النص المفهرس

صفحات 541-560

إلى زيادة استمساكه بالذى أوحى إليه إنه على صراط مستقيم، وليطمئن إلى نصرة ربه لدينه، وإلى
أن اللَّه بالغ أمره، وإلى أنه إذا أراد شيئا فإنما يقول له: كن .. فيكون.
جاءت الدعوة من الرب إلى العبد، على لسان أمين الوحى جبريل وأخيه ميكائيل، جاءا إلى
محمد® وهو نائم فى المسجد الحرام بين حمزة وجعفر رضى الله عنهما، فقال جبريل لرفيقه: إنه
أحد الثلاثة، إنه الذى بين الرجلين، فأيقظاه، ثم شقا عن صدره، فغسلاه بماء زمزم، ثم جاءا بطست
من الذهب مملوء حكمة وإيمانا، فأفرغاه فى صدره ثم أطبقاه.
بعد هذا الإعداد وذلك التطهير جىء له بالبراق، تلك الدابة العجيبة الشأن، التى تشبه المألوف فى
الشكل، وتخالفه فى الصفات والفعل، إنها شبيهة بالحمار الكبير أو البغل الصغير، لكنها تضع
حافرها عند منتهى بصرها، وإذا صعدت جبلا طالت رجلاها، وإذا هبطت واديا طالت يداها، فيظل
ظهرها مستويا فى الحالتين زيادة فى راحة راكبها، لقد نقلت رسول اللّه# وفى صحبته جبريل -
عليه السلام- من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالشام فى لحظات، وهناك كانت وفود
الأنبياء - عليهم السلام- فى استقباله، وأذن للصلاة، فقاموا صفوفا ينتظرون من يؤمهم، فأخذ جبريل
بيد محمد / فأمهم، ثم نصب له المعراج، نصب له سلم ربانى نورانى يرقى عليه ومعه جبريل حتى
وصلا إلى السماء الدنيا، فطلب جبريل من حارسها أن يفتح. قال الحارس: من؟ قال: جبريل. قال:
ومن معك؟ قال محمد، قال: وقد أرسل إليه ليعرج؟ قال: نعم. ففتح. فرأى صلى اللّه عليه وسلم رجلاً،
عن يمينه أشباح، وعن يساره أشباح، فإذا نظر إلى من هم عن يمينه ضحك، وإذا نظر إلى من هم عن
شماله بكى، قال: من هذا يا جبريل؟ قال: أبوك آدم، وهذه الأسودة أرواح بنيه، فأهل اليمين أهل
الجنة، وأهل الشمال أهل النار، ثم قال له: سلم عليه. فسلم، فرد عليه السلام، وقال: مرحبا بالابن
الصالح والنبى الصالح، نعم المجىء جئت يابنى.
ثم عرج به صلى الله عليه وسلم إلى السماء الثانية فاستفتح جبريل. ففتح لهما بالتكريم
والترحيب، فإذا عيسى ابن مريم ويحيى بن زكريا، فسلم عليهما فردا السلام، وقالا: مرحبا بالأخ
الصالح، والنبى الصالح، نعم المجىء جئت، ثم عرج به إلى السماء الثالثة، فإذا فيها يوسف عليه
السلام، فرحب ودعا بخير. ثم عرج به إلى السماء الرابعة فإذا فيها إدريس عليه السلام فرحب ودعا
بخير. ثم عرج به إلى السماء الخامسة فإذا فيها هارون عليه السلام فرحب ودعا بخير. ثم عرج به إلى
السماء السادسة فإذا هو بالكليم موسى عليه السلام فرحب بالأخ الصالح والنبى الصالح ودعاله
بخير. فلما جاوزه بكى موسى فقيل له: مايبكيك؟ قال: كنت أتمنى أن أعطى مثله، جاء بعدى،
ويدخل من أمته الجنة أكثر ممن يدخلها من أمتى.
ثم عرج به إلى السماء السابعة فإذا فيها أبوه إبراهيم عليه السلام. فرحب بالابن الصالح والنبى
الصالح ودعا له بخير. ثم ذهب به إلى سدرة المنتهى، وهى شجرة تشبه شجر السدر من جهة وتخالفه
من جهات، ليس ورقها رقيقا كورقه، ولكنه كآذان الفيلة، وليس نبقها صغيراً كنبقه، ولكنه كقلال
هجر، يغشاها خلق من خلق الله، ملائكة الله وجنده، وكأنهم الطير أو الفراش، فى صفاء الذهب
٥٤١

ولمعانه، وفى ضوء الشمس ونور القمر، فإذا غشيها من أمر اللَّه ما غشى أصبحت شعلة من نور، ترد
الطرف، فلا يستطيع مخلوق أن يصفها لحسنها وجمالها، شجرة عندها جنة المأوى، وأدخلها صلى
اللَّه عليه وسلم، فإذا فيها قباب من اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك الأذفر، ورأى صلى الله عليه وسلم أربعة
أنهار: نهران ظاهران، ونهران باطنان. فقال: ماهذه الأنهار ياجبريل؟ فقال له: أما الظاهران فهما
يشبهان النيل والفرات حلاوة وعذوبة، وأما الباطنان فهما نهران بالجنة، نهر الرحمة ونهر الكوثر.
ثم جىء له بثلاثة آنية مغطاة. فقال له جبريل: يامحمد. ألا تشرب مما سقاك اللَّه؟ فتناول
أحدها، فإذا هو عسل، فشرب منه قليلا. ثم تناول الآخر، فإذا هو لبن، فشرب منه حتى روى. فقال له
جبريل: ألا تشرب من الثالث؟ قال: قد رويت. قال جبريل: وفقك اللَّه. الحمد للَّه الذى هداك للفطرة،
لو أخذت الثالث - وفيه خمر - لغويت وغويت أمتك.
ثم رفع له البيت المعمور. فقال: ماهذا يا جبريل؟ قال: البيت المعمور، يزوره الملائكة كما يزور
بنو آدم الكعبة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم يخرجون منه، لا يعودون إليه أبداً. ثم أمرصلى
الله عليه وسلم بالعروج وحده، فقال: يا جبريل. أههنا يترك الخليل خليله؟ قال: يامحمد وما منا إلا
له مقام معلوم، لو تقدمت أنت لاخترقت، ولو تقدمت أنا لاحترقت، فصعد صلى الله عليه وسلم إلى
مستوى يسمع فيه صريف الأقلام، وغشيه النور من كل مكان، فقال: التحيات لله المباركات
الصلوات، فسمع الصوت الكريم يقول: السلام عليك أيها النبى ورحمة الله وبركاته، فقال: السلام
علينا وعلى عباد الله الصالحين، ثم فرض الله عليه وعلى أمته خمسين صلاة فى كل يوم وليلة، فرجع
بها صلى الله عليه وسلم حتى جاء موسى عليه السلام فى السماء السادسة فقال له: يا محمد. ماذا
فرض الله عليك وعلى أمتك؟ قال: خمسين صلاة فى اليوم والليلة قال: فارجع إلى ربك فاسأله أن
يخفف عنكم، فإن أمتك لاتطيق ذلك، وقد خبرت بنى إسرائيل قبلك، فرض عليهم ركعتان فعجزوا
عنهما، وهم أشد من أمتك قوة وأعظم أجساما فرجع صلى الله عليه وسلم إلى حيث ناجى ربه أولا،
فقال: رب أسألك التخفيف عن أمتى، فحط عنه خمسا، فرجع إلى موسى فأخبره، فرده إلى ربه يسأله
التخفيف، فحط عنه خمسا، وهكذا أخذ يتردد بين موسى وربه، حتى صارت خمسا، وسمع النداء:
يامحمد. أمضيت فريضتى وخففت عن عبادى، هن خمس فى العمل وخمسون فى الأجر، والحسنة
بعشر أمثالها، لا يبدل القول لدى وما أنا بظلام للعبيد.
ورجع صلى الله عليه وسلم إلى مكة فى نفس الليلة، فلما أصبح جلس يفكر، كيف يبلغ قومه، وهم
يكذبونه فيما هو أقرب من ذلك، فمربه عدو اللَّه أبو جهل، فقال له ساخراً: هل كان من شىء
يا محمد؟ قال رسول اللَّه ◌ُ ل: إنى أسرى بى الليلة إلى بيت المقدس. قال: ثم أصبحت بين أظهرنا؟
قال: نعم. قال: فإن دعوت قومك أتحدثهم بذلك؟ قال: نعم. قال: يامعشر بنى كعب ابن لؤى.
فانفضت إليه المجالس، حتى جاءوا إليهما. فقال: حدث قومك بما حدثتنى، فحدثهم فمن بين
مصفق؛ ومن بين واضع يده على رأسه متعجباً. قال أحدهم: إن الرجل منا يضرب آباط الإبل شهراً
ذهاباً وشهراً عودة، وتذهب وتعود أنت فى ليلة واحدة؟ قال: نعم. فقال رجل من القوم: هل مررت
٥٤٢

