النص المفهرس
صفحات 501-520
( ولتذهبن الشحناء ) أى العداوة، للانشغال بأمور الساعة.
( وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد ) ضبطه النووى بضم العين وفتح الواو وتشديد النون،
فيكون مبنياً للعلوم، على نمط فليكسرن، وليقتلن وليضعن)) فالداعى ابن مريم.
( كيف أنتم ) خبر ومبتدأ، والاستفهام للتهويل.
(تكرمة اللَّه هذه الأمة) بنصب ((تكرمة)) على المفعول المطلق لفعل محذوف، تقديره: كرم
اللَّه هذه الأمة تكرمة، أو على المفعول له، أى لا أكون إماما لتكريم اللَّه هذه الأمة.
فقه الحديث
قال بعض العلماء: إن الحكمة فى نزول عيسى دون غيره من الأنبياء الرد على اليهود فى زعمهم
أنهم قتلوه، فبين اللَّه تعالى كذبهم، وأنه هو الذى يقتلهم، أو نزوله لدنو أجله، ليدفن فى الأرض، إذ
ليس لمخلوق من التراب أن يموت فى غيرها.
وقيل: إنه دعا اللَّه لما رأى من صفة محمد وأمته أن يجعله منهم فاستجاب الله دعاءه، وأبقاه
حتى ينزل فى آخر الزمان، مجدداً لأمر الإسلام، فيوافق خروج الدجال فيقتله، ذكرهما الحافظ ابن
حجر وقال: والأول أوجه. اهـ
والأحاديث الواردة فى مدة إقامة عيسى بالأرض مختلفة، وفيها مقال.
منها ما رواه مسلم من حديث ابن عمر أنه يقيم بالأرض بعد نزوله سبع سنين.
وما رواه نعيم بن حماد فى كتاب الفتن من حديث ابن عباس أن عيسى إذ ذاك يتزوج فى الأرض
ويقيم بها تسع عشرة سنة ((وبإسناد آخر يقيم أربعين سنة.
وقد اختلف فى موت عيسى عليه السلام قبل رفعه، والأصل فيه قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَقِّيك
وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥] فقيل على ظاهره؛ وعلى هذا فإذا نزل إلى الأرض، ومضت المدة المقدرة
له يموت ثانية. وقيل: معنى ((متوفيك)» أى من الأرض، فعلى هذا لا يموت إلا فى آخر الزمان.
وإذا كنا لا نركن إلى أى من هذه الآثار فى تقدير المدة التى يقيمها آخر الزمان، وإذا كنا لا نجزم
بأى من القولين فى وفاته، فإن الذى لا نختلف عليه هو نزول عيسى عليه السلام فى آخر الزمان،
الأحاديث الصحيحة الكثيرة البالغة حد الشهرة فى إثبات نزوله.
ونزوله علامة من علامات الساعة، وما يحدث على يديه آية من آياتها، ومن مجموع
الروايات تبين:
١- أنه سينشر العدل بين الناس، ويرفع الظلم عنهم.
٥٠١
٢- وأنه سيبطل اليهودية والنصرانية بكسر الصليب وقتل الخنزير.
٣- وأنه سيضع الجزية ولا يقبل من الكفار إلا الإسلام، وقد جاء عند أحمد عن أبى هريرة «وتكون
الدعوى واحدة)» ولا يقال: إن هذا الحكم خلاف الشرع الإسلامى، فإن الكتابى إذا بذل الجزية
وجب قبولها، ولم يجزقتله، ولا إكراهه على الإسلام، إن قيل هذا فجوابه كما قال النووي: إن هذا
الحكم ليس بمستمر إلى يوم القيامة، بل هو مقيد بما قبل نزول عيسى عليه السلام، وقد أخبرنا
النبى فى هذه الأحاديث الصحيحة بنسخه، وليس عيسى عليه السلام هو الناسخ، بل نبينا
* هو المبين للنسخ، فإن عيسى يحكم بشرعنا، فدل على أن الامتناع عن الجزية فى ذلك الوقت
هو شرع نبينا څ. اهـ
وقال ابن بطال: وإنما قبلناها قبل نزول عيسى للحاجة إلى المال، بخلاف زمن عيسى، فإنه لا
يحتاج إلى المال فإن المال فى زمنه يكثر، حتى لا يقبله أحد. اهـ
وحكى الحافظ ابن حجر عن بعض مشايخه تعليلا آخر فقال: ويحتمل أن يقال: إن مشروعية
قبولها من اليهود لما فى أيديهم من شبهة الكتاب، وتعلقهم بشرع قديم بزعمهم، فإذا نزل عيسى
عليه السلام وزالت الشبهة بحصول معاينته، فيصيرون كعبدة الأوثان فى اتقطاع حجتهم،
وانكشاف أمرهم، فناسب أن يعاملوا معاملتهم فى عدم قبول الجزية منهم. هكذا ذكره احتمالا،
وإن كان بعيداً.
٤- وأن المال يفيض ويزهد فيه، ويهمل النفيس منه لكثرته وعدم الحاجة إليه، إذ تنزل البركات،
وتتوالى الخيرات، وتخرج الأرض كنوزها، وتقل الرغبة فى اقتناء المال، لعلم الناس
بقرب الساعة.
٥- وأن الناس سيتقربون إلى الله، ويتجهون إلى العبادة، حتى تكون الركعة الواحدة أحب إليهم من
الدنيا وما فيها.
٦- وأن العداوة والبغضاء والتحاسد ستختفى لانشغال كل امرئ بشأنه وشأن أخراه.
٧- وأن نزول عيسى عليه السلام على أنه فرد من أمة محمد وحاكم بشريعة الإسلام، بالقرآن لا
بالإنجيل، وهذا معنى قوله: ((وإمامكم منكم)) قال ابن التين: معناه أن الشريعة المحمدية متصلة
إلى يوم القيامة، وأن فى كل قرن طائفة من أهل العلم وأهل الحق ظاهرين.
وقد فهم الطيبى من قوله فى الرواية الخامسة: ((وأمكم)) أن معناه أن عيسى يؤمكم حال كونه فى
دينكم، وهذا الفهم بعيد من ظواهر الروايات الأخرى، بل المراد من قوله ((وأمكم)) أى كان إماما
أى حاكما لكم.
٨- وأن عيسى عليه السلام سيصلى مأمومًا خلف رجل من هذه الأمة، تصرح بذلك الرواية السابعة،
وفيها ((فيقول أميرهم: تعال صل لنا. فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء، تكرمة اللّه هذه
٥٠٢
الأمة)) قال الجوزى: لو تقدم عيسى إماما لوقع فى النفس إشكال، ولقيل: أتراه تقدم نائباً؟ أو
متبدئا شرعا؟ فصلى مأموما لئلا يتدنس بغبار الشبهة.
٩- وأخذ بعضهم من الحديث فوق ما تقدم جواز الحلف من غير استحلاف، مبالغة فى تأكيد الخبر.
١٠- وتغيير المذكرات وكسر آلة الباطل، وأن من كسر صليباً لا يضمن، لأنه فعل مأموراً به، إذ أخبر
صلى الله عليه وسلم بأن عيسى عليه السلام سيفعله، وهو مقرر لشرع نبينا وَل. قال الحافظ ابن
حجر: ولا يخفى أن محل جواز كسر الصليب إذا كان مع المحاربين أو الذمى إذا جاوزبه الحد
الذى عوهد عليه، فإذا لم يتجاوز، وكسره مسلم كان متعديا، لأنهم على تقريرهم على ذلك يؤدون
الجزية، وهذا هو السر فى تعميم عيسى كسر كل صليب، لأنه لا يقبل الجزية.
١١- وتحريم اقتناء الخنزير، وتحريم أكله لأنه نجس، لأن الشىء المنتفع به لا يشرع إتلافه، قال
الحافظ ابن حجر، ثم قال: وفى الحديث توبيخ عظيم للنصارى الذين يدعون أنهم على طريقة
عيسى ثم يستحلون أكل الخنزير، ويبالغون فى محبته. وقال النووى. وفيه دليل للمختار من
مذهبنا ومذهب الجمهور أنا إذا وجدنا الخنزير فى دار الكفر أو غيرها وتمكنا من قتله قتلناه،
وإبطال لقول من شذ من أصحابنا وغيرهم فقال: يترك إذا لم يكن فيه ضراوة.اهـ
والله أعلم
٥٠٣
(٩٤) باب الزمن الذى لا يقبل فيه الإيمان
٢٧١ - ٢٤٨ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ﴾(٢٤٨) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ « لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ
الشّمْسُ مِنْ مَغْرِهَا. فَإِذَا طَلَعَتْ مِنْ مَفْرِهَا آمَنَ النَّاسُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ. فَيَوْمَيْذٍ ﴿لا يَنْفَعُ نَفْسًا
إِمَالُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنْتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبْتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾» [الأنعام: ١٥٨].
