النص المفهرس
صفحات 321-340
لأحب أن يكون معه فيه، قال لرسوله قل له: لوكنت فى شدق الأسد لأحببت أن أكون معك فيه،
ولكنه يكره قتال المسلمين. واقتدى بأسامة فى ذلك سعد بن أبى وقاص، فكف عن الدخول فى الفتنة
قائلا: لا أقاتل مسلما حتى يقاتله أسامة. وكانت الحجة البالغة لسعد ألا يقاتل مسلما، حتى حين
قال له أحد دعاة الحرب فى الفتنة: أليس اللَّه يقول: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ
الله﴾ [الأنفال: ٣٩] قال سعد: كان الدين لله، والمقاتلون اليوم يريدون بقتالهم الفتنة، وقانا الله شرها،
وجمع الأمة على حبله المتين.
المباحث العربية
(بعثنا رسول اللَّه ◌ِ﴿) ضمير ((بعثنا)) للمتكلم أسامة ومن كان معه، وليس ضمير العظمة.
( فى سرية ) - بفتح السين وكسر الراء وتشديد الياء - وهى: الجماعة تخرج بالليل قيل:
سميت بذلك لأنها تخفى ذهابها. والسرية فى العرف: قطعة من الجيش تخرج منه وتعود إليه، وهى
من مائة إلى خمسمائة، وما افترق من السرية يسمى بعثا.
وهذه السرية يقال لها سرية غالب بن عبد اللَّه الليثى، وكانت فى رمضان سنة سبع من الهجرة.
( فصبحنا الحرقات من جهينة ) الحرقات - بضم الحاء وفتح الراء بعدها قاف-وهم:
بطن من جهينة، سموا بذلك لواقعة كانت بينهم وبين بنى مرة بن عوف، فأحرقوا بنى مرة بالسهام
وأكثروا من قتلهم، ومكان إقامتهم بناحية نجد، على مسافة ستة وتسعين ميلا من المدينة، أى نحو
(١٥٢ كيلو مترا).
وفى الرواية الثانية: ((بعثنا رسول اللَّه* إلى الحرقة من جهينة فصبحنا القوم)) أى فاجأناهم
وهجمنا عليهم فى الصباح قبل أن يشعروا. يقال: صبحته: أتيته صباحا بغتة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ
صَبَّحَهُمْ بُكْرَةً عَذَابٌ مُسْتَقِرٍّ ﴾ [القمر: ٣٨].
( فأدركت رجلا ) معطوف على مطوى فى الكلام، والتقدير: فقاتلناهم فهزمناهم، وكان رجل
منهم قد أوجع فى المسلمين وقتل كثيرا منهم، فلما انهزموا ولى هاربا، فأدركته. وهذا الرجل قيل:
اسمه مرداس بن عمرو الفدکی، وقيل مرداس بن نهيك الفزاوى، وتقدير الكلام فأدركت أنا ورجل من
الأنصار رجلا منهم. كما سيأتى فى الرواية الثانية.
( فقال: لا إله إلا الله ) كناية عن الشهادتين، وقيل إن هذه الشهادة وحدها كافية فى المنع
من القتل خصوصا من مشرك.
( فطعنته ) برمحى ومازلت أطعنه حتى قتل.
( فوقع فى نفسى من ذلك ) أى فوقع فى نفسى شىء من هذا القتل، وظننت أنى أخطأت.
٣٢١
( فذكرته للنبى ) أى ذكرت الحدث والشأن والموضوع.
( أقال ... وقتلته )؟ الاستفهام للتقرير، أى حمل المخاطب على الإقرار بأنه قتل بعد القول،
ويصح أن يكون للتهويل والتعجب، ويصح أن يكون للتوبيخ على المعطوف بعد حصول المعطوف
عليه، أى ما كان ينبغى أن تقتله بعد أن قال لا إله إلا الله.
( إنما قالها خوفا من السلاح ) ولم يقلها من قلبه، والضمير لكلمة الشهادة:
( أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها أم لا؟ ) كناية عن عدم العلم بما فى القلب حتى
يصح الحكم المذكور، قال النووى: الفاعل فى قوله ((أقالها)) هو القلب، فليس لك طريق إلى ما فيه،
فأنكر عليه ترك العمل بما ظهر من اللسان، فقال: أفلا شققت عن قلبه لتنظر هل كانت فيه حين
قالها واعتقدها أو لا؟ والمعنى أنك إذا كنت لست قادرا على ذلك فاكتف منه باللسان.اهـ
( فما زال يكررها على) أى يكرر جملة ((أفلا شققت عن قلبه؟)).
( حتى تمنيت أنى أسلمت يومئذ ) التنوين عوض عن جملة، والتقدير: يوم إذ حاسبنى
وعنفنى رسول اللّه﴾، والمعنى: تمنيت أنه لم يكن تقدم إسلامى، بل ابتدأت الآن الإسلام ليمحو
عنى هذا الذنب.
(فقال سعد: وأنا واللّه لا أقتل مسلما حتى يقتله ذو البطين ) المراد سعد بن أبى
وقاص، والمراد من ذى البطين أسامة، وقيل له ذلك لأنه كان له بطن عظيم؛ فالتصغير للتعظيم. وكان
أسامة قد حلف ألا يقاتل مسلما، لانزعاجه من هذه الحادثة، فاقتدى به سعد والمراد من ((أقتل))
أقاتل، أى لا أقاتل مسلما حتى يقاتله أسامة، أو المراد لا أقتل مسلما حتى يشرع فى قتله أسامة،
وليس مراد سعد أنه إن قاتل أسامة أقاتل، وإنما هو من قبيل التعليق على الممتنع وقوعه.
( قال: قال رجل: ألم يقل الله .. إلخ) أى قال أسامة: قال رجل من دعاة القتال فى فتنة
على، ردا على توقف أسامة وسعد عن القتال.
( ولحقت أنا ورجل من الأنصار) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسم هذا الأنصارى.
( فلما غشيناه ) - بفتح الغين وكسر الشين - أى لحقنا به حتى تغطى بنا.
( إنما كان متعوذا ) - بكسر الواو - أى طالبا العصمة.
(فما زال يكررها) أى يكرر ((أقتلته بعد ما قال لا إله إلا اللَّه)) وفى الرواية السابقة فما زال
يكرر («أفلا شققت عن قلبه؟)) وفى الرواية الآتية أنه كرر ((كيف تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم
القيامة؟ )) فيحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كرر الألفاظ الثلاثة، فنقل راو واحدة، ونقل الآخر الأخرى.
( وعليه برنس أصفر) البرنس - بضم الباء والنون -: كل ثوب رأسه ملتصق به.
٣٢٢
( تحدثوا بما كنتم تحدثون به) (تحدثون)) بفتح التاء، وأصله تتحدثون به، فحذفت
إحدى التائين.
( حتى دار الحديث ) غاية لمحذوف، أى فتحدثوا بما كانوا يتحدثون حتى دار الحديث
عليهم واحدا واحدا.
( حسر البرنس ) أى كشفه ونحاه عن رأسه، لتتضح شخصيته ويهتم بكلامه.
( ولا أريد أن أخبركم) قيل ((لا)) زائدة، والمعنى وأريد أن أخبركم، وقيل: ليست زائدة،
والمعنى أنبئكم، ولا أريد أن أخبركم عن نبيكم ولا، بل أريد أن أعظمه، وأخبركم بكلام من عند نفسى،
والتأويل الأول أقرب.
( بعث بعثا من المسلمين إلى قوم من المشركين ) والمراد من البعث السرية من قبيل
التوسع فى الإطلاق، والمراد من القوم المشركين: الحرقات من جهينة.
(وأنهم التقوا ) الضمير للبعث وللقوم، أى وإن الفريقين التقوا، أو البعث باعتبار أفراده، أى
وإن البعث التقوا بالقوم المشركين والأول أظهر.
( فكان رجل من المشركين ) ((كان)) تامة و))رجل)) فاعلها، والمراد من الرجل مرداس.
(وإن رجلا من المسلمين قصد غفلته) بالفاء بعد الغين، وفى روَايَةٍ: ((غيلته)) بالياء
بعد الغين.
