النص المفهرس

صفحات 61-80

قال ابن أبى جمرة: الذى يظهر أن التراحم والتوادد والتعاطف، وإن كانت متقاربة فى المعنى،
لكن بينها فرق لطيف، فأما التراحم فالمراد به أن يرحم بعضهم بعضا بأخوة الإيمان، لا بسبب شيء
آخر، وأما التوادد، فالمراد به التواصل الجالب للمحبة، كالتزاور والتهادى، وأما التعاطف فالمراد به
إعانة بعضهم بعضا، كما يعطف الثوب على الثوب، ليقويه. اهـ
وقوله ((مثل الجسد)) أى بالنسبة إلى جميع أعضائه، ووجه التشبيه فيه التوافق، والمشاركة فى
التعب والراحة. كذا قال الحافظ ابن حجر، مراعيا المنصوص عليه فى الحديث، كوجه التشبيه ((إذا
اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى» وعندى أن وجه الشبه أعم من ذلك، فهو
التعاون بين أعضائه ((مثل المؤمنين كمثل اليدين، تغسل إحداهما الأخرى)» والتعاطف والتوادد
والتضامن فى تحمل المسئولية ((كالبنيان يشد بعضه بعضا))، فوجه الشبه المشاركة فى التأثر
والتأثير.
ومعنى ((تداعى)) أى دعا بعضه بعضا إلى المشاركة فى الألم، ومنه قولهم: تداعت الحيطان أى
دعا بعضها بعضا للسقوط، ودعوة بعضه بعضا بالسهر، لأن الألم يمنع النوم، فألم العين يمنع الجسم
كله من النوم، ووجع الرأس يمنع الجسم كله من النوم، وأما دعوة بعضه بعضا بالحمى، فلأن ألم عضو
يشعل الحرارة والقشعريرة فى الجسد كله، والحمى مثل للمرض الذى يؤلم الجسم كله.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١ - تعظيم حقوق المسلمين بعضهم على بعض.
٢- وحثهم على التراحم والملاطفة والتعاضد، فى غير إثم ولا مكروه.
٣- وجواز التشبيه، وضرب الأمثال، لتقريب المعانى إلى الأفهام.
٤- قال ابن بطال: فيه الحث على المعاونة فى أمور الآخرة، وكذا فى الأمور المباحة من الدنيا،
ويؤكده حديث ((واللَّه فى عون العبد، ما دام العبد في عون أخيه)).
والله أعلم
٦١

(٦٩٩) باب النهى عن السباب
٥٧٣٤ - ٨ ٦ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٦٨)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ: ﴿ قَالَ: «الْمُسْتَبَّانِ مَا قَالا فَعَلَى
الْبَادِئِ، مَا لَمْ يَعْتَدِ الْمَظْلُومُ».
المعنى العام
يقول صلى الله عليه وسلم: ((المستبان شيطانان، يتهاتران، ويتكاذبان)) ويقول: ((سباب المسلم
فسوق)) ويقول: ((لا يرمى رجل رجلا بالفسوق إلا ارتدت عليه، إن لم يكن صاحبه كذلك)).
ويقول أنس : ((لم يكن النبى ## فاحشا، ولا لعانا، ولا سبابا)).
والسب مفتاح الشر، وباب الفحش من القول، والمؤمن ينبغى أن يصون لسانه عن التلوث بألفاظ
السباب.
وأن يكفه عن لعن الناس، بل عن لعن الدواب، هذا أقل ما يجب عليه، إن لم يستطع أن يرطب
لسانه بذكر الله، وبالثناء بالخير على الناس، عملا بقوله صلى الله عليه وسلم: «من كان يؤمن بالله
واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت)».
المباحث العربية
(المستبان ما قالا فعلى البادئ) أى كل ما قاله المستبان، إثمه على البادئ، قال النووي:
معناه أن إثم السباب الواقع من اثنين مختص بالبادئ منهما كله. اهـ
( ما لم يعتد المظلوم ) أى ما لم يتجاوز المظلوم قدر حقه، فيقول للبادئ أكثر مما قاله له.
والسباب بكسر السين وتخفيف الباء، هو الشتم، وهو نسبة الإنسان إلى عيب ما ..
فقه الحديث
قال النووى: فى هذا الحديث جواز الانتصار، ولا خلاف فى جوازه، وقد تظاهرت عليه دلائل
الكتاب والسنة، قال الله تعالى ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلِ﴾ [الشورى: ٤١]
(٦٨) حَدََّا يَحْتَى بْنُ أَيُوبَ وَقَةُ وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا حَدَّنَا إِسْمَعِيلُ يَغْنُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٦٢

وقال ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشورى: ٣٩] قال: ومع هذا فالصبر والعفو أفضل،
قال اللَّه تعالىَ ﴿وَلَمَنْ صَبَّرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ [الشورى: ٤٣] ثم قال: واعلم أن سباب
المسلم بغير حق حرام، كما قال صلَى الله عليه وسلم: ((سباب المسلم فسوق» ولا يجوز للمسبوب أن
ينتصر إلا بمثل ما سبه، ما لم يكن كذبا، أو قذفا، أو سبا لأسلافه، فمن صور المباح أن ينتصر بكلمة:
ياظالم. يا أحمق. أو نحو ذلك، لأنه لا يكاد أحد ينفك من هذه الأوصاف.
قالوا: وإذا انتصر المسبوب استوفى ظلامته، وبرئ الأول من حقه، وبقى عليه إثم الابتداء، أو الإثم
المستحق للَّه تعالى، وقيل: يرتفع عنه جميع الإثم، بالانتصار منه، ويكون معنى ((على البادئ)) فى
الحديث، أى عليه اللوم والذم، لا الإثم. اهـ
والله أعلم
٦٣

(٧٠٠) باب استحباب العفو والتواضع
٥٧٣٥-٦١٩° عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٦٩)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴿ قَالَ: «مَا نَقَصَتْ صَدَقَةٌ مِنْ مَالِ.
وَمَا زَادَ اللَّهُ عَبْدًا بِعَفْوٍ إِلا عِزًّا. وَمَا تَوَاضَعَ أَحَدٌ لِلْهِ إِلا رَفَعَهُ اللَّهُ».
المعنى العام
البخيل الشحيح يخشى الفقر، فتصعب عليه الصدقة، متجاهلا قوله تعالى ﴿وَمَا أُنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ
فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾ [سبأ: ٣٩] وجاهلا أو متجاهلا قوله تعالى ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ
قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهَ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ﴾ [البقرة: ٢٤٥] وقول الملائكة صباح
مساء: اللَّهم أعط منفقا خلفا، وأعط ممسكا تلفا. وهكذا تسطع الحقيقة المشاهدة المؤكدة أن الصدقة
لا تنقص المال، بل تزيده.
المسألة الثانية: أن بعض الكبراء وأصحاب الجاه يظنون أنهم بعفوهم عمن أساء إليهم تنقص
قيمتهم، وينخفض قدرهم، وما علموا أن العفو مع القدرة يزيد العزيز عزاً.
المسألة الثالثة: أن بعض المتكبرين والمتجبرين يظنون أن التواضع ذلة ومهانة وانخفاض،
والحق أن من تواضع للَّه رفعه، ومن ترفع على الناس وضعه الله، إما فى الدنيا، وإما فى الآخرة، وإما
فى الدنيا والآخرة.
المباحث العربية
( ما نقصت صدقة من مال ) قال النووي: ذكروا فيه وجهين، أحدهما معناه أنه يبارك فيه
ويدفع عنه المضرات، فينجبر نقص الصورة بالبركة الخفية، وهذا مدرك بالحس والعادة، والثانى أنه
وإن نقصت صورته، كان فى الثواب المرتب عليه جبر لنقصه، وزيادة إلى أضعاف كثيرة. اهـ فحاصل
الوجهين أن عدم النقص إما فى الدنيا، وإما فى الآخرة.
(ومازاد الله عبدا بعفو إلا عزاً) قال النووي: فيه وجهان أيضا، أحدهما: أن من عرف
بالعفو والصفح ساد وعظم فى القلوب، وزاد عزه وإكرامه، والثانى أن المراد أجره فى الآخرة، وعزه
هناك.
(٦٩) حَدَّا يَحْتِى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتَيْبَةُ وَابْنُ حُجْرٍ فَلُوا حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ وَهُوَ ابْنُ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٦٤

