النص المفهرس
صفحات 461-480
تظهر على القلوب، أى تظهر على القلوب فتنة بعد أخرى، كما ينسج الحصير عوداً عودا، وشلية بعد
أخرى، وذلك أن ناسج الحصير عند العرب كلما صنع عوداً أخذ آخر ونسجه.
( فأى قلب أشربها ) أى دخلت فيه دخولا تاماً وألزمها، وحلت منه محل الشراب، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَأُشْرِئُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ﴾ [البقرة: ٩٣] أى حب العجل، ومنه قولهم ثوب مشرب بحمرةٍ،
أى خالطته الحمرة مخالطة لا انفكاك لها.
( نكت فيه نكتة سوداء ) أى نقط فيه نقطة، قال ابن دريد وغيره: كل نقطة فى شىء
بخلاف لونه فهو نكت.
( وأى قلب أنكرها ) أى ردها ولم يقبلها.
( حتى تصير على قلبين ) أى حتى تكون الفتنة أمام نوعين من القلوب.
( على أبيض مثل الصفا ) ((الصفا)) الحجر الأملس الذى لا يعلق به شىء، و)) أبيض)» صفة
لموصوف محذوف، و)) مثل الصفا)) صفة أخرى للموصوف المحذوف، وليس صفة لأبيض. والتقدير:
على قلب أبيض على قلب مثل الصفا، فشبه شدة القلب على عقد الإيمان وسلامته من الخلل وأن
الفتن لا تلصق به ولا تؤثر فيه بالحجر الأملس الذى لا يعلق به شىء.
( والآخر أسود مربادا ) منصوب على الحال من الضمير فى ((أسود)) وهو بتشديد الدال، وروى
((مريئد)) بتشديد الدال أيضاً، مع الرفع على الوصف، والمريد الذى يجمع بين شبه البياض مع السواد،
أى هو ما فيه شىء من بياض يسير يخالط السواد، وقيل: مريد لون بين السواد والغبرة وقيل: أن
يختلط السواد بكدرة.
(كالكوز مجخياً) ((الكوز)) إناء له يد يغرف به الماء ((مجخياً)) بضم الميم وفتح الجيم
وتشديد الخاء المكسورة، أى مائلا منكوساً مقلوبا. فوصف القلب الآخر بوصفين، بالسواد مع الغبرة،
وشبهه بالكوز المنكوس، فكما أن الكوز المنكوس لا يعلق به ماء كذلك هذا القلب لا يعلق به خيرولا
حكمة، كما قال:
( لايعرف معروفاً ولا ينكر منكرا ) صفة ثالثة للقلب، أى لاينصاع إلى معروف ولا
يرفض منكرًا.
( إلا ما أشرب من هواه ) استثناء منقطع، أى لكن يتبع هواه الذى تمكن منه.
( قال حذيفة: وحدثته) أى وحدثت عمر ﴾
( أن بينك وبينها باباً مغلقاً) أى بينك وبين الفتن المذكورة بابًا مغلقًا، وأنه لا يخرج منها
شىء فى حياتك، وفى رواية البخارى ((ليس عليك منها بأس يا أمير المؤمنين، إن بينك وبينها بابًا
٤٦١
مغلقا)» وكأنه مثَّل الفتن بدار ومثل حياة عمر بباب مغلق لها، ومثل موته بفتح ذلك الباب، فما دامت
حياة عمر موجودة فالباب مغلق، لا يخرج شىء مما هو داخل تلك الدار، فإذا مات انفتح ذلك فخرج
ما فى الدار.
( يوشك أن يكسر) ((يوشك)) بضم الياء وكسر الشين، ومعناه يقرب.
(أكسرا؟ لا أبالك ) ((كسرا)) مفعول مطلق لفعل محذوف، أى أيكسر كسرا؟ و))لا أبا لك)»
كلمة تذكرها العرب للحث على الشىء ومعناها أن الإنسان إذا كان له أب وحزبه أمر، ووقع فى شدة
عاونه أبوه، ودفع عنه بعض الشدة، فلا يحتاج من الجد والاهتمام إلى ما يحتاج إليه حالة الانفراد
وعدم الأب المعاون ، فإذا قيل : لا أب لك. فمعناه جد فى هذا الأمر وشمر وتأهب تأهب من ليس
له معاون.
( فلوأنه فتح لعله كان يعاد ) فإن المكسور لا يمكن إعادته، بخلاف المفتوح، ولأن الكسر لا
يكون غالباً إلا عن إكراه وغلبة وخلاف عادة، وفى رواية البخارى ((إذن لا يغلق أبدا)) وفى رواية أخرى
له («ذلك أحرى ألا يغلق)» وفى أخرى ((ذاك أجدر ألا يغلق إلى يوم القيامة)».
( قلت: لا، بل يكسر) أى قلت: لا يفتح، بل يكسر.
( وحدثته أن ذلك الباب رجل) جاء هذا الرجل مبينا فى رواية البخارى وأنه عمره، فإن
قيل: كيف يفسر الباب بعمر مع أنه قال قبل: ((إن بينك وبينها بابا)»؟ قلنا إن المراد أن بين الفتنة
وبين حياة عمر بابا هو موته، فالباب موت عمر، وهو بين حياة عمر وبين الفتنة، ففى الكلام مضاف
محذوف، أى ذلك الباب قتل أو موت رجل.
(يقتل أو يموت) على الشك من حذيفة، أو أن حذيفة سمعه كذلك من النبى {# وسيأتى
مزيد بحث له فى فقه الحديث.
(حديثا ليس بالأغاليط) ((حديثا)) مفعول مطلق لحدثته، والأغاليط جمع أغلوطة، وهى التى
يغالط بها، والمعنى: حدثته حديثاً صدقاً محققاً، ليس هو من صحف الكتابيين، ولا عن اجتهاد ذى
رأى، بل من حديث النبى لل.
( لما قدم حذيفة من عند عمر) أى لما قدم حذيفة من المدينة إلى الكوفة.
( إن أمير المؤمنين أمس ) المراد بأمس - هنا - الزمان الماضى، لا أمس يومه، أى ليس
اليوم الذى يليه يوم تحديثه. وأكثر العرب يبنى ((أمس)» على الكسر معرفة، ومنهم من يعربه معرفة،
وكلهم يعربه إذا دخلت عليه الألف واللام، أو صيره نكرة، أو أضافه.
( أيكم يحدثنا ما قال رسول اللّه #) ((ما)) موصولة مفعول ((يحدثنا)» والعائد محذوف أى
يحدثنا الذى قاله، ويصح أن تكون مصدرية، والتقدير يحدثنا قول رسول اللّه الث.
٤٦٢
فقه الحديث
قال الزين بن المنير: والفتنة بالأهل تقع بالميل إليهن، أو عليهن، فى القسمة والإيثار حتى فى
أولادهن، ومن جهة التفريط فى الحقوق الواجبة لهن، وبالمال يقع الاشتغال به عن العبادة، أو
بحبسه عن إخراج حق الله تعالى، والفتنة بالأولاد: تقع بالميل الطبيعى إلى الولد وإيثاره على كل
أحد، والفتنة بالجار: تقع بالحسد والمغامرة، والمزاحمة فى الحقوق، وإهمال التعاهد، ثم قال:
وأسباب الفتنة بمن ذكر غير منحصرة فيما ذكرت من الأمثلة.
وقال الحافظ ابن حجر: فتنة الرجل فى أهله وماله وجاره تكون بالالتهاء بهم أو أن يأتى لأجلهم
بما لا يحل له، أو يخل بما يجب عليه.
