ كيف خفى عليك أن كل شىء مخلوق
بقدر؟ لقد قتلت نفسا بغير حق، ففتنك اللّه فتونا، فلبثت سنين فى أهل مدين؟ ثم جئت على قدريا
موسى؟ كيف تلومنى على أمر قدره الله علىّ قبل أن يخلقنى بأربعين سنة؟ وقال لملائكته: ﴿إِنّ
جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً ﴾ [البقرة: ٣٠] أنا لم أخرجكم من الجنة، لقد أكلت من الشجرة، وتاب الله
علىّ، وكان يمكن أن نبقى فى الجنة، لكنه جل شأنه، نفذ قضاءه وقدره، فهبطنا إلى الأرض، ولولا ذلك
ما كان هناك كفار، وما اصطفاك الله، وما كنت رسولا. تأدب يا موسى، فأنا أبوك.
وغلب آدم موسى. وأسكت آدم موسى، وعاد بينهما التعاطف والرضا، صلى الله
عليهما وسلم.
١٧٠

المباحث العربية
( احتج آدم وموسى) بفتح التاء، وتشديد الجيم، يقال: احتج بمعنى أقام الحجة، أى أقام
كل منهما الحجة على الآخر، مستنكراً فعله، وفى الرواية الثانية ((تحاج آدم وموسى)) بتشديد الجيم
ومعناه تجادل، وأصله تحاجج، بجيمين مفتوحتين، وفى رواية للبخارى فى تفسير سورة طه ((حاج
موسى آدم)) بالجيم المشددة، يقال: حاجّه محاجَّة وحجاجا، جادله، وفى القرآن الكريم ﴿أَلَّمْ تَرَ إِلَى
الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ [البقرة: ٢٥٨].
وأما معنى قوله فى آخر الحديث ((فحج آدم موسى. فحج آدم موسى)) برفع ((آدم)) على الفاعلية،
فمعناه غلبه بالحجة، قال الحافظ ابن حجر: واتفق الرواة والنقلة والشراح على أن ((آدم)) بالرفع وهو
الفاعل، وشذ بعض الناس، فقرأه بالنصب، على أنه المفعول، و)) موسى)» فى محل الرفع فاعل، وهو
محجوج بالاتفاق قبله، وقد أخرجه أحمد بلفظ ((فحجه آدم)) وهذا يرفع الإشكال، ورواته أئمة
حفاظ.اهـ
وقد جاء فى رواية أيوب بن النجار ويحيى بن كثير ((حج آدم وموسى)) بدل ((احتج آدم وموسى))
وشرحها الطيبى بقوله: معناه غلبه بالحجة. اهـ وهو غير سليم، لوجود الواو بينهما، بل معنى هذه
الرواية: قدم آدم وموسى، فهى كرواية محمد بن سيرين ((التقى آدم وموسى)).
وفى مكان هذا الاحتجاج، وزمانه، وكيفيته أقوال لا تخلو من نظر، فزعم بعض الشيوخ أن هذه
المحاجة ستقع يوم القيامة، والتعبير بالماضى لتحقق الوقوع، واستند إلى رواية أحمد ولفظها ((احتج
آدم وموسى عند ربهما » وعليها بوب البخارى للحديث بقوله: باب تحاج آدم وموسى عند اللَّه.
قال الحافظ ابن حجر: ليس قول البخارى ((عند اللَّه)) صريحاً فى أن ذلك يقع يوم القيامة، فإن
العندية عندية اختصاص وتشريف، لا عندية مكان، فيحتمل وقوع ذلك فى كل من الدارين، وقد وردت
العندية فى القيامة بقوله تعالى ﴿فِي مَفْعَدٍ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرِ﴾ [القمر: ٥٥] ووقعت فى الدنيا،
فى قوله صلى الله عليه وسلم: ((أبيت عند ربى، يطعمنى ويسقينى)). اهـ كما يستدل لهذا القول بما
وقع فى حديث عمر، وأنهما حين يلتقيان فى الموقف، يقول موسى: أنت آدم، يقول له: من أنت؟
يقول: أنا موسى. فيقول: نبى بنى إسرائيل؟ فيقول: نعم.
