النص المفهرس

صفحات 81-100

٥٧٦١- ١١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾ (٩١) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ يَقُولُ: «اللَّهُمَّا إِنَّمَا مُحَمَّدٌ
بَشَرٌ. يَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ، وَإِنِّي قَدِ اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَتِيهِ. فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ
آذَيْتُهُ، أَوْ سَبَيْتُهُ، أَوْ جَلَذْتُهُ. فَاجْعَلْهَا لَهُ كَفْارَةٌ، وَقُرْبَةٌ، تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
٥٧٦٢ - ١٢ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَّ ◌َ﴾ (٩٢)، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللّهِلَ﴿ يَقُولُ: «اللَّهُمَّا فَأَيُّمَا عَبْدٍ
مُؤْمِنٍ سَبْتُهُ فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةٌ إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
٥٧٦٣- ٩٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٩٣) أَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ :﴿ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ إِنِّي
اتَّخَذْتُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَتِهِ، فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْتُ، أَوْ جَلَدْتُهُ. فَاجْعَلْ ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لَهُ، يَوْمَ
الْقِيَامَةِ».
٥٧٦٤- ٤ُمْ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا(٩٤) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِعَلِ
يَقُولُ: ((إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ. وَإِنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ، أَيُّ عَبْدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَيْتُهُ أَوْ
شَعَمْتُهُ، أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَّهُ زَكَاةً وَأَجْرًا».
٥٧٦٥- ٩٥٠ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(٩٥) قَالَ: كَانَتْ عِنْدَ أُمِّ سُلَيْمِ يِمَةٌ. وَهِيَ أُمُّ أَنَسٍ. فَرَأَى
رَسُولُ اللَّهِ ﴿ الْيَتِيمَةَ. فَقَالَ: «أَنْتِ هِيّهُ؟ لَقَدْ كَبِرْتٍ، لا كَبِرَ سِنُّكٍ» فَرَجَعَتِ الْيَتِيمَةُ إِلَى أُمِّ
سُلَيْمٍ تَبْكِي. فَقَالَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ: مَا لَكِ؟ يَا بُنَّةُ: قَالَتِ الْجَارِيَّةُ: دَعَا عَلَيَّ ◌َبِيُّ اللَّهِو ◌َ أَنْ لا
يَكْبَرَ سِنِّي. فَالآنَ لا يَكْبَرُ سِنِّي أَبَدًا. أَوْ قَالَتْ قَرْئِيٍ. فَخَرَجَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ مُسْتَعْجِلَةٌ تَلُوثُ
خِمَارَهَا. حَتَّى لَقِيَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِفَ﴿ِ: «هَا لَكِ؟ يَا أُمَّ سُلَيْمٍ!»
فَقَالَتْ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! أَدَعَوْتَ عَلَى يَتِيمَتِي؟ قَالَ: «وَمَا ذَاكِ؟ يَا أُمَّ سُلَيْمِ؟» قَالَتْ: زَعَمَتْ أَنْكَ
دَعَوْتَ أَنْ لا يَكْبَرَ سِنُّهَا وَلا يَكْبَرَ قَرْنُهَا، قَالَ: فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ﴿َ ثُمَّ قَالَ: «يَا أُمَّ سُلَيْمِ!
أَمَا تَعْلَمِينَ أَنَّ شَرْطِي عَلَى رَبِّيٍ، أَنِّي اشْتَرَطْتُ عَلَى رَبِّي فَقُلْتُ: إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ. أَرْضَى كَمَا
(٩١) حَدَّثَنَا قْتَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ سَالِمِ مَوْلَى النَّصْرِئِينَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ
(٩٢) حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَبِي يُونُسُِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبُرَنِيَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٩٣) حَدََّتِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثْنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدْفَنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمَّهِ حَدَّلْيِي
سَعِيدُ بْنُ الْمُسْيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٩٤) حَدَّتِي هَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالا حَدََّا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبُرَنِي أَبُو الزُّبِيْرِ أَنَّهُ سَمِعْ
جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ
- "حّدْقَِيهِ ابْنُ أَبِي خَلَفٍ حَدَّثَنَا رَوْحٌ حِ وحَدْقَاهِ عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ حَدْفَنَا أَبُو عَاصِمٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ
(٩٥) حَدَِّي زُهَيْرُ بَّنْ حَرْبٍ وَأَبُو مَعْنِ الرَّفَاشِيُّ وَاللّفْظُ لِزُهَيْرٍ فَالا حَدََّ عُمَرُ بْنُ يُونْسَ حَدََّنَا حِكْرِمَّةُ بْنُ غُمَّارٍ حَدَّثَنَا إِسْحَقُ بْنُ
أَبِي طَلْحَةٌ حَدْفِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ .
٨١

يَرْضَى الْبَشَرُ. وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُّ الْبَشَرُ. فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْتُ عَلَيْهِ، مِنْ أُمَّتِي، بِدَغْوَةٍ لَيْسَ
لَهَا بِأَهْلٍ، أَنْ يَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةٌ يُقَرِّبُّهُ بِهَا مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» وقَالَ أَبُو مَعْنٍ: يُنِّمَةٌ.
بِالْتَصْغِيرِ، فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلاثَةِ مِنَ الْحَدِيثِ.
٥٧٦٦- ١٦° عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا(٩٦) قَالَ: كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الصِّنْيَانِ. فَجَاءَ رَسُولُ
اللَّهِ ﴿ فَتَوَارَيْتُ خَلْفَ بَابٍ. قَالَ: فَجَاءَ فَحَطَأَنِي حَطْأَةٌ. وَقَالَ: «اذْهَبْ وَادْعُ لِي مُعَاوِيَّةَ»
قَالَ: فَجِئْتُ فَقُلْتُ: هُوَ يَأْكُلُ. قَالَ: ثُمَّ قَالَ لِيَّ: «اذْهَبْ فَادْعُ لِي مُعَاوِيَّةَ» قَالَ: فَجِئْتُ
فَقُلْتُ: هُوَ يَأْكُلُ. فَقَالَ: «لا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطَنَهُ» قَالَ ابْنُ الْمُثَنِّى: قُلْتُ لِأُمَيَّةَ: مَا حَطَأْنِي؟ قَالَ:
قَفَدَنِي قَفْدَةٌ.
٥٧٦٧ - ١٧ وَفِي رواية عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٩٧، قَالَ: كُنْتُ أَلْعَبُ مَعَ الصِّيَانِ.
فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ فَاخْتَبَأْتُ مِنْهُ. فَذَكَّرَ بِمِعْلِهِ.
المعنى العام
لما بينت الشريعة الإسلامية حرمة السب واللعن والدعاء على المسلمين، ولما كان بعض ذلك قد
وقع من النبى ، وجه صلى الله عليه وسلم هذا الذى وقع منه بأنه من خصائصه، وأن ربه سبحانه
وتعالى جعل هذا الذى يقع منه فى حق من لا يستحق رحمة ومغفرة وطهارة وأجرا.
وخفى هذا عن بعض المسلمين، حتى عن أقرب الناس إليه، عائشة رضى الله عنها، فسألته عن
بعض ما وقع منه، ففسره لها، ومن المقربات إليه أم سليم، أم أنس رضى الله عنهما، فسألته عما
سمعته من أمثال هذا، فوضح لها أن اللَّه وعد نبيه، أن يجعل ما يصدر منه من هذا رحمة ومغفرة.
صلى الله عليه وسلم.
المباحث العربية
(دخل على رسول اللَّه : رجلان، فكلماه بشيء، لا أدرى ما هو؟ فأغضباه، فلعنهما
وسبهما، فلما خرجا قلت ) لم أجد ما يحدد هذين الرجلين؟ ولعل إبهامها جرى على عادتهم فى
(٩٦) حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى الْعَنْزِيُّ حَ وَ حَدَّقَا ابْنُ بَشَارٍ وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَتِى قَالا حَدَّا أُمَّةُ بْنُ خَالِدٍ حَدَّنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي
حَمْزَةٌ الْقَصَّابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
(٩٧) حَدْثِي إِسْحَقُ بُنَّ مَنْصُورٍ أَخْبُوَنَا النّصْرُ بْنُ شُمَيْلٍ خَدَّثْنَا شُعْبَةُ أَخْبُرَنَا أَبُو حَمْرَةَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ يَقُولُ
٨٢