ثم حكى إشكال ابن أبى جمرة على هذا، وحاصله، أن تكفير المحرمات والإخلال بالواجبات
بالصلاة والصدقة مشكل، لأن الطاعات لا تسقط ذلك، وإن أريد تكفير الوقوع فى المكروه والإخلال
بالمستحب فلا يتناسب مع إطلاق التكفير.
ثم أجاب عن هذا الإشكال بالتزام الشق الأول، وأن الممتنع من تكفير الحرام والواجب ما كان
كبيرة فهى التى فيها النزاع والخلاف، وأما الصغائر فلا نزاع أنها تكفر لقوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُوا
كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] الآية.اهـ
وقال: واحتج المرجئة بظاهر الحديث على أن أفعال الخير مكفرة للكبائر والصغائر، وحمله
جمهور أهل السنة على الصغائر، عملا بحمل المطلق على المقيد.اهـ
ونحن نميل إلى هذا الرأى، وإن كان الكلام فى تحديد الصغائر من المحرمات والكبائر
منها غير منضبط.
وقال بعض الشراح: يحتمل أن تكون كل واحدة من الصلاة والصيام والصدقة مكفرة للمذكورات
كلها، لا لكل واحدة منها، ويحتمل أن يكون من باب اللف والنشر، بأن تكون الصلاة مثلا مكفرة
للفتنة فى الأهل والصوم فى الولد ... إلخ . .
والاحتمال الثانى ضعيف لا يعتد به، نعم قد تستقل الصلاة بتكفير ما ذكر، ويكون الصوم والصدقة
ونحوها لرفع الدرجات وزيادة الحسنات إذا لم تجد من الصغائر ما تكفرها.
ثم إن المكفرات لا تختص بما ذكر، بل تعم العبادات، وإنما خصها بالذكر إشارة إلى عظم قدرها،
وتنبيها بها على غيرها، فذكر من عبادة الأعمال الصلاة والصيام، ومن عبادة المال الصدقة، ومن عبادة
الأقوال [فى رواية البخارى] الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
ثم إن التكفير لا يختص بفتنة الرجل فى أهله وجاره وماله [الوارد فى رواية البخاري] بل نبه بها
أيضا على ما عداها، والضابط أن كل مايشغل صاحبه عن اللّه فهو فتنة له.
٤٦٣
ثم إن التكفير المذكور يحتمل أن يقع بنفس فعل الحسنات، ويحتمل أن يقع
بالموازنة واللَّه أعلم.
والظاهر أن عمر بن الخطاب كان يعلم ما يعلمه حذيفة عن الفتنة، وإنما أراد أن يسمعه، وأن
يسمعه الصحابة ليحذروه، يدل على ذلك ما رواه البخارى من أن حذيفة سئل: أكان عمر يعلم الباب؟
قال: نعم، كما يعلم أن دون غد الليلة. أى أن ليلة غد أقرب إلى اليوم من غد.
وقد روى الطبرانى ((أن أبا ذرلقى عمر، فأخذ عمر بيده فغمزها، فقال له أبو ذر: أرسل يدى يا قفل
الفتنة)) وفيه ((أن أبا ذرقال: لا تصيبكم فتنة ما دام فيكم)) وأشار إلى عمر.
وروى البزار عن عثمان بن مظعون أنه قال لعمر: ((يا غلق الفتنة» فسأله عن ذلك، فقال:
مررت ونحن جلوس عند النبى 8 فقال: «هذا غلق الفتنة، لا يزال بينكم وبين الفتنة باب
شديد الغلق ما عاش».
وقال ابن بطال: إنما علم عمر أنه الباب لأنه كان مع النبى و8 على حراء، وأبوبكر وعثمان،
فرجف، فقال: ((اثبت فإنما عليك نبى وصديق وشهيدان)) أو فهم ذلك من قول حذيفة إنه يكسر. اهـ
والظاهر أن ابن بطال إنما أراد الاستدلال على أن عمر كان يعلم أنه سيموت شهيدا مقتولا، لأن ما
ذكره ينتج ذلك ولا ينتج أنه الباب.
ولهذا قال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر أن عمر علم الباب بالنص كما تقدم عن أبى ذروعن
عثمان بن مظعون.
فإن قيل: هل كان حذيفة يعلم أن عمر سيقتل؟ قلنا: الظاهر نعم فقد قال ابن المنير: آثر حذيفة
الحرص على حفظ السر، ولم يصرح لعمر وإنما كنى كناية، وكأنه كان مأذونا له فى ذلك.
وقال النووى: يحتمل أن يكون حذيفة علم أن عمر يقتل، ولكنه كره أن يخاطبه بالقتل، لأن عمر
كان يعلم أنه الباب، فأتى بعبارة يحصل بها المقصود بغير تصريح بالقتل. اهـ
فإن قيل: إذا كان عمر قد علم ذلك، فهل شك فيه حتى سأل عنه؟ قلنا: يحتمل أنه شك
فيه من شدة الخوف، أو خشى أن يكون نسى، فطلب التذكير أولم يشك، وسأل ليعلم
الحاضرين، وهذا هو الظاهر.
فإن قيل: ألم يكن أحد من الصحابة يحفظ حديث الفتنة غير حذيفة؟ قلنا: لعل من سمعه من
الرسول # من الصحابة ماتوا قبله.
ويؤخذ من الحديث
١ - جواز إطلاق اللفظ العام وإرادة الخاص، إذ تبين أن عمر لم يسأل إلا عن فتنة مخصوصة.
٢- أن الأهل والأولاد والأموال والجار فتنة موقعة فى الذنوب.
٤٦٤
٣- أن هذه الفتنة ونحوها تكفرها الصلاة والصوم والصدقة والعبادات.
٤- فيه علم من أعلام النبوة، فقد أخبر صلى اللَّه عليه وسلم بالفتنة الكبرى، ووفع ما أخبر به.
٥- أن هذه الفتنة الكبرى إذا وقعت ظل باب الشر مفتوحاً بين المسلمين، ووقع بأسهم بينهم، ففى
بعض الروايات ((قال حذيفة: كسرثم لا يغلق إلى يوم القيامة)».
٦ - تذاكر الولاة مع العلماء أمور دينهم للتبصير بالعواقب وأخذ الحذر والحيطة.
واللَّه أعلم
٤٦٥
(٨٥) باب بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً
٢٤٨ - ٢٣٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ﴾(٢٣٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ِ «بَدَأُ الإِسْلامُ
غَرِبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ غَرِيبًا فَطُوبَى لِلْغُرّبَاءِ».
٢٤٩ - شئْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمًا (٢٠٠٠)؛ عَنِ النّبِيِِّ ﴿ قَالَ: «إِنْ
الإِسْلامَ بَدَأَ غَرِبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَّا بَدَأَ. وَهُوَ يَأْرِزُ بَيْنَ الْمَسْجِدَيْنِ كَمَا تَأرِزٌ
الْحَيَّةُ فِي جُحْرِهَا ».
٢٥٠ - ٢٣٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً﴾(٢٣٣) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَ قَالَ: «إِنَّ الإِيمَانُ
لَيَأْرِزُّ إِلَى الْمَدِينَةِ كَمَا تَأْرِزُ الْحَيَّةُ إِلَى جُحْرِهَا ».