القول الثاني: أنه وقع فى الدنيا، فى حياة موسى، فعند أبى داود ((قال موسى: يارب أرنى
آدم ... ))، فأحيا اللَّه له آدم، معجزة له، وكلمه، وتحاجا.
القول الثالث: كالقول الثاني، لكن كشف الله لموسى عن قبرآدم، فتحدثا.
القول الرابع: كالقول الثانى، لكن أراه الله روحه، كما أرى نبينا®، ليلة المعراج، أرواح الأنبياء.
فتحدثا.
١٧١

القول الخامس: كالقول الثانى، لكن أراه الله له فى المنام، فتحدثا، ورؤيا الأنبياء وحى.
القول السادس: أن ذلك وقع فى البرزخ، أول ما مات موسى، فالتقت أرواحهما فى السماء، وبذلك
جزم ابن عبد البر والقابسى.
القول السابع: أن ذلك ضرب مثل، والمعنى: لو اجتمعا لقالا ذلك. قاله ابن الجوزى، وقال: وخص
موسى بالذكر، لكونه أول نبى بعث بالتكاليف الشديدة.
وأقرب هذه الأقوال للقبول الأول والخامس والسادس والسابع، والعلم عند اللَّه.
قال ابن الجوزى: وهذا مما يجب الإيمان به، لثبوته عن خبر الصادق، وإن لم يطلع على كيفية
الحال، وليس هو بأول ما يجب علينا الإيمان به، وإن لم نقف على حقيقة معناه، كعذاب القبر
ونعيمه، ومتى ضاقت الحيل فى كشف المشكلات، لم يبق إلا التسليم. وقال ابن عبد البر: مثل هذا
عندى يجب فيه التسليم، ولا يوقف فيه على التحقق، لأنا لم نؤت عن جنس هذا العلم إلا قليلا.
( فقال موسى: يا آدم، أنت أبونا، خيبتنا، وأخرجتنا من الجنة ) فى الرواية الثانية
((أنت آدم الذى أغويت الناس؟ وأخرجتهم من الجنة)) أى الذى كنت سببا فى تعرض الناس
للغواية؟ وكنت سببا فى سكناهم الأرض، بدل الجنة؟ وفى الرواية الثالثة ((أنت آدم؟ الذى خلقك
اللَّه بيده؟ ونفخ فيك من روحه؟ وأسجد لك ملائكته؟ وأسكنك فى جنته؟ ثم أهبطت الناس
بخطيئتك إلى الأرض))؟ وفى الرواية الرابعة ((أنت آدم الذى أخرجتك خطيئتك من الجنة))؟ وفى
رواية ((أنت الذى أشقيت الناس))؟ وعند أحمد ((أنت الذى أدخلت ذريتك النار))؟ وفى رواية ((ياآدم.
خلقك اللَّه بيده، ثم نفخ فيك من روحه، ثم قال لك: كن فكنت، ثم أمر الملائكة، فسجدوا لك، ثم قال
لك ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَرَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ ﴾ [البقرة: ٣٥]
فنهاك عن شجرة واحدة، فعصيت)) زاد فى رواية ((وأكلت منها)) وفى رواية ((أنت آدم؟ قال: نعم.
قال: أنت الذى نفخ الله فيك من روحه؟ وعلمك الأسماء كلها؟ وأمر الملائكة فسجدوا لك؟ قال: نعم.
قال: فلم أخرجتنا ونفسك من الجنة))؟ وفى رواية «فوالله لولا ما فعلت ما دخل أحد من ذريتك
النار».
قال الحافظ ابن حجر: وهذا يشعر بأن جميع ما ذكر فى هذه الروايات محفوظ، وأن بعض الرواة
حفظ ما لم يحفظ الآخر.
