النص المفهرس

صفحات 401-420

(تابع) باب الإسلام يهدم ما قبله
٢٠٦ - ١٩٣ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَّهِمًا(١٩٣)؛ أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ قَتَلُوا فَأَكْثَرُوا.
وَزَّنَوْا فَأَكْثَرُوا. ثُمَّ أَوْا مُحَمَّدًال ◌ِ﴿َ. فَقَالُوا: إِنَّ الَّذِي تَقُولُ وَتَدْعُو لَحَسَنٌ. وَلَوْ تُخْبِرُنَا أَنَّ لِمَا
عَمِلْنَا كَفَّارَةً! فَنَزَّلَ: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ
إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونُ وَمَنَّ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَقَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨] وَنَزَلَّ: ﴿يَا عِبَادِيّ الَّذِينَ
أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْتَطُوا مِنَ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٣].
المعنى العام
حكمة جليلة وحكم رحيم، حكمة بالغة وتشريع سمح كريم يتجسم فى أن الإسلام يجب ما قبله،
ويرفع المؤاخذة عن معاصى الجاهلية لمن أسلم، لقد تجمع أناس من مشركى مكة، وقالوا: يزعم
محمد أن من عبد الأوثان، وقتل النفس التي حرم اللَّه لم يغفر له، فكيف نسلم ونهاجر وقد عبدنا مع
اللَّه إلهاً آخر؟ وقتلنا النفس التي حرم الله؟ ثم جاءوا رسول الله: ﴿، فقالوا: يا محمد إن الذى تقوله
وتدعو إليه لحسن، ولو أن عندك لما عملنا فى جاهليتنا كفارة لأسلمنا، فنزِل قوله تعالى: ﴿ قُلْ
يَاعِبَادِي الَّذِينَ أُسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ
الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ﴾ وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزمر: ٥٤،٥٣]. وذَزْل قوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ لا يَدْهُونَ مَعَ
اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنَ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَّامًاہ
يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانَاهَ إِلاَ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ
اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [الفرقان: ٦٨-٧٠] فاطمأنوا وآمنوا، وآمن مثلهم
خلق كثير.
نعم، حكمة بالغة، لو أن الإسلام أوجب مؤاخذتهم لما دخلوا فى الدين، لو أنهم أيسوا من رحمة
اللَّه، وقنطوا من قبولهم ومسامحتهم لبقوا على كفرهم وانخرطوا فى معاصيهم وطغيانهم، لو أن
((وحشياً)) قاتل حمزة لم يطمئن إلى العفو ما أسلم، ولما حسن إسلامه، ولما قتل مسيلمة، بل ربما
كان عونا لمسيلمة على هدم الإسلام، تماما كالرجل الذى قتل تسعة وتسعين ثم سأل راهباً: هل لى من
توبة؟ فلما قيل له: لا توبة لك قتل الراهب فأكمل به المائة، وما دفعه إلى ذلك إلا يأسه وعدم الرجاء
فى المصير، ألا أن باب السماء مفتوح لكل من عصى، وإن اللَّه يمد يده بالنهار ليتوب مسيء الليل
ويمد يده بالليل، ليتوب مسيء النهار، و﴿ إِنَّهُ لا يَيْئَسُ مِنْ رَفْحِ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
(١٩٣) حَدَّتِي مُحَمِّدُ بْنُ حَائِمِ بْنِ مَيْمُونٍ وَإِبْرَاهِمُ بْنُ دِينَارِ وَاللَّفْظُ لإِنْرَاهِيمَ قَالا حَدََّا حَجَّاجٌ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ
قَالَ أَخْبَرَنِي يَعْلَى بْنُ مُسْلِّمٍ أَنَّهُ سَمِعٌّ سَّعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ يُخُّدِّثُ عَنِ اَبَّنٍ عَبَّاسٍ
٤٠١

المباحث العربية
( قتلوا فأكثروا ) المفعول محذوف أى قتلوا أنفسا فأكثروا القتل.
(إن الذى تقول وتدعو لحسن) مفعول ((تقول)) ومعمول ((تدعو)) محذوفان، وهما عائد
الصلة، والتقدير: إن الذى تقوله وتدعو الناس إليه لحسن.
(ولوتخبرنا أن لما عملنا كفارة) جواب ((لو)) محذوف، تقديره: لأسلمنا أو ((لو)) للتمنى
أى: نتمنى أن تخبرنا أن لما عملنا كفارة.
( يلق أثاما ) أى عقوبة، وقيل: نكالا، وقيل جزاء إثمه، وقيل: هوواد فى جهنم.
فقه الحديث
ذكرنا فى فقه الحديث السابق حكم الكافر الحربى إذا أسلم، وكذا حكم الذمى، وبعض أحكام
أخرى، ونزيد هنا أن العلماء اختلفوا فى النصرانى يزنى ثم يسلم، وقد شهدت عليه بينة من
المسلمين، فحكى عن الشافعى أنه لا حد عليه ولا تغريب، لقول الله تعالى: ﴿ قُلْ لِلَّذِينَ كَفَّرُوا إِنَ
يَنْتَهُوا يُخْفَوْلَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨].
وقال أبو ثور: إذا أقروهو مسلم أنه زنى وهو كافر أقيم عليه الحد.
أما المرتد إذا أسلم، وقد فاتته صلوات، وأصاب جنايات، وأتلف أموالا، فقيل حكمه حكم الكافر
الأصلى إذا أسلم، لا يؤاخذ بشىء مما أحدثه فى حال ارتداده.
وقال الشافعى: يلزمه كل حق للَّه وللآدمى، بدليل أن حقوق الآدميين تلزمه، فوجب أن تلزمه
حقوق اللّه تعالى.
وقال أبو حنيفة: ما كان للَّه يسقط، وما كان للآدمى لا يسقط.
قال ابن العربى: وهو قول علمائنا، لأن الله تعالى مستغن عن حقه والأدمى مفتقر إليه. ألا ترى أن
حقوق الله عز وجل لا تجب على الصبى، وتلزمه حقوق الآدميين؟
هذا مايخص الكافر إذا أسلم، أما المؤمن إذا عصى فقد استدل بعضهم بعموم الآيتين الواردتين
فى الحديث على غفران جميع الذنوب صغيرها وكبيرها. سواء تعلقت بحق الآدميين أو لا، والمشهور
عند أهل السنة أن الذنوب كلها تغفر بالتوبة، وأنها تغفر لمن شاء الله ولومات من غير توبة، لكن
حقوق الآدميين إذا تاب صاحبها من العود إلى شىء من ذلك تنفعه التوبة من العود، وأما بخصوص
ما وقع منه فلا بد له من رده إلى صاحبه أو محاللته منه. نعم فى سعة فضل الله ما يمكن أن يعوض
٤٠٢