( وكنا نحدث أنه أسامة) («نحدث)) بضم النون وفتح الحاء وتشديد الدال المفتوحة.
( فلما رفع عليه السيف ) وفى بعض الأصول ((فلما رجع عليه السيف)).
قال النووى: وكلاهما صحيح، ((والسيف)) منصوب على الروايتين، فرفع لتعديه، ((ورجع)) يستعمل
لازما ومتعديا، والمراد هنا المتعدى. وذكر رفع السيف عليه هنا مع أنه قد سبق فى الرواية الثانية
((وطعنته برمحى حتى قتلته» مشكل.
رفع الحافظ ابن حجر هذا الإشكال باحتمال أنه رفع عليه السيف أولا، فلما لم يتمكن من ضربه
بالسيف طعنه بالرمع.
( فجاء البشير إلى النبى ) البشير هو الرسول الذى يسبق الغزاة ليبلغ الخبر.
( فدعاه فسأله ) أى دعا أسامة فسأله عما بلغه به البشير، فاعترف أسامة. واختلاف العبارة
فى الروايات تثير إشكالا، ذلك أن الرواية الأولى تصرح بأن أسامة هو الذى ذكر ذلك للنبي و﴿ ..
والرواية الثانية والثالثة تفيد أن التبليغ لم يكن من أسامة، وللجمع. قال النووي: يحتمل أن يجمع
٣٢٣
بينهما بأن أسامة وقع فى نفسه من ذلك شىء بعد قتله ونوى أن يسأل عنه، فجاء البشير فأخبر به
قبل مقدم أسامة، وبلغ النبى # أيضا بعد قدومهم، فسأل أسامة فذكره، وليس فى قوله: ((فذكرته))
مايدل على أنه قاله ابتداء قبل تقدم علم النبى { 17 به، والله أعلم.
فقه الحديث
قال ابن رشد: قتل أسامة الرجل ليس من العمد الذى فيه الإثم، ولا من الخطأ الذى فيه الدية
والكفارة، وإنما هو عن اجتهاد تبين خطؤه، ففيه لأسامة أجر واحد، ولو أصاب لكان له أجران، وإنما
عنفه صلى الله عليه وسلم لتركه الاحتياط، فإن الأحوط عدم قتله، قال: ولا يعترض على هذا بأنه
صلى الله عليه وسلم أدى دية الخثعميين الذين قتلهم خالد، وقد اعتصموا بالسجود، ولا بقوله - حين
قتل خالد أيضا بنى جذيمة وهم يقولون: صبأنا، صبأنا - اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد، لأن
خالدا اجتهد وأخطأ كأسامة، وإنما أدى النبى # الدية تفضلا واستئلافا لغيره، وعنف بذلك القول
خالدا بترك الأحوط أيضا، فإن الأحوط أن يقف حتى يعلم ما معنى صبأنا. ومما لا شك فيه أن
أسامة اجتهد وتأول، سواء قلنا إنه ظن أن الرجل قالها خوف السلاح فقط كما اعتذر هو بذلك، أو قلنا
كما قال الخطابي: لعل أسامة تأول قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنًا ﴾ [غافر: ٨٥]
قال الحافظ ابن حجر: كأنه حمل نفى النفع على عمومه دنيا وأخرى، وليس ذلك المراد، والفرق بين
المقامين أن فى مثل تلك الحالة ينفعه نفعا مقيدا بأنه يجب الكف عنه حتى يختبر أمره، هل قال
ذلك خالصا من قلبه؟ أو خشية من القتل؟ وهذا بخلاف ما لوهجم عليه الموت، ووصل خروج الروح
إلى الغرغرة وانكشف الغطاء، فإنه إذا قالها لم تنفعه بالنسبة لحكم الآخرة، وهو المراد من الآية،١هـ
نقول: لا شك أن أسامة اجتهد وتأول بهذا التأويل أو بذاك، ولهذا التأويل سقط القصاص عنه
باتفاق، ولكن البعيد فى قول ابن رشد أن تعنيف النبى : إنما كان لترك الأحوط، وأنه لا تبعة على
أسامة، لا من حيث الدية، ولا من حيث الكفارة، فجمهور العلماء على أن الدية والكفارة لا تسقط فى
مثل الحالة، لكن هل ألزمه الرسول # إياها أو لم يلزمه؟ قال الداودى: لعله ألزمه وسكت الرواة عنه
لعلم السامع، أو كان ذلك قبل نزول آية الدية والكفارة.
وقال القرطبى: حقا لايلزم من السكوت عنه عدم الوقوع لكن فيه بعد، لأن العادة جرت بعدم
السكوت عن مثل ذلك إن وقع. ثم قال: فيحتمل أنه لم يجب عليه شىء لأنه كان مأذونا له فى أصل
القتل فلا يضمن ما أتلف من نفس، أو مال، كالخاتن والطبيب، أو لأن المقتول كان من العدو، ولم
يكن له ولى من المسلمين يستحق ديته، قال: وهذا يتمشى مع بعض الآراء، أو لأن أسامة أقر بذلك ولم
تقم بذلك بينة، والعاقلة لا تحمل بالاعتراف، ولم يكن عند أسامة مال يدفع منه.
قال: ولم أرمن اعتذر عن سقوط الكفارة، فلعلها أيضا لم تكن شرعت، والتأويل وإن أسقط
القصاص لم يسقط التوبيخ كما وقع، ولا العقوبة فى الآخرة، بدليل قوله صلى الله عليه وسلم: ((كيف
٣٢٤
تصنع بلا إله إلا اللَّه إذا جاءت يوم القيامة))؟ أى فبم تجيب إذا قيل: لم قتلت من قال: لا إله إلا
اللَّه؟ ولذا لم يقبل عذره. اهـ
ويؤخذ من الحديث
١- أن الأحكام يعمل فيها بالظاهر والله يتولى السرائر.
٢- استدل بفعل جندب من جمع النفر ووعظهم أنه ينبغى للعالم والرجل العظيم المطاع وذى الشهرة
أن يسكن الناس عند الفتن، ويعظهم ويوضح لهم الدلائل.
٣- استدل به بعضهم على أن من تمنى أنه لم يكن أسلم قبل اليوم لا يكفر لأنه جازم بالإسلام فى
الحال والاستقبال، وفى هذا الاستدلال نظر، لأن أسامة لم يرد أنه تمنى ألا يكون مسلما قبل ذلك،
وإنما قصد الإشعار بأنه استصغر ما سبق له قبل من عمل صالح فى مقابلة هذه الفعلة لما سمع
من الإنكار الشديد، فهو إنما أورد ذلك على سبيل المبالغة لا على سبيل التمنى حقيقة.
٤- وفى الحديث جواز اللوم والتعنيف والمبالغة فى الوعظ عند الأمور المهمة.
٥- قال القرطبى: فى تكريره صلى الله عليه وسلم والإعراض عن قبول العذر زجر شديد عن الإقدام على
مثل ذلك.
٦- قال بعضهم: يؤخذ من قوله: ((أفلا شققت عن قلبه حتى تعلم أقالها)» إلخ إثبات كلام النفس.
والله أعلم
٣٢٥
(٥٨) باب من حمل علينا السلاح فليس منا
١٦٧ - ١٢١ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمَا(١٦١)؛ أَنَّ النَّبِيِّ ◌ِ﴿ قَالَ: «مَنْ حَمَلٌ عَلَيْنًا
السِّلاحَ فَلَيْسَ مِنَّا ».
١٦٨- ١٦٢ عَنْ إِيَاسِ بْنِ سَلَمَةٌ(١٦٢)، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ الْنِّيِّ ◌ِ﴿ قَالَ: «مَنْ سَلَّ عَلَيْنًا
السَّيْفَ فَلَيْسَ مِنْا».
١٦٩ - ١٦٣- عَنْ أَبِي مُوسَى﴾(١٦٣) عَنِ النّبِيِِّ ﴿ قَالَ: «مَنْ حَمَلَ عَلَيْنَا السِّلاحُ
فَلَيْسَ مِنًا ».