٢٧٢- ٤٢٩ُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً مَ﴾ (٢٤٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَ «قَلاثٌ إِذَا خَرَجْنَ، لَا يَنْفَحُ
نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِن قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ إِي إِيمَانِهَا خَيْرًا: طُلُوعُ الشَّمْسِ مِن مَفْرِيهَا.
وَالدَّجَّالُ. وَدَابَةُ الأَرْضِ».
٢٧٣- ٢٥٠° عَنْ أَبِي ذَرَّ ◌َ﴾(٢٥٠) أَنَّ الْبِيِّل ◌ْ قَالَ، يَوْمًا «أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ
الشَّمْسُ؟» قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «إِنْ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إِلَى مُسْتَقْرَّهَا تَحْتْ
الْعَرْشِ. فَتَخِرُّ سَاجِدَةٌ. فَلا تَزَالُ كَذَلِكَ خَتَّى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي. ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتٍ.
فَتَرْجِعُ. قَتُصْبِحُ طَالِعَةٌ مِنْ مَطْلِهَا، ثُمَّ تَجْرِي خَتَّى تَنْهِيَّ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتُ الْعَرْهِ. فَتَخْرُّ
سَاجِدَةٌ، وَلا تَزَالُ كَذَلِكْ حَتْى يُقَالَ لَهَا: ارْتَفِعِي. ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْتٍ. فَعَرْجِعُ. فَتُصْبِحُ
طَالِعَةٌ مِنْ مَطْلِعِهَا. ثُمَّ تَجْرِيٍ لا يَسْتَنْكِرُ النَّاسَ مِنْهَا هَيْئًا خَتَّى تَنْهِيَ إِلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَاكَ، تَخْتَ
الْعَرْشِ. فَيُقَالُ لَّهَا ارْتَفِعِي. أَصْبِحِي طَالِعَةٌ مِنْ مَغْرِيكِ. فَتُصْبِحُ طَالِمَةٌ مِنْ مَفْرِبِهَا ». فَقّالّ
رَسُولُ اللَّهِ وَ «أَقَدْرُونَ مَتَّى ذَاكُمْ؟ ذَاكَ حِينَ ﴿لَا يَنْفَعُ لَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنْتْ مِن قَبْلُ
أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾»[ الأنعام: ١٥٨].
(٢٤٨) حَدَّا يُحْتِى بْنُ أَيُّوبَ وَثَةُ بْنُّ سَعِيدٍ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ قَالُوا حَدَّثَنَا إِسْمَعِلْ يَعُونَ ابْنَ جَعْفَرٍ غَنِ الْعَلَاءِ وَهُوَ ابْنُ
عَبْدِ الرَّحْمَّنِ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ
- حَدَّا أَبُو بَكْرٍ بَنَّ أَبِي ◌َةُ وَبْنُ ثُمَّيْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا حَدََّا ابْنُ فُضْلٍ حٍ وَحَدُقْبِي زُّهْرُ أُنَّ خَرَّبٍ خَدْنَا جَرِيرٌ كَلِاهُمْا
عَنْ عُمَارَةً بَنِ الْقُّعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةٌ عَنَّ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النَّبِيِّ ◌َ﴿ ح وِحَدِّقًا أَبُو بَكْرٍ أَنْ أَبِي شَيْئَةٌ خَدَقْنَا حُسْنُ بْنُّ عَلِيَّ عَنْ
زَائِدَةٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ذِكْوَانٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الأَعْرْجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النَّبِيِّ ◌َ حِ وخَدْقَدًا مُحَمَّدُ بْنُ رَابِعٍ حَدَّلْنَا عَبْدُ
الرََّّاقِ حَدَّقْنَا مَعْمّرٌ غَنْ هَمَّامٍ بْنٍ مُنٍَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ عَنِ النَّبِيُّ ◌َ بِمِثْلٍ خَدِيثٍ لْعَلَاءٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنِ النّبِيِّ ﴾.
(٢٤٩) وحَّدَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٍ وَزُّهَيْرُ بْنَ خَرْبٍ قَالا حَذْنَا وَكِعٌ حٍ وَخَذْفِيٍ زُهْيْرُ بْنُ عَرْبٍ خَدْفَنَا إِسْحَنْ مِنْ يُوسُفُ
الأَزْرَقُ جَمِيعًا عَنْ فَضَيْلٍ بْنٍ غَزْوَانْ حِ وحَّدَّقْنَا أَبُو كُرَيْبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْغَلاءِ وَاللَّفْظُ لَهُ حَدْقَنَا ابْنُ فَضَيْلٍ عَنْ أبيهٍ عنْ أَبي
حَازِمٍ عِنْ أَبِي مُرَيْرَةً
(٢٥٠) خَدَّا يُخْتِى مِنَّ أَيُوبٌ وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنِ ابْنٍ عُلْيَّةُ قَالَ ابْنُ أَيُوبٌ حَدَّا ابْنُ عُلَيَّةٌ حَدْنَا يُونُسُ عَنْ إِبْرَاهِيمٌ بَسنٍ
يَزِيدَ الَيْمِيِّ سَمِعْهُ فِيمَا أَعْلْمُ عَنْ أَبِهِ
٥٠٤
٢٧٤ - شَيْ عَنْ أَبِي ذَرِّ﴾(١٠١) أَنَّ النّبِيَِّ﴿ قَالَ، يَوْمًا «أَتَذْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ
الشَّمْسُ؟ » بِمِثْلٍ مَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُلَّةً.
٢٧٥ - ٠٠ْ عَنْ أَبِي ذَرِّ ﴿ه(١٠٠٠١) قَالَ: دَخَلْتُ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ جَالِسٌ. فَلَمًّا
غَابَتِ الشَّمْسُ قَالَ «يَا أَبَا ذَرًّا هَلْ تَدْرِي أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ؟ » قَالَ، قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولَهُ أَعْلَمُ.
قَالَ « فَإِنّهَا تَذْهَبُ فَتَسْتَأذِنُ فِي السُّجُودِ. فَيُؤْذَهُ لَهَا. وَكَأَنَّهَا قَدْ قِيلَ لَهَا: ارْجِعِي مِنْ حَيْثُ
جِئْتٍ. فَتَطْلُعُ مِنْ مَغْرِبِهَا» قَالَ، ثُمَّ قَرَّأَ فِي قِرَاءَةِ عَبْدِ اللَّهِ: ﴿وَذَلِكَ مُسْتَقَرٌّ لَهَا﴾.
٢٧٢ - ٢٥١° عَنْ أَبِي ذَرِّ صَ﴾ (٢٥١) قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِنَ﴿ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرْ لَهَا﴾؟ [يس: ٣٨] قَالَ « مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ».
المعنى العام
يحرص رسول الله * على إيقاظ الأمة وتوجيهها إلى ربها، وربط الظواهر الطبيعية
بخالقها، يخشى أن نركن إلى تتابع الليل والنهار، وأن نظن - بحكم العادة - أن طلوع
الشمس وغروبها أمر طبيعى لا مدبر له، ولا حكمة لوجوده، ولا نهاية لامتداده، أو على الأقل
نغفل عن ذلك، لا نذكر القاهر الحكيم، اللطيف الخبير. انتهز صلى الله عليه وسلم فرصة
غروب الشمس والصحابة معه جلوس فى المسجد ينظرون إلى قرصها يغيب من الأفق
جزءاً بعد جزء، انتهز فرصة تطلع أبى ذر لمعرفة هذا السر، وسؤاله عن معنى قوله تعالى:
﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرِّلَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس: ٣٨] ولم يشأ أن يقول له
وللصحابة: إنها تغيب عنا لتطلع على قوم آخرين، فليس فى هذا الجواب ربط بين الخالق
والمخلوق، ولم يشأ أن يقول له: إنها لا تغيب عن الكون، فإن هذا الجواب فوق مدارك
عقولهم، وهم مازالوا قريبى عهد بالبادية وأوليات العلوم.
لقد قال صلى الله عليه وسلم لأبي ذر: مستقرها تحت عرش الرحمن، أى ما يخيل إلينا من أنه
استقرار لها وغيبة إنما هو تحت العرش، كلمة حق، واجب الإيمان بها، فإن الشمس فى جميع
حالاتها مستقرة تحت العرش، يحتويها ويحيط بها وبغيرها من الكواكب والسموات السبع.
