النص المفهرس
صفحات 281-300
( فأنزل اللَّه تصديقها) هذا من كلام ابن مسعود، أى تصديق هذه الحالة وتلك المراتب. ﴿﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾) المراد من الدعاء النداء أو العبادة أو الاعتقاد. (﴿ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ﴾) المراد من ((التى حرم اللَّه)) قتلها، هى المعصومة، وقوله ((إلا بالحق)) استثناء من عموم الأحوال أى محقين فى قتلها. (﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ﴾) الإشارة إلى كل واحد من الذنوب السابقة، لا إلى مجموعها لأن من يفعل واحدا منها يلق أثاما. (﴿يَلْقَ أَثَّامًا﴾) أى عقوبة، وقيل: ((نكالا» وقيل: جزاء إثمه. فقه الحديث لا خلاف بين أهل الإسلام أن الإشراك بالله أعظم الذنوب على الإطلاق، والجمهور على أن القتل بغير حق أكبر الكبائر بعد الشرك، وأما ما سواهما من الزنا، واللواط، وعقوق الوالدين، والسحر، وقذف المحصنات، والفرار يوم الزحف، وأكل الربا، وغير ذلك من الكبائر، فلها تفاصيل وأحكام ومراتب تختلف باختلاف الأحوال والمفاسد المترتبة عليها. وإذا كان قتل النفس بغير حق يلى الإشراك بالله فأقبحه قتل الابن، لأنه ضد ما جبلت عليه طبيعة الآباء من الرقة، فلا يقع إلا من جافى الطبع، لا سيما إذا كان القتل عن طريق الدفن حيا كما كانوا يفعلون. فذكر الولد قيد فى كون القتل أقبح، وكون الدافع مخافة أن يطعم معك زيادة فى هذا القبح. ولا خلاف فى أن الزنا مطلقا من أقبح وأعظم الذنوب، لكنه قد تلابسه ملابسات تزيد من قبحه، وتضاعف من عقوباته، فمثلا: الزنا بالأم فى الحرم فى الأشهر الحرم غير الزنا بأجنبية فى غير الحرم وفى غير الأشهر الحرم، فللأول عقوبات متعددة (عقوبة كون المزنى بها محرما، بل أقرب المحارم، وعقوبة انتهاك حرمة المسجد الحرام، وعقوبة انتهاك حرمة الأشهر الحرم) ولم يأت الحديث بهذا التنظير لأنه فرضى بعيد الوقوع، وإنما نظر بحليلة الجار، لأن الغالب أن الرجل إنما يزانى من قرب مكانه وأمكن لقاؤه، ونبه بالحليلة على عظم حق الجار، وأنه يجب أن يغار المسلم على حليلة جاره من الفاحشة مثل ما يغار على حليلة نفسه، وليس القبح قاصرا على الحليلة، بل يشمل الزنا بأم أو أخت أو بنت الجار. فذكر الحليلة جرى على الغالب. أما ذكر الجار فهو لشدة القبح، لأنه يحمل إثم انتهاك حرمة الجار وإبطالا لحقه، وقد ورد («لأن يزنى أحد بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزنى بامرأة جاره ». وكانت العرب تمتدح بصون حرم الجار، فقال عنترة: وأغض طرفى ما بدت لى جارتى .. حتى يوارى جارتى مأواها ٢٨١ والجار إنما يتوقع من جاره الذب عنه وعن حريمه، ويأمن بوائقه ويطمئن إليه، وقد أمر بإكرامه والإحسان إليه، فإذا قابل هذا كله بالزنا بامرأته، وإفسادها عليه مع تمكنه منها على وجه لا يتمكن غيره منه كان فى غاية القبح. قال الحافظ ابن حجر: والذى يظهر أن كلا من الثلاثة (أن تجعل للَّه ندا .. وأن تقتل ولدك ... وأن تزانى حليلة جارك) على ترتيبها فى العظم، ولوجاز أن يكون فيما لم يذكره شىء يتصف بكونه أعظم منها لما طابق الجواب السؤال. نعم يجوز أن يكون فيما لم يذكر شىء يساوى ماذكر، فيكون التقدير: فى المرتبة الثانية بعد الإشراك قتل الابن وما يكون فى الفحش مثله، وفى المرتبة الثالثة الزنا بحليلة الجاروما يكون فى الفحش مثله أو نحوه، لكن يستلزم أن لا يكون فيما لم يذكر فى المرتبة الأولى أو الثانية شىء هو أعظم مما ذكر فى المرتبة الثالثة، ولا محذور فى ذلك. انتهى بتصرف. ويؤخذ مما قال: أن هناك ذنوبا أعظم من المرتبة الثالثة ولم تذكر هذه الذنوب، ولو أنها ذكرت لسبقت الزنا بحليلة الجار، فكأن الترتيب هكذا بين هذه الثلاثة إن اقتصر عليها، وقد سبق أن قلنا: إن الإشراك أعظم الذنوب على الإطلاق وإن قتل الولد يليه ثم يختلف.