صاحب الحق عن حقه، ولا يعذب العاصى بذلك، ويرشد إليه عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ
يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨].
وشذ ابن عباس عن قول الجمهور، فقال: إن المؤمن إذا قتل مؤمناً متعمداً لا توبة له.
هذا هو المشهور عن ابن عباس، فقد روى البخارى عن سعيد بن جبير قال: سألت ابن عباس
رضى الله عنهما عن قوله تعالى: ﴿فَجَرَاؤُهُ جَهَتَّمُ ﴾ [النساء: ٩٣] قال لا توبة له، وعن قوله جل شأنه:
﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَّهًا آخَرَ﴾ [الفرقان: ٦٨] قال: كانت هذه فى الجاهلية.
وروى أحمد والطبرى والنسائي وابن ماجه عن سالم بن أبي الجعد قال: كنت عند ابن عباس بعد
ما كف بصره، فأتاه رجل، فقال: ما ترى فى رجل قتل مؤمناً متعمداً قال: جزاؤه جهنم خالداً فيها،
وساق الآية إلى ((عظيما)) قال: لقد أنزلت فى آخر ما نزل، وما نسخها شىء حتى قبض رسول الله
*. قال: أفرأيت إن تاب وآمن وعمل عملا صالحاً ثم اهتدى؟ قال: وأنى له التوبه والهدى؟
قال الحافظ ابن حجر: وقد حمل جمهور السلف وجميع أهل السنة ماورد من أحاديث تخليد
القاتل فى النار، وعدم قبول توبته، حملوه على التغليظ، وصححوا توبة القاتل كغيره وقالوا: معنى
قوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ ﴾ أى إن شاء الله أن يجازيه، تمسكا بقوله تعالى فى سورة النساء: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لا
يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾ ومن الحجة فى ذلك حديث الإسرائيلى الذى قتل
تسعة وتسعين ثم أتى تمام المائة، فقال له: لا توبة لك فقتله، فأكمل به مائة، ثم جاء آخر، فقال: ومن
يحول بينك وبين التوبة. الحديث. وهو مشهور، وإذا ثبت ذلك لمن قتل من غير هذه الأمة، فمثله لهم
أولى، لما خفف اللَّه عنهم من الأثقال التى كانت على من قبلهم.اهـ
وفى تفسير قوله تعالى: ﴿إِلا مَن تَابَ وَأَمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ
حَسَّنَاتٍ﴾ [الفرقان: ٧٠] قيل: يبدلهم اللَّه إيماناً من الشرك، وإخلاصاً من الشك، وإحصاناً من
الفجور، وقيل: التبديل عبارة عن الغفران، والغفران من الحسنات، ومعنى هذين القولين أن السيئات
لا تبدل كل منها بحسنات، لكن روى عن أبى ذرعن النبى ₪ ((إن السيئات تبدل بحسنات)» وعليه
قال القرطبى: لا يبعد فى كرم الله - إذا صحت توبة العبد أن يضع مكان كل سيئة حسنة، وقد قال
صلى الله عليه وسلم لمعاذ ((أتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)). وهذا قول وجيه
ينسجم مع عفو الكريم، صاحب الفضل والجود، الذى دعا إلى مقابلة الإساءة بالإحسان، فقال: ﴿فَمَنْ
عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ﴾ [الشورى: ٤٠]: وقال: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي
الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ [النور: ٢٢] وقال: ﴿ وَالْكَاظِمِينَ
الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنْ النَّاسِ وَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٤].
والله أعلم
٤٠٣

(٧٥) باب حكم العمل الصالح قبل الإسلام
٢٠٧ - ١٩٤٤ عَنْ حَكِيمَ بْنِ حِزّامٍ ﴾(١٩٤) أَنْهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ فَ: أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْتُ
أَتَخَنْثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ، هَلْ لِي فِيهَا مِنْ شَيْءِ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِلَ «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا
أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ». وَالْتَحْنِّثُ الْعُدُ.
٢٠٨ - ١٩٥ عَنْ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ ﴾(١٩٥) أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﴾: أَيْ رَسُولَ اللَّهِ: أَرَأَنْتَ
أُمُورًا كُنْتُ أَنَحَنْثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ. مِنْ صَدَقَةٍ أَوْ عَثَاقَةٍ أَوْ صِلَةٍ رَحِمٍ. أَفِيهَا أَجْرٌ؟ فَقَالَ
رَسُولُ اللَّهِنَ﴾ «أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ ».
٢٠٩- ٠ْ عَنْ حَكِيمٍ بْنِ حِزَامٍ ﴾(١٠١) قَالَ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللّهِ! أَشْيَاءَ كُنْتُ أَفْعَلُهَا
فِي الْجَاهِلِيَّةِ. (قَالَ مِشَامٌ: يَعْنِي أَنْبَرَّرُ بِهَا) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ «أَسْلَمْتَ عَلَّى مَا أَسْلَفْتَ
لَكَ مِنَ الْخَيْرِ » قُلْتُ: فَوَاللَّهِ! لا أَدَعُ شَيْئًا صَنَّغْتُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إِلاَ فَعَلْتُ فِي الإِسْلامِ مِثْلَهُ.
٢١٠ - ١٢٦ عَن مِنَامِ بْنِ عُرْوَةً(١٩٦)، عَنْ أَبِيهِ، أَنَّ حَكِيمٌ بْنَ حِزّامٍ أَغْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِائَةً
رَقْبَةٍ. وَحَمّلَ عَلَى مِائَةٍ بَعِيرٍ. ثُمَّ أَعْتَقَ فِي الإِسْلامِ مِائَةَ رَقْبَةٍ. وَحَمّلَ عَلَى مِائَةٍ بَعِيٍ. ثُمَّ أَتَى
النّبِيَّ ◌َ﴿ فَذْكَرَ نَحْوَ حَدِيثِهِمْ.
المعنى العام
الناس معادن، خيارهم فى الجاهلية خيارهم فى الإسلام إذا فقهوا، ولقد كان كثير من العرب قبل
الإسلام على صفات حميدة، يصلون الرحم، ويحملون الكَلّ، ويكسبون المعدوم، ويقرون الضيف،
ويعينون على نوائب الدهر.
(١٩٤) حَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يُخْتِى أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالْ أَخْبَوَبِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ أَخْبَرَبِي عُرْوَةٌ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ حَكِيمٌ بْنِ
جِزَّامٍ أَخْبَرَهُ؛ أَنَّهُ قَالَ
(١٩٥) وحُدَُّا حَسَنٌ الْخُلْوَاِيُّ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالَ الْحُلْوَاِيُّ حَدًُّا وَقَالَ عَبْدٌ حَدَّتِي يَعْقُوبُ وَهُوّ ابْنُ إِنْرَاهِيمٌ بْنِ سَعْدٍ حَدًَّا
أَبِيٍ عَنْ صَالِحٍ عَنِ ابْنٍ شِهَابٍ قَالَ أَخْرَبِي غُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ أَنَّ حَكِيمَ بْنِ حِزَّامٍ أَخْرَهُ؛ أنّهُ قَالَ
(٠٠٠) حَدَّثَنَا إِسْحَقُّ بْنُ إِرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَيْدٍ قَالا أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَاقِ أَخْهُرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْنَادِ ح وحَدََّا إِسْحَقُ
ابْنُ إِبْرَاهِيمَ أَخْرَا أَبُو مُعَاوِيَةً حَدََّا هِشَامُ بْنُ عُرْوَةً عَنْ أَبِهِ عَنْ حَكِيمَ بْنِ حِزَامٍ
(١٩٦) حَدََّا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدِّنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَّيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنٍ عُرْوَةً
٤٠٤