المعنى العام
كم حذر رسول اللّه من الفتن، وكم نفر من مقاتلة المسلم للمسلم، وكم قال: «ويل للعرب من
شرقد اقترب)». «إنى لأرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر». «لايحمل بعضكم السلاح على
بعض)». «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار)). «من حمل علينا السلاح فليس
منا)). ((من سل علينا السيف فليس منا)». «لاترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض».
ولم يغن حذر من قدر، ووقعت الفتن كالليل المظلم، وتقاتل المسلمون حتى قتل منهم فى معركة
واحدة أكثر من عشرة آلاف مسلم، وقتل فى مجموع معارك على # أكثر من سبعين ألف مسلم، قتلوا
جميعا بأيد مسلمة.
كان لكل منهم وجهة نظر، بناها على اجتهاد واستنباط من دليل، ولا شك أن البعض مخطئ،
والبعض مصيب، ولكن تحديد المخطئ والمصيب مشكل. ولا نقول إلا أن الجميع أصحاب رسول الله
* وأمرهم إلى الله، وكل ما يعنينا من الحديث أنه أوعد وهدد وحذر وأنذر، وأدى صلى الله عليه وسلم
الرسالة، وبلغ الأمانة ونصح الأمة، وشهد الله بذلك والملائكة وأولو العلم، فصلى الله عليه وعلى آله
وأصحابه وسلم ومن اهتدى بهديه إلى يوم الدين، ووقانا فتنة لاتصيبن الذين ظلموا خاصة، إنه على
كل شىء قدير.
(١٦١) حَدََّتِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَمُحْمَّدُ بْنُ الْمُتَّى قَالا حَدْنَا يُخْتِى وَهُوَ الْقَطَانُ ح وَحَدَّقَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدْنَا أَبُو أُسَامَةً
وَابْنُ نُمَيْرٍ كُلُّهُمْ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنٍ عُمَّرَ
(١٦٢) حَذََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ وَابْنُ نُمَيْرٍ فَالا حَدَّثَنَا مُصْعَبٌ وَهُوَ ابْنُ الْمِقْدَامِ حَذْقَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ عَنْ إِيَاسِ
(١٦٣) حَدََّا أَبُو بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بَرَّادِ الأَشْعَرِيُّ وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالُوا حَدَّنَا أَبُو أُسَامَةً عَنْ بُرَيْدٍ عَنْ أَبِي
بُرْدَةً عَنْ أَبِي مُوسَى
٣٢٦
المباحث العربية
( من حمل علينا السلاح ) الحمل كناية عن المقاتلة أو القتل، للملازمة الغالبة، وليس المراد
مطلق الحمل، بقرينة قوله)) علينا)) والمراد من السلاح أى نوع من أنواع الإيذاء والقتال، سواء كان
سيفا كما جاء فى الرواية الثانية، أو عصا أو مدية أو نبلا، كما جاء فى حديث أبى هريرة عند أحمد
«من رمانا بالنبل)).
(فليس منا) الضمير للرسول: والمسلمين، والمعنى ليس من المسلمين الكاملين
فى الإسلام المتبعين سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وقيل: ليس من أهل سنتنا، ففى
الكلام مضافان محذوفان.
( من سل علينا السيف ) سل السيف إخراجه من غمده، والمراد رفعه فى وجه المسلمين.
فقه الحديث
لما كان أهل السنة لا يكفرون المسلم بالمعاصى غير الشرك فإنهم لا يكفرونه بقتال أخيه المسلم
ولا بقتله ما دام لا يعتقد حل ذلك. ولهم فى معنى هذا الحديث ونحوه عدة وجوه منها:
١- أنه محمول على المستحل بغير تأويل، وكل مستحل للكبيرة المعلوم حرمتها من
الدين بالضرورة كافر، ويكون معنى الحديث: من حمل السلاح على المسلم مستحلادمه
بغيرحق فليس من المسلمين.
٢- أن معناه فليس على طريقنا، أوليس متبعا لطريقنا، لأن من حق المسلم على المسلم أن
ينصره ويقاتل دونه، لا أن يرعبه بحمل السلاح عليه لإرادة قتاله أو قتله.
٣- وقد توقف كثير من السلف عن تأويله، وحملوا على من أوله التأويل السابق، وكان
سفيان بن عيينة - رحمه الله- يكره قول من يفسره: بليس على هدينا، ويقول: بئس هذا
القول، ويأمر بالإمساك عن تأويله ليكون أبلغ فى الزجر، لما يوهمه من بعد فاعل ذلك عن
الإسلام وعدم اندراجه تحت لواء المسلمين.
والحديث يعلق الحكم على حمل السلاح وسل السيف، سواء باشربه الضرب أو قصد به
الإزعاج والتخويف ونشر الرعب، وإن كان إثم الأخير دون إثم المباشر للضرب، وإثم المقاتل
من غير قتل دون القاتل.
بل لقد وردت أحاديث تنهى عن حمل السلاح ولو لعبا وهزلا، ففى البخارى: «لايشير أحدكم على
أخيه بالسلاح، فإنه لا يدرى لعل الشيطان ينزع فى يده، فيقع فى حفرة من النار)» وفى الترمذى ((من
٣٢٧
أشار إلى أخيه بحديدة لعنته الملائكة)) ولأحمد ((مررسول اللَّه * بقوم فى مجلس يسلون سيفا
يتعاطونه بينهم غير مغمود، فقال: ألم أزجر عن هذا؟ لعن الله من فعل هذا، إذا سل أحدكم سيفه،
فأراد أن يناوله أخاه فليغمده، ثم يناوله إياه)). قال ابن العربى: إذا استحق الذى يشير بالحديدة
اللعن فكيف الذى يصيب بها؟.
قال الحافظ ابن حجر: وإنما يستحق اللعن إذا كانت إشارته تهديدا سواء أكان جادا أم لاعبا،
وإنما أوخذ اللاعب لما أدخله على أخيه من الروع، ولما يخاف من الغفلة عند الإشارة فيحصل الإيذاء
من غير قصد، ولا يخفى أن إثم الهازل دون إثم الجاد.
وهذا الحديث يفرض علينا تساؤلا عن موقف الصحابة حين قاتل بعضهم بعضا فى موقعة الجمل
وصفين وغيرهما، هل كانوا يجهلون هذه الأحاديث ووعيدها؟ أو أقدموا وهم يعلمونها ويؤولونها؟
بسط القول على هذا التساؤل سيأتى إن شاء الله فى كتاب الفتن، وخلاصته أن
الصحابة كانوا - كما نعلم- ثلاث فرق: فرقة مع على طلبه، وفرقة مع خصومه، وفرقة توقفت
وفرت من الفتنة ولم تدخل المعارك.
أما الفرقة الأولى: فقد حملت الحديث على البغاة وعلى من بدأ بالقتال ظالما، أما من قاتل
البغاة من أهل الحق فإنه لا يتناوله الوعيد المذکور.
وأما الفرقة الثانية: فقد حملته على الذين يقاتلون من غير تأويل واجتهاد، أو من قصر نظره عن
معرفة صاحب الحق، أو الذين يقاتلون لطلب الدنيا والملك، أما الذين يحملون السلاح لنصرة الحق
فإنه لايتناولهم الوعيد المذكور.
قال الطبرى فى تبرير موقف هاتين الفرقتين: لو كان الواجب فى كل اختلاف يقع بين المسلمين
الهرب منه بلزوم المنازل وكسر السيوف لما أقيم حد، ولما أبطل باطل، ووجد أهل الفسوق سبيلا إلى
ارتكاب المحرمات، وإلى أخذ الأموال، وسفك الدماء، وسبى الحريم، بأن يحاربوهم ويكف المسلمون
أيديهم عنهم، بأن يقولوا: هذه فتنة، وقد نهينا عن القتال، وهذا مخالف للأمر بالأخذ على أيدى
السفهاء. اهـ
وأما الفرقة الثالثة: فقد أحست أن هذا النذير شامل لرفع السلاح على المؤمن أيا كان دافعه، ما
دام بغير الثلاث الواردة؛ النفس بالنفس، والثيب الزانى، والمفارق لدينه التارك للجماعة.
