النص المفهرس

صفحات 561-580

وهذا الجواب بعيد، وخير منه ما ذكره الحافظ ابن حجر نفسه فى موضع آخر، حيث قال: ظهر
لى الآن احتمال آخر، وهو أن يكون المراد بها من خرجت من الأجساد حين خروجها [أى وقبل
استقرارها فى جنة أونار] ولا يلزم من رؤية آدم لها وهو فى السماء الدنيا أن يفتح لها أبواب السماء،
ولا أن تلجها، ويؤيده ما وقع فى حديث أبى سعيد عند البيهقى ولفظه («فإذا أنا بآدم، تعرض عليه
أرواح ذريته المؤمنين، فيقول: روح طيبة ونفس طيبة؛ اجعلوها فى عليين؛ ثم تعرض عليه أرواح
ذريته الفجار؛ فيقول روح خبيثة؛ اجعلوها فى سجين».
وذكرت الروايات يوسف وأنه قد أعطى شطر الحسن [كما فى الرواية الأولى] وكما عند البيهقى
والطبرانى عن أبى هريرة «فإذا أنا برجل أحسن ما خلق الله؛ قد فضل الناس بالحسن؛ كالقمر ليلة
البدر على سائر الكواكب» ظاهر هذا أن يوسف عليه السلام كان أحسن من جميع الناس، لكن روی
الترمذى من حديث أنس «مابعث الله نبيا إلا حسن الوجه، حسن الصوت، وكان نبيكم أحسنهم
وجهاً، وأحسنهم صوتا)) فعلى هذا يحمل ما جاء فى روايتنا الأولى على أن المراد أن يوسف أعطى
شطر الحسن الذى أوتيه نبينا {*، ويحتمل ما جاء فى رواية البيهقى والطبرانى على أن المراد غير
النبى *، ويؤيده قول من قال: إن المتكلم لا يدخل فى عموم خطابه.
وذكرت إدريس عليه السلام، وعقبت عليه بقوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾.
قال الحافظ ابن حجر: وكون إدريس رفع وهو حى لم يثبت من طريق مرفوعة قوية.اهـ.
فالظاهر أن الرفع رفع مكانة، والتنصيص على رفع مكانته لا يمنع رفع مكانة غيره من الأنبياء
مثله، أو أرفع منه. والله أعلم.
وذكرت إبراهيم عليه السلام، ففى الرواية الثانية عشرة ((أما إبراهيم فانظروا إلى صاحبكم)) وفى
الرواية الثالثة عشرة)) ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه، فإذا أقرب من رأيت به شبها صاحبكم -
يعنى نفسه صلى الله عليه وسلم)) وفى الرواية الرابعة عشرة ((ورأيت إبراهيم صلوات اللَّه عليه وأنا
أشبه ولدە به )).
وفى الرواية الأولى ((فإذا أنا بإبراهيم ** مسنداً ظهره إلى البيت المعمور)).
وقد أخرج الطبرى عن قتادة قال: ذكر لنا رسول اللَّه ◌ِ ﴿ قال: ((البيت المعمور مسجد فى السماء،
بحذاء الكعبة، لوخر لخر عليها)».
وعن على أنه سئل عن البيت المعمور، فقال: بيت فى السماء، بحيال البيت، وحرمته فى السماء
كحرمة هذا فى الأرض.
وقد أطنبت الروايات فى وصف عيسى عليه السلام، فذكرت الرواية الثامنة ((عيسى جعد مربوع))
وفى التاسعة ((ورأيت عيسى بن مريم مربوع الخلق، إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس)) وفى الرواية
الثالثة عشرة «ورأيت عيسى بن مريم عليه السلام، فإذا أقرب من رأيت به شبها عروة ابن مسعود»
وفى الرواية الرابعة عشرة ((ولقيت عيسى)) فنعته النبى{ *، فإذا هو ربعة أحمر، كأنما خرج من
٥٦١

ديماس)) - يعنى حماما - وفى الخامسة عشرة ((أرانى ليلة عند الكعبة فرأيت رجلا آدم، كأحسن ما
أنت راء من آدم الرجال، له لمة كأحسن ما أنت راء من اللمم، قد رجلها، فهى تقطر ماء، متكئاً على
رجلين، أو على عواتق رجلين، يطوف بالبيت، فسألت: من هذا؟ فقيل: هذا المسيح ابن مريم».
ومن مجموع الروايات تبرز صورة عيسى عليه السلام، رجلا ليس بالطويل المفرط فى الطول؛
وليس بالقصير الواضح القصر، جعد الجسم مكتزه ممتلئه، ليس بالهزيل النحيل؛ وليس بالغليظ
البطين، رجل يميل إلى الحمرة والبياض، أكثر مما يميل إلى الأدمة والسمرة؛ نضر الوجه؛ كأنما خرج
لساعته من حمام، له شعر يتدلى؛ يجاوز شحمة الأذنين، قد رجله وسرحه ترجيلا حديثا، كأنه يقطر
ماء، لقرب عهده بالغسيل والنظافة.
وليس اتكاؤه على عواتق رجلين علامة على شيخوخته وضعفه؛ بل كثيراً ما يكون هذا الوضع من
أوضاع الاحترام والتكريم.
وأما طواف عيسى عليه السلام فإن كانت الرؤيا رؤيا منام فلا إشكال وإن كانت رؤيا عين
فعيسى حى لم يمت. فلا امتناع من طوافه حقيقة، قاله القاضى عياض رحمه الله.
وسيأتى مزيد إيضاح لهذه النقطة، وارتباطها بالإسراء قريبا عند الكلام عن تلبية موسى
عليه السلام.
أما الكلام عن موسى عليه الصلاة والسلام فقد ذكر فى الروايات بإسهاب يفوق كل ما ذكر عن
سائر الأنبياء، مرة بالوصف الجسمى، ومرة ببيان الحال، ومرة بالمحادثة والمراجعة.
ففى الرواية الثامنة ((موسى آدم)) أى أسمر ((طوال)) أى طويل ((كأنه من رجال شنوءة))
المشهورين بالترفع عن الأدناس، وفى الرواية التاسعة ((جعد)) أى ممتلئ الجسم، وفى الرواية الرابعة
عشرة، ((رجل الرأس)) أى مرجل شعر الرأس مسرحه، وفى الثالثة عشرة ((فإذا موسى ضرب من
الرجال)) أى رجل بين الرجلين فى كثرة اللحم وقلته.
وفى الرواية السابعة ((فأتيت على موسى .. فلما جاوزته بكى فنودى: مايبكيك؟ قال: رب. هذا
غلام بعثته بعدى، يدخل من أمته الجنة أكثر مما يدخل من أمتى».
وفى رواية للبخارى ((فقال موسى: رب، لم أظن أن يرفع على أحد)).
وفى حديث أبى سعيد ((قال موسى: يزعم بنو إسرائيل أنى أكرم على اللَّه. وهذا أكرم على الله
منى)) وفى رواية ((ولوكان هذا هو وحده هان على ولكن معه أمته، وهم أفضل الأمم عند اللَّه)) وفى
رواية «أنه مربموسى عليه السلام، وهو يرفع صوته، فيقول: أكرمته وفضلته؟. فقال جبريل: هذا
موسى. قلت: ومن يعاتب؟ قال: يعاتب ربه فيك. قلت: ويرفع صوته على ربه؟ قال إن اللَّه قد عرف
له حدته».
قال الحافظ ابن حجر: قال العلماء: لم يكن بكاء موسى حسداً. معاذ الله. فإن الحسد فى ذلك
٥٦٢

