النص المفهرس
صفحات 301-320
المباحث العربية
( مثقال ذرة من كبر) قال ابن عباس فى تفسير قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا
يَرَه﴾ [الزلزلة: ٧] قال: إذا وضعت يدك على الأرض ثم رفعتها فكل واحدة مما لزق من التراب ذرة.
وقيل: هى واحدة الهباء الذى يرى طائرا فى شعاع الشمس الداخل من ثقب.
( قال رجل ) قيل: هو مالك بن مرارة الرهاوى، وقيل: هو عبد الله بن عمرو ابن العاص.
(إن الله جميل) الجميل من البشر هو الحسن الصورة، وحسنها يستلزم السلامة من النقص.
فإطلاقه على الله من باب هذا اللازم، وقيل: معناه جميل الفعال، وقيل: إن معناه أن أمره سبحانه
وتعالى حسن جميل، وقيل: معناه أن له صفات الجمال والكمال، وقيل: جميل بمعنى مجمل، أى جمل
صوركم وأحسن خلقكم.
( يحب الجمال ) أى يحب منكم التجمل فى الهيئة.
( الكبر بطر الحق ) قيل: الكبر العظمة، يقال تكبر بمعنى تعاظم، وقيل: الكبر غير العظمة إذ
الكبر يقتضى متكبرا عليه، والعظمة لا تقتضى متعاظما عليه، فقد يتعاظم الإنسان فى نفسه. والبطر
الإبطال، فمعنى ((بطر الحق)) إبطال الحق والبعد عنه، قال الزجاج: هو التكبر عن الحق فلا يقبله،
وقال الأصمعى: هو الحيدة عن الحق فلا يراه حقا، والأنسب فى الحديث تفسير الزجاج، وأن المراد
إنكار الحق ترفعا وتجبرا.
( غمط الناس ) بفتح الغين وإسكان الميم، ورواه الترمذى ((غمص)» بالصاد بدل الطاء وهما
بمعنى واحد، ومعناه احتقارهم، يقال فى الفعل منه غمطه بفتح الميم يغمطه بكسرها، وغمطه بكسر
الميم يغمطه بفتحها.
(مثقال حبة خردل) ((الخردل»: نبات له حب أسود مقرح صغير جدا يضرب به المثل فى
الصغر بين الحبوب، والواحدة خردلة. وليس المقصود من الذرة حجمها على سبيل الحقيقة، وليس
المقصود من الخردلة وزنها على سبيل الحقيقة، بل المراد منهما المبالغة فى الصغر.
فقه الحديث
تنحصر نقاط الحديث فى خمس:
١ - الكبر ومظاهره.
٢- التجمل فى الهيئة واللباس ومدى موافقته للشرع.
٣٠١
٣- إطلاق لفظ الجميل على الله.
٤- توجيه نفى دخول المتكبر الجنة وتوجيه نفى دخول المؤمن النار.
٥- مايؤخذ من الحديث.
١- أما الكبر فقد نهى اللَّه تعالى عنه بقوله: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الأَرْضَ
وَلَنْ تَبْلُغَ الْجَبَالَ طُولاً﴾ [الإسراء: ٣٧] وبقوله: ﴿وَلا تُصَعِّرّ خَذَّكَ لِلنَّاسِ وَلا تَمْشَ فِي الأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ
اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورِهِ وَاقْصِدْ فِي مَشْئِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتَّكَ إِنَّ أَنكَرَ الأَصْوَاتِ لَصَوْتُ
الْحَمِيرِ﴾ [لقمان: ١٨ - ١٩].
وذكر جل شأنه عاقبة المستكبرين بقوله: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ
أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةٌ أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ ﴾ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ
رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِرْىِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَخْرَى وَهُمْ لا
يُّنْصَرُونَ﴾ [فصلت: ١٥- ١٦].
كما حذر الرسول : من الكبر فى هذا الحديث وفيما رواه مسلم من قوله صلى الله عليه وسلم:
((ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة، ولا يزكيهم، ولا ينظر إليهم، ولهم عذاب أليم: شيخ زان، وملك كذاب،
وعائل مستكبر)» وفيما رواه أيضا فى موضع آخر من قوله صلى الله عليه وسلم: ((بينما رجل يتبختر،
يمشى فى برديه، قد أعجبته نفسه، فخسف اللَّه به الأرض، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة)».
وواجبنا فى هذا المقام تحديد مفهوم الكبر المذموم حتى لا تلتبس به العزة والمحافظة
على الكرامة.
إن الكبر - كما يوضحه الحديث - بطر الحق وغمط الناس، والبطر: الطغيان عند النعمة، بمعنى
عدم التوجه إلى المنعم بالشكر، والاعتداد بالنفس والترفع عن الناس كما قال عاد: ﴿مَنْ أَشَدُّ مِنَّا
قُوَّةٌ﴾؟ والاعتقاد بأنها من صنعه كما قال قارون: ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي﴾ [القصص: ٧٨]
والاغترار بأنها ستدوم. وأنه ما أوتيها إلا لأنه الأحق بهما كما قال صاحب الجنتين حين دخل جنته
وهو ظالم لنفسه: ﴿ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدَّا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةٌ وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَّى رَبِّي لأَجِدَنَّ
خَيْرًا مِنْهَا مُنقَلَبًا﴾ [الكهف: ٣٥-٣٦] إن الكبر هو الترفع عن الناس، سواء كان متمتعًا فعلا بمظاهر
الرفعة، أو كانت أكفه فى التراب، ورأسه فى السماء، لكنه من العائل الفقير أشد قبحا منه من الغنى
صاحب السلطان، بل إن الكبر الإحساس -ولو فى أعماق النفس- بالزهو والخيلاء والترفع عمن حوله
من الناس وإن لم تظهر آثار ذلك فى معاملته لهم، لكنه مع التعالى فى المعاملة أشد قبحا، فهو فى
هذه الحالة يكسب الإثم من اللَّه والمقت من الناس.
فالتواضع المطلوب هولين الجانب لمن يساويك أو لمن هو دونك. أما الاستكانة لمن هو فوقك
فكثيرا ما تكون ضعفا وجبنا وذلة وصغارا.
وأما العزة فهى وضع النفس الموضع اللائق بها، والمحافظة عليها من الضعة وصيانة الكرامة عن
٣٠٢
مواطن الذل والهوان: وفيها يقول اللَّه تعالى: ﴿وَلا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ ومن العزة الترفع على أهل
الكبر، والاعتزاز بالإسلام على أعداء الإسلام.
٢- وليس من قبيل الكبر لبس الجميل من الثياب، وتحسين الهيئة والصورة، ما لم يصحبه عجب
فى النفس، وخيلاء فى الإحساس والشعور، وفى ذلك يقول اللَّه تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي
أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّرْقِ﴾ [الأعراف: ٣٢]. ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلَّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا
وَأَشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا ﴾ [الأعراف: ٣١]. ويقول صلى الله عليه وسلم فيما رواه البخارى ((كلوا واشربوا
والبسوا وتصدقواً فى غير إسراف ولا مخيلة)) ويقول ابن عباس: ((كل ما شئت، والبس ماشئت، ما
أخطأتك اثنتان: سرف أو مخيلة».
نعم وردت أحاديث تنهى عن جر الثياب، لكنها مقيدة بالجر على سبيل الخيلاء، فقد روى
البخارى أن رسول اللَّه ◌َ ﴿ قال: ((لا ينظر الله إلى من جر ثوبه خيلاء)) وقال: ((من جر ثوبه خيلاء لم
ينظر الله إليه يوم القيامة)) فقال أبوبكر: يا رسول الله إن أحد شقي إزارى يسترخى إلا أن أتعاهد
ذلك منه. فقال صلى الله عليه وسلم: ((لست ممن يصنعه خيلاء)).
فالتقييد بجر الثياب خرج مخرج الغالب، والذم موجه إلى البطر والتبختر ولولمن شمر ثوبه، إذ
الحديث الذى معنا يمتدح أن يحب الرجل ثوبه الحسن ونعله الحسنة. قال الحافظ ابن حجر: والذى
يجتمع من الأدلة أن من قصد بالملبوس الحسن إظهار نعمة اللّه عليه مستحضرا لها شاكرا عليها،
غير محتقر لمن ليس له مثله لا يضره ما لبس من المباحات، ولو كان فى غاية النفاسة، فقد أخرج
الترمذى قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده)).