الستر على من أصاب شرا وخطأ، وفى ملحق الرواية ((فخلوا به - بفتح الواو على التثنية - فسبهما،
ولعنهما وأخرجهما)».
( قلت: يا رسول اللَّه، ما أصاب من الخير شيئا، ما أصابه هذان) أى من أراد الله له
شيئا من الخير، ما قابله هذان الرجلان، أى مقابلتهما ليست خيرا، وليس فيها خير.
( قال: وما ذاك؟ ) أى كيف عرفت هذا؟ أو لم قلت هذا؟
( قالت: قلت: لعنتهما وسببتهما. قال: أو ما علمت ما شرطت عليه ربى؟) أى
اعلمى ما طلبته من ربى، وما دعوت به، فأجاب دعائى، فكأنما وقع بينى وبين ربى شرط قبله ووافق
عليه.
( قلت: اللَّهم، إنما أنا بشر، فأى المسلمين لعنته أو سببته، فاجعله له زكاة وأجرا )
أى طهارة له من ذنب أذنبه، وأثبه على هذا ثوابا، تفضلا وكرما، وفى الرواية الثانية «فأيما رجل من
المسلمين، سببته، أو لعنته، أو جلدته، فاجعلها له زكاة ورحمة)) وفى ملحقها ((زكاة وأجرا)) وفى
الرواية الثالثة «فأى المؤمنين آذيته، شتمته، لعنته، جلدته، فاجعلها له صلاة، وزكاة، وقربة، تقربه بها
إليك يوم القيامة)). والصلاة من الله الرحمة. وفى ملحق الرواية ((أو جلده)) بتشديد الدال، إدغاما للتاء
فى الدال، قال الراوى: وهى لغة أبى هريرة، أى واللغة المشهورة ((جلدته)) قال النووي: ولغة أبى
هريرة جائزة.
وفى الرواية الرابعة ((اللهم، إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر))، وجه الشبه مطلق ..
الغضب، لا كميته، ولا سرعته ((وإنى قد اتخذت عندك عهدا، لن تخلفنيه، فأيما مؤمن، آذيته، أو
سببته، أو جلدته، فاجعلها له كفارة، وقربة تقربه بها إليك يوم القيامة)».
وفى الرواية السابعة ((إنما أنا بشر، وإنى اشترطت على ربى عز وجل: أى عبد من المسلمين
سببته، أو شتمته، أن يكون ذلك له زكاة وأجرا )».
وفى الرواية الثامنة ((إنما أنا بشر، أرضى كما يرضى البشر، وأغضب كما يغضب البشر، فأيما
أحد، دعوت عليه من أمتى بدعوة، ليس لها بأهل، أن يجعلها له طهورا، وزكاة، وقرية، يقربه بها منه
يوم القيامة)».
(كانت عند أم سليم يتيمة، وهى أم أنس) قوله ((وهى أم أنس)) يعنى أن أم
سليم هى أم أنس.
( فرأى رسول اللَّه :# اليتيمة) فى مرة من مرات دخوله على أم سليم، وكان يتردد عليها
كثيرا، ويقيل عندها، ولعله فى هذه المرة كان قد طال عهده برؤية اليتيمة، فبدت له أنها كبرت أكبر
مما كان يتوقع.
٨٣

(فقال: آنت هيه؟ لقد كبرت. لا كبر سنك) ((هيه)) بفتح الياء، قبل هاء
السكت الساكنة.
والاستفهام تعجبى. يقال: كبر فى السن، بفتح الباء، يكبر بضمها، زاد، والمصدر كبرا بفتح
الكاف وسكون الباء، وكبر الرجل، بكسر الباء، يكبر بفتحها، كبار بكسر الكاف وفتح الباء، طعن
فى السن، فهو كبير، وكبر يكبر بضم الباء فيهما كبرا بفتح الباء وكبرا بسكونها عظم وجسم: وما فى
روايتنا ضبط بكسر الباء، ودعا عليها أن لا يكبر سنها، فتظل صبية صغيرة، فغضبت وخافت، لأنها
تحب أن تصبح شابة عروسا.
( فرجعت اليتيمة إلى أم سليم تبكى، فقالت أم سليم: مالك يا بنية؟
قالت الجارية: دعا على نبى اللَّه * ألا يكبر سنى، فالآن لا يكبر سنى أبدا)
لأن دعاءه مستجاب.
( أوقالت: قرنى) أى قالت: لا يكبر سنى أبدا، أو قالت: لا يكبر قرنى أبدا. والقرن هنا
بسكون الراء هو نظراؤها فى العمر، قال القاضى: معناه لا يطول عمرها، لأنه إذا طال طال عمر قرنها،
وتعقبه النووى، بأنه لا يلزم من طول عمر أحد القرينين طول عمر الآخر، فقد يكون سنهما واحدا،
ويموت أحدهما قبل الآخر. اهـ
( فخرجت أم سليم، مستعجلة، تلوث خمارها ) أى تلف خمارها حول رأسها، وهى فى
الطريق متعجلة لقاء النبى *، قبل أن يخرج.
( فقال لها رسول اللَّه : مالك يا أم سليم؟) يبدو عليك الانزعاج والتعجل؟.
( فقالت: يا نبى اللَّه، أدعوت على يتيمتى؟ قال: وما ذاك يا أم سليم؟ ) أى بماذا
دعوت عليها؟.
( قالت: زعمت أنك دعوت ألا يكبر سنها، ولا يكبر قرنها. فضحك رسول اللَّه ◌ِ *)
لانزعاجها ويتيمتها من الدعاء، مع أنه لا ضرر فيه. ثم بين لها ما بينه وبين ربه خاصاً بدعائه على من
ليس بأهل له من أمته.
(عن ابن عباس - رضى الله عنهما - قال: كنت ألعب مع الصبيان ) لعل ذلك كان
فى أوائل الهجرة، لأنه ولد قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: بخمس.
(فتواريت خلف باب) حياء من رسول اللّه *، إذ كان يجلس معه، ويعجب بذكائه، ويدعو
له، فكيف يراه بهذه الحالة؟.
(قال: فجاء، فحطأنى حطأة) ((حطأنى)) بفتح الحاء وتشديد الطاء المفتوحة، بعدها
٨٤