العالم منزوع عن آحاد المؤمنين، قال تعالى: ﴿ وَنَرَّعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلِّ إِخْوَانًا ﴾ [الحجر: ٤٧]
فكيف بمن اصطفاه اللَّه تعالى؟ بل كان أسفا على ما فاته من الأجر الذى يترتب عليه رفع الدرجة،
بسبب ما وقع من أمته من كثرة المخالفة المقتضية لتنقيص أجورهم، المستلزم لتنقيص أجره، لأن
لكل نبى مثل أجركل من اتبعه؛ ولهذا كان من اتبعه من أمته فى العدد دون من اتبع نبينا {# مع
طول مدتهم بالنسبة لهذه الأمة.
وأما قوله ((غلام)) فليس على سبيل النقص، بل على سبيل التنويه بقدرة اللَّه وعظيم كرمه، إذ
أعطى لمن كان فى ذلك السن ما لم يعطه أحداً قبله ممن هو أسن منه، وقد وقع من موسى من العناية
بهذه الأمة من أمر الصلاة ما لم يقع من غيره؛ ووقعت الإشارة لذلك فى حديث أبى هريرة عند الطبرى
والبزار؛ قال عليه الصلاة والسلام: «وكان موسى أشدهم على حين مررت به، وخيرهم لى حين رجعت
إليه)) وفى حديث أبى سعيد ((فأقبلت راجعا فمررت بموسى - ونعم الصاحب كان لكم - فسألنى: كم
فرض عليك ريك»؟.اهـ
وقال ابن أبى جمرة: إن اللَّه جعل الرحمة فى قلوب الأنبياء أكثر مما جعل فى قلوب غيرهم،
فلذلك بكى رحمة لأمته: وأما قوله: ((غلام)) فإشارة إلى صغر سنه بالنسبة إليه.اهـ
وقال الخطابي: العرب تسمى الرجل المستجمع السن غلاما ما دامت فيه بقية من القوة.أهـ
وقال الحافظ ابن حجر: ويظهرلى أن موسى عليه السلام أشار إلى ما أنعم اللَّه به على نبينا -
عليهما الصلاة والسلام- من استمرار القوة فى الكهولية وإلى أن دخل فى سن الشيخوخة، ولم يدخل
على بدنه هرم، ولا اعترى قوته نقص، حتى إن الناس فى قدومه المدينة لما رأوه مردفا أبا بكر أطلقوا
عليه اسم الشاب، وعلى أبى بكراسم الشيخ، مع كونه فى العمر أسن من أبى بكر اهـ
وقال بعضهم: وقع ما وقع من موسى لأنه ليس فى الأنبياء من له أتباع أكثر من موسى، ولا من له
كتاب أكبرولا أجمع للأحكام من كتابه، فكان من هذه الجهة مضاهيا للنبى *، فناسب أن يتمنى
أن يكون له مثل ما أنعم الله به عليه، من غير أن يريد زواله عنه. اهـ
وقد وردت مراجعة موسى لنبينا - عليهما الصلاة والسلام- بشأن الصلاة فى أكثر الروايات.
قال القرطبى: والحكمة فى تخصيص موسى بمراجعة النبى # فى أمر الصلاة لعلها لكون أمة
موسى كلفت من الصلاة بما لم تكلف به غيرها من الأمم، فثقلت عليهم، فأشفق موسى على أمة
محمد / من مثل ذلك. ويشير إلى ذلك قوله: ((إنى قد جريت الناس قبلك)). اهـ
وقال بعضهم: يحتمل أن يكون موسى لما غلب عليه الأسف فى الابتداء على نقص حظ أمته
بالنسبة لأمة محمد ®، حتى تمنى ما تمنى، يحتمل أن يكون قد استدرك ذلك ببذل النصيحة لهم،
والشفقة عليهم، ليزيل ماعساه أن يتوهم عليه فيما وقع منه فى الابتداء. اهـ
وهذا كلام جيد، وبضمه إلى ما قاله القرطبى يتم المقصود، والله أعلم.
٥٦٣

والظاهر أن الرواية العاشرة والرواية الحادية عشرة ليستا عن ليلة الإسراء فإن رؤية النبى لموسى
-عليهما الصلاة والسلام - كانت بالمسجد الأقصى وبالسماء السادسة، ولم يرد أنه رآه ليلة الإسراء
بوادى الأزرق، وربما بدا للإمام مسلم أن يسوق هاتين الروايتين فى حديث عن الإسراء لمجرد أنهما
تتحدثان عن موسى كما تتحدث أحاديث الإسراء، كما ساق الرواية الخامسة عشرة والسادسة عشرة
عن عيسى والدجال لمجرد أنهما تتحدثان عن عيسى كما تتحدث أحاديث الإسراء، وكما سيسوق
أحاديث رؤية المؤمنين لربهم فى الآخرة وكلامهم معه جل شأنه بمناسبة أحاديث رؤية الرسول
لربه ليلة الإسراء وتكليمه إياه.
وبعيد عندى أن يقال: إن رؤية الرسول # لموسى فى وادى الأزرق ولعيسى يطوف بالبيت وقعتا
ليلة الإسراء، وأن التحديث عنهما تأخر للمناسبة، فإن الروايات فى ذلك ليس فيها ما يربطها
بالإسراء، ولم يرد فى الأحاديث الصحيحة أنه رأى يونس على هذه الحال ليلة الإسراء، وليست هناك
ضرورة لتمحل ربطها به.
وقد أورد الإمام النووى نقلا عن القاضى عياض إشكالا وأجوبة للإشكال على هاتين الروايتين،
ولفظه، قال: فإن قيل: كيف يحجون ويلبون وهم أموات وهم فى الدار الآخرة وليست دار عمل؟
قلنا: إن للمشايخ وفيما ظهرلنا عن هذا أجوبة:
أحدها: أنهم كالشهداء، بل هم أفضل منهم، والشهداء أحياء عند ربهم، فلا يبعد أن يحجوا ويصلوا،
وأن يتقربوا إلى اللَّه تعالى بما استطاعوا، لأنهم وإن كانوا قد توفوا فهم فى هذه الدنيا التى هى دار
العمل، حتى إذا فنيت مدتها، وتعقبتها الآخرة التى هى دار الجزاء انقطع العمل.
(وهذا الجواب عندى بعيد عن القبول، فإن القرآن الكريم بين نشاطهم ومظاهر حياتهم
عند ربهم بأنهم «يرزقون)» ﴿فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمْ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا
بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٧٠] وليس فيها أنهم يعملون ويصلون ويحجون، وليس فى
حديث صحيح ما يثبت قيام الشهداء بالأعمال التى كانوا يعملونها فى الدنيا، بل لهم
أجرها بدون عمل إن أراد الله لهم استمرار الأجر.
بل فى الأحاديث الصحيحة ما يفيد انقطاع الأعمال البدنية بالانتقال من هذه الحياة، كقوله
صلى الله عليه وسلم: ((إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو
ولد صالح يدعو له )».
ثانيها: أن عمل الآخرة ذكر ودعاء، قال تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا
سَلامٌ﴾ [يونس: ١٠] (ولست أرى هذا جواباً عن الإشكال القائل: كيف يحجون ويلبون وهم أموات؟
والمعروف أن الذكر والدعاء فى الدار الآخرة للتمتع والتلذذ لا للعبادة والتقرب، فلا ارتباط بين هذا
الجواب وذاك الإشكال).
ثالثها: أن تكون هذه رؤيا منام فى غير ليلة الإسراء، أو فى بعض ليلة الإسراء كما فى رواية ابن
٥٦٤

عمر رضى الله عنهما ((بينا أنا نائم رأيتنى أطوف بالكعبة .. » وذكر الحديث فى قصة عيسى {} (وهذا
الجواب إن صلح بالنسبة للرواية الخامسة عشرة والسادسة عشرة فإنه لا يصلح بالنسبة للرواية
العاشرة والحادية عشرة).
رابعها: أنه صلى اللّه عليه وسلم أرى أحوالهم التى كانت فى حياتهم ومثلوا له فى حال حياتهم
كيف كانوا؟ وكيف حجهم وتلبيتهم، كما قال صلى الله عليه وسلم: ((كأنى أنظر إلى موسى)) و((كأنى
أنظر إلى عيسى)) و((كأنى أنظر إلى يونس)) عليهم السلام (وهذا جواب حسن، ويزيده حسناً لوقلنا:
إنه صلى الله عليه وسلم تخيلهم كذلك وتمثلهم فى نفسه، بناء على ما أوحى إليه من أمرهم فى
دنياهم، وهذا الجواب بالنسبة للرواية العاشرة والحادية عشرة والثانية عشرة، وفيها كأنى أنظر، أما
بالنسبة للرواية الخامسة عشرة والسادسة عشرة فخير جواب أنها رؤيا منام فى غير ليلة الإسراء.
والله أعلم).
ويؤخذ من الحديث فوق ماتقدم
١- يؤخذ من قوله فى الرواية السابعة ((أحد الثلاثة بين الرجلين)) تواضعه صلى الله عليه وسلم
وحسن خلقه.
٢- وجواز نوم الجماعة فى موضع واحد، وثبت من طرق أخرى أنه يشترط ألا يجتمعوا فى
لحاف واحد.
٣- استدل بعضهم بقوله: ((ثم غسله فى طست من ذهب)» على جواز استعمال إناء الذهب، ورده
النووى بأن هذا فعل الملائكة واستعمالهم، وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا. فيحتاج إلى
إثبات كونهم مكلفين بما كلفنا به، وتعقبه الحافظ ابن حجر. فقال: لايكفى أن يقال: إن
المستعمل له كان ممن لم يحرم عليه ذلك من الملائكة، لأنه لوكان قد حرم على محمد الا
استعماله لنزه أن يستعمله غيره فى أمر يتعلق ببدنه المكرم. ثم قال: ولعل ذلك كان قبل أن يحرم
استعمال الذهب فى هذه الشريعة. ويمكن أن يقال إن تحريم استعماله مخصوص بأحوال الدنيا،
وما وقع فى تلك الليلة كان الغالب أنه من أحوال الغيب، فيلحق بأحكام الآخرة. اهـ
٤- قال الحافظ ابن حجر: وقد أبعد من استدل به على جواز تحلية المصحف وغيره بالذهب، وقال:
خص الطست لكونه أشهر آلات الغسل عرفا، والذهب لكونه أغلى أنواع الأوانى الحسية وأصفاها،
ولأن فيه خواص ليست لغيره، يظهرلها هنا مناسبات، منها أنه من أوانى الجنة، ومنها أنه لا
تأكله النار ولا التراب، ولا يلحقه الصدأ، ومنها أنه أثقل الجواهر فناسب ثقل الوحى. اهـ
قال السهيلى: إن نظر إلى لفظ الذهب ناسب من جهة إذهاب الرجس عنه، وإن نظر إلى معناه
فلوضاءته ونقائه وصفائه، ولأنه أعز الأشياء فى الدنيا. أهـ
٥- فيه فضيلة ماء زمزم على جميع المياه، قال ابن أبى جمرة: وإنما لم يغسل بماء الجنة لما اجتمع
فى ماء زمزم من كون أصل مائها من الجنة، ثم استقرفى الأرض، فأريد بذلك بقاء بركة للنبى و *
٥٦٥