ومن هؤلاء الأخيار حكيم بن حزام الصحابى الجليل ، وكان من الطبيعى أن يسألوا بعد
إسلامهم عن أعمالهم التى عملوها فى الجاهلية من خير أو شر، هل لهم أجر فيما عملوا من بر؟ وهل
عليهم وزر فيما ارتكبوا من إثم؟ وقد سبقت الإجابة عن الشق الثانى فى الحديث السابق، وهذا
الحديث يجيب عن الشق الأول.
لقد سأل حكيم بن حزام رسول اللَّه عما قدم، فقال: يا رسول اللَّه أخبرنى عن أعمال الخير
التى كنت أتقرب بها فى الجاهلية، من صدقة على المحتاجين، وعتق الرقاب وصلة الرحم. هل لى
فيها من أجربعد إسلامى؟ فقال رسول اللَّه ﴿: لن تعدم خيرها وأجرها، فقد اكتسبت بها ثناء
جميلا وذكراً حميداً، وطبعتك بطباع الخير التى تساعدك على البرفى إسلامك وستزيد فى ثواب ما
تفعل من خير، ولعلها صاحبة الفضل فى هدايتك للإسلام، ووصولك إلى الطريق المستقيم.
ولما كانت ممارسة الخير تطبع بالخير وتعود عليه، ولما كان الإسلام يضاعف حسنات البر،
اندفع حكيم بن حزام فى إسلامه إلى ما كان يفعل قبله، فكما أعتق فى جاهليته على طولها مائة
رقبة، أعتق فى أيام إسلامه مائة رقبة أنفس منها، وكما حمل فى جاهليته زاداً ومتاعا للمحتاجين
على مائة بعير، حمل كذلك فى إسلامه على مائة بعير حملا خيراً مما حمل فى الجاهلية، ثم زاد خيراً
وخيراً وخيراً حتى صار من السابقين المقربين. ه وأرضاه، ورضى عن الصحابة أجمعين.
المباحث العربية
( عن حكيم بن حزام ) صحابي جليل، من مناقبه أنه ولد فى الكعبة. قال بعض العلماء: ولا
يعرف أحد شاركه فى هذا، ومن طرف أخباره أنه عاش ستين سنة فى الجاهلية وستين سنة فى
الإسلام، أسلم عام الفتح ومات بالمدينة سنة أربع وخمسين، فيكون المراد من الستين التى عاشها
فى الإسلام من حين ظهور الإسلام وانتشاره إلى حين وفاته، لا من حين إسلامه إلى وفاته.
( أرأيت أموراً ) أى أخبرنى عن أمور، والمراد منها أمور الخير والمعروف.
(كنت أتحنث بها) التحنث التعبد، كما فسره فى الحديث، وفسره فى الرواية الثالثة بالتبرر،
وهو فعل البر، وهو الطاعة، قال أهل اللغة: أصل التحنث أن يفعل فعلا يخرج به من الحنث، وهو
الإثم، وكذا: تأثم، وتحرج، وتهجد، أى فعل فعلا يخرج به من الإثم والحرج والهجود.
( فى الجاهلية ) أى قبل إسلامه، وليس المراد قبل ظهور الإسلام فكأنه قال فى جاهليتى.
( هل لى فيها من شىء) أى من أجر وثواب عند اللَّه، فلفظ ((شىء)) ليس على إطلاقه، فإن
له بها ذكراً جميلا على ألسنة الناس، ولذا جاء فى الرواية الثانية ((أفيها أجر»؟
( أسلمت على ما أسلفت من خير) أى على ما قدمت من خير، وفى القاموس: والسلف كل
عمل صالح قدمته. وفى المراد من هذه الجملة عدة توجيهات تأتى فى فقه الحديث.
٤٠٥

( أرأيت أموراً كنت أتحنث بها فى الجاهلية من صدقة أو عتاقة أوصلة رحم )
((من)) فى ((من صدقة)) متعلقة بمحذوف صفة أخرى لأمور، أى أموراً كائنة من صدقة إلخ، أو بيانية
بمعنی أی تفسير لأمور.
( أشياء كنت أفعلها فى الجاهلية) ((أشياء)) مبتدأ والجملة بعدها صفة، والخبر محذوف،
تقديره: هل لى فيها من أجر؟
( لا أدع شيئاً صنعته فى الجاهلية ) أى شيئاً من الخير والمعروف.
( وحمل على مائة بعير) أى تصدق بها.
فقه الحديث
قضية الحديث: هل يثاب الكافر إذا أسلم وحسن إسلامه على ما فعله من خير فى حال كفره؟
ذهب ابن بطال وغيره من المحققين إلى أنه: إذا أسلم الكافر، وحسن إسلامه، ومات على
الإسلام يثاب على فعله من الخير فى حال الكفر، واستدلوا بحديث أبى سعيد الخدرى عنه قال: قال
رسول اللّه: ((إذا أسلم الكافر، فحسن إسلامه، كتب الله له كل حسنة زلفها، ومحا عنه كل سيئة
زلفها، وكان عمله بعد (أى بعد إسلامه) الحسنة بعشر أمثالها، إلى سبعمائة ضعف، والسيئة بمثلها،
إلا أن يتجاوز الله سبحانه وتعالى)).
ذكره الدارقطنى، وثبت فى بعض طرقه ((أن الكافر إذا حسن إسلامه يكتب له فى الإسلام كل
حسنة عملها فى الشرك)».
قال ابن بطال بعد ذكره الحديث: وللَّه تعالى أن يتفضل على عباده بما يشاء، لا اعتراض لأحد
عليه. اهـ
وعلى هذا القول يكون قوله صلى اللَّه عليه وسلم لحكيم ((أسلمت على ما أسلفت من خير)) على
ظاهره، أى أسلمت وقد ثبت لك أجر ما أسلفت من خير.
وقال بعض العلماء: إن الكافر إذا أسلم لا يثاب على ما فعل من خير فى حال كفره، لأن الكافر لا
يصح منه التقرب، لأن من شرط المتقرب أن يكون عارفا بالمتقرب إليه، وهو فى حين فعله للخير لم
يحصل له العلم باللّه بعد، وحيث لا يصح منه التقرب فلا يثاب على ما فعل، ولهذا قال الفقهاء: لا
يصح من الكافر عبادة، ولو أسلم لم يعتد بها. وعلى هذا القول يجب تأويل قوله صلى الله عليه وسلم
لحكيم ((أسلمت على ما أسلفت من خير)) وقد فسروه بوجوه:
منها: أن معناه اكتسبت طباعاً جميلة، وأنت تنتفع بتلك الطباع فى الإسلام، وتكون تلك العادة
تمهيداً لك، ومعونة على فعل الخير.
٤٠٦

ومنها: أن معناه اكتسبت بذلك ثناء جميلا، فهو باق عليك فى الإسلام.
ومنها: أنه لا يبعد أن يزاد فى حسناته التى يفعلها فى الإسلام، ويكثر أجره لها، لما تقدم له من
الأفعال الجميلة، وقد قالوا فى الكافر: إذا كان يفعل الخير فإنه يخفف عنه به، فلا يبعد أن يزاد هذا
فى الأجور هذا كلام المازرى.
ومنها: ما قاله القاضى عياض: قيل معناه ببركة ما سبق لك من خير هداك الله تعالى إلى
الإسلام، وأن من ظهر منه خير فى أول أمره فهو دليل على سعادة آخره وحسن عاقبته، وهذه
التفسيرات كلها - كما ترى- بعيدة عن مقصود الشريعة من تشجيع الإحسان والإصلاح فى كل
المجتمعات فالعمل الذى يساير مطلوب الإسلام - وإن اختل شرطه- لايتساوى مع العمل الذى ينفر
منه الإسلام ويحاربه، إذ لا يستوى الطيب والخبيث.
ثم من الذى يمنع فضل الله وكرمه أن يلحق من رجع إليه وأناب، وإذا كنا نجيز أن يبدل الله
سيئات التائب إلى حسنات، أفلا نجيز أن نكافئ العاصى على ما فعل من خير حال عصيانه؟ وهى
لا شك مكافأة دون مكافأة المطيع.
أما قول الفقهاء: لا تصح العبادة من الكافر، ولو أسلم لم يعتد بها فمرادهم أنه لا يعتد بها فى
أحكام الدنيا، وليس فيه تعرض لثواب الآخرة، بل قال بعض الفقهاء: إنه يعتد ببعض أفعال الكفار
فى أحكام الدنيا.
فقد قالوا: إذا وجب على الكافر كفارة ظهار أو غيرها، فكفّر فى حال كفره أجزأه ذلك، وإذا أسلم
لم تجب عليه إعادتها، واختلف أصحاب الشافعى رحمه اللَّه فيما إذا أجنب واغتسل فى حال كفره،
ثم أسلم. هل تجب عليه إعادة الغسل أو لا؟ وبالغ بعض الشافعية، فقال: يصح من كل كافر كل طهارة
من غسل ووضوء وتيمم، وإذا أسلم صلى بها.
وفى الأم: وتصح نية التقرب من الكافر، وما عللوا به من الجهل إن عنوا به أنه يجهله مطلقاً منع،
لأنه لا ينكر الصانع، وإن عنوا به أنه يجهله من وجه فهو استدلال بمحل النزاع، لأن محل النزاع:
الجاهل باللّه من وجه. هل يصح منه نية التقرب أو لا؟ ثم الذى يقضى بصحة النية منه اتفاقهم على
التخفيف، لأنه لولا صحة النية لم يصح التخفيف، ولا يمتنع أن يثاب الناظر فى دليل الإيمان إذا
اهتدى للحق، وأيضاً فالقياس يقتضى الإثابة، لأن الإسلام إذا جب السيئات صحح الحسنات.
والله أعلم
٤٠٧