همزة، أى ضربنى بيده، وبكفه المبسوطة، بين كتفى، وإنما فعل ذلك مع ابن عباس ملاطفة وتأنيسا،
وذكر المصدر ((حطأة)) وتنوينه على هذا للتقليل. وفسر الراوى ((حطأنى حطأة )) بقفدنى، قفدة.
يقال: حطأ به الأرض، يحطأ حطأ صرعه، وحطأ الرجل الرجل، إذا ضرب ظهره بيده مبسوطة.
ويقال: قفد فلانا بفتح القاف والفاء، إذا صفع قفاه بباطن كفه.
( اذهب، وادع لى معاوية بن أبى سفيان، وكان من كتاب الوحى.
( قال: فجئت، فقلت: هو يأكل ) فى الكلام طى، أى فذهبت إلى معاوية، فدعوته، فوعدنى
بالحضور، وهو يأكل، فجئت.
( ثم قال لى: اذهب، فادع لى معاوية ) التعبير بثم يدل على أن الطلب الثانى كان متراخيا
عن الإخبار بأنه يأكل، ولعل هذا هو السر فى الدعاء عليه بعد العودة.
(فقال: لا أشبع اللّه بطنه) وسيأتى توجيه هذا الدعاء فى فقه الحديث.
فقه الحديث
قال النووى: هذه الأحاديث مبينة لما كان عليه صلى الله عليه وسلم من الشفقة على أمته،
والاعتناء بمصالحهم، والاحتياط لهم، والرغبة فى كل ما ينفعهم.
ثم قال عن الرواية الثامنة، وفيها قيد ((بدعوة ليس لها بأهل)) قال: وهذه الرواية تبين المراد بباقى
الروايات المطلقة، وأنه إنما يكون دعاؤه عليه رحمة وكفارة، وزكاة ونحو ذلك، إذا لم يكن أهلا للدعاء
عليه، ولم يكن أهلا لسبه ولعنه، بأن كان مسلما، غير مرتكب الكبيرة ظاهرة، وإلا فقد دعا صلى الله
عليه وسلم على الكفار والمنافقين، ولم يكن ذلك لهم رحمة.
ثم أثار النووى إشكالا أثاره العلماء من قبله وهو: كيف يدعو على من ليس هو بأهل الدعاء عليه؟
وكيف يسب أو يلعن من ليس هو بأهل للسب واللعن؟.
وأجاب بجوابين: الأول: أن المراد ليس بأهل لذلك عند اللَّه تعالى، وفى باطن الأمر، ولكنه فى
الظاهر مستوجب له، فيظهر له صلى الله عليه وسلم استحقاقه لذلك بأمارة شرعية، ويكون فى باطن
الأمرليس أهلا لذلك، وهو صلى الله عليه وسلم، مأمور بالحكم بالظاهر، واللّه يتولى السرائر.
والثانى: أن ما وقع من سبه ودعائه ليس بمقصود، بل هو مما جرت به عادة العرب، فى وصل
كلامها بكلام لا يقصد، كقولهم: تربت يمينك.
وقال عن الرواية الثامنة والتاسعة: وفى هذا الحديث ((لا كبرت سنك)) وفى حديث معاوية ((لا
أشبع اللَّه بطنه)) ونحو ذلك، لا يقصدون بشيء من ذلك حقيقة الدعاء، فخاف صلى الله عليه وسلم أن
٨٥

يصادف شيء من ذلك إجابة، فسأل ربه - سبحانه وتعالى - ورغب إليه أن يجعل ذلك رحمة وكفارة
وقربة وطهورا وأجرا، وإنما كان يقع هذا منه فى النادر والشاذ من الأزمان، ولم يكن صلى اللّه عليه
وسلم فاحشا ولا متفحشا، ولا لعانا، ولا منتقما لنفسه.
ثم قال النووى: وقد فهم مسلم - رحمه الله - من حديث معاوية - أن معاوية لم يكن
مستحقا للدعاء عليه، فلهذا أدخله فى هذا الباب، وجعله غيره من مناقب معاوية، لأنه فى
الحقيقة يصير دعاء له.
ويؤخذ فوق ذلك من حديث معاوية
١ - جواز ترك الصبيان يلعبون، مما ليس بحرام.
٢- واعتماد الصبى فيما يرسل فيه، من دعاء إنسان، ونحوه من حمل هدية، وطلب حاجة، وأشباهه.
٣- وجواز إرسال صبى غيره، ممن يدل عليه فى مثل هذا. وقد ورد الشرع بالمسامحة فى مثل هذا
للحاجة، واطرد به العرف وعمل المسلمين.
والله أعلم
٨٦

(٧٠٧) باب ذم ذى الوجهين، وتحريم فعله
٥٧٦٨- ١٨ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ (٩٨)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ: «إِنَّ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذَا
الْوَجْهَيْنِ. الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ».
٥٧٦٩- ٢٦ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ (٩٩)؛ أَنْهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ وَ يَقُولُ: «إِنَّ شَرَّ النَّاسِ ذُو
الْوَجْهَيْنِ. الْذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاءِ بِوَجٍْ».
٥٧٧٠- سن١ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(١٠١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿: «تَجِدُونَ مِنْ شَرِ النَّاسِ
ذَا الْوَجْهَيْنِ. الَّذِي يَأْتِي هَؤُلاءِ بِوَجْهٍ، وَهَؤُلاءِ بِوَجْهٍ».
المعنى العام
يقول الله تعالى ﴿إِنَّ الْمُنَّافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ﴾ [النساء: ١٤٥] ويقول ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ
يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: ١٤٢] والنفاق فى هذه الدنيا له صور كثيرة، منها نفَاق العقيدة،
يتظاهر صاحبه بالإسلام، ويبطن الكفر، ويشبهه من وجه من يرائى الناس بعبادته، ليخدعهم،
فيحسبونه صالحاً، ويعاملونه على ذلك، فيقعون فى شرك جرائمه، وهذا نفاق عمل، ويشبهه الذى
يتزلف للرؤساء المتخالفين، فينقل لكل منهم ما عند الآخر، ويمدح كلا فى وجهه، ويذم كلا من خلفه.
وشر هؤلاء وهؤلاء من ينتظر تخاصماً وتناحراً بين طائفتين مسلمتين، فيزيد النار اشتعالا، وينفخ
فيها، فى كل من الجانبين، يثير هؤلاء على هؤلاء، ويُهيج هؤلاء على هؤلاء بالكذب والزور والبهتان،
وإيقاع الفتنة ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنْ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] لأن القتل يقطع حياة فرد أو أفراد قليلين،
1
والفتنة تقطع راحة الحياة للكثيرين.
هؤلاء المنافقون بجميع صورهم شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة، ولهم عذاب أليم.
المباحث العربية
(إن من شر الناس ذا الوجهين ) فى الرواية الثانية ((إن شر الناس ذو الوجهين)) وفى
(٩٨) حَدَّقْنَا يَحْتِى بْنُ يَخْتِى قَالَ قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ أَبِي الرِّنَادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِيٍ هُرَيْرَةً
(٩٩) حَدَّثَنَا قُتَبِيَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدْقَنَا لَيْثٌ حَ وحَدََّّا مُحَّمْدُ بْنُ رُفَحٍ أَخْبَرَنَّا اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ عِرَاكِ بْنِ
مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٠٠) حَدَّثْنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يُحِتَى أَخْبَرَنِي ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَبِي يُونُسُ عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ حَدَّتِي سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ أَنْ
رَسُولَ اللَّهِ ﴿ ح وحَدَّتِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدََّنَا جَرِيرٌ عَنْ عُمَارَةَ عَنْ أَبِي زُرْعَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
٨٧

الرواية الثالثة ((تجدون من شرالناس ذا الوجهين)) وفى البخارى ((تجد من شرار الناس يوم القيامة
عند اللَّه ذا الوجهين)» قال الحافظ ابن حجر: وهذه الألفاظ متقاربة، والروايات التى فيها ((شر
الناس )) محمولة على الرواية التى فيها ((من شر الناس)) ووصفه بكونه شر الناس، أو من شر الناس،
مبالغة فى ذلك، وفى رواية ((أشر الناس)) بزيادة الألف، وهى لغة فى ((شر الناس))، يقال: خير وأخير،
وشر وأشر، ولكن الذى بالألف أقل استعمالا.
والمراد من ((الناس)) من ذكر من الطائفتين المتضادتين خاصة، فإن كل طائفة منهما
معادية للأخرى ظاهرا، فلا يتمكن من الاطلاع على أسرارها إلا بما ذكر من خداعه
الفريقين، ليطلع على أسرارهم، فهو شرهم كلهم، ويحتمل أن يراد من ((الناس)) عموم الناس،
فيكون على سبيل المبالغة فى الذم.
( الذى يأتى هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه ) الجملة تفسير لذى الوجهين، وتعرف هذه الصورة
عند البلاغيين بصورة التمام، والمراد بالوجه الجانب والطريقة والكلام.
وفسره النووى بأنه الذى يأتى كل طائفة بما يرضيها، فيظهر لها أنه منها، ومخالف لضدها،
وصبيعه هذا نفاق، ومحض كذب وخداع، وتحيل للاطلاع على أسرار الطائفتين.
وقال ابن عبد البر: حمله على ظاهره جماعة، وهو أولى، وتأوله قوم على أن المراد به من يرائى
بعمله، فيرى الناس خشوعا واستكانة، ويوهمهم أنه يخشى الله، حتى يكرموه، وهو فى الباطن بخلاف
ذلك.
قال: وهذا محتمل لواقتصر فى الحديث على صدره، فإنه داخل حينئذ فى مطلق ذى الوجهين،
لكن بقية الحديث ترد هذا التأويل، وهى قوله ((يأتى هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه)» ورواية ابن نمير ((الذى
يأتى هؤلاء بحديث هؤلاء، وهؤلاء بحديث هؤلاء)» ترد التأويل المذكور صريحاً.
فقه الحديث
الذى يأتى هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه، قد يكون مصلحا، يقول الخير لكل من الطائفتين، فلا يكون
من شر الناس.
من هنا قال العلماء: المذموم من يزين لكل طائفة عملها، ويقبحه عند الأخرى، ويذم كل طائفة
عند الأخرى، والمحمود أن يأتى لكل طائفة بكلام فيه صلاح الأخرى، ويعتذر لكل واحدة عن الأخرى،
وينقل ما أمكنه من الجميل، ويستر القبيح.
وقال القرطبى: إنما كان ذو الوجهين شر الناس، لأن حاله حال المنافق، إذ هو متخلق بالباطل،
وبالكذب، مدخل للفساد بين الناس.
والله أعلم
٨٨