بإبل لنا فى طريقك؟ قال: نعم. والله قد وجدتهم قد أضلوا بعيراً لهم، فهم فى طلبه. ومررت بإبل فلان
انكسرت لهم ناقة حمراء. قالوا: فأخبرنا عن عدتها، وما فيها من الرعاة، وكان عن عدتها مشغولا،
فرفع اللَّه له الإبل فعدها وأخذ يخبرهم عما فيها من الرعاة، قال له المطعم بن عدى - وكان قد رأى
مسجد بيت المقدس، ويعلم أن محمداً لم يكن رآه قبل ذلك- قال له: هل تستطيع أن تصف لنا
المسجد؟ فطفق يخبرهم عن أوصافه، قالوا: كم له من باب؟ ولم يكن قد عدها صلى الله عليه وسلم،
قال: فكريت كربا لم أكرب مثله قط، فرفع الله له بيت المقدس، فجعل ينظر إليه ويخبرهم. قال:
مايسألونى عن شىء إلا نبأتهم به.
وحدث صلى الله عليه وسلم أصحابه عن الأنبياء الذين لقيهم، وأفاض فى وصف كثير منهم،
وتخيل عن طريق الوحى - حين مر بأصحابه على وادى الأزرق الواقع بين مكة والمدينة، تخيل موسى
عليه السلام هابطا من ثنية هرشى المشرفة على هذا الوادى متجها نحو الكعبة يحجها ملبيا بصوت
جهورى مرتفع، وقد وضع أصبعيه فى أذنيه، كما تخيل فى هذا المكان يونس عليه السلام راكبا ناقة
حمراء، خطامها ليف، وعليه جبة من الصوف، ماراً بهذا الوادى، بل قاصدا حج بيت الله الحرام، كما
صور له عيسى عليه السلام رجلا أسمر جميل المنظر، له شعر يتدلى مجاوزاً شحمة الأذنين، قد رجله
وسرحه تسريحاً جميلا، كأنه يقطر ماء لبهائه ونظافته، يعتمد على عواتق رجلين يطوف بالبيت،
فأخبر أصحابه بذلك، مشيراً إلى أن دينه الإسلام هو الجامع للديانات الخاتم لها المصدق من قبل
الأنبياء السابقين.
وهكذا كان الإسراء والمعراج آية من آيات اللَّه الكبرى، واشتمل على كثير من الآيات العظمى،
فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون، وأما الذين كفروا المعاندون فزادتهم رجساً إلى
رجسهم وماتوا وهم كافرون.
المباحث العربية
الرواية الأولى
( أتيت بالبراق ) بضم الباء وتخفيف الراء، قال أبو دريد: مشتق من البرق -يعنى لسرعته-
وقيل: مشتق من البريق، وسمى بذلك لكونه ذا لونين. يقال: شاة برقاء إذا كان فى خلال صوفها
الأبيض طاقات سود، ولا ينافيه وصفه فى الحديث بأن البراق أبيض، لأن البرقاء من الغنم معدودة
فى البيض.
( وهو دابة أبيض طويل ) الدابة ما دب من الحيوان، وغلب على ما يركب، ويقع على المذكر،
فتذكير أبيض طويل لهذا الاعتبار.
( يضع حافره عند منتهى طرفه ) الطرف بفتح الطاء وسكون الراء: البصر، وفى رواية
للبخارى ((يضع خطوه عند أقصى طرفه)» أى رجله عند منتهى ما يرى بصره.
٥٤٣

( حتى أتيت بيت المقدس ) قال النووى: بيت المقدس فيه لغتان مشهورتان غاية الشهرة،
إحداهما بفتح الميم وإسكان القاف وكسر الدال المخففة، والثانية بضم الميم وفتح القاف والدال
المشددة. قال الواحدى: أما من شدده فمعناه المطهر، وأما من خففه فمعناه بيت المكان الذى جعل
فيه الطهارة، وتطهيره إخلاؤه من الأصنام، وإبعاده منها، قال الزجاج: أى المكان الذى يطهر فيه من
الذنوب، ويقال له أيضاً إيلياء.
( قال فربطته بالحلقة التى يربط به الأنبياء ) الحلقة بإسكان اللام على اللغة الفصيحة
المشهورة، وحكى الجوهرى وغيره فتح اللام أيضاً، وقوله ((التى يربط به)) كذا هو فى الأصول ((به)»
بضمير المذكر، وكان الظاهر أن يقول ((بها)) لكنه أعاده على معنى الحلقة، وهو الشىء. قال صاحب
التحرير: المراد حلقة باب مسجد بيت المقدس.
(اخترت الفطرة) فسروا الفطرة هنا بالإسلام والاستقامة، قال النووى: ومعناه - واللَّه أعلم-
اخترت علامة الإسلام والاستقامة، وجعل اللبن علامة لكونه سهلا طيباً، طاهراً سائغاً للشاربين،
سليم العاقبة، وأما الخمر فإنها أم الخبائث، وجالبة لأنواع من الشرفى الحال والمآل.
( ثم عرج بنا ) بفتح العين والراء، أى صعد جبريل بى وبنفسه.
( فاستفتح جبريل ) أى طلب الفتح.
( وقد بعث إليه؟ ) مراد بواب السماء، وقد بعث إليه للإسراء وصعود السموات؟ وليس مراده
الاستفهام عن أصل البعثة والرسالة، فإن ذلك لا يخفى عليه، هذا هو الصحيح.
( فإذا أنا بابنى الخالة) قال الزهرى: قال ابن السكيت: يقال: هما ابنا عم، ولا يقال: هما
ابنا خال، ويقال: هما ابنا خالة ولا يقال ابنا عمة.
( إلى السدرة المنتهى) هكذا وقع فى الأصول ((السدرة)) بالألف واللام، وفى الروايات بعد هذا
«سدرة المنتهى)) والسدرة شجرة النبق، وسميت سدرة المنتهى لأن علم الملائكة ينتهى عندها، ولم
يجاوزها أحد إلا رسول اللّه قاله ابن عباس والمفسرون، وقيل: لكونها ينتهى عندها ما يهبط من
فوقها وما يصعد من تحتها من أمر الله تعالى، وقيل: إليها منتهى أرواح الشهداء.
( وإذا ثمرها كالقلال) بكسر القاف، وجمع قلة بضمها، والقلة جرة عظيمة تسع قريتين أو
أكثر، يريد أن ثمرها فى الكبر مثل القلال وكانت معروفة عند المخاطبين، فلذلك وقع التمثيل بها،
قال الخطابي: وهى التى وقع تحديد الماء الكثير بها فى قوله: ((إذا بلغ الماء قلتين».
(فلما غشيها من أمر الله ما غشى) أى فلما أتاها وغطاها ما غطى و))ما)) موصول، فاعل
((غشيها)) والموصول من صيغ العموم، فيفيد التعميم والتهويل، أى فلما غشيها من أمر اللّه الشىء
الكثير الهائل الذى غشى، قال الألوسى: وفى إبهام ما يغشى من التفخيم ما لا يخفى، فكأن الغاشى
أمرلا يحيط به نطاق البيان.
٥٤٤