أما من أحب ذلك ليتعظم به على صاحبه فهو المذموم، لما أخرجه الطبرى من حديث على ((إر
الرجل يعجبه أن يكون شراك نعله أجود من شراك صاحبه فيدخل فى قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الدَّارُ
الآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الأَرْضِ وَلا فَسَادًا ﴾ [القصص: ٨٣])).
فمدار الذم الكبر والعجب والخيلاء لا جمال الثوب أو نفاسته، بل إن التجمل والتطيب ولبس
أحسن ما عند المرء من الثياب من مقاصد الشرع الحنيف عند المجتمعات، كالجمع والأعياد ولقاء
الوفود والكبراء، ففى الموطأ ((ما على أحدكم لواتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبى مهنته))! إذ بذلك
تقبل النفوس، وتجتمع القلوب، وتتألف الناس، ويترابط المجتمع، وليست مجالسة نافخ الكير
كمجالسة حامل المسك، فقد أخرج النسائى وأبو داود عن عوف بن مالك عن أبيه أن النبى ﴿ قال له
- ورآه رث الثياب -: ((إذا آتاك الله مالا فلير أثره عليك)) فالسنة أن يلبس المرء ثيابا تليق بحاله من
النفاسة والنظافة ليعرفه المحتاجون للطلب منه مع مراعاة القصد وترك الإسراف، اللهم إلا إذا أثار
هذا اللباس فى الناس مظنة الكبر والخيلاء عند صاحبه فيحسن التخلى عنه لرفع الاتهام، وليست
مظاهر الكبر وبواعثه محصورة فى الثياب وحسن الهيئة، فقد يغتر ويزهو العالم بعلمه، والغنى بماله،
وذو الجاه بجاهه، والقوى بسواعده وعضلاته، وإنما أفضنا فى اللباس لأنه الذى يظهر به
الخيلاء غالبا.
٣٠٣
٣- ولفظ ((جميل)) كما ورد فى هذا الحديث الصحيح ورد أيضاً فى حديث الأسماء الحسنى، وفى
تسمية الله به خلاف، باعتباره ورد بخبر الآحاد، والمختار جواز إطلاقه على اللّه تعالى، ومن العلماء
من منعه. قال إمام الحرمين: ما ورد الشرع بإطلاقه فى أسماء الله تعالى وصفاته أطلقناه، وما منع
الشرع من إطلاقه منعناه، وما لم يرد فيه إذن ولا منع لم نقض فيه بتحليل ولا تحريم، فإن الأحكام
الشرعية تتلقى من موارد الشرع، ولوقضينا بتحليل أو تحريم لكنا مثبتين حكما بغير الشرع. وقال: ثم
لايشترط فى جواز الإطلاق ورود ما يقطع به الشرع (أى الخبر المتواتر) ولكن ما يقتضى العمل وإن لم
يوجب العلم فإنه كاف. اهـ
وقال الإمام النووى: اختلف أهل السنة فى تسمية اللَّه تعالى ووصفه من أوصاف الكمال والجلال
والمدح بما لم يرد به ولا يمنعه الشرع، فأجازه طائفة، ومنعه آخرون إلا أن يرد به شرع مقطوع به، من
نص كتاب الله أو سنة متواترة، أو إجماع على إطلاقه، فإن ورد خبر واحد فقد اختلفوا فيه، فأجازه
طائفة، وقالوا: الدعاء به والثناء من باب العمل، وذلك جائز بخبر الواحد، ومنعه آخرون لكونه راجعا
إلى اعتقاد ما يجوز أو يستحيل على اللَّه تعالى، وطريق هذا القطع.
وقال القاضى عياض: والصواب جوازه لاشتماله على العمل ولقول اللَّه تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الأَسْمَاءُ
الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا ﴾ [الأعراف: ١٨٠].
٤- وأما قوله صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» فقد
اختلف فى توجيهه، فذكر الخطابى فيه وجهين. أحدهما: أن المراد التكبر عن الإيمان، فصاحبه لا
يدخل الجنة أصلا إذا مات عليه. والثانى: أنه لا يكون فى قلبه كبر حال دخوله الجنة، كما قال الله
تعالى: ﴿وَذَرَّعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلُ﴾ [الأعراف: ٤٣، الحجر: ٤٧]. قال النووي: وهذان التأويلان
فيهما بعد، فإن الحديث ورد فى سياق النهى عن الكبر المعروف، وهو الارتفاع عن الناس واحتقارهم
ودفع الحق، فلا ينبغى أن يحمل على هذين التأويلين المخرجين له عن المطلوب، بل الظاهر ما
اختاره القاضى عياض وغيره من المحققين أنه لا يدخل الجنة دون مجازاة إن جازاه. وقيل: معناه أن
هذا جزاؤه لو جازاه، وقد يتكرم بأنه لا يجازيه، بل لابد أن يدخل كل الموحدين الجنة، إما أولا وإما
ثانياً بعد تعذيب بعض أصحاب الكبائر الذين ماتوا مصرين عليها، وقيل: لا يدخلها مع المتقين
الداخلين أول وهلة.
وأما قوله صلى اللَّه عليه وسلم: ((لايدخل النار أحد فى قلبه مثقال حبة خردل من إيمان)) فالمراد
به أنه لا يدخل النار دخول خلود فيها كدخول الكفار، وسيأتى مزيد بحث لهذه النقطة فى الحديث
اللاحق إن شاء الله.
ويؤخذ من الحديث
١- تحريم الكبر وأنه من الكبائر.
٢- ما كان عليه الصحابة من حرص على النظافة والتجمل حتى فى النعل.
٣٠٤
٣- أن حب الثوب الحسن والنعل الحسنة وتجمل الهيئة والصورة ليس من الكبر، ما لم يصحبه ترفع
عن الحق وعن الناس.
٤- جواز إطلاق لفظ الجميل على اللَّه تعالى.
٥- يستدل بقوله: «مثقال حبة خردل من إيمان» على أن الإيمان يزيد وينقص.
والله أعلم
٣٠٥
(٥٥) باب من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة
ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار
١٥٦- ٩٠ْ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ ﴾(١٥٠١) (قَالَ وَكِيعٌ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿؛ وَقَالَ ابْنُ نُمَّيْرٍ
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ،﴿ يَقُولُ) «مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ» وَقُلْتُ أَنَا: وَمَنْ مَاتَ
لا يُشْرِكُ بِاللّهِ هَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ
١٥٧- لَهُ عَنِ جَابِرٍ﴾ (١٥١) قَالَ: آتَى النّبِيِّ ◌َ﴾ِ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! مَا
الْمُوجِبَعَانِ؟ فَقَالَ «مَنْ مَاتَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنّةَ. وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا
دَخَلَ النّارَ».
١٥٨ - ٢°١ عَنِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِي اللَّه عَنْهِمَا(١٥٢)؛ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِلَ﴿ِهِ يَقُولُ «مَنْ
لَقِيَ اللَّهَ لا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَفِيَّهُ يُشْرِكُ بِهِ دَخَلَ النَّارَ».
١٥٩- ٣جْ عَنِ أَبِي ذَرِّ ﴾(١٥٣) عَنِ النّبِيِّ ◌ِ ﴿؛ أَنْهُ قَالَ «أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلام.
فَشْرَنِي أَنَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِكَ لا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ. قُلْتُ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَّرَّقَ؟
قَالَ: وَإِنْ زَنَى وَإِنْ سَرَق».