المعنى العام
كم أوذى الصحابة بسبب إسلامهم، وكم كان المتمسك بدينه كالقابض على الجمر، وكم كان
الذين كفروا من الذين آمنوا يضحكون، وإذا مروا بهم يتغامزون، وإذا انقلبوا إلى أهلهم انقلبوا فكهين.
بدأ الإسلام هكذا غريباً بين المشركين، وهو اليوم يعود غريبا بين أهله المسلمين، أصبح المحافظ على
إسلامه فى نظر المجتمع متأخراً جامداً، وأصبحت شعائر الإسلام غريبة فى مجتمع المسلمين،
وأصبح المنكر معروفاً، والمعروف مذكراً، ولم يعد بينهم أمر بالمعروف أو نهى عن المنكر، بل أمر
بالمنكرونهى عن المعروف فى بلاد دينهم الرسمى الإسلام، وأشخاص يسمون بأحمد ومحمد، فأى
غربة للإسلام أشد من هذه الغربة؟ وأى عزلة لتعاليمه فوق هذه العزلة؟ فطوبى لمن تمسك بدينه فى
هذا الوسط المنحرف، وحسن مآب لمن عُدُّوا بسبب إسلامهم من الغرباء، وهنيئاً لهم تشوفهم إلى
الحرمين الشريفين اللذين تهفو إليهما نفوس المؤمنين، وتهوى إليهما أفئدة العابدين، نعم ففيهما
ترتوى النفوس الظامئة، وترتاح الأفئدة القلقة المضطربة، وتسر القلوب الحزينة، وترتع فى رياضها -
رياض الجنة- الأرواح المقيدة المكبوتة، فاللهم يسرها لنا، ويسرنا لها، واجعلنا من الغرياء.
(٢٣٢) حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ وَإِبْنُ أَبِي عُمَرٌ جَمِيعًا عَنْ مَرْوَانَ الْفَزَارِيِّ قَالَ ابْنُ عَبَّادٍ حَدََّا مَرْوَانُ عَنْ يَزِيدَ يَعْنِي ابْنَ كَيْسَانٌ عَنْ
أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(١٠٠) وَحَدَّلَتِيْ مُحَمَّدُ بْنُ رَالِعٍ وَالْفَضْلُ بْنُ سَهْلِ الأَغْرَجُ قَالا حَدََّا شَبَائَةُ بْنُ سَوَّارٍ حَدَّثَنَا عَاصِمٌ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ الْعُمَرِيُّ عَنْ
أَبِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ
(٢٣٣) خَدْقَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةُ حَدَّنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ وَأَبُو أَسَامَةً عَنْ عَنْدِ اللَّهِ بْنِ عُمْرَ حِ وحَذَّقْنَا ابْنُ نُمَّيْرٍ حَلَّقَنَا أَبِي
حَدْلَا عُبَيْدُ اللَّهِ عَنَّ خُبَيْبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ حَفَّصِ بْنٍ عَاصِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
٤٦٦
المباحث العربية
(بدأ الإسلام غريباً) قال القرطبى: ((بدأ)) بدون همز لازم، وبالهمز متعد، ومنه ((يبدأ اللّه
الخلق)» والرواية فى الحديث بالهمز لا غير، مع أنه لم يذكر له مفعول، إذ ((غريبًا)) حال فيضمن معنى
((طرأ)) وأنكر بعضهم همزه، وقال إنما هو ((بدأ)) بمعنى ظهر، و))الغريب)) هو النازح من وطنه إلى
مكان جديد ليس وطناً له، وسيأتى شرحه فى هذا الحديث.
( فطوبى للغرباء ) فعلى من الطيب. قاله الفراء، وقال: إنما جاءت الواو الضمة الطاء. قال:
وفيها لغتان، تقول العرب: طوباك وطوبى لك، والأخيرة جاء بها القرآن قال تعالى: ﴿طُوبَى لَهُمْ
وَحُسْنُ مَآَبٍ﴾ [الرعد: ٢٩] وفى معناها قيل: طيب العيش، وقيل: فرح وقرة عين، وقيل: نعم ما لهم،
وقيل: غبطة لهم، وقيل: حسنى لهم، وقيل: أصابوا خيراً، وقيل: خير لهم وكرامة، وقيل: دوام الخير.
وقيل: الجنة. وكل هذه الأقوال قريبة، ومحتملة فى الحديث.
( كما بدأ ) الكاف صفة لمصدر محذوف، و)) ما)) موصولة أو مصدرية والتقدير: وسيعود عوداً
شبيها بالبدء الذى بدأه.
(وهو يأرزبين المسجدين) ((يأرز)) بياء ثم همزة ثم راء مثلثة والأفصح كسرها ثم زاى،
ومعناه ينضم ويجتمع، والمراد من المسجدين مسجد مكة ومسجد المدينة.
( كما تأرز الحية إلى جحرها ) أى كما تنتشر الحية من جحرها فى طلب ما تعيش به، فإذا
راعها شىء رجعت إلى جحرها، وانكمشت فيه.
فقه الحديث
نقل القاضى عياض عن مالك أن الحديث خاص بالمدينة المنورة، فقال: إن معناه فى المدينة،
وأن الإسلام بدأ بها غريبا، وسيعود إليها، قال القاضى: وظاهر الحديث العموم وأن الإسلام بدأ فى
آحاد من الناس وقلة، ثم انتشر وظهر، ثم يلحقه النقص والإخلال حتى لا يبقى إلا فى آحاد وقلة أيضا
كما بدأ. ثم قال القاضى عياض: ومعنى أنه يأرز إلى المدينة أن الإيمان أولا وآخرا بهذه الصفة، لأنه
فى أول الإسلام كان كل من خلص إيمانه وصح إسلامه أتى المدينة، إما مهاجراً مستوطنا وإما
متشوقاً إلى رؤية الرسول * ومتعلما منه ومتقربا، ثم بعده هكذا فى زمن الخلفاء كذلك، ولأخذ سيرة
العدل منهم، والاقتداء بجمهور الصحابة رضوان الله عليهم فيها، ثم من بعدهم من العلماء الذين كانوا
سرج الوقت وأئمة الهدى لأخذ المذن المنتشرة بها عنهم، فكان كل ثابت الإيمان، منشرح الصدر به .
يرحل إليها، ثم بعد ذلك فى كل وقت إلى زماننا لزيارة قبر النبى ®، والتبرك بمشاهدة آثاره وآثار
أصحابه الكرام، فلا يأتيها إلا مؤمن. هذا كلام القاضى.
٤٦٧
ونحن مع القاضى فى تفسير أرز الإسلام إلى المدينة، ولكن تفسيره عود الإسلام غريبا بما فسره -
كما فسره بذلك غيره- لا يتفق وما نرى من انتشار الإسلام، وزيادة عدد المسلمين ودخول الناس فى
الإسلام بين الحين والحين، ونحن فى آخر الزمان.
فالأولى تفسيره بأن الإسلام بدأ غريبا فى نفوس الناس وسيعود غريبا فى نفوسهم وإن کثر عدد
من ينتسبون إليه. والله أعلم.
وقد أخذ القرطبى من قوله: ((إن الإيمان ليأرز إلى المدينة)) دليلا على مذهب أهل المدينة،
وسلامتهم من البدع، وأن عملهم حجة كما رواه مالك. ورد عليه الحافظ ابن حجر بأن هذا إن سلم
اختص بعصر النبى 8 والخلفاء الراشدين، وأما بعد ظهور الفتن وانتشار الصحابة فى البلاد، ولا
سيما فى أواخر المائة الثانية وهلم جرا فهو بالمشاهدة بخلاف ذلك.