( وما تواضع أحد لله إلا رفعه) التواضع مشتق من الضعة، بكسر الضاد، وهى الهوان،
والمراد بالتواضع إظهار التنزل عن المرتبة لمن يراد تعظيمه، وقيل: هو تعظيم من فوقه لفضله.
قال النووى فى معنى لفظ الحديث: وفيه وجهان أيضا، أحدهما: يرفعه اللَّه فى الدنيا، ويثبت له
بتواضعه - فى القلوب - منزلة، ويرفعه الله عند الناس، ويجل مكانه، والثانى أن المراد ثوابه فى
الآخرة، ورفعه فيها بتواضعه فى الدنيا.
قال: قال العلماء: وهذه الأوجه فى الألفاظ الثلاثة موجودة فى العادة معروفة، وقد يكون المراد
الوجهين معا فى جميعها، فى الدنيا والآخرة.
فقه الحديث
فيه الترغيب فى الصدقة :
وفى العفو، وهو مع القدرة من شيم الكرام، والقرآن الكريم يقول ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلا
تَنْسَوَا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٧] وفى التواضع. قال الطبرى: فى التواضع مصلحة الدين والدنيا،
فإن الناس لواستعملوه فى الدنيا لزالت بينهم الشحناء ولاستراحوا من تعب المباهاة والمفاخرة ..
واللَّه أعلم
٦٥

(٧٠١) باب تحريم الغيبة
٥٧٣٢ - ٠ ٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٧٠)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «أَتَدْرُونَ مَا الْغِيبَةُ؟» قَالُوا:
اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «ذِكْرُكَ أَخَاكَ بِمَا يَكْرَهُ» قِيلَ: أَفْرَأَيْتَ إِنْ كَانٌ فِي أَخِي مَا أَقُولُ؟
قَالَ: «إِنْ كَانَ فِيهِ مَا تَقُولُ، فَقَدِ اغْتَبْتَهُ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ، فَقَدْ بَهَتْهُ».
المعنى العام
حماية لعرض المسلم من الذم فى غيبته، وسداً لباب البغض والتدابر والتحاقد، نهت الشريعة أن
يذكر المسلم أخاه المسلم بشيء يكرهه، وهو غائب عنه، يقول اللَّه تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اجْتَنِبُوا
كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنَّ إِثْمٌ وَلا تَجَسَّبُوا وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ
أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ [الحجرات: ١٢].
نعم شبه تناول المسلم بالنقائص فى غيبته بأكل لحمه ميتا، ومن يقبل أن يأكل من لحم ابن آدم
ميتا؟ فضلا عن أن يكون هذا الميت أخاه؟ وإذا كان المؤمن لا يرضى أن يذكره آخر فى غيبته بنقص
فيه، فكيف يرضى لنفسه أن يذكر هو أخاه المسلم فى غيبته بنقص،وإن كان فيه؟ وإذا كان هذا
حراما كانت مواجهة الأخ بنقص ليس فيه أشد حرمة، وأقسى جرما وعذابا. طهر اللَّه ألسنتنا من
الغيبة والنميمة والفحش من القول.
المباحث العربية
( أتدرون ما الغيبة؟ ) الاستفهام لجذب الانتباه، حتى يستقر الخبر فى نفس المخاطب.
( قال: ذكرك أخاك بما يكره) يضاف للتعريف ((فى غيبته)) وقال الراغب: هى أن يذكر الإنسان
عيب غيره من غير حاجة إلى ذكر ذلك. وقال الغزالى: أن تذكر أخاك بما يكرهه لو بلغه. وقال ابن
الأثير فى النهاية: الغيبة أن تذكر الإنسان فى غيبته بسوء وإن كان فيه. وقال النووى فى الأذكار: ذكر
المرء بما يكرهه، سواء كان ذلك فى بدن الشخص، أو دينه، أو دنياه، أو نفسه، أو خلقه، أو ماله، أو
والده، أو ولده، أو زوجه، أو خادمه، أو ثوبه، أو حركته، أو طلاقته أو عبوسه، أو غير ذلك مما يتعلق به
سواء ذكرته باللفظ، أو بالإشارة والرمز، قال النووي: وممن يستعمل التعريض فى ذلك، كثير من
الفقهاء فى التصانيف وغيرها، كقولهم: قال بعض من يدعى العلم، أو بعض من ينسب إلى الصلاح، أو
(٧٠) حَدَِّا يَحْتِى بْنُ أَيُوبَ وَقُتَبِيَةُ وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ عَنِ الْعَلاءِ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
٦٦

نحو ذلك، مما يفهم السامع المراد منه، ومنه قولهم عند ذكره: الله يعافينا. اللَّه يتوب علينا. نسأل اللّه
السلامة. ونحو ذلك. فكل ذلك من الغيبة.
قال الحافظ ابن حجر: عدم ذكر الحديث قيد ((فى غيبته)» دليل على أنه لا فرق بين أن يقول ذلك
فى غيبته أو فى حضوره، والأرجح اختصاصها بالغيبة مراعاة لاشتقاقها، وبذلك جزم أهل اللغة، قال:
وكلام من أطلق منهم محمول على القيد فى ذلك، نعم المواجهة بما ذكر حرام، لكنه داخل فى السب
والشتم.
( قيل: أفرأيت، إن كان فى أخى ما أقول؟ ) أى أخبرنى عن جواب هذا السؤال. هل ذلك
من الغيبة؟.
( قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهته ) بتخفيف فتحة
الهاء، وتشديد التاء، يقال: بهت فلانا، بفتح الباء والهاء ، يبهته بفتح الهاء، بهتا بسكون الهاء، وبهتة،
وبهتانا، قذفه بالباطل.
فقه الحديث
فى حكم الغيبة قال النووى فى الأذكار: الغيبة والنميمة محرمتان بإجماع المسلمين، وقد
تظاهرت الأدلة على ذلك، وذكر فى الروضة تبعا للرافعى أنها من الصغائر، وتعقبه جماعة.
وقال القرطبى فى تفسيره: الإجماع على أنها من الكبائر، لأن حد الكبيرة صادق عليها، لأنها مما
ثبت الوعيد الشديد فيه. وقال الأذرعى: لم أر من صرح بأنها من الصغائر إلا صاحب العدة والغزالى،
وصرح بعضهم بأنها من الكبائر، وإذا لم يثبت الإجماع فلا أقل من التفصيل، فمن اغتاب وليا أو عالما،
ليس كمن اغتاب مجهول الحال مثلا، وقد قالوا: ضابطها ذكر الشخص بما يكره، وهذا يختلف
باختلاف ما يقال فيه، وقد يشتد تأذيه بذلك، وأذى المسلم محرم.
وذكر النووى من الأحاديث الدالة على تحريم الغيبة حديث أنس رفعه ((لما عرج بى مررت بقوم
لهم أظفار من نحاس، يخمشون بها وجوههم وصدورهم. قلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين
يأكلون لحوم الناس، ويقعون فى أعراضهم)). أخرجه أبو داود، وعند أحمد وأبى داود ((إن من أربى
الربا الاستطالة فى عرض المسلم بغير حق)». وعند أبي يعلى بإسناد حسن ((من أكل لحم أخيه فى
الدنيا، قرب له يوم القيامة، فيقال له: كله ميتا، كما أكلته حيا)». وفى الأدب المفرد عن ابن مسعود
قال: ((ما التقم أحد لقمة شرا من اغتياب مؤمن)». وفيه أيضا وصححه ابن حبان فى قصة ماعز
ورجمه «وإن رجلا قال لصاحبه: «انظر إلى هذا الذى ستر الله عليه، فلم يدع نفسه، حتى رجم رجم
الكلب. فقال لهما النبى 18: كُلاً من جيفة هذا الخمار - لحمارميت - فما نلتما من عرض هذا
الرجل، أشد من أكل هذه الجيفة)».
٦٧