١٦٠- ١٥٤ عَنِ أَبِي ذَرّ ◌َ﴾(١٥٤) قَالَ: آتَيْتُ النَّبِيِّ ◌ِ﴿ وَهُوَ نَائِمٌ. عَلَيْهِ قَوْبٌ أَنْيَضُ. ثُمَّ
أنْتُهُ فَإِذَا هُوَ نَائِمٌ. ثُمَّ أَثْتُهُ وَقَدِ اسْتَيْقَظَ. فَجَلَسْتُ إِلَيْهٍ. فَقَالَ: «مَا مِنْ عَبْدٍ قَالَ: لا إِلَّةَ إِلا
اللّهُ ثُمَّ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ إِلا دَخَلَ الْجَنَّةَ» قُلْتُ: وَإِنْ زَنّى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَّلَى وَإِنْ
سَرَّقَ» قُلْتُ: وَإِنْ زَلَى وَإِنْ سَرَقَ؟ قَالَ: «وَإِنْ زَّى وَإِنْ سَرَقَ» فَلاَثًا، ثُمَّ قَالَ فِي الرَّابِعَةِ
«عَلَى رَغْمِ أَنْفِ أَبِي ذَرِّ» قَالَ: فَخَرَجَ أَبُو ذَرِّ وَهُوَ يَقُولُ: وَإِنْ رَغِمَ أَنْفٌ أَبِي ذَرِّ.
(١٥٠) حَدَّثّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ ثُمَيْرٍ حَدَّثْنَا أَبِي وَوْكِيعٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ شَقِيقٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ
(١٥١) وحَدَّثَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُوْ كُرَيْبٍ قُّلا حَدََّا أَبُوَ مُعَاوِيّةً عَنِ الأَعْمَشِ عَنِ أَبِي سُفْيَانَ عَنِ جَابٍِ
(١٥٢) وَحَدَّتِي أَبُو أَيُّوَبَ الْغَيْلانِيُّ سُلَيْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَحَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ قَالا حَذََّا عَبَّدُ الْمَلِكِ بْنُ عَمْرٍوَ حَدَّقَّا قُرَّةُ عَنٍ أَيِي
الزُّبَيْرِ حَدَّثَنَا جَابِرٍ
- قَالَّ أَبُو أَيُّوبَّ: قَالَ أَبُوِ الزُّبِيْرِ: عْنِ جَابِرِ
- وحَدَّثَِّي إِسْحَقُ بْنُ مَنْصُورٍ أَخْبُرَنَّا مُغٌَّ وَهُوَ ابْنُ هِشَامٍ قَالَ حَدُّبِي أَبِي عَنِ أَبِيِ الزُّبَيْرِ عَنٍ جَابٍِ أَنَّ نَبِيِّ اللّهِ
* قَالَ بِوْلِهِ.
(١٥٣) وَحَدَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْنِ وَإِبْنُ بَشَّارٍ قَالَ ابْنُ الْمُثْنِى حَدَّقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدًَّا شُعْبَةُ عَنٍ وَاصِلِ الأَحْذَبِ عَنِ الْمَعْرُورِ
ابْنِ سُوَيْدٍ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا ذَرٌ
(١٥٤) حَدَّثَبِي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ خِرَاشٍِ قَالا حَدََّا عَبْدُ الصَّمِّدِ بْنُ عَبْدِ الْوَّارِثِ حَدْثَنَا أَبِي قَالَ حَدَِّي حُسَيْنٌ الْمُعَلِّمُ عَنٍ
ابْنِ بُرَيْدَةً أَنَّ يَحْتَى بْنَ يَعْمُرٌ حَدَّثَّهُ أَنْ أَبَاّ الأَسْوَدِ الدِّيلِيِّ حَدَّثَهُ أَنَّ أَبَا ذَرَّ حَدَّقَةٌ، قَالَ:
٣٠٦
المعنى العام
المؤمن الكيس من جمع بين الخوف والرجاء، يخاف الآخرة ويخاف الخاتمة والمصير وعدل ربه،
ويخاف محاسبته على ما قدمت يداه، واضعا نصب عينيه قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا
يَرَ ﴾ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا یَرَہ﴾ [الزلزلة: ٧-٨]. ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسِ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرِ مُحْضَرًا
وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَّدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ﴾ [آل عمران: ٣٠].
ويرجو رحمة ربه التى وسعت كل شىء، ويطمع فى فضل اللَّه وإحسانه ﴿ وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُهِ ذُو
الْعَرْشِ الْمَحِيدُ﴾ [البروج: ١٤ -١٥].
وقد جاءت النصوص الإسلامية بمجموعة تبعث على الخوف فى نفوس المؤمنين فتدفع إلى
العمل الصالح، وتقوى العزائم وتشحذ الهمم، كقوله جل شأنه: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ ﴾ الَّذِينَ هُمْ عَنِ
صَلاتِهِمْ سَاهُونَ ﴾ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ ﴾ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون، ٤-٧]. ﴿ وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ* الَّذِينَ
إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْقُونَ ﴾ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَرَّنُوهُمْ يُخْسِرُونَ ﴾ أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوتُونَ ﴾
لَيَوْمٍ عَظِيمٍ﴾ [المطففين: ١-٥]. ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَّةٍ لُمَرَّةٍ﴾ الَّذِي جَمَعَ مَالا وَقَدَّدَهُ﴾ٍ يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ
أَخْلََّهُ﴾ِ كَلا ◌َيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ﴾ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ﴾ نَارُ اللَّهِ الْمُوقَّدَةُ﴾ِ الَّتِي تَطَِّحُ عَلَى
الأَفْئِدَةِ﴾ إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُوصَدَةٌ﴾ فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ ﴾ [الهمزة: ١-٩]. ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَا
يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلَ اللَّهِ فَبَشَّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا حِبّاهُهُمْ
وَجُنُوبُهُمْ وَظُّهُورُهَمْ هَذَا مَا كَنَرْتُمْ لأَنَفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْذِرُونَ﴾ [التوبة: ٣٤-٣٥].
ويقول صلى الله عليه وسلم: ((أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار)) ومرصلى الله عليه وسلم
على قبرين فقال: «إنهما يعذبان وما يعذبان فى كبير، أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول وأما
الآخر فكان يمشى بالنميمة بين الناس».
كما جاءت النصوص بمجموعة تنشر الطمع والرجاء فى عفو الله، وتجعل أبواب الجنة مفتوحة
أمام عامة المؤمنين، بل أمام العصاة منهم وتجعل أبواب النار محجوبة عمن يشهد أن لا إله إلا اللّه
وأن محمدا رسول اللَّه. يقول جل شأنه: ﴿قُلْ يَاعِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةٍ
اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾ [الزمر: ٥٣]. ﴿ وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ
ثُمَّ يَسْتَغْفِرْ اللَّهَ يَجِد اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ١١٠]. ويقول تعالى فى الحديث القدسى: «عبدی، لو
أتيتنى بقراب الأرض خطايا ثم لقيتنى لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة».
وهذا أبو ذر يحدثنا فيقول: أتيت النبى 8₪ وعليه ثوب أبيض وهو نائم، ثم أتيته وقد استيقظ،
فقال: ((ما من عبد قال لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة))، واستعظم أبو ذر دخول الجنة
العصاة، ودفعته شدة نفرته من المعاصى أن يقول لرسول اللّه ﴿: أيدخل الجنة من قال لا إله إلا اللّه
وإن زنى وإن سرق؟ وأجابه صلى الله عليه وسلم: نعم يدخل الجنة وإن زنى وإن سرق. وزادت غرابة
٣٠٧
أبى ذر فأعاد: وإن زنى وإن سرق؟ وأعاد الرسول وَل الجواب: وإن زنى وإن سرق، يكرر أبو ذر
استفهام التعجب ثلاثا ويكرر رسول اللَّه جواب الرجاء، ويختم ثالث أجوبته بقوله: على رغم أنف
أبى ذر ويهز أبو ذر رأسه متعجبا، ويخرج ممسكا بأنفه وهو يردد ((على رغم أنف أبى ذر)».
كما جاءت النصوص أيضا بطرف يجمع بين الخوف والرجاء. يقول جل شأنه فى صفة المؤمن:
﴿يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزمر: ٩]. ويقول: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي
الطَّوْلِ لا إِلَّهَ إِلا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [غافر: ٣].
وبهذا يرسم الإسلام الطريق الصحيح، خوف يجعل السابقين لا يأمنون العاقبة، ويدفع عمر بن
الخطاب [وهو المبشر بالجنة وقصورها وحورها] إلى أن يقول: لئن نادى مناد أن كل الناس يدخلون
الجنة إلا واحدا لخشيت أن أكون ذلك الواحد. ويدفع أبا بكر [حبيب حبيب الله] إلى أن يقول: لا
آمن مكر اللَّه ولو كانت إحدى قدمى فى الجنة.