وفى رواية ((فغشيها ألوان لا أدرى ما هى)) وفى الرواية العشرين، قال ابن مسعود: ((يغشاها فراش
من ذهب)) وعن أنس: ((جراد من ذهب)) قال البيضاوى: ذكر الفراش وقع على سبيل التمثيل، لأن من
شأن الشجر أن يسقط عليها الجراد وشبهه، وجعلها من الذهب لصفاء لونها وإضاءتها فى نفسها. اهـ
قال الحافظ ابن حجر: ويجوز أن يكون من الذهب حقيقة، ويخلق الله فيه الطيران، والقدرة
صالحة لذلك.
وعن ابن عباس: يغشاها الملائكة، وفى حديث أبى سعيد عند البيهقى ((على كل ورقة منها ملك)).
(تغيرت ) فى رواية عند ابن مردويه ((تحولت قوتا ونحو ذلك)).
( فرجعت إلى ربى ) أى رجعت إلى الموضع الذى ناجيته منه أولا، فناجيته فيه ثانيا. ففى
الكلام محذوفان، والأصل: فرجعت إلى مكان مناجاة ربی.
الرواية الثانية
( فشرح عن صدرى ) أى شق، كما فى الرواية الثالثة.
( ثم أنزلت ) أى ثم صرفت إلى موضعى الذى حملت منه، وقيل: ((أنزلت)) بمعنى تركت،
وحكى عن ابن السراج أن ((أنزلت)) بمعنى ((تركت)) صحيح فى جميع اللغة، وقيل: هذا وهم من الرواة
وإن كان فى الأصول والنسخ، وصوابه ((تركت)) وقيل: إن هذا طرف من الحديث، وتمامه)) ثم أنزلت
على طست من ذهب مملوءة حكمة وإيمانًا ».
الرواية الثالثة
( ثم غسله فى طست ) بفتح الطاء وإسكان السين، وكسر الطاء لغة، والمشهور الفتح، وهى
مؤنثة، وهى إناء معروف، ويقال فيها طس بتشديد السين وحذف التاء، وطسة بتشديد السين مع
التاء؛ وجمعها طساس وطسوس وطسات.
( ثم لأمه ) بفتح اللام والهمزة على وزن ضربه، ومعناه جمعه وضم بعضه إلى بعض.
( إلى أمه - يعنى ظئره -) بكسر الظاء، بعدها همزة ساكنة، وهى المرضعة، ويقال أيضا
لزوج المرضعة ظئر.
( وهو منتقع اللون) بالقاف المفتوحة، أى متغير اللون، قال أهل اللغة: امتقع لونه، فهو
ممتقع، وانتقع، فهو منتقع، وابتقع، فهو مبتقع فيه ثلاث لغات، والقاف مفتوحة فيهن، قال
الجوهرى وغيره: والميم أفصحهن، ومعناه تغير من حزن أو فزع.
٥٤٥

( كنت أرى أثر ذلك المخيط ) بكسر الميم، وإسكان الخاء، وفتح الياء، وهى الإبرة.
الرواية الرابعة
( عن ليلة أسرى ) تقول: أسرى وسرى إذا سارليلا، هذا قول الأكثر، وقيل: أسرى سار أول
الليل، وسری سار من آخره.
( ثلاثة نفر) الإضافة بيانية، والتقدير: ثلاثة أى نفر، والنفر من ثلاثة إلى عشرة من الرجال
ليس بينهم امرأة.
الرواية الخامسة
( ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانا ) قدمنا أن الطست مؤنثة فالتذكير فى
((ممتلئ)) على معناها، وهو الإناء.
(فأفرغها فى صدرى) ضمير المفعول فى ((فأفرغها)) يعود على الطست على اللفظ، وقيل:
يعود على الحكمة، والأول أظهر، لأن عوده على الطست يكون تصريحا بإفراغ الإيمان والحكمة، وعلى
القول الثاني يكون إفراغ الإيمان مسكوتا عنه.
وجعل الإيمان والحكمة فى طست وإفراغهما مع أنهما معنيان، وهذه صفة الأجسام، معناه أن
الطست كان فيها شىء يحصل به كمال الإيمان والحكمة وزيادتهما، فسمى إيمانا وحكمة، لكونه
سبباً لهما، وهذا من أحسن المجاز. قاله النووى.
( فإذا رجل عن يمينه أسودة ) جمع سواد كأزمنة وزمان. قال أهل اللغة: السواد الشخص،
وقيل: السواد الجماعات.
(مرحبا بالنبى الصالح والابن الصالح) (مرحبا)» أى أصاب رحبا وسعة، وكنى بذلك عن
الانشراح، واقتصر الأنبياء على وصفه بالصلاح، وتواردوا عليها، لأن الصلاح صفة تشمل خلال الخير،
والصالح هو الذى يقوم بما يلزمه من حقوق الله وحقوق العباد، فمن هنا كانت كلمة جامعة
لمعانى الخير.
( نسم بنيه ) بفتح النون والسين، الواحدة نسمة. قال الخطابى وغيره: هى نفس الإنسان،
والمراد أرواح بنى آدم.
الرواية السادسة
(حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام) ((ظهرت)) بمعنى علوت، والمستوى
٥٤٦

المصعد، وقيل المكان المستوى، وصريف الأقلام تصويتها حال الكتابة، قال الخطابي: هو صوت ما
تكتبه الملائكة من أقضية اللَّه تعالى ووحيه، وما ينسخونه من اللوح المحفوظ، أو ماشاء اللّه تعالى
من ذلك أن يكتب.
( حتى أمر بموسى) عبر بالمضارع بدل الماضى، لاستحضار الصورة، والأصل حتى
مررت بموسی.
( فوضع شطرها ) الشطر يطلق على النصف، ويطلق على البعض والجزء، والمراد هنا الثانى،
وفى الرواية الأولى ((فحط عنى خمسا)» وفى بعض الروايات ((فوضع عنى عشرا)).
قال ابن المنير: ذكر الشطر أعم من كونه وقع فى دفعة واحدة.
وقال الحافظ ابن حجر: وكذا العشر، فكأنه وضع العشر على دفعتين، والشطر [باعتباره النصف]
فى خمس دفعات، والتحقيق أن التخفيف خمسا خمسا.
( ثم انطلق بى جبريل حتى نأتى سدرة المنتهى) هكذا هو فى الأصول ((حتى نأتى))
فالتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة العجيبة، والأصل حتى أتينا، وفى بعض الأصول ((حتى أتى))
قال النووي: وكلاهما صحيح.
( جنابذ اللؤلؤ) الجنابذ بالجيم المفتوحة وبعدها نون مفتوحة، ثم ألف، ثم باء، ثم نال، هى
القباب، واحدتها جنبذة بالضم. وفى رواية للبخارى ((حبائل)) قال الخطابى وغيره: وهو تصحيف.
واللؤلؤ معروف، وفيه أربعة أوجه، بهمزتين، ويحذفهما، وبإثبات الأولى دون الثانية، وعكسه.
( سمعت قائلا يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين ) القائل جبريل، والمقول له مرافقوه من
الملائكة، و((أحد)) خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هو [أى محمد] أحد الثلاثة، والمراد من الرجلين
حمزة وجعفروكان صلى اللّه عليه وسلم نائما بينهما.
( فشرح صدرى إلى كذا وكذا ) أى شق صدرى و((إلى كذا وكذا)) كناية عن نهاية الشق،
وفسره الراوى بأنه إلى أسفل بطنه.
الرواية السابعة
( ولنعم المجىء جاء) قيل: المخصوص بالمدح محذوف، وفيه تقديم وتأخير، والتقدير: جاء
ولنعم المجىء مجيئه، وقال ابن مالك: فى هذا الكلام شاهد على الاستغناء بالصلة عن الموصول، أو
الصفة عن الموصوف فى باب ((نعم)) إلا أنها تحتاج إلى فاعل هو المجىء، وإلى مخصوص بمعناها،
وهو مبتدأ، مخبر عنه بنعم وفاعلها، فهو فى هذا الكلام وشبهه موصول أو موصوف بجاء، والتقدير:
نعم المجىء الذى جاء، أو نعم المجىء مجىء جاءه، وكونه موصولا أجود، لأنه مخبر عنه، والمخبر
عنه إذا كان معرفة أولى من كونه نكرة. اهـ
٥٤٧

( ورأيت أربعة أنهار يخرج من أصلها ) قال النووى: هكذا هو فى أصول صحيح مسلم
((يخرج من أصلها)) والمراد من أصل سدرة المنتهى، كما جاء مبينا فى صحيح البخارى وغيره.اهـ
والرواية التى أشار إليها هى ((ورفعت لى سدرة المنتهى)) فإذا نبقها كأنه قلال هجر، وورقها كأنه
آذان الفيول، فى أصلها أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران» إلخ.
( أصبت، أصاب اللَّه بك، أمتك على الفطرة) مفعول ((أصبت)) محذوف، أى
أصبت الفطرة، ومفعول ((أصاب)) محذوف أيضا، أى أصاب اللَّه بك الفطرة والخير، أى
جعلك سبباً فى إصابة أمتك الفطرة، وقال النووى: معنى أصاب اللَّه بك، أى أراد بك
الفطرة والخير والفضل، قد جاء أصاب بمعنى أراد، قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ
تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءٌ حَيْثُ أُصَابَ﴾ [ص: ٣٦] أى حيث أراد. وأما قوله: ((أمتك على الفطرة))
فمعنّاه أنهمّ أتباع لك، وقد أصبت الفطرة، فهم يكونون عليها. اهـ
( إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه، آخر ما عليهم ) قال صاحب مطالع الأنوار: رويناه
((آخر)) بالرفع والنصب، فالنصب على الظرف، والرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: ذلك
آخرما عليهم.
( فشق من النحر إلى مراق البطن ) بفتح الميم وتشديد القاف، وهو ما سفل من البطن
ورق من الجلد، قال الجوهرى: لا واحد لها.
الرواية الثامنة
( موسى آدم طوال ) الأدمة فى الإنسان السمرة، يقال: أدم كعلم وكرم، فهو آدم بفتح الدال،
أى أسمر، و((طوال)) بضم الطاء وتخفيف الواو، أى طويل.
( كأنه من رجال شنوءة) قبيلة معروفة. قال النووى: الشنوءة التقزز والتباعد عن الأدناس،
ومنه أزد شنوءة، وهم حى من اليمن وفى القاموس: أزد بن الغوث أبوحى باليمن. اهـ وكأن وجه
الشبه بين موسى وبين رجال أزد شنوءة ما بدا عليه من الترفع والاعتزاز.
( عيسى جعد مربوع ) المربوع هو رجل بين الرجلين فى القامة ليس بالطويل البائن، وليس
بالقصير الحقير، وأما الجعد، فقد تطلق على جعد الجسم، وجعد الشعر، فجعودة الجسم اجتماعه
واكتنازه، وجعودة الشعر هى القطط، أو بين القطط والسبط، ولما كانت الرواية التالية تصف عيسى
بأنه سبط الرأس - أى مسترسل الشعر ليس فيه تكسر - كان المراد فى وصفه جعودة الجسم.
الرواية التاسعة
(وأرى مالكا) هو بضم الهمزة وكسر الراء، و)) مالكا)) بالنصب، ووقع فى أكثر الأصول ((مالك))
٥٤٨