ومعنى («خيبتنا)» أوقعتنا فى الخيبة، وهى الحرمان والخسران، يقال: خاب يخيب ويخوب، أى
كنت سبب خيبتنا وإغوائنا بالخطيئة، التى ترتب عليها إخراجك من الجنة، ثم تعرضنا نحن لإغواء
الشياطين، والغى الانهماك فى الشر، والاستفهام فى الروايات كلها للتقرير.
( فقال له آدم: أنت موسى؟ اصطفاك اللَّه بكلامه؟ وخط لك بيده؟ ) فى الرواية
الثانية ((أنت الذى أعطاه اللَّه علم كل شىء؟ واصطفاه على الناس برسالته؟ قال: نعم)) وفى الرواية
١٧٢

الثالثة «أنت موسى الذى اصطفاك الله برسالته؟ وبكلامه؟ وأعطاك الألواح، فيها تبيان كل شىء؟
وقربك نجيا؟)) وفى رواية ابن سيرين ((اصطفاك الله برسالته؟ واصطفاك لنفسه؟ وأنزل عليك
التوراة)»؟ وفى رواية ((أنت الذى كلمك الله من وراء حجاب؟ ولم يجعل بينك وبينه رسولا من خلقه؟
قال: نعم)».
وفى هذا كله مدح لموسى، لكن فيه تعريضا بالذم، أى إذا كنت بهذه المنزلة، كيف يخفى عليك
أنه لا محيد من القدر، أو تعريضاً بفضل ما أنكره موسى، وكأنه يقول: لولم يقع إخراجى الذى ترتب
على أكلى من الشجرة، ما حصلت لك هذه المناقب، لأنى لو بقيت فى الجنة، واستمر نسلى فيها، ما
وجد من يجاهر بالكفر الشنيع، كما جاهر فرعون، وما أرسلت أنت، وما أعطيت ما أعطيت، فإذا
كنت أنا السبب فى حصول هذه الفضائل لك، فكيف يسوغ لك أن تلومنى؟.
( أتلومنى على أمر قدره اللَّه على، قبل أن يخلقنى بأربعين سنة؟ ) فى الرواية الثانية
((فتلومنى على أمر قدر على، قبل أن أخلق))؟ وفى الرواية الثالثة ((فبكم وجدت اللَّه كتب التوراة قبل
أن أخلق؟ قال موسى: بأربعين عاما. قال آدم: فهل وجدت فيها: وعصى آدم ربه فغوى؟ قال: نعم.
قال: أفتلومنى على أن عملت عملا كتبه الله علىّ أن أعمله؟ قبل أن يخلقنى بأربعين سنة؟)) وعند
أحمد ((فهل وجدت فيها - أى فى الألواح أو التوراة - أنى أهبط))؟ وفى رواية ((أفليس تجد فيما أنزل
الله عليك أنه سيخرجنى منها، قبل أن يدخلنيها؟ قال: بلى)) وفى رواية ((فلم تلومنى على شىء سبق
من اللّه تعالى فيه القضاء)»؟ وفى رواية ((أتلومنى على أمر قدره على، قبل أن يخلق السموات
والأرض)» قال الحافظ: والجمع بينه وبين الرواية المقيدة بأربعين سنة، حملها على ما يتعلق
بالكتابة، وحمل الأخرى على ما يتعلق بالعلم .. .
وقال ابن التين: يحتمل أن يكون المراد بالأربعين سنة، ما بين قوله تعالى ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي
الأَرْض خَلِيفَةً﴾ إلى نفخ الروح فى آدم، وأجاب غيره بأن ابتداء المدة وقت الكتابة فى الألواح،
وآخرها ابتداء خلق آدم، وقال ابن الجوزى: المعلومات كلها قد أحاط بها علم اللَّه القديم، قبل وجود
المخلوقات كلها، ولكن كتابتها وقعت فى أوقات متفاوتة، وقد ثبت فى صحيح مسلم ((أن اللَّه قدر
المقادير، قبل أن يخلق السموات والأرض، بخمسين ألف سنة)» فيجوز أن تكون قصة آدم بخصوصها
كتبت قبل خلقه بأربعين سنة، ويجوز أن يكون ذلك القدر مدة لبثه طيناً، إلى أن نفخت فيه الروح،
فقد ثبت فى صحيح مسلم أن بين تصويره طيناً، ونفخ الروح فيه، كان مدة أربعين سنة، ولا يخالف
ذلك كتابة المقادير عموماً قبل خلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة.