وبذلك يريط صلى اللَّه عليه وسلم بين حركة الشمس وبين خالقها ومدبرها الحكيم، ثم لا يكتفى
(٠٠٠) وحَدَّثَنِي عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ بَيَانِ الْوَاسِطِيُّ أَخْرَنَا خَالِدٌ يَعْنِي ابْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنِ إِبْرَاهِيمَ النَّيْمِيِّ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي ذَرْ
(٠٠٠٠) وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَّةً وَأَبُو كُرَيْبٍ وَاللَّفْظُ لْأَبِي كُرَيْبٍ قَالا حَدَّفَا أَبُو مُعَاوِيَةً حَدَّقْنَا الأَعْمَشُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّيْمِيِّ
عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي ذَرْ
(٢٥١) حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْأَشِجُّ وَإِسْحَقُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنًا وَقَالَ الْأَشَجُّ حَدِّْنَا وَكِيعٌ حَدَّنَ الأَعْمَشُ عَنْ إِنْرَاهِيمَ النَّبِيِّ
عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي ذَرْ
٥٠٥
بذلك، بل يذكر الصحابة بتذليلها وخضوعها وتسخيرها، فيقول لهم: أتدرون أين تذهب هذه الشمس
بعد أن تغيب عنا؟ فإذا تشرفوا للجواب، واستسلموا لعلم الله ورسوله قال: إنها تذهب تحت العرش،
فتسجد لربها، وتتلقى أمره بالحركة، فيأذن لها بالاستمرار فى سيرها، وتعود فتشرق لنا من الشرق، لا
نذكر من أمرها شيئاً، كلمة حق أخرى، واجب الإيمان بها، فإن الشمس فى جميع حركاتها تخضع
وتذل لمسخرها، وتجرى بأمره وإذنه.
وبذلك يربط صلى الله عليه وسلم بين هذا المخلوق العظيم وبين تذليله وتسخيره، حتى يزداد
الإنسان الضعيف إيماناً بقدرة القاهر فوق عبادة، وهو الحكيم الخبير.
ثم لا يكتفى بذلك، بل يذكر الصحابة بالمصير الذى ينتظر المؤمن وغير المؤمن، فيقول: إنها تظل
على حالتها العادية فى مسيرتها، حتى يأتى أمرريها لها بأن تطلع من مغربها، ويعجب الصحابة من
طلوعها من مغربها، فيقول لهم صلى الله عليه وسلم: أتدرون متى ذاكم؟ إنه يوم تنتهى الدنيا، إنه يوم
تجف أقلام الكتبة، وترفع الصحف، ويختم لكل بما عمل، يوم لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من
قبل، يوم لا ينفع نفساً عملها لم تكن عملت من قبل، إن ذلك اليوم من علامات الساعة الكبرى،
كالمسيح الدجال الذى يختبر الله به عباده، بما ظهر من خوارق العادات، وكالدابة التى يخرجها اللَّه
من الأرض تميز المؤمن من الكافر، وتكلم الخلق أن الناس كانوا بآيات الله لا يوقنون، فاليوم يوقنون
بالمشاهدة، ويؤمنون بما كانوا يذكرونه، ويندمون على ما فاتهم، وليس تنفع الحسرة، وليس ينفع
الندم، فاللهم إنا نعوذ بك من فتنة المحيا، ومن فتنة الممات، ومن المسيح الدجال.
المباحث العربية
( لاتقوم الساعة) الساعة فى الأصل جزء من الزمن معروف، والوقت الحاضر، والمراد منها
هنا القيامة، سميت بذلك لسرعة قيامها، أو لأنها عند اللَّه سبحانه وتعالى كساعة من نهار.
( ثلاث إذا خرجن ) أى ثلاث من آيات الساعة إذا خرجن إلى الوجود وظهرن.
(طلوع الشمس ) خبر مبتدأ محذوف تقديره: إحداها، وإذا روعى المجموع كان تقديره هى
كذا وكذا.
( والدجال ) بفتح الدال وتشديد الجيم، من الدجل، وهو التغطية، وسمى الكذاب دجالا لأنه
يغطى الحق بباطله، ولقب الدجال بالمسيح كعيسى، لأن كلا منهما يمسح الأرض، لكن الدجال مسيح
الضلالة، وعيسى مسيح الهدى.
وبالغ ابن العربى فقال: ضل قوم فرووه المسيخ بالخاء المعجمة، وشدد بعضهم السين، ليفرقوا
بينه وبين المسيح ابن مريم بزعمهم، وقد فرق النبى 8# بينهما بقوله فى الدجال ((مسيح الضلالة)»
فدل على أن عيسى مسيح الهدى.
٥٠٦
( ودابة الأرض ) أضيفت إلى الأرض مع أن الأصل فى الدابة ما تدب على الأرض؛ للإشارة إلى
أن خلقها ليس بطريق التوالد كبقية الدواب المعروفة.
(والشمس تجرى لمستقرلها) ((مستقر)) اسم مكان، واللام بمعنى ((إلى)) والجرى المر
السريع، أى تمر مراً سريعاً إلى حد معين من فلكها شبه بمستقر المسافر إذا قطع مسيره، من حيث
إن فى كل انتهاء إلى محل معين. وإن للمسافر قراراً، والشمس لا قرار لها.
وقيل ((مستقر)) اسم زمان، والمعنى: تجرى إلى وقت معين، ينتهى عنده سيرها، وهو عند
انقضاء الدنيا.
فقه الحديث
يمكن حصر فقه الحديث فى النقاط التالية:
١- الشمس وجريها وسجودها واستئذانها وطلوعها من مغربها.
٢- الدجال وما قيل فيه.
٣- دابة الأرض وما قيل فيها.
٤- منزلة هذه الآيات بين علامات الساعة.
٥- عدم نفع الإيمان وتفسير الآية.
أما عن النقطة الأولى: فقد أصبح من المعلوم أن الشمس تدور حول نفسها فى فلك خاص
محدود، وأن الأرض تدور حول نفسها أمام الشمس من الغرب إلى الشرق، فيبدو للعين أن الشمس
تجرى من المشرق إلى المغرب، فإذا ما قلنا: طلعت الشمس على قوم فحقيقته طلع القوم على
الشمس فظهرت لهم، وإذا قلنا: غابت الشمس عندنا فحقيقته غبنا عن الشمس، بدوران الأرض،
واختفاء الجزء الذى تقع عليه منها وراء الجزء الذى بدأ أمامها. فالتعبير بطلوع الشمس وغروبها فى
الحديث إنما هو حسب ما يبدو للعين، لا بحسب الحقيقة، أو المراد من الطلوع الظهور، وخوطب
القوم على قدر ما تفهم عقولهم.
وطلوع الشمس من المغرب فى آخر الزمان كعلامة من علامات تبدل الأحوال، معناه: أن اللّه
يغير حركة دوران الأرض، ويعكس اتجاهها حتى تصير دورتها من الشرق إلى الغرب، فتبدو الشمس
طالعة من الغرب متجهة نحو الشرق، واللّه قادر على تسكين المتحرك، وتحريك الساكن، وتبديل
الحركات، وذلك تقدير العزيز الحكيم.
أما انتهاؤها لمستقرها تحت العرش فهى فى كل لحظة منتهية إلى مكان يصلح استقراراً، وهى
فى جميع حركاتها تحت العرش بمعنى احتوائه عليها وكونها فى جوفه كسائر الأفلاك، التى فوق
فلكها، والتى تحت فلكها.
٥٠٧
أما سجودها واستئذانها فالذى أميل إليه أن المراد به الخضوع والانقياد لتسخير القادر الحكيم،
فالحديث يعبر عن لسان الحال، لا عن لسان المقال، وإن كان بعض الأفاضل قد ذهب إلى أن
للشمس وغيرها من الكواكب إدراكا وتمييزاً، استناداً إلى قوله تعالى: ﴿كُلِّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾
[الأنبياء: ٣٣] وقوله: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: ٤]
بضمير العقلاء ﴿وَإِن مِنْ شَيْءٍ إِلاَ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِن لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ ﴾ [الإسراء: ٤٤]. قال ابن
العربى: أنكر قوم سجودها، وهو صحيح ممكن. وقال الألوسى، والذى يخطر بالبال أن الشمس وكذا
سائر الكواكب مدركة عاقلة، وقد مال إلى ما أميل إليه الحافظ ابن حجر، إذ قال: يحتمل أن يكون
المراد بالسجود سجود من هو موكل بها من الملائكة، أو تسجد بصورة الحال، فيكون عبارة عن
الزيادة فى الانقياد والخضوع ذلك الحين. والله أعلم.
وأما عن النقطة الثانية: فقد روى البخارى عن نافع، قال عبد الله: ذكر النبى 8 * يوما بين
ظهرانى الناس المسيح الدجال، فقال: إن اللَّه ليس بأعور، ألا إن المسيح الدجال أعور العين اليمنى،
كأن عينه عنبة طافية.
قال الحافظ ابن حجر: اختلف فى أمر الدجال من أين يخرج؟ وما الذى يدعيه؟ وما الذى يظهر
عند خروجه من الخوارق، حتى يكثر أتباعه؟ ومتى يهلك؟ ومن يقتله؟
ثم أجاب عن السؤال الأول: بأنه يخرج من قبل المشرق، واستدل على أنه يخرج من خراسان؛
بما أخرجه أحمد والحاكم، وعلى أنه يخرج من أصبهان بما أخرجه مسلم.
