النص المفهرس
صفحات 481-500
( لقد كان يأوى إلى ركن شديد) أصل الركن ما يستند إليه الشىء ويمتنع به، فشبه به الله
أو العشيرة - كما سيأتى - على سبيل الاستعارة التصريحية، و((يأوى)) مضارع ((أوى)) بمعنى يعتمد
ويحتمى ویرکن.
(لأجبت الداعى) ((أل)) فى ((الداعى)) للعهد، والمعهود رسول الملك الذى جاء يطلب خروجه
من السجن لمقابلته.
( حتى جازها ) أى حتى جاوزها، وليس المراد الدخول فيما بعدها بل المراد الانتهاء منها،
فهو فى معنى الرواية الأخرى ((حتى أنجزها)» أى حتى أتمها.
فقه الحديث
يمكن حصر الموضوع فى أربع نقاط:
١- توضيح موقف إبراهيم عليه السلام.
٢- توضيح قول النبى { ل: ((نحن أحق بالشك من إبراهيم)).
٣- توضيح موقف لوط عليه السلام.
٤- توضيح موقف يوسف عليه السلام، وتوجيه كلام الرسول {َ ل عنه.
١ - أما موقف إبراهيم عليه السلام ففيه قال اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُخي
الْمَوْتَّى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنْ الطَّيْرِ فَصُرَّهُنَّ إِلَيْكَ﴾ (أىّ
اضممهن إليك، ثم جزئهن) ﴿ يَأْتِينَكَ سَمْيًا﴾ (ساعات مسرعات) ﴿وَاعْلَمَّ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
وإنما أمر بضمها إلى نفسه بعد أخذها ليتأملها، ويعرف أشكالها وهيئاتها لئلا تلتبس عليه بعد
إحيائها، ولا يتوهم أنها غير تلك، بل روى أنه أمر بأن يذبحها ويقطعها ويخلط ريشها ودماءها
ولحومها، وأن يمسك فى يده رءوسها ثم يوزع أجزاءها على كل جبل ربعا من كل طائر، ثم يصبح
بها: تعالين بإذن الله، فجعل كل جزء يطير إلى آخر حتى صارت جثثاً، ثم أقبلن، فانضممن إلى
رءوسهن كل جثة إلى رأسها.
أما عن سبب سؤال إبراهيم هذا السؤال فقد قيل: إنه رأى جيفة بساحل البحر يتناولها السباع
والطير ودواب البحر، فتفكر كيف يجتمع ما تفرق من تلك الجيفة.
وفى مراده من السؤال قيل:
أ- إن الشك على ظاهره، وكان ذلك قبل النبوة.
ب- إن الشك على ظاهره، وسببه وسوسة الشيطان، لكنها لم تستقر، ولم تزلزل الإيمان !
ذكره الطبرى، واستدل عليه بما رواه عن ابن عباس قال: هذا لما يعرض فى الصدور، ويوسوس
به الشيطان.
وهذان القولان المثبتان للشك بعيدان عن القبول، لأن الشك فى مثل هذا يبعد وقوعه ممن
رسخ الإيمان فى قلبه، فكيف بمن بلغ رتبة النبوة؟ وأيضا فإن السؤال لما وقع بكيف دل على
حال شىء موجود مقرر عند السائل والمسئول، فليس فيه شك.
والحق أن الشك لم يقع أصلا، وفى توجيه السؤال قيل:
جـ- إنه أراد الطمأنينة بعلم كيفية الإحياء مشاهدة بعد العلم بها استدلالا، وهذا مذهب الإمام أبى
منصور الأزهرى.
د- وقريب منه ما قيل من أنه سأل الترقى من علم اليقين إلى عين اليقين فإن بين العلمين
تفاوتاً، أى سأل زيادة اليقين.
هـ- وقيل: إنه أحب رؤية هذه الحالة، وتطلعت نفسه إلى مشاهدتها كما يحب المؤمنون أن يروا
الجنة مع الإيمان بها وبما يقع فيها، ومع زوال الشكوك تماماً.
و- وقيل: إنه أراد إظهار منزلته عند ربه فى إجابة دعائه، قال: أرنى ذلك لأعلم أنك تجيب
دعائى، وكأن الجواب: أولم تؤمن بأنك مجاب الدعاء؟.
ز- وقريب منه ما قيل: إنه أراد إظهار عظم منزلته عند ربه واصطفائه وخلته، فكأنه قال: أرنى
ذلك لأعلم أنى صفيك وخليلك. وكأن الجواب: أولم تؤمن بأنك صفيى وخليلى؟.
ح- وقيل: إن نمروذ لما قال له: ما ربك؟ قال: ((ربى الذى يحيى ويميت)) سأل إبراهيم
ربه ذلك ليرى النمروذ وقومه، فكأن المراد: أرنى وقومى، ليطمئن قلبى بأنهم يعلمون
أنك تحيى الموتى.
ط - وقيل: إن معناه أقدرنى على إحياء الموتى، فتأدب فى السؤال.
وقيل غير ذلك، لكن الأقوال الأربعة الأخيرة بعيدة. والله أعلم.
٢- وأما قول النبى { ل: ((نحن أحق بالشك من إبراهيم)» فعلى القولين الأولين المثبتين للشك يمكن
حمل ((نحن)) على الأمة الذين يجوز عليهم الشك، وإخراجه هو منه بدلالة العصمة.
كما يمكن أن يراد به مجرد الدفاع عن إبراهيم عليه السلام، من غير قصد إثبات أحقية الشك،
وذلك أنه لما نزلت الآية قال بعض الصحابة: ((شك إبراهيم ولم يشك نبينا)» فقال صلى الله عليه
وسلم ((نحن أحق بالشك من إبراهيم» وأراد ما جرت به العادة فى المخاطبة لمن أراد أن يدفع
عن آخر شيئا قال: كل ما تريد أن تقوله لفلان من الإساءة قله لى، ومقصوده لا تقل عليه شيئاً.
وعلى القول الثالث والرابع والثامن المعنى: نحن أحق بطلب الطمأنينة وزيادة العلم واليقين من
إبراهيم لكثرة المكذبين لنا والمنكرين للبعث.
٤٨٢
وعلى القول الخامس المعنى: نحن أشد اشتياقاً إلى رؤية ذلك من إبراهيم.
وعلى القول السادس والسابع: نحن أحق بطلب إظهار المنزلة ومدى إجابة الدعاء من إبراهيم،
ولكننا لا نطلب ذلك.
وعلى القول التاسع المعنى: نحن أحق بطلب أن يحيى اللَّه الموتى على يدى، ولكنى لا أسأل ذلك
اكتفاء بمعجزة القرآن.
وقيل المعنى: إذا لم نشك نحن فاعلموا أن إبراهيم لم يشك، أى لو كان الشك متطرقاً إلى الأنبياء
لكنت أنا أحق بالشك منه، وقد علمتم أنى لم أشك فاعلموا أن إبراهيم لم يشك. وإنما قال ذلك
تواضعاً، أو من قبل أن يعلمه الله بأنه أفضل من إبراهيم، ويؤيد هذا الأخير ما رواه مسلم عن أنس
أن رجلا قال لرسول اللَّه ◌َا﴾: ((ياخير البرية فقال: ذاك إبراهيم)).
فيكون المراد نفى الشك عنه وعن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وقد حكى بعض علماء العربية
أن ((أفعل)» ريما جاءت لنفى المعنى عن الشيئين نحو قوله تعالى: ﴿أَهُمْ خَيْرٌأُمْ قَوْمُ تُنٍَّ﴾
[الدخان: ٣٧]؟ أى لا خير فى الفريقين، والله أعلم.