وقد اختلفت هذه الفرقة فى طريقة العمل، فقالت طائفة بلزوم البيوت، وقالت طائفة بالتحول
عن بلد الفتن أصلا، ثم اختلفوا: فمنهم من قال، إذا هجم عليه شىء من ذلك يكف يده ولو قتل، ومنهم
من قال: بل يدافع عن نفسه وعن ماله وعن أهله، وهو معذور إن قتل أو قتل.
وظاهر الحديث مع هذه الفرقة، بل تؤيدهم أحاديث كثيرة فى الفتن، منها مارواه البخارى
(«ستكون فتنة، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشى، والماشى فيها خير من
الساعى، من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به))، وما رواه مسلم (فإذا نزلت فمن
٣٢٨
كان له إبل فليلحق بإبله، قال رجل: يا رسول الله. أرأيت من لم يكن له؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق
على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع))، وما رواه أحمد من حديث ابن مسعود فى ذكر الفتنة: ((قلت:
يارسول الله فما تأمرنى إن أدركت ذلك؟ قال: كف يدك ولسانك، وادخل دارك، قلت يا رسول اللّه.
أرأيت إن دخل رجل على دارى؟ قال: فادخل بيتك (أى حجرة نومك) قال: أفرأيت إن دخل على
بيتى؟ قال: فادخل مسجدك (وقبض بيمينه على الكوع) وقل ربى الله حتى تموت على ذلك)) وما رواه
الطبرانى ((ليمسك بيده، وليكن عبد الله المقتول لا القاتل».
والحقيقة أنه لوعلم المتقاتلون فى الفتنة هذا المصير الذى صار إليه أمر المسلمين ما تقاتلوا.
سواء فى ذلك منتصرهم ومهزومهم. فقد روى أن عليا# ساربين القتلى بعد انتهاء معركة الجمل،
فأخذ يضرب فخذيه بيديه، وهو يقول: ياليتنى مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا.
هذا، وقد اتفق أهل السنة على وجوب منع الطعن على أحد من الصحابة بسبب ما وقع لهم من
ذلك، ولو عرف المحق منهم، لأنهم لم يقاتلوا فى تلك الحروب إلا عن اجتهاد، وقد عفا اللّه تعالى عن
المخطئ فى الاجتهاد، بل ثبت أنه يؤجر أجرا واحدا، وأن المصيب يؤجر أجرين.
فلنمسك عن إدانة هذا أو ذاك، وعن قولنا: لوكان كذا كان كذا وكذا، ولنقل قدر الله وما شاء فعل.
ويؤخذ من الحديث
١- تحريم قتال المسلم وقتله.
٢- وتغليظ الأمر فى ذلك.
٣- وتحريم تعاطى الأسباب المفضية إلى إيذائه.
٤- فيه حجة للقول بسد الذرائع.
٥- فى الحديث حجة لمن لم ير القتال فى الفتنة، وترك القتال مع على فى حروبه كسعد بن أبى
وقاص وأسامة بن زيد وعبد الله بن عمر ومحمد بن مسلمة وغيرهم.
والله أعلم
٣٢٩
(٥٩) باب من غشنا فليس منا
١٧٠- ١٦٤ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٦٤) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «مَنْ حَمَلٌ عَلَيْنَا السَّلاحَ
فَلَيْسَ مِنَّ وَمَنْ غَشْنَا فَلَيْسَ مِنَّا»:
١٧١ - ٠ْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴿(١٠١) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ِهِ مَرَّ عَلَى صُبْرَةٍ طَعَامٍ فَأَدْخَلَ يَدَهُ
فِيهَا فَقَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلا فَقَالَ: «مَا هَذَا يَا صَاحِبَ الطِّعَامِ؟» قَالَ: أَصَابَتْهُ السَّمَاءُ يَا رَسُولَ
اللَّهِ. قَالَ: «أَفَلا جَعَلْتَهُ فَوْقَ الطَّعَامِ كَيْ يَرَاهُ النَّاسُ؟ مَنْ غَشَّ فَلَيْسٌ مِنِّي».
المعنى العام
رعاية لشئون المسلمين، واهتماما بأمورهم، وحرصا على اكتشاف الأخطاء فى معاملاتهم ذهب
رسول اللَّه ◌َ﴿ إلى السوق، وتفقد أحوال البيع والشراء، ورأى بائع حب يجمع كومة من الطعام
(القمح أو الشعير) ليبيعها، وخوفا أن يكون الرجل قد وضع الردىء أسفل من الجيد يخفى عيوبها
أدخل النبى - يده فى جوفها، فأصابت يده بللا، وأحس أن الحب الأسفل مبتل بخلاف الأعلى،
فغضب، معتبرا أن ذلك من غش المسلمين، فقال: ما هذا ياصاحب الطعام؟ قال الرجل: يا رسول
اللَّه. لقد أمطرت السماء، فأصابه المطر، ولا قبل لى بتحاشى البلل، ولا بوقايه الطعام من الماء، فقبل
رسول اللَّه :﴿ عذره ونبهه إلى ماينبغى أن يعمله فى هذه الحالة، وهو أن يخرج الحب المبتل من
أسفل إلى أعلى، فإن جف الأعلى فليخرج مرة ثانية من الأسفل إلى الأعلى، حتى يراه المشترى،
ويكون على بينة من إصابته بالماء، فمن أخفى عيوب سلعته فقد غش، ومن غش فليس على هدى
وسنة سيد المرسلين.
المباحث العربية
( من غشنا ) الضمير للرسول والأمة الإسلامية (أمة الإجابة) وفى الرواية الثانية ((من غش))
بحذف المفعول للتعميم، فيشمل غش الكافرين، وإذا أردنا من الرواية الأولى أمة الدعوة توافقت
الروايتان، والغش عدم تمحيص النصح، يقال: غشه إذا أظهر له خلاف ما أضمره.
( صبرة طعام ) - بضم الصاد وإسكان الباء -: الكومة المجموعة من الطعام فالإضافة بمعنى
(١٦٤) حَدَّا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيُّ ح وحَدَّقْنَا أَبُو الأُخْوَصِ مُحَمَّدُ بْنُ حَيَّانَ حَدَّثَا ابْنُ أَبِي
حَازِمِ كِلاهُمَا عَنْ سُهَيْلٍ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٠٠٠) وحَلََّتِي يَحْتَى بْنُ أَيُّوبٌّ وَقَبِيَّةً وَابْنُ حُجْرٍ جَمِيعًا عَنَّ إِسْمَعِيلَ بْنٍ جَعْفَرٍ قَالَ ابْنُ أَيُّوبَ حَدَّثَنَا إِسْمَعِيلُ قَالَ أَخْبَرَبِي الْعَلَاءُ
عَنْ أَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
٣٣٠
((من)) سميت ((صبرة)» لإفراغ بعضها على بعض، ومنه قيل السحاب فوق السحاب صبر، وقيل: الصبر
الحبس، والطعام المصبور هو المحبوس للبيع.
( أصابته السماء ) أى المطر، مجاز مرسل بعلاقة الحالية والمحلية.
( فليس منى ) أى فليس متبعا سنتى وطريقتى، وفى المراد منه تقال الوجوه الثلاثة التى
مرت فى الحديث السابق ((من حمل علينا السلاح فليس منا)».
فقه الحديث
الظاهر أن صاحب الطعام أخفى الطعام المبلل عمدا إلى الأسفل، لأن المفروض أن المطر يصيب
الأعلى قبل الأسفل، اللهم إلا أن يقال: إن تعرض الطعام للشمس والهواء جفف أعلاه، ويكون للرجل
عذره، وهو صادق، وهو فرض أقرب إلى القبول؛ لأنه لا هدف للبائع من بل الطعام إذا كان سيبيعه
جملة وكذلك إذا كان سيبيعه كيلا، بل إن المبلول فى هاتين الحالتين ينضغط وينكبس، فلا يكون فى
مصلحة البائع، فإن كان سيبيعه وزنا فلا هدف من إخفاء المبلول، لأنه سينكشف عند تجزئته
للميزان، فيكون المشترى بالخيار.
من أجل هذا أميل إلى أن الرجل لم يتعمد إخفاء المبلول مادام من نفس نوع الطعام الأعلى لم
يصبه فساد، غاية الأمر أن المبلول يحتاج إلى نشر وتهوية ليتقى ضرر البلل.