عظم الذنوب بعد ذلك باختلاف الملابسات والأضرار المترتبة عليها. والآية التى نزلت تصديقا لترتيب هذه الذنوب تعرضت للتوبة وأنها ترفع الآثام، إذ تقول: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَنَامًا* يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةٍ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانَاهِ إِلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا ﴾ [الفرقان: ٦٨ -٧٠]. وإذا تركنا جانبا رأى الخوارج الذين يكفرون صاحب المعصية، ورأى المعتزلة الذين يخرجونه من الإيمان ويحكمون بخلوده فى النار، إذا تركنا جانبا هذين الرأيين وجدنا أهل السنة على أن كلا من القاتل والزانى تقبل توبته، ونقل عن ابن عباس القول بعدم قبول توبة القاتل المتعمد، إذ روى أحمد، والطبرى، وابن ماجه عن سالم بن أبى الجعد قال: كنت عند ابن عباس بعد ما كف بصره، فأتاه رجل فقال: ما ترى فى رجل قتل مؤمنا متعمدا قال: ((جزاؤه جهنم خالدا فيها». وساق الآية إلى ((عظيما)) قال: أفرأيت إن تاب وآمن وعمل عملا صالحا ثم اهتدى؟ قال: وأنى له التوبة والهدى؟ ويؤيد هذا الرأى ما أخرجه أحمد والنسائى عن معاوية: سمعت رسول اللّه ◌ُ ل يقول: ((كل ذنب عسى الله أن يغفره إلا الرجل يموت كافرا، والرجل يقتل مؤمنا متعمدا)). قال الحافظ ابن حجر: وقد حمل جمهور السلف وجميع أهل السنة ما ورد من ذلك على التغليظ وصححوا توبة القاتل كغيره، وقالوا: معنى قوله: ((فجزاؤه جهنم)) أى إن شاء الله أن يجازيه، تمسكا بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ثم قال: ومن الحجة فى ذلك حديث الإسرائيلى الذى قتل تسعة وتسعين نفسا، ثم أتى تمام المائة فقال له: لا توبة لك، فقتله فأكمل به مائة، ثم جاء آخر فقال: ومن يحول بينك وبين التوبة؟ الحديث. وهو مشهور. وإذا ثبت ذلك لمن قبلنا فمثله لهذه الأمة أولى، لما خفف الله عنهم من الأثقال التى كانت على من قبلهم. والله أعلم ٢٨٢ (٥١) باب أكبر الكبائر الإشراك بالله - وعقوق الوالدين - وشهادة الزور ١٤٨- ١٩٣ عَنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةً عَنٍ أَبِيهِ﴾(١٤٣) قَالَ: كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فَقَالَ «أَلا أَُّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟ (ثَلاَثًا) الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنٍ. وَشَهَادَةُ الزُّورِ، (أَوْ قَوْلُ الزُّورِ)» وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِل ◌َّ مُتْكِنًا فَجَلَسَ. فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا: لَيْتَهُ سَّتَ. ١٤٩ - ١٤ عَنِ أَنَسٍ ﴾(١٤٤) عَنِ النّبِيِّ﴾، فِي الْكَبَائِرِ قَالَ «الشِّرْكُ بِاللَّهِ. وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ. وَقَتْلُ النّفْسِ. وَقَوْلُ الزُّورِ». ١٥٠ - شْ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(٠٠١) قَالَ: ذَكَّرَ رَسُولُ اللَّهِلَّ الْكَبَائِرَ (أَوْ سُئِلَ عَنٍ الْكَبَائِرِ) فَقَالَ «الشِّرْكُ بِاللَّهِ. وَقَتْلُ النّفْسِ. وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنٍ» وَقَالَ «أَلا أَنَّئُكُمْ بِأَكْبُرٍ الْكَبَائِرِ؟» قَالَ «قَوْلُ الزُّورِ أَوْ قَالَ شَهَادَةُ الزُّورِ)» قَالَ شُعْبَةُ: وَأَكْبَرُ ظَّنِّي أَنَّهُ شَهَادَةُ الزُّورِ. المعنى العام ومرة أخرى يسأل الصحابة رسول اللّه عن