٣- وأما عن لوط عليه السلام فقد قال النووي: إن لوطاً ﴿ لما خاف على أضيافه، ولم يكن له عشيرة
تمنعهم من الظالمين ضاق ذرعه، واشتد حزنه عليهم، فغلب ذلك عليه، فقال فى ذلك الحال: ﴿لَوْ
أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً ﴾ (فى الدفع بنفسى) ﴿ أَوْ آوِي إِلَى رُكْنِ شَدِيدٍ﴾ أى عشيرة تمنع لمنعتكم، وقصد
لوط عليه السلام إظهار العذر عند أضيافه، وأنه لو استطاع دفع المكروه عنهم بطريق ما لفعله،
وأنه بذل وسعه فى إكرامهم والمدافعة عنهم، ولم يكن ذلك إعراضا منه صلى الله عليه وسلم عن
الاعتماد على اللَّه تعالى، وإنما كان لما ذكرنا من تطييب قلوب الأضياف. ويجوز أن يكون نسى
الالتجاء إلى الله تعالى فى حمايتهم، ويجوز أن يكون التجأ فيما بينه وبين اللّه تعالى، وأظهر
للأضياف التألم وضيق الصدر.اهـ
قال الحافظ ابن حجر: يقال: إن قوم لوط لم يكن فيهم أحد يجتمع معه فى نسبه، لأنهم من
((سدوم)) وهى من بلاد الشام، وكان أصل إبراهيم ولوط من العراق، فلما هاجر إبراهيم إلى الشام
هاجر معه لوط فبعث الله لوطا إلى أهل سدوم، فقال لقومه لما جاءته الأضياف: لو أن لى منعة
وأقارب وعشيرة لكنت أستنصربهم عليكم ليدفعوا عن ضيفانى، ولهذا جاء فى بعض طرق
الحديث عن النبى {8* قال: قال لوط: لو أن لى بكم قوة أو آوى إلى ركن شديد قال: فإنه كان
يأوى إلى ركن شديد ولكنه عنى عشريته، فما بعث الله نبياً إلا فى ذروة من قومه. ألم تر إلى قول
قوم شعيب: ولولا رهطك لرجمناك. اهـ
فالمراد من الركن الشديد فى الآية عشيرته، فكأنه قال لقومه: لو أن لى عشيرة لدفعتكم
بها وحميت بها ضيفى. والمراد من الركن الشديد فى الحديث هو اللّه تعالى، والمعنى:
يرحم اللَّه لوطا لقد كان - حين قال هذا القول - يأوى فى نفسه إلى الله تعالى، لكنه
قال ما قال اعتذاراً لضيفه.
٤٨٣
وقيل معنى قوله: ((لقد كان يأوى إلى ركن شديد)) أى إلى عشيرته، لكنه لم يأو إليهم وأوى إلى اللّه
تعالى، على معنى أنه كانت له عشيرة يمكن أن يأوى إليها لكنه أوى إلى الله تعالى، قال الحافظ
ابن حجر: والأول أظهر، لما بيناه من أنه لم تكن له عشيرة. اهـ
٤- وأما عن يوسف عليه السلام فقد أشار رسول الله إلى شدة صبره وتأنيه، وتقديمه إثبات
البراءة على الخروج من السجن، حين جاءه رسول الملك يطلب خروجه، فقال له: ارجع إلى ربك
فاسأله ما بال النسوة اللاتى قطعن أيديهن، فلم يخرج يوسف مبادراً إلى الراحة ومفارقة السجن
الطويل، بل تثبت وتوقر وراسل الملك فى كشف أمره الذى سجن بسببه لتظهر براءته عند الملك
وغيره، فبين النبى # فضيلة يوسف فى هذا، وقوة نفسه فى الخير، وكمال صبره وحسن نظره،
وقال صلى الله عليه وسلم عن نفسه ما قال تواضعاً وإيثاراً للمبالغة فى كمال فضيلة يوسف عليه
السلام، وهو من جنس قوله: ((لا تفضلونى على يونس)) والتواضع لا يحط مرتبة الكبير، بل يزيده
رفعة وإجلالا.
والله أعلم
٤٨٤
(٩٠) باب القرآن المعجزة الكبرى
والرسول # أكثر الأنبياء تابعا
٢٦١ - ٢٣٩ عَنْ أَبِي هُرَّيْرَةَ عَهِ(٢٣٩) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ قَالَ «مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ مِنْ نَبِيِّ إِلا
قَدْ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ. وَإِنَّمَا كَانَ الْذِي أُوتِيتُ وَحْبًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيَّ.
فَأَرْجُو أَن أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
المعنى العام
كان كل نبى يبعث إلى قومه خاصة، ويجرى اللّه على يديه أمراً خارقاً للعادة، من جنس ما نبغ
فيه قومه، يتحداهم به، فيظهر عجزهم عن الإتيان بمثله، فيدفع إلى الإيمان من أراد اللَّه هدايته.
لقد كانت النار برداً وسلاماً على إبراهيم، وكانت ناقة صالح لها شرب ولهم شرب يوم معلوم،
وكانت عصا موسى حية تلقف ماصنعوا، وكان عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيى الموتى بإذن الله.
آيات آمن بسببها من آمن، لكن معجزة رسول الله محمد التى تحداهم بها هى القرآن، عجزوا
عن الإتيان بمثله، ثم تحداهم بعشر سور مثله فعجزوا، ثم تحداهم بسورة مثله فعجزوا، فيه خبر من
قبلهم وحكم ما بينهم، صالح لكل زمان ومكان، لا يخلق على كثرة الرد، ولا تنقضي عجائبه، من قال به
صدق، ومن حكم به عدل، ومن تمسك به هدى إلى صراط مستقيم.
إنه قائم محفوظ من قبل الله على مرالسنين، يعتبر به المعتبرون، ويتعظ به المتعظون، وينتفع
به المؤمنون إلى يوم القيامة.
بهذه المعجزة الكبرى الباقية الدائمة النفع، السهلة، الميسرة للذكر كان رسول اللَّه # أكثر
الأنبياء تابعاً.
فاللهم اجعلنا من أتباعه الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله وأولئك
هم أولوا الألباب.
المباحث العربية
( ما من الأنبياء من نبى) ((من)) الثانية مزيدة لتأكيد الذفى، والأصل: مانبي من الأنبياء،
وفى رواية البخارى، ((ما من الأنبياء نبى)) والمراد من النبى الرسول، لأنه الذى يدعو للإيمان.
(٢٣٩) حَدَِّا أَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَذْقَا لَيْثٌ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
٤٨٥
( إلا قد أعطى من الآيات ) أى المعجزات الخوارق.
( ما مثله آمن عليه البشر) ((ما)» موصولة، وقعت مفعولا ثانيا لأعطى و)) مثله)) مبتدأ،
و))آمن)» خبره، والجملة صلة الموصول، والمثل يطلق ويراد به عين الشىء، وما يساويه، والمعنى: أن
كل نبى أعطى آية أو أكثر، من شأنها أن يؤمن بالنبى لأجلها من يشاهدها.
فلفظ ((على)) فى قوله ((عليه)) بمعنى اللام أو الباء، والنكتة فى التعبيرهنا بـ))على)) تضمنها معنى
الغلبة، أى يؤمن بذلك مغلوبا مدفوعا بتأثيرها.
ورواية مسلم ((آمن)) بمد الهمزة وفتح الميم من الإيمان، وجاء فى رواية البخارى ((ما مثله أُومِنَ -
أو آمن- عليه البشر)» بالشك من الراوى، فالأولى بضم الهمزة وسكون الواو وكسر الميم من الأمن،
وحكى بعضهم ((أمن)) بفتح الهمزة من غير مد، وكسر الميم من الأمان.