ورجاء يجعل العاصى الذى لم يعمل خيرا قط وعمل عمره بعمل أهل النار حتى لا يكون بينه وبينها
إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيكون من أهل الجنة.
نعم. الطريق الصحيح خوف ورجاء، وعمل وأمل، فمن اقتصر على الخوف وأنكر الرجاء
كان قائطا من رحمة اللَّهِ، يائسا من روح اللَّه، و﴿ إِنَّهُ لا يَنْثَسُ مِنْ تَفْحِ اللّهِ إِلا الْقَوْمُ
الكَافِرُونَ﴾ [يوسف: ٨٧].
ومن اقتصر على الرجاء، وطرح الخوف من اللَّه وحسابه كان جاهلا، مغترا، مستهترا بوعيد اللَّه.
وما أحسن جواب ابن منبه حين قيل له: أليس مفتاح الجنة لا إله إلا الله؟ قال: بلى.
ولكن ليس مفتاح إلا له أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك وإلا لم يفتح لك وما أسنان
المفتاح إلا العمل مع الإيمان.
جعلنا الله من المؤمنين العاملين، الراجين الخائفين، إنه سميع مجيب.
المباحث العربية
( من مات يشرك بالله شيئا) جملة ((يشرك)) حال من فاعل ((مات)) و))شيئا)» مفعول به،
أى يشرك معبودا كالأصنام أو مفعول مطلق، أى إشراكا ما، وفى رواية ((من مات وهو يدعو من دون
الله ندا)) قال القرطبى: الشرك أن يتخذ مع الله شريكا فى الإلهية، لكن صار نفى الشرك بحكم العرف
عبارة عن الإيمان الشرعى.
( وقلت أنا ) الضمير المنفصل تأكيد للمضير المتصل.
( ومن مات) معطوف على محذوف، تقديره: قلت أنا: من مات يشرك بالله شيئا دخل النار،
ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، حاكيا الأولى منشئا الثانية.
٣٠٨
( ما الموجبتان ) بكسر الجيم، أى ما هى الكلمة أو الخصلة الموجبة للجنة؟ والكلمة أو
الخصلة الموجبة للنار؟
( من لقى اللَّه ) أى من مات، كما ورد فى بعض الروايات.
( فبشرنى أنه) ((أن)) وما دخلت عليه فى تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف (وحذف
الجار قبل ((أن)) مطرد) أى فبشرنى بدخول من مات .. الجنة.
( من أمتك ) أى من أمة الإجابة، ويحتمل أن يكون أعم من ذلك، أى من أمة الدعوة.
( قلت: وإن زنى وإن سرق) قال ابن مالك: لابد من تقدير أداة الاستفهام، والتقدير: أو إن
زنى دخل الجنة؟ وقدر غيره: أيدخل الجنة وإن زنى؟ وحذف جواب الشرط مبالغة للعلم به وتتميما
لمعنى الإنكار.
( قال: وإن زنى وإن سرق) جواب الشرط محذوف للعلم به، أى وإن زنى وإن
سرق دخل الجنة.
( على رغم أنف أبى ذر) ((رغم)) بفتح الراء وضمها وكسرها، وقوله: ((وإن رغم أنف أبى ذر)»
هو بفتح الغين وكسرها، ذكره الجوهرى، وهو التراب، فمعنى أرغم اللَّه أنفه ألصقه بالرغام، أى أذله،
ومعنى «على رغم أنف أبى ذر» أى على ذل منه لوقوع الأمر مخالفا لما يريد، وقيل معناه: على كراهة
منه، فهو من قبيل الكناية، أى إطلاق اللفظ وإرادة لازم معناه.
فقه الحديث
قد يبدو لأول وهلة أن موضوع هذا الحديث قد سبق ذكره فى الجزء الأول فى باب ((من مات على
التوحيد دخل الجنة)) ولكن بعد إمعان النظر يتضح أن ذكره هناك كان القصد منه جانب الرجاء،
وإن تعرض هناك بالتبع إلى جانب الخوف، وذكره هنا مقصود منه جانب الخوف وإن كان
سيتعرض لجانب الرجاء على سبيل التبعية.
وقد روينا فى فقه الحديث هناك قوله صلى الله عليه وسلم: ((من كان آخر كلامه لا إله إلا الله
دخل الجنة)) وقوله: ((أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنى رسول اللّه لا يلقى اللَّه بهما عبد غير شاك إلا دخل
الجنة)) وقوله: ((ما من عبد قال لا إله إلا اللَّه ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة)). وقوله لأبى هريرة:
((من لقيت من وراء هذا الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة)). وقوله:
((حرم الله على النار من قال: لا إله إلا الله يبغى بذلك وجه اللّه)).
وقلنا: لما كان موضوع هذه الأحاديث يتعلق بالعصاة من المسلمين كان من الضرورى بيان
المذاهب فى حكمهم، وموقف كل مذهب من هذه الأحاديث ونحوها:
٣٠٩
١- وقد ذهب الخوارج إلى أن المعصية تضر الإيمان، وتجعل صاحبها كافرا مخلدا فى النار، وإن
شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول اللَّه.
٢- وذهب المعتزلة إلى أن العاصى بالكبيرة مخلد فى النار، ولا يوصف بأنه مؤمن ولا بأنه كافر
وإن شهد أن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا رسول اللَّه.
وهذه الأحاديث تدفع هذين المذهبين وتردهما، وحديث أبى ذرالذى معنا قاطع فى إبطالهما،
مبعد تأويلاتهما الزائفة.
٣- وذهب غلاة المرجئة إلى أن مظهر الشهادتين يدخل الجنة وإن لم يعتقد ذلك بقلبه،
وهذه الأحاديث وما معنا هنا وإن كان ظاهرها فى مجموعها يوافقهم لكن فى بعضها ما
يرد عليهم، كقوله: ((غير شاك)) وقوله: ((مستيقنا بها قلبه)) وقوله: «وهو يعلم أن لا إله إلا
اللَّه)) كل هذه النصوص ترد ما ذهبوا إليه، وتوجب اعتقاد القلب، فضلا عن الآيات القاطعة
بأن المنافقين فى الدرك الأسفل من النار.
٤ - وقال بعضهم: إن مجرد معرفة القلب نافعة وإن لم ينطق بالشهادتين، وظاهر قوله فى بعض
الروايات، ((وهو يعلم)) يؤيدهم لكن يعارضهم لفظ ((من كان آخر كلامه)) ولفظ ((من قال)) ولفظ «ما
من عبد قال)) إذ فيها طلب القول. وجمعا بين الأحاديث وجب القول بأنه لاينفع الاعتقاد وحده، ولا
ينفع النطق وحده.
٥- ومذهب أهل السنة - وهو الذى يعنينا، ونحرص على عدم تعارضه مع الأحاديث وهو الذى
نؤمن بأنه الحق -أن العاصى الذى يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول اللَّه مستيقنا بها قلبه،
هو مؤمن وإن ارتكب الكبائر، ومصيره الجنة وإن عوقب بالنار على ذنوبه ويقولون:
بما أن النصوص تظاهرت ودلت دلالة قطعية على أن بعض العصاة المؤمنين يعذبون فإنه ينبغى
ألا تؤخذ أحاديث الباب على ظاهرها ولا على عمومها، وأنه ينبغى أن تحمل محملا يتفق والنصوص
المتظاهرة القطعية.
وللوصول إلى هذه الغاية تعددت توجيهاتهم، فمنهم من قال:
أ - إن هذه الأحاديث كانت قبل نزول الفرائض، وينسب هذا القول إلى ابن المسيب
كما يعزى إلى ابن شهاب قوله: ثم نزلت بعد ذلك الفرائض وأمور نرى الأمر قد انتهى فمن
استطاع ألا يغتر فلا يغتر.
وفى هذا القول نظر. بل قال النووى: إنه ضعيف باطل لأن راوى أحد هذه الأحاديث أبوهريرة، وهو
متأخر الإسلام، أسلم عام خيبر سنة سبع باتفاق، وكانت أحكام الشريعة مستقرة، وكانت الصلاة
وأكثر الواجبات قد تقرر فرضها، ويؤيد النووى فى رد هذا القول ذكر الزنا والسرقة فى حديث أبى ذر.