والله أعلم
٤٦٨
(٨٦) باب ذهاب الإيمان آخر الزمان
٢٥١ - ٢٣٤ عَنْ أَنَسٍ ﴾(٢٣٤) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ « لا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لا يُقَالَ فِي
الأرْضِ: الله، الله».
٢٥٢ - ٢٠ْ عَنْ أَنْسٍ﴾(١٠١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ:﴿ « لا تَقُومُ السَّاعَةُ عَلَى أَحَدٍ
يَقُولُ: اللَّه، اللَّه».
المعنى العام
علم من أعلام النبوة، وإخبار بالغيب أوحى الله به إلى نبيه {*، ليحذرنا من الشر ويبصرنا
بعواقب الأمور، إن الإسلام سيضعف نوره فى البشرية شيئا فشيئا، ويضمحل أثره فى النفوس زمانا
بعد زمان، حتى لا يبقى منه إلا اسمه، وحتى يقبض الله المؤمنين إيماناً صادقاً، إلا حثالة معدودة
فى المسلمين، وليس لها من حقيقة الإسلام شىء، تتمسك بالاسم وهى بعيدة عن المسمى، وتقرأ
القرآن لا يجاوز حناجرهم، وتدعى الإيمان ولا أثرله فى قلوبهم، لا يؤمنون بحق، ولا يقولون: ربنا اللَّه،
بصدق، أولئك شرار الخلق، وعليهم تقوم الساعة.
فاللهم اقبضنا غير مفرطين ولا مضيعين، ونعوذ بك اللهم من هذا الزمان، ونسألك العفو
والإحسان، إنك على كل شىء قدير.
المباحث العربية
(على أحد يقول: اللَّه، اللّه) هو برفع اسم الله تعالى، فلفظ الجلالة الأول مبتدأ
والثانى خبر، والتقدير: الله الإله المعبود بحق، وضبطه بعضهم بالنصب على التحذير بفعل
لا يظهر لنيابة التكرار عنه، والروايات كلها متفقة على تكرير اسم اللّه تعالى فى الروايتين،
وجاء فى رواية ((يقول: لا إله إلا اللَّه)).
فقه الحديث
فى معنى هذا الحديث جاء فى الصحيح: ((لا تقوم الساعة إلا على شرار الناس)) وفى مسلم ((خير
الناس قرنى، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون بعدهم قوم يشهدون ولا
(٢٣٤) حَدَّنِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّقْنَا عَفَّانُ حَدَّقْنَا حَمَّدٌ أَخْبَرْنا ثابتٌ عنْ آنْسِ
(٠٠٠) حَدَّقَا عَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمُرٌ عن ثابت عَنْ أَنْسٍ
٤٦٩
يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السَّمَن)) وفيه ((يبعث الله ريحا
طيبة، فتوفى كل من فى قلبه مثقال حبة خردل من إيمان، فيبقى من لا خير فيه)) وفيه أيضا ((فبينما
هم كذلك إذ بعث الله ريحا طيبة، فتأخذهم تحت آباطهم، فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم ويبقى
شرار الناس، يتهرجون فيها تهارج الحمر (أى يفحش الرجال بالنساء بحضرة الناس، كما يفعل
الحمير) فعليهم تقوم الساعة)» وفى البخارى: ((لا يأتى عليكم زمان إلا الذى بعده شرمنه حتى تلقون
ربكم)) وفيه ((يذهب الصالحون الأول فالأول، ويبقى حفالة كحفالة الشعير أو التمر (أى ما يتساقط
من قشور الشعير والتمر) لا يبالهم الله باله)) وفى بعض الروايات: ((تذهبون الخير فالخير، حتى لا
يبقى منكم إلا حثالة كحثالة التمرينزو بعضهم على بعض نزو المعز، على أولئك تقوم الساعة)» وفى
البخارى: ((من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء)». وقد تقدم قبل ثمانية عشر حديثا أن
شرحنا ما رواه مسلم ((إن الله يبعث ريحا من اليمن ألين من الحرير فلا تدع أحدا فى قلبه مثقال
حبة من إيمان إلا قبضته)).
وقلنا: إنه وأمثاله لا يتعارض مع ما جاء فى الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: ((لاتزال
طائفة من أمتي ظاهرين على الحق إلى يوم القيامة)) لأن معناه أنهم لا يزالون على الحق حتى
تقبضهم الريح اللينة قبل يوم القيامة، فقوله فى الحديث ((إلى يوم القيامة)) معناه إلى أوائل
ومقدمات يوم القيامة.
قال الحافظ ابن حجر: ووجدت فى هذا مناظرة: أخرج الحاكم أن عبد الله بن عمرو قال: لا تقوم
الساعة إلا على شرار الخلق، هم شر من أهل الجاهلية، فقال عقبة بن عامر: عبد اللَّه أعلم بما يقول،
وأما أنا فسمعت رسول اللَّه # يقول: «لاتزال عصابة من أمتى يقاتلون على أمر اللّه، ظاهرين لا
يضرهم من خالفهم حتى تأتيهم الساعة وهم على ذلك)). فقال عبدالله: أجل «ويبعث الله ريحا، ريحها
المسك، ومسها مس الحرير، فلا تترك أحداً فى قلبه مثقال حبة من إيمان إلا قبضته، ثم يبقى شرار
الناس فعليهم تقوم الساعة ».
قال الحافظ ابن حجر: فعلى هذا فالمراد من قوله فى حديث عقبة ((حتى تأتيهم الساعة)»
ساعتهم هم، وهى وقت موتهم بهبوب الريح.
واللَّه أعلم
٤٧٠
(٨٧) باب الاستسرار بالإيمان للخائف
٢٥٣- ٢٣٥ عَنْ حُذَيْفَةَ عَ(٢٣٥) قَالَ: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِفَهِ فَقَالَ «أَخْصُوا لِي كُمْ
يَلْفِظُ الإِسْلامَ» قَالَ، فَقُلْنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ﴿هَا أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَلَحْنُ مَا بَيْنَ السِِّّمِائَةِ إِلَى
السَّبْعِمِائَةِ؟ قَالَ « إِنَّكُمْ لا تَذْرُونَ. لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا» قَالَ، فَابْتُلِينًا. خَتِى جَعّلَ الرَّجُلُ مِنَّا لا
يُصَلِّي إِلا سِرًّا.
المعنى العام
عند الاستعداد لإحدى الغزوات قال رسول اللّه # لأصحابه: اكتبوا لى وأحصوا عدد المسلمين،
فأحصوا له فكان المسلمون بين ستمائة وسبعمائة رجل، وشعر رسول اللّه * بالزهو والإعجاب من
الصحابة لكثرة عددهم، فأظهر لهم الخوف عليهم، والشفقة عليهم. فقالوا: أتخاف علينا يا رسول اللَّه
وقد كثر عددنا؟ وقويت شوكتنا؟ وقد نصرنا اللَّه ونحن فى قلة وضعف؟ فبين لهم رسول اللَّه ◌ُ ﴿ أن
الكثرة قد لا تغنى عند البلاء، وأنهم سيمتحنون امتحانا تنهار أمامه قوتهم، وتصير عنده هباء كثرتهم.
فوقع لهم ما أخبرهم به صلى الله عليه وسلم، وابتلوا بالفتن التى تموج موج البحر، وامتحنوا فى
دينهم حتى كان الرجل يخفى صلاته عن الآخرين ويصلى سراً خوفا وفرقا.