وعن السؤال الثانى: بأنه يخرج أولا، فيدعى الإيمان والصلاح، ثم يدعى النبوة، ثم يدعى الإلهية،
واستدل بما أخرج الطبرانى عن النبى صل ((الدجال ليس به خفاء، يجىء من قبل المشرق فيدعو إلى
الدين، فيتبع ويظهر، فلا يزال حتى يقدم الكوفة، فيظهر الدين ويعمل به، فيتبع ويحث على ذلك، ثم
يدعى أنه نبى، فيفزغ من ذلك كل ذى لب ويفارقه، فيمكث بعد ذلك، فيقول: أنا اللَّه، فتغشى عينه،
وتقطع أذنه، ويكتب بين عينيه كافر، فلا يخفى على كل مسلم، فيفارقه كل أحد من الخلق فى قلبه
مثال حبة من خردل من إيمان)). قال الحافظ ابن حجر: وسنده ضعيف.
وعن السؤال الثالث: روى ما أخرجه نعيم بن حماد من طريق كعب الأحبار. قال: يأتى النهر
فيأمره أن يسيل إليه فيسيل، ثم يأمره أن يرجع فيرجع، ثم يأمره أن ييبس فييبس، ويأمر الريح أن
تثير سحاباً من البحر، فتمطر الأرض.
وما رواه مسلم (معه جبال من خبز ولحم ونهر من ماء» وفى رواية «معه جنة ونار، فناره جنة،
وجنته نار)».
وعن السؤال الرابع والخامس قال: إنه يهلك بعد ظهوره على الأرض كلها إلا مكة والمدينة، ثم
يقصد بيت المقدس، فينزل عيسى، فيقتله. ثم قال: أخرجه مسلم.
((أما بعد)) فإن النفس لاتطمئن إلى هذه الإجابات عن الأسئلة الخمسة، ولا يضرنا فى ديننا أن
٥٠٨
نمسك عن الخوض فى هذه التفاصيل، ويزيدنا تمسكا بهذا الاعتقاد مارواه البخارى عن المغيرة بن
شعبة قال: ما سأل أحد النبى عن الدجال ما سألته، وإنه قال لى: مايضرك منه؟ قلت: لأنهم
يقولون: إن معه جبل خبز ونهر ماء، قال: بل هو أهون على اللَّه من ذلك)).
وكل ما يجب علينا أن نؤمن بأن الدجال من علامات الساعة، فإن النبى * أخبر فى الصحيح
بذلك، وكان يستعيذ فى صلاته من فتنة الدجال. والله أعلم.
وأما عن النقطة الثالثة: ففيها يقول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةٌ مِنْ
الأَرْضِ تُكُلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآيَاتِنَا لا يُوقِنُونَ﴾ [النمل: ٨٢].
وأخرج أحمد والترمذى وابن ماجه وغيرهم عن أبى هريرة قال: قال رسول اللَّه ◌َ ﴿: ((تخرج دابة
الأرض ومعها عصا موسى وخاتم سليمان عليهما السلام، فتجلووجه المؤمن بالخاتم [أى تصقله]
وتحطم أنف الكافر بالعصا، حتى يجتمع الناس على الخوان، يعرف المؤمن من الكافر)».
وقد بالغ كثير من الناس - استناداً إلى آثار ضعيفة - فى وصف الدابة وأذنها وعينها وقرنها
وعنقها وصدرها وخاصرتها وذنبها وقوائمها ولونها وصوتها - بأوصاف لا تكاد تعقل.
ويعجبنى ما ذكر فى البحر قال: اختلفوا [فى ماهيتها، وشكلها، ومحل خروجها، وعدد خروجها،
ومقدار ما يخرج منها، وما تفعل بالناس، وما الذى تخرج به] اختلافاً مضطربا معارضاً بعضه بعضا،
فليطرح ذكره لأن نقله تسويد للورق بما لا يصح، وتضييع لزمان نقله. أهـ
قال الألوسى، بعد أن نقل بعض أوصافها وأحوالها، ونقل كلام البحر، قال من كلام البحر: وهو
كلام حق، وإنما نقلت بعض ذلك دفعاً لشهوة من يحب الاطلاع على شىء من أخبارها، صدقاً كان أو
كذبا. والله أعلم.
وأما عن النقطة الرابعة: فقد قال الطيبى: الآيات أمارات الساعة، إما عن قربها، وإما على
حصولها: فمن الأول الدجال، ونزول عيسى، ويأجوج ومأجوج، والخسف، ومن الثانى الدخان، وطلوع
الشمس من مغربها، وخروج الدابة، والنار التى تحشر الناس. اهـ
وظاهر الرواية الثانية من رواياتنا التى معنا أن الدجال بعد طلوع الشمس من مغربها، وهو
مشكل، إذ نصها «ثلاث إذا خرجن لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها
خيراً: طلوع الشمس من مغربها، والدجال، ودابة الأرض)) مشكل لأن طلوع الشمس من المغرب لو كان
قبل الدجال لم ينفع الكفار إيمانهم فى زمن عيسى ولكنه ينفعهم.
وقد حاول بعضهم رفع هذا الإشكال، فقال: لعل حصول ذلك يكون متتابعاً بحيث تبقى النسبة
إلى الأول منها مجازية، استئناساً بما أخرجه أحمد ((الآيات خرزات منظومات فى سلك إذا انقطع
تبع بعضها بعضاً)) ورده الحافظ ابن حجر فقال: هذا بعيد، لأن مدة لبث الدجال إلى أن يقتله عيسى،
ثم لبث عيسى وخروج يأجوج ومأجوج، كل ذلك سابق على طلوع الشمس من مغربها. اهـ
٥٠٩
والتحقيق: أن العطف بالواو لايقتضى الترتيب بين المعطوفات، والرواية لم تقصد ترتيب
الآيات، وإنما قصدت أن مجموعها غاية ينتهى عندها نفع الإيمان، بقطع النظر عن أيها السابق فى
الوجود، ويضاف إلى ذلك احتمال كونها رواية بالمعنى، وأن الراوى أخر ما قدمه الرسول { 4%.
نعم يرد على هذا ما رواه مسلم عن عمرو بن العاص رفعه «أول الآيات طلوع الشمس من مغربها،
وخروج الدابة على الناس ضحى، فأيهما خرجت قبل الأخرى فالأخرى منها قريب)).
ويجاب بأن الأولية أولية نسبية، فقد يكون الشىء أولا باعتبار، وليس أولا باعتبار آخر، ولهذا يقول
الحافظ ابن حجر: والذى يترجح من مجموع الأخبار أن خروج الدجال أول الآيات العظام المؤذنة
بتغير الأحوال العامة فى معظم الأرض، وينتهى ذلك بموت عيسى ابن مريم، وأن طلوع الشمس من
المغرب هو أول الآيات العظام المؤذنة بتغير أحوال العالم العلوى، وينتهى ذلك بقيام الساعة، ولعل
خروج الدابة يقع فى ذلك اليوم الذى تطلع فيه الشمس من المغرب، والحكمة فى ذلك أنه عند طلوع
الشمس من المغرب يغلق باب التوبة، فتخرج الدابة تميز المؤمن من الكافر تكميلا للمقصود من
إغلاق باب التوبة.
وأول الآيات المؤذنة بقيام الساعة النار التى تحشر الناس، كما جاء فى الحديث: (وأما أول
أشراط الساعة فنار تحشر الناس من المشرق إلى المغرب».
وأما عن النقطة الخامسة: فقد روى مسلم عن أبى هريرة رفعه ((من تاب قبل أن تطلع الشمس من
مغربها تاب الله عليه)) وروى أبو داود والنسائى عن معاوية رفعه ((لا تزال تقبل التوبة حتى تطلع
الشمس من مغربها» وأخرج أحمد والطبرانى: «لا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من مغربها،
فإذا طلعت طبع اللَّه على كل قلب بما فيه، وكفى الناس العمل)) وأخرج الطبرانى عن عبد اللّه بن
عمرو رفعه «إذا طلعت الشمس من مغربها خر إبليس ساجداً، ينادى: إلهى مرنى أن أسجد لمن
شئت)) وأخرج الترمذى: ((إن بالمغرب باباً مفتوحاً للتوبة مسيرة سبعين سنة لا يغلق حتى تطلع
الشمس من نحوه)» وعند ابن مردويه ((فإذا طلعت من مغربها رد المصراعان فيلتئم مابينهما، فإذا
أغلق ذلك الباب لم تقبل بعد ذلك توبة، ولا تنفع حسنة، إلا من كان يعمل الخير قبل ذلك، فإنه يجرى
لهم ما كان قبل ذلك».
وعند نعيم بن حماد عن عبد الله بن عمرو قال: لا يلبثون بعد يأجوج ومأجوج إلا قليلا حتى تطلع
الشمس من مغربها، فيناديهم مناد، يا أيها الذين آمنوا قد قبل منكم، ويا أيها الذين كفروا قد أغلق
عنكم باب التوبة، وجفت الأقلام، وطويت الصحف)) وفى رواية: ((إذا طلعت الشمس من المغرب
يطبع على القلوب بما فيها، وترتفع الحفظة، وتؤمر الملائكة ألا يكتبوا عملا.