ووجهه النووى بأن لفظة «مالك)) منصوبة، ولكن أسقطت الألف فى الكتابة، وهذا يفعله المحدثون
كثيراً فيكتبون : سمعت أنس بغير ألف، ويقرءونه بالنصب، وكذلك ((مالك)» كتبوه بغير ألف،
ويقرءونه بالنصب.
( فلاتكن فى مرية من لقائه ) جمهور المحققين على أن المعنى فلا تكن فى شك من لقاء
موسى الكتاب، لكن الراوى استدل بتفسير قتادة للآية وأن معناها فلا تكن فى شك من لقائه موسى.
الرواية العاشرة
( هابطا من الثنية ) فى القاموس: الثنية العقبة أو طريقها، أو الجبل. اهـ والمراد هنا الجبل
المشرف على واد الأزرق. أى هابطا من هذا الجبل، مارا بهذا الوادى.
( وله جوار إلى اللَّه بالتلبية) الجوار بضم الجيم، وبالهمز: رفع الصوت.
( ثم أتى على ثنية هرشى ) بفتح الهاء، وسكون الراء وبالشين مقصورة جبل على طريق
الشام والمدينة قريب من الجحفة.
( خطام ناقته خلبة ) الخطام بكسر الخاء هو الحبل الذى يقاد به البعير، يجعل على خطمه
أى مقدم أنفه، والخلبة بضم الخاء، وسكون اللام وقد تضم، وفتح الباء، هى الليف.
الرواية الحادية عشرة
( واضعا إصبعيه فى أذنيه ) فى الإصبع عشر لغات، كسر الهمزة وفتحها وضمها، مع فتح
الباء وكسرها وضمها، فهذه تسع، والعاشرة أصبوع مثل عصفور، وفى الكلام مجاز مرسل علاقته
الجزئية والكلية فإن الذى يوضع فى الأذنين جزءان من أصبعين.
( خطا ناقته ليف خلبة) روى بتنوين ((ليف)) وروى بإضافته إلى ((خلبة)) فمن نون جعل
((خلبة)» بدلا أو عطف بيان، ومن أضاف جعل الإضافة بيانية.
الرواية الثانية عشرة
( فذكروا الدجال فقال) أى قال قائل من الحاضرين، وفى رواية ((فقالوا)) وحاصل الرواية أن
ابن عباس لم يسمع أن الدجال مكتوب بين عينيه كافر، ثم جاءت روايته خالية عن ذكر الدجال.
الرواية الخامسة عشرة
( أرانى ليلة عند الكعبة) ((أرانى)) بفتح الهمزة، والتعبير بالمضارع لاستحضار الصورة،
والأصل رأيتنى، وهو صالح لليقظة والمنام، وسيأتى فى فقه الحديث إيضاحه.
٥٤٩

( كأحسن ما أنت راء من آدم الرجال ) الخطاب لكل من يتأتى خطابه أى كأحسن ما
يرى كل إنسان من سمرة الرجال.
( له لمة .. قد رجلها، فهى تقطر ماء) اللمة، بكسر اللام وتشديد الميم، وجمعها لمم، مثل
قرية وقرب: هى الشعر المتدلى، الذى جاوز شحمة الأذنين، فإذا بلغ المنكبين فهو جمة، و))رجلها))
بتشديد الجيم سرحها بمشط مع ماء أو غيره، وقوله ((فهى تقطر ماء)) إما على ظاهره لقرب الترجيل
بالماء، وإما كناية عن النضارة والحسن.
( أو على عواتق رجلين ) العاتق موضع الرداء من المنكب، أو مابين المنكب
والعنق، والمنكب مجتمع رأس الكتف والعضد. ولكل رجل عاتقان ومنكبان، والمتكئ بيديه
على عاتقى رجلين يضع كل يد على عاتق فمقابلة المثنى بمثنى تقتضى القسمة أحاداً، أما
جمع ((عاتق)) فى روايتنا فلأنهم كرهوا إضافة المثنى للمثنى، فأحيانا يجمعون المضاف،
كقوله تعالى ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ [التحريم: ٤] وكما فى هذه الرواية ((عواتق رجلين))
وأحيانا يفردون المضاف، وأحيانا يبقونه على تثنيته، ويمكن تصور جمع ((عواتق)) على
حقيقته بأن يكون المتكئ قد مديده خلف رقبة كل من الرجلين واستند على عاتقى كل
منهما فيكون مستنداً على عواتق أربعة.
( إذا أنا برجل جعد قطط ) بفتح القاف والطاء، وروى بكسر الطاء الأولى، أى شديد القصر،
قال بعضهم: الجعد فى صفة الرجال ذم، وفى صفة عيسى عليه السلام مدح.
الرواية السادسة عشرة
والسابعة عشرة والثامنة عشرة
( أعورعين اليمنى ) هو عند الكوفيين على ظاهره من الإضافة، وعند البصريين بتقدير
محذوف، أى أعورعين صفحة وجهه اليمنى.
( كأنها عنبة طافية ) أى ناتئة بارزة، وروى ((طافئة)) بالهمز، أى ذهب ضوؤها.
(فجلا اللَّه لى بيت المقدس) وروى ((فجلا)) بتخفف اللام وتشديدها ومعناهما
كشف وأظهر.
( ينطف رأسه ماء، أو يهراق رأسه ماء ) نطف الماء ينطف، من باب نصر وضرب: أى
سال، وأهرق الماء: صبه، أى يسيل الماء من رأسه، أو ينصب الماء من رأسه.
٥٥٠

الرواية التاسعة عشرة
والمتممة للعشرين
( فكريت كرية ما كريت مثله قط ) قال الجوهرى: الكربة بالضم الغم الذى يأخذ النفس،
والضمير فى ((مثله)) يعود على معنى الكربة، وهو الكرب، أو الغم، أو الهم، أو الشىء.
( ما يسألونى عن شىء إلا أنبأتهم به ) حذفت إحدى النونين، والأصل مايسألوننى، نون
الرفع ونون الوقاية، وحذف إحدى النونين جائز تخفيفا، وقد قرئ قوله ﴿ أَتُّحَاجُونِي فِي اللَّهِ﴾
[الأنعام، ٨٠] بحذف إحدى النونين وبإدغامهما، ويثبوتهما مخففتين.
( المقحمات ) بضم الميم وإسكان القاف وكسر الحاء معناه: الذنوب العظام الكبائر التى
تهلك صاحبها وتورده النار وتقحمه إياها، والتقحم: الوقوع فى المهالك، ومعنى الكلام: من مات من
هذه الأمة غير مشرك باللّه غفر له المقحمات، قال النووى: والمراد بغفرانها أنه لا يخلد فى النار،
ويحتمل أن يكون المراد بهذا بعض مخصوص من الأمة، أى يغفر لبعض الأمة المقحمات قال: وهذا
يظهر على مذهب من يقول: إن لفظة ((من)) لا تقتضى العموم مطلقا، وعلى مذهب من يقول: إنها لا
تقتضى العموم فى الأخبار، وإن اقتضته فى الأمر والنهى.
فقه الحديث
بعد قراءة روايات هذا الحديث يجد القارئ نفسه أمام تساؤلات كثيرة:
هل كان الإسراء والمعراج يقظة أو مناماً؟ ومن أين بدأ؟ وما سراختيار بيت المقدس نهاية له؟
وبداية للمعراج؟ وما الحكمة فى كون وسيلته ركوب البراق؟ وما حقيقة شق الصدر؟ ومتى كان؟
وماذا رأى من آيات ربه الكبرى فى إسرائه وفى معراجه؟ وما حقيقة ما رأى؟ وما وجه اختصاص
من ذكر من الأنبياء؟ ولم كانت مراكزهم فى السموات كذلك ؟ وماذا نأخذ من الحديث من
الأحكام والعبر؟.
ونجيب عن هذه التساؤلات بنفس ترتيبها، ونزيد عليها مايتطلبه شرح الحديث، فنقول
وبالله التوفيق:
هل كان الإسراء يقظة أو مناما؟
- ذهب الجمهور من علماء المحدثين والفقهاء والمتكلمين إلى أن الإسراء والمعراج وقعا فى ليلة.
واحدة، فى اليقظة، بجسد النبى 8# وروحه، بعد المبعث.
قال الحافظ ابن حجر: وتواردت على ذلك ظواهر الأخبار الصحيحة ولا ينبغى العدول عن ذلك، إذ
ليس فى العقل مايحيله، حتى يحتاج إلى تأويل.اهـ
٥٥١