أكبر الكبائر، ومرة أخرى يجيب صلى الله عليه وسلم جوابا يختلف عن الجواب الأول مراعاة لمقتضيات الأحوال. نعم اتفق الجوابان على أن أعظم الذنوب وأكبر الكبائر الإشراك بالله. واختلف الجوابان فى الثانى والثالث، فالحديث السابق جعل المرتبة الثانية قتل الولد، والثالثة الزنا بحليلة الجار، وهذا الحديث فى روايته الأولى جعل المرتبة الثانية عقوق الوالدين، والثالثة شهادة الزور، وفى روايتيه الثانية والثالثة أضاف قتل النفس، مرة بعد عقوق الوالدين، ومرة قبله ومع أن الحديث فى مجموع رواياته قد قدم عقوق الوالدين على شهادة الزور، فإنه أعطاها من الأهمية ما يجعلها فى الدرجة العليا من الكبائر، لما يلابسها من أخطار جسام، فمرة نبه إلى هذه الأهمية باعتدال الجلسة؛ واستجماع وسائل اليقظة والانتباه، ومرة كرر شهادة الزور مسبوقة بأداة التوكيد والاستفتاح، ومرة صدرها بتوكيد خاص (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟) عافانا الله منها ومن الكبائر عامة، وأعاننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. (١٤٣) حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ بُكَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ النّاقِدُ حَدَّنَا إِسْمَعِيلُ بْنُ عُلَيَّةً عَنِ سَعِيدٍ الْجُرَيْرِيِّ حَدَّقْنَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ (١٤٤) وحَّدَّقَتِي يَحْتِى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِثِيُّ خَدَّثْنَا خَالِدٌ وَهُوَ ابْنُ الْحَارِثِ حَدَّقْنَا شُعْبَةُ أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ عَنِ آنسٍ (١٠٠) وحَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ حَدَّقْنَا مُحَمَّدُ بْنُ تَعْفَرٍ حَدََّنَا شُعْبَةُ قَالَ حَدَِّي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكّرٍ قَالَ سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَّ مَالِكٍ ٢٨٣ المباحث العربية ( ألا أنبئكم ) بالتشديد والتخفيف، أى ألا أخبركم و((ألا)) - بفتح الهمزة وتخفيف اللام - للتنبيه والإشارة إلى أهمية ما بعدها، وهو فى الأصل مركب من همزة الاستفهام و((لا)» النافية، وهل فهمه الصحابة على الاستفهام فأجابوا؟ أو حمله الرسول على التنبيه فأخبر دون أن يجيبوا؟ الظاهر الأول، لرواية البخارى فى كتاب الأدب ((قلنا: بلى يا رسول الله)) ويكون حذفه من رواياتنا اختصارا من الرواة. ( بأكبر الكبائر) جمع كبيرة، وهى الفعلة القبيحة، فهى فى الأصل صفة لموصوف محذوف، وفى المراد منها شرعا خلاف يأتى فى فقه الحديث. ( ثلاثا ) مفعول لقال. أى قال لهم صلى اللَّه عليه وسلم ذلك ثلاث مرات وكرره على عادته فى تكرير الشىء ثلاث مرات تأكيدا وتنبيها للسامع على إحضار قلبه وفهمه للخبر الذى يذكره. (الإشراك باللّه) قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يراد به مطلق الكفر[فيشمل مذكر الألوهية، ومثبتها مع إنكار الرسالة واليوم الآخر] ويكون تخصيصه بالذكر لغلبته فى الوجود لاسيما فى جزيرة العرب، فذكر تنبيها على غيره من أصناف الكفر، ويحتمل أن يراد به خصوصه، إلا أنه يرد على هذا الاحتمال أنه قد يظهر أن بعض الكفر أعظم من الشرك، وهو التعطيل فيترجح الاحتمال الأول. اهـ ( وعقوق الوالدين ) - بضم العين المهملة - مشتق من العق: وهو القطع، يقال: عق والده يعقه - بضم العين - فهو عاق: وهو الذى شق عصا الطاعة لوالديه، هذا قول أهل اللغة، وأما حقيقة العقوق المحرم شرعا، ففيه خلاف طويل يأتى فى فقه الحديث. (وشهادة الزور، أو قول الزور) أصل ((الزور)) تحسين الشىء ووصفه