قال القاضى عياض: والحكمة فى ذلك أن هذا أول ابتداء قيام الساعة بتغير العالم العلوى، فإذا
شوهد ذلك حصل الإيمان الضرورى بالمعاينة وارتفع الإيمان بالغيب، فهو كالإيمان عند الغرغرة، وهو
لا ينفع، فالمشاهدة لطلوع الشمس من المغرب مثله. اهـ
٥١٠
وهذا كلام جيد يؤيده ما جاء فى الرواية الأولى: ((فإذا طلعت من مغربها آمن الناس كلهم
أجمعون، فيومئذ لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت فى إيمانها خيراً)).
وقد تشبث المعتزلة بالآية للاستدلال بها على مذهبهم فى أن الإيمان المجرد عن العمل لايعتبر،
ولا ينفع صاحبه، ويفسرون الآية بأن معناها: يوم يأتى بعض آيات ربك لا ينفع الإيمان حينئذ نفساً
غير مقدمة إيمانها، أو مقدمة إيمانها غير كاسبة فيه خيراً ، فتقديم الإيمان من غير كسب
عمل لا يفيد.
وفسرابن عطية الآية بما يساير مذهب أهل السنة، فقال ما حاصله: معنى الآية أن الكافر لاينفعه
إيمانه بعد طلوع الشمس من المغرب، وكذلك العاصى لا تنفعه توبته، ومن لم يعمل صالحاً من قبل،
ولو كان مؤمناً، لا ينفعه العمل بعد طلوعها من المغرب.
وقال ابن المنير فى الانتصاف: هذا الكلام من البلاغة يلقب بالَّلف، وأصله: يوم يأتى بعض آيات
ربك لا ينفع نفساً لم تكن مؤمنة قبل، إيمانها بعد، ولا ينفع نفساً لم تكسب خيراً قبل، ما تكسبه من
الخير بعد، فلف الكلامين، فجعلهما كلاماً واحداً إيجازاً. اهـ قال الألوسى-بعد أن ساق توجيهات
أهل السنة: وبعد ذلك كله يرد على المعتزلة بأن ((خيراً)) نكرة فى سياق النفى، فيعم، ويلزم أن يكون
نفع الإيمان بمجرد كسب خير ولو واحداً، وليس ذلك مذهبهم فإن جميع الأعمال الصالحة داخلة فى
الخير عندهم. اهـ
واللَّه أعلم
٥١١
(٩٥) باب بدء الوحی إلی رسول الله آلڅ
٢٧٧ - ٢٢ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ:﴿ رَضِى اللَّه عَنْهَا(٢٥٢)؛ أَنَّهَا قَالَتْ: كَانَ أَوَّلُ مَا بُدِيَ
بِهِ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةَ فِي النَّوْمِ. فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إِلا جَاءَتْ مِثْلَ فَلْقِ
الصُّبْحِ. ثُمَّ حُبُّبَ إِلَيْهِ الْخَلاءُ. فَكَان يَخْلُو بِغَارِ حِرَاءٍ يَتَحَنْثُ فِيهِ. (وَهُوَ التَّعْبُّدُ) اللَّيَالِيَ أَوْلاتٍ
الْعَدَدِ. قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى أَهْلِهِ. وَيَعْزَوَّدُ لِذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى خَدِيجَةً فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا. خَنِى
فَجِثَّهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءٍ. فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فَقَالَ: اقْرَأُ. قَالَ « مَا أَنَا بِقَارِئٍ» قَالَ، فَأَخَذَِّي
فَغَطِّي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: اقْرَأُ. قَالَ قُلْتُ: مَا أَنَّا بِقَارِئٍ، قَالَ فَأَخَذَّنِي
فَغَطّئِي الثَّانِيّةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَبِي فَقَالَ: أَقْرَأُ. فَقُلْتُ: مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَأَخَذَِّي
فَعَطِّئِي الثَّالِفَةَ حَتَّى بَلَغَ مِّي الْجَهْدَ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمٍ رَبِّكَ الْذِي خَلَقَ﴾ خَلَقَ
الإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ ﴿ اقْرَأُ وَرَّبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ الْذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِهِ عَلِّمَ الإِنْسَانُ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾
[العلق: ١-٥] فَرَجَعَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ وَ تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةً فَقَالَ «
زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي» فَزَمَلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ. ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ «أَيْ خَدِيجَةُ! مَا لِي»
وَأَخْبَرَهَا الْخَبْرَ. قَالَ «لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي» قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: كَلا أَبْشِرْ. فَوَاللَّهِ! لا
يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا. وَاللّهِ! إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمٌ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الْكَلِّ، وَتَكْسِبُ
الْمَعْدُومَ، وَتَقْرِي الصَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ. فَانْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَنَتْ بِهِ وَرَقَةً
بْنَ نَوْقَلِ ابْنٍ أَسَدِ ابْنِ عَبْدِ الْعُزَّى. وَهُوّ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ، أَخِي أَبِهَا. وَكَانُ امْرَأْ قَنَصَّرَ فِي
الْجَاهِلِيَّةِ. وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيِّ، وَيَكْتُبُ مِنَ الإِنْجِيلِ بِالْعَرَبِيَّةِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبِ.
وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ. فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ: أَيْ عَمِّ، اسْمَعْ مِنِ ابْنٍ أَخِيكَ. قَالَ وَرَقَةُ ابْنُ
نَوْقَلٍ: يَا ابْنَ أَخِي، مَاذَا تَرَى؟ فَأَخْبُرَهُ رَسُولُ اللَّهِلَّ خَبَرَ مَا رَآهُ. فَقَالَ لَهُ وَرَقَّةُ: هَذَا
النَّامُوسُ الَّذِي أَنْزِلَ عَلَى مُوسَى ◌َ﴾. يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَّعًا. يَا لَيْتَنِي أَكُونُ حَيَّا حِينَ يُخْرِجُكَ
قَوْمُكَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِع ◌َ﴿ه «أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟» قَالَ وَرَقَّةُ: نَعَمْ. لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُ بِمَا جِئْتٌ
بِهِ إِلا عُودِيَ. وَإِن يُدْرِكْيِي يَوْمُكَ أَنْصُرْكَ نَصْرًا مُؤَزَّرًا.
٢٧٨ - ٢٥٣ عَنْ عَائِشَةَ رَضِى اللَّه عَنْهَا (٢٥٣)؛ أَنَّهَا قَالَتْ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِع ◌ِ
(٢٥٢) حَدُِّي أَبُو الطَّاهِرِ أَخْمَدُ بْنُ عَمْرِوِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَرْحٍ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ أَخْبَرَبِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ
قَالَ حَدََّنِي عُرْوَةُ بْنَّ الزُّبَيْرِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ أَخَبَرَتِهِ أَنَّهَا قََّلَتْ.
(٢٥٣) وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعَ حَدَّلْنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ قَالَ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةً
٥١٢
مِنَ الْوَحْيِ. وَسَّاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ يُونُسَ غَيْرَ أَنْهُ قَالَ: فَوَاللَّهِ لا يُحْزِنُكَ اللَّهُ أَبَدًا.
وَقَالَ: قَالَتْ خَدِيجَةُ: أَيِ ابْنَ عَمّا اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ.
٢٧٩ - ٢٥٤ عَنْ عَائِشَةُ زَوْجُ الْبِيِّ ◌َ﴿ رَضِى اللَّهِ عَنْهَا (٢٥٤) قَالَتْ: فَرَجْعَ إِلَى خَدِيجَةً
يَرْجُفُ فُؤَادُهُ. وَاقْتَصَّ الْحَدِيثَ بِمِثْلٍ حَدِيثٍ يُونُسَ وَمَعْمٍَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ حَدِيثِهِمًا. مِنْ
قَوْلِهِ: أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِلَّ مِنَ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ. وَتَابَعَ يُونُسَ عَلَى قَوْلِهِ
«فَوَاللَّهِ لا يَخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا» وَذَكَرَ قَوْلَ خَدِيجَةَ «أَيِ ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنِ ابْنِ أَخِيكَ».
المعنى العام
لقد حبب إلى رسول اللّه الخلاء والعزلة، والبعد عن الأوثان والرجس، فكان يهرب بنفسه إلى
جبل قريب من مكة، وفى فجوة من فجواته، وكهف من كهوفه وغار من غيرانه، يسمى غار حراء، كان
يخلو ويتعبد، ويتفكر فى الإله الخالق المدبر، ويأسف لقومه الذين يعبدون ما لاينفع ولا يضر، ولا يغنى
عن الحق شيئاً.