لقد نبههم صلى اللَّه عليه وسلم ليأخذوا حذرهم، وأخبرهم بما خافه شفقة عليهم، وصدق
اللَّه العظيم حيث قال فيه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَّا عَنِتَّمْ حَرِيصٌ
عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله
وأصحابه ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين.
المباحث العربية
(أحصوا لى) معناه عدوا، وقد جاء فى رواية البخارى ((اكتبوا لى)).
( كم يلفظ الإسلام) معناه كم عدد من يتلفظ بكلمة الإسلام؟ و))(كم)) استفهامية ومفسرها
محذوف، وتقديره: كم شخصا، و((يلفظ)) فعل لازم، ونصب ((الإسلام)) على نزع الخافض، والأصل
يلفظ بالإسلام، والجملة فى محل النصب مفعول ((أحصوا)). وفى بعض الأصول ((تلفظ)) بالتاء بدل
(٢٣٥) حَدَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لُمَّيْرٍ وَأَبُو كُرَيْبٍ وَاللَّفْظُ لِأَبِي كُرَيْبٍ قَالُوا حَدَّثْنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنٍ
الأَعْمَشِ عَنْ شَقِيقٍ عَنْ حُذَيْفَةٌ
٤٧١
الياء، وبالفعل الماضى بدل المضارع، وفى رواية للبخاري: ((اكتبوا من يلفظ بالإسلام)) ((من)) مفعول
((اكتبوا)) وفى رواية النسائى: ((أحصوا لى من كان يلفظ بالإسلام)) وفى رواية: ((أحصوا كل من
تلفظ بالإسلام)».
( أتخاف علينا ) استفهام تعجب. وفى رواية بحذف الهمزة مع إرادة الاستفهام أيضا.
(ونحن ما بين الستمائة والسبعمائة ) الجملة فى محل النصب على الحال من ضمير
((علينا)) ولفظا ((الستمائة والسبعمائة)) وقعا بالألف واللام فيهما فى رواية مسلم، مع أن الألف واللام
تحذف من المضاف فى الإضافة المحضة، كما هنا، وفى توجيهه قيل. إن لفظ ((مائة)) فى الموضعين
منصوب على التمييز على قول بعض النحاة، وقيل: إن ((مائة)) مجرورة بالإضافة والألف واللام
زائدتان فلا اعتداد بدخولهما. ووقع فى غير مسلم ((ستمائة إلى سبعمائة)» بدون أل، ولا إشكال فيه.
( لعلكم أن تبتلوا ) ((لعل)) للاستفهام على رأى الكوفيين، وعلق بها الفعل ((تدرون)» فجملتها
فى محل النصب مفعول ((تدرون)» ويفهم من معناها هنا الإشفاق.
( قال: فابتلينا ) أى قال حذيفة الراوى: فوقع لنا الابتلاء.
فقه الحديث
تضاربت روايات هذا الحديث فى عدد الصحابة تضارباً بيناً مع اتحاد المخرج، ففى البخارى
((فقلنا: تخاف ونحن ألف وخمسمائة؟)) وفى رواية له ((فوجدناهم خمسمائة)). قال النووي: قد يقال:
وجه الجمع بين هذه الألفاظ أن يكون قولهم ((ألف وخمسمائة)) المراد به النساء والصبيان والرجال،
ويكون المراد من قولهم ((مابين ستمائة إلى سبعمائة)» الرجال خاصة، ويكون المراد برواية
((خمسائة)) المقاتلين. ثم قال النووى: وهذا الجواب باطل برواية البخارى فى آخر كتاب السير فى
((باب كتابة الإمام الناس)) قال فيها: ((فكتبنا له ألفا وخمسمائة رجل)) والجواب الصحيح -إن شاء
الله تعالى- أن يقال: لعلهم أرادوا بقولهم ((مابين الستمائة إلى السبعمائة)) رجال المدينة خاصة،
وبقولهم: ((فكتبنا له ألفا وخمسمائة)) هم من المسلمين حولهم.اهـ
وقد سلك الداودى الشارح طريقاً آخر للجمع فقال: لعلهم كتبوا مرات فى مواطن.اهـ
وكان الحافظ ابن حجر قد توقف عن الجمع، ولم يرتض ما ذكر، إذ قال: ويخدش فى وجوه هذه
الاحتمالات كلها اتحاد مخرج الحديث. اهـ
والمحقق يرى أن اتحاد المخرج لا يمنع التعدد، فقد يكون حذيفة من الذين حضروا الكتابة
مرات، فحدث بما حدث فى كل مرة، وقد يكون قد سمع البعض يقول: ألف وخمسمائة، قاصداً
ماقصده، والبعض يقول: خمسمائة، قاصداً ما قصد، والبعض يقول: ما بين الستمائة والسبعمائة،
قاصداً ما قصد، فحدث بما سمع. والله أعلم.
٤٧٢
أما متى وقع ذلك؟ فقد قال الحافظ ابن حجر: كأن ذلك وقع عند ترقب ما يخاف منه، ولعله كان
عند خروجهم إلى أحد أو غيرها، ثم رأيت فى شرح ابن التين الجزم بأن ذلك كان عند حفر الخندق،
وحكى الداودى احتمال أن ذلك وقع لما كانوا بالحديبية لأنه قد اختلف فى عددهم هل كانوا ألفاً
وخمسمائة؟ أو ألفاً وأربعمائة؟ أو غير ذلك؟
وأما متى كان هذا الابتلاء؟ وما سببه؟ فقد قيل: لعله كان حين أتم عثمان الصلاة فى السفر،
وكان بعضهم يقصر سرا وحده خشية الإنكار عليه، وقيل: كان أيام قتل عثمان ورده الحافظ ابن
حجر: بأن حذيفة لم يحضر ذلك، وقيل: يشبه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع فى أواخر خلافة
عثمان، من ولاية بعض أمراء الكوفة، كالوليد بن عقبة، حيث كان يؤخر الصلاة، أو لا يقيمها على
وجهها، وكان بعض الورعين يصلى وحده سراً، ثم يصلى معه؛ خشية من وقوع الفتنة.
وقال النووى: لعله كان فى بعض الفتن التى جرت بعد النبى # فكان بعضهم يخفى نفسه
ويصلى سرا، مخافة من الظهور والمشاركة فى الدخول فى الفتنة والحروب. والله أعلم.
ويؤخذ من الحديث
١ - جواز الاستسرار بالإيمان والأعمال الصالحة للخائف.
٢- مشروعية كتابة دواوين الجيوش، وقد يتعين ذلك عند الاحتياج إلى تمييز من يصلح للمقاتلة ممن
لا يصلح.
٣- وفيه وقوع العقوبة على الإعجاب بالكثرة. وهو نحو قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَّيْنِ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ
فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا ﴾ [التوبة: ٢٥] قاله الحافظ ابن حجر.
وقال ابن المنير: موضع الترجمة من الفقه ألا يتخيل أن كتابة الجيش وإحصاء عدده يكون
ذريعة لارتفاع البركة، بل الكتابة المأمور بها لمصلحة دينية، والمؤاخذة التى وقعت فى حنين
كانت من جهة الإعجاب.
٤- وفيه علم من أعلام النبوة، إذ أخبر صلى الله عليه وسلم بما سيقع فوقع كما أخبر به، قال الحافظ
ابن حجر: بل وقع أشد من ذلك بعد حذيفة فى زمن الحجاج وغيره.