فى الأرض، وقال السهيلى: لما كانت زمزم هزمة جبريل روح القدس لأم إسماعيل جد النبى ₪
ناسب أن غسل بمائها عند دخول حضرة القدوس ومناجاته.
٦- قال ابن أبى جمرة: فى قوله ((ثم حشى إيماناً وحكمة)) إن الحكمة ليس بعد الإيمان
أجل منها، ولذلك قرنت معه، ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا
كَثِيرًا ... ﴾ [البقرة: ٢٦٩]. اهـ
وهذا الحشو يحتمل أن يكون على حقيقته، وتجسيد المعانى جائز، كما جاء فى تجسيد الموت
فى صورة كبش، وكذا وزن الأعمال وغير ذلك من أحوال الغيب، قاله النووى، ويحتمل أنه من باب
التمثيل، وتمثيل المعانى وقع كثيراً، فقد مثلت له الجنة والنار فى عرض الحائط قاله البيضاوى.
٧- قال النووى: فى قوله: ((كنت أرى أثر ذلك المخيط فى صدره» دليل على جواز نظر الرجل إلى صدر
الرجل، ولا خلاف فى جوازه، وكذا يجوز أن ينظر إلى ما فوق سرته وتحت ركبته إلا أن ينظر
بشهوة إلى كل آدمى إلا الزوج لزوجته ومملوكته، وكذا هما إليه، وإلا أن يكون المنظور إليه أمرد،
حسن الصورة فإنه يحرم النظر إليه، إلى وجهه وسائر بدنه، سواء كان بشهوة أو بغيرها، إلا أن
يكون لحاجة البيع والشراء والتطبيب والتعليم ونحوها. اهـ
٨- يؤخذ من قوله: (فربطته بالحلقة) الأخذ بالاحتياط فى الأمور وتعاطى الأسباب، وأن ذلك لا
يقدح فى التوكل على الله، قاله النووى. وأنكره حذيفة، إذ روى عند أحمد والترمذى من حديث
حذيفة قال: تحدثوا أنه ربطه؟ أخاف أن يفر منه وقد سخره له عالم الغيب والشهادة؟ قال
البيهقى: المثبت مقدم على النافى، يعنى من أثبت ربط البراق معه زيادة علم على من نفى ذلك،
فهو أولى بالقبول.
٩- فيه صلاة النبى 8* ببيت المقدس، وأنكرها حذيفة أيضاً، واحتج بأنه لوصلى فيه لكتب عليكم
الصلاة فيه كما كتب عليكم الصلاة فى البيت العتيق، ورده الحافظ ابن حجر فقال: إن أراد
بقوله: ((كتب عليكم)) الفرض منع التلازم، وإن أراد التشريع فقد فرض النبى 8* الصلاة فى بيت
المقدس، فقرنه بالمسجد الحرام وبمسجده فى المدينة فى شد الرحال فى قوله: ((لا تشد الرحال
إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجدى هذا؛ والمسجد الحرام؛ والمسجد الأقصى)» وذكر فضيلة الصلاة فيه
فى غير ما حديث.
١٠- أخذ منه بعضهم أن للسماء أبوابا حقيقية.
١١- وحفظة موكلين بها.
١٢- وأن الباب كان مغلقاً. قال ابن المنير: وحكمته التحقق من أن السماء لم تفتح إلا من أجله
بخلاف ما لووجده مفتوحا.
١٣ - وفيه إثبات الاستئذان.
٥٦٦

١٤- أخذ من قول الحفظة ((ومن معك؟)) أنهم أحسوا برفيق معه وإلا لكان السؤال بلفظ: أمعك أحد؟
وذلك الإحساس إما بمشاهدة لكون السماء شفافة، وإما بأمر معنوى، كزيادة أنوار أو نحوها مما
يشعر بتجدد أمر يحسن معه السؤال بهذه الصيغة، ذكره فى الفتح، وليس بشىء لرواية البخارى
فى الصلاة، وروايتنا الخامسة إذ جاءت بلفظ «هل معك أحد؟)).
١٥- استدل بعضهم بقول جبريل: ((محمد)» على أن الاسم أدل فى التعريف من الكنية، وهذا
الاستدلال غير واضح؛ فالتعريف يكون بما اشتهر به المعرف اسما كان أو كنية أو لقباً.
١٦ - وفيه أنه ينبغى لمن يستأذن أن يقول: أنا فلان - ويسمى نفسه- ولا يقتصر على: أنا، لئلا يلتبس
بغيره، ولأنه ينافى مطلوب الاستفهام.
١٧- وأن المار يسلم على القاعد، وإن كان المار أفضل من القاعد.
١٨ - واستحباب تلقى أهل الفضل بالبشر والترحيب والثناء والدعاء.
١٩ - استنبط ابن المنير من قولهم: ((مرحبا)» جوازرد السلام بغير لفظ السلام؛ وتعقب بأن
قول النبى مرحباً ليس رداً للسلام، وإنما هو تعقيب على رد السلام، ولعل سقطه من
بعض الرواة للعلم به، وقد جاء مصرحا به فى رواية البخارى ونصها عند كل نبى
((فسلمت عليه، فرد السلام ثم قال: مرحباً ».
٢٠- جواز مدح الإنسان فى وجهه إذا أمن عليه الافتتان، قيل: اقتصر الأنبياء على وصفه بهذه الصفة،
وتواردوا عليها، لأن الصلاح صفة تشمل صفات الخير، ولذلك كررها كل منهم، والصالح هو الذى
يقوم بما يلزمه من حقوق الله وحقوق العباد، فمن ثم كانت جامعة لمعانى الخير.
٢١- يؤخذ من قول آدم وإبراهيم ((مرحبا بالابن الصالح)) إشارة إلى افتخارهما بأبوة النبى ل ﴾.
٢٢- فيه أدب موسى ومراعاته جانب النبى -عليهما الصلاة والسلام- إذا أمسك عن جميع ما وقع
منه، حتى فارقه النبى # فلما فارقه بكى وقال ما قال.
٢٣ - استدل باستناد إبراهيم إلى البيت المعمور على جواز الاستناد إلى القبلة بالظهر وغيره، إذ
البيت المعمور كالكعبة فى أنه قبلة من كل جهة، وهذا على القول بأن شرع من قبلنا شرع لنا.
٢٤ - وأن الملائكة أكثر المخلوقات، لأنه لا يعرف من جميع العوالم من تجدد من جنسه فى
كل يوم سبعون ألفا غير ماثبت من الملائكة فى هذا الخبر. قال تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ
جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].
٢٥- وفيه فضيلة ماء النيل والفرات، ورؤيتهما فى السماء من قبيل التمثيل، وإنما أطلق على هذه
الأنهار من الجنة تشبيها لها بأنهر الجنة لما فيها من شدة العذوبة والحسن والبركة.
٢٦ - أخذ ابن أبى جمرة من قوله: ((نهران ظاهران ونهران باطنان)) أن الباطن أجل من الظاهر، لأن
الباطن جعل فى دار البقاء، والظاهر جعل فى دار الفناء، ومن ثم كان الاعتماد على ما فى الباطن.
٥٦٧