أما أن النبى و اعتبره غشا، ورتب عليه الحكم بأن من غش فليس منى، فهو من قبيل التغليظ،
لأن شأن المؤمن أن ينصح، فإن لم ينصح ويبين لم يبارك له، وعدم بيان البلل قد يجعل المشترى
مطمئنا فيهمل تجفيفه فيفسد، فهو وإن لم يكن فسادا فإنه قد يؤدى إلى الفساد، وهو وإن لم يترتب
عليه نفع للبائع فقد يترتب عليه ضرر للمشترى، من أجل هذا كان فى صورة الغش بالنسبة للمشترى،
فحذر البائع.
ويبدولى أن أثر البلل كان ظاهرا فى كيس الصبرة أو في وعائها أو فى فرشها، مما دفع
الرسول إلى أن يدخل يده فيها، فليس من شأنه صلى الله عليه وسلم أن يدخل يده فى
كل - أوجل- الكومات.
ولعل الرسول 8 راعى كل هذه الأعذار كما راعى أن الرجل لم يتكرر منه هذا الفعل فلم يؤدبه، ولم
يخرجه من السوق ولم يعمل شيئا فى الطعام، وتركه يبيع، واكتفى بالقول.
وقد مثل الأبى للغش أيضا ببيع التين والعنب سللا، وجعل الجيد فى الأسفل وقال: إذا قوى
الخلاف بين الأعلى والأسفل كان للمشترى الرجوع على البائع، لأنه من الغش، وإن لم يقوفلا رجوع
له، إذ ليس من الغش، بل من الغرر اليسير الذى لا تخلو منه البياعات، فصار كالمدخول عليه، وأما ما
يتفق فى المقاطع من جعل طاقة التقليب (ثوب العرض) أحسن فليس من الغش، لأن المشترى لا
يقتصر على تقليبها، نعم هو غش إن كان المشترى ممن يجهل ذلك كالبدوى.
٣٣١
ثم قال: وتحصيل القول فى ذلك أن المغشوش إن تعذر تخليص الغش منه، كالخبز الناقص،
واللبن بالماء، والثوب الخفيف النسيج، والجلد الدنىء الدبغ، فمن كان ذلك بيده يريده لنفسه ترك له،
وإن كان لبيعه، ولم يقصد به الغش، كمن اشتراه ليبيعه، أوكان من صنعته وغلبته الصنعة، أو ذكر
وجها يعذر به، بيع عليه بعد البيان ممن يستعمله لنفسه، أو يوضع عند أمين ليباع على ذلك، وإن قصد
به الغش يؤدب ويخرج من السوق ليرتاح المسلمون منه، وقيل: بحرق الثياب والجلد، واختار بعضهم
أن يحسب ما غش به من نقص كيل أووزن أو غير ذلك من أنواع الغش، ويتصدق به عن أربابه،
ويؤدب بقدر اجتهاد الحاكم.اهـ
وليس الغش قاصرا على البيع والشراء، فإنه كذلك يكون فى الزواج بإبراز المخطوبة القبيحة
الهيئة فى صورة الجميلة، ومن بها عيب فى صورة السليمة، والفقيرة فى هيئة الغنية، والمنحطة خلقيا
فى إطار المهذبة الفاضلة، ثم بإبراز الزوج الخاطب بأنه من ذوى الحسب والنسب والمركز
الاجتماعى المرموق وهوليس على شىء من ذلك.
كما يكون فى الامتحان بإبراز الجاهل فى صورة العالم أمام المصححين وبإبراز المفلسين
والمهملين فى صورة الأذكياء المجدين.
كما يكون فى الوظائف العامة والأعمال الخاصة، وفى كل المعاملات بإخفاء القبح وإبراز الحسن
غير الحقيقى على سببيل التغرير والخداع.
وإنما قرن الغش بالبيع والشراء لأنه أكثر ما يكون فيه، وإذا وجبت نصيحة المسلم
والشفقة عليه، والسعى فيما يعود نفعه عليه، وكف وجوه الأذى عنه، وأن يحب له ما يحب
لنفسه، ويكره له مايكره لنفسه، وجب عليه أن يبين عيوب سلعته لمن يريد شراءها، وفى
ذلك يقول عليه الصلاة والسلام: ((البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما
فى بيعهما، وإن كذبا وكتما محقت بركة بيعهما)).
ويؤخذ من الحديث
١- تغليظ حرمة الغش ووجوب تبيين العيوب عند البيع.
٢- أن واجب أئمة المسلمين تفقد حالهم وأمورهم - ولو فى الأسواق - وأمرهم بالمعروف
ونهيهم عن المنكر.
٣- استدل به بعضهم على أن للإمام أن يذهب إلى السوق بنفسه ليشترى ما يحتاج إليه. بل ذهب
بعضهم إلى أن ذلك مندوب، لأن النبى #. إنما يفعل الأرجح، وفى هذا الاستدلال نظر، إذ ليس
فى الحديث أن الرسول { دخل السوق للشراء، وعلى فرض صحته فقد يفعل الشىء لبيان
الجواز نعم يستدل به على جواز دخول الإمام والولاة وعظماء المسلمين الأسواق، وليس فى ذلك ما
يجرح الكرامة، أو يخل بالمروءة.
والله أعلم
٣٣٢
(٦٠) باب ليس منا من ضرب الخدود
١٧٢- ٦٥ ١ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ﴾(١٦٥) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ :﴿: « لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضّرَبَ
الْخُدُودَ. أَوْ شَقَّ الْجُيُوبَ. أَوْ دَعَا بِدَغْوَى الْجَاهِلِيَّةِ». هَذَا حَدِيثُ يَحْبَى وَأَمَّا ابْنُ نُمَيْرٍ
وَأَبُوبَكْرٍ فَقَالا « وَشَقَّ وَدَعًا » بِغَيْرِ أَلِفٍ.
١٧٣ - لَّ عَنِ الْأَغْمَشِ (١٦٦) بِهَذَا الإِسْنَادِ وَقَالا «وَشَقَّ وَدَعًا»
المعنى العام
إن الله خلق الإنسان هلوعا، إذا مسه الشر جزوعا، وإذا مسه الخير منوعا، لكنه جل شأنه أمره أن
يعالج هذه الطباع بما يتفق وقواعد الشريعة السمحة، ليكون له بذلك الأجر، أمره بالصبر عند البلاء،
والاستسلام للقضاء، كما أمره بالشكر على السراء، والحمد على الرخاء. عند ذلك يكون مؤمناً كاملا،
ويكون حاله خيراً كله، إن أصابه شرصبر فكان له بذلك الأجر، وعوضه الله خيراً، وإن أصابه خير
شكر فكان له بذلك الأجر، وزاده الله فضلاً.
أما الجزء والهلع، والقنوط والتسخط ومظاهر ذلك من لطم الخدود وشق الجيوب والتلفظ بما
يغضب اللَّه، فإنه لا يرد المصاب، ولا يغير الواقع ولا يخفف الآلام النفسية، بل يشعل نار الحزن
والأسى، ويورث غضب الله وسخطه وعذابه.
روى البخارى: أن بنت النبى# أرسلت إليه تقول: إن ابناً لى قبض، فائتنا، فأرسل رسول اللّه
** يقرئ السلام ويقول: إن للَّه ما أخذ، وللَّه ما أعطى، وكل عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب.
هكذا يعلمنا الإسلام الإيمان بالله، والإيمان بالقدر خيره وشره. ولو آمنا بأن أموالنا وأولادنا وديعة
عندنا، بل نحن فى دنيانا وديعة يستردها الله متى شاء، ولا اعتراض على المالك عند استرداده
وديعته، ولا حق لنا فى الهلع على وديعة يأخذها صاحبها، لو آمنا بذلك، وعملنا بمقتضى هذا الإيمان،
لكانت لنا البشرى، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿وَبَشِرْ الصَّابِرِينَ ﴿ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّاللَّهِ
وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ﴿ أُوْلَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْمُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٥-١٥٧].