بخلاف صفته حتى يخيل إلى من سمعه أو رآه بخلاف ما هو به، فهو تمويه الباطل بما يوهم أنه حق، وقد يضاف إلى القول، فيشمل الكذب والباطل، وقد يضاف إلى الشهادة فيخص بها، وقد يضاف إلى الفعل، ومنه: لابس ثوبى زور، ومنه تسمية الشعر الموصول زورا، وجاء فى رواية ((قول الزور أو شهادة الزور)) بتقديم القول على الشهادة، وفى رواية بالواو بدل ((أو)) وفى رواية ((شهادة الزور)) وفى رواية ((ألا قول الزور)) دون عطف إحداهما على الأخرى، وسيأتى طريق الجمع بين هذه الروايات. (وكان متكئا فجلس) وفى رواية ((وجلس وكان متكئا)) الاتكاء: الاضطجاع على الجنب، أو هو الاعتماد على الشىء بالجنب واليد، كوضع اليد على وسادة مع تجافى الجنب عن الأرض، فالاضطجاع اتكاء وزيادة. وجلوسه صلى الله عليه وسلم من اتكائه يشعر بأنه اهتم بذلك حتى جلس بعد أن كان متكئا، وذلك يفيد تأكيد تحريمه وعظم قبحه وسيأتى سبب الاهتمام به. ٢٨٤ ( فما زال يكررها ) أى يكرر هذه العبارة، أو هى ((شهادة الزور)». ( حتى قلنا: ليته سكت ) أى حتى قلنا ذلك فى أنفسنا دون نطق، أى حتى تمنينا سكوته. فقه الحديث قرن اللَّه تعالى العقوق بالشرك فى قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقِّلْ لَّهُمَا قَّوْلا كَرِيمًا﴾ وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤،٢٣]. وقرن قول الزور بالشرك فى قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنْ الأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ [الحج: ٣٠]. أما عقوق الوالدين المحرم شرعا فقل من ضبطه. قال الإمام الشيخ أبو محمد بن عبد السلام: لم أقف فى عقوق الوالدين، وفيما يختصان به من الحقوق على ضابط أعتمد عليه، فإنه لا يجب طاعتهما فى كل ما يأمران به وينهيان عنه باتفاق العلماء. وقد حرم على الولد الجهاد بغير إذنهما لما يشق عليهما من توقع قتله أو قطع عضو من أعضائه، ولشدة تفجعهما على ذلك، وقد ألحق بذلك كل سفر يخافان فيه على نفسه أو عضو من أعضائه. وقال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح فى فتاويه: العقوق المحرم كل فعل يتأذى به الوالد - أو نحوه - تأذيا ليس بالهين مع كونه ليس من الأفعال الواجبة. قال: وربما قيل: طاعة الوالدين واجبة فى كل ما ليس بمعصية، ومخالفة أمرهما فى ذلك عقوق، وقد أوجب كثير من العلماء طاعتهما فى الشبهات قال: وليس قول من قال من علمائنا: يجوزله السفر فى طلب العلم وفى التجارة بغير إذنهما مخالفا لما ذكرته، فإن هذا كلام مطلق، وفيما ذكرته بيان لتقييد ذلك المطلق. وضبطه ابن عطية بوجوب طاعتهما فى المباحات، فعلا وتركا، واستحبابها فى المندوبات وفرض الكفاية كذلك، ومنه تقديمها عند تعارض الأمرين، وهو كمن دعته أمه ليمرضها مثلا بحيث يفوت عليه فعل واجب إن استمر عندها، ويفوت ما قصدته من تأنيسه لها وغير ذلك أن لو تركها وفعله، وكان مما يمكن تداركه مع فوات الفضيلة كالصلاة أول الوقت أو فى الجماعة. أما شهادة الزور أو قول الزور فقد قال ابن دقيق العيد: إن عطف الشهادة على القول ينبغى أن يكون تأكيدا للشهادة، لأنا لو حملناه على الإطلاق لزم أن تكون الكذبة الواحدة مطلقا كبيرة، وليس كذلك، فمراتب الكذب متفاوتة بحسب تفاوت مفاسده. وقال غيره: يجوز أن يكون من عطف الخاص على العام، لأن كل شهادة زور قول زور بغيرعكس. قال الحافظ ابن حجر: والأولى ما قاله ابن دقيق العيد، ويؤيده وقوع الشك فى ذلك فى بعض الروايات، مما يدل على أن المراد شىء واحد، وهو شهادة الزور. وظاهر قوله صلى الله عليه وسلم فى الرواية الثالثة: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قال: قول