(٧٦) باب صدق الإيمان وإخلاصه
٢١١ - ١٩٧ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﴾(١٩٧) قَالَ: لَمَّا نَزَّلَتْ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ
بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ :﴿ وَقَالُوا: أَيْنَا لا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟
فَقّالَ رَسُولُ اللّهِ فَ﴿: «لَيْسَ هُوَ كَمَا تَظُنُّونَ. إِنَّمَا هُوَ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لايْنِهِ: ﴿يَا بُنَيَّ لا
تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣]».
٩٨! ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنْهُ(١٩٨)
المعنى العام
ما أصدق إيمان الصحابة ، وما أشد خوفهم من اللَّه، وما أعظم حرصهم على الهداية والأمن من
عذاب الله، وما أحرصهم على تفهم كتاب اللَّه، وما أدق فهمهم لآياته وتدبرهم لمعانيه، ومحاسبة
أنفسهم على أصوله وموازينه.
كل ذلك يتجلى فى موقفهم حين نزل قوله تعالى من سورة الأنعام: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا
إِيمَانّهُمْ بِظُلْمٍ أُوْلَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ مُّهْتَدُونَ﴾.
هم يفهمون الظلم، أنه وضع الشيء فى غير محله، ويعترفون بأنهم كثيراً ما وقعوا فيه، فمن لم
يظلم منهم الناس ظلم نفسه، والآية الكريمة تجعل الأمن والهداية لمن لم يلبس إيمانه بظلم، ولا أحد
منهم لم يلبس إيمانه بظلم، فلا أحد منهم إذن يكون له الأمن وتكون له الهداية.
لقد انزعجوا لهذه الآية وارتاعوا، وأسرعوا إلى رسول الله﴿، يقولون: يا رسول اللَّه، أينالم يلبس
إيمانه بظلم؟ أينا لم يظلم نفسه؟ لقد خبنا وخسرنا ووقعنا فى الهلاك المبين، ونزل قول الله تعالى:
﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ﴾ [لقمان: ١٣] فقال لهم
رسول اللّه *: ليس المعنى كما فهمتم وليس الأمر كما تظنون، وإنما المراد من الظلم الشرك، فهو من
قبيل ما قاله لقمان لابنه وهو يعظه ﴿ إِنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، فمعنى الآية: الذين آمنوا ولم يدخلوا
(١٩٧) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدََّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إِذْرِيسَ وَأَبُو مُعَاوِيَةً وَوَكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ إِبْرَاهِيمٌ عَنْ عَلْقَمَةٌ عَنْ
عَبْدِاللهِ
(١٩٨) حَدَّا إِسْحَقُ بْنُ إِرَاهِيمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ قَالا أَخْبُرَنَا عِيسَى وَهُوَّ ابْنُ يُونُسَ ح وَحَدََّا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التّمِيمِيُّ
أَخُرَ ابْنُ مُسْهِرٍ حِ وَحَدََّا أَبُو كُرَيْبٍ أُخْبُرَنَا ابْنُ إِذْرِيسَ كُلُّهُمْ عَنِ الأَعْمَشِ بِهَذَا الإِسْنَادِ قَالَ أَبُو كُرَيْبٍ قَالَ ابْنُ إِذْرِيسَ
حَدْقِهِ أَوْلا أَبِي عَنْ أَبَانَ بْنٍ تَغْلِبَ عَنِ الأَعْمَئِ ثُمَّ سَمِعْتُهُ مِنْهُ
٤٠٨

على إيمانهم شركا وردة، والذين آمنوا إيماناً صادقا لم يشبه نفاق وكفر باطنى أولئك لهم الأمن من
عذاب اللَّه فى الآخرة، وأولئك هم الذين يهديهم اللَّه إلى طريق الجنة، بعد أن هداهم فى الدنيا إلى
الطريق المستقيم.
فطابت نفوس الصحابة بهذا التفسير، وهدأ روعهم بهذا البيان، وتسابقوا فى الخيرات، وفى البعد
عن المذكرات، يحدوهم الرجاء فى عفو الله ويدفعهم الأمل فى جنته ورضوانه.
المباحث العربية
( لما نزلت ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾) ((الذين آمنوا)) إلى آخر الآية مقصود لفظها فاعل ((نزلت)).
( ولم يلبسوا ) أى لم يخلطوا، تقول: لبست الأمر بتخفيف الباء المفتوحة، ألبسه بكسرها أى
خلطته، ولبست الثوب بالكسر ألبس بالفتح. وألبست هذا بذاك، ألبسه بضم الهمزة أى خلطته، وخلط
الإيمان بالشرك لا يتصور، فالمراد أنهم لم تحصل لهم الصفتان، كفر متأخر عن إيمان متقدم أى لم
يرتدوا، ويحتمل أن يراد أنهم لم يجمعوا بينهما ظاهرا وباطنا، أى لم ينافقوا.
( بظلم ) الظلم فى اللغة: وضع الشىء فى غير محله، وفى الشرع: وضع الأمور الشرعية فى غير
محلها، أى مخالفة الشرع، وتتفاوت مراتبه، تبدأ بالمخالفة الصغيرة وتنتهى بالشرك. وقد فهم
الصحابة أن التنوين فى ((بظلم)) للتذكير، والنكرة فى سياق النفى تفيد العموم، فيشمل إدخال أى ظلم
على الإيمان، صغر هذا الظلم أو كبر. لكن قال الخطابي: كان الشرك عند الصحابة أكبر من أن يلقب
بالظلم، فحملوا الظلم فى الآية على ما عداه من المعاصى. اهـ قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، والذى
يظهر لى أنهم حملوا الظلم على عموم الشرك فما دونه.
وقال المحققون: إن دخل على الذكرة فى سياق النفى ما يؤكد العموم ويقويه، نحو ((من)) فى
قولك: ما جاءنى من رجل، أفاد تخصيص العموم، وإلا فالعموم مستفاد بحسب الظاهر، كما فهمه
الصحابة من هذه الآية، وبين لهم صلى اللَّه عليه وسلم أن ظاهرها غير مراد، بل هو من العام الذى أريد
به خاص، فالمراد بالظلم أعلى أنواعه وهو الشرك.
( أولئك لهم الآمن ) ليس فى هذا التعبير قصر، فلا يلزم منه أن من ألبس إيمانه بظلم لا يكون
آمنا، وكل ما يقتضيه أن من لم يوجد منه الظلم يكون آمنا، لكن الصحابة أخذوا بمفهوم الصفة، أو
فهموا القصر والاختصاص من تقديم الجار والمجرور فى ((لهم الأمن)) أى لهم الأمن لا لغيرهم.
( أينا لا يظلم نفسه ) الاستفهام إنكارى بمعنى النفى، أى ليس منا من لا يظلم نفسه.
( ليس هو كما تظنون) ضمير ((هو)) للحال والشأن، أوليس المعنى كما تظنون.
( إنما هو كما قال لقمان لابنه) ((لقمان)) قيل كان حبشيا وقيل كان نوبيا والجمهور على
أنه كان حكيما ولم يكن نبيا، وكان فى زمن داود عليه السلام.
٤٠٩