- وذهب قليل من العلماء إلى أن الإسراء والمعراج كانا مناماً، تشبثاً، بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا
الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلاَ فِتْنَةً لِلنَّاس﴾ [الإسراء: ٦٠] على أن المراد بها ما رأى ليلة الإسراء، والرؤيا
بالقصر مايرى فى المنام، وتشبثاً ببعض الروايات التى يدل ظاهرها على أنه كان فى المنام، وهذا
القول مردود من وجوه.
الأول: أنه ثبت أن قريشا كذبوه فى الإسراء، واستبعدوا وقوعه، ولو كان مناماً لما كذبوه، ولا
استنكروه، لجواز وقوع مثل ذلك وأبعد منه لآحاد الناس.
الثانى: أن الله تعالى ذكر الإسراء فى كتابه بصيغة التنزيه له والتعجيب للحادث، والتشريف
لنبيه فقال: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا
حَوْلَهُ لِذُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ [الإسراء: ١] ولو كان مناما لم يستحق ذلك.
الثالث: أن اللّه تعالى أثبت رؤيا القلب بقوله: ﴿مَا كَذَبِّ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: ١١] ورؤيا
العين بقوله: ﴿مَا رَّاغَ الْبَصَرُّ وَمَا طَغَى ﴾ لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتٍ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ [النجم: ١٧ -١٨] وأما قولهم:
إن الرؤيا بالقصر مختص برؤيا المنام، فيمكن رد هذا الاستدلال عليهم بأن هذا الاستعمال هنا فى
رؤيا العين دليل على أن هذا اللفظ ليس خاصا بالمنام.
وأما الروايات التى استندوا إلى ظاهرها، كرواية البخارى: ((بينا أنا عند البيت مضطجعا بين
النائم واليقظان إذ أتانى .. إلخ)) ورواية ((بينا أنا نائم)) فإنها محمولة على ابتداء الحال، ثم صار إلى
اليقظة الكاملة صلى الله عليه وسلم.
- وذهب بعضهم إلى أن الإسراء والمعراج كانا بالروح لا بالجسد، وقالوا: ينبغى أن يعلم الفرق
بين قولهم: كان الإسراء مناما وبين قولهم: بروحه دون جسده، فإن بينهما فرقا، فإن الذى يراه النائم
قد يكون حقيقة بأن تصعد الروح مثلا إلى السماء، وقد يكون من ضرب المثل بأن يرى النائم ذلك
وروحه لم تصعد أصلا، فمعنى أسرى بروحه ولم يصعد جسده أن روحه عرج بها حقيقة، فصعدت، ثم
رجعت، وجسده باق فى مكانه خرقا للعادة. اهـ قال الحافظ ابن حجر: وظاهر الأخبار الواردة فى
الإسراء تأبى الحمل على ذلك.
- وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن ذلك كله وقع مرتين، مرة فى المنام توطئة وتمهيداً، ومرة
ثانية فى اليقظة، جمعاً بين ظواهر ما ورد، وجوز بعض قائلى ذلك أن تكون قصة المنام وقعت قبل
المبعث، لما جاء فى بعض الروايات من قول الراوى ((وذلك قبل أن يوحى إليه)).
- وذهب جماعة إلى أن الإسراء كان فى اليقظة، والمعراج كان فى المنام أو أن الاختلاف فى
كونه يقظة أو مناما خاص بالمعراج لا بالإسراء، واستدلوا على ذلك بدليلين:
الأول: أن قريشا كذبوه فى الإسراء واستبعدوا وقوعه، ولم يتعرضوا للمعراج، ولو أنه أخبرهم
بالمعراج يقظة لكان أولى بالتكذيب.
الثانى: أن الله تعالى ذكر الإسراء على وجه التنزيه والتعجيب والتشريف، ولو أن المعراج وقع فى
٥٥٢

اليقظة لكان أبلغ فى الذكر، فلما لم يقع ذكره فى هذا الموضع، مع كون شأنه أعجب، وأمره أغرب من
الإسراء بكثير دل على أنه كان مناما.
وأجيب عن الأول باحتمال أنه صلى الله عليه وسلم لما بادءوه بالتكذيب فى الإسراء لم يسترسل
معهم بذكر المعراج، أو أنه ذكره لهم لكن لم يقع منهم فى شأنه اعتراض لأن ذلك عندهم من جنس
قوله: إن الملك يأتيه من السماء فى أسرع من طرفة عين، وكانوا يعتقدون استحالة ذلك، لكنهم لا
يجدون طريقاً واضحا لتكذيبه، بخلاف إخباره أنه جاء بيت المقدس فى ليلة واحدة، ورجع، فإنهم
صرحوا بتكذيبه فيه، وطلبوا منه نعت بيت المقدس، لمعرفتهم به، وعلمهم بأنه ما كان رآه قبل ذلك،
فأمكنهم استعلام صدقه فى ذلك، بخلاف المعراج.
وعن الثانى بأنه لما كان الإسراء هو مناط التكذيب كان الجدير بالذكر للرد عليهم، وإن كان
المعراج أعجب. والله أعلم.
- وذهب جماعة إلى أن الإسراء كان فى ليلة، والمعراج كان فى أخرى اعتمادا على أن بعض
الروايات اقتصرت على الإسراء، وبعضها اقتصر على المعراج، وهو مردود ومحمول على أن بعض
الرواة ذكر ما لم يذكره الآخر.
- وذهب قوم جمعا بين الروايات إلى أن الإسراء وقع مرتين مرة على انفراد، ومرة مضموما إليه
المعراج وكلاهما فى اليقظة، وأن المعراج وقع مرتين: مرة فى المنام على انفراد، ومرة مضموما إلى
الإسراء فى اليقظة.
قال الحافظ ابن حجر: إن من المستبعد وقوع التعدد فى قصة المعراج التى وقع فيها سؤاله عن
كل نبى، وسؤال أهل كل باب: هل بعث إليه؟ وفرض الصلوات الخمس، وغير ذلك، فإن تعدد ذلك فى
اليقظة لا يتجه فيتعين رد الروايات المختلفة إلى بعض، أو الترجيح، إلا أنه لابد فى وقوع ذلك فى
المنام توطئة، ثم وقوعه فى اليقظة على وفقه.اهـ
من أين بدأ الإسراء؟:
ظاهر الرواية الرابعة والسابعة أنه بدأ من المسجد الحرام، إذ فيهما ((وهو نائم فى المسجد
الحرام)) و((بينا أنا عند البيت)).
لكن الرواية الخامسة تقول «فرج سقف بيتى، وأنا بمكة، فنزل جبريل)» إلخ، وفى رواية الواقدى
أنه أسرى به من شعب أبى طالب، وعند الطبرانى عن أم هانئ أنه بات فى بيتها، قالت: ففقدته من
الليل، فقال: إن جبريل أتانى ... إلخ.
قال الحافظ ابن حجر: والجمع بين هذه الأقوال أنه نام فى بيت أم هانئ وبيتها عند شعب أبى
طالب ، ففرج سقف بيته [ وأضاف البيت إلى نفسه لكونه كان يسكنه] فنزل منه الملك ، فأخرجه
من البيت إلى المسجد فكان به مضطجعاً وبه أثر النعاس ، ثم أخرجه الملك إلى باب المسجد
فأركبه البراق.
٥٥٣