(٧٠٨) باب تحريم الكذب، وبيان ما يباح منه
٥٧٧١- لْا عَنْ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ عُقْبَةَ بْنٍ أَبِي مُعَيْطٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (١٠١)، وَكَانَتْ مِنَ
الْمُهَاجِرَاتِ الأُوّلِ، اللاِي بَايَعْنَ النَّبِيَّ :﴿َ، أَخْبَرَتْهُ، أَنْهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ : ﴿ وَهُوَ يَقُولُ:
«لَيْسَ الْكَذَابُ الَّذِي يُصْلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، وَيَقُولُ خَيْرًا وَيَنْمِي خَيْرًا» قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَلَمْ
أَسْمَعْ يُرَخْصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ كَذِبٌ إِلا فِي ثَلاثٍ: الْحَرْبُ، وَالإِصْلاحُ بَيْنَ النَّاسِ،
وَحَدِيثُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَحَدِيثُ الْمَرْأَةِ زَوْجَهَا.
٥٧٧٢- ١٠ وَفِي رواية عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ (١٠)، مِعْلَهُ. غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ
صَّالِحٍ: وَقَالَتْ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ إِلا فِي ثَلاثٍ. بِمِثْلٍ مَا جَعَلَهُ
يُونُسُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ شِهَابٍ.
٥٧٧٣-١١٠ وَفِي رواية عَنِ الزُّهْرِيِّ، بِهَذَا الإِسْنَادِ(١٠١) . إِلَى قَوْلِهِ: «وَلَمَى خَيْرًا» وَلَمْ
يَذْكُرْ مَا بَعْدَهُ.
المعنى العام
((إن الصدق يهدى إلى البر، وإن البريهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق، حتى يكون صديقاً، وإن
الكذب يهدى إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب، حتى يكتب عند الله
كذابا)) والله تعالى يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ [التوبة: ١١٩].
والكذب قبيح ونقيصة بالعقل وفى جميع الشرائع، لا نقاش فى ذلك، ولكن النقاش فى ظروف
تحيط به أحياناً، فتجعل منه ضرورة، أو حاجة لجلب مصلحة، أو حاجة لدفع مضرة، فهل يبقى
حكمه قبيحاً محرماً؟ أو يباح بقدر الحاجة والضرورة والمصلحة؟ ولقد رخص فى الحديث بالكذب
فى ثلاثة مواطن، فى الإصلاح بين الناس، يقول خيرا للفريقين، وإن خالف الواقع، وفى الحرب مع
الأعداء، يقول ما فيه مصلحة المسلمين، وإن خالف الواقع، وبين الزوجين، حين يهدد الصدق الحياة
الزوجية. فهل هذا الترخيص مبيع للكذب؟ أو فى التعريض مندوحة عن الكذب؟ نقاش بين العلماء،
:
نوضحه فى فقه الحديث إن شاء الله. وسيأتى بعد باب قبح الكذب وحسن الصدق وفضله.
(١٠١) حَدََّتِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى أَخْبُوَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْبُرَبِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ عَوْفٍ أَنَّ أُمَّهُ
أُمَّ كُلْثُومٍ بِنْتَ عُقْبَةً بْنِ أَيِي مُعَيْطٍ
(١٠) حَدَّثَنَا عَمْرُو الْنّاقِدُ خَذَّلَا يَعْقُوبُ ابْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ حَدَّقَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنٍ عَبْدٍ
اللَّهِ ابْنِ شِهَابٍ بِهَذَا الإِسْنَادِ
(١٠٠) وحَّدَّثَنَهَ عَمْرٌو النَّاقِدُ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الرُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ
٨٩

المباحث العربية
( ليس الكذاب الذى يصلح بين الناس، ويقول خيراً، وينمى خيراً ) قال النووى:
معناه: ليس الكذاب المذموم، الذى يصلح بين الناس، بل هذا محسن. اهـ
وكان حق السياق أن يقول: ليس من يصلح بين الناس كذابا مذموماً، فجاء على أسلوب القلب،
وهو سائغ.
والكذب الإخبار بالشىء على غير ما هو عليه، أو عدم مطابقة الخبر للواقع، وصيغة المبالغة
((كذاب)) غير مقصودة، بل تشمل الكاذب، وإنما ذكرت لأن من هذه مهمته يكثر من الكذب غالباً.
و((ينمى)) بفتح الياء وكسر الميم، أى يبلغ، يقال: نميت الحديث، أنميه، إذ بلغته على وجه
الإصلاح، وطلب الخير، فإذا بلغته على وجه الإفساد والنميمة، قلت: نميته بتشديد الميم، كذا قال
الجمهور، وادعى الحربى أنه لا يقال إلا نميته بالتشديد، ووقع فى الموطأ ((ينمى)) بضم الياء.
ورواية البخارى ((فينمى خيرا، أو يقول خيرا)» بالشك من الراوى.
( قال ابن شهاب: ولم أسمعه يرخص فى شىء مما يقول الناس كذب، إلا فى
ثلاث ) هذه الزيادة مدرجة، بين مسلم لمن هى؟ وسيأتى معنى الترخيص ومداه فى فقه الحديث.
( الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته، وحديث المرأة زوجها )
الأخيران خصلة واحدة، وإلا كانت الخصال أربعاً، لا ثلاثاً.
فقه الحديث
قال الطبرى: ذهبت طائفة إلى جواز الكذب لقصد الإصلاح، وقالوا: إن الثلاث المذكورة كالمثال.
وأجازوا قول ما لم يكن فى أمثال هذه المواضع للمصلحة، وقالوا: الكذب المذموم ما فيه مضرة، فما لا
مضرة فيه - ولو لم يكن فيه مصلحة - ليس من الكذب المذموم.
وقال الغزالى: الكذب من قبائح الذنوب، وليس حراماً لعينه، بل لما فيه من الضرر، ولذلك يؤذن
فيه حيث يتعين طريقاً للمصلحة، وتعقب بأنه يلزم أن يكون الكذب مباحاً، إذا لم ينشأ عنه ضرر،
وليس كذلك، ويجاب عن هذا التعقيب بأن المنع مما لا مصلحة فيه ولا ضرر، إنما هو من قبيل سد
الذرائع، وحسم المادة، والتحقيق أنه لا يباح منه إلا ما يترتب عليه مصلحة.
وحجة الذين يبيحون الكذب للمصلحة هذا الحديث، وقول إبراهيم عليه السلام ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ
هَذَا﴾ [الأنبياء: ٦٣] و﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ٨٩] و((هذه أختى)) وقد سبقت فى حديث ((لم يكذب
إبراهيم عليه السلام إلا ثَلاث كذبات)» وقول منادى يوسف ﴿أَيَّتُهَا الْعِيرُ إِنَّكُمْ لَسَارِقُونَ﴾ [يوسف: ٧٠].
٩٠٠