قال الحافظ ابن حجر: وهذا الوعيد فى هذه الأحاديث يدل على أن الغيبة من الكبائر، لكن تقييده
فى بعضها ((بغير حق)) قد يخرج الغيبة بحق، لما تقرر.
قال النووي: لكن تباح الغيبة لغرض شرعى، وذلك لستة أسباب:
أحدها: التظلم، فيجوز للمظلوم أن يتظلم إلى السلطان والقاضى وغيرهما، ممن له ولاية، أوقدرة
على إنصافه من ظالمه، فيقول: ظلمنى فلان، أو فعل بى كذا.
الثانى: الاستعانة على تغيير المنكر، ورد العاصى إلى الصواب، فيقول لمن يرجو قدرته. فلان
يعمل كذا، فازجره عنه. ونحو ذلك.
الثالث: الاستفتاء: بأن يقول للمفتى: ظلمنى فلان، أو أبى، أو أخى، أو زوجى، فهل له ذلك؟ وما
طريقى للخلاص منه؟ ودفع ظلمه عنى؟ ونحو ذلك، فهذا جائز للحاجة، والأجود أن يقول: زوج أو
والد، أو ولد، يفعل كذا وكذا. فما الحكم؟ ومع ذلك فالتعيين جائز، لحديث هند، وقولها عن أبى
سفيان: «إنه رجل شحيح».
الرابع: تحذير المسلمين من الشر، وذلك من وجوه، منها: تجريح المجروحين من الرواة والشهود
والمصنفين، وذلك جائز بالإجماع، بل واجب، صونا للشريعة، ومنها الإخبار بعيبه عند المشاورة فى
مواصلته، أو مصاهرته، ومنها إذا رأيت من يشترى شيئا معيباً فتنصح المشترى، نصيحة، لا بقصد
الإيذاء والإفساد، ومنها إذا رأيت متفقها يتردد إلى فساق أو مبتدع يأخذ عنه علما، وخفت عليه
ضرره، فعليك نصحه ببيان حاله، قاصدا النصيحة.
الخامس: أن يكون مجاهرا بفسقه أو بدعته، كالخمر، ومصادرة الناس، وتولى الأمور الباطلة،
فيجوز ذكره بما يجهر به، ولا يجوز بغيره، إلا بسبب آخر.
السادس: التعريف، فإذا كان معروفا بلقب، كالأعمش، والأعرج، والأزرق، والقصير، والأعمى،
والأقطع، ونحوها جاز تعريفه به، ويحرم ذكره به تنقيصا، ولو أمكن التعريف بغيره كان أولى. اهـ
وقد ترجم البخارى بباب ما يجوز من ذكر الناس، نحو قولهم: الطويل والقصير. قال الحافظ ابن
حجر: حاصله أن اللقب، إن كان مما يعجب الملقب، ولا إطراء فيه، مما يدخل فى نهى الشرع، فهو
جائز أو مستحب، وإن كان مما لا يعجبه، فهو حرام أو مكروه، إلا أن يتعين طريقا للتعريف به، حيث
يشتهر به، ولا يتميز عن غيره إلا بذكره، والأصل فى ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «أكما يقول ذو
اليدين)»؟ وإلى ذلك التفصيل ذهب الجمهور، وشذ قوم فشددوا، حتى نقل عن الحسن البصرى أنه
كان يقول: أخاف أن يكون قولنا: حميد الطويل، غيبة.
قال ابن المنير: إن كان للبيان والتمييز فهو جائز، وإن كان للتنقيص لم يجز، وحديث عائشة -
عند أبى الدنيا - فى المرأة التى دخلت عليها، وخرجت فأشارت بيدها أنها قصيرة، فقال النبى 18 *:
((اغتبتيها)). ذلك لأنها لم تفعل هذا بيانا، وإنما قصدت الإخبار عن صفتها، فكان كالاغتياب.
والله أعلم
٦٨

(٧٠٢) باب من ستر اللّه عليه فى الدنيا
فإن الله يسترعليه فى الآخرة
٥٧٣٧ - ١ٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٧١)، عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ: «لا يَسْتُرُ اللَّهُ عَلَى عَبْدٍ فِي الدُّنْيًا،
إِلا سَعْرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
٥٧٣٨- ١٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾ (٧٢)، عَنِ النّبِيِّ ◌َ قَالَ: «لا يَسْتُرُ عَبْدٌ عَبْدًا فِي الدُّنْيَا، إِلا
سَتْرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
المعنى العام
يراجع المعنى العام قبل خمسة أبواب.
المباحث العربية
( لا يستراللَّه على عبد فى الدنيا، إلا ستره الله يوم القيامة) إذا شاء، وهذا القيد
ضرورى، فكثير ممن يسترهم الله فى جرائمهم فى الدنيا يكشفهم ويفضحهم يوم القيامة ..
وهذا الحديث يشير إلى حديث ((أن اللَّه يدنى المؤمن يوم القيامة، فيقرره بذنوبه، بينه وبينه،
حتى إذا ظن أنه هلك، قال: سترتها عليك فى الدنيا، وأنا أغفرها لك اليوم)» ..
قال القاضى: يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يستر معاصيه وعيوبه عن إذاعتها فى أهل الموقف.
.. الثانى: ترك محاسبته عليها، وترك ذكرها. قال: والأول أظهر.
( لا يستر عبد عبدا فى الدنيا، إلا ستره الله يوم القيامة) وهذا أيضا ليس على إطلاقه،
بل لابد من تقييده بالمشيئة، وهذا الحديث شبيه بالحديث السابق قبل خمسة أبواب، ((ومن ستر
مسلما ستره الله يوم القيامة)). وقد سبق شرحه بما فيه الكفاية.
فقه الحديث
يراجع فقه الحديث والمباحث العربية قبل خمسة أبواب.
(٧١) حَدَّثَِّي أُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامِ الْعَيْنِيُّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ زُرَيْعٍ حَدَّقْنَا رَوْحٌ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٧٢) حَدََّا أَبُو بَكْرٍ بَّنُ أَبِيَّ شَيْئَةٌ خَدَّثَنَا عَفٌَّ حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ حَدِّثْنَا سُّهَيْلٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ آَبِي هُرَّيْرَةً
٦٩