(١٦٥) حَدَّا يَحْتِى بْنُ يَحْتِى أَخْرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً حٍ وَحَدًَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدْنَا أَبُو مُعَاوِيّةً وَوَكِيعٌ ح وحَذَّقْنَا ابْنُ نُمّيْرٍ
حَدَّا أَبِي جَمِيعًا عَنِ الأَعْمَشِ عَنٍ عَبَّدِ اللَّهِ بْنِ مُرَّةَ عَنٍ مَسْرُوقَ عَنٍ عَبْدِ اللَّهِ
(١٦٦) وَحَدَّنَاَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شََّةً حَدَّفَاَ جَرِيرٌ حِ وخَدََّنَا إِسْخَقُ بْنُ إِنْرَاهِيَمَ وَعَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ فَالا حَدََّا عِيسَى بْنُ يُونُسَ جَمِيعًا
عَنِ الأَعْمَش
٣٣٣
المباحث العربية
( من ضرب الخدود ) الخد: جانب الوجه، وللإنسان خدان، ولعل جمع ((الخدود)» على قول
من يرى أن الجمع فوق الواحد. أو أن الإفراد فى فاعل ((ضرب)) مراعاة للفظ ((من)) والمعنى على
الجمع، فكأنه قال: من ضربوا الخدود، ومقابلة الجمع بالجمع تقتضى القسمة آحاداً، فيؤول المعنى
إلى من ضرب الخد، والمقصود من ضرب الخدود: لطم الإنسان خد نفسه على سبيل الهلع والجزع عند
المصائب، فلا يشمل ضرب الإنسان خد غيره، فهو من قبيل العام المخصوص بحكم العرف، وإطلاق
الخد لأنه الغالب، وإلا فضرب بقية الوجه داخل فى ذلك.
( أوشق الجيوب ) الجيب: ما يفتح من الثوب لإدخال الرأس منه، والمراد بشقه: إكمال
فتحته إلى الآخر، أو زيادتها على وجه الهلع والتسخط.
وفى الرواية الثانية ((وشق الجيوب)) بالواو، وهى بمعنى ((أو)) لأن من فعل واحدة من الثلاث
داخل فى الوعيد، والتبرى يقع بكل واحد من المذكورات، لا بمجموعها.
( ودعا بدعوى الجاهلية ) أى بدعوى أهل الجاهلية كما جاء فى بعض الروايات، والمراد
بالجاهلية: ما كان فى الفترة قبل الإسلام، والمراد بدعواها: ما كانوا يفعلونه من النياحة، وندبة
الميت والدعاء بالويل والثبور، كما سيأتى.
فقه الحديث
قال الحافظ ابن حجر: ليس المراد به (أى بقوله: ليس منا) إخراجه عن الدين، ولكن فائدة
إيراده بهذا اللفظ: المبالغة فى الردع عن الوقوع فى مثل ذلك، كما يقول الرجل لولده عند معاتبته:
لست منك ولست منى أى ما أنت على طريقتى.
وقال ابن المنير: الأولى أن يقال: المراد أن الواقع فى ذلك يكون قد تعرض لأن يهجر ويعرض
عنه، فلا يختلط بجماعة السنة تأديباً له على استصحابه حالة الجاهلية التى قبحها الإسلام.
وقيل: المعنى ليس على ديننا الكامل، أى إنه خرج من فرع من فروع الدين وإن كان معه أصله.
حكاه ابن العربى. قال الحافظ ابن حجر: ويظهرلى أن هذا النفى يفسره التبرى فى رواية البخارى
(برئ منه النبى ﴿)) وأصل البراءة: الانفصال من الشىء، وكأنه توعده بألا يدخله فى شفاعته مثلا.
وقال المهلب: قوله ((أنا برىء)) أى من فاعل ما ذُكروقت ذلك الفعل [أى الموت]، ولم يرد نفيه
عن الإسلام. اهـ
ثم قال الحافظ ابن حجر: وكأن السبب فى تحريم ما ذكر ما تضمنه ذلك من عدم الرضا بالقضاء،
٣٣٤
فإن وقع التصريح بالاستحلال مع العلم بالتحريم، أو تسخط مثلا بما وقع، فلا مانع من حمل النفى
على الإخراج من الدين. اهـ
وأعتقد أن هذه الثلاثة: (ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعوى الجاهلية) إنما قصد بها التمثيل
لا الحصر، لأنها هى التى كانت شائعة فى هذه البيئة آنئذ، فليحق بها ما يجرى فى هذه الأيام فى
بعض البلاد من دهان الوجه بالنيلة واللون الأزرق، وخنق الرقبة بالثياب والإمساك بطرفى الثوب
بين اليدين والولولة به، ورفع التراب على الرأس، ونحو ذلك من مظاهر السخط وعدم الرضا بالقضاء.
وهل يدخل فى ذلك لبس السواد فوق مدة الحداد المشروعة، وترك الشعر بدون حلق، وتحريم أنواع من
الأطعمة ونحوها من مظاهر الحزن؟ الظاهر: لا، وإن كان ذلك مخالفاً للشرع أيضاً.
وقد كانت النياحة فى الجاهلية مظهراً من مظاهر حب الميت وتقديره والاعتزاز به، بل كان
بعض الموتى يوصى بالمبالغة فيها قبل موته، حتى قال طرفة بن العبد:
إذا مت فانعينى بما أنا أهله .. وشقى على الجيب يا ابنة معبد
كما كان النساء يجامل بعضهن بعضاً بالنياحة، وتلتزم الواحدة منهن رد ما قدمت الأخرى من
النياحة عند مصيبتها، فشدد الرسول و النهى عن النياحة، وكان فيما يأخذه على النساء عند البيعة
ألا ينحن. وقال فيما رواه مسلم: ((النائحة إذا لم تتب قبل موتها تقام يوم القيامة وعليها سريال من
قطران ودرع من جرب».
أما البكاء من غير نوح فقد رخص فيه النبى
وقد يظن أن الرثاء، وذكر مآثر الميت ومحامده من المنهى عنه فى قوله: ((ودعا بدعوى الجاهلية)»
وليس الأمر كذلك، لأن المقصود بدعوى الجاهلية ألفاظ الأسى والتحسر التى كانت تصاحب
المصيبة، والصراخ والعويل والندبة والدعاء بالويل والثبور.
لكن مواساة الميت بالحديث الحسن عنه، ويتعداد فضائله، فلا شىء فيه، فقد ورد ((اذكروا
محاسن موتاكم)) على ألا يكون فى ذلك إثارة الشجن، أو بعث الحسرة، أو تجديد الأحزان بعد فوات
الأوان، ولشرح الحديث صلة وثيقة بالحديث الآتى، فليتبع.
والله أعلم
٣٣٥
(٦٠ مكرر) تابع باب ليس منا من ضرب الخدود
١٧٤ - ١٦٧ عَنِ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى(١٦٧). قَالَ: وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجْعًا فَفُشِيَ عَلَيْهِ.
وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ. فَصَاحَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِهِ. فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدُّ عَلَيْهَا شَيْئًا. فَلَمَّا
أَفَاقَ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّا بَرِئٍ مِنْهُ رَسُولُ اللّهِ ﴿ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ وَ﴿ بَرِعَ مِنَ الصَّلِقَةِ
وَالْحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ.
١٧٥- شْ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ وَأَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى(١٠) قَالا: أُغْمِيَ عَلَى أَبِي
مُوسَى وَأَقْلَتِ امْرَأْتُهُ أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ تَصِيحُ بِرَّْةٍ. قَالَ: ثُمَّ أَفَاقَ. قَالَ: أَلَمْ تَعْلَمِي (وَكَانٌ يُحَدِّثُهَا)
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ قَالَ « أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ حَلَقَ وَسَلَقَ وَخَرَقٌ».
١٧٦ - ::: عَنِ أَبِي مُوسَى(١٠٠) عَنِ النّبِيِّ ◌ِ﴿ بِهِذَا الْحَدِيثِ غَيْرَ أَنْ فِي حَدِيثِ عِيَاضٍ
الأَشْعَرِيِّ: « قَالَ لَيْسَ مِنَّا » وَلَمْ يَقُلْ « بَرِيءٌ ».