قالوا: ولا خلاف أنه لو قصد ظالم قتل رجل هو عنده مختف، وجب عليه الكذب فى أنه لا يعلم
أين هو؟ فإذا وجب فى مثل هذا، جاز فيما هو مصلحة، أقل درجة منها، وبهذا جزم الخطابى وغيره.
وذهب آخرون، منهم الطبرى والمهلب والأصيلى وغيرهم إلى أنه لا يجوز الكذب فى شىء أصلا،
وحملوا الكذب، فيما ظاهره كذب مباح، على التورية والتعريض، كمن يقول للظالم: دعوت لك
بالأمس، ويقصد قوله: اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، ويعد امرأته بعطية شىء، ويقصد: إن شاء
الله. وأن يظهر من نفسه قوة للحرب.
وحاصل التورية والتعريض أن يأتى بكلمات محتملة، يفهم المخاطب منها ما يطيب
قلبه، ولا يتعارض مع الواقع فى عقيدة المتكلم، وهذا يدخلنا فى تحرير معنى الكذب، هل هو
فى واقع الأمر بقطع النظر عن اعتقاد المتكلم، أو اعتقاد المخاطب؟ أو هو فى اعتقاد
المتكلم؟ أو هو فى اعتقاد المخاطب؟.
فإذا أخبر الابن بأن أباه ليس فى البيت معتقداً أنه ليس فى البيت وكان الواقع أنه فى البيت،
فهل ينفعه اعتقاده مع أن خبره غير مطابق للواقع؟ وإذا أخبر بذلك معتقداً أنه فى البيت، ويقصد
الكذب، وتبين أنه ليس فى البيت. فهل يكون كذبا، ويضره اعتقاده، وإن طابق الخبر للواقع؟.
التحقيق أن التورية والتعريض - مع ما فيها من خداع - نوع من الكذب على بعض الآراء، ثم إنها
غير ميسورة وغير مقنعة فى كثير من الحالات، وبخاصة إذا حاصر المخاطب المتكلم من جميع
الجهات وألزمه بالتحديد والوضوح والتصريح.
والأولى القول بإباحة الكذب للمصلحة.
والله أعلم
٩١

(٧٠٩) باب تحريم النميمة
٥٧٧٤ - -١٣: ١ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴾(١٠٢) قَالَ: إِنَّ مُحَمَّدًا﴿ قَالَ: «أَلا أُنَُّكُمْ مَا.
الْعَضْةُ؟ هِيَ النَّمِيمَةُ الْقَالَةُ بَيْنَ النَّاسِ». وَإِنَّ مُحَمَّدًا ﴿ قَالَ: «إِنَّ الرَّجُلَ يَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ
صِدِيقًا. وَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّابًا».
المعنى العام
يراجع شرح حديث ((لا يدخل الجنة نمام)» فى كتاب الإيمان.
المباحث العربية
( ألا أنبئكم ما العضه ) قال النووى: هذه اللفظة رووها على وجهين، أحدهما بكسر العين
وفتح الضاد آخرها تاء، على وزن العدة، والثانى بفتح العين وإسكان الضاد، بعدها هاء، على وزن
الوجه. قال: وهذا الثانى هو الأشهر فى روايات بلادنا، والأشهر فى كتب الحديث، وكتب غريبه،
والأول أشهر فى كتب اللغة، وتقدير الحديث - والله أعلم - ألا أنبئكم ما العضه الفاحش الغليظ
التحريم؟ اهـ
وفى كتب اللغة: العضيهة القذف بالباطل، واختلاق الكذب، والعضة بكسر العين وفتح الضاد
مخففة بعدها تاء، الكذب، وفى القرآن الكريم ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ﴾ [الحجر: ٩١] والمعنى:
ألا أنبئكم بالكذب الفاحش الغليظ التحريم؟.
( هى النميمة القالة بين الناس ) فى كتب اللغة: القالة بتخفيف اللام المفتوحة، اسم
للقول الفاشى بين الناس، وقال عليه، أى افترى، والمعنى هنا: العضه هى النميمة، وهى الافتراء على
الناس للإفساد.
(وإن محمدًا﴿ قال: إن الرجل يصدق، حتى يكتب عند اللَّه صديقًا، ويكذب، حتى
يكتب كذابًا ) سيأتى الكلام عنه فى الباب التالى، وعلاقته هنا بالنميمة أن النمام كذاب وزيادة.
فقه الحديث
مضى فى كتاب الإيمان، تحت باب تحريم النميمة، حديث ((لايدخل الجنة نمام)»، وسبق شرحه
بما لا مزيد عليه.
(١٠٢) حَدََّا مُحَمِّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بَشَارٍ قَالا حَدَِّا مُحْمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَقْنَا شُعْبَةُ سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَقَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي الأَخْوَصِ
عَنْ عنْدِ اللهِ بْنٍ مَسْعُودٍ
٩٢

(٧١٠) باب قبح الكذب، وحسن الصدق وفضله
٥٧٧٥- ١٠٣ عَنْ عَبْدِ اللّهِ ﴾(١٠٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِع ◌َ﴿ّ: «إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى
الْبِرِّ. وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ. وَإِنَّ الرَّجُلُ لَيَصْدُقُ حَتَّى يُكْتَبَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي
إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ. وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ حَتَّى يُكْتَبَ كَذَّبًا».
٥٧٧٦- تَّبْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴾(١٠٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ عَ: «إِنَّ الصِّدْقَ
بِرِّ. وَإِنَّ الْبِرِّ يَهْدِي إِلَى الْجَنّةِ. وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيْتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِيقًا. وَإِنَّ
الْكَذِبَ فُجُورٌ. وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ. وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَتْحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ كَذِّابًا».
قَالَ ابْنُ أَبِي شَيْئَةً فِي رِوَايَتِهِ: عَنِ الْبِيّ ◌ِ﴾.
٥٧٧٧- عَبْ عَنْ عَبْدِ اللّهِ ﴾(١٠٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ. فَإِنَّ
الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ. وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ. وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتْحَرَّى الصِّدْقَ
حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِيِّقًا. وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ. فَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ
يَهْدِي إِلَى النَّارِ. وَمَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ وَيَتْحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذِّبًا».
٥٧٧٨- ١٠ وَفِي رواية عَنِ الأَعْمَشِ(١٠)، بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَلَمْ يَذْكُرْ فِي حَدِيثٍ عِيسَى:
«وَيَتْحَرَّى الصِّدْقَ، وَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ» وَفِي حَدِيثِ ابْنٍ مُسْهِرٍ: «حَتَّى يَكْتُبُهُ اللَّهُ».
المعنى العام
يراجع المعنى العام قبل باب واحد.
المباحث العربية
(إن الصدق يهدي إلى البر) ((البر)) اسم جامع للخير كله، وقيل: البر الجنة، قال النووي:
(١٠٣) حَدْنَا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنًا وَقَالَ الآخْرَانِ حَدَّثْنَا جَرِيرٌ عَنْ
مَنْصُورِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ
(١٠٤) حَذََّا أَبُوَ بَكْرِ بْنَّ أَبِي شَيْئَةَ وَهِنَّادُ بْنُ السَّرِيِّ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو الأَحْوَصِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
(١٠٥) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَّنُ عَبَّدِ اللَّهِ بْنٍ نُمَيْرٍ حَدََّا أَبَّو مُعَاوِيَّةً وَوَكِيعٌ قَالا حَدَّثًَّا الأَعْمَشُ حْ وَحَدَّثْنَا أَبُوْ كُرَيْبٍ حَدَّقْنَا أَبُو مُعَاوِيّةٌ
حَدَّثَّا الأَعْمَشُ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
(١٠) حَدََّا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التّحِيمِيُّ أَخْبُرْنَا ابْنُ مُسْهِرٍ حِ وحَدَّقَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ الْحَنْظَلِيُّ أَخْبُرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ
كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ
٩٣