لقد رحل فى تجارته إلى الشام، والتقى فى طريقه ببعض الرهبان، وبشروا به عمه، وأوصوه به
خيراً، إنه يطمع فيما قاله الرهبان أن نبياً من العرب يبعث فى آخر الزمان، لقد شهد العرب له
بالأمانة والصدق، وشهد له معارفه بمكارم الأخلاق، فلم لايكمل نفسه، ولم لا يطرق باب التبتل، ولو
شهراً من كل عام، لقد اختار شهر رمضان - أو هكذا ألهمه ريه - ليكون شهر التعبد فى غار حراء،
فكان يأخذ زاد أيام، وماذا عساه أن يكون الزاد؟ إنه لقيمات وتمرات وقليل من اللبن، يأكل منه ما
تيسر، ويطعم منه ابن السبيل، ويمنح بقاياه للطيور، ثم يعود إلى مكة وإلى زوجه خديجة، ليأخذ زاداً
جديداً لمدة جديدة، وإنها لنعمت الزوج، لم تكن تقدم مصلحتها ولا مصلحة بناتها عليه فتطلب منه
بقاءه بجوارها، ولم تكن تتقاعس عن تزويده بما يريد، بل كانت عوناً له وسنداً، تسارع بإعداد زاده،
وتحمله عنه خطوات تودعه بها متمنية أن لوكانت بجواره فى الغار، لولا بناتها الصغيرات، وكان
التبتل عنده صلى الله عليه وسلم فوق مطالب النفس، وشهوة الجسد، فكان ما أسرع أن يودع أهله،
ليعيش فى خلوته وعزلته، حتى إذا فقد زاده عاد فتزود حتى ينتهى آخر شهر رمضان، فينزل ليعيش
بين أهله، إلى شهر رمضان من العام الآخر، وهكذا لقد صفت نفسه، واستنارت مرآة بصيرته، فكانت
الرؤيا الصادقة بشرى من بشريات اللَّه، ومقدمة من مقدمات الوحى، فكان صلى الله عليه وسلم لا
يرى رؤيا إلا جاءت واضحة صادقة مثل ضوء الصبح.
وفى خلوة من خلواته بغار حراء سمع صوتاً يقول له: اقرأ. ماذا يقرأ وليس أمامه كتاب ولا
(٢٥٤) وَحَدِِّي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ شُعَيْبٍ بْنِ اللَّيْثِ قَالَ حَدْفِي أَبِي عَنْ جَدِّي قَالَ حَدَّقَتِي عُقَيْلُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ سَمِعْتُ
عُرْوَةَ بْنَ الزُّبَيْرِ يَقُولُ قَالَتْ عَائِشَةُ:
٥١٣
مكتوب؟ وكيف يقرأ وهو أمى، لايعرف القراءة؟ قال للصوت متعجباً مجيباً: ما أنا بعارف للقراءة،
وشعر بشىء يضمه ويضغط عليه، حتى لتكاد ضلوعه تتداخل، وحتى ليكاد نفسه يضيق، ثم أطلق
وتنفس الصعداء، وسمع الصوت ثانيا يقول له: اقرأ. وأجاب بنفس الجواب الأول: ما تعلمت القراءة،
وشعر ثانية بالضغط الشديد، ثم أطلق وسمع الصوت يقول له: اقرأ قال: ما أنا بقارئ، فشعر بالضغط
ثالثة، ثم أطلق، وسمع الصوت يقول: ﴿اقْرَأُ بِاسْمٍ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ الذى خلقك وخلق القوى والقدر
﴿خَلَقَ الإنسَانَ مِنْ عَلَقِ﴾ فسواه فى أحسن تقويم ﴿اقْرَأُ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ﴾ كرمك بالشرف والنبوة،
وبالقدرة على القراءة وإنّ كنت أمياً، فهو ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الإنسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٤-٥].
وسكت الصوت، والتفت الرسول * حوله فلم ير شيئاً، لقد فزع فى مكانه الموحش وارتعدت
فرائصه، ونفرت عروقه، وهرول إلى خديجة يستنجد برأيها السديد، ويشكو لها ما به، ويحكى لها ما
رأى: يقول لها: إنى أخاف على نفسى، إن ما أجد فوق طاقة البشر، إننى أخشى ألا أطيق، قالت له
خديجة: أبشرولا تخف، إنك تتحلى بكريم الصفات: تصل الأقارب، وتساعد المحتاج وتكرم الضيف،
وتعين المنكوب، أبشر فمثلك لا يخزيه اللَّه أبداً.
وفكرت فيما تفسر به ما رأى وما حكى؟ وماذا عساها تفسر له ما لم يسبق لعلمها مثله؟ لكنها
تطمئن إلى أن التفسير عند ابن عمها ورقة بن نوفل. الرجل المثقف. القارئ والكاتب بالعربية
والعبرانية، المطلع على الكتب المنزلة، المهتدى إلى النصرانية الصحيحة قبل تحريفها، ذهبت إليه
وحدها، وحكت له قصة زوجها، فقال لها: إنه النبى المنتظر الذى نقرأ عنه فى التوراة والإنجيل،
والذى يحذر اليهود والنصارى أبناءهم منه، والذى محا الأساقفة ذكره من الكتب المنزلة خوفاً
على سلطتهم.
وعادت خديجة لتصحب زوجها إلى ابن عمها، ليسمع كل من الآخر.
قالت له: يا ابن عم. اسمع من ابن أخيك.
فقال ورقة: قل يا ابن أخى، ماذا ترى؟ فقص عليه مارأى.
قال ورقة: أبشر، هذا أمين الوحى، وصاحب السر، الذى أنزله الله على موسى، ياليتنى أبقى حياً
إلى أن يحاربك قومك ويخرجوك من بلدك، وفزع صلى الله عليه وسلم لخبر إخراجه من أحب بلد إلى
نفسه. فقال: أيصل بهم عدائى إلى إخراجى؟ قال: نعم. ما جاء أحد بمثل ما جئت به إلا عاداه قومه،
وإن يدركنى يوم إخراجك أنصرك نصراً عظيماً، نصراً لا يعادله نصر. وكان ورقة شيخاً كبيراً قد عمى،
فلم يلبث بعد هذا الحديث إلا قليلاً حتى توفى.
المباحث العربية
(كان أول ما بدئ به رسول اللَّه:﴿ من الوحى) ((أول)) اسم ((كان)) وخبرها ((الرؤيا
٥١٤
الصادقة)» والوحى لغة الإعلام فى خفاء، وقيل: أصله التفهيم، وكل ما دللت به من كلام أو كتابة أو
إشارة فهووحى. وشرعا الإعلام بالشرع، وهو المقصود فى الحديث الذى معنا. وقد يطلق الوحى ويراد
به اسم المفعول منه أى الموحى به. وهو كلام اللَّه، كما يطلق ويراد به الواسطة النازلة للإعلام. وهو
جبريل عليه السلام حامل الوحى، ومنه حديث ((كيف يأتيك الوحى؟ قال رسول اللّه وَ﴾: أحياناً
يأتينى مثل صلصلة الجرس، وهو أشده على فيفصم عنى وقد وعيت عنه ما قال ... )) الحديث.
و((من)) فى قولها ((من الوحى)» تبعيضية، أى من أقسام الوحى، ويحتمل أن تكون بيانية.
( الرؤيا الصادقة فى النوم ) قال الراغب: الرؤية بالهاء: إدراك المرء بحاسة البصر، وتطلق
على مايدرك بالتخيل، نحو أرى أن زيداً ماسفر. وعلى التفكر النظرى نحو ((إنى أرى ما لاترون)) وعلى
الرأى. اهـ والرؤيا بالقصر: ما يراه الشخص فى منامه، وعليه فقولها ((فى النوم)) صفة كاشفة لزيادة
الإيضاح، وقال بعض العلماء، قد تجىء الرؤيا بمعنى الرؤية، كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي
أَرَيْنَاكَ إِلاَ فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ [الإسراء: ٦٠] فزعم أن المراد بها ما رآه النبى وال ليلة الإسراء من العجائب،
وكان الإسراء جميعه فى اليقظة.
قال الحافظ ابن حجر: وعكس بعضهم، فزعم أنه حجة لمن قال: إن الإسراء كان مناماً، والأول هو
المعتمد، وتتمة الكلام عن أقسام الوحى وحقيقة الرؤيا تأتى فى فقه الحديث.
وفى رواية البخارى ((الصالحة)) بدل ((الصادقة)) قال النووى: وهما بمعنى واحد، قال الحافظ ابن
حجر: هما بمعنى واحد بالنسبة إلى أمور الآخرة فى حق الأنبياء، وأما بالنسبة إلى أمور الدنيا
فبينهما عموم وخصوص. اهـ فالصادقة هى التى تقع بعينها أو بتعبير، ورؤيا الأنبياء كلها كذلك، أى
ليست أضغاث أحلام. والصالحة هى التى تسر، وليست رؤيا الأنبياء كلها كذلك فى أمور الدنيا.
(مثل فلق الصبح) بنصب ((مثل)) على الحال، أى مشبهة ضياء الصبح، أو على أنه صفة
لمصدر محذوف، أى جاءت مجيئاً مثل فلق الصبح، والمراد بفلق الصبح ضياؤه، وخص بالتشبيه
لظهوره الواضح الذى لا شك فيه، ويقال فيه: فرق الصبح بالراء.
( ثم حبب إليه الخلاء ) ((حبب)» بالبناء للمجهول، لعدم تحقق الباعث على ذلك، والخلاء
بالمد المكان الخالى، ويطلق على الخلوة وهو المراد هنا، والتعبير بثم ظاهر فى أن تحبيب الخلوة
متأخر عن الرؤيا الصادقة، ويحتمل أن تكون لترتيب الأخبار، فيكون تحبيب الخلوة سابقاً على
الرؤية الصادقة، والأول أظهر.