ب- وقال بعضهم: إن مطلق هذه الأحاديث مقيد بمن عمل عملا صالحاً، لقوله تعالى:
٣١٠
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلا .. ﴾ ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ
مِثْلَّكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلا
يُشْرِكْ بِعِبَادَةٍ رَبِّهِ أَحَدّاً ﴾ [الكهف: ١٠٧-١١٠].
جـ- وقال بعضهم: إن مطلق هذه الأحاديث مقيد بمن شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول
الله، تائبا مقبول التوبة ثم مات على ذلك.
قال بعض المحققين: قد يتخذ من أمثال هذه الأحاديث ذريعة إلى طرح التكاليف وإبطال العمل
ظنا أن ترك الشرك كافٍ، وهذا يستلزم طى بساط الشريعة وإبطال الحدود، وأن الترغيب فى الطاعة،
والتحذير عن المعصية لا تأثير له، فلا ينبغى التمسك بأحاديث الرجاء وحدها لأنه -وقد ثبت كذلك
أحاديث الخوف - يجب ضم بعضها إلى بعض فإنها كلها حينئذ فى حكم الحديث الواحد فيحمل
مطلقها على مقيدها ليحصل العمل بجميع ما فى مضمونها.
د- وقيل: إن أحاديث الباب خرجت مخرج الغالب، إذ الغالب أن الموحد يعمل الطاعات
ويجتنب المعاصى، فكأنه قال: الغالب والشأن فيمن قال: لا إله إلا اللَّه مخلصا أن يدخل الجنة
وتحرم عليه النار.
هـ- وأظهر الأقوال وأحراها بالقبول أن المراد من دخول الجنة فى الأحاديث أنه المآل عاجلا أو
آجلا، من غير دخول النار للبعض وبعد دخول النار للبعض الآخر، من غير دخول النار لمن مات تائبا
مقبول التوبة، أو سليما من المعاصى، أو شمله عفو الله ورحمته، وبعد دخول النارلمن أذنب وأخذ
بذنبه، ففى الحديث: ((من قال لا إله إلا اللَّه نفعته يوما من الدهر، أصابه قبل ذلك ما أصابه)).
قال النووى: مذهب أهل السنة بأجمعهم أن أهل الذنوب فى المشيئة، وأن من مات موقنا
بالشهادتين يدخل الجنة، فإن كان دينا أو سليما من المعاصى دخل الجنة برحمة اللّه، وحرَّم على
النار، وإن كان من المخلطين بتضييع الأوامر أو بعضها، وارتكاب النواهى أو بعضها ومات عن غير
توبة فهو فى خطر المشيئة، وهو بصدد أن يمضى عليه الوعيد إلا أن يشاء الله أن يعفو عنه فإن شاء
أن يعذبه فمصيره الجنة.
وقال الزين ابن المنير: حديث أبى ذرونحوه من أحاديث الرجاء التى أفضى الاتكال عليها
ببعض الجهلة إلى الإقدام على الموبقات، وليس هو على ظاهره، فإن القواعد استقرت على أن حقوق
الآدميين لا تسقط بمجرد الموت على الإيمان، ولكن لا يلزم من عدم سقوطها ألا يتكفل الله بها عمن
يريد أن يدخله الجنة، ومن هنا رد رسول اللّه﴿ على أبى ذراستبعاده.
والحديث الأول (حديث ابن مسعود) وقع كذلك فى أصول صحيح مسلم وصحيح البخارى
((وقلت أنا: ومن مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة)) ووجد فى بعض أصول مسلم المعتمدة عكس
هذا قال رسول اللَّه :﴿:((من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، وقلت أنا: ومن مات يشرك بالله
شيئا دخل النار)».
٣١١
قال الحافظ ابن حجر: والصواب رواية الجماعة (أى الرواية الأولى) لأن جانب الوعيد ثابت
بالقرآن، وجاءت السنة على وفقه، فلا يحتاج إلى استنباط، ولا يصح أن يقول فيه: وقلت أنا:
فالمرفوع الوعيد والموقوف الوعد.
والظاهر أن ابن مسعود استنبط جملة الوعد (وهو لم يسمعها) من جهة أنه ليس إلا جنة أونار،
فإذا انتفت إحداهما وجبت الأخرى. وقال القاضى عياض: لم يسمع ابن مسعود من النبى الا إلا
إحداهما، وضم إليها ما علمه من كتاب الله تعالى ووحيه، أو أخذه من مقتضى ما سمعه من النبى
*. اهـ ومعنى هذا أن ابن مسعود لم يسمع الرواية الثانية المذكورة فى حديثنا (رواية جابر) التى
ذكرت اللفظين.
قال الإمام النووى: وهذا الذى قاله القاضى عياض فيه نقص حيث إن اللفظين قد صح رفعهما
من حديث ابن مسعود، فالجيد أن يقال: سمع ابن مسعود اللفظين من النبى { ولكنه فى وقت
حفظ إحداهما وتيقنها عن النبى 18 ولم يحفظ الأخرى. فرفع المحفوظة وضم إليها الأخرى، وفى
وقت آخر حفظ الأخرى، ولم يحفظ الأولى مرفوعة فرفع المحفوظة وضم الأخرى إليها، فهذا جمع
ظاهر بين روايتى ابن مسعود، وفيه موافقة لرواية غيره فى رفع اللفظين.
قال الحافظ ابن حجر تعقيبا على قول النووى: هذا الذى قاله محتمل بلا شك، لكن فيه بعد مع
اتحاد مخرج الحديث، فلو تعدد مخرجه إلى ابن مسعود لكان احتمالا قريبا. اهـ
وحكمه صلى الله عليه وسلم على من مات يشرك بالله شيئا بدخول النار هو على عمومه بإجماع
المسلمين، فيدخلها ويخلد فيها، ولا فرق بينه وبين الكتابى (اليهودى والنصرانى) وبين عبدة الأوثان
وسائر الكفرة، ولا فرق عند أهل الحق بين الكافر عنادا وغيره، ولا بين من خالف ملة الإسلام وبين من
انتسب إليها، ثم حكم بكفره لجحده مايكفر جحده وغير ذلك. ذكره النووی.
والحكمة فى اقتصار أبى ذر على الزنا والسرقة من بين الكبائر الإشارة إلى جنس حق اللَّه تعالى
وحق العباد، وكأن أبا ذراستحضر قوله صلى الله عليه وسلم: ((لايزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن،
ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن)) لأن ظاهره معارض لظاهر هذا الحديث كما أنه ثبت لديه
الوعيد بدخول النار لمن عمل بعض الكبائر، وبعدم دخول الجنة لمن عمل بعض الكبائر أيضا، فلهذا
استغرب الحكم ووقع منه الاستفهام.
ويؤخذ من الحديث
١- أن أصحاب الكبائر من المؤمنين لا يخلدون فى النار.
٢- أن غير الموحدين لا يدخلون الجنة.
٣- ومن الرواية الخامسة يؤخذ استحباب لبس الثوب الأبيض، وقد أخرج أحمد ((عليكم بالثياب
٣١٢
البيض فالبسوها فإنها أطيب وأطهر» وفى رواية: (فإنها من خير ثيابكم) وفائدة وصف أبى ذر
لثوب النبى # وقوله: ((أتيته وهو نائم)) ((ثم أتيته وقد استيقظ)» الإشارة إلى استحضاره القصة
بما فيها ليدل ذلك على إتقانه لها.
٤- وفيه المراجعة فى العلم بما تقرر عند الطالب فى مقابلة مايسمعه مما يخالف ذلك.
٥- وفيه تقوى أبى ذر، واستعظامه المعاصى، وشدة نفرته من معصية اللَّه وأهلها، وليس
فيه كراهة أبى ذرلدخول العاصى الجنة، ولا ممانعة منه لذلك، وإنما صور بهذه الصورة
لحرصه على الطاعات.
٦- وفيه أن الطالب إذا ألح فى المراجعة يزجر بما يليق به أخذا من قوله: ((على رغم أنف أبى ذر)».