(٧٠٣) باب مدارة من يتقى فحشه
٥٧٣٩- ٣ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٧٣)؛ أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنْ عَلَى النَّبِيِّ ﴿ .. فَقَالَ:
«ائْذَنُوا لَهُ، فَلَبِئْسَ ابْنُ الْعَشِيرَةِ، أَوْ بِئْسَ رَجُلُ الْعَشِيرَةِ» فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَلانُ لَهُ الْقَوْلَ.
قَالَتْ عَائِشَةُ: فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: قُلْتَ لَهُ الَّذِي قُلْتَ. ثُمَّ أَلَنْتَ لَهُ الْقَوْلَ؟ قَالَ: «يَا عَائِشَةُ!
إِنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، مَنْ وَدَعَهُ، أَوْ تَرَكَةُ النَّاسُ اتَّقَاءَ فُحْشِهِ».
٥٧٤٠ - - وَفِي روايةٍ عَنِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ فِي هَذَا الإِسْنَادِ. مِثْلَ مَعْنَاهُ: غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ: «يْسَ
أَخُو الْقَوْمِ وَابْنُ الْعَشِيرَةِ».
المعنى العام
إن طلاقة الوجه وبشاشته، وحسن اللقاء، أدب من آداب الإسلام، لمن تعرف، ولمن لا تعرف،
للصديق، ولغير الصديق، لمن تهوى، ولمن لا تهوى، لمن تحبه فى اللَّه، ولمن تبغضه فى اللَّه.
هذا عيينة بن حصن الفزاري رئيس قومه، لكنه رجل أحمق غليظ الطبع، خبيث الطوية، قد أسلم
هو وقومه متأخرين، يحس رسول اللَّه ◌ُ أن قلب الرجل مظلم، وأن إيمانه على حرف، فيبغضه الله،
جاء إلى باب بيت رسول اللّه ﴿، فنادى عليه، فعرفه صلى الله عليه وسلم، وكانت معه عائشة، فقال
صلى الله عليه وسلم: بئس هذا الرجل، وبدت على وجهه كراهية لقائه، لكنه لما دخل هش له النبى
*، وألان له الكلام، فلما خرج، وقد رأت عائشة موقفين متناقضين من رسول اللّه ◌َ ﴿، وقد خفى
عليها أن الإسلام يدعو إلى حسن اللقاء، حتى مع الأعداء، والمبغضين، سألت رسول اللّه وح ال: قلت عن
الرجل: بئس الرجل، فلما دخل أحسنت إليه؟ قال: يا عائشة، لست فاحشا ولا متفحشا، وحسن
اللقاء مطلوب، ولو للشرير اتقاء شره، وشر الناس عند الله يوم القيامة من يحذره الناس، ويحسنون
إليه اتقاء شره، وصحت أحاسيس رسول اللّه®، فقد ارتد الرجل فى عهد أبى بكر، وحاربه، وانهزم
وجاء أسيراً، فأسلم من جديد.
المباحث العربية
( أن رجلا استأذن على النبى ®، فقال: ائذنوا له، فلبئس ابن العشيرة، أو بئس
(٧٣) حَدَّْا قَُةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَةً وَعَمْرٌو النّقِدُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَابْنُ ثُمَيْرٍ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ عُبَيْنَةَ وَاللّفْظُ لِزُهَيٍْ
قَالَ حَدَّقْنَا سُفْيَانُ وَهُوَّ ابْنُ عُبَيْنَةً عَنِ ابْنِ الْمُنْكِّرِ سَمِعَ عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ حَدَّثَنْبِي عَائِشَةٌ
- حَدَّفِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيَّدٍ كِلاهُمَّا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَّنَا مَعْمَرْ عَنِ ابْنِ الْمُنْكِّرِ
٧٠

رجل العشيرة) وفى رواية للبخارى ((أن رجلا استأذن على النبى ﴿، فلما رآه قال: بئس أخو
العشيرة، وبئس ابن العشيرة)). والمراد من الرؤية العلم به على الباب، أو رآه يبصره، وكانت البيوت لا
أبواب لها.
قال ابن بطال: هذا الرجل هو عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري، وكان يقال له: الأحمق
المطاع، وكذا فسره به عياض ثم القرطبى والنووى جازمين بذلك.
قال الحافظ ابن حجر: وأخرج عبد الغنى عن عائشة («جاء مخرمة بن نوفل يستأذن، فلما سمع
النبى * صوته، قال: بئس أخو العشيرة». فيحمل على التعدد.
وكان من أمر عيينة بن حصن أنه كان رئيس قومه، وكان أحمق، ومن حمقه - كما أخرج سعيد
ابن منصور - «أنه جاء إلى النبي ، وعنده عائشة، فقال: من هذه؟ قال: أم المؤمنين، قال: ألا أنزل
لك عن أجمل منها؟ فغضبت عائشة، وقالت: من هذا؟ قال: هذا أحمق)».
وارتد عيينة فى زمن أبى بكر، وحارب، ثم رجع وأسلم، وحضر بعض الفتوح فى عهد عمر ﴾
والمراد بالعشيرة الجماعة أو القبيلة، والعشيرة الأدنى إلى الرجل أهله، أى بئس هذا
الرجل من قبيلته.
( فلما دخل ألان له القول) وفى رواية للبخارى ((فلما جلس تطلق النبى 8% فى وجهه،
وانبسط إليه)) ((تطلق)) بفتح الطاء وتشديد اللام، أى أبدى له طلاقة وجهه، وانبساطه غير عابس، وفى
رواية «بش فى وجهه)».
( قالت عائشة: فقلت: يارسول اللَّه، قلت له الذى قلت ثم ألنت له القول؟) وفى
رواية للبخارى «فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يارسول الله، حين رأيت الرجل قلت له، كذا و
كذا، ثم تطلقت فى وجهه، وانبسطت إليه )).
( قال: يا عائشة، إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من ودعه الناس - أو
تركه الناس - اتقاء فحشه) وفى رواية للبخارى ((قال: يا عائشة من متى عهدتنى فاحشا؟ إن
شر الناس عند الله يوم القيامة، من تركه الناس اتقاء شره)». والفحش كل ما خرج عن مقداره، حتى
يستقبح، ويدخل فى القول والفعل والصفة.
فقه الحديث
قال القاضى: هذا الرجل هو عيينة بن حصن، ولم يكن أسلم حينئذ، وإن كان قد أظهر الإسلام،
فأراد النبي ﴿ أن يبين حاله، ليعرفه الناس، ولا يغتر به من لم يعرف حاله، قال: وكان منه فى حياة
النبى# وبعده ما دل على ضعف إيمانه، ووصف النبى # له بأنه بئس أخو العشيرة، من أعلام
النبوة، لأنه ظهر كما وصف، وإنما ألان له القول تألفا له، ولأمثاله على الإسلام.
٧١

قال النووي: وفى هذا الحديث مداراة من يتقى فحشه.
وجواز غيبة الفاسق المعلن فسقه، ومن يحتاج الناس التحذير منه.
قال: ولم يمدحه النبى *، ولا أثنى عليه فى وجهه، ولا فى قفاه، وإنما تألفه لشيء من الدنيا، مع
لين الكلام. اهـ
قال الخطابي: ليس فى قوله صلى الله عليه وسلم فى أمته، بالأمور التى يسميهم بها، ويضيفها
إليهم من المكروه غيبة، وإنما يكون ذلك من بعضهم فى بعض، بل الواجب عليه أن يبين ذلك، ويفصح
به، ويعرف الناس أمره، فإن ذلك من باب النصيحة والشفقة على الأمة، ولكنه لما جبل عليه من
الكرم، وأعطيه من حسن الخلق أظهر له البشاشة، لتقتدى به أمته فى اتقاء شر من هذا سبيله، وفى
مداراته، ليسلموا من شره وغائلته.
قال الحافظ ابن حجر: وظاهر هذا الكلام أن ذلك من جملة الخصائص، وليس كذلك، بل كل من
اطلع من حال شخص على شيء، وخشى أن غيره يغتر بجميل ظاهره، فيقع فى محذور ما، فعليه أن
يطلعه على ما يحذر من ذلك قاصدا نصيحته.
قال القرطبى: والفرق بين المداراة والمداهنة، أن المداراة بذل الدنيا لصلاح الدنيا أو الدين، أو
هما معا، وهى مباحة، وربما استحبت، والمداهنة ترك الدين لصلاح الدنيا.
والله أعلم
٧٢