ويجوز أن يتناول العمل الصالح والجنة. اهـ ويبعد تفسير البر بالجنة قوله ((وإن البريهدي إلى الجنة))
فإن الوسيلة غير الغاية.
وفى الرواية الثانية ((إن الصدق بر)) فهو نوع من الخير، وفى الرواية الثالثة ((عليكم بالصدق)) أى
الزموا الصدق فى كل أقوالكم.
(وإن الرجل ليصدق) أى يتكرر صدقه فى أخباره، فالفعل المضارع ((يصدق)) يدل على
التجدد والحدوث.
( حتى يكتب صديقا) قال ابن بطال: المراد أنه يتكرر منه الصدق، حتى يستحق اسم
المبالغة فى الصدق. وقال النووى: معنى ((يكتب)» هنا، يحكم له بذلك، ويستحق الوصف بمنزلة
الصديقين وثوابهم، والمراد إظهار ذلك المخلوقين، إما بأن يكتبه فى ذلك، ليشتهر بخطه فى الملأ
الأعلى، وإما بأن يلقى ذلك فى قلوب الناس وألسنتهم، كما يوضع له القبول، وإلا فقدر اللّه تعالى
وكتابه السابق، قد سبق بكل ذلك.
وفى الرواية الثانية ((حتى يكتب عند الله صديقا)) وهى تؤيد معنى الكتابة فى الملأ الأعلى.
وفى الرواية الثانية والثالثة ((يصدق، ويتحرى الصدق)) أى يقصده، ويعتنى به.
(وإن الكذب يهدى إلى الفجور) قال الراغب: أصل الفجر الشق، فالفجور شق ستر
الديانة، ويطلق على الميل إلى الفساد، وعلى الانبعاث فى المعاصى، وهو اسم جامع للشر.
(وإن الرجل ليكذب، حتى يكتب كذابا) فى الرواية الثانية ((وإن العبد ليتحرى الكذب،
حتى يكتب كذا با)) وعند مالك ((لايزال العبد يكذب، ويتحرى الكذب، فينكت فى قلبه نكتة سوداء،
حتى يسود قلبه، فيكتب عند الله من الكاذبين)).
قال الحافظ ابن حجر: وقيد التحرى مراد به القصد الصحيح، وليس المراد أن الحمد والذم فى
الصدق والكذب مختص بمن يقصد إليهما فقط، فالصدق عموماً ممدوح، والكذب عموماً مذموم.
(ملحوظة) ذكر أبو مسعود، أن مسلماً روى فى هذا الحديث زيادة، هى ((إن شر الروايا روايا
الكذب، لأن الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، ولا يعد الرجل صبيه، ثم يخلفه» والروايا جمع روية،
بتشديد الياء، وهو ما يتروى فيه الإنسان قبل قوله أو فعله، والمعنى إن شرما يتروى فيه الإنسان أن
يتروى فى الكذب، لئلا يكذب هازلاً أو جاداً.
قال النووي: هذه الزيادة ليست فى متن الحديث فى جميع نسخ البخارى ومسلم ببلادنا وغيرها،
وكذا قال القاضى عياض عن جميع النسخ، وكذا نقله الحميدى وقال: ليست عندنا فى كتاب مسلم.
وقال الحافظ ابن حجر: ولم أرشيئاً من هذا فى ((الأطراف لأبى مسعود)) ولا فى ((الجمع بين
الصحيحين للحميدى)» فلعلهما ذكراه فی غیر هذین الکتابین.
فقه الحديث
مضى ما فيه الكفاية قبل باب واحد.
٩٤

(٧١١) باب فضل من يملك نفسه عند الغضب، وبأى شىء يذهب
الغضب، وخلق الإنسان خلقاً لا يتمالك
٥٧٧٩ - _ ١٠٦ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ مُسْعُودٍ ﴾(١٠٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ ﴿: «مَا
تَعُدُّونَ الرَّقُونَ فِيكُمْ؟» قَالَ: قُلْنَا، الَّذِي لا يُولّدُ لَهُ. قَالَ: «لَيْسَ ذَاكَ بِالرَّقُوبِ.
وَلَكِنَّهُ الرَّجُلُ الَّذِي لَمْ يُقَدِّمْ مِنْ وَلَدِهِ شَيْئًا». قَالَ: «فَمَا تَعُدُّونَ الصُّرَعَةَ فِيكُمْ؟»
قَالَ: قُلْنَا: الْذِي لا يَصْرَعُهُ الرِّجَالُ. قَالَ: «لَيْسَ بِذَلِكَ. وَلَكِنَّهُ الْذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ
عِنْدَ الْغَضَبِ».
٥٧٨٠ - -َّْا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٠٧)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ قَالَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ.
إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبٍ».
٥٧٨١- شُبْا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٠٨) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ :﴿ يَقُولُ:
«لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ» قَالُوا: فَالشَّدِيدُ أَيُّمَ هُوَ؟ يَا رَسُولَ اللّهِ! قَالَ: «الْذِي
يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَّبِ».
٥٧٨٢ - _ ١:٢٦ عَنْ سُلَيْمَالَ بْنِ صُرَدٍ ﴾(١٠٩) قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلانٍ عِنْدَ الْبِيِّ ◌ِ﴿ّ. فَجَعَلَ
أَحَدُهُمَا تَحْمَرُّ عَيْنَاهُ وَتَنْتَفِخُ أَوْدَاجُهُ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : «إِنِّي لِأَعْرِفُ كَلِمَةٌ لَوْ قَالَهَا
لَذَهَبَ عَنْهُ الَّذِي يَجِدُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ)» فَقَالَ الرَّجُلُ: وَهَلْ تَرَى بِي مِنْ
جُونِ؟ قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: فَقَالَ: وَهَلْ تَرَى، وَلَمْ يَذْكُرِ الرَّجُلَ.
(١٠٦) حَدَّثْنَا قُقَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ وَاللَّفْظُ لِقْتَيْبَةَ فَالا حَدْنَا جَرِيرٌ عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْمِيِّ عَنِ الْحَارِثِ
ابْنِ سُوَیْدٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
- حَدََّا أَبُو بَكْرِ ابْنُ أَبِيَ شَيْئَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ فَالا حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً ح وحَدََّا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرَنًا عِيسَى بْنُ يُونُسَ
كِلاهُمَا عَنِ الْأَغَمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَ مَعْنَاهُ
(١٠٧) حَدََّا يَحْتِى بْنُ يَخََّى وَعَبَّدُ الْأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ قَالَا كِلَّاهُمَا قَرَأْتُ عَلَى مَالِكٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدٍ بِنِ الْمُسْيِّبِ عَنْ أَبِي
هُرَيْرَةً
(١٠٨) حَدًَّا حَاجِبُ بْنُ الْوَلِيدِ حَدَّا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْبٍ عَنِ الزَُّيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبُرَنِي حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنْ أَبَا هُرَيْرَةَ
قَالَ
- وحّدَّثَنَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ جَمِيعًا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ حِ وَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ
◌ِهْرَامَ أَخْبُرَنَا أَبُو الْيَمَّانِ أَخْبُّرَنَا شُعَيْبٌ كِلَّهُمَا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَّيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنٍ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ الْبِيِّ ◌ِ *
بمله
(١٠٩) حَدَّثْنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ قَالَ يَحْتِى أَخْبَرَنَا وقَالَ ابْنُ الْعَلاءِ حَدْقَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ عَدِيِّ بْنٍ
قَابِتٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ صُرَّدٍ
٩٥