والله أعلم
٣١٣
(٥٦) باب تحريم قتل الكافر بعد قوله: لا إله إلا اللّه
١٦١ - ١٩٥ عَنِ الْمِقْدَادِ بْنِ الأَسْوَدِّ ◌َ﴾(١٥٥) أنَّهُ قَالَ: يَارَسُولَ اللَّهِ، أَرْأَيْتَ إِ لَقِيتُ رَجُلا
مِنَ الْكُفْارِ. فَقَاتَلَنِي. فَضَرَبَ إِحْدَى يَدَيَّ بِالسَّيْفِ فَقَطَعَهَا. ثُمَّ لاذَ مِنِّي بِشَجَرَةٍ، فَقَالَ:
أَسْلَمْتُ لِلّهِ. أَفَأَقْتُلُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا؟ قَالَ رَسُولُ اللّهِلِ﴿: «لا تَقْتُلْهُ» قَالَ فَقُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ قَدْ قَطَعَ يَدِي. ثُمَّ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ قَطَّعَهَا، أَفَأَقْتُلُهُ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ «لا
تَقْتُلُهُ. فَإِنْ قَلْنَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ. وَإِنْكَ بِمَنْزِلِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَتَهُ الَّتِي قَالَ».
١٦٢- ١٩٢٦ وَأَمَّا مَعْمَرٌ(١٥٦) فَفِي حَدِيدِهِ فَلَمَّا أَهْوَيْتُ لِأَقْتُلَهُ قَالَ لا إِلَّهَ إِلا اللّهُ.
١٦٣- ١٢٧ عَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ عَمْرٍو ابْنِ الأَسْوَدِ الْكِنْدِيَِّ﴾(١٥٧) وَكَانٌ حَلِفًا لِيَّنِي زُهْرَةَ،
وَكّانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَذْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﴾ أَنَّهُ قَالَ: يَارَسُولَ اللَّهِ أَرَّأَيْتَ إِنْ لَقِيتُ رَجُلًا مِنَ
الْكُفَّارِ؟ ثُمَّ ذَكَرَ بِمِثْلٍ حَدِيثِ اللَّيْثِ.
المعنى العام
ما أروع سماحة الإسلام، وما أسمى قيمه وتشريعه؛ كلمة واحدة تعصم وتحمى الأموال، وتمحوما
تقدم من سيئات، كلمة واحدة تجب ماقبلها، كلمة «لا إله إلا الله محمد رسول اللَّه)).
لقد كان الكفار يقتتلون مع المسلمين، فإذا دارت الدائرة عليهم، ووجدوا أنفسهم أمام قتل محقق،
وأموالهم وذرياتهم أمام سبى حتمى قالوها فحقنوا بذلك دماءهم وأموالهم وأعراضهم، عملا بقوله صلى
اللَّه عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا اللَّه فقد عصم
منى ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله)).
وعظم هذا الحكم فى نفس المقداد وهو الفارس المغوار، ذو الأنفة والمنعة والشجاعة والإقدام،
ففرع على هذا الحكم مسألة ظن أن حكمها يفلت من هذا الحكم العام فسأل رسول اللّه*، فقال
أخبرنى يا رسول اللّه:
(١٥٥) حَدََّا قَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدََّا لَيْثٌ ح وحَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحِ وَاللَّفْظُ مُتَقَارِبٍ أَخْبَرَنَا الِلَيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عَطَاءِ نْنٍ
يَزِيدَ اللَّيْئِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ عَنِ الْمِقْدَادِ أَبْنِ الأَسْوَدِ أَنَّةَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ قَالَ:
(١٥٦) حَدْقَنَا إِسْحَقُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالاَ أَخْبَرَلَا عَبْدُ الرَّزَاقِ قَالَ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ حٍ وَحَدْقْنَا إِسْحَقُ بْنُ مُوسَى الأَنْصَارِيُّ
حَدََّا الْوَلِيدُ بْنُ مَّسْلِمٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ حٍ وَحَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعَ حَدََّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ جَمِيعًا عَنِ الزُّهْرِيّ
بِهَذَا الإِسْنَادِ أَمَّ الأَوْزَّاعِيَّ وَابْنُ جُرَيْجٍ فَفِي حَدِيثِهِمَا قَالَ أَسْلَمَّتُ لِلَّهِ كَمَّا قَالَ اللَّيْثُ فِي حَدِيثِهِ وَأَمَّا مَعْمَّرٌ
(١٥٧) وَحَدَّثَنِي حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْتَى أَخْبَرَنَا ابْنُ وُّهْبٍ قَالَ أَخْبُرَّلِيٍ يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّقَيِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ الْيْئِيُّ ثُمَّ
الْجُنْدَعِيُّ أَنْ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عَدِيٌّ بْنِ الْخِيَارِ أَخْبَرَهُ أَنَّ الْمِقْدَادِ
٣١٤
لولقيت رجلا من الكفار، فقاتلنى، فقطع إحدى يدى بسيفه، ثم لاذ واعتصم منى بشجرة أو حجر،
فتمكنت منه، فقال: أشهد أن لا إله إلا الله. أسلمت للَّه. أأقتله بعد أن قالها؟ قال رسول اللَّهِعَ﴾: لا
تقتله، قال: يا رسول الله ما قالها إلا بعد أن أهويت سيفى إليه لأقتله، أأقتله؟ قال صلى اللّه عليه
وسلم: لا تقتله. قال: يا رسول اللَّه إنه قطع يدى، أأقتله؟ قال صلى اللّه عليه وسلم: إن قتلته فى هذه
الحالة كنت بمنزلته ومشابها له قبل إسلامه، وكان هو بعد إسلامه مشبها لك قبل أن تقتله فإنك
تكون بعد قتلك له آثما، كما كان هو قبل إسلامه، وإنه يكون بعد قولها نقيا من الآثام كما كنت أنت
قبل قتلك إياه.
المباحث العربية
( عن المقداد ابن الأسود ) المقداد هو ابن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة. هذا نسبه
الحقيقى. تبناه فى الجاهلية الأسود بن عبد يغوث بن وهب بن عبد مناف، فنسب إلى الأسود، وصار
به أشهر وأعرف، فلفظ (ابن) قبل الأسود يكتب بالألف، لأنه ليس واقعا بين علمين متناسلين
ثانيهما أب للأول، ومثله عبد الله بن عمرو ابن أم مكتوم وعبد الله بن أبى ابن سلول، ومحمد بن على
ابن الحنفية، وإسحق بن إبراهيم ابن راهويه، ومحمد بن يزيد (ابن ماجه) بالألف، وأن يعرب
بإعراب الابن المذكور أولا:
فأم مكتوم زوجة عمرو، وسلول زوجة أبى، والحنفية زوجة على وراهويه هو إبراهيم والد إسحق،
وماجه هو يزيد فهما لقبان.
والمقداد من أوائل من أسلم، قال عبد الله بن مسعود
أول من أظهر الإسلام بمكة سبعة، منهم المقداد، وهاجر إلى الحبشة. قاله النووى: وله موقف
مشهود فی بدر.
(أرأيت إن لقيت رجلا من الكفار)، أى أخبرنى، وفى بعض الأصول ((أرأيت لقيت))
بحذف ((إن)). قال النووي: والأول هو الصواب. وفى رواية: ((أرأيت ... إلى لقيت كافرا فاقتتلنا)».
( فضرب إحدى يدى بالسيف فقطعها ) هذا على وجه التمثيل، وقصده أو إحدى رجلى
بالسيف أو بغيره.
( ثم لاذ منى بشجرة ) التجأ إليها واعتصم منى، وذكر الشجرة على سبيل المثال ونحوها.
( أفأقتله ) الفاء مؤخرة من تقديم، وهى فاء جواب الشرط لكون الجملة استفهامية، والأصل فأ
أقتله، فقدمت همزة الاستفهام.
( فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله ) فى معناها أقوال كثيرة تأتى فى فقه الحديث.
٣١٥
( قبل أن يقول كلمته التى قال ) عائد الصلة [مفعول قال] محذوف تقديره: التى قالها.
( فلما أهويت لأقتله ) أى ملت. يقال هويت وأهويت إليه باليد والسيف كلاهما لازم، والهمزة
ليست للتعدية، وقيل: أهويته أملته، وقال بعض أهل اللغة: الإهواء التناول باليد والضرب.
( قال: لا إله إلا اللّه) كناية عن الشهادتين، وقيل: هى وحدها كافية فى الكف عن قائلها.