(٧٠٤) باب فضل الرفق
٥٧٤١- ٤ُلَ عَنْ جَرِيرٍ﴾(٧٤)، عَنِ النَّبِيِّ :﴿ قَالَ: «مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ، يُحْرَمِ الْغَيْرَ».
٥٧٤٢- ١٥ عَنْ جَرِيرٍ ﴾(٧٥) قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِل ◌َ﴿: «يَقُولُ مَنْ يُحْرَمِ
الرِّفْقَ، يُحْرَمِ الْغَيْرَ».
٥٧٤٣- ٦َ عَنْ جَرِيرٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﴾(٧٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ِ: «مَنْ حُرِمَ الرِّفْقَ،
حُرِمَ الْخَيْرَ. أَوْ مَنْ يُحْرَمِ الرِّفْقَ، يُخْرَمِ الْخَيْرَ».
٥٧٤٤ - ٣ٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٧٧)، زَوْجِ النّبِيِّ ◌َ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِف ◌َ قَالَ: «يَا
عَائِشَةُ! إِنَّ اللَّهَ رَفِيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ. وَيُعْطِي عَلَى الرِّفْقِ مّا لا يُعْطِي عَلَى الْعُنْفِ، وَهَا لا يُعْطِي
عَلَى مَا سِوَاهُ».
٥٧٤٥ - ٧٨ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا(٧٨)، زَوْجِ الْنْبِيِّ ◌ِ ﴿لَ، عَنِ النّبِيِّ ◌ِ ◌َ قَالَ: «إِنَّ الرِّفْقَ
لا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلا زَانَهُ. وَلا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلاَ شَالَهُ».
٥٧٤٦- ٩ ٧ وَفِي روايةٍ عَنْ شُعْبَةَ(٧٩): سَمِعْتُ الْمِقْدَامَ بْنَ شُرَيْحٍ بْنِ هَانِئٍ، بِهَذَا الإِسْنَادِ.
وَزَادَ فِي الْحَدِيثِ: رَكِبَتْ عَائِشَةُ بَعِيرًا. فَكَانَتْ فِيهِ صُعُوبَةٌ. فَجَعُلَتْ تُرَدِّدُهُ. فَقَالَ لَّهَا رَسُولُ
اللّهِعَ﴾ : «عَلَيْكِ بِالرَّفْقِ» ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلِهِ.
المعنى العام
الرفق واللين يطوع المشكلات، ويحل العقد، ويتغلب على العقبات، وهو وسيلة ناجحة
(٧٤) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى حَدَّثَنِي يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانٌ حَدْقَنَا مَنْصُورٌ عَنْ تَمِيمٍ بْنِ سَلَّمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلالٍ عَنْ
جریر
(٧٥) خُّدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُوٍ سَعِيدٍ الأَشْجُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ ثُمَّيْرٍ قَالُوا حَدَقْنَا وَكِعٍ حَ وَحَدَّقْنَا أَبُو كُرَيْبٍ حدَّقْنَا
أَبُو مُعَاوِيَةً حٍ وَحَدَّثَّا أَبُو سَعِيدٍ الأَشِجُّ حَدَّثَنَا حَفْصِ يَعْنِيِ ابْنَ غِيَاثٍ كُلَّهُمْ عَّنِ الأَعْمَشِ وَحَدَّثَنَا زَغَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ
إِبْرَاهِيمَ وَاللَّفَظُ لَهُمَّا قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا وَقَالَ إِسْحَقُ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ تَمِيمٍ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلالٍ
الْعَبْسِيِّ قَالَ سَمِعْتُ جَرِيرًا يَقُولُ
(٧٦) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي إِسْمَعِيلَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هِلالٍ قَالَ سَمِعْتُ جَرِيرٌ
ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ
(٧٧) حَدَّثََّا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى النّجِيُّ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ حَدَّفِي ابْنُ الْهَادِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةً
يَعْنِي بِنْتَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ غَائِشَةً
(٧٨) حَدْقََّا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ الْعَنْبَرِيُّ حَدْنَا أَبِي حَدْقَا شَعْبَةُ عَنِ الْمِقْدَامِ وَهُوّ ابْنُ شرَيْحِ بْنِ هَالِيٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ عَائِشَةٌ
(٧٩) حَدَّثَّاه مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَابْنُ بَشَارٍ قَالا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَّعْفَرٍ حَدَّنَا شَعْبَةُ
٧٣

بكل المقاييس للوصول إلى النتائج الأفضل والأحسن، بعكس العنف، الذى إن نجح فى حل
مشكلة خلف وراءه حقدا، ورغبة فى الثأر والانتقام، وما أكثر عدم نجاحه، وتعقيده لغير
المعقد، ومضاعفة تعقيده للعقد، حقا ما دخل الرفق فى شيء إلا زانه وجمله وحسنه، وما
دخل العنف فى شيء إلا شانه وعيبه، وقبحه وأساء إليه، وما أحسن قوله تعالى ﴿خُذِ الْعَقْوَ
وَأُمُزْ بالْعُرْفٍ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف: ١٩٩]. ﴿وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادفَعْ
بِالَّتِيَ هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ﴾ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَ الَّذِينَ صَبَرُوا
وَمَا يُلَقَّهَا إِلاَ نُوحَظٍ عَظِيمٍ﴾ [فصلت: ٣٥،٣٤].
المباحث العربية
( من يحرم الرفق يحرم الخير) أى يحرم قدرًا كبيرًا من الخير، وليس المراد من جميع
الخير، ففى الأعمال الصالحة الأخرى خير كثير، والرفق، بكسر الراء وسكون الفاء. هولين الجانب
بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل، وهو ضد العنف. و((من)) بفتح الميم اسم شرط يجزم فعلين ((يحرم)»
بضم الياء، مبنى للمجهول، مجزوم بالسكون، وحرك بالكسر، للتخلص من التقاء الساكنين، ويحتمل
أن تكون ((من)» موصولة و((يحرم)» مرفوع.
( إن الله رفيق ) فى هذا الوصف كلام كثير، يأتى فى فقه الحديث.
( يحب الرفق، ويعطى على الرفق مالا يعطى على العنف ) هذه مقارنة بين عنف فى
خير، كتربية الأولاد مثلا، وكأمر بالمعروف ونهى عن المنكر، فهو مثاب عليه، وبين الوصول إلى نفس
النتيجة عن طريق الرفق، فالأجر على النتيجة الواحدة يكون لمن استخدم الرفق أكثر منه لمن
استخدم العنف.
( وما لا يعطى على سواه ) الوسائل ثلاث، عنف، ورفق، ووسط لا يوصف برفق ولا بعنف.
فالمراد مما سوى العنف ما لا يوصف بعنف ولا رفق، كالأمور والأوامر العادية الجارية، والمعنى يعطى
أجراء، على الرفق أكبر من الأجر على استخدام العنف، للوصول إلى النتيجة، وأكبر من استعمال
اللاعنف، واللارفق للوصول إلى نفس النتيجة، والقاضى عياض يجعل العطاء عطاء دنيويا، ويريد به
النتائج فيقول: معناه يتأتى به من الأغراض ويسهل به من المطالب، ويحصل به من النتائج ما
لايحصل بغيره.
( إن الرفق لا يكون فى شيء إلا زانه ) يقال: زانه، يزينه، زينا، جمله وحسنه.
( ولا ينزع من شيء إلا شانه) ((ينزع)) بضم الياء، وفتح الزاى، بينهما نون ساكنة، مبنى
للمجهول ويقال: شانه، يشينه شينا، شوهه، وعابه، والشين العيب والقبح.
٧٤