( فكان يخلوبغار حراء ) الغار: الكهف والنقب فى الجبل، والغار والمغارة بمعنى واحد.
و«حراء)» بكسر الحاء وتخفيف الراء وبالمد مصروف، علم مذكر، هذا هو الصحيح. وقال القاضى
عياض: فيه لغتان: التذكير والتأنيث، والتذكير أكثر، فمن ذكره صرفه، ومن أنثه أراد البقعة أو الجهة
التى فيها الجبل، ولم يصرفه للعلمية والتأنيث.
٥١٥
و((حراء)» جبل بينه وبين مكة نحو ثلاثة أميال عن يسار الذاهب من مكة إلى منى.
( يتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي أولات العدد ) التحنث: التعبد وأصل الحنث الإثم،
فمعنى ((يتحنث)) يتجنب الحنث، فكأنه بعبادته يمنع نفسه من الحنث، ومثله يتحرج يتجنب
الحرج، و((الليالى)) منصوب على الظرفية، متعلق بيتحنث لا بالتعبد، تفسير للتحنث صادر من
الزهرى الراوى، و((أولات)) منصوب بالكسرة صفة لليالى، وأولات العدد أى الليالى الكثيرة، وإبهام
العدد لا ختلافه من فترة إلى أخرى.
( قبل أن يرجع إلى أهله ) أى زوجه خديجة وأولاده منها، أى كان يتعبد بعض الليالى، ثم
يرجع إلى بيته.
( ويتزود لذلك ) أى للتحنث فترة أخرى، والتزود استصحاب الزاد.
( ثم يرجع إلى خديجة ) أى بعد التحنث فترة أخرى ليالى ذوات العدد.
( فيتزود لمثلها ) لمثل الليالي ذوات العدد، ويحتمل أن يكون الضمير للمرة أو الفعلة أو الخلوة
أو العبادة، والأول أقرب.
(حتى فجئه الحق) ((حتى)) هنا على بابها من انتهاء الغاية، أى انتهى توجهه لغار حراء
مؤقتا بمجىء الملك، فترك ذلك، بقية شهر رمضان لانزعاجه، وليس معنى هذا أنه انقطع عن الذهاب
إلى الغار نهائياً، بل إنه ذهب إليه فى الغار بعد ذلك كما سيفهم من شرح الحديث التالى و))فجئه»
بفتح الفاء وكسر الجيم ثم همزة، أى جاءه الوحى بغته، قال النووى: فإنه صلى الله عليه وسلم لم يكن
متوقعاً للوحى. وفى الكلام مضاف محذوف، قال الطيبى: أى أمر الحق، وهو الوحى، أو رسول الحق،
وهو جبريل، وقيل الأمر البين الظاهر، أو المراد حتى جاءه الملك بالحق، أى بالأمر الذى بعث به.
( وهو فى غارحراء ) جملة فى محل النصب على الحال وهى تفيد رفع توهم من يظن أن
الملك لم يدخل إليه الغار، وأنه كلمه من الخارج والنبى { بالداخل.
( فجاءه الملك ) أى جبريل، لا خلاف فى ذلك، وهل كان صلى الله عليه وسلم يعرف حين
جاءه أنه الملك جبريل؟ أو أخبر وقت ذاك بأنه جاءه جاء، والتعبير عنه بالملك من لفظ عائشة،
وقصدت به ما تعهده، وما عرف بعد بأنه جبريل؟ .. قولان.
والفاء فى ((فجاءه)) تفسيرية، وليست تعقيبية، لأن مجىء الملك ليس بعد مجىء الوحى، بل هو
نفسه، والتفسير عين المفسر من جهة الإجمال، وغيره من جهة التفصيل.
( فقال: اقرأ ) قيل: يحتمل أن تكون صيغة الأمر محذوفة، أى قل: اقرأ، وأن مراد جبريل بهذا
أن يقول النبى # لفظ ((اقرأ)) وإنما لم يقل له. قل اقرأ إلى آخره لئلا يظن أن لفظة ((قل)» قرآن. قال
الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون السرفيه الابتلاء فى أول الأمرحتى يترتب عليه ما وقع من
٥١٦
الغط وغيره، ولو قال له فى الأول. قل: ﴿اقْرَأُ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخره لبادر إلى ذلك، ولم يقع منه
ما وقع.
( ما أنا بقارئ) معناه: لا أحسن القراءة، فما نافية، والباء زائدة لتأكيد النفى، هذا هو
الصواب. وقال بعضهم: يصح أن تكون استفهامية. استئناسا برواية ((ما أقرأ)»؟ ورواية ((ماذا أقرأ))؟
ويضعفه دخول الباء. وإن حكى عن الأخفش جوازه فهو شاذ.
(غطنى حتى بلغ منى الجهد ) غطنى بفتح الغين وتشديد الطاء، ضمنى وعصرنى. والغط فى
الأصل حبس النفس ((والجهد)) روى بفتح الجيم ونصب الدال، أى بلغ الغط منى غاية وسعى. وروى
بضم الجيم والرفع أى بلغ منى الجهد مبلغه.
( ثم أرسلنى ) أى أطلقنى.
( فرجع بها ) الباء للمصاحبة. أى مصاحبا للآيات الخمس المذكورة.
( ترجف بوادره ) البوادر جمع بادرة، وهى اللحمة التى بين المنكب والعنق، وجرت العادة
بأنها تضطرب عند الفزع. وجمع فقال: ((بوادره)) وللإنسان بادرتان على رأى من يرى الجمع فوق
الواحد. وفى الرواية الثانية ((ويرجف فؤاده)) فإسناد الرجفان إلى الفؤاد لأنه محله وإلى البوادر لأنها
مظهره. وعلمت خديجة برجفان فؤاده عن طريق القرائن وصورة الحال.
(زملونى. زملونى ) مرتين. وهو كذلك فى أكثر الروايات. ووقع فى بعضها عند البخارى مرة
واحدة، والتزميل: التلفيف. وقال ذلك لشدة ما لحقه من هول الأمر. وجرت العادة بسكون
الرعدة بالتلفيف.
( فزملوه حتى ذهب عنه الروح ) بفتح الراء، وهو الفزع.
(أى خديجة. مالى؟) ((أى)) حرف نداء. و((ما)) اسم استفهام مبتدأ وخبره ((لى)) يعنى أى
شیء حصل لی؟.
( كلا) قال النووى وغيره ((كلا)) كلمة نفى وإبعاد، وقال القزاز: هى هنا بمعنى الرد لما خشى
على نفسه. أى لا خشية عليك.
( أبشر) لم تبين الروايات هنا المبشر به، اللهم إلا إذا اعتبرنا نفى الخزى خيراً يبشر به، لكن
ورد فى دلائل البيهقى ((أبشر، إن هذا والله خير)) وفى رواية ((أبشر فإنك رسول اللَّه حقا)).
( لا يخزيك الله أبدا) وفى رواية ((لايحزنك)) وأحزنه لغة تميم، وحزنه لغة قريش، والخزى:
الوقوع فى بلية وشهرة بذلة.
(وتحمل الكل) بفتح الكاف أصله الثقل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ كّلٌّ عَلَى
٥١٧
مُؤْلاهُ﴾ [النحل: ٧٦] ويدخل فى حمل الكل الإنفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك،
وهو من الكلال، وهو الإعياء.
فالكل هو: من لا يستقل بأمره.
( وتكسب المعدوم ) روى بضم التاء، ومعناه تكسب غيرك المال المعدوم، أى تعطيه إياه
تبرعا، أو تعطى الناس ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد ومكارم الخلاق. فحذف أحد
المفعولين. وروى بفتح التاء. قال النووى: وهذا هو الصحيح المشهور، يقال: كسبت الرجل مالا.
وأكسبته مالا. لغتان. أفصحها باتفاق أهل اللغة كسبته بحذف الألف، والمعنى على الفتح يمكن أن
يكون كالمعنى على الضم، وقيل: معناه تكسب المال المعدوم، وتصيب منه مايعجز غيرك عن
تحصيله، ثم تجود به فى وجوه الخير، وجعل بعضهم المعدوم عبارة عن الرجل المحتاج المعدم العاجز
عن الكسب، وسماه معدوما لأنه كالمعدوم الميت، حيث لم يتصرف فى المعيشة كما يتصرف غيره.
وقيل: معناه وتسعى فى طلب عاجز فتنعشه. والكسب هو الاستفادة.
(وتقرى الضيف ) بفتح التاء. قال أهل اللغة: يقال قريت الضيف أقريه قرى بكسر القاف،
وقرى الضيف إكرامه.
(وتعين على نوائب الحق ) النوائب جمع نائبة، وهى الحادثة، وجملة ((وتعين على نوائب
الحق)» كلمة جامعة لأفراد ما تقدم، ولما لم يتقدم.
( فانطلقت به خديجة ) أى مضت معه، فالباء للمصاحبة.