واللَّه أعلم
٤٧٣
(٨٨) باب تأليف ضعيف الإيمان
٢٥٤ - ٢٣٦ عَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَيهِ﴾(٢٣٦) قَالَ: قَسَمٌ رَسُولُ اللَّهِعَل
قَسْمًا. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَعْطِ فُلانًا فَإِنْهُ مُؤْمِنٌ. فَقَالَ النَّبِيُّلَ﴿ِ «أَوْ مُسْلِمٌ»
أَقُولُهَا ثَلاثًا. وَيُرَدِّدُهَا عَلَيَّ ثَلاَّنًا « أَوْ مُسْلِمٌ)» ثُمَّ قَالَ: «إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ
أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ. مَخَافَةُ أَنْ يَكُبَّهُ اللَّهِ فِي النّارِ».
٢٥٥- ٢٣٧ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ﴾(٢٣٧) أَنَّ رَسُولَ
اللَّهِ ﴿ أَغْطَى رَهْطًا. وَسَعْدٌ جَالِسٌ فِيهِمْ. قَالَ سَعْدٌ: فَتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِلَّ مِنْهُمْ مَنْ
لَمْ يُعْطِهِ. وَهُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيّ. فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلانِ؟ فَوَاللَّهِ إِنِّي
لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ رَسُولُ اللّهِلَّ «أَوْ مُسْلِمًا)» قَالَ: فَسَكَتُ قَلِيلا. ثُمَّ غَلَيَتِي مَا
أَعْلَمُ مِنْهُ. فَقُلْتُ: يَارَسُولَ اللَّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ. فَوَ اللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِل ◌َ﴿ِ «أَوْ مُسْلِمًا» قَالَ: فَسَكَتُ قَلِيلا. ثُمَّ غَلَيْنِي مَا عَلِمْتُ مِنْهُ. فَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللّهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلانِ. فَوَاللَّهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ «أَوْ
مُسْلِمًا». إِنِّي لأَغْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيِّ مِنْهُ. خَشِيَةً أَنْ يُكّبَّ فِي النَّارِ
عَلّى وَجْهِهِ».
٢٥٦ - : عَنْ عَامِرٍ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ(٢٠٠؛ أَنَّهُ قَالَ: أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِع ◌َل
رَهْطًّا وَأَنَا جَالِسٌ فِيهِمْ. بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ وَزَادَ: فَقُمْتُ
إِلَى رَسُولِ اللَّهِ فَسَارَرْتُ. فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلانٍ.
٢٥٧ - ::: عَنْ مُحَمَّدٍ بْنِ سَعْدٍ(٠٠١) يُحَدِّثُ هَذَا فَقَالَ فِي حَدِيثِهِ: فَضّرَبَ
رَسُولُ اللَّهِ:﴿ بِيِّدِهِ بَيْنَ عُنُقِي وَكَيْفِيٍ. ثُمَّ قَالَ «أَقِتَالا؟ أَيْ سَعْدًا إِنِّي
لأَعْطِيِ الرَّجُلَ».
(٢٣٦) حَذَّنَا ابْنُ أَبِي عُمَرَ حَدَّا سُفْيَاُ عَنِ الُّهْرِيّ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عنْ أُبيدِ.
(٢٣٧) حَدَّثَيِي زُمَيْرٌ بْنُ حَرْبٍ حَدْنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمٌ حَذْقَا ابْنَّ أَخِي ابْنٍ شَيْهَابٍ عَنْ عَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرِّي عَامِرُ بْنُ سَعْدٍ
(١٠) حَدَّقَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالا حَدََّا يَعْقُوبُ وَّهُوَ ابْنُ إِنْرَاهِيمٌ بْنِ سَعْدٍ حَدَََّّا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنٍ
شِهَابٍ قَالَ: حَدَّتِي عَامِرُ بْنُّ سَعْدٍ
(١٠٠) وحَدَّا الْحَسَنُ الْحُلْوَالِيُّ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ حَدْقَنَا أَبِي عَنْ صَالِحٍ عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنٍ مُحَمَّدٍ قَالَ سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بُنَّ سَعْدٍ
٤٧٤
المعنى العام
مررجل من سادات قريش على رسول اللَّه * وحوله أصحابه وفيهم سعد بن أبى وقاص. فقال
لهم ما تقولون فى هذا الرجل؟ قالوا: عظيم، حرى إن شفع أن يشفع، وإن خطب أن ينكح، وإن تكلم
أن يسمع. فسكت صلى الله عليه وسلم حتى مرجعيل بن سراقة - وهو من فقراء المهاجرين- فقال
لهم: ما تقولون فى هذا الرجل؟ قالوا: حرى إن شفع ألا يشفع، وإن خطب بنت أحدنا ألا ينكح، وإن
تكلم ألا يستمع. قال صلى الله عليه وسلم: هذا الفقير خير من ملء الأرض مثل هذا الغنى.
فلما كان مجلس آخر بعد زمن، وجلس سعد بن أبى وقاص فى مجلس الرسول 8# جاء جماعة
من فقراء المهاجرين، وفيهم جعيل بن سراقة، يتعرضون لعطاء الرسول # فأعطاهم رسول اللّه ولم
يعط جعيلا، فعظم الأمر فى نفس سعد، كيف لا يعطى جعيلا وهو عند سعد أحبهم إليه منذ سمع من
الرسول:# عنه ما سمع؟ قام سعد، وأسر فى أذن الرسول: يا رسول اللَّه، قلت فى جعيل كذا
وكذا، وأنت تصنع به الآن ما تصنع؟ أعط جعيلا كما أعطيت زملاءه، فوالله إنى لأراه مؤمنا، فأراد
صلى الله عليه وسلم أن يرشد سعداً إلى التوقف عن الثناء بالأمر الباطن دون الثناء بالأمر الظاهر،
وإلى أنه ينبغى أن تكون التزكية بالإسلام لا بالإيمان، فقال له: أو مسلماً. فسكت سعد قليلا، ولم يعط
الرسول # جعيلا، فلم يستطع الاستمرار على السكوت فقال مرة ثانية: يا رسول اللَّه أعط جعيلا،
فوالله إنى لأراه مؤمنا. قال صلى الله عليه وسلم: أو مسلماً. فسكت قليلا، ولم يعط رسول اللَّه ◌َ﴾.
جعيلا. ثم لم يستطع الصبر، فقال: يارسول اللَّه، أعط جعيلا، فوالله إنى لأراه مؤمناً. قال رسول اللَّه
* أو مسلماً ثم قال: أقتالا ومدافعة يا سعد، إن الإعطاء ليس علامة الرضى والمحبة، وإن هؤلاء
ضعاف الإيمان، فأنا أتألفهم، أما جعيل فهو قوى الإيمان، فأنا أتركه لإيمانه وأعطى من أخشى عليه
الكفر، أحميه بالمال من الوقوع فى نار جهنم، وإنى لأعطى الرجل وغيره أحب إلى منه.
فرضى سعد، وآمن بحكمة الرسول ورضى جعيل بالحرمان. وعن الصحابة أجمعين.
المباحث العربية
( عن عامر بن سعد عن أبيه ) سعد بن أبى وقاص -كما هو مصرح به فى الرواية الثانية -
أحد العشرة المبشرين بالجنة، أسلم بعد أبى بكر، وله فى الإسلام فضل كبير، ومات بالعقيق سنة
خمس وخمسين، وعاش نحوا من ثمانين سنة
(قسم رسول اللَّه﴿ قسما) ((قسماً)) مفعول به، أى قسم مالا مقسوما. وكان ما أفاء اللَّه
على رسوله خمس خمس الغنيمة يحبسه رسول اللّه# فينفق منه على أهله، وفى السلاح وعده
الحروب، وما فضل يقسمه فى فقراء المهاجرين، ولعل القسم فى الحديث من هذا الأخير.