( ركبت عائشة بعيرا، فكانت فيه صعوبة، فجعلت تردده) بضم التاء وفتح الراء
وتشديد الدال الأولى، أى تمنعه وتدفعه بشدة وعنف.
فقه الحديث
يقول النووى: فى هذه الأحاديث فضل الرفق، والحث على التخلق به وذم العنف، والرفق سبب
كل خير.
ويقول: وفى الحديث تصريح بتسمية اللَّه سبحانه وتعالى برفيق. قال المازري: لا يوصف الله
سبحانه وتعالى إلا بما سمى به نفسه، أو سماه به رسول اللّه له أو أجمعت عليه الأمة، وأما ما لم
يرد إذن فى إطلاقه، ولم يرد منع فى وصف الله تعالى به ففيه خلاف. منهم من قال: يبقى على ما
كان قبل ورود الشرع فلا يوصف بحل ولا حرمة، ومنهم من منع. قال: والأصوليين المتأخرين خلاف
فى تسمية الله تعالى بما ثبت عن النبى ® بخبر الآحاد، فقال بعض حذاق الأشعرية: يجوز، لأن
خبر الواحد عنده يقتضى العمل، وهذا عنده من باب العمليات، لكنه يمنع إثبات أسمائه تعالى
بالأقيسة الشرعية، وإن كانت يعمل بها فى المسائل الفقهية، وقال بعض متأخريهم: يمنع ذلك، فمن
أجاز ذلك فهم من مسالك الصحابة قبولهم ذلك فى مثل هذا، ومن منع لم يسلم ذلك، ولم يثبت عنده
إجماع فيه، فيبقى على المنع.
قال المازري: فإطلاق «رفيق» إن لم يثبت بغير هذا الحديث الآحاد، جرى فى جواز استعماله فى
الخلاف الذی ذکرنا.
قال: ويحتمل أن يكون («رفيق)) صفة فعل، وهى ما يخلقه اللَّه تعالى من الرفق لعباده. اهـ
قال النووى: والصحيح جواز تسمية اللّه تعالى رفيقا وغيره مما يثبت بخبر الواحد، وقد قدمنا هذا
واضحا فى كتاب الإيمان، فى حديث ((إن اللَّه جميل، يحب الجمال)) فى باب تحريم الكبر ..
والله أعلم
٧٥

(٧٠٥) باب النهى عن لعن الدواب وغيرها
٥٧٤٧- ١٠ عَنْ عِمْرَانُ بْنِ حُصَيْنٍ﴾(٨٠) قَالَ: بَيْمَا رَسُولُ اللَّهِ ﴿ فِي بَعْضٍ أَسْفَارِهِ،
وَامْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ عَلَى نَاقَةٍ. فَضَجِرَتْ فَلَعَنَتْهَا. فَسَمِعَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ّ. فَقَالَ: «خُذُّوا
مَا عَلَيْهَا وَدَعُوهَا. فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ)» قَالَ عِمْرَانُ: فَكَأْنِّي أَرَاهَا الآنَ تَمْشِي فِي النَّاسِ، مَا يَعْرِضُ
لَهَا أَحَدٌ.
٥٧٤٨ - !! وَفِي رواية عَنْ أَيُّوبَ، يإِسْنَادٍ إِسْمَعِيلَ(٨١)، نَحْوَ حَدِيثِهِ، إِلا أَنَّ فِي حَدِيثٍ
حَمَّدٍ: قَالَ عِمْرَاهُ. فَكَأَنِي أَنْظُرُ إِلَيْهَا نَاقَةٌ وَرْقَاءٌ. وَفِي حَدِيثِ الْقَفِيِّ: فَقَالَ: «خُذُوا مَا عَلَيْهَا
وَأَغْرُوهَا. فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ».
٥٧٤٩- 4٣ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الأُسْلَمِيِّ ﴾(٨٢) قَالَ: بَيْنَمَا جَارِيَةٌ عَلَى نَاقَةٍ، عَلَيْهَا بَعْضُ مَشَاعِ
الْقَوْمِ، إِذْ بَصُرَتْ بِالْبِّ:﴿ّ. وَتَضَايَقَ بِهِمُ الْجَبْلُ. فَقَالَتْ: حَلٍ. اللَّهُمَّ! الْعَنْهَا. قَالَ: فَقَالَ
النّبِيُّ ◌َ﴾: «لا تُصَاحِبْنَا نَاقَةٌ عَلَيْهَا لَغْنَةٌ)» ..
٥٧٥٠- ٨٣ وَفِي رواية عَنْ سُلَيْمَانَ الَّيْمِيّ(٨٣)، بِهَذَا الإِسْنَادٍ، وَزَادَ فِي حَدِيثِ الْمُعْتَمِرٍ
«لا. أَيْمُ اللَّهِ! لا تُصَاحِبْنَا رَاحِلَةٌ عَلَيْهَا لَعْنَةٌ مِنَ اللَّهِ» أَوْ كَمَا قَالَ.
٥٧٥١- ٤ٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٨٤)، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ قَالَ: «لا يَنْبَغِي لِصِدِّيقٍ
أَنْ يَكُونَ لَعَّانًا».
٥٧٥٢- °! أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَادٍ(٨٥) بَعَثَ إِلَى أُمِّ الدَّرْدَاءِ بِأَنْجَادٍ مِنْ عِنْدِهِ. فَلَمَّا أَنْ
(٨٠) حَدََّا أَبُوِ بَكْرِ بْنُ أَبِي شََّةٌ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ جَمِيعًا عَنِ ابْنِ عُلَةً قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِمْ حَدَّثَنَا أَيُوبُ عَنْ أَبِي
قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْمُهَلَّبَ عَنْ عِمْرَانِ بْنِ حُصَیْنِ
(٨١) حَدََّا قُتَّةُ بْنُ سَعِيدٍ وَأَبُو الرَّبِيعِ فَلَا حَدَّثًْا حَمَّادٍ وَهُوَ ابْنُ زَيْدٍ حِ وَحَدَّثَّا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا الْقَفِيُّ كِلاهُمَا عَنْ أَيُّوبَ
(٨٢) حَدَِّا أَبُو كَامِلِ الْجَحْدَرِيُّ فَضَلُ بْنُ حُسَيْنٍ حَدَّقْمَا يَزِيدُ يَعْنِي أَبْنَ زُرّيْعٍ حَدَّثَنَا الَّيْمِيُّ عَنْ أَبِي غُثْمَّانَ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ
الأسلمىّ
(٨٣) حَدََّا مُحَمِّدُ ابْنُ عَبْدِ الأَعْلَى حَدْثَّا الْمُغْتَمِرُ حِ وَحَدَّثِّي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّقْنًا يَحْبَى يَعْنِي ابْنَ سَعِيدٍ جَمِيعًا عَنْ
سُلَيْمَانَ الَّيْمِيِّ.
(٨٤) حَدِّنَا هَارُونٌ بْنُ سَعِيدٍ الأَثِيُّ حَدَّنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَّبِي سُلَيْمَانُ وَهُوَّ ابْنُ بِلالٍ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ عَنْ أَبِهِ
عَنْ أَبِي هُرِّيْرَةً
- حَدَّثِهِ أَبُو كُرَيْبٍ حَدََّا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ مُحْمَّدٍ بْنٍ جَعْفَرِ عِنِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ
(٨٥) حَدَّثَتِي سُؤَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّتِي حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَمْلَمَّ أَنْ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَاتَ
- حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي هِيَةً وَأَبُو غَسَّانِ الْمِسْمَعِيُّ وَعَاصِمٌ بْنُ الْنّضْرِ الْنَيْمِيُّ قَالُوا حَدَّثَنَا مُعْتِمِرُ بْنُ سُلَيْمَانْ ح وِ حَدَّثَنَا
إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ كِلاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أُسْلَمَ فِيَ هَذَا الْإِسْعَادٍ بِمِثْلٍ مَعْنَى حَدِيثِ حَفْصِ بْنِ
مَيْسَرَةً
٧٦