وقد اختلف العلماء فى سنة الإسراء والمعراج اختلافاً كثيراً، فقيل: كان قبل المبعث، وهو شاذ،
إلا إن حمل على أنه وقع حينئذ فى المنام.
وقيل: كان قبل الهجرة بسنة وشهرين، وقيل: بسنة وثلاثة أشهر. وقيل بسنة وخمسة أشهر، وقيل:
قبل الهجرة بثلاث سنين، وقيل: كان قبل الهجرة بخمس سنين، وقال ابن سعد وغيره: كان قبل
الهجرة بسنة، وبه جزم النووى، وبالغ ابن حزم فنقل الإجماع فيه، قال الحافظ ابن حجر: وادعاء
الإجماع مردود بالخلاف السابق. اهـ
وقد استدل القائلون بأنه كان قبل الهجرة بخمس سنين بأنه لا خلاف أن خديجة صلت معه بعد
فرض الصلاة، ولا خلاف أنها توفيت قبل الهجرة إما بثلاث، أو بخمس، أو نحوهما، ولا خلاف أن
فرض الصلاة كان فى ليلة الإسراء.
ورد هذا الاستدلال بأن عائشة جزمت بأن خديجة ماتت قبل أن تفرض الصلاة، وبأنهم قد
اختلفوا فى فرض الصلاة، فقيل كان من أول البعثة، وكان ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشى، وإنما
الذى فرض ليلة الإسراء الصلوات الخمس.
وبناء على هذين الردين يحمل قول عائشة على أن مرادها قبل أن تفرض الصلوات الخمس،
ويحمل القول بأنها ماتت بعد أن فرضت الصلاة، وأنها كانت تصلى معه على الصلاة التى قبل
الصلوات الخمس، فيجمع بذلك بين القولين، ويرد ذلك الاستدلال، ويسلم القول بأن الإسراء كان قبل
الهجرة بسنة أو نحوها.
وسراختياربيت المقدس غاية للإسراء، وبداءة للمعراج علمه عند اللَّه. وماذكره العلماء فى ذلك لا
يمثل سراً أو حكمة، ولكنه تلمس واجتهاد لا بأس به، نذكر منه ماقيل من أن باب السماء الذى يقال
له مصعد الملائكة يقابل بيت المقدس، فحصل الإسراء إليه قبل العروج ليحصل العروج مستوياً من
غير تعويج، ورده الحافظ ابن حجر، وقال: بل كان المناسب أن يصعد من مكة ليصل إلى البيت
المعمور من غير تعويج، لأنه صعد من سماء إلى سماء إلى البيت المعمور، والبيت المعمور حيال
الكعبة، فلا يصح أن يكون السرعدم التعويج.
وقيل: الحكمة فى ذلك أن يجمع صلى اللَّه عليه وسلم فى تلك الليلة بين رؤية القبلتين، وقيل: لأن
بيت المقدس كان هجرة غالب الأنبياء قبله فحصل له الرحيل إليه فى الجملة، ليجمع بين أشتات
الفضائل، وقيل: لأنه محل الحشر، وغالب ما اتفق له فى تلك الليلة يناسب الأحوال الأخروية فكان
المعراج منه أليق بذلك، وقيل: للتفاؤل بحصول أنواع التقديس له حسا ومعنى، وقيل: ليجتمع
بالأنبياء جملة، وقيل: إرادة إظهار الله معاندة من يعارض، لأنه لو عرج به من مكة إلى السماء لم يجد
المعاندة الأعداء سبيلا إلى البيان والإيضاح، فلما ذكر أنه أسرى به إلى بيت المقدس، سألوه عن
تعريفات جزئيات من بيت المقدس كانوا قد رأوها، وعلموا أنه لم يكن رآها قبل ذلك، فلما أخبرهم
بها حصل التحقق بصدقة فيما ذكر من الإسراء إلى بيت المقدس فى ليلة، وإذا صح خبره فى ذلك لزم
تصديقه فى بقية ما ذكره، فكان ذلك زيادة فى إيمان المؤمن، وزيادة فى شقاء الجاحد.
٥٥٤

ويمكن أن يكون جميع ماذكر بعض الحكمة، وكلها - كما ذكرت- تلمس كالورد يشم ولا
يدعك. واللَّه أعلم.
وفى وصف البراق بأنه فوق الحمار ودون البغل وبأنه أبيض إشارة إلى أن الركوب كان فى سلم
وأمن، لا فى حرب وخوف، أو لإظهار المعجزة بوقوع الإسراع الشديد بدابة لا توصف بذلك فى العادة.
وفى حكمة الإسراء به صلى الله عليه وسلم راكباً مع القدرة على طى الأرض له، قيل إنه وقع كذلك
تأنيساً له بالعادة، فى مقام خرق العادة لأن العادة جرت بأن الملك إذا استدعى من يحبه يبعث إليه
بما یرکبه.
وقال ابن أبى جمرة: خص البراق بذلك إشارة إلى الاختصاص به لأنه لم ينقل أن أحداً
ملكه، بخلاف غير جنسه من الدواب. ثم قال: والقدرة كانت صالحة لأن يصل بنفسه من
غير براق، لكن ركوب البراق كان زيادة فى تشريفه، لأنه لووصل بنفسه لكان فى صورة
ماش، والراكب أعز من الماشى.
وقد اختلف العلماء فى اختصاصه صلى اللّه عليه وسلم بركوب البراق فذهب الجمهور إلى أنه
مركب الأنبياء قبل محمد : مستأنساً برواية ابن إسحق فى ذكر الإسراء ((فاستصعب البراق))
وكانت الأنبياء تركبها قبله، وكانت بعيدة العهد بركوبهم، لم تكن ركبت فى الفترة، وبما فى مغازى
ابن عائذ عن سعيد بن المسبب قال: البراق: ((هى الدابة التى كان يزور إبراهيم عليها إسماعيل»
وبما فى كتاب مكة للفاكهى والأزرقى من أن إبراهيم كان يحج على البراق. وبما فى كتاب الروض
للسهيلى من أن إبراهيم حمل هاجر على البراق لما سار إلى مكة بها وبولدها. كما يستأنس الجمهور
برواية للنسائى وابن مردويه عن أنس (وكانت تسخر الأنبياء قبله)) وبرواية للترمذى ((أتى بالبراق
مسرجاً ملجماً، فاستصعب عليه، فقال جبريل: ماحملك على هذا؟ فوالله ماركبك خلق قط أكرم على
اللَّه منه، قال الحافظ ابن حجر: فهذه آثار يشد بعضها بعضا.اهـ
ونفى جماعة ذلك، وتمسكوا بالخصوصية، وردوا الآثار المذكورة وأولوا قول جبريل بأن معناه
ماركبك أحد قط، فكيف يركبك أكرم منه؟.
وظاهر عبارة الإمام النووى التوقف، إذ قال: قال الزبيدى فى مختصر العينى، وتبعه صاحب
التحرير: كان الأنبياء يركبون البراق. ثم قال: وهذا يحتاج إلى نقل صحيح. اهـ ونحن إلى التوقف
نميل، كما نميل إلى التوقف فى ركوب جبريل البراق مع النبى ®، أو فى مصاحبته له ممسكا
بالركاب لعدم ركوننا لما جاء فى رواية لأبى سعيد فى شرف المصطفى، وفيها ((فكان الذى أمسك
بركابه جبريل، وبزمام البراق ميكائيل».
ولا لما جاء فى حديث ابن مسعود رفعه ((أتيت بالبراق فركبت خلف جبريل)) رواه أبو يعلى
والحاكم. والله أعلم.
وأما قصة شق صدره صلى الله عليه وسلم فإن الرواية الثانية لم تبين متى كان، والرواية الثالثة
٥٥٥