٤٧٥
(أعط فلاناً) لفظ ((فلاناً)) كناية عن اسم أبهم بعد أن ذكره سعد صريحاً لرسول اللَّه ولت.
(وغيره أحب إلى منه) جملة حالية من فاعل ((أعطى)) أى أعطى الرجل حالة حبى لغيره
أکثر منه.
(مخافة أن يكبه اللَّه فى النار) ((مخافة)) مفعول لأجله، والمصدر المنسبك من ((أن))
والفعل مضاف إليه، يقال: كبه اللَّه فى النار يكبه، أى قلبه وصرعه، ويقال: أكب الرجل بالهمز، أى
انقلب وانصرع فهو لازم، قال النووى: وهذا بناء غريب، فإن العادة أن يكون الفعل اللازم بغير همزة،
فيعدى، وهنا عكسه. اهـ. وقال ابن حجر: ويجوز أن يكون ألف ((أكب)) للصيرورة.
( أعطى رهطا ) الرهط عدد من الرجال ليس فيهم امرأة، من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: ريما
جاوزوا ذلك قليلا، وليس له واحد من لفظه.
(وسعد جالس فيهم ) المراد: وسعد جالس معهم، لأن سعدا ليس من الرهط المعطى أو الآتى
للعطاء، وإنما عبر بـ((فى)) للإشارة إلى تمكنه من القصة.
ولما كان سعد هو المتحدث كان قوله: ((وسعد جالس فيهم» من باب التجريد، وكان فى قوله:
((وهو أعجبهم إلى)) التفات، وفى رواية للبخارى ((أعطى رهطا وأنا جالس)) فساق الحديث بلا تجريد
ولا التفات.
( وهو أعجبهم إلى ) أى أفضلهم، وأصلحهم فى اعتقادى، وأحبهم إلى لدينه.
( مالك عن فلان؟) ((ما)) استفهام مبتدأ، و((لك)) متعلق بمحذوف خبر، و((عن فلان)» متعلق
بمحذوف حال، والتقدير: أى شىء حصل لك حالة كونك معرضا عن فلان. و((فلان)» كناية عن جعيل
ابن سراقة الضمرى - سماه الواقدى فى المغازى.
(فوالله إنى لأراه مؤمنا) قال النووى: ((لأراه)) بفتح الهمزة أى لأعلمه، ولا يجوز ضمها، فإنه
قال: ((غلبنى ما أعلم منه)) ولأنه راجع النبى 8 ثلاث مرات، ولو لم يكن جازما باعتقاده لما كرر
المراجعة. اهـ
وتعقبه الحافظ ابن حجر فقال: وقع فى رواية البخارى فى باب ((إذا لم يكن الإسلام على
الحقيقة)) عن طريق أبى ذر وغيره، وفى كتاب ((الزكاة)) بضم الهمزة، وكذا هو فى رواية الإسماعيلى
وغيره، ثم قال: ولا دلالة للشيخ محيى الدين النووى فيما ذكر على تعيين الفتح، لجواز إطلاق العلم
على الظن الغالب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] سلمنا، لكن لا يلزم
من إطلاق العلم ألا تكون مقدماته ظنية، فيكون نظريا لا يقينيا، وهو الممكن هنا، وبهذا جزم صاحب
المفهم فى شرح مسلم، فقال: الرواية بضم الهمزة واستنبط منه جواز الحلف على غلبة الظن. اهـ
( أو مسلما ) بإسكان الواو، لا بفتحها، فقيل: هى للتنويع، وقال بعضهم: هى للتشريك، وإنه
٤٧٦
أمره أن يقولهما معاً، لأنه أحوط. ويرد هذا رواية ابن الأعرابى فى هذا الحديث فقال: ((لاتقل مؤمن
بل مسلم)) فوضح أنها للإضراب، ليس معناه الإنكار ونفى الإيمان، بل المعنى أن إطلاق المسلم على
من لم يختبر حاله الخبرة الباطنة أولى من إطلاق المؤمن، لأن الإسلام معلوم بحكم الظاهر.
(قال: فسكت قليلاً) بتشديد التاء، ففيها ضمير المتكلم سعد، و))قليلا» صفة لظرف
محذوف، أى زمنا قليلا.
( أقتالا أى سعد ) ((أى)) حرف نداء، و))قتالا)» هكذا هو فيما تحت يدى من نسخ مسلم، وفسره
الأبى بقوله: أى مدافعة، ونقل عن القاضى عياض قوله: لما لم يقبل صلى الله عليه وسلم تنبيهه، وأخذ
سعد يكرر شبه تكريره بالمدافعة، والمدافعة مقاتلة كقوله فى حديث المرور: ((فإن أبى فليقاتله)) أى
فليدافعه، ورواية البخارى ((أقبل أى سعد)) قال الحافظ ابن حجر فى شرحها: أمر بالإقبال والقبول
وقال: ووقع عند مسلم ((إقبالا أى سعد)) على أنه مصدر، أى أتقابلنى إقبالا بهذه المعارضة؟
فقه الحديث
يؤخذ من الحديث
١- التفرقة بين حقيقتى الإيمان والإسلام، وفى هذه المسألة خلاف وكلام طويل فصلته فى شرح
حديث سؤال جبريل فى أول كتاب الإيمان.
٢- وفيه دلالة لمذهب أهل الحق فى قولهم: إن الإقرار باللسان لا ينفع إلا إذا اقترن به الاعتقاد
بالقلب، خلافا للكرامية وغلاة المرجئة فى قولهم: يكفى الإقرار باللسان، قال النووي: وهذا خطأ
ظاهر يرده إجماع المسلمين، والنصوص فى إكفار المنافقين، وهذه صفتهم.
٣- وفيه جواز تصرف الإمام فى مال المصالح.
٤ - وتقديم الأهم وإن خفى وجه ذلك على بعض الرعية.
٥- وجواز الشفاعة عند الإمام.
٦ - وتنبيه الصغير للكبير على ما يظن أنه ذهل عنه.
٧- ومراجعة المشفوع إليه فى الأمر إذا لم يؤد إلى مفسدة.
٨- وأن الإسرار بالنصيحة أولى من الإعلان، وقد يتعين إذا جر الإعلان إلى مفسدة.
٩- وأن من أشير عليه بما يعتقد المشير مصلحة لا ينكر عليه بل يبين له وجه الصواب.
١٠- والاعتذار إلى الشافع إذا كانت المصلحة فى ترك إجابته.
١١ - وأن لا عيب على الشافع إذا ردت شفاعته لذلك.
١٢- واستحباب ترك الإلحاح فى السؤال أخذا من قوله صلى الله عليه وسلم: ((أقتالا أى سعد)».
١٣- وفيه الأمر بالتثبت، وترك القطع بما لا يعلم القطع فيه.
١٤ - وأنه لا يقطع لأحد بالجنة على التعيين، إلا من ثبت فيه نص كالعشرة وأشباههم، وهذا مجمع
عليه عند أهل السنة، قال الحافظ ابن حجر: منع القطع بالجنة لا يؤخذ من هذا صريحا.