٥٧٨٣ - - ١١ عَنْ سُلَيْمَانُ بْنِ صُرَدٍ﴾(١١٠) قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلانٍ عِنْدَ الْبِيَِّ﴾. فَجَعَلَ
أَحَدُهُمَا يَغْضَبُ وَيَحْمَرُّ وَجْهُهُ. فَظَرَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ◌ِ﴿ فَقَالَ: «إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةٌ لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ
ذَا عَنْهُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ)» فَقَامَ إِلَى الرَّجُلِ رَجُلٌ مِمَّنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ◌َ ﴿ فَقَالَ:
أَتَدْرِي مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فِ﴿ آنِفًا؟ قَالَ: «إِنِّي لأَعْلَمُ كَلِمَةٌ لَوْ قَالَهَا لَذَهَبَ ذَا عَنْهُ أَعُوذُ بِاللَّهِ
مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّحِيمِ)» فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَمَجْنُونًا تَرَانِي.
٥٧٨٤ - _- ١١ عَنْ أَنَسٍ ﴾(١١)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «لَمَّا صَوَّرَ اللَّهُ آدَمَ فِي الْجَنَّةِ
تَرَكَهُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَتْرُكَهُ فَجَعَلَ إِبْلِيسُ يُطِيفُ بِهِ. يَنْظُرُ مَا هُوَ. فَلَمَّا رَآهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أَنَّهُ
خُلِقَ خَلْقًا لا يَتَمَالَكُ».
المعنى العام
الغضب انفعال طبيعى فى جبلة الإنسان وخلقته، وكل ما يملكه الإنسان بشأنه، أن يجتنب
أسبابه، وأن يتفادى إثارته، كما يملك الإنسان القوى الحد من ثورته، والتهدئة من فورانه، والتوقف
عن الاستجابة لحرارته، وتحريك الجوارح واللسان فى تياره واندفاعه، وكلما ملك الإنسان نفسه عند
الغضب كان أقوى الناس، لأن أعدى عدو للإنسان نفسه وشيطانه، فإذا غلبها فقد غلب أقوى أعدائه،
ومن هنا كانت وصية الرسول # للرجل الذى قال له: أوصنى يا رسول الله. قال: لا تغضب. فردد
السائل مرارًا، فردد رسول الله :﴿ قوله: لا تغضب.
ولو تدبر العاقل ساعة غضبه، ولو نظر إلى نفسه فى المرآة، لسخر من نفسه،
واستصغرها، وتقزز من منظره، ولتحول غضبه على من أثاره، إلى غضبه على نفسه، من قبح
صورته، وتحول خلقته، يرى دمه ينقبض وينبسط، فيصفر لونه، ويحمر، وتحمر عيناه،
وتنتفخ عروق رقبته، ويرتعد ويرتعش، ثم ينفلت زمام الحكمة فى تصرفاته، فينطلق لسانه
بالشتم والسب، وتمتد يده محاولة إلحاق الأذى بالخصم ويأتى أفعالا يستحى هو منها
عندما يهدأ، ويعجب من نفسه كيف أتاها، ويندم أن فعلها، وقد يهرب منه خصمه فلا يفرغ
فيه شحنته، فيفرغها فى نفسه، يضرب رأسه فى الحائط، أو يمزق ثوبه، أو يلطم خده، أو
يكسر آنية، أو يضرب من ليس له دخل فى غضبه، وقد يقع صريعاً أو مغمى عليه، وقد
يتخلف عن ذلك كله حقد وبغضاء وعداوة وشهوة انتقام، تستمر تدفعه طيلة حياته. وعلاج
(١١٠) حَدَّثََّا نَصْرُ بْنُ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ سَمِعْتُ الأَعْمَشَ يَقُولُ سَمِعْتُ عَدِيَّ بْنَ ثَابِتٍ يَقُولُ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ
مُرّدٍ
- وحَّدَّثَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّقْنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاتٍ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ
(١١١) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنَّ حِمَّدٍ بْنِ سَلَمَةً عَنْ قَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ
- حَدَّثَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ نَفِعٍ حَدَّقْنَا بَهْزٌ حَدَّثَنَا حَمَّدٌ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَةً
٩٦

الغضب ذكر اللَّه، وتغيير الوضع، إن كان واقفا جلس، وإن كان جالساً قام وترك مكان
الغضب والشيطان، علاجه فى استحضار قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنْ
الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ اللَّه وأوامره ﴿فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ﴾ [الأعراف: ٢٠١] وقوله تعالى ﴿وَلا
تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلاَ السَّيِّئَةُ الْفَعْ بِالَّتِيَ هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْتَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٍّ
حَمِيمٌ﴾ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلا الَّذِينَ صَّبَرُوا وَمَا يُلَقَّهَا إِلاَ نُوحَظٌّ عَظِيمٍ* وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ
الشَّيْطَانِ نَرْقٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمٌ﴾ [فصلت: ٣٤-٣٦].
المباحث العربية
( ما تعدون الرقوب فيكم؟) بفتح الراء، وتخفيف القاف، وهو الذى لا يعيش له ولد، يقال:
رقبه، بفتح القاف، يرقبه بضمها، رقبا بسكونها مع فتح الراء، ورقوبا بفتح الراء، ورقابة، أى انتظره،
وفى القرآن الكريم ﴿إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] وأطلق
الرقوب على الذى لا يعيش له ولد، أو الذى لا يولد له ولد، لما أنه ينتظر الوفاة لولده، أو الذى يأمل
وينتظر الولد.
( قلنا: الذى لا يولد له ) الموصول خبر مبتدأ محذوف، أى الرقوب الذى لا يولد له.
( قال: ليس ذاك بالرقوب ) النفى ليس مطلقاً، حتى لا يوصف من لا يولد له بالرقوب، وإنما
هو نفى الكمال والاستحقاق، لإثبات الكمال والاستحقاق لغيره.
( ولكنه الرجل الذى لم يقدم من ولده شيئاً ) أى لم يمت له ولد، لأنه الذى ينفعه
نفعًا حقيقيًّا.
( قال: فما تعدون الصرعة فيكم؟) بضم الصاد وفتح الراء، والهاء للمبالغة فى الصفة، وهو
الذى يصرع الناس كثيراً بقوته، أى الغلاب فى المصارعة، والصرعة بضم الصاد وسكون الراء من
يصرعه الناس كثيراً، وكل ما جاء بهذا الوزن، بفتح العين وسكونها، فهو كذلك، كهمزة ولمزة وحفظة
وخدعة وضحكة، يقال: صَرَعه يَصْرَعُه صَرْعاً، طرحه على الأرض، فهو مصروع وصريع، قال ابن التين:
ضبطناه بفتح الراء، وقرأه بعضهم بسكونها، وليس بشىء، لأنه عكس المطلوب، ولذا جاء فى الجواب:
( قلنا: الذى لا يصرعه الرجال ) أى ويصرع هو الرجال.
( قال: ليس بذاك ) أى ليس الغلاب فى المصارعة الذى يصرع الرجال.
( ولكنه الذى يملك نفسه عند الغضب ) أى الجدير بهذا الوصف الذى يصرع نفسه الأمارة
بالسوء، ويصرع شيطانه المهيج للغضب. قال النووى: معنى الحديث: إنكم تعتقدون أن الرقوب
المحزون، وهو المصاب بموت أولاده، وليس هو كذلك شرعاً، بل هو من لم يمت أحد من أولاده فى
٩٧