فقه الحديث
ظاهر سياق هذا الحديث أن الواقعة حصلت للمقداد، وأن رجلا كافرا قد ضرب إحدى يديه
بالسيف فقطعها، لكن قال الحافظ ابن حجر: إن نفس الأمر بخلافه، وإن المقداد سأل عن الحكم فى
ذلك لو وقع؛ وقد استدل به على جواز السؤال عن النوازل قبل وقوعها، وما نقل عن بعض السلف من
كراهة ذلك، محتجين بقوله تعالى: ﴿ لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤُكُمْ ﴾ [المائدة: ١٠١] فإنه
محمول على السؤال عن الأمور التى يندر وقوعها أما ما يمكن وقوعها عادة فيشرع السؤال عنها للتعلم
وتوقى الخطأ فيها. قال ابن العربى: والاحتجاج بالآية على هذا جهل، لأنها إنما هى فيما يسوء
الجواب عنه.
وقد روى البزار عن ابن عباس قال: بعث رسول اللّه # سرية فيها المقداد فلما أتوا القوم
وجدوهم قد تفرقوا وبقى رجل له مال كثير، فقال: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، فقتله المقداد، فقال له النبى
﴿: كيف لك بلا إله إلا اللّه غدا؟ وأنزل اللَّه قوله ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا
تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [النساء: ٩٤].
فإن صحت هذه الرواية - وهى لا تكاد تصح - حمل سؤاله على المراجعة فى نفس الجلسة ظنا
منه أن القتل فى مقابلة قطع اليد جائز، وأن منع القتل بعد لا إله إلا اللَّه حماية للنفس والمال، يشهد
لذلك إعادته السؤال مرتين - متعجبا- عن قاطع اليد، والذى يدعونا إلى هذا الحمل أنه من المستبعد
أن يسمع الحكم بالنهى عن القتل بعد الشهادة ولو تعوذا ثم يفعل نقيضه فيقتل متعوذا.
وليست مراجعة المقداد فى حديثنا من قبيل كراهته للحكم ومما نعته له، بل من قبيل التعجب
والغرابة، لمخالفته ما كان يظن وما كان يتوقع، ووجهة نظره من زاويته معقولة، فقد تستغل (لا إله
إلا اللَّه) الفرار الكفار من سطوة المؤمنين وعقابهم، دون أن يكون لها أصل فى قلوبهم، ووجهة نظر
الإسلام أكثر دقة وفقها، فإن الله وحده هو العالم بالقلوب، وقد أمرنا بالعمل بالظاهر والله
يتولى السرائر.
ولعل المقداد لم يكن سمع حديث ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا اللَّه)) أو لعله فهم
منه «حتى يقولوا لا إله إلا الله)) فى غير تعوذ وفى غير جناية منهم واعتداء. وقد اختلف العلماء فى
٣١٦
المعنى المراد من قوله صلى الله عليه وسلم للمقداد: «فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك
بمنزلته قبل أن يقول كلمته التى قال)).
فذهب المهلب إلى أن معناه: إنك بقصدك لقتله عمدا آثم، كما كان هو بقصده لقتلك آثما، فأنتما
فى حالة واحدة من العصيان. اهـ
ومعناه: إن قتلته كنت آثما كحاله قبل الإسلام، وهو بعد إسلامه صارنقيا كحالك قبل أن تقتل،
فالمشابهة فى مطلق الإثم والنقاء من الإثم لا فى الكفر.
وقيل: المراد إن قتلته مستحلا لقتله بعد سماعك الحكم فأنت بمنزلته قبل أن يسلم، أى فأنت
كافر، وهو بعد قولها مسلم، بمنزلتك قبل أن تقتل، وهذا تأويل بعيد.
وقيل: معناه إنه مغفور له بشهادة التوحيد، كما أنك مغفور لك بشهود بدر. وهذا التأويل أكثر بعدا
من سابقه، فإنه إن صح بالنسبة للجملة الأولى ((فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله)) فإنه لا يصح بالنسبة
الثانية ((وإنك بمنزلته قبل أن يقول كلمته التى قال)).
ونقل ابن التين عن الداودى أنه قال: يفسره حديث ابن عباس الذى رواه البخارى ((قال)): قال
النبى * للمقداد: إذا كان رجل مؤمن يخفى إيمانه مع قوم كفار، فأظهر إيمانه فقتلته، فكذلك كنت
أنت تخفى إيمانك بمكة من قبل».
والمعنى على هذا أنك إن قتلته يحتمل أن يكون بمنزلتك فى مكة، وأنك كنت فى مكة بمنزلته فى
قومه من حيث إخفاء الإيمان.
وقيل: إن هذه العبارة لم يقصد منها معناها الحقيقى، وإنما قصد منها الإغلاظ بظاهر
اللفظ للردع والزجر.
وقال الإمام النووى: أحسن ما قيل وأظهره ما قاله الإمام الشافعى وابن القصار المالكى وغيرهما
أن معناه: فإنه معصوم الدم محرم قتله بعد قوله لا إله إلا الله كما كنت أنت قبل أن تقتله، وإنك بعد
قتله غير معصوم الدم ولا محرم القتل كما كان هو قبل قوله: لا إله إلا الله. قال ابن القصار: يعنى لولا
عذرك بالتأويل المسقط للقصاص عنك. ونحن مع الإمام النووى فى أن هذا المعنى أوضح التوجيهات
وأحراها بالقبول.
ويؤخذ من الحديث
١ - أن (لا إله إلا اللَّه) تعصم الدم، وأن الحكم بالظاهر واجب.
٢ - احتج بقول المقداد، فقال: أسلمت لله، أنه يصح الدخول فى الإسلام بكل ما يدل على الدخول فيه
من قول أو فعل، مما يتنزل منزلة النطق بالشهادتين. وقد حكم النبى 8 بإسلام بنى جذيمة
الذين قتلهم خالد وهم يقولون: صبأنا، صبأنا، ولم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا. فلما بلغ ذلك النبى
٣١٧
* رفع يديه إلى السماء وقال: اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد، ثم وداهم صلى الله عليه وسلم.
قال الحافظ ابن حجر: فى الاستدلال به على صحة إسلام من قال: أسلمت للَّه ولم يزد على ذلك
نظر؛ لأن ذلك كاف فى الكف وحقن الدم فقط، وليس فى الحكم بالإسلام، على أنه ورد فى الطريق
الثانى (فقال: لا إله إلا اللَّه) فيحتمل أن التعبير بأسلمت من تعبير راوى قول المقداد.
٣- جواز السؤال عن النوازل قبل وقوعها وقد تقدم بيانه.
٤- جواز المراجعة فى العلم.
٥- حلم العالم عن السائل.
واللَّه أعلم
٣١٨
(٥٧) باب قتل أسامة لمن قال: لا إله إلا الله
١٦٤- ١٩٨ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِى اللَّهِ عَنْهِمَا (١٥٨) قَالَ: بَعَثْنَا رَسُولُ اللَّهِوَ﴿ فِي سَرِيَّةٍ.
فَصَبْحْنَا الْحُرَقَّاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ. فَأَدْرَكْتُ رَجُلًا. فَقَالَ: لا إِلَّهَ إِلا اللَّهُ فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِي نَفْسِي مِنْ
ذَلِكَ. فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِيِّ ◌َ﴿ِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ «أَقَالَ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ؟» قَالَ قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفًا مِنَ السِّلاحِ. قَالَ «أَفَلا شَقَّقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لا»؟
فَمَا زَالَ يُّكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنْتُ أَنِّي أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذٍ. قَالَ فَقَالَ سَعْدٌ: وَأَنَا وَاللَّهِ لا أَقْتُلُ
مُسْلِمًا حَتَّى يَقْتُلَهُ ذُو الْبُطَّيْنِ [يَعْنِي أُسَامَةً]. قَالَ: قَالَ رَجُلٌ: أَلَمْ يَقُلِ اللَّهُ: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَنِّى
لا تَكُونَ فَِّةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ للَّهِ﴾ [الأنفال: ٣٩]. فَقَالَ سَعْدٌ: قَدْ قَاتَلْنَا حَتَّى لا تَكُون
فِتْنَةٌ. وَأَنْتَ وَأَصْحَابُكَ تُرِيدُونَ أَن تُقَاتِلُوا حَتَّى تَكُونَ فِتْنَةٌ.