( إن الشرك لظلم عظيم) لا يلزم منه أن غير الشرك لا يكون ظلما، لكن الرسول * باستدلاله
بالآية أفاد أن التنوين فى قوله ((بظلم)) للتعظيم، فالتقدير: ولم يلبسوا إيمانهم بظلم عظيم. أى بشرك،
وقد ورد ذلك صريحا فى رواية البخارى، ولفظه ((قلنا يا رسول الله، أينالم يظلم نفسه؟ قال: ليس كما
تقولون، لم يلبسوا إيمانهم بظلم بشرك، أو لم تسمعوا إلى قول لقمان»؟
فقه الحديث
قال النووي: وقع فى صحيح البخارى: لما نزلت الآية قال أصحاب رسول اللَّه ﴿: أينا لم يظلم
نفسه، فأنزل اللَّه تعالى ﴿إِنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ فهاتان الروايتان إحداهما تبين الأخرى، فيكون
لما شق عليهم أنزل اللَّه تعالى ﴿إِنَّ الشَّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وأعلم النبى إلا أن الظلم المطلق هناك
المراد به هذا المقيد، وهو الشرك فعلمهم صلى الله عليه وسلم ما علمه ربه، أهـ بتصرف. ومعنى هذا
أن سؤال الصحابة سبب فى نزول آية لقمان، لكن يعكر عليه ما رواه البخارى من طريق أخرى ((أينا
لم يلبس إيمانه بظلم؟ فقال: ليس بذلك، ألا تسمعون إلى قول لقمان؟» وفى رواية)» ليس كما تظنون،
إنما هو الشرك، ألم تسمعوا إلى ما قال لقمان؟)) إذ معنى هذا أن الآية التى فى لقمان كانت معلومة
عندهم، ولذلك نبههم عليها.
قال الحافظ ابن حجر فى رفع هذا الإشكال: يحتمل أن يكون نزولها وقع فى الحال، فتلاها
عليهم، ثم نبههم، فتلتئم الروايتان.
ويؤخذ من الحديث
١- أن الظلم درجات متفاوتة.
٢ - الحمل على العموم حتى يرد دليل الخصوص.
٣- أن النكرة فى سياق النفى تعم، وهذا لأن النبى وَ * لم يذكر عليهم، ولم يخطئهم فى فهمهم، وإنما
بين لهم أن هذا العموم المستفاد من اللفظ مراد به خاص.
٤- أن الخاص يقضى على العام، والمبين يقضى على المجمل.
٥- أن اللفظ يحمل على خلاف ظاهره لمصلحة دفع التعارض.
٦- استنبط منه المازرى جواز تأخير البيان عن وقت الحاجة، ونازعه القاضى عياض، فقال: ليس فى
هذه القصة تكليف عمل، بل تكليف اعتقاد بتصديق الخبر، واعتقاد التصديق لازم لأول وروده، فما
هى الحاجة؟ وقال الحافظ ابن حجر: والحق أن فى القصة تأخير البيان عن وقت الخطاب،
لأنهم حيث احتاجوا إليه لم يتأخر.
٧- وفيه أن المعاصى لا تسمی شرکا.
٨- وأن من لم يشرك بالله شيئا فله الأمن وهو مهتد، فإن قيل: فالعاصى قد يعذب، فما هو الأمن
والاهتداء الذى حصل له؟ فالجواب أنه آمن من التخليد فى النار، مهتد إلى طريق الجنة.
٤١٠

(٧٧) باب تجاوز الله عن حديث النفس
٢١٢ - ١٩٩ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(١٩٩) قَالَ: لَمَّا نَزَّلَتْ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ﴾ [ِّهِ مّا فِي
السَّمَوَاتٍ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِن تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْقُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ
يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قَالَ فَاشْتّدَ ذَلِكَ عَلَى
أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ فَأَتَوْا رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ِ. ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ. فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ
اللّهِ، كُلّقْنَا مِنَ الأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ. الصَّلاةُ وَالصِّيَّامُ وَالْجِهَادُ وَالصَّدَقَّةُ. وَقَدْ أَنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ
الآيَةُ، وَلا نُطِيقُهَا. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ :﴿: «أَثْرِيدُون أَن تَقُولُوا كَمّا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ
قَبْلِكُمْ: سَمِعْنَا وَعَصَّيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبِّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ)) قَالُوا: سَمِعْنَا
وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ. فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَُّهُمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي
إِثْرِهَا ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُبِهِ وَرُسُلِهِ
لا تُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَغْنَا غُفْرَانَكَ رَبًَّا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [البقرة: ٢٨٥]
قَلَمَّا فَعُلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللَّهُ تَعَالَى. فَأَنْزَلَّ اللّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَا وُسْعَهَا لَهَا
مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مّا اكْتَسَبَتْ رَبَّنًا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نْسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ (قَالَ: نَعَمْ) ﴿رَبْنَا وَلا
تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ (قَالَ: نَعَمْ) ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةٌ
لَّا بِهِ﴾ (قَالَ: نَعَمْ) ﴿وَاغْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَّنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا فَانِصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ
الْكَافِرِينَ﴾ (قَالَ: نَعَمْ) [ البقرة: ٢٨٦].
٢١٣ - ٢٢٠ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا (٢٠٠) قَالَ: لَمَّا تَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا
فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُم بِهِ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٤] قَالَ، دَخَلَ قُلُوبَهُمْ مِنْهَا شَيْءٌ لَمْ
يَدْخُلْ قُلُوبَهُمْ مِنْ شَيْءٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ : ﴿َ «قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَسَلَّمْنَا» قَالَ، فَأَلْقَى اللَّهُ
الإِيمَانِ فِي قُلُوبِهِمْ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿لا يُكُلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا
مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِن نْسِينَا أَوْ أَخْطَانَا﴾ (قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ) ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا
(١٩٩) حَدَّتِي مُحَمَّدُ بْنُ مِنْهَالِ الصَّرِرُ وَأُمَيَّةُ بْنُ بِسْطَامَ الْعَيْشِيُّ وَاللَّفْظُ لِأُمَّةَ قَالا حَدََّنًا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ حَدَّقْنَا رَوْحٌ وَهُوَ ابْنُ
الْقَاسِمِ عَنِ الْعَلاءِ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٢٠٠) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِّرَاهِيمَ وَاللّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ قَالَ إِسْحَقُ أَخُرَّنًا وَقَالَ الآخْرَانِ حَدِّقًّا
وَكِيعٌ عَنْ سُّفْيَانٌ عَنْ آدَمَ بْنٍ سُلَيْمَانَ مَوْلَى خَالِدٍ قَالَ سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ جُبٍْ يُحَدِّثُ عَنِ ابْنٍ عَبَّاسٍ
٤١١

إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾ (قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ) ﴿وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلاَنَا﴾
(قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ) [ البقرة: ٢٨٦].
المعنى العام
لما نزل قوله تعالى: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمّا فِي الأَرْضِ﴾ امتلاكاً حقيقياً وتصرفاً كاملا،
وامتلاك غيره امتلاك صورى مؤقت (وإن تبدوا) وتظهروا وتعلنوا (ما) يجول (فى أنفسكم)
ودواخلكم (أو تخفوه) وتضمروه (يحاسبكم به الله) الذى لا تخفى عليه خافية (فيغفر لمن يشاء)
منكم بالفضل والرحمة (ويعذب من يشاء) بالحق والعدل (والله على كل شىء قدير) لايحول دون
غفرانه أو عقابه شیء.
لما نزلت هذه الآية عظم ذلك واشتد على الصحابة، إنها تنذر بالمحاسبة على ما فى النفس، وعلى
خطرات القلوب، وأنى لهم التحكم فيها؟ وكيف يستطيعون دفعها؟ لقد همهم الأمر وغمهم، وأزعجهم
هذا الحكم وأقض مضاجعهم، وقالوا: لئن آخذنا اللَّه بهذا لنهلكن، وذهب جماعة منهم إلى رسول اللّه
# فى المسجد فسلموا، ثم جثوا وبركبوا على الركب، وسكنت أعضاؤهم، وخشعت أبصارهم، وقالوا:
هلكنا يا رسول اللَّه، قال: وما ذاك؟ قالوا: كلفنا اللَّه بما نستطيع من صلاة وصيام وجهاد وصدقة
ففعلنا، لكن قد أنزلت عليك آية لا نطيقها، ولم يرض رسول اللَّه عن هذا الأسلوب، وخشى أن يفتح
عليهم باب الرضا ببعض الأحكام وعدم الرضا بالبعض الآخر، فأغلق الباب بحزم، وقال: أتريدون أن
تقولوا كما قالت اليهود والنصارى، حين قالوا بشأن تكاليفهم: سمعنا وعصينا؟ لا تقولوا شق علينا
كذا، ولكن قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير.
فرجعوا يقرءون الآية ثم يقولون: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، وبعد فترة من الزمان،
وبعد أن لانت ألسنتهم بالآية وانصاعت نفوسهم لها، واستسلموا لأمرربهم فيها، نزل قوله تعالى
تخفيفاً عنهم: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ قال النبيِ *
وصحابته: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِيئَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ فاستجاب الله لهم وقال: قد فعلت قالوا: ﴿رَبَّنًّا
وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَّلَّتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال اللّه: قد فعلت واستجبت. قالوا: ﴿ رَبَّنًا
وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لاَطَاقَةً لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْلَنَا وَارْحَمْنَا أَنتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
قال: قد فعلت واستجبت، وأكرم الله هذه الأمة بما لم يكرم به من قبلها، وثبت إيمان الصحابة
رضوان الله عليهم، وأحسن إليهم، وأثنى عليهم بقوله ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ
كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِن رُّسُلِهِ﴾ رضَى اللَّه عنهم ورضوا عنه وشملنا
بعفوه وكرمه إنه سميع مجيب.
٤١٢