( وإنما كان الذى أوتيت وحيا) ((أوتيت)) بحذف الهاء وهى المفعول الثانى، وفى رواية
((أوتيته)) بذكرها، والجملة صلة الموصول و((وحيا)) خبر كان والمراد به القرآن. ومعنى الحصر أن
القرآن أعظم المعجزات وأفيدها وأدومها، لاشتماله على الدعوة والحجة ودوام الانتفاع إلى آخر الدهر،
فلما كان لا شىء يقاربه، فضلا عن أن يساويه، كان ما عداه بالنسبة إليه كأن لم يقع، فالقصر
ادعائى، أو المراد إنما معجزتى التى تحديت بها على مر الزمان هى الوحى والقرآن، فالقصر حقيقى.
(أوحى الله إلى) الجملة صفة ((وحيا)) والرابط مفعول ((أوحى)) محذوف ذكر فى رواية
البخارى ولفظها «أوحاه اللَّه إلى)).
(فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة ) فى رواية للبخارى ((فأرجو أنى أكثرهم
تابعاً يوم القيامة)) والفاء فى ((فأرجو)) لترتيب رجائه هذا على أن معجزته القرآن الذى يعم نفعه من
حضرومن غاب ومن وجد ومن سيوجد.
فقه الحديث
قال الحافظ ابن حجر: ليس المراد حصر معجزاته صلى الله عليه وسلم فى القرآن، ولا أنه لم
يؤت من المعجزات ما أوتى من تقدمه، بل المراد أنه المعجزة التى اختص بها دون غيره، لأن كل
نبى أعطى معجزة خاصة به، لم يعطها بعينها غيره، تحدى بها قومه، وكانت معجزة كل نبى تقع
مناسبة لحال قومه، كما كان السحر فاشيا عند فرعون، فجاءه موسى بالعصا على صورة ما يصنع
السحرة، لكنها تلقفت ماصنعوا، ولم يقع ذلك بعينه لغيره، وكذلك إحياء عيسى الموتى، وإبراء الأكمه
والأبرص، لكون الأطباء والحكماء كانوا فى غاية الظهور فأتاهم من جنس عملهم بما لم تصل
قدرتهم إليه.
٤٨٦
ولهذا لما كان العرب الذين بعث فيهم النبى فى الغاية من البلاغة جاءهم بالقرآن الذى
تحداهم أن يأتوا بسورة مثله، فلم يقدروا على ذلك.
وقيل: المراد أن القرآن ليس له مثل، لا صورة ولا حقيقة، بخلاف غيره من المعجزات، فإنها لا
تخلوعن مثل، وقيل: المراد أن النبى # أعطى من المعجزات ما كان مثله لمن كان قبله صورة أو
حقيقة، والقرآن لم يؤت أحد قبله مثله، فلهذا أردفه بقوله: ((فأرجو أن أكون أكثرهم تابعا)).
وقيل: المراد أن الذى أوتيته لا يتطرق إليه تخييل، وإنما هو كلام معجز لا يقدر أحد أن يأتى بما
يتخيل منه التشبيه به، بخلاف غيره فإنه قد يقع فى معجزاتهم ما يقدر الساحر أن يخيل شبهه،
فيحتاج من يميزبينهما إلى نظر، والنظر عرضة للخطأ، فقد يخطئ الناظر فيظن تساويهما.
وقيل: المراد أن معجزات الأنبياء انقرضت بانقراض أعصارهم فلم يشاهدها إلا من حضرها،
ومعجزة القرآن مستمرة إلى يوم القيامة وخرقه العادة فى أسلوبه، وبلاغته، وإخباره بالمغيبات، فلا
يمر عصر من الأعصار إلا ويظهر فيه شىء مما أخبر به أنه سيكون يدل على صحة دعواه، قال: وهذا
أقوى المحتملات، وتكميله أن المعجزات الماضية كانت حسية تشاهد بالأبصار، كناقة صالح، وعصا
موسى، ومعجزة القرآن تشاهد بالبصيرة، فيكون من يتبعه لأجلها أكثر، لأن الذى يشاهد بعين الرأس
ينقرض بانقراض مشاهده، والذى يشاهد بعين العقل باق يشاهده كل من جاء بعد الأول مستمرا.
ثم قال: ويمكن نظم هذه الأقوال كلها فى كلام واحد، فإن محصلها لا ينافى بعضه بعضا.اهـ وهو
كلام نفيس لا مزيد عليه.
وقد جمع بعضهم إعجاز القرآن فى أربعة أشياء:
أحدها: حسن تأليفه، والتئام كلمه مع الإيجاز والبلاغة.
ثانيها: صورة سياقه وأسلوبه المخالف لأساليب كلام أهل البلاغة من العرب نظماً ونثرا، حتى
حارت فيه عقولهم، ولم يهتدوا إلى الإتيان بشىء مثله، مع توفر دواعيهم على تحصيل ذلك، وتقريعه
لهم على العجز عنه.
ثالثها: ما اشتمل عليه من الإخبار عما مضى من أحوال الأمم السابقة والشرائع الدائرة، مما كان
لا يعلم منه بعضه إلا النادر من أهل الكتاب.
رابعها: الإخبار بما سيأتى من الكوائن التى وقع بعضها فى العصر النبوى وبعضها بعده.
ومن غير هذه الأربعة الروعة التى تحصل لسامعه، وأن قارئه لا يمل من ترداده، وسامعه لا يمجه،
ولا يزداد بكثرة التكرار إلا طراوة، ومنها جمعه لعلوم ومعارف لا تنقضى عجائبها، ولا تنتهى فوائدها.
انتهى ملخصا من كلام القاضى عياض وغيره.
ويؤخذ من الحديث
١- أن النبى لابد له من معجزة تقتضى إيمان من شاهدها بصدقه، ولا يضره من أصر على المعاندة.
٤٨٧
١- يؤخذ من صنيع البخارى استدلاله بالحديث على أن النبى و بعث بجوامع الكلم، قال الحافظ
ابن حجر: إن دخول القرآن فى قوله صلى الله عليه وسلم «بعثت بجوامع الكلم» لا شك فيه،
وإنما النزاع: هل يدخل غيره من كلامه من غير القرآن؟
١ - استدل به على أن القرآن إنما نزل بالوحى الذى يأتى به الملك، لا بالمنام ولا بالإلهام.
١ - وفيه علم من أعلام النبوة، فإنه أخبر عليه السلام بهذا فى زمن قلة المسلمين ثم مَنَّ اللَّه تعالى
وفتح على المسلمين البلاد، وقد تأكد صلى الله عليه وسلم من تحقق رجائه فقد روى البخارى أنه
صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه ((أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قالوا: نعم. قال أترضون
أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قالوا: نعم. قال: أترضون أن تكونوا شطر أهل الجنة؟ قالوا: نعم.
قال: إنى لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، وذلك أن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، وما أنتم
فى أهل الشرك إلا كالشعرة البيضاء فى جلد الثور الأسود، أو الشعرة السوداء فى جلد الثور
الأحمر».
وفى رواية ((بل أرجو أن تكونوا ثلثى أهل الجنة)) وفى رواية ((بل أنتم نصف أهل الجنة
وتقاسمونهم فى النصف الثانى».
والله أعلم
٤٨٨
(٩١) عموم رسالته صلى الله عليه وسلم
٢٦٢ - ٢٩٠ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾ (٢٤٠) عَنْ رَسُولِ اللَّهِع ◌ِ﴿ أَنَّهُ قَالَ «وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ
بِبْدِهِ! لا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأَمَّذِ يَهُودِيٌّ وَلا نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي
أَرْسِلْتُ بِهِ، إِلا حَانٌ مِنْ أَصْحَابِ النّارِ ».