١٥ - زعم صاحب التحرير أن فى هذا الحديث إشارة إلى أن الرجل لم يكن مؤمناً وليس كما زعم، إذ
ليس فيه إنكاركونه مؤمنا، بل معناه النهى عن القطع بالإيمان وأن لفظة الإسلام أولى به، فإن
الإسلام معلوم بحكم الظاهر، وأما الإيمان فباطن لا يعلمه إلا الله تعالى، قال النووي: بل فيه
إشارة إلى إيمانه. فإن النبى { قال فى جواب سعد: ((إنى لأعطى الرجل وغيره أحب إلى منه)»
ومعناه أعلى من أخاف عليه لضعف إيمانه أن يكفر، وأدع غيره ممن هو أحب إلى منه لما أعلمه
من طمأنينة قلبه وصلابة إيمانه. اهـ
١٦ - وفيه تألف من يخاف على إيمانه لضعفه.
١٧ - القسم فى الأخبار على سبيل التأكيد.
واللَّه أعلم
٤٧٨
(٨٩) باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة
٢٥٨- ٢٣٨_ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(٢٣٨) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ «نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ
إِبْرَاهِيمَ {﴿ إِذْ قَالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْنَى؟ قَالَ: أَوَ لَمْ تُؤْمِنْ؟ قَالَ: بَلَّى. وَلَكِنْ
◌ِيَطْمَئِنَّ قَلْبِيٍ﴾)). قَالَ «وَيَرْحَمُ اللَّهُ لُوطًا. لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ. وَلَوْ لَبْتُ فِي
السِّجْنِ طُولَ لَبْثِ يُوسُفَ لأَجَبْتُ الدَّاعِيّ».
٢٥٩ - : عَنِ الزُّهْرِيّ(١٠) وَفِي حَدِيثِ مَالِكٍ ﴿وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِيٍ﴾. قَالَ: ثُمَّ قَرَّأَ هَذِهِ
الآيَةً حَتِّى جَازَهًا.
٢٦٠- ١٠: عَنِ الزُّهْرِيّ(١٠١) كَرِوَايَةٍ مَالِكِ بِسْنَادِهِ وَقَالَ: ثُمَّ قَرَأَ هَذِهِ الآيَةَ حَتَّى أَنْجَزَهَا.
المعنى العام
مثل رائع فى التواضع، والدفاع عن الغير، ونفى الشبهة عن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام يضربه
النبى # فى هذا الحديث.
لقد قرأ الصحابة قوله تعالى: ﴿ وَإِذْ قَالَ إِنْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْبِى الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن قَالَ
بَلَى وَلَكِن لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبِعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ
ادعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٦٠] قرأ الصحابة هذه الآية فقالوا: شك
إبراهيم ولم يشك نبينا و لا.
وقرءوا قوله تعالى حكاية عن لوط: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠] فتوهم
بعضهم أن لوطا عليه السلام نسى الله عند الشدة.
وقرءوا قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام حين قال لصاحبه فى السجن: ﴿اذْكُرْنِي عِندَ
رَبِّكَ﴾ [يوسف: ٤٢] فتوهم بعضهم أن يوسف ضعف وتشوف للخروج من السجن، وطلب الخلاص منه.
سمع رسول اللَّه* تلك الشبه والأوهام التى حامت حول إخوانه الأنبياء عليهم السلام، فبادر
(٢٣٨) وِحَذَِّي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتِى أَخْبَرَّا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبُرَّبِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدٍ مِنِ
الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٠) وحَّدَّقَتِي بِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ بِنِ أَسْمَاءِ الضُّبَعِيُّ حَدَّقََّا جُوَّيْرِيَّةٌ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيَّ أَنَّ سَعِيدَ بْنَّ الْمُسَيِّبِ
وَأَبَا عُبَيْدٍ أَخْرَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً عَنْ رَسُولِ اللَّهِ فَ﴿لَّ بِمِثْلِ حَدِيثٍ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ
(١٠٠) حَدََّه عَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالَ حَذْفِي يَعْقُوَبُ يَعْنِي اِبَّنَ إِنَّرَاهِيمٌ بْنٍ سَعْدٍ خَذََّا أَبُوْ أُوَّيْسٍ عَنِ الزُّهْرِيّ
٤٧٩
بالدفاع عنهم وإزالتها فقال: إن الأنبياء لا يقع منهم شك فى إحياء الموتى، وإذا كنتم تعلمون أننى لم
أشك فإبراهيم عليه السلام لم يشك لأنه أبو الأنبياء، ورأس أولى العزم، ولكنه طلب رؤية كيفية إحياء
الموتى، شوقاً لروية هذا الأمر الغريب، ونحن أولى بهذا الشوق منه، ونتمنى أن نراه، ولكننا لا نطلبه.
وأما لوط رحمه اللَّه - فقد كان يأوى ويلجأ فى محنته إلى الله تعالى، على عكس ما فهمتم، فإن
قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنِ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]، قصد به الاعتذار لضيفه فى أنه يجب
حمايتهم بكل ما يملك، لكنه فى قرارة نفسه كان معتمداً على الركن المتين، الذى لا ركن بعده وهو
اللَّه تعالى.
وأما يوسف فلم يكن يتشوف للخروج من السجن بأى ثمن، بدليل أنه فعل ما لم يفعله أحد، فإنه
حين جاءه الرسول يطلب خروجه لم يبادر بالخروج وإنما قال له: ارجع إلى ربك فأثبت براءتى أولا،
ولو أنى مكانه لأسرعت بالخروج، ولأجبت الداعى، ثم طلبت بعد ذلك إثبات براءتى. فرضى الله عن
الأنبياء أجمعين، ورضوا عنه، وصلى الله وسلم عليهم ومن اتبع هداهم إلى يوم الدين.
المباحث العربية
( نحن أحق بالشك من إبراهيم) ضمير ((نحن)) للرسول محمد ® وأمته، أوله صلى اللّه
عليه وسلم وللأنبياء من قبله، أى نحن معشر الأنبياء، ويبعد أن يكون له صلى الله عليه وسلم على جهة
تعظيم نفسه، والشك فى الأصل: هو التوقف بين الأمرين من غير ترجيح النفى أو الإثبات، أى من غير
مزية لأحد الأمرين على الآخر، وسيأتى توضيح المراد فى فقه الحديث.
( كيف تحيى الموتى؟) ((كيف)) اسم استفهام حال، والجملة في محل النصب،
مفعول ثانی لأرنی.
( أولم تؤمن؟) معمول ((تؤمن)) محذوف، أى أولم تؤمن بالإحياء؟ أَو أَوَلّمْ تؤمن بكيفية
الإحياء؟ والأول هو الظاهر، والاستفهام للتقرير، وهو حمل المخاطب على الإقرار بمضمون الجملة
إثباتا أو نفيا، والمعنى هنا: أقر بأنك مؤمن.
( قال: بلى) ((بلى)) حرف جواب، وتختص بالنفى، وتفيد إبطاله، أى أنا مؤمن، أجرى
النحويون النفى مع التقرير مجرى النفى المجرد فى رده ببلى، ولذلك قال ابن عباس وغيره فى تفسير
قوله تعالى: ﴿ أَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: ١٧٢] لو قالوا: نعم لكفروا، ووجهه أن (نعم) تصديق للخبر
بنفى أو إيجاب.
﴿﴿ وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾) علة لمحذوف، تقديره: ولكن أطلب الرؤية ليطمئن قلبى.
(ويرحم اللَّه لوطا ) جملة خبرية لفظا، دعائية معنى.
٤٨٠