وقال المازري: الأظهر أن المراد أنه كتبه قبل خلق آدم بأربعين عاماً، ويحتمل أن يكون المراد
أظهره للملائكة، أو فعل فعلا ما، أضاف إليه هذا التاريخ، وإلا فمشيئة اللَّه وتقديره قديم، وقال النووى:
المراد بتقديرها كتبه فى اللوح المحفوظ، أو فى التوراة، أو فى الألواح، ولا يجوز أن يراد به أصل
القدر، لأنه أزلى. والله أعلم.
١.٧٣

( فحج آدم موسى. فحج آدم موسى ) كررت الجملة مرتين، فى الرواية الأولى، ولم تكرر فى
الثالثة ولا فى الرابعة، وفى رواية للبخارى ((فحج آدم موسى. فحج آدم موسى. ثلاثاً)) وفى رواية
((فاحتجا إلى اللَّه، فحج آدم موسى. قالها ثلاث مرات)) وفى رواية ((لقد حج آدم موسى. لقد حج آدم
موسى. لقد حج آدم موسى)) وفى رواية ((فخصم آدم موسى. فخصم آدم موسی)».
( كتب الله مقادير الخلائق، قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة )
قال العلماء: المراد تحديد وقت الكتابة فى اللوح المحفوظ، أو غيره، لا أصل التقدير، فإن ذلك أزلى، لا
أول له.
( وعرشه على الماء ) أى قبل خلق السموات والأرض.
فقه الحديث
مشكلة الحديث: هل لأحد أن يلوم من عصى على معصيته؟ وخصوصاً إذا أصابه منها أذى
ومتاعب؟ إن كان الجواب بنعم كما هو ظاهر شريعتنا، فموسى محق، وحجته قوية غالبة، فكيف عد
فى الحديث مهزوما محجوجاً مغلوبا؟ وهل لمن عصى أن يعتذر عن معصيته بالقدر؟ وبأنه سبق عليه
القضاء؟ وهو مكتوب عليه.
إن كان الجواب بلا - كما هو ظاهر شريعتنا- فلم عد آدم غالباً؟ وعدت حجته قوية؟.
وإن كان الجواب: ليس لأحد أن يلوم العاصى على معصيته، وللعاصى أن يعتذر عن معصيته
بجريان القلم، كنا مع الجبرية، الذين يقولون: إن معنى سبق القضاء والقدر يستلزم الجبر، وقهر
العبد، والمجبور لا يلام. فالجبرية يتمسكون بموقف آدم، وحجته التى احتج بها، والتى صدقه رسول
اللَّه ◌َ﴿ فيها، وأقره عليها، وشهد له بأنه غلب خصمه بها.
والمعتزلة الذين يقولون: إن العبد يخلق أفعاله الاختيارية، وهو مسئول عنها مسئولية كاملة،
إرادة واختياراً ونزوعا وحركة وفعلاً وإنجازاً - وإن وافقهم موقف موسى، لكنه موقف مهزوم، وحجة
مردودة مغلوبة، فلا يستدل بها - يرون أن حجة آدم مرفوضة رفضاً قاطعاً، لأنه لوساغ الاعتذار عن
المعصية السابقة بالقدر لانسد باب القصاص والحدود، ولاحتج به كل أحد، على ما يرتكبه من
الفواحش، والإفساد فى الأرض، وهذا يفضى إلى لوازم قطعية، مرفوضة عقلا وشرعاً.
وعلى هذا الأساس يردون الحديث، ويقولون عنه: حديث لا أصل له.