المعنى العام
بعث محمد * إلى الناس كافة، بشيراً ونذيراً، وهادياً إلى اللَّه بإذنه وسراجاً منيراً، بعث خاتم
الأنبياء والمرسلين، ناسخا لملل السابقين، داعيا أهل الكتاب إلى الإيمان برسالته، محذراً من
كفرانها والصد عنها، كما حذر المشركين ودعاهم إلى الإسلام، فكل من بلغته الدعوة [صاحب كتاب]
يجب عليه الإيمان به، ويحرم عليه البقاء على ما هو عليه، سواء كان على ملة بدلت، أو على ملة لم
تبدل، ومن سمع برسالة محمد / وبمعجزاته ثم أصر على كفره، ومات على ذلك فهو من الكافرين
المخلدين فى النار.
المباحث العربية
( والذي نفس محمد بيده) فيه تجريد، والأصل: والذى نفسى بيده، وهو حلف بالله تعالى،
فإنه الذی بیدہ کل نفس.
( لايسمع بي أحد ) فيه التفات من الغيبة إلى التكلم.
( من هذه الأمة) أصل الأمة الجماعة، وتضاف للنبى فيراد بها - أحيانا- أمة الإجابة، أى
من أسلم كحديث ((شفاعتى لأمتى)» وأحياناً أمة الدعوة، أى كل من أرسل إليه، وهو المراد منها هنا،
فالإشارة إلى أمة الدعوة، الموجود منها فى زمنه ومن سيوجد إلى يوم القيامة.
(يهودي ولا نصرانى) «يهودى)) بدل بعض من كل، من ((أحد)) وعطف ((نصرانى)» على
((يهودى)) بإعادة ((لا)) النافية، وهو الفصيح فى العطف على منفى، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا
صَلَى﴾ [القيامة: ٣٠].
( ثم يموت ولم يؤمن) جملة ((ولم يؤمن)) فى محل النصب على الحال من فاعل ((يموت)) أى
(٠ ٤ ٢) حَدَّفِي يُونُسُ بْنُ عَبْدِ الأَعْلَى أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ وَأَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنْ أَبَا يُونُسَ حَدَّلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
٤٨٩
ثم يموت غير مؤمن، والعطف بثم يفيد أن الإيمان ينفع ولو مع التراخى، ولو بعد مدة من البلاغ، ويصح
أن يكون لاستبعاد أن يقع الموت بدون إيمان بعد السماع به كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ
بِآيَاتٍ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا ﴾ [السجدة: ٢٢].
( إلا كان من أصحاب النار) أى ملازميها.
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- نسخ الملل كلها برسالة نبينا محمد®، لأن ذكر اليهودى والنصرانى للتنبيه على من سواهما، إذ
اليهود والنصارى لهم كتاب، فإذا كان هذا شأنهم مع أن لهم كتاباً فغيرهم ممن لا كتاب لهم من
باب أولى.
٢- أن رسالة النبى ل عامة لكل البشر فى جميع الأزمنة اللاحقة لبعثته، وفى جميع الأمكنة، وقد
جاء فى الصحيحين: ((أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلى)) وفيه: ((وكان النبى يبعث إلى قومه
خاصة، وبعثت إلى الناس عامة)) وفى رواية لمسلم ((وبعثت إلى كل أحمر وأسود)) وفى رواية
((وأرسلت إلى الخلق كافة )».
٣- أنه لا حكم قبل ورود الشرع على الصحيح.
٤- أن من لم تبلغه دعوة الإسلام فهو معذور، وهو أصل مجمع عليه لقوله تعالى: ﴿وَمَّا كُنَّا مُعَذِّبِينَ
حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولا﴾ [الإسراء: ١٥].
وفى حكم من لم تبلغه الدعوة، مَنْ بلغته مِنَ الأعاجم ولم يفهمها، وبعضهم يعتبر شرط وجوب
الإيمان هو بلوغ المعجزة، رؤية وسماعا لمن حضرها، ونقلا عن موثوق لمن لم يحضرها، وكون
الشرط بلوغ الدعوة هو ظاهر الحديث، أما من يشترط بلوغ المعجزة فإنه يفسر الحديث بقوله:
لايسمع بي أحد وتتبين له معجزتی.
واللَّه أعلم
٤٩٠
(٩٢) باب أجر الكتابى إذا أسلم: ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين
٢٢٣ - ٢٢١ عَنِ الشَّغِّ(٢٤١)؛ قَالَ: رَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ أَهْلٍ خُرَاسَانَ سَأَلَ الشَّغْبِيِّ فَقَالَ: يَا أَبَا
عَمْرٍو، إِلَّ مَنْ قِلَّا مِنْ أَهْلٍ خُرَاسَانَ يَقُولُونَ، فِي الرَّجُلٍ، إِذَا أَعْتَقَ أَمَنَّهُ ثُمَّ تَزَوْجَهَا: فَهُوّ
كَالرَّاكِبِ بَدََّهُ. فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: حَدَّثَيِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى، عَنْ أَبِيهِ؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِع ◌َل
قَالَ «ثَلاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنٍ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمَنَ بِّهِ وَأَدْرَكَ النَّبِيَّ ◌َ فَآمَنَّ بِهِ
وَالْبَعَهُ وَصَدَّقَهُ، فَلَهُ أَجْرَانٍ. وَعَبْدٌ مَمْلُوكُ أَدَّى حَقَّ اللَّهِ تَعَالَى وَحَقَّ سَيِّدِهِ، فَلَهُ أَجْرَانٍ. وَرَجُلٌ
كَانَتْ لَهُ أَمَةٌ فَقَدَّاهَا فَأَحْسَنَ غِذَاءَهَا، ثُمَّ أَدَّبَهَا فَأَحْسَنَ أَدَّبَهَا. ثُمَّ أَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا، فَلَهُ
أَجْرَانٍ». ثُمَّ قَالَ الشَّغْبِيُّ لِلْخُرَاسَائِيّ: خُذْ هَذَا الْحَدِيثَ بِغَيْرِ شَيْءٍ. فَقَدْ كَانُ الرَّجُلُ يَوْحّلُ
فِيمَا دُونَ هَذَا إِلَى الْمَدِينَّةِ.
المعنى العام
تفضل وإحسان من اللَّه تعالى على عباده، إن هم فعلوا خيراً على خير، أن يمنحهم أجراً فوق أجر،
مصداقا لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ [النمل: ٨٩] ومن الذين يؤتون أجرهم مرتين
ثلاثة خصهم بالذكر، مراعاة لظروف وبيئة معينة.
لقد كان أهل الكتاب يعرفون محمداً:# كما يعرفون أبناءهم، يجدونه ويجدون أوصافه عندهم
مكتوبة فى التوراة والإنجيل، فكان إيمانهم به وإسلامهم خيراً كبيراً لهم وللإسلام، لهم لأنهم يسلمون
على ما أسلفوا من إيمان وخير، وللإسلام لاقتداء العامة بهم، ونشر الإسلام عن طريقهم، فكان لمن
يسلم منهم أجران.
وكان الرق فى ظروف هذا الحديث منتشرا وكثيرا، وكان الأرقاء يضيقون به ذرعا، ويشعرون
بسببه ذلة وهوانا، وكان السادة يسيئون معاملة الرقيق خصوصا الإماء منهم، فحارب الحديث هاتين
السوأتين، ورغب فى نقيضهما، لقد منح اللَّه العبد المملوك المطيح لربه ولسيده أجرين على ما يفعل
من حسنات فألقى بذلك الرضا فى قلوب العبيد بالقضاء، بل وصل ببعضهم أن قيل لسيده حين أعتقه
معجباً من دينه: لم حرمتنى من أحد أجرى؟ ووصل التطلع ببعض الأحرار إلى أجر العبيد، حتى قال
أبو هريرة: والذى نفسى بيده لولا الجهاد فى سبيل الله والحج وبر أمى لأحببت أن أموت وأنا مملوك.