صريحة وواضحة فى أنه حصل وهو غلام صغير يلعب مع الغلمان فى بنى سعد، وثبت شق الصدر
أيضا عند البعثة، والرواية الخامسة تفيد أنه حصل ليلة المعراج، والرواية السابعة تفيد أنه حصل ليلة
الإسراء، ولا منافاة بين الرواية الخامسة والسابعة، غاية الأمر أن فى سياق الرواية الخامسة حذفا،
وأصلها ((فأفرغها فى صدرى، ثم أطبقه، ثم أتيت بدابة أبيض ... حتى وصلنا إلى بيت المقدس .. ثم
أخذ بيدى، فعرج بى إلى السماء)» إلخ، فالشق ليلة الإسراء هو الشق ليلة المعراج، بناء على أنهما كانا
فى ليلة واحدة.
وأما الجمع بين الروايات السابقة ففيه يقول الحافظ ابن حجر: وقع الشق ثلاث مرات، ولكل
منها حكمة، فالأول وقع فى زمن الطفولة فأخرج من الصدر علقة، وقال: هذا حظ الشيطان منك، فنشأ
صلى الله عليه وسلم على أكمل الأحوال من العصمة من الشيطان، ثم وقع الشق عند البعث زيادة فى
إكرامه، ليتلقى ما يوحى إليه بقلب قوى، فى أكمل الأحوال من التطهير، ثم وقع شق الصدر عند إرادة
العروج إلى السماء ليتأهب للمناجاة. ويحتمل أن تكون الحكمة فى هذا الغسل الأخير أن تقع المبالغة
فى الإسباغ بحصول المرة الثالثة كما تقرر فى شرعه صلى اللّه عليه وسلم.
ثم قال: وجميع ما ورد من شق الصدر، واستخراج القلب، وغير ذلك من الأمور الخارقة للعادة،
ومما يجب التسليم به، دون التعرض لصرفه عن حقيقته، لصلاحية القدرة، فلا يستحيل شىء من
ذلك. ثم نقل عن القرطبى قوله فى المفهم: لا يلتفت لإنكار الشق ليلة الإسراء، لأن رواته ثقات
مشاهير. اهـ. ويؤيد أن الشق على الحقيقة قول أنس فى الرواية الثالثة ((وقد كنت أرى أثر ذلك
المخيط فى صدره)) صلى الله عليه وسلم.
وأما ما رآه صلى الله عليه وسلم فى إسرائه وفى معراجه من آيات ربه فقد وردت فيه أحاديث
وآثار كثيرة، نذكر منها:
ما رواه الطبرانى والبزار عن أبى هريرة أنه صلى الله عليه وسلم ((مربقوم يزرعون ويحصدون،
كلما حصدوا عاد كما كان، قال جبريل: هؤلاء المجاهدون، ومر بقوم ترضخ رءوسهم بالصخر، كلما
رضخت عادت. قال: هؤلاء الذين تتثاقل رءوسهم عن الصلاة، ومر بقوم على عوراتهم رقاع يسرحون
كالأغنام. قال: هؤلاء الذين لايؤدون الزكاة، ومربقوم يأكلون لحماً نيئاً خبيثاً، ويدعون لحما نضيجاً
طيباً قال: هؤلاء الزناة، ومر برجل جمع حزمة حطب لا يستطيع حملها، ثم هو يضم إليها غيرها، قال:
هذا الذى عنده الأمانة لا يؤديها، وهو يطلب أخرى. ومربقوم تقرض ألسنتهم وشفاههم، كلما قرضت
عادت. قال: هؤلاء خطباء الفتنة، ومربثور عظيم، يخرج من ثقب صغير، ثم يريد أن يرجع فلا
يستطيع، قال: هذا الرجل يتكلم بالكلمة، فيندم، فيريد أن يردها فلا يستطيع».
وعند البيهقى فى الدلائل عن أنس أنه صلى الله عليه وسلم مر بشىء يدعوه، متنحيا عن الطريق،
فقال له جبريل: سر، وأنه مرعلى عجوز، فقال: ماهذه؟. فقال: سر، وفى آخره ((فقال: الذى دعاك
إبليس، والعجوز الدنيا)» وعند الطبرانى فى الأوسط، من حديث أبى أمامة ((ثم مربقوم بطونهم أمثال
البيوت، كلما نهض أحدهم خر، وأن جبريل قال له: هم آكلوا الربا، وأنه مربقوم مشافرهم كالإبل،
٥٥٦

يلقمون حجرًا، فيخرج من أسافلهم، وأن جبريل قال له: هؤلاء أكلة أموال اليتامى)» وعندى أن هذه
الأحاديث - إن صحت - هى تصوير للترغيب أو الترهيب، وربما كانت صورة لما سيحدث فى الآخرة
من هيئة الأجر أو العقاب، وليست أموراً واقعية، وعدها من قبيل آياته الكبرى لا يخلو عن تسامح.
أما الآيات الحقيقية فيمكن أن يكون منها:
١ - شق صدره صلى الله عليه وسلم، وقد سبق الحديث عنه.
٢- والبراق وسرعته، وقد تقدم الكلام عليه.
٣- والمعراج واختراقه.
٤- ورؤيته البيت المعمور كما جاء فى الرواية السابعة.
٥- ولقاؤه مالكا خازن النار، كما فى الرواية الثامنة، والتاسعة، والتاسعة عشرة، وكما جاء عند أبى
حاتم عن أنس وفيه ((فقال رسول اللَّه ﴿ لجبريل: مالى لم آت أهل سماء إلا رحبوا وضحكوا إلىّ
غير رجل واحد، فسلمت عليه، فرد على السلام، ورحب بی، ولم يضحك إلى، قال: يامحمد. ذاك
مالك خازن جهنم، ولم يضحك منذ خلق، ولوضحك إلى أحد لضحك إليك».
٦- ورؤيته الدجال، نعم ظاهر الرواية الخامسة عشرة، والسادسة عشرة أن رؤيته للدجال لم تكن فى
إسرائه أو معراجه، وإنما كانت بمكة، بل الرواية السادسة عشرة صريحة بأنها رؤيا منام، ولا
مانع من رؤيته ليلة الإسراء عيانا، ورؤيته مرة أخرى مناما.
نعم يشكل عن الروايتين المذكورتين ما ورد فى الصحيح من أن الدجال لايدخل مكة ولا المدينة،
فكيف يرى وهو يطوف بالبيت؟ ورؤيا الأنبياء حق؟ وأجيب بأن تحريم دخول المدينة عليه إنما
هو فى زمن فتنته. والله أعلم. ولفظ المسيح صفة لعيسى عليه السلام، وصفة للدجال، أما كونه
صفة لعيسى فسيأتى، وأما الدجال فقيل: سمى بذلك لأنه ممسوح العين، وقيل: لأنه أعور، والأعور
يسمى مسيحاً، وقيل: لمسحه الأرض حين خروجه، قال القاضى عياض: ولا خلاف فى اسم عيسى
أنه المسيح بفتح الميم وكسر السين مخففة، واختلف فى الدجال، فأكثرهم يقوله مثله ولا فرق
بينهما فى اللفظ، ولكن عيسى عليه السلام مسيح هدى، والدجال مسيح ضلالة، ورواه بعض الرواة
((مسيح)) بكسر الميم والسين المشددة، وبعضهم كذلك مع الخاء بدل الحاء، وبعضهم بكسر الميم
وتخفيف السین.
وقد جاء فى وصفه ((أعور العين اليمنى، وجاء فى رواية أخرى ((أعور العين اليسرى)) وقد ذكرهما
جميعاً مسلم فى آخر الكتاب كما وصف فى الحديث بأنه ((ممسوح العين، وأنها ليست جحراء،
ولا ناتئة)» وفى رواية ((جاحظ العين، وكأنها كوكب)) وفى رواية ((لها حدقة جاحظة، كأنها نخاعة
فى حائط )».
وقد نقل النووى عن القاضى عياض الجمع بين هذه الروايات فقال: يجمع بين الأحاديث
٥٥٧