(وهوابن عم خديجة - أخى أبيها) ((أخى أبيها)) بدل من ((عم)) وفائدة ذكرها رفع توهم
أن العمومة مجازية.
(وكان امرأ تنصر فى الجاهلية) أى صار نصرانياً قبل رسالة محمد { قال الحافظ ابن
حجر: وقد تطلق الجاهلية ويراد بها ما قبل دخول المحكى عنه فى الإسلام، وله أمثلة كثيرة.اهـ
(وكان يكتب الكتاب العربى، ويكتب من الإنجيل بالعربية) هكذا فى مسلم ((الكتاب
العربى)) و((يكتب بالعربية)) ووقع فى صحيح البخارى ((يكتب الكتاب العبرانى. فيكتب من الإنجيل
بالعبرانية)» وكلاهما صحيح، وحاصلهما أنه تمكن من معرفة دين النصارى، بحيث إنه صار يتصرف
فى الإنجيل ، فيكتب أى موضع شاء منه، بالعبرانية إن شاء وبالعربية إن شاء، لتمكنه من الكتابين
واللسانين، وإنما وصفته بكتابة الإنجيل دون حفظه لأن حفظ التوراة والإنجيل لم يكن متيسراً
كتيسير حفظ القرآن الذى خصت به هذه الأمة. ولهذا جاء فى وصفها («أناجيلها صدورها)».
( فقالت له خديجة: أى عم) وفى الرواية الثانية ((أى ابن عم)) قال النووى: هكذا هو فى
الأصول، وفى الأولى ((عم)) وفى الثانية ((ابن عم)) وكلاهما صحيح، أما الثانى فلأنه ابن عمها حقيقة،
٥١٨
كما ذكره أولا فى الحديث، وأما الأول فسمته عما مجازاً للاحترام، وهذه عادة العرب فى آداب
خطابهم، يخاطب الصغير الكبير بياعم، احتراماً له ورفعة لمرتبته، ولا يحصل هذا الغرض بقولها:
يابن عم، اهـ
ولم يرتض الحافظ ابن حجر هذا التوجيه، لأن القصة لم تتعدد، ومخرجها متحد، فلا يحمل أنها
قالت ذلك مرتين، مرة ((أى عم)) ومرة ((أى ابن عم)) فوجب اعتماد الحقيقة وهى ((أى ابن عم)) واعتبار
رواية «أى عم)) وهما من الراوى.
( اسمع من ابن أخيك ) لأن والده عبد الله بن عبد المطلب، وورقة فى عدد النسب إلى قصى
ابن كلاب [الذى يجتمعان فيه] سواء، فكان من هذه الحيثية فى درجة أخوته، أو قالته على سبيل
التوقير لسنه.
( هذا الناموس الذى أنزل على موسى) ((الناموس)) فى اللغة صاحب سر الخير،
والجاسوس صاحب سر الشر، قال الحافظ ابن حجر: والصحيح الذى عليه الجمهور أن ((الناموس))
صاحب السر مطلقاً. ويقال: نمست السر أنمسه بكسر الميم، أى كتمته، واتفقوا على أن جبريل عليه
السلام يسمى الناموس، واتفقوا على أنه المراد هنا، قال الهروى: سمى بذلك لأن اللَّه تعالى خصه
بالغيب والوحى.
(ياليتنى فيها جذعا) الضمير فى ((فيها)) يعود إلى أيام النبوة ومدتها. وقوله ((جذعا)) بفتح
الجيم والذال، أى شاباً قوياً، وهو هنا استعارة، وأصل الجذع الصغير من البهائم، كأنه تمنى أن يكون
عند ظهور الدعوة إلى الإسلام شابا، ليكون أمكن لنصره، وبهذا يتبين سر الوصف بكونه كان شيخاً
كبيراً قد عمى، والمشهور فى الصحيحين وغيرهما ((جذعا)) بالنصب، وفى بعض الروايات ((جذع))
بالرفع، وإعرابها ظاهر، خبر ((ليت)) وأما النصب فقيل على أنه خبر ((كان)) المحذوفة، والتقدير:
ياليتني أكون فيها جذعا، وهذا يصح على مذهب الكوفيين، والصحيح الذى اختاره أهل التحقيق أنه
منصوب على الحال، وخبر ليت الجار والمجرور، والتقدير: ياليتنى أستقرفى أيام البعثة حالة كونى
شاباً قوياً.
( أو مخرجى هم؟) بفتح الواو وتشديد الياء، هكذا الرواية، ويجوز تخفيف الياء على وجه،
والصحيح المشهور تشديد الياء، وهو جمع مخرج فالياء الأولى ياء الجمع، والثانية ضمير المتكلم،
وفتحت للتخفيف لئلا يجتمع الكسرة والياءان بعد كسرتين. و))هم)) مبتدأ مؤخر. و)) مخرجى))
خبر مقدم.
( لم يأت رجل قط بما جئت به إلا عودى) فى بعض الروايات ((بمثل ما جئت به)).
( وإن يدركنى يومك ) أى وإن يدركنى يوم بعثك ودعوتك حياً.
( أنصرك نصرًا مؤزرًا) أى قويا بالغا. مأخوذ من الأزروهو القوة، وقيل: من الإزار، وأشار
بذلك إلى تشميره فى تصرفه.
٥١٩
فقه الحديث
قال المازري: كثر كلام الناس فى حقيقة الرؤيا. وقال فيها غير الإسلاميين أقاويل كثيرة منكرة،
لأنهم حاولوا الوقوف على حقائق لاتدرك بالعقل، ولا يقوم عليها برهان. وهم لا يصدقون بالسمع.
فاضطربت أقوالهم: فمن ينتمى إلى الطب ينسب الرؤيا إلى الأخلاط. فيقول: من غلب عليه البلغم
رأى أنه يسبح فى الماء ونحوه، ومن غلبت عليه الصفراء رأى النيران والصعود فى الجو، وهكذا إلى
آخره، ومن ينتمى إلى الفلسفة يقول: إن صور ما يجرى فى الأرض هى فى العالم العلوى كالنفوس.
فما حاذى بعض النفوس منها انتقش فيها. قال: وهذا أشد فساداً من الأول. اهـ
وقال القرطبى: سبب تخليط غير الشرعيين إعراضهم عما جاءت به الأنبياء من الطريق
المستقيم، وبيان ذلك: أن الرؤيا إنما هى من إدراكات النفس، وقد غيب عنا علم حقيقتها - أى
النفس - وإذا كان كذلك فالأولى ألا نعلم علم إدراكاتها. بل كثير مما انكشف لنا من إدراكات السمع
والبصر إنما نعلم منها أمورا جملية لا تفصيلية. اهـ
وقال أبو بكر بن العربى: الرؤيا إدراكات علقها اللَّه تعالى فى قلب العبد، على يدى ملك أو
شيطان. إما بأسمائها - أى حقيقتها - وإما بكناها - أى بعبارتها - وإما تخليط. ونظيرها فى
اليقظة الخواطر فإنها قد تأتى على نسق وفى قصد، وقد تأتى مسترسلة من غير قصد. اهـ
والتحقيق أن الرؤيا أنواع: منها مايكون بتلاعب الشيطان، ليحزن الرائى. وفى هذا النوع يقول
صلى الله عليه وسلم: ((وإذا رأى أحدكم غير ذلك مما يكره فإنما هى من الشيطان. فليستعذ بالله من
شرها. ولا يذكرها لأحد فإنها لا تضره )».
ومنها ما يكون نتيجة لإطلاق النفس فى النوم نحو رغباتها وآمالها المكبوتة فى اليقطة. وفى هذا
النوع يقول المثل: حلم الجائع خبز
ومنها ما يكون نتيجة لامتلاء المعدة، واختلال المزاج، فيرى صورا مفككة وأجزاء متناثرة،
ومناظر مبعثرة، لا تجمعها وحدة ولا تربطها رابطة، وخير ما يطلق على هذا النوع أنه أضغاث أحلام.
ومنها الرؤيا الصادقة، يراها الصالح أو ترى له، وفيها يقول صلى الله عليه وسلم: ((الرؤيا الحسنة
من الرجل الصالح جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة )).
وكون الرؤيا الصادقة جزءاً من النبوة إنما هو باعتبار صدقها لا غير وإلا لساغ لصاحبها أن يسمى
نبياً، وليس كذلك. والناس أمام هذا النوع ثلاث درجات، الأنبياء: ورؤياهم كلها صدق، وقد يقع فيها
ما يحتاج إلى تعبير، والصالحون: والأغلب على رؤياهم الصدق وقد يقع فيها ما يحتاج إلى تعبير،
ومن عداهم: يقع فى رؤياهم الصدق والأضغاث وهم على ثلاثة أقسام: مستورون: فالغالب استواء
الحال فى حقهم، وفسقة: والغالب على رؤياهم الأضغاث، ويقل فيها الصدق، وكفار: ويندر جداً فى
رؤياهم الصدق، كما فى رؤيا صاحبي السجن مع يوسف عليه السلام.
٥٢٠