٢٧- وفيه فضيلة اللبن، قال القرطبى: يحتمل أن يكون سبب تسمية اللبن فطرة أنه أول شىء يدخل
بطن المولود ويشق أمعاءه، والسرفى ميل النبى # إليه دون غيره أنه كان مألوفاً له، ولأنه لا ينشأ
عن جنسه مفسدة، وقال بعضهم: جعل اللبن علامة الإسلام والاستقامة لكونه سهلا طيباً طاهراً
سائغاً للشاربين، سليم العاقبة، أما الخمر فأم الخبائث، وجالبة الشر فى الحال والمآل.
وظاهر الرواية الأولى أن الإناءين عُرضا على النبى 18# بعد الصلاة فى بيت المقدس، وقبل العروج؛
وظاهر الرواية السابعة أنهما عرضا عليه فى السماء السابعة بعد رؤية البيت المعمور، ثم إن
الروايتين تفيدان أن الذى عرض عليه إناءان لا أكثر، لبن وخمر، وفى رواية للبخارى ((ثم أتيت
بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن)) وفى حديث أبى هريرة عن ابن عائذ
فى حديث المعراج، بعد ذكر إبراهيم قال: ثم انطلقنا، فإذا نحن بثلاثة آنية مغطاة، فقال جبريل:
يامحمد ألا تشرب مما سقاك ربك؟ فتناولت أحدها، فإذا هو عسل، فشريت منه قليلا، ثم تناولت
الآخرفإذا هو لبن، فشربت منه حتى رويت. فقال: ألا تشرب من الثالث؟ قلت: قد رويت. قال:
وفقك اللَّه)) وفى حديث أبى سعيد عند ابن إسحاق ((فصلى بهم - يعنى بالأنبياء- ثم أتى بثلاثة
آنية: إناء فيه لبن، وإناء فيه خمر، وإناء فيه ماء، فأخذت اللبن)).
قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بين الاختلاف إما بحمل ((ثم)) على غير بابها من الترتيب، وإنما
هى بمعنى الواوهنا، وإما بوقوع عرض الآنية مرتين: مرة عند فراغه من الصلاة ببيت المقدس،
وسببه ما وقع من العطش، ومرة عند وصوله إلى سدرة المنتهى، ورؤية الأنهار الأربعة. وأما
الاختلاف فى عدد الآنية وما فيها فيحمل على أن بعض الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر ومجموعها
أربعة آنية، وفيها أربعة أشياء من الأنهار الأربعة التى رآها تخرج من سدرة المنتهى، فعند
الطبرى: لما ذكر سدرة المنتهى «يخرج من أصلها أنهار من ماء غير آسن، ومن لبن لم يتغير
طعمه، ومن خمر لذة للشاربين، ومن عسل مصفى)) فلعله عرض عليه من كل نهر إناء.
٢٨- وعن قوله فى الرواية السادسة: ((ثم عرج بى حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام))
قال الخطابي: هو صوت ما تكتبه الملائكة من أقضية اللّه تعالى ووحيه، وما ينسخونه من اللوح
المحفوظ، أو ما شاء الله تعالى من ذلك أن يكتب ويرفع، وقال القاضى عياض: فى هذا حجة
لمذهب أهل السنة فى الإيمان بصحة كتابة الوحى والمقادير فى كتب الله، من اللوح وما شاء،
بالأقلام التى هو تعالى يعلم كيفيتها، على ما جاءت به الآيات من كتاب الله تعالى، والأحاديث
الصحيحة، وأن ما جاء من ذلك على ظاهره لكن كيفية ذلك وصورته وجنسه مما لا يعلمه إلا الله
تعالى أو من أطلعه على شىء من ذلك من ملائكته ورسله، وما يتأول هذا ويحيله عن ظاهره إلا
ضعيف النظر والإيمان، واللَّه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد، حكمة من اللَّه تعالى، وإظهاراً لما
يشاء من غيبه لمن يشاء من ملائكته وسائر خلقه. وإلا فهو غنى عن الكتب والاستذكار.
سبحانه وتعالى.
٢٩ - قال القاضى عياض: وفى علو منزلة نبينا# وارتفاعه فوق منازل سائر الأنبياء
٥٦٨

صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وبلوغه حيث بلغ من ملكوت السموات، دليل على
علو درجته وإبانة فضله. اهـ
٣٠- يؤخذ من قوله عن البيت المعمور: ((وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه»
كثرة الملائكة، كثرة تفوق كل تصور ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلا هُوَ﴾.
٣١ - وفيه أن الصلوات الخمس فرضت بمكة، وأنها فرضت خمسين صلاة ثم خففت، ويؤخذ من قوله
فى الرواية الأولى: ((فحط عنى خمسا)» أن التخفيف كان خمسا خمسا، وأما قول الكرمانى
اعتماداً على قوله فى الرواية السادسة: ((فوضع شطرها)) الشطر؛ النصف ففى المراجعة الأولى
وضع خمساً وعشرين، وفى الثانية ثلاث عشرة، يعنى نصف الخمس والعشرين بجبر الكسر، وفى
الثالثة سبعا. إلخ. هذا القول من الكرمانى بعيد، ومجموع الروايات يأباه، والشطركما يطلق على
النصف يطلق على البعض.
وهل فرضت الصلاة ليلة الإسراء على ما أقرت عليه وعلى ما انتهت إلينا؟ أو فرضت - كما روى
عن عائشة - ركعتين ركعتين فى الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر؟
خلاف بين العلماء، فمن ذهب إلى الثانى كالحنفية بنى عليه أن القصر فى السفر عزيمة
لارخصة، ومن ذهب إلى الأول قال: إن قول عائشة غير مرفوع، وهى لم تشهد زمان فرض الصلاة،
وإن قولها هذا معارض بحديث ابن عباس («فرضت الصلاة فى الحضر أربعا وفى السفر ركعتين)»،
وقد رواه مسلم.
وحاول الحافظ ابن حجر الجمع بين الروايتين فقال: والذى يظهر لى، وبه تجتمع الأدلة
السابقة أن الصلوات فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين إلا المغرب، ثم زيد بعد
الهجرة عقب الهجرة إلا الصبح فترك لطول القراءة، ثم بعد أن استقر فرض الرباعية
خفف منها فى السفر عند نزول قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنّاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ
الصَّلاةِ﴾ [النساء: ١٠١]. فعلى هذا: المراد بقول عائشة: ((فأقرت صلاة السفر)» أى باعتبار
ما آل إليه الأمر بالتخفيف، لا أنها استمرت منذ أن فرضت. اهـ
وهذه المحاولة يعوزها الدليل، وسندها ضعيف، واحتمالها بعيد، والذى أميل إليه أنها فرضت ليلة
الإسراء على ما هى عليه، ثم خفف اللَّه [بالقصر] على المسافرين، ورفع عنهم الحرج والمشقة
للتيسير واللَّه أعلم.
والحكمة فى وقوع فرض الصلاة ليلة الإسراء أنه لما قدس ظاهراً وباطنا حين غسل بماء زمزم
وبالإيمان والحكمة، ومن شأن الصلاة أن يتقدمها الطهور ناسب ذلك أن تفرض الصلاة فى تلك
الحالة، وليظهر شرفه فى الملأ الأعلى. كذا قيل. وقال ابن أبى جمرة: فى اختصاص فرضيتها
بليلة الإسراء إشارة إلى عظم بيانها، ولذلك اختص فرضها بكونه بغير واسطة جبريل.اهـ كما
أشارابن أبى جمرة إلى الحكمة فى كونها كانت كذلك بركوع وسجود بأنه لما عرج به صلى اللّه
٥٦٩

عليه وسلم رأى فى تلك الليلة تعبد الملائكة، وأن منهم القائم فلا يقعد، والراكح فلا يسجد،
والساجد فلا يقعد، فجمع الله له ولأمته تلك العبادات كلها فى كل ركعة يصليها العبد بشرائطها
من الطمأنينة والإخلاص.
٣٢- واستدل به على عدم فرضية ما زاد على الصوات الخمس كالوتر.
٣٣- واستدل به على عدم جواز النسخ قبل الفعل، ألا ترى أنه عز وجل نسخ الخمسين
بالخمس قبل أن تصلى؟ ذهب إلى ذلك الأشاعرة ، ومنعه المعتزلة ، وفى الموضوع
بحث طويل للأصوليين والشراح.
٣٤- استدل بقوله: «هى خمس وهى خمسون» على فضل الله على أمة محمد صل.
٣٥- واستدل من المراجعة على استحباب الإكثار من سؤال اللَّه تعالى وتكثير الشفاعة عنده.
٣٦- واستدل به على فضيلة الاستحياء.
٣٧ - وعلى بذل النصيحة لمن يحتاج إليها وإن لم يستشر الناصح فى ذلك.
٣٨- وأن التجربة أقوى فى تحصيل المطلوب من المعرفة الكثيرة، لقول موسى إنى قد بلوت بنى
إسرائيل وخبرتهم، وقد فرض على بنى إسرائيل صلاتان، فما قاموا بهما.
٣٩- ويستفاد منه تحكيم العادة، والتنبية بالأعلى على الأدنى، لأن من سلف من الأمم كانوا أقوى
أبدانًا من هذه الأمة.
٤٠- استدل به على تكليم اللَّه لمحمدعُ من غير واسطة.
٤١- استدل به على أن الجنة والنار مخلوقتان الآن خلافاً للمعتزلة.
٤٢- استدل به على فضل السير بالليل على السير بالنهار، وقد ورد ((عليكم بالدلجة فإن
الأرض تطوى بالليل».
٤٣- استدل النووى من وضع موسى أصبعيه فى أذنيه - كما جاء فى الرواية الحادية عشرة - على
استحباب وضع الأصبع فى الأذن عند رفع الصوت بالأذان ونحوه مما يستحب له رفع الصوت،
وهذا مبنى على أن شرع من قبلنا شرع لنا.
والله أعلم
٥٧٠