وأهل السنة يقفون بين الجبرية، وبين المعتزلة، فى هذه القضية، وموقفهم حرج دقيق، وهم
يميلون نحو الجبرية، لكنهم يلتمسون للمسئولية خيطا كخيط العنكبوت، فبعضهم يرى أن الحجة
والمسئولية تقع على القصد والتعمد والاختيار، وأما الفعل فهوللَّه، فإن قيل لهم: القصد والتعمد
والاختيار فعل من أفعال النفس الاختيارية، فجعله للعبد، وجعل النزوع والحركة لقدرة اللَّه تحكم؟ إن
قيل لهم ذلك، قالوا: ﴿ لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣].
١٧٤

وبعضهم يرى أن الحجة والمسئولية تقع على الكسب الذى هو مقارنة قدرة العبد لقدرة الرب حين
الفعل، ودون تأثير لها، فإن قيل لهم: كيف تقع المسئولية من غير تأثير؟ قالوا: ﴿ لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ
وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] وأهل السنة أمام حديثنا يحاولون تبرير حجة آدم وتقويتها، وتضعيف
موقف موسی وحجته.
فالخطابى يقول: اللوم من قبل موسى ساقط، إذ ليس لأحد أن يعير أحداً بذنب كان منه، لأن
الخلق كلهم تحت العبودية سواء، وإنما يتجه اللوم من قبل الله سبحانه وتعالى، الذى نهاه، فباشر
مانهاه عنه، ولم يقع من آدم إنكار لما صدر منه، بل عارضه بأمر دفع به عنه اللوم. اهـ
ومعنى هذا أن آدم لم يعتذر عن معصيته بالقدر، وإنما دفع اللوم من اللائم بأنه ليس من حقه أن
يلوم، بل عليه أن يسلم بالقدر الغالب لكل البشر، فقد غلب القدر موسى، فقتل نفساً لم يؤمر بقتلها.
وللمعترض على هذا التوجيه أن يقول: إذا كان اللَّه هو الذى يوجه اللوم، فلم لا يباشره من تلقى
عن اللَّه، من الرسل؟ ولم لا يباشره من تلقى عن رسله؟ ممن يحملون أمر تبليغ شريعتهم؟.
والحافظ ابن حجر: يرى أن آدم لم يعتذر عن المعصية بالقدر - أى لم يعتذر عن الأكل من
الشجرة بالقدر - إذ محصل لوم موسى إنما هو على الإخراج، فكأنه قال: أنا لم أخرجكم، وإنما
أخرجكم الذى رتب الإخراج على الأكل من الشجرة، وقدره هو الذى رتب ذلك قبل أن أخلق، فكيف
تلومنى على أمرليس لى فيه نسبة؟ والإخراج ليس من فعلى. اهـ ومحصل هذا أن موسى لام آدم على
أشياء ليست من كسبه، فلا حق له فى اللوم.
وقد سبق إلى هذا القول الداوودى فيما نقله ابن التين، حيث قال: إنما قامت حجة آدم، لأن اللَّه
خلقه، ليجعله فى الأرض خليفة، فلم يحتج آدم فى أكله من الشجرة بسابق العلم، لأنه كان عن
اختيار منه، وإنما احتج بالقدر لخروجه، لأنه لم يكن بد من ذلك.
. وحكى القرطبى وغيره: أن آدم أب، وموسى ابن، وليس للابن أن يلوم أباه. وهذا القول بعيد، لأنه
لا يعتذر الأب عن المعصية للابن بالقدر، ثم هو ليس على عمومه، فقد يجوز للابن أن يلوم أباه فى عدة
مواطن.
وقيل: إنما غلبه آدم، لأنهما فى شريعتين متغايرتين، فقد تسمح شريعة آدم بالاحتجاج بسابق
القدر، ولا تسمح شريعة موسى أن يحتج به وتسمح أن يتوجه اللوم على المخالف به، وتعقب بأنها
دعوى لا دليل عليها.