(٢٤١) حَدُثْنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى أَخْبُرْنَا هُشَيْمٌ عَنْ صَالِحٍ بِنِ صَالِحٍ الْهَمْدَانِيِّ عْنِ الشَّغْبِيِّ
- وحّدَّقَّا أَبُو بَكْرٍ بِنْ أَبِيٍ شَيْبَةَ حَدَّثَنَا عَيْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ حْ وِحَدََّهَا ابْنُ أَبِي عُمْرٌّ خَذََّا سُفْيَانُ حِ وَحَدَّقَّا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُّعَادٍ
حَدَّا أَبِي حَدَّقَا ثُعْبَةُ ◌َكُلُّهُمْ عَنْ صَالِحٍ بَنٍ صَالِحٍ بِهِذَا الإِسْنَادِ نَخْوَهُ.
٤٩١
كما منح أجرين للسيد الذى يحسن معاملة أمته، يغذيها فيحسن غذاءها، ويعلمها فيحسن
تعليمها، ويؤدبها فيحسن تأديبها، ثم يعتقها ويمن عليها بالحرية، ثم يتزوجها فيجعلها سيدة بيته، ولا
شك أن العبد إذا أحسن معاملة سيده، وأن السيد إذا أحسن معاملة عبده أحسن كل منهما معاملة
الآخرين فى المجتمع من باب أولى، فيعم الأمة التواد والتعاطف والتراحم، وتصبح كالجسد الواحد
إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
المباحث العربية
( إن مَن قِبلنا ) أى إن الذين عندنا وفى جهتنا، يقال: لى قبله كذا، بكسر القاف وفتح الباء،
أى عنده.
( كالراكب بدنته) البدنة بفتح الباء والدال، من الإبل والبقر كالأضحية من الغنم، تهدى إلى
مكة، فكما أن من أهدى بدنته إلى مكة لا يجوزله الرجوع فيها، فكذا من أعتق أمته لله لا يليق به أن
يتزوجها، فإن زواجها شبيه بالعود فيها، كذا فهموا.
( ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين ) ((ثلاثة)) مبتدأ، والتقدير ثلاثة رجال والجملة بعده خبر
((ويؤتون)) أى كل واحد منهم.
(رجل ) هو بدل بعض من كل، أو بدل كل من كل إذا قصد المجموع، وكذا المرأة
فذكر الرجل للتغليب.
( من أهل الكتاب ) لفظ الكتاب عام، لكن المراد منه نوع خاص، وهو المنزل من عند الله، بل
فرد خاص من المنزل من عند الله، وهو الإنجيل وحده، وقيل: المراد به الإنجيل والتوراة، وسيأتى له
مزيد إيضاح فى فقه الحديث.
( فآمن به واتبعه وصدقه ) يحتمل أن يكون ثلاثتها مترادفات فى المعنى المراد للتأكيد،
ويحتمل أن المراد من الإيمان به التصديق برسالته، ومن اتباعه لزوم العمل بشريعته، ومن تصديقه
تصديقه فى كل ما جاء به من أحكام.
( فله أجران ) هو تكرير لطول الكلام، وللاهتمام به.
(وعبد مملوك) وكذا الأمة المملوكة، وفائدة ذكر ((مملوك)) بعد ((عبد)» لرفع إبهام العبودية
العامة للَّه، بإثبات أن المراد الرقاق.
( كانت له أمة) وفى رواية البخارى ((كانت عنده وليد)» وهى ما ولد من الإيماء فى ملك
الرجل، ثم أطلق ذلك على كل أمة.
٤٩٢
( فغذاها فأحسن غذاءها ) أى أطعمها.
( خذ هذا الحديث بغير شىء ) من الأمور الدنيوية، وإلا فالأجر الأخروى حاصل له.
( فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة ) أى يرحل لأجل ما هو أهون أهمية
من هذا الحديث من الكوفة إلى المدينة المنورة.
فقه الحديث
فى المراد من أهل الكتاب هنا قال الحافظ ابن حجر: تظاهرت نصوص الكتاب والسنة على أن
المراد بالكتاب التوراة والإنجيل. وقيل: المراد به هنا الإنجيل خاصة إن قلنا إن النصرانية ناسخة
اليهودية. كذا قرره جماعة ولا يحتاج إلى اشتراط النسخ لأن عيسى عليه السلام كان قد أرسل إلى
بنى إسرائيل بلا خلاف، فمن أجابه منهم نسب إليه، ومن كذبه منهم واستمر على يهوديته لم يكن
مؤمنا، فلا يتناوله الخبر، لأن شرطه أن يكون مؤمنا بنبيه، نعم من دخل فى اليهودية من غير بنى
إسرائيل، أو لم يكن بحضرة عيسى عليه السلام، فلم تبلغه دعوته يصدق عليه أنه يهودى مؤمن، إذ هو
مؤمن بنبيه موسى عليه السلام، ولم يكذب نبيا آخر بعده، فمن أدرك بعثة محمد، ممن كان بهذه
المثابة، وآمن به لا يشكل أنه يدخل فى المذكور، ومن هذا القبيل العرب الذين كانوا باليمن وغيرها
ممن دخل منهم فى اليهودية، ولم تبلغهم دعوة عيسى عليه السلام لكونه أرسل إلى بنى إسرائيل
خاصة، نعم الإشكال فى اليهود الذين كانوا بحضرة النبى ₪، وقد ثبت أن الآية الموافقة لهذا
الحديث وهى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ * وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا
آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ﴾ أُوْلَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ
بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ [القصص: ٥٢-٥٤] نزلت فى طائفة آمنواً منهم كعبد الله بن
سلام وغيره، ففى الطبرانى من حديث رفاعة القرظى قال: نزلت هذه الآية فى، وفيمن آمن معى.
وروى الطبرى بإسناد صحيح عن على بن رفاعة القرظى قال: خرج عشرة من أهل الكتاب. منهم
أبورفاعة إلى النبى ﴿، فآمنوا به؛ فأوذوا، فنزلت ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمْ الْكِتَابَ مِنَ قَبْلِهِ هُم بِهِ يُؤْمِنُونَ ﴾
الآيات. فهؤلاء من بنى إسرائيل ولم يؤمنوا بعيسى، بل استمروا على اليهودية إلى أن آمنوا بمحمد
* وقد ثبت أنهم يؤتون أجرهم مرتین.
قال الطيبى: فيحتمل إجراء الحديث على عمومه، إذ لا يبعد أن يكون طريان الإيمان بمحمد 5 #
سبباً لقبول تلك الأديان وإن كانت منسوخة، اهـ
ثم قال الحافظ ابن حجر: ويمكن أن يقال فى حق هؤلاء الذين كانوا بالمدينة: إنه لم تبلغهم دعوة
عيسى عليه السلام، لأنها لم تنتشر فى أكثر البلاد، فاستمروا على يهوديتهم، مؤمنين بنبيهم موسى
عليه السلام، إلى أن جاء الإسلام، فآمنوا بمحمد ولا فيهذا يرتفع الإشكال. اهـ
٤٩٣
وقال القرطبى: الكتابى الذى يضاعف أجره مرتين، هو الذى كان على الحق فى شرعه، عقدا
وفعلا، إلى أن آمن بنبينا محمد { قال الحافظ ابن حجر: ويشكل عليه أن النبى {* كتب إلى هرقل
(«أسلم يؤتك اللَّه أجرك مرتين)) وهرقل كان ممن دخل فى النصرانية بعد التبديل.
وقال الداودى ومن تبعه: إنه يحتمل أن يتناول جميع الأمم فيما فعلوه من خير، كما فى حديث
حكيم بن حزام «أسلمتَ على ما أسلفتَ من خير». اهـ
ويعترض عليه بأن الحديث مقيد بأهل الكتاب، فلا يتناول غيرهم إلا بقياس الخير على الإيمان،
وكأن النكتة فى قوله: ((آمن بنبيه)) الإشعار بعلية الأجر، أى إن سبب الأجرين الإيمان بالنبيين،
والكفار ليسوا كذلك.