(٩٨) باب رؤية الرسول # لربه ليلة الإسراء والمعراج
٣٠٦ - ٢٨٠ عَنِ الشَّيَْانِيّ(٢٨) قَالَ: سَأَلْتُ زِرَّ بْنَ خُيَيْشٍ عَنٍ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَكّان
قَابَ قَوْسَيْنٍ أَوْ أَذْنَى﴾ [النجم: ٩] قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ مَسْعُودٍ؛ أَنَّ النّبِيِّ:﴿ رَأَى جِبْرِيلَ لَهُ
سِتُّمِائَةٍ جَنّاحٍ.
٣٠٧ - لِلُّ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ﴾(٢٨١) قَالَ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] قَالَ: رَأَى
جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلامِ لَهُ سِتْمِائَةٍ جَنَاحٍ.
٣٠٨ - ٢٨٣ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ ﴾(٢٨٢) قَالَ: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٨]
قَالَ: وَأَى جِبْرِيلَ فِي صُورَتِهِ لَهُ سِتُّمِائَةٍ جَنَاحٍ.
٣٠٩ - ٢٢٣ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً ﴾(٢٨٣) ﴿وَلَقَدْ رَآهُ تَزْلَةٌ أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣]
قَالَ : رَأَى جِبْرِيلَ.
٣١٠ - ٢٨٤ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا (٢٨٤) قَالَ: رَآهُ بِقَلْبِهٍ.
٣١١ - ٢٣٥ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيّ اللَّهُ عَنْهُمَا(٢٨٥) قَالَ: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾
[النجم: ١١] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] قَالَ: رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرَِّيْنِ.
٢٨٦ بِهِذَا الإِسْنَادِ(٢٨٦).
٣١٢ - ٢٣٧ عَنِ مَسْرُوقٍ(٢٨٧)؛ قَالَ: كُنْتُ مُنْكِنًا عِنْدَ عَائِشَةَ. فَقَالَتْ: يَا أَبَا عَائِشَةٌ، ثَلاثٌ مَنْ
تَكُلِّمَ بِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرْيَةَ. قُلْتُ: مَا هُنَّ؟ قَالَتْ: مَنْ زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا لَّ
رَأَى رَبَّهُ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرِّيَةَ. قَالَ وَكُنْتُ مُتْكِنًا فَجَلَسْتُ. فَقُلْتُ: يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ،
أَنْظِرِي وَلا تَعْجَلِي. أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ بِالْأُفُقِ الْمُبِينِ﴾ [التكوير: ٢٣]
(٢٨٠) وحَدَِّي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ حَدَّقْنَا عَبَّدٌ وَهُوَ ابْنُ الْعَوَّامِ حَدَّثَنَا الشََّائِيُّ
(٢٨١) حَذََّا أَبُو بَكْرِ بَنَّ أَبِي شَيْبَةً حَدَّقَا حَفْصُ بْنُّ غِيَاثٍ عَنِ الشََّالِيِّ عَنِ زِرِّ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ
(٢٨٢) حَدَّنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنَ مَّعَاذٍ الْعَنْرِيُّ حَدَّْنَا أَبِي حَدََّا شُعْبَةٌ عَنِ سُلَيْمَانَ الشََّانِيِّ سَمِعَ زِرَّ بْنَ حُبَيْشٍ عَنٍ عَبْدِ اللَّهِ
(٢٨٣) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةٌ خَدَّثَنَا عَلِيُّ بَّنْ مُسْهِرٍ عَنٍ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنٍ عَطّاءٍ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةً
(٢٨٤) حَدَّثََّا أَبُو بَكْرَ بْنُ أَبِي شَيْبَةً حَدَّقَا حَفْصٌّ عَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ عَنِ عَطَّاءٍ غَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
(٢٨٥) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو سَعِيدٍ الأَشْجُّ جَمِيعًا عَنٍ وَكِيَعٍ قَالَّ الأَشْجِّ حَدْقَّا وَكِيمٌ حَدَّقْنَا الأَعْمَشُ عَنِ زِيَادِ ئْنِ
الْحُصَّيْنِ أَبِي جَهَّمَةَ عَنِ أَبِي الْعَالِمَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
(٢٨٦) حَدَّثْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيَ شَيْئَةٌ حَدَّقْنَا حَفْصَُ بْنُ غِيَاثٍ عَنِ الأَعْمَثِ حَدََّا أَبُو جَهْمَةُ بِهَذَا الإِسْنَادِ.
(٢٨٧) حَذَّبِي زُهَيْرُ بْنُّ حَرْبٍ حَدَّثْنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنٍ ذَّاوُدَ عَنِ الْشَغْبِيِّ عَنٍ مَسْرُوفٍ
٥٧١

﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى﴾ [النجم: ١٣] فَقَالَتْ: أَنَا أَوَّلُ هَذِهِ الأُمَّةِ سَأَلَ عَنِ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ
*. فَقَالَ «إِنَّمَا هُوَ جِبْرِيلُ. لَمْ أَرَهُ عَلَى صُورَتِهِ الَّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا غَيْرَ هَاتَيْنِ الْمَرََّيْنِ. وَأَيْتُهُ
مُنْهَطًا مِنَ السَّمَاءِ. سَادًا عِظَمُ خَلْقِهِ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ إِلَى الأَرْضِ» فَقَالَتْ: أَوَ لَمْ تَسْمَعْ أَنَّ اللَّهَ
يَقُولُ: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] أَوَلَمْ
تَسْمِعْ أَنَّ اللَّة يَقُولُ: ﴿وَمَّا كَانَ لِيَشَرِ أَنْ يُكُلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًّا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ
رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١] قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ
◌ِ* كَتَمّ شَيْئًا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرِيَةَ. وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بُلِّغْ مّا
أَنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَّا بَلَّغْتَ رِسَالَّهُ﴾ [المائدة: ٢٧] قَالَتْ: وَمَنْ زَعَمَّ أَنْهُ
يُخْبِرُ بِمَا يَكُونُ فِي غَدٍ فَقَدْ أَعْظَمَ عَلَى اللَّهِ الْفِرِيَةَ. وَاللَّهُ يَقُولُ: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي
السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ الْغَيْبَ إِلا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥].
٣١٣-٢٨٨ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُلَيَّةٌ(٢٨). وَزَادَ: قَالَتْ: وَلَوْ كَانَ مُحَمَّدٌ ﴿ كَائِمًا شَيْئًا مِمَّا
أُنْزِلَ عَلَيْهِ لَكُنَمَ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَإِذْ تَقُولُ لِلْذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ
زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَّا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ
تَخْشَاهُ﴾ [الأحزاب: ٣٧].
٣١٤ - ٢٣٩ عَنٍ مَسْرُوقٍ(٢٨٩)؛ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ: هَلْ رَأَى مُحَمَّدٌلَ﴿ رَبَّهُ؟ فَقَالَتْ: سُبْحَانٌ
اللَّهِ لَقَدْ قَفَّ شَعَرِي. لِمَا قُلْتٌ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ. وَحَدِيثُ دَاوُدَ أَتَمُّ وَأَطْوَلُ.
٣١٥ -٢٩٠ عَنِ مَسْرُوقٍ(٢٩٠)؛ قَالَ قُلْتُ لِعَائِشَةَ: فَأَيْنَ قَوْلُهُ: (ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى﴾ فَكَانَ قَابٌ
فَوْسَيْنِ أَوْ أَذْنَى ﴾ فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مّا أَوْحَى﴾ [النجم: ٨-١٠] قَالَتْ: إِنَّمَا ذَاكَ جِبْرِيلُ
◌َ﴿ كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ الرِّجَالِ وَإِنَّهُ أَتَاهُ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ فِي صُورَتِهِ الَّتِي هِيَ صُورَتُهُ فَسَدً
أُفُقَ السَّمَاءِ.
٣١٦- ٣٩١ عَنٍ أَبِي ذَرّ﴾(٢٩١) قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللّهِ ﴿ هَلْ رَأَيْتَ رَبَّكَ؟ قَالَ: «نُورٌ
أنّى آرَاهُ ».
(٢٨٨) حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى حَدَّقْنَا عَبْدُ الْوَهَّبِ حَدَّثْنَا دَاوُدُّ بِهَذَا الإِسْنَادِ لَحْوَ حَدِيثِ ابْنٍ عَلَيَّةٌ
(٢٨٩) حَدَّثْنَا ابْنُ لُمَيْرٍ حَدَّقْنَا أَبِي حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ عَنِ الشَّغْبِيِّ عَنَّ مَسْرُوَقٍ
(٢٩٠) وحَذََّا ابْنُ نُمَّيْرِ حَدَّثَ أَبُوِ أُسَامَةً حَدَّثْنَا زَكْرِيَّاءُ عَنِ ابْنِ أَشْوَعَ غَنِ عَامِرٍ عَنِ مَسْرُوقٍ
(٢٩١) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّا وَكِيعٌ عَنِ يَزِيدَ بْنِ إِبْرَاهِيمُ عَنٍ قَدَةً عَنٍ عَبْدِ اللَّهِ أَّنِ شَقِيقٍ عَنٍ أَبِي ذَرِّ
٥٧٢