المباحث العربية
( قال: فاشتد ذلك) أعاد لفظة ((قال)» لطول الكلام، فإن أصله: لما نزلت اشتد ذلك، فلما
طال حسن إعادة لفظ ((قال)) وقد جاء مثله فى القرآن الكريم، فى قوله تعالى: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِثُمْ
وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ﴾ [المؤمنون: ٣٥] فأعاد ((أنكم)). والفاء فى ((فاشتد)) عاطفة على
محذوف، لأن جواب ((لما)) لا يلحقه الفاء، والتقدير: لما نزلت عقلنا معناها فاشتد ذلك.
( ثم بركوا على الركب ) جلسة الخضوع والاستسلام والضراعة.
(أى رسول اللَّه) ((أى)) بفتح فسكون حرف لنداء البعيد أو القريب أو المتوسط، على خلاف
فى ذلك.
( كلفنا من الأعمال ما نطيق ) بضم النون من أطاق، و«ما)) موصول مفعول ثان لكلفنا،
وعائد الصلة مفعول ((نطيق» محذوف، والجار والمجرور المتقدم متعلق بنطيق، والتقدير: كلفنا ما
نطيقه من الأعمال.
( الصلاة والصيام والجهاد والصدقة ) بدل من الموصول، أو بيان له، والتقدير: كلفنا الصلاة
والصيام والجهاد والصدقة فقمنا بما كلفنا.
( أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين ) الاستفهام إنكارى توبيخى، أى لاينبغى ولا
يصح أن تريدوا ذلك، والمراد من الكتابين التوراة والإنجيل.
( غفرانك ربنا) قال الفراء: ((غفرانك)) مصدر وقع فى موضع أمر فنصب، والمعنى مغفرتك أى
فاغفرلنا، والطلب للدعاء، و«ربنا)) منادى بحذف حرف النداء.
( فلما اقترأها القوم ) فى القاموس: قرأ القرآن تلاه كاقترأه. اهـ
ومن المعلوم أن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى. أى قرأها القوم بمشقة وصعوبة.
( ذلت بها ألسنتهم ) أى هانت ولانت بها ألسنتهم.
(فأنزل الله فى إثرها) بكسر الهمزة مع إسكان الثاء، وبفتح الهمزة والثاء لغتان. وضمير
((إثرها)) يعود إلى الآية التى اشتدت عليهم ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي
أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيَ، قَدِيرٌ﴾.
( فلما فعلوا ذلك ) أى استجابوا لأمر الرسول # وقرءوا الآيتين.
(﴿ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾) أى إلا طاقتها، وقيل: إلا دون طاقتها،
والوسع الطاقة والجهد.
٤١٣

(﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾) أى إن جهلنا وفعلنا الخطأ عن اجتهاد.
(﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾﴾ ((إصرا)» ثقلا، وقيل:
الإصر الأمر الغليظ الصعب، وقيل: شدة العمل وما غلظ على بنى إسرائيل. وتفسيره بالعهد تفسير
باللازم، لأن الوفاء بالعهد شديد، والمراد بالذين من قبلنا بنو إسرائيل، وقد حرم عليهم الطيبات
بظلمهم، قيل: وكانوا إذا أذنبوا بالليل وجدوا ذلك مكتوباً على أبوابهم.
(﴿وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ ) أى لا تثقلنا من العمل بما لا نطيق فتعذبنا.
(﴿وَاعْفُ عَنَّا﴾ ) أى عن ذنوبنا، تقول: عفوت عن ذنبه إذا تركته ولم تعاقبه.
(﴿ وَاغْفِرْلَنَا﴾ ) أى استر على ذنوبنا، ولا تفضحنا، والغفر: الستر.
(﴿فَانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾) أى أظهرنا عليهم فى الحجة والحرب وإظهار الدين.
( دخل قلوبهم منها شىء ) ليس المراد من الشىء الشك والارتياب، وإنما المراد منه ما فسر
به فى الرواية الأولى، أى دخل قلوبهم شىء من الحرج والمشقة والاستعظام.
( لم يدخل قلوبهم من شىء) فاعل ((يدخل)) ضمير يعود على ((شىء)) الأولى، والتقدير: لم
يدخل قلوبهم مثله من شىء قبل هذا الشىء، وهذا استعظام لما دخل في قلوبهم.
فقه الحديث
ظاهر قوله فى الرواية الأولى «فلما فعلوا ذلك نسخها اللَّه تعالى فأنزل ﴿لا يُكُلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا
وُسْعَهَا﴾)) أن فى الآيتين نسخاً، وعليه أكثر المفسرين، لأن الراوى قد روى النسخ ونص عليه لفظاً
ومعنى، وطريق علم النسخ إنما هو بالخبر عنه، وبالتاريخ بأن يكون الناسخ متأخراً زمناً عن المنسوخ،
وهما مجتمعان فى هذه الآية، ومعنى هذا أن الآية الأولى أفادت مؤاخذة اللَّه إياهم وتكليفهم بما لا
يملك من الخواطر، وأمرهم رسول اللَّه ◌َ ا بالإيمان والسمع والطاعة، فلما فعلوا ذلك وألقى اللَّه الإيمان
فى قلوبهم رفع اللَّه الحرج عنهم ونسخ هذا التكليف، ورفع هذا الثابت المستقر.
وأنكر بعضهم النسخ فى الآية من وجهين:
الأول: أن الآية خبر، والنسخ لا يدخل فى الأخبار.
الثانى: أن النسخ يصار إليه إذا تعذر الجمع وبناء الكلام بناء صحيحاً، ولم يمكن رد إحدى
الروايتين إلى الأخرى، مع أن الجمع غير متعذر، إذ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾
عموم يصح أن يشتمل على ما يملك من الخواطر وما لا يملك، فخصص هذا العموم بالآية الثانية،
وبما يملك من الخواطر، ويكون معناها: إن تبدوا ما فى أنفسكم مما هو فى وسعكم وتحت كسبكم أو
٤١٤