ويمكن أن يقال: الفرق بين أهل الكتاب وغيرهم من الكفار أن أهل الكتاب يعرفون محمداً وَ ال﴾.
كما قال اللَّه تعالى: ﴿يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] فمن آمن به
واتبعه منهم كان له فضل على غيره، وكذا من كذبه منهم كان وزره أشد من وزر غيره.
وذهب الكرمانى إلى اختصاص هذا الأجر بمن آمن بالنبى و فى عهد البعثة، أما من آمن من
أهل الكتاب بعد وفاة محمد [مثل كعب الأحبار الذى أسلم فى عهد عمر بن الخطاب] فلا يدخل
فى هذا الأجر، وعلل ذلك بأن نبيهم بعد البعثة إنما هو محمد {، باعتبار عموم بعثته، وتعقبه الحافظ
ابن حجر بأن هذه العلة ثابتة لمن آمن منهم فى عهده صلى اللّه عليه وسلم، فإن خص بمن لم تبلغه
الدعوة فلا فرق في ذلك بين عهده صلى اللَّه عليه وسلم وبين الزمن الذى بعده.
فالأظهر أن يقال: إن هذا الأجرباق إلى يوم القيامة لمؤمنى أهل الكتاب، لكن هل يختص ممن
كان منهم على الحق قبل الإسلام؟ أو يعم من هم على الحق وغيرهم؟ إن قلنا: إن الأجر الأول فى
اتباعه الحق الأول والأجر الثانى فى اتباعه الحق الآخر كان مختصاً بمن كان منهم على الحق قبل
الإسلام، وهو الظاهر، وإن قلنا: إن الأجرين والمضاعفة فى اتباع الحق الثانى بسبب التمسك بالأول
[وبه قيل] كان مناسبا للعموم، والله أعلم.
أما العبد المملوك فقد قال ابن عبد البر: إنه لما اجتمع عليه أمران واجبان: طاعة ربه فى
العبادات، وطاعة سيده فى المعروف، فقام بهما جميعا كان له ضعف أجر الحر المطيع لطاعته، لأنه
قد ساواه فى طاعة الله، وفضل عليه بطاعة من أمره الله بطاعته، ثم قال: ومن هنا أقول: إن من
اجتمع عليه فرضان، فأداهما، أفضل ممن ليس عليه إلا فرض واحد فأداه، كمن وجب عليه صلاة
وزكاة، فقام بهما، فهو أفضل ممن وجبت عليه صلاة فقط، ومقتضاه: أن من اجتمعت عليه فروض فلم
يؤد منها شيئاً كان عصيانه أكثر من عصيان من لم يجب عليه إلا بعضها. أهـ
ومقتضى هذا: أن التضعيف من جهة تعدد الواجبات، فالعمل الذى يجمع بين حق الله وحق
السيد يضاعف باعتبارين، أما العمل الخاص بحق اللَّه فلا يضاعف، وكذا الخاص بحق السيد.
وقال الحافظ ابن حجر: الذى يظهر أن مزيد الفضل للعبد الموصوف بهذه الصفة، هو لما يدخل
٤٩٤
عليه من مشقة الرق، وإلا فلوكان التضعيف بسبب اختلاف جهة العمل لم يختص العبد بذلك. اهـ
ومعنى ذلك أن كل عمل يعمله العبد يضاعف له، ومعنى ذلك أن الفرض الواحد إذا أداه العبد والسيد
كان أجر العبد ضعف أجر السيد، ولا محذور فى ذلك ولا يلزم منه تفضيل العبودية على الحرية، فإن
للسيد جهات أخرى يستحق بها أجوراً مضاعفة، لا يتمكن العبد من أدائها.
وأما عتق الأمة ثم تزوجها فقد بالغ قوم فكرهوه على أنه من قبيل الرجوع فى الصدقة، وقد أسند
هذا إلى سعيد بن المسيب وإبراهيم النخعى، كما أخرج الطبرانى عن ابن مسعود أنه يقول ذلك، وعن
ابن عمر مثله وعند ابن أبى شيبة عن أنس أنه سئل عنه، فقال: إذا أعتق أمته لله فلا يعود فيها.
ونحن لا نميل إلى صحة إسناد هذا القول لهؤلاء الأفاضل، فإن صح فلعلهم - كما يقول الحافظ
ابن حجر- لم يبلغهم هذا الحديث.
نعم، الخلاف كثير بين العلماء فى جواز جعل عتق الأمة صداقا لها، وإلى أن يأتى تفصيل هذا
البحث فى كتاب النكاح نكتفى بإيجازه فيما يأتى:
ذهب الثورى وأبو يوسف وأحمد وإسحق إلى أنه إذا أعتق أمته على أن يجعل عتقها صداقها
صح العقد والعتق والمهر؛ أخذا بظاهر ما رواه البخارى عن أنس بن مالك أن رسول اللَّه * أعتق
صفية وجعل عتقها صداقها.
وذهب الشافعى إلى أن من أعتق أمته على أن يتزوجها، فقبلت عتقت، ولم يلزمها أن تتزوج به،
ولكن يلزمها له قيمتها، لأنه لم يرض بعتقها مجاناً، وردوا على دليل الفريق الأول بأنه قول لأنس قاله
ظنا من قبل نفسه، ولم يرفعه، أو أن هذا خاص بالنبى # دون غيره.
والذى يعنينا فى هذا المقام هو أن الأجرين لمن أعتق أمته، ثم تزوجها بمهر خاص، بلا خلاف.
أما من جعل عتقها صداقها فظاهر الحديث الذى معنا يشمله أيضا، لكن رواية البخارى وفيها:
((ثم أعتقها ثم أصدقها)) تفيد أن المراد بالتزويج فى روايتنا أن يقع بمهر جديد سوى العتق، يقوى
هذا ما جاء فى مسند أبى داود الطيالسى بلفظ ((إذا أعتق الرجل أمته ثم أمهرها مهراً جديداً كان له
أجران)) وما أخرجه الإسماعيلى بلفظ ((ثم تزوجها بمهر جديد)).
والذى تستريح إليه النفس أن العتق فى حد ذاته تكريم وإحسان، وأن زواج السيد من الأمة
المملوكة وتمكينها من حقوق الزوجية بعد أن كانت لا تملك منها حقاً نحوه، تكريم آخر وإحسان، من
أجلهما استحق فاعل ذلك الأجرين، ولا يتوقف الأجران على المهر الجديد إذا ما قلنا بصحة العتق
والعقد والمهر، واللَّه أعلم.
بقى أن نقول: إن حصر الذين يؤتون أجرهم مرتين فى الثلاثة المذكورين لا يستقيم، فقد ثبت
مثل ذلك فى حق نساء النبى {﴿ فيما رواه الطبرانى، ولقوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَن يَأْتٍ مِنْكُنَّ
بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّلِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ
صَالِحًا ثُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] ومضاعفة العذاب تقتضى مضاعفة الثواب، كما ثبت أن
٤٩٥
الذى يقرأ القرآن وهو عليه شاق له أجران، وأن التى تتصدق على قريبها لها أجران: أجر الصدقة
وأجر الصلة، وأن الحاكم إذا أصاب له أجران، ومن سن سنة حسنة له أجران، له أجرها وأجر من
عمل بها، وبالتتبع نجد غير ذلك ممن له أجران، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: إن العدد لا مفهوم له.
ويؤخذ من الحديث
١- فضل إيمان أهل الكتاب على التفصيل السابق.
٢ - ترغيب العبد المملوك فى طاعة ربه وطاعة سيده.
٣- أن ضعف المقدار فى الدنيا قد يكون سبباً فى رفع المقدار فى الآخرة.
٤- حرص الشارع على العتق والترغيب فيه.