المعنى العام
مرض أبو موسى الأشعرى وقت أن كان أميراً للبصرة من قبل عمر بن الخطاب، وبلغ به المرض
حد الإغماء والغيبوبة وعدم التيقظ الكامل، وكان فى حجرامرأة من نسائه فاسترخت أعضاؤه،
وثقلت رأسه وأغمض عينيه، وانزعجت امرأته التى أقبلت فى هذه الحالة، فصرخت باكية، ورفعت
صوتها صائحة، وتنبه أبو موسى بعض التنبه لهذا الصياح لكنه لم يستطع أن ينهرها، ولم يقولسانه
على التحرك بكلمة، فلما أفاق وسرى عنه ما كان به من غيبوبة قال لها: ألم أعظك وأعلمك أن النبى
* لعن الصائحة والحالقة شعرها والشاقة جيبها؟ وتبرأ من فعلهن؟ يا هذه، إنى برىء من عاقبة
صياحك، إنى برىء مما تبرأ منه النبى ، ألا هل بلغت، اللهم فاشهد. وانزجرت امرأته، وعوفى
أبو موسى من مرضه، وعاش بعده زمناً طويلا، ﴿ه وأرضاه.
(١٦٧) حَدََّ الْحَكَمُ بْنُ مُوسَى الْقَنْطَرِيُّ حَدََّا يَحْتِى بْنُ حَمْرَةَ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدٌ بْنِ جَابِرٍ أَنَّ الْقَاسِمَ بْنَّ مُخَيْمِرَةً حَدَّهُ
قَالَ حَدََّتِي أَبُو بُرْدَةٌ
(١٠) حَدََّا عَبْدُ بْنُّ حُمَّيْدٍ وَإِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ قَالا أَخْبُرَنَا جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ أَخْبُرَنَا أَبُو عُمَّيْسٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا صَخْرَةً يَذْكُرُ عَنٍ
عَبْدِالرَّحمَنِ بْنِ تَزِيدٌ
(١٠٠) حَدََّا عَبْدُ اللَّهِ بَّنُ مُطِيعٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ عَنٍ حُصِيْنٍ عَنِ عِيَاضٍٍ الأَشْعَرِيِّ عَنِ امْرَأَةٍ أَبِيٍ مُوسَى عَنِ أَبِي مُوسَى عَنِ النّبِيّ ◌ِ ﴾
ح وحَدَّيِهِ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمّدٍ قَالٌّ حَذََّتِي أَبِّيٌّ حَدَّقَاً دَاوُدُ يَّعْنِي ابْنَّ أَبِي هِنْدٍ حَذََّاَ عَاصِمٌ عَنٍ صَفْوَانِ بْنٍ
مُخْرِزٍ عَنِ أَبِي مُوسَى عَنِ النّبِّ ◌َّ حِ وحَدَّقَتِي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْحُلْوَانِيُّ حَدَّقْنَا عَبْدُ الصَّمَدِ أَخْبَرَلَا شُعْبَةٌ عَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنٍ
عُمَّيْرٍ عَنِ رِئْعِيِّ بْنِ حِرَاثٍ عَنِ أَبِي مُوسَى
٣٣٦
المباحث العربية
( وجع أبو موسى وجعا ) وجع - بكسر الجيم -: أصابه وجع وألم. وأبو موسى هو الأشعرى
وقوله: ((وجعاً)) مفعول مطلق مؤكد للفعل، أى وجع وجعا بالغاً.
( فغشى عليه ) بضم الغين وكسر الشين، وفى الرواية الثانية ((أغمى على أبى موسى))
ومعناهما واحد، أى أصابته غيبوبة من شدة المرض.
(ورأسه فى حجرامرأة من أهله) جملة حالية، ((حجر)) بفتح الحاء وكسرها لغتان.
(فصاحت امرأة من أهله) أى صرخت ببكاء، وهذه المرأة غير السابقة، فإن النكرة إذا أعيدت
نكرة كانت الثانية غير الأولى، يؤيده الرواية الثانية ((وأقبلت امرأته أم عبد اللَّه)) فالتى صاحت أم
عبد الله، والتى حملت رأسه في حجرها أم أبى بردة.
( فلم يستطع أن يرد عليها شيئاً ) من الكلام إما لشدة الوجع، وإما لغيبوبته، وهو الأنسب
لقوله: ((فلما أفاق)).
( أنا بريء مما برئ منه رسول اللّه ) أصل البراءة: الانفصال، والمراد منها
هنا التخلى والبعد عن التبعية والإثم، وكان الظاهر أن يقول: ((ممن برئ)» كما قال فى
الرواية الثانية: ((ممن حلق))، قال النووى: كذا هو فى الأصول ((مما)) وهو صحيح، أى من
الشىء الذى برئ منه رسول اللَّه ◌ُ﴾.
( برىء من الصالقة ) وهى التى تصرخ وتصيح، وترفع صوتها بالبكاء عند المصيبة والصالقة
والسالقة - بالصاد والسين- لغتان، ومنه قوله تعالى: ﴿سَلّقُوكُمْ بِأَلْسِنَّةِ حِدَادٍ﴾ [الأحزاب: ١٩] وعليه
صحت الرواية الثانية ((أنا بريء ممن حلق وسلق)) وحكى عن ابن الأعرابى: أن الصلق ضرب الوجه،
والأول هو الذى عليه أهل اللغة.
( والحالقة ) هى التى تحلق شعرها عند المصيبة.
( والشاقة ) هى التى تشق ثوبها عند المصيبة، أى والشاقة جيبها، وهو المراد من الخرق فى
الرواية الثانية، إذ خرق الثوب شقه.
( تصيح برنة ) بفتح الراء وتشديد النون، والرئة: صوت مع البكاء فيه ترجيع.
(ألم تعلمى) مفعولا ((تعلمى)) محذوفان، أى ألم تعلمى ما حدثتك به عن رسول اللَّه وَ ﴿ من
وعيد الصالقة؟ والاستفهام تقريرى أى: أقرى بأنك تعلمين، وأنى علمتك.
( وكان يحدثها ) وكان قبل الإغماء قد حدثها مراراً، فالتعبير بالمضارع للتجدد.
٣٣٧
( أنا بريء ممن حلق ) أى برىء من فعلهن، أو من إثمهن وما يستوجبن من عقوبة، أو من
عهدة مالزمنى بيانه من الحرمة، ويجوز أن يراد به ظاهره، أى أنا منفصل عن فاعل هذه الأمور، ويصح
أن يكون كناية عن الزجر والتحذير من الفعل، كما تقول لابنك: أنا بريء منك إذا فعلت كذا.
فقه الحديث
هذا الحديث أصل عظيم فى النهى عن المنكر، والخروج من تبعة الوقوع فيه، وإذا كان الخلاف
بين العلماء قد بلغ حده فى تأثر الميت ببكاء أهله، وتعذبه بصراخهم بناء على الأحاديث الواردة فى
ذلك، فإنه مما لا شك فيه أن واجب المؤمن تحذير أهله من الوقوع فى المنكر الذى يتوقع منهم أن
يقعوا فيه، وإلا كان عليه تبعة التقصير فى الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر.
ولنعرض لبعض النصوص فى عذاب الميت ببكاء أهله، ثم نعود إلى تحقيق الموضوع:
روى البخارى: تحت باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾
[التحريم: ٦] قال عبد الله بن عمر، إن رسول اللَّه ﴿ قال: ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله)»
وعن عمر: أنه قال: ياصهيب، أتبكى على وقد قال رسول اللَّه ◌ُ :((إن الميت يعذب ببعض
بكاء أهله عليه))؟ وفى رواية أنه قال: ((إن الميت ليعذب ببكاء الحى)) وعن المغيرة ظ له
قال: سمعت النبى 28# يقول: ((من ينح عليه يعذب بما نيح عليه».
وعن ابن عمر عن أبيه - رضى الله عنهما - عن النبى # قال: «الميت يعذب فى قبره
بما نيح عليه».