وقال ابن حجر أيضا: إن الذى فعله آدم اجتمع فيه القدر والكسب، والتوبة تمحو أثر الكسب، وقد
كان تاب الله عليه، فلم يبق إلا القدر، والقدر لا يتوجه عليه لوم، لأنه فعل اللَّه، ولا يسأل عما يفعل.
وقد سبقه إلى ذلك ابن عبد البر، حيث قال: هذا عندى مخصوص بآدم، لأن المناظرة بينهما
وقعت بعد أن تاب اللَّه على آدم قطعاً، كما قال تعالى ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابٌ عَلَيْهِ﴾
[البقرة: ٣٧] فحسن من آدم أن ينكر على موسى لومه على الأكل من الشجرة، لأنه كان قد تيب عليه
١٧٥

من ذلك - ومن ثبت أن اللَّه قد تاب عليه، سقط عنه اللوم، وقد ثبت النهى عن لعن من أقيم عليه
الحد، وقبلت توبته.
أما من فعل معصية، فقتل أوزنا أو سرق، فلا يجوز أن يقال لمن لامه: لا تلمه، فقد سبق هذا فى
علم الله وقدره، قبل أن يخلقه، لا يجوز إنكار لومه، فإن الأمة أجمعت على جوازلوم من وقع منه ذلك،
بل على استحباب ذلك، كما أجمعوا على استحباب محمدة من واظب على الطاعة. قاله ابن عبد
البر.
وقال ابن حجر: إنما توجهت الحجة لآدم، لأن موسى لامه بعد أن مات، واللوم إنما يتوجه على
المكلف ما دام فى دار التكليف، فإن الأحكام حينئذ جارية عليهم، فيلام العاصى، ويقام عليه الحد
والقصاص وغير ذلك، وأما بعد أن يموت فلا، فقد ثبت النهى عن سب الأموات ((ولا تذكروا موتاكم إلا
بخير)» لأن مرجع أمرهم إلى الله، وإذا كان كذلك، فلوم موسى لآدم، بعد انتقاله عن دار التكليف
مردود.
وحاصل هذا أن غلبة آدم لموسى فى إنكاره اللوم، لا فى اعتذار آدم عن المعصية بالقدر.
قال الحافظ ابن حجر: وبالجملة فأصح الأجوبة سقوط اللوم بالتوبة أو الموت، ولا تنافى بينهما،
فيمكن أن يمتزج منهما جواب واحد، وهو أن التائب لا يلام على ما تيب عليه منه، ولا سيما إذا
انتقل عن دار التكليف قال: وقد سلك النووى هذا المسلك.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- من قوله ((خيبتنا)» إلخ جواز إطلاق الشىء على سببه.
٢- قال النووى: وفيه ذكر الجنة، وأنها موجودة من قبل آدم، وهذا مذهب أهل الحق.
وقال القاضى عياض: فيه حجة لأهل السنة فى أن الجنة التى أخرج منها آدم، هى جنة
الخلد، التى وعد المتقون، ويدخلونها فى الآخرة، خلافا لمن قال - من المعتزلة وغيرهم - إنها
جنة أخرى، ومنهم من زعم أنها كانت فى الأرض.
٣- ومن قوله فى الرواية الثانية ((أنت الذى أعطاك الله علم كل شىء)) إطلاق العموم، وإرادة
الخصوص، إذ المراد به علم كل شىء يتعلق بكتابه، وليس المراد عمومه، لأنه ثبت علم الخضر بما
لا يعلمه موسی.
٤- وفيه مشروعية الحجج فى المناظرة، لإظهار الحق.
٥- وإباحة التوبيخ والتعريض فى أثناء الحجاج، ليتوصل إلى ظهور الحجة.
٦- وفيه مناظرة العالم من هو أكبر منه، والابن أباه، ومحل مشروعية ذلك إذا كان لإظهار الحق، أو
الازدياد من العلم، والوقوف على حقائق الأمور.