١٦٥- ١٩٩ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ بْنِ حَارِفَةَ رَضِي اللَّه عَنْهِمًا(١٥٩) قَالَ: بَعَثْنَا رَسُولُ اللَّهِعَلِ
إِلَى الْحُرَفَةِ مِنْ جُهَيْئَةَ. فَصَبَّخْنَا الْقَوْمَ. فَهَزَمْنَاهُمْ وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلًا مِنْهُمْ.
قَلَمَّا غَثِيْنَاهُ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ، فَكَفَّ عَنْهُ الأَنْصَارِيُّ. وَطَعَنْتُهُ بِرُمْجِي حَتَّى قَتَلْتُهُ. قَالَ فَلَمًّا
قَدِمْنَا. بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيََّ فَقَالَ لِي «يَا أُسَامَةُ أَقْتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ لا إِلَّهَ إِلا اللَّهُ؟» قَالَ قُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا. قَالَ، فَقَالَ: «أَقْتَلْتَهُ بَعْدَ مَّا قَالَ لا إِلَّهَ إِلا اللَّهُ؟» قَالَ فَمَا زَالَ
يُكَرِّرُهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
١٦٦- ٠َّطِ عَنْ صَفْوَاتِ بْنِ مُحْرِزِ (١٦٠)؛ أَنَّهُ حَدَّثَ، أَنَّ جُنْدَبَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيَّ
بَعَثَ إِلَى عَسْعَسِ بْنِ سَلامَةَ، زَمَنَ فِْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ، فَقَالَ: اجْمَعْ لِي نَفَرًا مِنْ إِخْوَالِكَ
حَتَّى أَحَدَِّهُمْ. فَبَعَثَ رَسُولا إِلَيْهِمْ. فَلَمَّا اجْتَمَعُوا جَاءَ جُنْدَبٌ وَعَلَيْهِ بُرْنُسٌ أَصْفَرُ. فَقَالَ:
تَحَدَّثُوا بِمَا كُنْتُمْ تَحَدَّثُونَ بِهِ. حَتَّى دَارَ الْحَدِيثُ. فَلَمَّا دَارَ الْحَدِيثُ إِلَيْهِ حَسَرَ الْبُرْنُسَ
عَنْ رَأْسِهِ. فَقَالَ: إِنِّي أَيْئُكُمْ وَلا أُرِيدُ أَنْ أُخْبِرَكُمْ عَنْ نَبِيَّكُمْ. إِنَّ رَسُولَ اللَّهِعَ بَعَثَ
بَعْثًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ إِلَى قَوْمٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَإِنَّهُمُ الْتَقَوْا فَكّانَ رَجُلٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِذَا
(١٥٨) حَدَّْا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيَةً حَدَّقْنَا أَبُو خَالِدِ الأَخْمَرُ ح وٍحَدَّثَنَا أَبُو كُرِّيْبٍ وَإِسْحَقُ بْنُ إِنْرَاهِيمَ عَنْ أَّبِي مُعَاوِيَةَ كِلاهُمَا عَنٍ
الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي ظِبَِّانٌ عَنْ أُسَامَةً بْنِ زَيْدٍ، وَهَذَا حَدِيثُ ابْنٍ أَبِي شَيْئَةً
(١٥٩) حَدََّا يَغْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا حُصَيْنٌ حَدْقَنَا أَبُوَ ظِبْيَانٌ قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةٌ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ
(١٦٠) حَذََّا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خِرَاشِ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ أَنَّ خَالِدًا الأَْتِجَ ابْنَ أَخِي
صّفْوَانٌ بْنٍ مُحْرِزٍ حَدَّثَ عَنْ صَفْوَانَ بْنٍ مُخْرِزٍ
٣١٩
شَاءَ أَنْ يَقْصِدَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ لَهُ فَقَتَلَهُ. وَإِنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَصَدَ
غَفْلَتَهُ. قَالَ وَكُنَّا نُحَدَّثُ أَنَّهُ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ. فَلَمَّا رَفَعَ عَلَيْهِ السَّيْفَ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ،
فَقَتْلَهُ. فَجَاءَ الْبَثِيرُ إِلَى النّبِيَِّ﴾. فَسَأَلَهُ فَأَخْبُرَهُ. حَتَّى أَخْبَرَهُ خَبَرَ الرَّجُلِ كَيْفَ صَنّعَ.
فَدَعَاهُ. فَسَأَلَهُ. فَقَالَ «لِمَ قَلْتَهُ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوْجَعَ فِي الْمُسْلِمِينَ. وَقْتَلَ فُلانًا
وَفُلانًا. وَسَمَّى لَهُ نَفَرًا. وَإِنِّي حَمَلْتُ عَلَيْهِ. فَلَمَّا رَأَى السَّيْفَ قَالَ: لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ. قَالَ
رَسُولُ اللَّهِ:﴿ «أَقَلْتَهُ؟» قَالَ: نَعَمْ قَالَ «فَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلا إِلَّهَ إِلا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ؟» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! اسْتَغْفِرْ لِي. قَالَ «وَكَيْفَ تَصْنَعُ بِلا إِلَهَ إِلا اللَّهُ إِذَا جَاءَتْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟» قَالَ فَجَعَلَ لا يَزِيدُهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ «كَيْفَ تَصْنَعُ بِلا إِلَّهَ إِلا اللّهُ إِذَا جَاءَتْ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ؟».
المعنى العام
فى رمضان سنة سبع من الهجرة بعث رسول اللّه * سرية بإمارة غالب بن عبد اللّه الليثى
لتأديب بطن من بطون جهينة ولتأمين المسلمين فى الأرض الإسلامية، وكان فى هذه السرية أسامة
بن زيد. فاجأت السرية القوم صباحا فقاتلتهم، وراع المسلمين رجل من المشركين أوجع فى الضرب
وأكثر من قتل المسلمين، ولكن الدائرة سرعان ما دارت على المشركين فانهزموا وفروا، وتعقب أسامة
ورجل من الأنصار هذا المشرك الذى قتل كثيرا من المسلمين حتى أدركاه وأحاطا به، فقال: لا إله إلا
اللَّه لينجو من القتل. وكان معلوماً مشهورا أن من قالها عصم دمه وماله، فكف الأنصارى عن الرجل،
لكن أسامة اعتقد أنه يخادع بها لينجو من السيف، فقاتله بالسيف فاحتمى منه، فطعنه أسامة
برمحه حتى قضى عليه، وذهب البشير بخبر السرية إلى رسول اللّه * وحدثه حديث أسامة وقتيله،
فلما وصل أسامة إلى المدينة سأله رسول اللَّه ◌َ : أقتلته ياأسامة بعد أن قال لا إله إلا اللَّه؟ قال: إنه
قالها خوفا من السلاح. قال له: هل شققت عن حقيقة قلبه ودخيلة نفسه لتعلم أقالها من قلبه أو
خداعا؟ قال: يارسول الله. إنه أوجع فى القتل، وقتل فلانا وفلانا من المسلمين. قال رسول اللَّه ◌ُل﴾
وقتلته بعد أن قال لا إله إلا اللَّه؟ قال أسامة: يا رسول اللَّه استغفرلى. قال: وبم تجيب يوم القيامة
إذا جاءت لا إله إلا الله تطالبك بحقها فى حقن الدم والمال؟ قال استغفرلى يا رسول الله. قال:
وكيف تصنع بلا إله إلا الله إذا جاءت يوم القيامة؟ أعاد أسامة وكرر طلب الاستغفار، لكن رسول
اللَّه ◌ِ* لم يزد على قوله له: كيف تصنع بلا إله إلا اللّه إذا جاءت يوم القيامة؟
وحلف أسامة ألا يقاتل مسلما بعد اليوم، وجاء يوم الفتنة، وقامت الحرب بين على وبعض
المسلمين فى الجمل وصفين، واستنفر على أصحابه، ومنهم أسامة، لكن أسامة أحجم عن مناصرة
على، لا ضنا بنفسه عن على، ولا كراهة له، ولكن كما قال لرسوله: قل له لو كان فى أشد الأماكن هولا
٣٢٠