وتصحيح الروايات جميعاً بأن تكون المطموسة والممسوحة والتى ليست بجحراء ولا ناتئة هى
العوراء الطافئة بالهمز [أى الذاهب ضوؤها] وهى العين اليمنى، كما جاء هنا، وتكون الجاحظة،
والتى كأنها كوكب، وكأنها نخاعة، هى الطافية، بغير همز. وهى العين اليسرى، كما جاء فى
الرواية الأخرى، وكل منهما عوراء، فإن الأعور من كل شىء المعيب، لا سيما مايختص بالعين،
وكلتا عينى الدجال معيبة عوراء إحداهما بذهابها والأخرى بعيبها.
هذا آخر كلام القاضى، وهو فى نهاية من الحسن. والله أعلم.
ولتوضيح مقدمة الرواية السادسة عشرة أى قوله صلى اللَّه عليه وسلم ((إن اللَّه تبارك وتعالى ليس
بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور عين اليمنى)) قال النووى: معناه أن اللَّه تعالى منزه عن سمات
الحدث وعن جميع النقائص. وأن الدجال مخلوق من خلق اللَّه تعالى، ناقص الصورة، [فلا تغتروا
بجنته وناره] فينبغى لكم أن تعلموا هذا، وتعلموه للناس، لئلا يغتر بالدجال من يرى تخييلاته وما
معه من الفتنة. واللَّه أعلم.
٧- ومن الآيات الكبرى رؤيته صلى اللَّه عليه وسلم سدرة المنتهى، والرواية الأولى تشبه ورقها بآذان
الفيلة، وثمرها بالقلال، وتبهم وتفخم مايغشاها من أمر الله ((حتى إن أحداً من خلق اللَّه لا
يستطيع أن ينعتها لحسنها، والرواية المتممة للعشرين تفسر مبهم الرواية الأولى بأنه يغشاها
فراش من ذهب.
ولما كانت الرواية العشرون تصرح بأنها فى السماء السادسة، والرواية الأولى ظاهرها أنها فى
السماء السابعة كان فى هذا تعارض لاشك فيه، قال القرطبى فى المفهم: وحديث أنس [الرواية
الأولى] هو قول الأكثر وهو الذى يقتضيه وصفها بأنها التى ينتهى إليها علم كل نبي مرسل وكل
ملك مقرب على ما قال كعب، قال: وماخلفها غيب لا يعلمه إلا الله أو من أعلمه. ثم قال
القرطبى: ويترجح حديث أنس بأنه مرفوع، وحديث ابن مسعود موقوف.
وقال الحافظ ابن حجر جامعاً بين الروايتين: لا يعارض قوله: إنها فى السادسة الرواية بأنها فى
السابعة، لأنه يحمل على أن أصلها فى السماء السادسة، وأغصانها وفروعها فى السماء السابعة،
وليس فى السادسة منها إلا أصل ساقها. والله أعلم.
٨- ومن الآيات الكبرى رؤيته صلى اللّه عليه وسلم الأنبياء عليهم السلام، وفيها - غير ماورد فى
رواياتنا - ماجاء عند البيهقى فى حديث أبى سعيد ((فدخلت أنا وجبريل بيت المقدس فعرفت
النبيين من بين قائم وراكع وساجد، فصلى كل واحد منا ركعتين، ثم أقيمت الصلاة فأممتهم،
وعند أبى حاتم ((فلم ألبث إلا يسيراً حتى اجتمع ناس كثير، ثم أذن مؤذن، فأقيمت الصلاة)»
فقمنا صفوفاً، ننتظر من يؤمنا، فأخذ بيدى جبريل، فقدمنى، فصليت بهم».
وقد اختلف فى حال الأنبياء عند لقاء النبى 8# إياهم هل أسرى بأجسادهم لملاقاة النبى 8# تلك
الليلة؟ أو أن أرواحهم شكلت بشكل أجسادهم، فالتقت به وأجسادهم فى قبورها؟.
٥٥٨

قال بعض العلماء: رؤيته صلى الله عليه وسلم للأنبياء فى السماء محمولة على رؤية أرواحهم، إلا
عيسى لما ثبت أنه رفع بجسده، وقد قيل فى إدريس أيضاً ذلك، وأما الذين صلوا معه فى بيت
المقدس فيحتمل الأرواح خاصة، ويحتمل الأجساد بأرواحها. واللَّه أعلم بالحقيقة.
ومما هوغنى عن البيان أن الهدف من هذا اللقاء، وهذا الاستقبال هو الترحيب والتكريم
والتشريف.
وقد أكثر الباحثون فى تلمس الحكمة فى اختصاص بعض الأنبياء بالذكر دون بعض، فقيل: أمر
الجميع بملاقاته، فمنهم من أدركه فى أول وهلة فذكر، ومنهم من تأخر فلحق، ومنهم من فاته، وهذا
القول زيف وخلط لايليق فى هذا المقام.
وقيل: الحكمة فى الاقتصار على هؤلاء المذكورين الإشارة إلى ماسيقع له صلى الله عليه وسلم مع
قومه، من أمثال ماوقع لكل منهم.
فأما آدم فكان التنبيه بما وقع له من الخروج من الجنة إلى الأرض على أنه سيقع للنبى الا
الخروج من مكة إلى المدينة، والجامع بينهما ماحصل لكل منهما من المشقة، وكراهة فراق ما ألف
من الوطن، ثم مآل كل منهما أن يرجع إلى وطنه الذى أخرج منه.
وأما عيسى ويحيى فكان التنبيه بهما على ماوقع له من أول الهجرة من عداوة اليهود وتماديهم فى
البغى عليه، وإرادتهم وصول السوء إليه.
وأما يوسف فكان التنبيه به على ماوقع له من قريش أهله وإخوته - فى نصبهم الحرب له،
وإرادتهم هلاكه، وكانت العاقبة له، وقد أشار إلى ذلك بقوله يوم الفتح لقريش: أقول كما قال يوسف
((لا تثريب عليكم اليوم)).
وأما إدريس فكان التنبيه به على رفع منزلته عند اللَّه.
وأما هارون فكان التنبيه به على أن قومه رجعوا إلى محبته بعد أن آذوه.
وأما موسى فكان التنبيه به على ماوقع له من معالجة قومه، وقد أشار إلى ذلك بقوله ((لقد أوذى
موسى بأكثر من هذا فصبر)».
وأما إبراهيم فكان التنبيه به على ما فرض عليه من إقامة منسك الحج وتعظيم البيت.
وهذه مناسبات لطيفة أبداها السهيلى، وأوردها الحافظ ابن حجر فى الفتح، ولكنها لا تصل درجة
العلة والحكمة وبيان السبب، ولو ذكر غيرهم لوجدت مناسبات أخرى لهم تضاهى هذه المناسبات.
وشبيه بهذا ما قيل فى سراختصاص كل منهم بالسماء التى لقيه بها إذ قال ابن أبى جمرة:
الحكمة فى كون آدم فى السماء الدنيا أنه أول الأنبياء، وأول الآباء، وهو أصل، فكان أولى بالأولى،
لتأنس البنوة بالأبوة، وعيسى فى الثانية لأنه أقرب الأنبياء عهداً من محمد، ويليه يوسف، لأن أمة
٥٥٩

محمد تدخل الجنة على صورته، وإدريس فى الرابعة لقوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾ [مريم: ٥٧]
والرابعة من السبع وسط معتدل، وهارون لقربه من أخيه موسى، وموسى أرفع منه لفضل كلام اللّه،
وإبراهيم لأنه الأب الأخير، فناسب أن يتجدد للنبى ® بلقائه أنس، لتوجهه بعده إلى عالم آخر،
وأيضا فمنزلة الخليل تقتضى أن تكون أرفع المنازل، ومنزلة الحبيب أرفع من منزلته. فلذلك ارتفع
النبي ## عن منزلة إبراهيم.
وزاد ابن المنير فى مناسبة لقاء إبراهيم فى السماء السابعة ما اتفق له صلى الله عليه وسلم من
دخول مكة فى السنة السابعة، وطوافه بالبيت.
وعندى أن هذه المناسبات كالوردة، تشم ولا تدعك، لأن وضع الأنبياء فى هذه السموات غير متفق
عليه بين الروايات.
ولقد لوحظ من الروايات بصفة عامة أنها ذكرت بعض الأنبياء خالياً من أى تعليق أو وصف،
وأوجزت الوصف أو التعليق للبعض، وأطنبت مع آخرين. وليس لهذا - فيما أرى - أثر فى المفاضلة
بين الصفوة عليهم الصلاة والسلام.
فمثلا ذكرت يحيى بن زكريا وهارون خاليين من الوصف أو التعليق.
وذكرت آدم [فى الرواية الخامسة] وعن يمينه أسودة وعن يساره أسودة فإذا نظر قبل يمينه
ضحك، وإذا نظر قبل شماله بكى.
وظاهرها أن أرواح بنى آدم من أهل الجنة والنار فى السماء، وهو مشكل، لأنه قد جاء أن أرواح
الكفار فى سجين، وأن أرواح المؤمنين منعمة فى عليين؛ فكيف تكون مجتمعة فى سماء الدنيا؟
وأجاب القاضى عياض بأنه يحتمل أنها تعرض على آدم أوقاتاً، فصادفت وقت عرضها مرور
النبى *، قال: ويدل على أن كونهم فى الجنة والنار إنما هو فى أوقات دون أوقات قوله تعالى:
﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾ [غافر: ٤٦].
واعترض ثانيا بأن أرواح الكفار لا تفتح لها أبواب السماء، كما هو نص القرآن، فكيف تكون عن
شمال آدم وهو فى السماء؟
وأجاب عنه القاضى عياض، فقال: يحتمل أن الجنة كانت فى جهة يمين آدم، والنار فى جهة
شماله، وکان یکشف له عنهما. اهـ
وقال الحافظ ابن حجر. يحتمل أن يقال: إن النسم المرئية التى تدخل الأجساد بعد، وهى
مخلوقة قبل الأجساد، ومستقرها عن يمين آدم وشماله وقد أعلم بما سيصيرون إليه، فلذلك كان
يستبشر إذا نظر إلى من عن يمينه ويحزن إذا نظر إلى من عن يساره، بخلاف التى فى الأجساد،
فليست مرادة قطعا، وبخلاف التى انتقلت من الأجساد إلى مستقرها من جنة أونار فليست مرادة
أيضا فيما يظهر اهـ
٥٦٠