٥- فيه دليل على مزيد فضل من أعتق أمته، ثم تزوجها، سواء أعتقها ابتداء، لله أولسبب،
لعموم الحديث.
٦- فيه حث على الإحسان للملوك فى غذائه وتأديبه.
٧- وفيه تحريض العالم للمتعلم على المحافظة والحرص على الفتوى لقول الشعبى للخرسانى: خذ
هذا الحديث بغير شىء، فقد كان الرجل يرحل فيما دون هذا إلى المدينة.
٨- وقد أخذ منه ابن بطال وغيره من المالكية دليلا على تخصيص العلم بالمدينة المنورة، قال
الحافظ ابن حجر: وفيه نظر لأن ذلك كان فى زمن النبى 8₪ والخلفاء الراشدين، ثم تفرق
الصحابة فى البلاد بعد فتح الأمصار وسكنوها، فاكتفى أهل كل بلد بعلمائه، إلا من طلب التوسع
فى العلم فرحل.
٩- فيه مدى حرص الصحابة والتابعين على العلم، وسفرهم طويلا فى طلبه، وقد روى الداودى بسند
صحيح عن بشر بن عبيد الله قال: إن كنت لأركب إلى المصر من الأمصار فى الحديث الواحد:
وعن أبى العالية قال : كنا نسمع الحديث عن الصحابة ، فلا نرضى حتى نركب إليهم،
فنسمعه منهم.
والله أعلم
٤٩٦
(٩٣) باب نزول عيسى ابن مريم حاكمًا
٢٦٤ - ٢٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ(٢٤٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «وَالْذِي نَفْسِي بِيِّدِهِ!
لَيُوشِكَنَّ أَن يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمٌ﴿ حَكَمًا مُفْسِطًا. فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الْخِْزِيرَ، وَيَضَعَ
الْجِزِيَةَ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ ».
٢٦٥ - :" وَفِي رِوَايَةٍ ابْنٍ عُنِيْئَةً(١٠) « إِمَامًا مُقْسِطًا وَحَكَمًا عَدْلا». وَفِي رِوَايَةٍ
يُؤنُسَ «حَكّمًا عَادِلا» وَلَمْ يَذْكُرْ « إِمَامًا مُقْسِطًا». وَفِي حَدِيثِ صَالِحٍ «حَكْمًا
مُقْسِطًا » كَمَا قَالَ اللَّيْثُ وَفِي حَدِيثِهِ مِنَّ الزِّيَادَةِ « وَحَنِّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الْوَاحِدَةُ
خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: اقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿ وَإِنْ مِنْ أَهْلٍ
الْكِتّابِ إِلا لَّيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: ١٥٩] الآيَةَ.
٢٦٦ - ٢٤٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ(٢٤٣) أَنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ فَ﴿: «وَاللّهِ لَيَنْزِلَنَّ ابْنُ
مَرْيَمَ حَكَمًا عَادٍلا. فَلَيَكْسِرَنَّ الصَّلِيبَ. وَلَيَقْتُلَنَّ الْخِنْزِيرَ. وَلَيَضَعَنَّ الْجِزْيَةَ. وَلَُّتْرَكَنَّ
الْقِلَاصُ فَلا يُسْعَى عَلَيْهَا. وَلَتَذْهَبَنَّ الشَّخْنَاءُ وَالْتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ. وَلَيَدْعُوَنَّ (وَلَيُدْعَوُنَّ)
إِلَى الْمَالِ فَلا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ ».
٢٦٧ - ٢٤ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (٢٤٤) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَّلَ ابْنُ
مَوْئِمَ فِكُمْ، وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ؟ ».
٢٦٨ - ٢٩٥ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً ضَ﴾ (٢٤٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿ِ «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ
مَرْيَمَ فِيكُمْ وَأَمَّكُمْ؟ ».
(٤٢ ٢) حَدََّ قُقْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّا لَيْثٌ ح وحَدَّنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ أَخْبُوْلًا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّهُ سَمِعْ أَبًا
هُرَيْرَةٌ يَقُولُ:
(١٠) وحّدَّثَه عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا حَدَّقْنَا سُفْيَانُ بْنُ عَيْئَةً حِ وَحَدَّفْهٍ حرْمَلَةُ بْنُ
يَحْتِى أَخْبَوَنًا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدََّتِي يُونُسٌ حٍ وَخَدََّا حَسَنٌ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنٍ سَعْدٍ حَدَّقْنَا
أَبِي عَنْ صَالِحٍ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ
(٤٣ ٣) حَدََّا قُتَبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَقْنَا لَيْثُ عَنْ سَّعِيدٍ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ مِنّاء
(٢٤٤) حَدَِّي حَرْمَلَةُ بُنُ يَحْتِى أُخْبُرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أُخْبَرَنِي يُونُسُ عَنِ ابْنٍ شَهَابٍ قَالَ أَخْبَرَبِي نَافِعٌ مَوْلَى أَبِي فَتَادَةِ الأَنْصَارِيِّ أَذ
هُرَيْرَةَ قَالَ:
(٢٤٥) وَحَدَِّي مُحَمَّدُ بْنِ حَاتِمٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ حَدَّقْنَا ابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ قَالَ أَخْبُرَبِي نَافِعٌ مَوْلَى أَبِي قَ
الأَنْصَارِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ
٤٩٧
٢٦٩- ٢٤٢٦ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٤٦) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِع ◌ْ قَالَ «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا تَزَلَ فِيكُمُ ابْنُ
مَرْيَمَ فَأَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ » فَقُلْتُ لابْنٍ أَبِي ذِئْبٍ: إِنَّ الأوْزَاعِيَّ حَدَّثْنَا عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ
أَبِي هُوَّيْرَةَ « وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ» قَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ: قَدْرِي مَا أَمَّكُمْ مِنْكُمْ؟ قُلْتُ: تُخْبِرُبِي. قَالَ:
فَأَّكُمْ بِكِتَّابِ رَبِّكُمْ تَبَّارَكَ وَتَعَالَى وَسُنَّةٍ نَّيْكُمْ آلِ.
٢٧٠ - ٢٤١٧ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضى اللَّه عَنْهمًا(٢٤٧) قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّلِ﴿ يَقُولُ « لا
تَّالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمَِّي يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقِّ ظَاهِرِينَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. قَالَ، فَيَنْزِلُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ
﴿ فَقُولُ أَمِيرُهُمْ: تَعَالَ صَلِّ لَنَا. فَيَقُولُ: لا. إِنَّ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ أُمَرَاءُ. تَكْرِمَةَ اللَّهِ
هَذِهِ الأُمَّةَ».
المعنى العام
كلما اطمأن الإنسان لطول أجله تراخى عن العبادة، وكلما أحس بدنوه أقبل وبادر وسارع بفعل
الخيرات، وكلما وثق من طول عمر الدنيا ركن إلى الملذات، واشتغل بها عن الطاعات، وكلما أشعر
بقرب الساعة شمر عن ساعده وشغل عن دنياه بآخرته.
ومن هنا كان من حكمة الله إيقاظ الإنسان من سباته، ومن تفانيه فى دنياه، بتذكيره بنهايته،
وتبصيره بالعاقبة بين الحين والحين، فكانت الآيات القرآنية المشيرة إلى قرب الساعة كقوله تعالى:
﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌّ لِلسَّاعَةِ﴾ [الزخرف، ٦١] ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنْ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ٍ فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾
[النازعات: ٤٣،٤٢] ﴿لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ
أَقْرَبُ﴾ [النحل: ٧٧].