الإيمان، وصريح الإيمان، وخالص الإيمان، وعلى المؤمن أن يمسك حينئذ عن الاسترسال فيه، وأن
يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم.
المباحث العربية
(إنا نجد فى أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به) ((ما)) نكرة موصوفة، و))(أن)) وما
دخلت عليه فى تأويل مصدر مفعول ((يتعاظم)) وفى القاموس: تعاظم الرجل الأمر أى عظم عليه،
وجملة ((إنا نجد)) مستأنفة استئنافاً بيانيا، فى جواب سؤال، تقديره: ماذا قالوا فى سؤالهم؟ فقيل:
إنا نجد فى أحاديث النفس شيئاً قبيحاً يعظم علينا أن ننطق به لقبحه ونفورنا عنه. فما حكمه؟
(وقد وجدتموه؟ ) الواو عاطفة على محذوف، والجملة استفهامية على تقدير حرف
الاستفهام، أى أوقع هذا فى نفوسكم وقد وجدتموه؟
( ذلك صريح الإيمان ) المشار إليه هو اليقين والاطمئنان الذى منعهم من قبول ما يلقيه
الشيطان فى أنفسهم، وهو الذى دفعهم إلى تعاظمه واستنكار النطق به، و))صريح الإيمان)» من إضافة
الصفة إلى الموصوف، أى ذاك اليقين هو الإيمان الصريح الواضح الخالص من الشوائب، وفى
القاموس: الصريح هو الخالص من كل شىء.
( سئل عن الوسوسة ) الوسوسة: حديث النفس وحديث الشيطان بما لا نفع فيه ولا خير،
و((أل)) فى ((الوسوسة)) للعهد، أى الوسوسة فى الإيمان.
( تلك محض الإيمان ) أى تلك الحالة التى تقف أمام الوسوسة هى الإيمان المحض
الخالص، ففى القاموس: فضة محضة أى خالصة.
فقه الحديث
في مضمون روايات هذا الحديث أخرج أبو داود عن أبى هريرة قال: جاء ناس إلى النبى 28 من
أصحابه، فقالوا: يا رسول اللَّه، إنا نجد فى أنفسنا الشىء يعظم أن نتكلم به، ما نحب أن لنا الدنيا
وأنا تكلمنا به (أى لو أعطينا زينة الدنيا مقابل أن نتكلم به ما قبلنا وما تكلمنا) فقال: أوقد
وجدتموه؟ ذاك صريح الإيمان.
ولابن أبى شيبة من حديث ابن عباس ((جاء رجل إلى النبى # فقال: أحدث نفسى بالأمر، لأن
أكون حممة (بضم الحاء وفتح الميمين، أى ناراً مستعرة) أحب إلى من أن أتكلم به. قال: الحمد للّه
الذى رد أمره إلى الوسوسة)».
وفى معناه وفقهه قال بعضهم: ليس المراد أن الوسوسة نفسها صريح الإيمان، بل هى من قبل
٤٢٧

فى كتابه ليكون دعاء من يأتى بعد النبى 8 والصحابة ، فهو من الدعاء الذى ينبغى أن
يحفظ ويدعى به كثيرا.اهـ
وقد روى مسلم أن رسول اللَّه# قال: ((من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة فى ليلة كفتاه)) قيل:
كفتاه من قيام تلك الليلة، وقيل: كفتاه المكروه فيها. والله أعلم ..
(ملحوظة) لشرح هذا الحديث صلة وثيقة بالحديث الآتى، فليراجع.
٤١٦

(٧٨) باب حكم الهم بالحسنة والهم بالسيئة
٢١٤ - ٢٠١ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَ﴾(٢٠١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «إِنَّ اللّهَ تَجَاوَزْ لِأُمَِّي مَا
حَدَّقَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكُلِّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ».
٢١٥ - ٢٢٢ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٢٠٢) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ
تَجَاوَزَ لأُمَّتِي عَمَّا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَكُلِّمْ بِهِ».
٢١٦ - ٣ بِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٠٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ:
إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِسَيِّئَةٍ فَلا تَكْتُبُوهَا عَلَيْهِ. فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا سَيِّئَةً. وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ
يَعْمَلْهَا فَاكْتُوهَا حَسَنَةٌ. فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا عَشْرًا».
٢١٧- ٢٢٤ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(٢٠٤) عَنْ رَسُولِ اللّهِعَ﴾ قَالَ: «قَالَ اللَّهُ عَزَّ
وَجَلَّ: إِذَا هَمَّ عَبْدِي بِحَسَنَةٍ وَلَّمْ يَعْمَلْهَا كَثْتُهَا لَهُ حَسَنَةٌ. فَإِنْ عَمِلَهَا كَُهَا
عَشْرَ حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ. وَإِذَا هَمَّ بِسَيِّئَةٍ وَلَمْ يَعْمَلْهَا لَمْ أَكْتُبُهَا
عَلَيْهِ. فَإِنْ عَمِلَهَا كَبْتُهَا سَيِّئَةٌ وَاحِدَةً».
٢١٨- ٢٥٥ عَنْ هَمَّامٍ بْنِ مَُبِّهٍ(٢٠٥) قَالَ: هَذَا مَا حَدَّنَا أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ
* فَذَكَرَ أَحَادِيثَ مِنْهَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: إِذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ
يَعْمَلَ حَسَنَّةٌ فَأَنَا أَكْتُهَا لَهُ حَسَنَةٌ مَا لَمْ يَعْمَلْ. فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا بِعَشْرٍ أَمْثَالِهَا. وَإِذَا
تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةٌ فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَعْمَلْهَا. فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا». وَقَالَ
(٢٠١) حَذَثْنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَقْتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ وُمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ الْغُبْرِيُّ وَاللَّفْظُ لِسَعِيدٍ قَالُوا حَذُقْنَا أَبُو عَوَانَةً عَنْ قَتَادَةٌ عَنْ زُرَّارَةً
ابْنِ أَوْفَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَّةً
(٢٠٢) حَدَّثَنَا عَمْرٌوِ النَّاقِذُ وَزُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالا حَدَّا إِسْمَعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حِ وَحَدَّقْنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدََّا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ
وَعَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ حِ وَحَدَّثَنَا ابْنُ الْمُثَبِّى وَابْنُ بَشَّارٍ فَالا حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٌّ كُلَّهُمْ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ قَتَادَةً عَنَّ
زُرَارَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
- وحَدْثِيَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدِّثْنَا وَكِيعٌ حَدَّثْنَا مِسْعَرٌ وَهِشَامٌ ح وحَدَّتِي إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبُرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ عَنْ
زَائِدَةً عَنْ شَيْبَانَ جَمِيعًا عَنْ قَتَادَةَ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
(٢٠٣) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ وَزُهَيْرٌ بْنُ حَرَّبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ وَاللَّفْظُ لِأَبِي بَكْرٍ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبُرَنَا سُفْيَانُ وَقَالَ الْآخْرَانِ
حَدَّقْنَا ابْنُ عُيَيْنَةً عَنَّ أَبِي الزََّادِ عَنِ الأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ
(٢٠٤) حَدَّا يُحْتِى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتِبَةُ وَابْنَ حُجْرٍ قَالُوا حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ وَهُوَ ابْنُّ جَعْفَرٍ عَنِ الْعَلاءِ عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٢٠٥) وحَّدََّا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَّرٌ عَنْ هَمَّامٍ
٤١٧

رَسُولُ اللَّهِ ﴿ «قَالَتِ الْمَلائِكَةُ: رَبِّ! ذَاكَ عَبْدُكَ يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً (وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ) فَقَالَ:
ارْتُبُوهُ. فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا. وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُوهَا لَهُ حَسَنَةٌ. إِنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ
جُرَّايَ». وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ه «إِذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إِسْلامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرٍ
أَمْثَالِهَا إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ. وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ».
٢١٩ - ٢٢٦ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةٌ ﴾(٢٠١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ «مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ
يَعْمَلْهَا كُتِبَتْ لَهُ حَسَنَةٌ، وَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَعَمِلَهَا كُتِيَتْ لَهُ عَشْرًا إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ، وَمَنْ
هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا، لَمْ تُكْتَبْ. وَإِنْ عَمِلَهَا، كُتِبَتْ».
٢٢٠ - ٢٠٧ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(٢٠٢)، عَنْ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ِ، فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ
تَبَارَكَ وَتَعَالَى؛ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ كَتَبِ الْحَسَنَاتٍ وَالسَّيِّئَاتٍ. ثُمَّ ◌َيْنَ ذَلِكَ. فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ
يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةٌ كَامِلَةٌ، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كُتِبَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَهُ عَشْرَ
حَسَنَاتٍ إِلَى سَبْعِمِائَةٍ ضِعْفٍ إِلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ. وَإِنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبِهَا اللَّهُ عِنْدَهُ
حَسَنَةٌ كَامِلَةً. وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا، كُتِبَهَا اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً ».
٢٢١ - ٢٠٨ بِمَعْنَى حَدِيثٍ عَبْدِ الْوَارِثِ(٢٠٨) وَزَادَ «وَمَحَاهَا اللَّهُ. وَلا يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ
إِلا هَالِكٌ».
المعنى العام
حمداً لله على فضله وكرمه، وشكراً له على رحمته وإحسانه، أعطى هذه الأمة فأجزل عطاءها،
وشملها بعفوه ومغفرته، فأحسن لها.
تجاوزلها عما حدثت به نفسها من السوء، وأثابها على تفكيرها فى الخير وإن لم تخرجه إلى حيز
الوجود، عفو فى جانب السيئات، وإحسان وإكرام فى جانب الحسنات.
أوحى الله تعالى إلى نبيه* أن يبشر أمته بهذا، على أسلوب الحديث النبوى.
ثم أمر ملائكته الكاتبين أن يلتزموا به، قال لهم: إذا هم عبدى بسيئة، وإذا فكر فى معصية، وإذا
حدثته نفسه بالإثم، فلا تكتبوا عليه ذنباً، ما لم يعمل بجوارحه ما عزم عليه، وارقبوه، فإن عمل السيئة
التى صمم عليها فاكتبوها عليه سيئة واحدة، وإن تركها من أجلی فاكتبوها له حسنة.
(٢٠٦) وَحَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ حَدَّثَّا أَبُو خَالِدِ الأَحْمَرُ عَنْ هِشَامٍ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٢٠٧) حَدَّا شََّانُ بْنُ فَرُّوخَ حَدًَّا عَبْدُ الْوَارِثِ عَنِ الْجَعْدِ أَبِيَ عُثَمَانَ حَدََّا أَبُوَ رَجَاءِ الْعُطَّارِدِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ
(٢٠٨)وَحَدَّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى حَدََّا جَعْفَرُ بْنٌ سَلَيْمَانَ عَنِ الْبَعْدِ أَبِي عُثْمَالٌ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ
٤١٨