٣١٧ -٣٩٢ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ (٢٩٢). قَالَ قُلْتُ لأَبِي ذَرِّ: لَوْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ لَسَأَلْتُهُ.
فَقَالَ: عَنٍ أَيِّ شَيْءٍ كُنْتَ تَسْأَلُهُ؟ قَالَ: كُنْتُ أَسْأَلُهُ هَلْ رَأَيْتَ رَّبِّكَ؟ قَالَ أَبُو ذَرَ: قَدْ سَأَلْتُ
فَقَالَ: « رَأَيْتُ نُورًا ».
المعنى العام
شغل موضوع رؤية الرسول * لربه ليلة الإسراء أذهان كثير من الصحابة والتابعين والعلماء
والفقهاء والمحدثين فترة طويلة من الزمن، فقد لقى ابن عباس كعبا بعرفة، فقال ابن عباس: إنا بنو
هاشم نقول: إن محمدا رأى ربه مرتين، فكبر كعب، ورفع صوته بالتكبير حتى جاوبته الجبال، ثم
قال: إن الله قسم رؤيته وكلامه بين موسى ومحمد، فكلم موسى مرتين ورآه محمد مرتين.
وعلمت عائشة بهذا الرأى، وهى تعتقد نقيضه، فأخذت تعلن: من حدث أن محمداً رأى ريه فقد
أعظم على الله الكذب والافتراء.
وأصبح الباحثون وراء الحقيقة فى حيرة من الأمر، مرة يذهبون إلى ابن مسعود وأخرى إلى أبى
ذر، وثالثة إلى ابن عباس، ورابعة إلى عائشة، وهكذا، وممن لجأ إلى عائشة مسروق بن الأجدع المكنى
بأبى عائشة التابعى الفقيه الزاهد، وكان قاضيا بالكوفة، لا يأخذ على القضاء رزقا، وكان يحب
عائشة حتى اتهم بالتباطؤ عن على فى حروبه، رحل من الكوفة إلى عائشة بالمدينة ليسمع رأيها فى
الموضوع، فسلم من وراء حجاب، ثم جلس واتكا، ثم قال: يا أماه. هل رأى محمد ل ربه؟ فقالت له:
سبحان الله، لقد اقشعر جلدى، واهتز شعرى مما قلت، أين أنت من ثلاث، من حدث بهن فقد كذب،
من حدث أن محمداً رأى ربه فقد كذب، لأن اللَّه يقول: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ [الأنعام، ١٠٣] أى لا
يراه ولا يحيط به أحد من خلقه، ويقول: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاء حِجَابٍ أَوْ
يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١] أى لا يكلم اللَّه بشراً من خلقة إلا على حالة من
هذه الحالات فكيف يراه محمد
ومن حدثك أن محمداً 8 كتم شيئاً مما أوحى إليه ولم يبلغه للأمة فقد كذب لأن اللّه يقول:
﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلْغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: ٦٧] ولوكان
الرسول كاتما شيئاً لكتَمْ عَتاب اللَّه له فى قوله: ﴿ وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ
أَمْسِكْ عَلَيْكَ رَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَّخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ
تَخْشَاءُ﴾ [الأحزاب: ٣٧] ومن حدثك أن محمداً يعلم ما فى غد فقد كذب، لأن اللَّه يقول: ﴿وَمَا تَدْرِي
نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَذَا ﴾ [لقمان: ٣٤].
(٢٩٢) حَدَِّا مُحَمَّدُ بْنُ بَثَّارٍ حَذِّنَا مُعَاذٌ بْنَّ هِشَامٍ حَدََّا أَبِي حِ وَ حَدَِّي حَجَاجُ بْنُ الشَّاعِرِ حَدُّهَا عَقَّالُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَ هَمَّام
كِلاهُمَا عَنٍ قَنَادَةُ عَنٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ شَفِيقٍ
٥٧٣

سمع مسروق من أم المؤمنين هذه الفتوى - وكان يعلم فتوى ابن عباس فى قوله تعالى: ﴿مَا
كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَىِ﴾ أَفْتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: ١١-١٣] وأنه قال: رآه
بفؤاده مرتين، ورواية أبى ذر أنه سأل رسول اللَّه ﴿: هل رأيت ربك؟ فقال: ((رأيت نوراً)) وكان متكئاً
عند عائشة - كعادة العرب المستأنسين لحديث غير العجلين على القيام، فقد جاء من سفر بعيد -
ولكن هذه الفتوى المهمة جعلته يعتدل فى جلسته ويتوثب - فى أدب - لمناقشتها، فقال: ياأم
المؤمنين رفقا بى، وصبرا على، وحلما على جرأتى، أمهلينى ولا تعجلينى، وافسحى لى صدرك وإن قَفَّ
شعرك. ألم يقل اللَّه تعالى: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَى﴾ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ فَأَوْحَى إِلَّى عَبْدِهِ مَا
أُوْحَى﴾ [النجم: ٨-١٠]؟ فقالت: أنا أول من سأل رسول الله : ﴿ عن هذه الآية، فقال: إنما هو جبريل لم
أره على صورته التى خلق عليها إلا هاتين المرتين، ورأيته منهبطاً من السماء عظيم الخلقة له ستمائة
جناح على رفرف خضر، يسد الأفق بين السماء والأرض.
ورجع مسروق إلى الكوفة ينشر فتوى أم المؤمنين بين أتباعه وتلاميذه فرضى اللّه عن الصحابة
والتابعين، والعلماء العاملين المحققين.
المباحث العربية
(لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) اللام فى جواب قسم محذوف و)»آيات ريه)» مفعول
((رأى)) و((من)) زائدة و((الكبرى)» صفة لآيات ربه، ويجوز نعت الجماعة بنعت الواحدة كقوله تعالى:
﴿وَلِيَ فِيهَا مَارِبُ أُخْرَى﴾ [طه، ١٨] والتقدير: والله لقد رأی آيات ربه الكبرى، والمراد بها جميع ما
رأى صلى الله عليه وسلم ليلة الإسراء، ويصح أن يكون ((الكبرى)) صفة لموصوف محذوف، والجار
والمجرور ((من آيات ربه)) متعلق بمحذوف حال، مقدم من تأخير، والتقدير: والله لقد رأى الآية
مندرجة فى آيات ربه وواحدة منها، والمراد بالآية الكبرى جبريل عليه السلام فى صورته الحقيقية،
وهذا التقدير هو المناسب للرواية التى معنا.
(ولقد رآه نزلة أخرى) أى رأى محمد جبريل - عليه السلام- فى صورته الحقيقية مرة
أخرى فى السماء عند سدرة المنتهى بعد أن رآه المرة الأولى بنفس هيئته فى الأرض، ((نزلة)» مصدر
من نزل، نصبت نصب الظرف الذى هو مرة، لأن الفعلة اسم للمرة من الفعل، فكانت فى حكمها، ولم
يقل: ((مرة)) بدل ((نزلة)» ليفيد أن الرؤية كانت بنزول ودنو كالرؤية الأولى. وقال ابن عباس: رأى ربه
سبحانه وتعالى، وعلى هذا معنى ((نزلة أخرى)) يعود إلى النبى {®، فقد كانت له نزلات وعرجات فى
تلك الليلة.
(ما كذب الفؤاد ما رأى) ((كذب)) بتخفيف الذال، و))كذب)) بتشديدها بمعنى واحد، وبهما
قرئ، ((وما)) موصولة مفعول ((كذب)) و))أل)) فى ((الفؤاد)) للعهد أو عوض عن المضاف إليه، والتقدير:
ماكذب فؤاد محمد 3 ما رآه ببصره من صورة جبريل عليه السلام، أى ما كذب الفؤاد المبصر، أى ما
٥٧٤

أنكره، بل عرفه كما عرفه البصر، وقيل: المرئى هو اللَّه سبحانه، رآه صلى الله عليه وسلم بعينى رأسه،
وقيل: بقلبه كما سيأتى فى فقه الحديث.
( ثلاث من تكلم بواحدة منهن فقد أعظم على اللَّه الفرية) ((ثلاث)) مبتدأ، سوغ الابتداء
به مراعاة الوصف أو الإضافة. أى ثلاث كلمات، والفرية بكسر الفاء الكذب، يقال فرى الشىء يفريه
فريا، وافتراه يفتريه افتراء إذا اختلقه، وجمع الفرية فری، وفى رواية البخارى ((أين أنت من ثلاث
من حدثكهن فقد كذب)»؟.
( أنظرينى ) أى أمهلينى، واتركى لى فرصة الكلام.
( رأيته منهبطاً من السماء ساداً عظم خلقه ما بين السماء إلى الأرض ) قال النووى:
هكذا هو فى الأصول ((ما بين السماء إلى الأرض)) وهو صحيح، وأما ((عظم خلقه)) فضبط على وجهين،
أحدهما بضم العين وإسكان الظاء، والثانى بكسر العين وفتح الظاء، وكلاهما صحيح. اهـ
(سبحان اللَّه! لقد قَفَّ شعرى لما قلت) ((سبحان اللَّه)) مقصودها بذكره التعجب من
جهل مثل هذا، وأما قولها «قف شعرى)) فمعناه قام شعرى من الفزع، لسماعى ما لا ينبغى أن يقال.
قال النضر بن شميل: القف بفتح القاف وتشديد الفاء كالقشعريرة، وأصله التقبض والاجتماع، لأن
الجلد ينقبض عند الفزع والاستهوال، فيقوم الشعر لذلك.
(ثم دنا فتدلى) أى ((ثم دنا)) جبريل من رسول اللَّهل﴿ ((فتدلى)) فزاد فى القرب، والتدلى هو
النزول بقرب الشىء، فالترتيب طبيعى، وقيل: التدلى هو الامتداد إلى جهة السفل، والكلام على
التقديم والتأخير، وأصله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى﴾ وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى﴾ [النجم: ٥-٧]
ثم تدلى فدنا، لأن التدلى سبب الدنو. فالفرق بين الرأيين فى معنى التدَلَى، هل هو القرب بعد العلو
فالترتيب طبيعى، أو هو الامتداد إلى جهة السفل، ففى الكلام تقديم من تأخير، وقيل على الرأى
الثانى أيضاً: ثم دنا جبريل من الأرض بعد استوائه فى الأفق الأعلى ونزل إلى النبى الا.
( فكان قاب قوسين أو أدنى ) القاب فى اللغة القدر، وقد جاء التقدير بالقوس والرمح
والسوط، والمعنى: فكانت مسافة القرب مقدار قوسين أو أقرب. ولما كان الأصل فى معنى ((أو))
الشك، واللَّه منزه عن الشك عليم بحقائق الأشياء قيل: إن ((أو)) بمعنى ((بل)) فهى للإضراب والانتقال.
وقيل: إن الشك بالنظر للمخاطبين إذ اللَّه خاطب العباد على لغتهم، ومقدار فهمهم، والمعنى: أدنى
من القوسين فى تقديركم.
(فأوحى إلى عبده ما أوحى) المراد من العبد محمد# وقيل: جبريل، وفى تقدير المعنى
آراء للمفسرين، أشهرها وأكثرها: فأوحى جبريل إلى عبد اللّه محمد* ما أوحى، وقيل: فأوحى اللَّه
تعالى إلى عبده محمد { ما أوحى، وقيل: فأوحى الله إلى عبده جبريل ما أوحى، فبلغ جبريل محمداً
ما أوحى إليه. وكل هذه الأقوال صالحة على أن الذى دنا فتدلى جبريل، أما على قول من يرى أنه رب
العزة فلا يناسبه إلا القول الثانى.
٥٧٥