وكانت الأحاديث النبوية، تنذر وتحذر من قرب القيامة، كقوله صلى الله عليه وسلم: ((بعثت أنا
والساعة كهاتين، وأشار بأصبعيه)) ((إن الساعة تقوم وقد نشر الرجلان ثوبهما بينهما، فلا يتبايعانه
ولا يطويانه، ولتقومن الساعة وقد انصرف الرجل بلبن لقحته فلا يطعمه، ولتقومن الساعة وهو يليط
حوضه فلا يسقى فيه، ولتقومن الساعة وقد رفع أحدكم أكلته إلى فيه فلا يطعمها)).
ومن هذا النمط، وعلى ذلك المنطلق يقول صلى اللَّه عليه وسلم واللّه الذى نفسى ونفس كل حى
بيده لقد قريت الساعة، وأوشكت علامتها، وأوشك أن ينزل فيكم المسيح ابن مريم، يحكم بينكم
(٢٤٦) وَحَدَُّا زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّتِي الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ حَدَّقْنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَّادَةٌ
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٢٤٧) حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ شُجَاعٍ وَهَارُونُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالُوا حَدَّنَا حَجَّاجٌّ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ
أَخْبُرَنِي أَبُو الزُّبِيِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ:
٤٩٨
بالعدل، ويقضى بينكم بكتاب الله وسنتى، ويبطل الديانات الباطلة، ويدعو الناس إلى الإسلام، ويدق
الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية، وتجمع له الصلاة، ويكثر المال، ويعطيه الناس حتى لا يقبله
أحد ، وينشغل الناس بآخرتهم، فتختفى بينهم العداوة والبغضاء والشحناء والتحاسد وتقع الأمنة
فى الأرض.
ليوشكن أن ينزل فيكم المسيح ابن مريم كعلامة من علامات الساعة الكبرى، ينزل فيكم بينما
رجل صالح منكم قد تقدم ليصلى بكم، فيرجع الإمام، فينكص ليتقدم عيسى، فيقف عيسى بين كتفيه،
ثم يقول تقدم فإنها لك أقيمت.
يقول الناس: تقدم يا روح اللَّه. فيقول: إن اللّه كرمكم وجعل أمراءكم منكم، فليتقدم إمامكم
فليصل بكم.
ألا فليشمر العاقل وليضع بين عينيه مآله ومصيره، فالكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت،
والجاهل من أتبع نفسه هواها، وتمنى على اللَّه الأمانى.
المباحث العربية
( ليوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم ) ليوشكن بضم الياء، وكسر الشين معناه ليقرين. قال
الحافظ ابن حجر: أى لا بد من ذلك سريعاً، ولعله أخذ ذلك من القسم والتأكيد، أما السرعة فمن فعل
المقاربة وقوله: ((فيكم)) أى فى هذه الأمة، فإنه خطاب لبعض الأمة، ممن لا يدرك نزوله.
( مقسطا ) أى عادلا، يقال أقسط يقسط إقساطا فهو مقسط إذا عدل، والقسط بكسر
القاف العدل.
وقسط يقسط قسطا بفتح القاف، فهو قاسط إذا جار.
( فيكسر الصليب ) أى يبطل دين النصرانية، بأن يكسر الصليب حقيقة كشعار
لمعظم للنصارى.
(ويقتل الخنزير) من قبيل إبطال دين النصرانية.
(ويضع الجزية ) أى يقررها ويضربها على جميع الكفار، فإنه لا يقاتله أحد فتضع الحرب
أوزارها، وينقاد جميع الناس له إما بالإسلام وإما بالقاء اليد، فيضع عليه الجزية ويضربها. هذا كلام
القاضى عياض، وقيل: معناه يوقف الجزية، إذ يصير الدين واحداً، فلا يبقى أحد من أهل الذمة يؤدى
الجزية. وقيل معناه يترك الجزية مع وجود أهل الذمة، استغناء عنها لكثرة المال، وعدم وجود من
يمكن صرفها له، وسيأتى مزيد إيضاح لذلك فى فقه الحديث.
( ويفيض المال ) أى يكثر بنزول البركات والعدل وقلة الرغبة فيه.
٤٩٩
(وحتى تكون السجدة الواحدة خيراً من الدنيا وما فيها ) أى فى نظر الناس حينئذ، وإلا
فإن السجدة فى واقع الأمر منذ القدم خير من الدنيا وما فيها، والمراد من الدنيا وما فيها من زينة
وبهجة دنيوية، فلا يقال: إن الطاعات مما يقع فى الدنيا، وقيل: المعنى حتى لا يتقربوا إلى اللّه إلا
بالعبادة، لا بالتصدق بالمال، أى حتى تكون السجدة الواحدة خيرًا من التصدق بالدنيا وما فيها، لعدم
حاجة الناس إلى الصدقة. وهل المراد بالسجدة عينها المتعارف من وضع الجبهة على الأرض، أو
المراد منها الركعة من إطلاق الجزء وإرادة الكل، على سبيل المجاز المرسل؟ قيل وقيل.
ورواية البخارى ((حتى تكون السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها)) برفع ((خير)» وتحمل على
أن اسم كان ضمير الشأن والقصة و«السجدة)) مبتدأ و))خير» خبره. والجملة خبر كان. على رأى
للنحاة. والتقدير: حتى تكون القصة والحال السجدة الواحدة خير من الدنيا وما فيها.
(وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته) ((إن)) نافية، والمراد من أهل الكتاب
اليهود والنصارى، والظاهر من السياق أن مذهب أبى هريرة أن الضمير فى ((به)) والضمير فى ((موته)»
يعود على عيسى، على معنى: لا يبقى أحد من اليهود والنصارى إذا نزل عيسى إلا آمن به، وعلم أنه
عبد الله وابن أمته قبل أن يموت عيسى، وبهذا جزم ابن عباس فيما رواه ابن جرير. قال قبل موت
عيسى: والله إنه لحى، ولكن إذا نزل آمنوا به أجمعون وهذا مذهب جماعة من المفسرين.
وقيل: إن الضمير فى ((به)) لعيسى، والضمير فى ((موته)) للكتابى، والمعنى: وما من أهل الكتاب
أحد يحضره الموت إلا آمن عند الموت، قبل خروج روحه بعيسى ﴿، وأنه عبد الله وابن أمته، ولكن لا
ينفعه هذا الإيمان لأنه فى حضرة الموت وحالة النزع. قال النووى: وهذا التفسير أظهر. فإن الأول
يخص الكتابى الموجود فى زمن نزول عيسى. وظاهر القرآن عمومه لكل كتابى فى زمن نزول عيسى
وقبل نزوله. ويؤيد هذا قراءة من قرأ ((قبل موتهم)) وأيده الحافظ ابن حجر بما رواه ابن جرير عن ابن
عباس قال: ((لايموت يهودي ولا نصرانى حتى يؤمن بعيسى)) فقال له عكرمة: أرأيت إن خر من بيت،
أو احترق، أو أكله السبع؟ قال: لا يموت حتى يحرك شفتيه بالإيمان بعيسى.
وقيل: إن الضمير فى ((به)) يعود للَّه أولمحمد عليه الصلاة والسلام وهو بعيد.
(ولتتركن القلاص) بكسر القاف، جمع قلوص بفتحها، وهى من الإبل بمنزلة الفتاة من
النساء والفتى من الرجال ، وإنما ذكرت القلاص لكونها أشرف الإبل التى هى أنفس الأموال
عند العرب.
( فلا يسعى عليها ) أى لا يعتنى بها، ويتشاغل عنها أهلها، فهو شبيه بقوله تعالى: ﴿وَإذَا
الْعِشَارُ عُطِّلَتْ﴾ [التكوير: ٤] وقيل لا يسعى عليها أى لا تطلب زكاتها إذ لا يوجد من يقبلها. قال
النووى: وهذا تأويل باطل من وجوه كثيرة، تفهم من هذا الحديث وغيره، والصواب الأول. اهـ وعندى
أنه تأويل مقبول محتمل، بعد الذى قيل فى معنى وضع الجزية وفيض المال.
٥٠٠