١٧٦

٧- وفيه أنه يغتفر للشخص فى بعض الأحوال، مالا يغتفر له فى بعضها، كحالة الغضب والأسف،
وخصوصاً ممن طبع على حدة الخلق، وشدة الغضب، فإن موسى عليه السلام، لما غلبت عليه
حالة الغضب والإنكار فى المناظرة خاطب آدم - مع كونه والده - باسمه، مجرداً، وخاطبه بأشياء
لم يكن ليخاطب بها فى غير تلك الحالة، ومع ذلك فأقره على ذلك، وعدل إلى معارضته فيما أبداه
من الحجة فى دفع شبهته.
واللَّه أعلم
١٧٧

(٧٣١) باب تصريف الله القلوب كيف شاء
٥٨٧٠ - -١٣ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا(١٧) قَالَ: أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ
اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: «إِنَّ قُلُوبَ بَيِي آدَمَ كُلُّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنٍ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ. كَقَلْبٍ وَاحِدٍ.
يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ه: «اللَّهُمَّا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ! صَرِّفْ قُلُوبَنًا عَلَى
طَاعَتِكَ».
المعنى العام
قد يظن الإنسان أنه يفعل ما يريد، ويختار ما يشاء، وهذا الإحساس منه من قبيل الشكل، لا
الحقيقة، فإن آلة الاختيار - وهى العقل - بيد الرحمن جل شأنه، يديرها كيف شاء، ويحركها نحو ما
يريد، وهو الذى يلهمها فجورها وتقواها. فالله سبحانه وتعالى هو المتصرف فى قلوب العباد، ولا
يفوته ما أراد، كما لا يمتنع على الإنسان ما كان بين إصبعيه.
فكل شىء بقدر الله حتى القلوب، كما يقول جل شأنه ﴿ وَنَقَلَّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾.
[الأنعام: ١١٠].
المباحث العربية
( إن قلوب بنى آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه
حيث يشاء ) القلب كعضلة جزء من البدن معروف، قال أبو بكر بن العربى: خلقه اللَّه وجعله
للإنسان محل العلم والكلام وغير ذلك من الصفات الباطنة، وجعل ظاهر البدن محل التصرفات
الفعلية والقولية.اهـ
والتحقيق أن المراد بالقلوب التى هى محل العلم، والإدراك والفهم والذاكرة المخ الذى فى الرأس،
والقلب يطلق على الجزء الداخلى مطلقاً، لكن الكلام فى مثل قوله تعالى ﴿فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأَبْصَارُ
وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ [الحج: ٤٦] الكلام فى مثل هذا جرى على قدر أفهام
المخاطبين، ويمكن حمله على السبب، فقلب الإنسان الذى هو العضلة المعروفة سبب فى ضخ الدم
إلى المخ، آلة التعقل، وبوقف الدم عن المخ يموت العقل والتفكير، فالقلب سبب الحياة كلها.
(١٧) حَدَّثَِّي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ لُمَّيْرِ كِلاهُمَا عَنِ الْمُفْرِئِ قَالَ زُهَيْرٌ حَدْلَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْمُقْرِئُ قَالَ حَدََّا حَيْوَةُ أَخْبَرَبِي
أَبُو هَانِيّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبًا عَبْدِ الرَّحمَنِ الْحُبُلِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولٌ
١٧٨

وتصريف القلوب توجيه أحوالها وأغراضها، وتحويلها من رأى إلى رأى، وفى الكلام استعارة
حسنة، بتشبيه تمكن اللّه من تصريف القلوب بتمكن من يقبض على الشىء بأصابعه، فخاطب
العرب بما يفهمونه، ومثله بالمعانى الحسية، تأكيداً له فى نفوسهم.
( اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك ) وفى رواية ((اللهم يا مقلب القلوب،
ثبت قلبي على دينك ».
فقه الحديث
قال النووى: هذا من أحاديث الصفات، وفيها القولان السابقان، أحدهما الإيمان بها من غير
تعرض لتأويل، ولا لمعرفة المعنى، بل يؤمن بأنها حق، وأن ظاهرها غير مراد، قال تعالى ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ
شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].