وفى إبهام الموحى به تفخيم وتهويل، قيل: أوحى إليه أن الجنة محرمة على الأنبياء حتى
تدخلها، وعلى الأمم حتى تدخلها أمتك.
( نور أنى أراه ) ((نور)» بالرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أى الذى رأيته نور، و)) أنى)» بالنون المشددة
المفتوحة بمعنى كيف، استفهام إنكارى بمعنى النفى، أو تعجبى، والمعنى: حجابه النور فكيف أراه؟
أى النور منعنى من الرؤية، كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار ومنعها من إدراك الشىء الذى
حالت بين الرائى وبينه.
قال المازري: وروى ((نورانى)) بضم النون وفتح الراء ممدودة وكسر النون وتشديد الياء، أى هو
نورانى قال القاضى عياض: هذه الرواية لم تقع لنا، ولا رأيتها فى شىء من الأصول.
(قد سألت فقال) الرواية هكذا ((سألت)) بحذف المفعول، والتقدير: قد سألته.
فقه الحديث
اختلف العلماء سلفهم وخلفهم فى رؤية نبينا محمد لربه ليلة الإسراء والمعراج على
مذاهب أربعة:
الأول: إنكارها إنكاراً مطلقا.
الثانى: إثباتها بعينى الرأس.
الثالث: إثباتها بالفؤاد.
الرابع: التوقف.
يتزعم الرأى الأول أم المؤمنين عائشة - رضى اللَّه عنها - ويتابعها أبو هريرة وابن مسعود فى
المشهور عنه، وأبو ذر فى رواية، وهو رأى جماعة من المحدثين والمتكلمين.
وعائشة فى حديثنا تؤكد إنكارها بأساليب مختلفة، وبعبارات بالغة، فهى تتعجب من جهل
مثبت الرؤية بقولها فى الرواية الخامسة ((سبحان الله)) ثم تستبشع هذا القول، تهلع له وتفزع وتقول
((لقد قف شعرى لما قلت)) ثم تصف المتحدث بالرؤية بأنه قد أعظم على اللَّه الفرية، ثم تجعله فى
درجة المتحدث بأن محمداً كتم بعض ما أوحى إليه، أو أنه يعلم الغيب.
ثم تستدل على هذا الإنكار بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدركُ الأَبْصَارَ وَهُوَّ اللَّطِيفُ
الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: ١٠٣] وبقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكُلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيَا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ
رَسُولَا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الشورى: ٥١].
ثم ردت دليل المثبتين وفسرت آيات سورة النجم بأن المرئى فيها جبريل عليه السلام، وأيدها
بعضهم بما رواه مسلم عن النبى ول أنه قال: «واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا ».
٥٧٦

ويتزعم القول بإثبات الرؤية ابن عباس وكعب والحسن، وبه قال سائر أصحاب ابن عباس، وجزم
به الزهرى وصاحبه معمر وآخرون، وهو قول الأشعرى وغالب أتباعه، نعم ذهب بعض هؤلاء إلى الرأى
الثالث وهو أن الرؤيا كانت بالفؤاد لا بالعين، وقد أخرج النسائى بإسناد صحيح عن ابن عباس قال:
((أتعجبون أن تكون الخلة لإبراهيم والكلام لموسى، والرؤية لمحمد وَ لا؟.
وأخرج ابن إسحاق أن ابن عمر أرسل إلى ابن عباس: هل محمد رأى ربه؟ فأرسل إليه أن نعم.
وروايتنا الثالثة يقول فيها ابن عباس ((رأى ربه بفؤاده مرتين )».
وأخرج الترمذى عن عكرمة عن ابن عباس قال: رأى محمد ربه. قلت: أليس الله يقول: ﴿لا تُذْرِكُهُ
الأَبْصَارُ﴾؟ قال: ويحك. ذاك إذا تجلى بنوره الذى هو نوره، وقد رأى ربه مرتين)».
وقد مال النووى إلى هذا الجانب فنقل عن صاحب التحرير قوله: إن عائشة لم تخبر أنها سمعت
النبى * يقول: لم أرربى، وإنما ذكرت ما ذكرت متأولة بقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ
اللَّهُ إِلا وَحْيَا أَوْ مِنْ وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ﴾ وَلقول اللَّه
تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ والصحابى إذا قال قولا وخالفه غيره منهم لم يكن قوله حجة، وإذا
صحت الروايات عن ابن عباس فى إثبات الرؤية وجب المصير إلى إثباتها، فإنها ليست مما يدرك
بالعقل ويؤخذ بالظن وإنما يتلقى بالسماع. ولا يستجيز أحد أن يظن بابن عباس أنه تكلم فى هذه
المسألة بالظن والاجتهاد، وقد قال معمر بن راشد حين ذكر اختلاف عائشة وابن عباس: ما عائشة
عندنا بأعلم من ابن عباس، ثم إن ابن عباس أثبت شيئاً نفاه غيره، والمثبت مقدم على النافى. هذا
كلام صاحب التحرير. ثم النووى. فالحاصل أن الراجح عند أكثر العلماء أن رسول اللَّهل:﴿ رأى ربه
بعينى رأسه ليلة الإسراء، لحديث ابن عباس وغيره مما تقدم. وإثبات مثل هذا مما لا يأخذونه إلا
بالسماع من رسول اللَّه﴿، هذا مما لا ينبغى أن يتشكك فيه، ثم إن عائشة -رضى الله عنها- لم تنف
الرؤية بحديث عن رسول اللّهَ*، ولو كان معها فيه حديث لذكرته، وإنما اعتمدت الاستنباط من
الآيات، وسنوضح الجواب عنها، فأما احتجاج عائشة بقول الله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ فجوابه
ظاهر، فإن الإدراك هو الإحاطة، واللَّه تعالى لا يحاط به، وإذا ورد النص بنفى الإحاطة لا يلزم منه
نفى الرؤية بغير إحاطة، وأما احتجاجها -رضى الله عنها- بقول الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ
يُكُلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْيَا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ.) الآية فالجواب عنه من أوجه:
أحدها: أنه لا يلزم من الرؤية وجود الكلام حال الرؤية، فيجوز وجود الرؤية من غير كلام.
الثانى: أنه عام مخصوص بما تقدم من الأدلة.
الثالث: ما قاله بعض العلماء: إن المراد بالوحى الكلام من غير واسطة. أهـ
وقد حمل الحافظ ابن حجر على الإمام النووى لجزمه بأن عائشة لم تنف الرؤية بحديث مرفوع
فقال: إن هذا عجيب، فقد ثبت ذلك عنها فى صحيح مسلم الذى شرحه الشيخ، فعنده عن مسروق
قال: وكنت متكئاً فجلست، فقلت: ألم يقل اللَّه: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾؟ فقالت: أنا أول هذه الأمة
سأل رسول اللَّهَ﴿ عن ذلك، فقال: إنما هو جبريل.اهـ
٥٧٧