وروى مسلم: أن حفصة بكت على عمر - حين طعن - فقال: مهلا يا بنية، ألم تعلمى أن رسول الله
** قال: ((إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه))؟
وعن ابن عمر قال: لما طعن عمر أغمى عليه، فصيح عليه، فلما أفاق قال: أما علمتم أن رسول الله
* قال: ((إن الميت ليعذب ببكاء الحى))؟
من مجموع هذه الروايات يفهم أن الميت يعذب ببكاء الحى، وعارضت عائشة فى ذلك، وخصته
بالكافرين، متمسكة بقوله تعالى: ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِرْوَ أُخْرَى﴾ [فاطر: ١٨] ومع أن تفصيل القول فى
هذه المسألة سيأتى فى كتاب الجنائز فحاصل ما يقال فيها:
١- أن البكاء من غير نوح مرخص فيه شرعا، أخذاً بما رواه البخارى أن رسول اللّه وَ﴿ قال: إن اللَّه لا
يعذب بدمع العين، ولا يحزن القلب، ولكن يعذب بهذا - وأشار إلى لسانه - أو يرحم.
وقال عمر حين قيل له إن النساء يبكين. قال: دعهن يبكين على أبى سليمان (يعنى خالد بن
الوليد) ما لم يكن نقع (أى تراب على الرأس) أولقلقة (ترديد صوت النياحة) وإذا رخص فى
البكاء بدون نوح لم يعذب الميت به باتفاق. فتحمل أحاديث التعذيب بالبكاء على النوح.
٣٣٨
٢ - أن النوح وضرب الخدود وشق الجيوب والحلق ونحوها من مظاهر الهلع مذكرات إن أوصى
الميت بها عذب على هذه الوصية باتفاق.
٣- وأن من أوصى بها، ولم يتبرأ منها، وكانت فى حياته من سننه يرضى بها، عذب بعد موته بفعل
أهله لها، وعليه جمهور العلماء، وليست حينئذ من وزر غيره، بل من وزره.
٤- وأن من لم يكن يرضى بها فى دنياه، لكنه أهمل النهى عنها، والتبرى من فاعلها، وهو
يعتقد - أو يظن- أنهم سيفعلونها عذب بفعلها، لأنه أهمل النهى عن المنكر مع القدرة
عليه وتوقع وقوعه، ولعل هذه الأحوال الثلاث (الثانية والثالثة والرابعة) داخلة فى قوله
تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ﴾ [التحريم: ٦] ولعلها المرادة من
أحاديث: يعذب الميت ببكاء أهله، ومن الحديث الذى رواه أحمد مرفوعا ((الميت
يعذب ببكاء الحى، إذا قالت النائحة: واعضداه؟ واناصراه؟ وإكاسياه! جبذ الميت (أى
جذب) وقيل له: أنت عضدها؟ أنت ناصرها! أنت كاسيها؟)).
ورواه الترمذى بلفظ «ما من ميت يموت، فتقوم ناديته، فتقول: وإجبلاه، واسنداه؟ أو
شبه ذلك من القول إلا وكل به ملكان يلهذانه (أى يضربانه بمجمع اليد فى الصدر
والحنك) يقولان له: أهكذا كنت)»؟
٥- أما إذا نهاهم وتبرأ من فعلهم قبل موته، أو كان لا يظن أنهم يفعلون ذلك، فهذا لا مؤاخذة عليه
بفعل غيره، نعم قد يتعذب ويتألم بفعلهم إذا أحس به - وهو يشعر بخفق نعالهم- تألم المؤمن
بسبب فعل غيره للمنكر، ويمكن أن يحمل قول من قال: إن الميت يعذب ببكاء أهله على من كان
له فيه تسبب، ومن قال: إنه لا يعذب ببكاء أهله على من ليس كذلك.
والله أعلم
٣٣٩
(٦١) باب تحريم النميمة
١٧٧ - ١٦٨ عَنِ أَبِي وَائِلٍ عَنِ حُذَيْفَةً عَ﴾(١٦٨) أَنْهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلا يُمُّ الْحَدِيثَ. فَقَالَ
حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ يَقُولُ « لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَمَّامٌ».
١٧٨ - ٩ٍَّ عَنِ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ(١٦٩)، قَالَ: كَانَ رَجُلٌ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ إِلَى الأَمِيرِ. فَكِنًّا
جُلُوسًا فِي الْمَسْجِدِ. فَقَالَ الْقَوْمُ: هَذَا مِمَّنْ يَنْقُلُ الْحَدِيثَ إِلَى الأَمِيرِ. قَالَ: فَجَاءٌ حَتَّى جَلّسَ
إِلَيْنَا. فَقَالَ حُذَيْفَةُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ « لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَّاتٌ)».
١٧٩ - ٠ ١٣ عَنِ هَمَّامٍ بْنِ الْحَارِثِ(١٧٠)، قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا مَعَ حُذَيْفَةٌ فِي الْمَسْجِدِ. فَجَاءً
رَجُلٌ حَتَّى جَلَسَ إِلَيْنَا. فَقِيلَ لِحُذَيْفَةَ: إِنَّ هَذَا يَوْفَعُ إِلَى السُّلْطَانِ أَشْيَاءٌ. فَقَالَ حُذَيْفَةُ، - إِرَادَةً
أَنْ يُسْمِعَةُ -: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِعَ﴿ يَقُولُ: « لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قْتَاتٌ».
المعنى العام
كان حذيفة بن اليمان وأصحابه جالسين فى مسجد الكوفة يتذاكرون ويتدارسون أمورهم، فى
زمن تذمر الناس من ولاة عثمان بن عفان ه، فدخل من باب المسجد رجل عرف بين القوم
بالتجسس للحاكم ونقل أخبار الناس وأحوالهم إليه، فنظر بعضهم إلى بعض ثم نظروا إلى حذيفة
الذى لم يكن يعلم حقيقة الرجل، فأسروا إليه: إن هذا الرجل الداخل جاسوس، يرفع ما يرى وما يسمع
إلى السلطان على طريق الوشاية والإيقاع.
وجاء الرجل، وجلس إليهم، لعله يسمع أو يرى ما ينقله عنهم، ورفع حذيفة صوته بحديث سمعه
عن رسول اللَّه# يقصد به الرجل، ويقصد عظته، ونهيه عن هذا المنكر بأسلوب لطيف غير جارح،
دون مجابهة ولا اتهام، خشية أن تنفر نفسه الأمارة بالسوء وتتأبى النصح، وترد الاتهام، وقد يبلغ
السلطان، مما يسىء القوم، وقد كان هذا شأن الرسول { فى نصحه، لا يواجه المخطئ بخطئه،
وإنما يختار الوقت لعظته، ويطلقها على العموم، فيقول مثلاً: ما بال أقوام يفعلون كذا وكذا؟.
رفع حذيفة صوته بحديث - وكأنه فى سياق كلامه مع أصحابه - فقال: قال رسول اللّه حَ الَ: ((لا
(١٦٨) وَحَدَِّي شََّانُ بْنُ فَرُّوِخَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنٍ أَسْمَاءِ الضََّعِيُّ قَالا حَدْقًا مَهْدِيٌّ وَهُوَ ابْنُ مَيْمُونٍ حَدَّثَنَا وَاصِلٌّ الأَحْدَبُ
عَنٍ أَبِي وَائِلٍ عَنٍ حُذَّيْفَةً
(١٦٩) حَلََّا عَلِيُّ بْنُ خُجْرِ السَّعْدِيُّ وَإِسْحَقُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ قَالَ إِسْحَقُ أَخْرَلَا جَرِرٌ عَنِ مَنْصُورٍ عَنِ إِبْرَاهِيمٌ عَنِ هَمَّامٍ بْنِ الْحَارِثِ
(١٧٠) حَدَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِّي شَيْيَةً حَدْقًا أَبُو مُعَاوِيَّةً وَوَكِعٌ عَنِ الْأَعْمَشِ حِ وَخَذَّقْنَا مِنْجَابُ بْنُ الْحَارِثِ التَّمِيمِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ
أَخْبَرًَا ابْنُ مُسَّهِرٍ غَنِ الأَعْمَشِ عَنٍ إِنْرَاهِيمٌّ عَنٍ هَمَّامٍ بْنِ الْحَارِثِ
٣٤٠