كَانٌ ذَاتَ لَيْلَةٍ، قَامَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنَ اللَّيْلِ، فَدَعَا خَادِمَهُ، فَكَأَنْهُ أَبْطَأَ عَلَيْهِ، فَلَعَنْهُ. فَلَمَّا أَصْحَ
قَالَتْ لَهُ أُمُّ الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُكَ اللَّيْلَةُ لَعَنْتَ خَادِمَكَ حِينَ دَعَوْتَهُ. فَقَالَتْ: سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ
يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلِ﴿: «لا يَكُونُ اللَّعَانُونِ شُفَعَاءٌ، وَلا شُهَدَاءَ، يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
٥٧٥٣ ٦َ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﴾(٨٦): سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ يَقُولُ: «إِنَّ اللُّغَانِينَ لا يَكُونُون
شُهَدَاءَ وَلا شُفَعَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
٥٧٥٤ - ١٧ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٨٧) قَالَ: قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ ادْعُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ. قَالَ:
«إِّي لَمْ أَبْعَثْ لَعَّنًا. وَإِنَّمَا بُعِضْتُ رَحْمَةُ».
المعنى العام
طهارة لسان المؤمن هدف إسلامى ((فالمؤمن من سلم المسلمون من لسانه)» وقد تناولنا فى
أحاديث سابقة الحث على طهارة اللسان من السب والفحش، واللعن نوع من الفحش، أفرد بالذكر
فى هذا الباب لمزيد عناية به، لكثرة جريانه على الألسنة، وتساهل الناس فيه.
ولزيادة المبالغة، والتحذير من اللعن نهى عن لعن الدواب، مع أن لعنها لا يبعدها عن رحمة اللّه،
ولا يترتب عليه حقدها، وتباغضها وتدابرها، وكأنه من قبيل: إياك أعني واسمعى يا جارة.
نعم إنها خلقة اللَّه وصنعته، ولعن المصنوع إساءة للصنعة، وإساءة للصانع، وهذا وإن لم يقصد
من اللاعن ينبغى البعد عنه.
وإكثار اللعن كان سببا من أسباب كثرة دخول النساء جهنم، وكثرة اللعن فى أحاديث الباب
سبب للحرمان من الشفاعة والشهادة، فلا يكون اللاعنون شفعاء، يوم يكثر الشفعاء، ولا شهداء يوم
يتقدم الشهداء.
المباحث العربية.
( بينما رسول اللّه:﴿ فى بعض أسفاره، وامرأة من الأنصار على ناقة) كانت هذه
الناقة تحمل أمتعة للقوم الراجلين، وكانت المرأة صغيرة، جارية، ففى الرواية الثانية ((بينما جارية
(٨٦) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدَّقْنَا مُعَاوِيَةُ بْنُ هِشَامٍ عَنْ هِشَامٍ بْنٍ سَعْدٍ عَنْ زَيْدِ ابْنِ أَسْلَمَ وَأَبِي حَازِمٍ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ أَبِي
الدّزْدَاء
(٨٧) حَدَّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَابْنُ أَبِي عُمَرَ فَالا حَدَّنَا مَرْوَانُ يَعْيَانِ الْفَزَارِيَّ عَنْ يَزِيدَ وَهُوَ ابْنُ كَيْسَانٌ عَنْ أَّبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي
هُرَّيْرَةً
٧٧

على ناقة، عليها بعض متاع القوم)) وجاء فى الرواية الثانية لون الناقة بأنها ((ورقاء)) أى يخالط
بياضها سواد، ويقال للذكر: أورق، وقيل: هى التى لونها كلون الرماد.
( فضجرت، فلعنتها، فسمع ذلك رسول اللَّه) الضمير فى ((فضجرت)) الناقة، أى
تبرمت ونفرت، وتذمرت، وعاندت، وحرنت، ويحتمل أن يكون للجارية، والعطف على محذوف، أى
فنفرت الناقة، فضجرت الجارية بها، أى ضاقت بها، وتبرمت منها، ولعنتها، وأوضحت الرواية
الثانية عبارة اللعن ((فقالت: حل. اللَّهم العنها))، و((حل)) كلمة زجر واستحثاث. يقال: حل. حل.
بفتح الحاء وسكون اللام فيهما عند التكرار، ويقال أيضا: حل. حل. بكسر اللام فيهما، وبالتنوين، وبغير
تنوين. كما بينت الرواية الثانية الظروف التى جعلت الرسول# يسمعها، ففيها ((إذ بصرت بالنبى
# وتضايق بهم الجبل)) أى فكانت قريبة من الرسول ®، بدون قصد، وبحكم ضيق الطريق، ولعلها
خشيت مزاحمته صلى الله عليه وسلم، فأرادت من الناقة جهة، فلم تطاوعها.
( فقال: خذوا ما عليها، ودعوها، فإنها ملعونة ) أى خذوا ما عليها من متاع ورحال و
آلات ودعوها، واتركوها فى الصحراء ترعى، دون صاحب، فلا يليق أن تصاحبنا لعنة فى سفرنا
بمصاحبة شيء ملعون، وفى الرواية الثانية ((لا تصاحبنا ناقة، عليها لعنة)) وفى ملحقها ((لا. ايم اللَّه.
لا تصاحبنا راحلة، عليها لعنة من اللَّه)). أى قسمى ويمينى ألا تصاحبنا، وفى ملحق الرواية الأولى
«خذوا ما عليها، وأعروها)» بهمزة قطع، وضم الراء، يقال: أعريته، وعريته، إعراء، وتعرية، فتعرى، أى
اتركوها عارية، لا شيء عليها.
( قال عمران: فكأنى أراها الآن تمشى فى الناس، ما يعرض لها أحد ) حدث عمران
بهذا الحديث بعد زمن من واقعته، وكان ساعتها، قد رأى الناقة، وقد جردت، ثم أطلقت، تنفيذاً لأمر
رسول اللَّه#، وهو عند التحديث يستحضر تلك الصورة، وكأنها حادثة أمامه الآن.
( لا ينبغي لصديق أن يكون لعانا) أى لاينبغى لمؤمن، قوى الإيمان، بلغ فيه
مبلغ الصديق أن يكون كثير اللعن، فلعان صيغة مبالغة، تدل على الكثرة، فكثرة اللعن من
صفات ضعيف الإيمان، ولا يضر قوى الإيمان أن يصدر منه اللعن مرة ونحوها، لمن يستحق
اللعن، كما سيأتى فى فقه الحديث.
واللعن الإبعاد من رحمة الله، فهو نهاية المقاطعة والتدابر، وهذا غاية ما يوده المسلم للكافر، فلا
يدعى به على من لا يستحق، وإن كان حيوانا.
( أن عبد الملك بن مروان بعث إلى أم الدرداء بأنجاد من عنده ) بفتح الهمزة وسكون
النون، جمع نجد بفتح النون والجيم، وهو متاع البيت، الذى يزين به البيت من فرش ونمارق وستور،
وقال الجوهرى: بسكون الجيم، وجمعه نجود. فهما لغتان، ووقع فى رواية ((بخادم)) بدل ((بأنجاد))
قال النووی: والمشهور الأول.
٧٨