وعندى أن هذا التحامل من الحافظ ابن حجر هو العجيب، ذلك أن الحديث الذى ساقه، والذى
شرحه الإمام النووى لا ينفى رؤية الرسول و لربه، وإنما ينفى أن يكون الله هو المرئى المقصود من
هذه الآية، ولا يمنع أن يكون الرسول # قد رأى ربه بدليل آخر، فعائشة لم تنف الرؤية بحديث مرفوع
قطعاً، كما يقول الإمام النووى.
وقد رد القرطبى استدلال عائشة بقوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ برد آخر، فقال: الأبصار فى
الآية جمع محلى بأل، فيقبل التخصيص، وقد ثبت دليل ذلك سمعا من قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنِ
رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] فيكون المراد الكفار، بدليل قوله تعالى: ﴿وُجُوَّةٌ يَوْمَئِذٍ
نَاضِرَةٌ﴾ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢-٢٣] قال: وإذا جازت الرؤية فى الآخرة جازت فى الدنيا،
لتساوى الوقتين بالنسبة إلى المرئى. اهـ
وأما قوله صلى الله عليه وسلم: ((وأعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا » فإنه لا يمنع أن يكون
الرسول : قد رأى ربه فى الدنيا باعتبار أن المتكلم لا يدخل فى عموم كلامه.
هذا وقد قلنا: إن بعض المثبتين للرؤية ذهب إلى أنها كانت بالفؤاد، والمراد من رؤية الفؤاد رؤية
القلب، لا بمعنى مجرد حصول العلم، لأنه صلى الله عليه وسلم كان عالما باللّه على الدوام، ولكن
بمعنى أن الرؤية التى حصلت له خلقت فى قلبه كما تخلق الرؤية بالعين لغيره، والرؤية لايشترط لها
شىء مخصوص عقلا ولوجرت العادة بخلقها فى العين.
وقد اختلفت الروايات عن ابن عباس، فروايتنا الثالثة تصرح بأن الرؤية كانت بالفؤاد مرتين، بل
أخرج ابن مردويه من طريق عطاء عن الخلال عن ابن عباس قال: لم يره رسول اللّه ٤ # بعينيه إنما
رآه بقلبه.
كما اختلفت الروايات عن أحمد، فقد روى الخلال فى كتاب السنة عن المروزى: قلت لأحمد:
إنهم يقولون: إن عائشة قالت: من زعم أن محمداً رأى ربه فقد أعظم على اللَّه الفرية فبأى شىء يدفع
قولها؟ قال: يقول النبى { 1} ((رأيت ربى)) وقول النبى # أكبر من قولها.
وحكى عنه بعض المتأخرين قوله: رآه بعيني رأسه. ونفى صاحب الهدى إسناد هذا القول إلى
أحمد، وقال: إن نصوص أحمد موجودة وليس فيها إلا أنه قال مرة: رأى محمد ربه ومرة: رأى محمد
ربه بفؤاده.
أما رواية أبى ذر (السابعة والثامنة) وفيها أنه صلى اللّه عليه وسلم رأى نوراً، فقد قبل: أن مراده
أن النور حال بين رؤيته له ببصره، وليس مراده أن هذا النور هو الله، وأنه رآه ببصره، فقد جاء عن أبى
ذر نفسه عند ابن خزيمة قال: رآه بقلبه، ولم يره بعينه.
وأمام هذا الاختلاف فى الروايات قال الحافظ ابن حجر: يمكن الجمع بين إثبات ابن عباس
ونفى عائشة: بأن يحمل نفيها على رؤية البصر، وإثباته على رؤية القلب. اهـ
وأمام هذا التعارض فى الأقوال رجح القرطبى فى المفهم القول بالوقف فى هذه المسألة، وعزاه
٥٧٨

لجماعة من المحققين، وقواه بأنه ليس فى الباب دليل قاطع، وغاية ما استدل به للطائفتين ظواهر
متعارضة قابلة للتأويل.
قال: وليست المسألة من العمليات فيكتفى فيها بالأدلة الظنية، وإنما هى من المعتقدات فلا
يكتفى فيها إلا بالدليل القطعى، واللَّه أعلم.
ويؤخذ من الحديث
١- عظم خلق جبريل عليه السلام.
٢- وأن الرسول و # رآه فى صورته التى خلقه الله عليها.
٣- جواز قول المستدل بآية من القرآن: إن الله عز وجل يقول. وقد كره ذلك مطرق بن عبد اللّه
التابعى المشهور، فروى ابن أبى داود بإسناده عنه أنه قال: لا تقولوا: إن اللّه يقول، ولكن قولوا.
إن اللَّه قال.
قال النووى: وهذا الذى أنكره مطرق - رحمه الله - خلاف مافعلته الصحابة والتابعون ومن
بعدهم من أئمة المسلمين. فالصحيح المختار جواز الأمرين، ومما يدل على جوازه من النصوص
قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ﴾ [الأحزاب: ٤].
٤- ويؤخذ من قول عائشة: أولم تسمع أن اللَّه يقول: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرِ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلا وَحْبًا ﴾ مع أن
التلاوة ﴿وَمَا كَانَ﴾ بإثبات الواو أن مثل هذا لا يضر فى الرواية والاستدلال، لأن المستدل ليس
مقصوده التلاوة على وجهها، وإنما مقصوده بيان موضع الدلالة، ولا يؤثر حذف الواو فى ذلك، وقد
جاء لهذا نظائر كثيرة فى الحديث، منها قوله: فأنزل اللَّه تعالى: ﴿ أَقِمْ الصَّلاةَ طَرَفِي النَّهَارِ﴾
[هود، ١١٤] وقوله: ﴿ أَقِمّ الصَّلاةَ لِذِكْرِيٍ﴾ [طه: ١٤] هكذا هو فى روايات الحديثين فى الصحيحين،
والتلاوة بالواو فيهما. ذكره النووى والله أعلم.
هذا ولشرح الحديث صلة وثيقة بموضوع رؤية الله بصفة عامة فى الأحاديث الآتية إن
شاء اللّه تعالى.
٥٧٩

(٩٩) باب رؤية الله تعالى فى الدنيا
٣١٨ - ٢٩٣ عَنْ أَبِي مُوسَى ﴾(٢٩٣) قَالَ: قَامَ فِيْنَا رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ بِخَمْسِ كَلِمَّاتٍ. فَقَالَ:
«إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لا يَنَامُ وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامٌ. يَخْفِضُ الْقِسْطَ وَيَرْفَعُهُ. يُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ اللَّيْلِ
قَبْلَ عَمِلِ النّهَارِ. وَعَمَلُ النَّهَارِ قَبْلَ عَمَلِ اللَّيْلِ. حِجَابُهُ النُّورُ. (وَفِي رِوَايَةٍ أَّبِي بَكْرٍ: النّارُ) لَوْ
كَشَفَةُ لأَخْرَقَتْ سُبْحَاتُ وَجْهِهِ مَا انْتَهَى إِلَيْهِ بَصَرُهُ مِنْ خَلْقِهٍ».
٣١٩ - ٢١٤ عَنِ الْأَعْمَّشِ(٢٩٤) بِهَذَا الإِسْنَادِ قَامَ فِيّا رَسُولُ اللَّهِ ﴿َّ بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ ثُمَّ ذَكَرَ
بِمِعْلٍ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ « مِنْ خَلْقِهِ» وَقَالَ: حِجَابُهُ النُّورُ.
٣٢٠- ٩٥ّْ عَنْ أَبِي مُوسَى عَيِ(٢٩٥) قَالَ: قَامٌ فِيْنَا رَسُولُ اللَّهِ:﴿ٌ بِأَرْبَعٍ «إِنَ
اللَّهَ لا يَنَامُ وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنَامَ. يَرْفَعُ الْقِسْطَ وَيَخْفِضُهُ. وَيُرْفَعُ إِلَيْهِ عَمَلُ النَّهَارِ
بِاللَّيْلِ. وَعَمَلُ اللَّيْلِ بِلْهَارِ ».
المعنى العام
كان رسول اللَّه * يتخول أصحابه بالموعظة، ويتعاهدهم بتذكيرهم بربهم حينا بعد حين. فقال
لهم فى بعض عظاته - وفيهم أبو موسى الأشعرى -: إن اللَّه جل شأنه لا ينام مصداق ذلك قوله تعالى:
﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ﴾ [البقرة: ٢٥٥] وكيف ينام مدبر السموات
والأرض؟ وكلَّ يوم وكل لحظة هو فى شأن عباده ﴿ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ
إِلا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَّبِّئُهُمْ بَمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾
[المجادلة: ٧]، ﴿فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنْ الْمَيِّتٍ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتٍ مِنْ الْحَيِّ﴾ [الأنعام: ٩٥]،
﴿ فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمَّسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ﴾ [الأنعام: ٩٦].
كل لحظة هو فى شأن. ﴿مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزّ
مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾ [آل عمران: ٢٦]. يضل من يشاء ويهدى من يشاء.
يرفع أقواماً ويخفض آخرين.
(٢٩٣) حَدََّا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حَدَّثَّنَا أَبُو مُعَاوِيّةً حَدَّقْنَا الأَعْمَشُ عَنْ عَمْرٍو بْنٍ مُرَّةً عَنْ أَبِي
عُبَيْدَةً عَنْ أَبِي مُوسِى
- وَفِي رِوَايَّةٍ أَبِي بَكْرِ عَنِ الأَعْمَشِ وَلَّمْ يَقُلْ حَدِثْنَا
(٢٩٤) حَدَّقْنَا إِسْحَقُ بْنُ إِنََّاهِيمَ أَخْبَرَّلاً جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ
(٢٩٥) حَلَّا مُحَمَّدُ بْنِّ الْمُثْنِّى وَابْنُ بَشَّارٍ قَالا حَدَّاً مُحَمَّدُ بْنُ تَعْفَرٍ قَالَّ حَدَّقِي شُعْبَةُ عَنْ عَمْرِو بْنٍ مُرَّةً عَنْ أَبِي
عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى
٥٨٠