أما إذا فكر فى معروف، ونوى الخير، وقصد الإحسان، فاكتبوا له هذا القصد وهذا العزم حسنة
كاملة، فإن عمل ما نواه فاكتبوها عشرة حسنات.
ثم ألزم نفسه، وأوحى إلى نبيه ﴿، أن يبلغ أمته على لسان ربه، وبأسلوب الحديث القدسى، أن
اللَّه جل شأنه يقول: إن اللَّه قدر الحسنات والسيئات، وقرر فى شأنهما قرارا كريما: إذا أراد عبدى أن
يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة كاملة ما لم يعملها، فإذا عملها فأنا أكتبها له بعشر أمثالها إلى
سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة والله يضاعف لمن يشاء، وإذا أراد عبدى أن يعمل سيئة فأنا أغفر
له ولا أكتبها عليه ما لم يعملها، فإذا عملها أكتبها عليه بمثلها، وقد أمحوها وأغفر لمن أشاء.
فللَّه الحمد، وله الشكر، ونسأله جل شأنه أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته، فإن من حرم
هذا الفضل، وسدت عليه أبواب الهداية وفاتته هذه السعة، فهو المحروم الهالك، فاللهم إنا نسألك
العفو والعافية فى الدين والدنيا والآخرة، رب العالمين.
المباحث العربية
( إن الله تجاوز لأمتى ما حدثت به أنفسها ) فى القاموس: تجاوز عن ذنبه لم يؤاخذه
به.اهـ فالفعل يتعدى بحرف الجر، كما جاء فى الرواية الثانية ((عما حدثت به أنفسها)) فيكون فى
الرواية الأولى مضمناً معنى ((غفر)) مثلا.
ولفظ ((أنفسها)) ضبطه العلماء بالنصب والرفع، ففاعل ((حدثت)) فى حالة النصب ضمير يعود
إلى الأمة. ((وما)) مصدرية، أو موصولة وإعرابها موصولة أوضح، والتقدير: تجاوز لأمتى عن الذى
حدثت الأمة به أنفسها، ويؤيد النصب رواية ((إن أحدنا يحدث نفسه)) وفى حالة الرفع على الفاعلية
يكون المفعول محذوفاً، والتقدير: عما حدثتهم به أنفسهم فهو كقوله تعالى: ﴿وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ
نَفْسُهُ﴾ [ق: ١٦] ففيه إشارة إلى أن التحديث من النفس بغير اختيار.
( مالم يتكلموا أو يعملوا به ) الفعلان تنازعا الجار والمجرور، والأصل ما لم يتكلموا به أو
يعملوا به، والمقصود ما لم يتحقق فى الخارج، لأن ما حدثت به النفس إما أن يتحقق فى الخارج
باللسان كالغيبة والنميمة والكذب والقذف، وإما أن يتحقق فى الخارج بالجوارح الأخرى كالزنا
والسرقة وشرب الخمر والقتل.
وليس المقصود من قوله ((ما لم يتكلموا)) ما لم يحكوه، فإن الشخص إذا قال: حدثتنى نفسى بكذا
فحاربتها لا يكون متكلما بما حدثته نفسه، ولكنه متكلم عنه، فلا يدخل فى المؤاخذة.
و((ما)» مصدرية زمانية، أى مدة عدم كلامهم به، أو مدة عدم عملهم به.
( ما لم تعمل أوتكلم به) هذه عبارة الرواية الثانية، ولفظ ((تكلم)) أصله ((تتكلم)) حذفت منه
إحدى التاءين.
٤١٩

( إذا هم عبدى ) الهم ترجيح قصد الفعل، تقول: هممت بكذا أى قصدته بهمتى، وهو فوق
مجرد خطور الشىء بالقلب، وسيأتى زيادة إيضاح له فى فقه الحديث.
( كتبتها له ) أى أمرت الكتبة بكتابتها له.
( فلا تكتبوها ) الخطاب للملائكة الكاتبين.
( إلى سبعمائة ضعف ) الضعف فى اللغة المثل، والتحقيق أنه اسم يقع على العدد بشرط أن
يكون معه عدد آخر، فإذا قيل: ضعف العشرة فهم أن المراد عشرون، ومن ذلك لو أقر بأن عليه ضعف
درهم لزمه درهمان.
( سيئة واحدة) ((واحدة)) صفة مؤكدة، إذ الوحدة مفهومة من ((سيئة)) وهذا التأكيد لرفع توهم
التضعيف الذى ذكر مع الحسنة.
( حدثنا أبو هريرة عن رسول اللَّه ◌ُل قال: قال رسول اللَّه) أى قال أبو هريرة: قال
رسول اللّه ﴾.
( إذا تحدث عبدى ) أى إذا تحدثت نفس عبدى، ففى الكلام مضاف محذوف.
( قالت الملائكة: رب ) أى قال واحد منهم ((رب)) فالإخبار عن المجموع، لا أن كلا منهم
نادى بقوله: رب.
( يريد أن يعمل سيئة ) أى يهم وتحدثه نفسه بعملها، وليس المقصود العزم المباشر للعمل.
(وهو أبصر به) وهو - أى الله - أبصر بهذا العبد وبإرادته من الملائكة، وهذه الجملة
اعتراضية، لا محل لها من الإعراب، جىء بها لرفع إيهام أن إخبارهم له لإفادة العلم.
( إنما تركها من جراى ) بفتح الجيم وتشديد الراء، وبالمد ((جرائى)) وبالقصر«جرای)»،
ومعناه من أجلى.
( إذا أحسن أحدكم إسلامه ) أى إذا أسلم إسلاماً حقيقيا وليس كإسلام المنافقين.
( فيما يروى عن ربه) يحتمل أن يكون مما تلقاه صلى اللّه عليه وسلم عن ربه بلا واسطة،
ويحتمل أن يكون مما تلقاه بواسطة الملك وهو الراجح.
قال الكرمانى: يحتمل أن يكون من الأحاديث القدسية، ويحتمل أن يكون للبيان، لما فيه من
الإسناد الصريح إلى الله، حيث قال: (إن الله كتب) ويحتمل أن يكون لبيان الواقع وليس فيه أن
غيره ليس كذلك، لأنه صلى الله عليه وسلم لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى، بل فيه أن غيره
كذلك إذ قال: ((فيما يروى)) أى فى جملة ما يرويه. اهـ
٤٢٠