والثانى: يتأول حسب ما يليق بها، فعلى هذا، المراد المجاز، كما يقال: فلان فى قبضتى، وفى
كفى، لا يراد به أنه حال فى كفه، بل المراد تحت قدرتى، ويقال: فلان بين إصبعى، أقلبه كيف
شئت، أى إنه منى على قهر، أتصرف فيه كيف أشاء. اهـ
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- أن أعراض القلوب من إرادة وغيرها تقع بخلق الله تعالى.
٢- وفيه حجة لمن أجاز تسمية الله تعالى بما ثبت فى الخبر، ولولم يتواتر.
٣- وجواز اشتقاق اسم اللَّه تعالى من الفعل الثابت.
٤- وقال البيضاوى: فيه إشعار بأن اللَّه يتولى قلوب عباده، ولا يكلها إلى أحد من خلقه.
٥- وفى دعائه صلى الله عليه وسلم بذلك إشارة إلى شمول ذلك للعباد، حتى الأنبياء، ورفع توهم من
يتوهم أنهم يستثنون من ذلك، وخص نفسه بالذكر إعلاما بأن نفسه الزكية، إذا كانت مفتقرة إلى
أن تلجأ إلى الله سبحانه، فافتقار غيرها، ممن هو دونه أحق بذلك.
والله أعلم
١٧٩

(٧٣٢) باب كل شىء بقدر
٥٨٧١ - -ثُ عَنْ طَاوُسٍ(١٨)؛ أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِل ◌ِ﴿ يَقُولُونَ:
كُلُّ شَيْءٍ بِقَدَرٍ. قَالَ: وَسَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ: ﴿: «كُلُّ شَيْءٍ
بِقَدَرٍ حَتَّى الْعَجْزِ وَالْكَيْسِ. أَوِ الْكَيْسِ وَالْعَجْزِ».
٥٨٧٢- ١٢٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٩) قَالَ: جَاءً مُشْرِكُوْ قُرَيْشٍ يُخَاصِمُونَ رَسُولَ اللّهِعِ لِ فِي
الْقَدَرِ. فَنَزَلَتْ: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ
بِقَدَرٍ ﴾ [القمر: ٤٨، ٤٩].
المعنى العام
يراجع المعنى العام فى الأبواب السابقة واللاحقة.
المباحث العربية
( كل شىء بقدر) بفتح القاف والدال، قال النووى: المراد بالقدر هنا القدر المعروف، وهو ما
قدره الله وقضاه، وسبق به علمه وإرادته. اهـ
وقال الراغب: القدر بوضعه يدل على القدرة، وعلى المقدور الكائن بالعلم، ويتضمن الإرادة عقلا،
والقول نقلا، وحاصله وجود شىء فى وقت، وعلى حال، يوافق العلم والإرادة والقول، وقدر اللَّه الشىء
بتشديد الدال، قضاه، ويجوز تخفيفها.
وقال ابن القطاع: قدر اللَّه الشىء، جعله بقدر، وقدر الله الرزق صنعه، وقدر على الشىء ملكه.
وقال الكرمانى: المراد بالقدر حكم اللَّه.
ويفرق العلماء بين القضاء والقدر بأن القضاء هو الحكم الكلى الإجمالى فى الأزل، والقدر جزئيات
ذلك الحكم وتفاصيله.
(١٨) حَدَّتِي عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ حِ وحَدْقَا قُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ فِيمَا قُرِيعٌ عَلَيْهِ عَنْ زِيَادٍ بْنِ
سَعْدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسِ
(١٩) حَدَّثََّا أَبُو بَكّرِ بْنَّ أَبِي ◌ُنْبَةً وَأَبُو ◌َكَّرَّيْبٍ قَالَا حَدْفَا وَكِيعٌ عَنْ سُفْيَانٌ عَنْ زِيَادِ ابْنٍ إِسْمَعِيلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادِ بْنِ جَعْفَرٍ
الْمَخْزُومِيِّ عَنْ أَبِي فَرَيْرَةَ
١٨٠