حياته، فيحتسبه، فيكتب له ثواب مصيبته به، وثواب صبره عليه، ويكون له فرطاً وسلفاً، وكذلك
تعتقدون أن الصرعة الممدوح، القوى الذى لا يصرعه الرجال، بل يصرعهم، وليس هو كذلك شرعاً، بل
هو من يملك نفسه عند الغضب، فهذا هو الفاضل الممدوح، الذى قل من يقدر على التخلق بخلقه.
بخلاف الأول. اهـ
( ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذى يملك نفسه عند الغضب ) وعند أحمد
((الصرعة كل الصرعة - كررها ثلاثا - الذى يغضب، فيشتد غضبه، ويحمر وجهه، فيصرع غضبه)) ..
وفى الرواية الثالثة ((قال: ليس الشديد بالصرعة. قالوا: فالشديد أيم هو؟ يا رسول الله)) ((أيم))
أصلها ((أى ما)) و((ما)) بمعنى شىء، مضاف لأى، حذف ألفها، والمعنى: أى شىء هو؟.
( استب رجلان ) قال الحافظ ابن حجر: لم أعرف أسماءهما. اهـ أى جريا على عادتهم فى
الستر على المسيئين.
( فجعل أحدهما تحمر عيناه، وتنتفخ أوداجه ) جمع ودج بفتح الواو والدال، ووداج بكسر
الواو، وهو عرق فى العنق، وهو الذى يقطعه الذابح، فلا تبقى مع قطعه الحياة، وللإنسان ودجان،
فالجمع على القول بأنه ما فوق الواحد، وفى رواية للبخارى ((فغضب أحدهما، فاشتد غضبه، حتى
انتفخ وجهه، وتغير)) وإنما كان هذا الوصف لأحدهما، مع أن السب كان من الرجلين، إما لأن الآخر
كان أطول بالا، أو كان أكثر إساءة وسبا، والظاهر الأول، لما سيأتى من رد الأحمق على النصيحة.
( إنى لأعرف كلمة، لو قالها لذهب عنه الذى يجد ((أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم))) هذا من قبيل إطلاق الكلمة على الكلام، وفى رواية ((لو قال أعوذ بالله من الشيطان لذهب
عنه الذى يجد)) وفى رواية ((إنى لأعلم كلمة، لو يقولها هذا الغضبان، لذهب عنه الغضب: اللهم إنى
أعوذ بك من الشيطان الرجيم)) وكان هذا عرضاً من الرسول #، ليقوم أحد الحاضرين من الصحابة
بتبليغه.
( فقال الرجل: وهل ترى بى من جنون؟) معطوف على محذوف، مطوى فى هذه الرواية،
ذكر فى الرواية الخامسة، ولفظها ((فقام إلى الرجل رجل، ممن سمع النبى 90، فقال: أتدرى ما قال
رسول اللَّه ◌ِوَ ﴿ آنفاً - أى الساعة منذ قليل؟ قال: إنى لأعلم كلمة لو قالها، لذهب ذا عنه ((أعوذ بالله
من الشيطان الرجيم» وفى رواية ((فقالوا له)) والذى خاطبه واحد منهم، وهو معاذ بن جبل، كما بينته
رواية أبى داود، وأسند القول لهم لموافقتهم إياه، ولفظ أبى داود («فجعل معاذ يأمره، فأبى، وضحك،
وجعل يزداد غضبا)) وفى رواية للبخارى ((فانطلق إليه الرجل، فأخبره بقول النبي ◌ُ *، وقال: تعوذ
بالله من الشيطان الرجيم)) وليس فى الخبر أنه أمرهم أن يأمروه بذلك، لكن استفادوا ذلك من طريق
عموم الأمر بالنصيحة للمسلمين.
و((جنون» مفعول به، مجرور بحرف الجر الزائد، و«ترى» بفتح التاء، بصرية، وفى الرواية.
٩٨

الخامسة ((أمجنونا ترانى))؟ والاستفهام إنكارى بمعنى النفى. وفى رواية للبخارى ((أترى بى بأس))؟
بضم التاء، بمعنى أظن، ويرفع ((بأس)) مبتدأ مؤخر، والجار والمجرور خبر مقدم، والجملة مفعول
((ترى)) وفى بعض الروايات ((بأسا)) بالنصب، وهو أوجه، زاد فى الرواية هذه ((أمجنون أنا؟ اذهب))
خطاب من الرجل للرجل الذى أمره بالتعوذ، أى امض فى شغلك، قال النووى: هذا كلام من لم يتفقه
فى دين اللَّه تعالى، ولم يتهذب بأنوار الشريعة المكرمة، وتوهم أن الاستعاذة مختصة بالمجنون، ولم
يعلم أن الغضب من نزغات الشيطان، ولهذا يخرج به الإنسان عن اعتدال حاله، ويتكلم بالباطل،
ويفعل المذموم، ويورث الحقد والبغض وغير ذلك من القبائح المترتبة على الغضب. قيل: كان من
المنافقين، وقيل: كان من جفاة الأعراب. اهـ وقال بعضهم: أخلق به أن يكون كافراً.
( لما صور اللَّه آدم فى الجنة، تركه ما شاء الله أن يتركه ) وعند الترمذى والنسائى
والبزار وصححه ابن حبان ((إن اللَّه خلق آدم من تراب، فجعله طيناً، ثم تركه، حتى إذا كان حمأ
مسنونا - أى منتنا - خلقه وصوره، ثم تركه، حتى إذا كان صلصالا، كالفخار - أى يابسا لم تصبه نار،
يسمع صوته عند النقر، فإذا طبخ فى النار صار فخاراً - كان إبليس يمربه، فيقول: لقد خلقت لأمر
عظيم، ثم نفخ اللَّه فيه من روحه ... )).
( فجعل إبليس يطيف به ) بضم الياء، قال أهل اللغة: طاف بالشىء، يطوف طوفاً وطوافاً،
وأطافه به، أى جعله يطوف، كأن نفسه كانت تدفعه للطواف.
( فلما رآه أجوف ) الجوف من كل شىء الباطن، والفراغ الذى يقبل أن يشغل ويملأ، وعند
البخارى ((خلق اللَّه آدم، وطوله ستون ذراعا)) وعند أحمد «كان طول آدم ستين ذراعا فى سبعة أذرع
عرضاً)) ولنا أن نتخيل فراغ البطن والصدر لهذا الطول والعرض.
( عرف أنه خلق خلقاً لا يتمالك ) أى لا يملك نفسه، ولا يحبسها عن الشهوات، وقيل: لا
يمنع دفع الوسواس عنه، وقيل: لا يملك نفسه عند الغضب، والمراد جنس بنى آدم.
وكان إبليس من أعلم الملائكة، دارساً لحكمة الخلق، وارتباط الأسباب بالمسببات، فلما رأى فى
جسم آدم فراغاً يمكن أن يملأه، وبأن يجرى فيه مجرى الدم، وبأن يثير شهوة البطن والفرج، وبأن
ينفخ فى الفراغات، فيهيج الغرائز والانفعالات، رأى أنه سيغويه، وهو وذريته سيغوون ذرية آدم، وأن
إتيان إبليس وجنوده إلى بنى آدم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم سيمكن
الوسواس الخناس من السيطرة عليهم، ولا تجد أكثرهم شاكرين، وكان أكبر ميدان لهذا الإغواء ميدان
الغضب، الذى يفقد الإنسان السيطرة على نفسه.
فقه الحديث
يؤخذ من الأحاديث فوق ماسبق
١- من الرواية الأولى فضل موت الأولاد، والصبر عليهم.
٩٩

٢- ويتضمن الدلالة على مذهب من يقول بتفضيل التزوج، لأنه وسيلة الأولاد النافعين، عاشوا أو
ماتوا، قال النووى: وهو مذهب أبى حنيفة وبعض أصحابنا.
٣- وفيها فضيلة كظم الغيظ.
٤- وإمساك النفس عند الغضب عن الانتصار والمخاصمة والمخادعة.
٥- ومن الترغيب فى قول ((أعوذ بالله من الشيطان الرجيم)) فى الرواية الرابعة والخامسة أن الغضب
فى غير اللّه تعالى من نزغ الشيطان.
٦- وأنه ينبغى لصاحب الغضب أن يستعيذ، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
٧- وأن الاستعاذة سبب لزوال الغضب.
٨- وفى الأحاديث عظم مفسدة الغضب، وما ينشأ عنه.
٩- وفى الرواية الأولى أن مجاهدة النفس أشد من مجاهدة العدو، لأنه صلى الله عليه وسلم جعل الذى
يملك نفسه عند الغضب أعظم الناس قوة.
والله أعلم
١٠٠