( فلما أن كان ذات ليلة، قام عبد الملك من الليل، فدعا خادمه، فأبطأ
عليه، فلعنه، فلما أصبح قالت له أم الدرداء: سمعتك الليلة لعنت خادمك
حين دعوته ) أى فقال: نعم، وهذه الواقعة حصلت فى بيت عبد الملك بن مروان فى
الشام، والخادم يطلق على الذكر والأنثى، وكان هنا أنثى، فعند أحمد ((كان عبد الملك بن
مروان يرسل إلى أم الدرداء، فتبيت عند نسائه، ويسألها عن النبى 2018، فقام ليلة، فدعا
خادمته، فأبطأت عليه، فلعنها)). والمعنى أنه أرسل إليها الهدية، ودعاها أن تبيت عنده، مع
نسائه، وكانت قد بلغت من الكبرعتيا، فقد ماتت فى خلافة عثمان.
( لا يكون اللعانون شفعاء، ولا شهداء، يوم القيامة) قال النووى: معناه: لا يشفعون يوم
القيامة حين يشفع المؤمنون فى إخوانهم الذين استوجبوا النار، و «لاشهداء)» فيه ثلاثة أقوال:
أصحها وأشهرها: لا يكونون شهداء يوم القيامة على الأمم بتبليغ رسلهم إليهم الرسالات.
والثانى: لا يكونون شهداء فى الدنيا، أى لا تقبل شهادتهم لفسقهم.
والثالث: لا يرزقون الشهادة، وهى القتل فى سبيل اللّه.
فقه الحديث
إنما منعت الناقة الملعونة من المصاحبة زجرا لصاحبتها، ولغيرها، فقد ثبت أنه قد سبق نهيها
ونهى غيرها عن لعن الحيوان، فعوقبت بإرسال الناقة، والمراد النهى عن مصاحبة هذه الناقة فى
الطريق، وأما بيعها، وذبحها، وركوبها، فى غير مصاحبته صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من
التصرفات التى كانت جائزة قبل هذا، فهى باقية على الجواز، لأن الشرع إنما ورد بالنهى عن
المصاحبة، فبقى الباقى كما كان. قاله النووی.
وقال عن حديث ((لا ينبغى لصديق أن يكون لعانا)): فيه الزجر عن اللعن، وأن من تخلق به لا
يكون فيه هذه الصفات الجميلة، لأن اللعنة فى الدعاء، يراد بها الإبعاد عن رحمة اللَّه تعالى، وليس
الدعاء بهذا من أخلاق المؤمنين، الذين وصفهم الله تعالى بالرحمة بينهم، والتعاون على البر والتقوى،
وجعلهم كالبنيان، يشد بعضه بعضا، وكالجسد الواحد، وأن المؤمن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، فمن
دعا علي أخيه المسلم باللعنة - وهى الإبعاد من رحمة اللَّه تعالى، فهو من نهاية المقاطعة والتدابر،
وهذه غاية ما يوده المسلم للكافر، ولهذا جاء فى الحديث الصحيح ((لعن المؤمن كقتله))، لأن القاتل
يقطعه عن منافع الدنيا، وهذا يقطعه عن نعيم الآخرة، وعن رحمة الله تعالى.
ثم قال: وهذا الذم فى الحديث إنما هو لمن كثر من اللعن، لا لمرة ونحوها، ولأنه يخرج عنه أيضا
اللعن المباح، وهو الذى ورد الشرع به، وهو ((لعنة اللَّه على الظالمين))، ((لعن اللَّه اليهود والنصارى))،
((لعن الله الواصلة والمستوصلة))، ((لعن اللَّه شارب الخمر))، ((وآكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه)).
(لعن الله المصورين)). ((لعن اللَّه من انتمى إلى غير أبيه. وتولى غير مواليه))، ((وغير منار الأرض».
وغيرها مما هو مشهور فى الأحاديث الصحيحة.
٧٩

(٧٠٦) باب من لعنه النبى ، أو سبه، أو دعا عليه وليس أهلا
لذلك، كان له زكاة وأجر ورحمة
٥٧٥٥ - ١٨ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا (٨) قَالَتْ: دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِلِ﴿ رَجُلانِ.
فَكُلَّمَاهُ بِشَيْءٍ لا أَدْرِي مَا هُوَ. فَأَغْضَبَاهُ. فَلَعَنَّهُمَا وَسَبَّهُمَا. فَلَمَّا خَرَجًا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ!
مَا أَصَابَ مِنَّ الْخَيْرِ شَيْئًا مَا أَصَابَهُ هَذَانٍ. قَالَ: «وَمَا ذَاكِ؟» قَالَتْ: قُلْتُ: لَعَنْتَهُمَا وَسَبَيْتَهُمَا.
قَالَ: «أَوَ مَا عَلِمْتِ مَا شَرَطْتُ عَلَيْهِ رَبِّي؟ قُلْتُ: اللَّهُمَّا إِنْمَا أَنَا بَشَرٌ. فَأَيُّ الْمُسْلِمِينَ لَعَنْتُهُ أَوْ
سَبَبْتُهُ فَاجْعَلْهُ لَهُ زَكَاةٌ وَأَجْرًا».
٥٧٥٦ - - وَفِي روايةٍ عَنِ الأَعْمَشِ، بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَ حَدِيثٍ جَرِيرٍ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ
عِيسَى: فَخَلَوْا بِهِ فَسَبَّهُمَّا وَلَعَهُمَا وَأَخْرَجَهُمًا.
٥٧٥٧- ١٢٩ُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٨٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿٣: «اللَّهُمَّ! إِنَّمَا أَنَا بَشْرٌ. فَأَيُّمَا
رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ سَبَيْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ أَوْ جَلَدْتُهُ فَاجْعَلْهَا لَهُ زَكَاةً وَرَحْمَةٌ».
٥٧٥٨ - - وَفِي رواية عَنْ جَابِرٍ ﴿هَ، عَنِ النّبِيِّ ◌ِ﴿َ. مِثْلَهُ إِلا أَنَّ فِيهِ «زَكَاةٌ وَأَجْرًا».
٥٧٥٩- شْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٩٠)، أَنَّ النّبِيَّ ◌َ قَالَ: «اللَّهُمَّا إِنِّي أَنْخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ
تُخْلِفَتِهِ. فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ. فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ، شَتَمْتُهُ، لَعَنْتُهُ، جَلَدْتُهُ، فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلاةٌ وَزَكَاةً
وَقُرْبَةٌ، تُقَرِّبُّهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
٥٧٦٠ - - وَفِي روايةٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِهَذَا الإِسْنَادِ، نَحْوَهُ، إِلا أَنَّهُ قَالَ: «أَوْ جَلّدُّهُ». قَالَ أَبُو
الزَِّادٍ: وَهِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةً. وَإِنَّمَا هِيَ «جَلّدْتُهُ».
(٨٨) حَدَّثَّا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي الصُّحَى عَنْ مَسْرُوِقٍ عَنْ عَائِشَةً
- حَدَّثَنَاهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيَّةً وَأَبُو كُرَّيْبٍ قَالاَ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَّةً ح و حَدَّثَنَاهَ عَلِيُّ بْنُ حُجْرِ السَّعْدِيُّ وَإِسْحَقُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ
وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ جَمِيعًاً عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَّشِ
(٨٩) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بَّنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرِ خَدَََّّا أَبِي حَدَّثَّا الأَعْمَشُ عَنَّ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
- وحَّدَّثَنَا ابْنُ نُمَيْرِ حَدْقَنَا أَبِيَّ حَدَّثْنَا الأَعْمَثَنَّ عَنْ أَبِي سُفْيَانُ عَنْ جَّبِرٍ
- حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي ◌ِّةً وَأَبُوٍ كُرَيْبٍ قَالا حَدْقَنَا أَبُو مُعَاوِيَّةٌ حَ وَ حَدَّقْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْبُرْنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ
كِلَاهُمَا عَنِ الْأَغَمَشِ يَإِشَادٍ عَبْدِ اللّهِ بْنٍ ثُمَيْرٍ مِثْلَ حَدِيثِهِ غَيْرَ أَنْ فِي حَدِيثِ عِيسَى جَعَلْ وَأَجْرًا فِي حَدِيثٍ أَبِي هُرَيْرَةً وَجَعَلَ
وَرَحْمَةً فِيَ حَدِيثٍ جَّابِرٍ
(٩٠) حَدَّثَنَا قُِّبَةُ بْنُ سَعِيدٍ خُدْقًا الْمُغِيرَةُ يَعْنِيِ ابْنَ عَبْدِ الرَّحْمِّنِ الْجِزَامِيَّ عَنْ أَبِي الزَّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
- حَدََّاهِ ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّثَنَا سُفْيَاةُ حَدَّثْنَا أَبُو الزِّنَادِ بِهَذَا الإِسْنَادٍ.
- حَدَّثِي سُلَيْمَانُ بْنُ مَعْبَدٍ حَدََّهَا سُلَّيْمَانُ ابْنُ حَرْبٍ خَدَّثَنَا خَّمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
عَنِ الْتِيِّ # بِتَخْرِهِ
٨٠