الزور)) ٢٨٥ ظاهره أنه خص أكبر الكبائر بقول الزور، وليس هذا الظاهر مرادا، لأن الشرك أكبر منه بلا شك، وكذا القتل، ثم إن الرواية الأولى تؤذن بأن الثلاثة المذكورات مشتركات فى ذلك، فلا بد من تأويله، وفى تأويله ثلاثة أوجه: أحدها: أنه محمول على الكفر فإن الكافر شاهد بالزور وعامل به. الثانى: أنه محمول على المستحل، فيصير بذلك كافرا. الثالث: أن كلمة ((من)) مقدرة كما تقدم فى نظائره أى ألا أنبئكم بما هو من أكبر الكبائر. قال النووى: وهذا الثالث هو الظاهر أو الصواب، فأما حمله على الكفر فضعيف، لأن هذا خرج مخرج الزجر عن شهادة الزور فى الحقوق، وأما قبح الكفروكونه أكبر الكبائر فكان معروفا عندهم، ولا يتشكك أحد من أهل القبلة فى ذلك، فحمله على الكفر يخرجه من الفائدة. وإنما اهتم صلى الله عليه وسلم بشهادة الزور فوق اهتمامه بسائر الكبائر لأنها أسهل وقوعاً على الناس، والتهاون بها أكثر، ومفسدتها أيسر وقوعا فإن الشرك ينبو عنه المسلم، والعقوق ينبو عنه الطبع، وأما شهادة الزور فإن الحوامل عليها كثيرة، كالعداوة والحسد وغيرها، ومفسدتها متعدية إلى غير الشاهد، فاحتيج إلى الاهتمام بتعظيمها، وليس ذلك لعظمها بالنسبة إلى ما ذكر معها من الإشراك. وكان الزور من الكبائر لأنه يتوصل به إلى إتلاف النفس والمال وتحريم الحلال وتحليل الحرام. وظاهر الأحاديث أنه لا فرق فى كون شهادة الزور كبيرة بين أن تكون بحق عظيم أو حقير، حتى لو أتلف بها اليسير، وقال عز الدين: إنما ذلك إذا أتلف بها خطير، وقد يضبط بنصاب السرقة، فإن نقص احتمل أن يكون من الكبائر فطاما عن هذه المفاسد، وسدا للباب. وقد اختلفت الروايات فيما يلى الشرك من الكبائر، ففى بعضها العقوق، وفى بعضها القتل، وفى بعضها السحر، وقد ذكرت بعض الروايات أمورا لم تذكرها الأخرى. قال النووى: ووجه الجمع أنه إنما اختلف جوابه صلى الله عليه وسلم فى ذلك، لأن جوابه كان بحسب ما الحاجة إلى بيانه حينئذ أمس، أى لكثرة ارتكابه أو خوف مواقعته. وقال الطحاوى: يضم ما جعل ثانى الشرك فى طريق إلى ما جعل ثانيا فى الأخرى، ويجعلان فى درجة واحدة من الإثم، وكذا ما جعل ثالثا. اهـ والتحقيق أن الشىء الواحد قد يختلف فى الإثم باختلاف ظروفه وملابساته وما يترتب عليه من مفاسد، فالغيبة بالقذف كبيرة، ولا تساويها الغيبة بقبح الهيئة مثلا، والعقوق بالضرب كبيرة، ولا يساويه العقوق بمخالفة أمرهما فى الأكل والشرب مثلا، وقتل النفس الصالحة التى تختل بقتلها أمور المسلمين فى المسجد الحرام وفى الأشهر الحرم كبيرة، ولا يساويه قتل نفس فاجرة ترتاح من شرورها كثرة من الآمنين. ٢٨٦ فاختلف جوابه صلى الله عليه وسلم فى ترتيب الكبائر التى تلى الشرك لأن كلا مما يليه فى بعض الروايات يكون أحق بأن يكون ثانيا فى بعض الأحوال. ولا انحصار لأكبر الكبائر فى عدد معين، كما أنه لا انحصار للكبائر كذلك فى عدد محدود، فقد سئل ابن عباس عن الكبائر: أسبع هى؟ فقال: هى إلى سبعين (ويروى: إلى سبعمائة) أقرب. ولا خلاف فى تقسيم الذنوب إلى كبائر وأكبر الكبائر، ولكن الخلاف فى تقسيمها إلى كبائر وصغائر، فقد ذهبت طائفة منهم أبو إسحاق الإسفرايينى إلى أنه ليس فى الذنوب صغيرة، بل كل ما نهى الله عنه كبيرة، ونقل ذلك عن ابن عباس وحكاه القاضى عياض عن المحققين، واحتجوا بأن كل مخالفة للَّه فهى بالنسبة إلى جلاله كبيرة، ونسبه ابن بطال إلى بعض الأشعرية فقال: انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر هو قول عامة الفقهاء، وخالفهم من الأشعرية أبو بكرابن الطيب وأصحابه، فقالوا: المعاصى كلها كبائر، وإنما يقال بعضها صغيرة بالإضافة إلى ماهو أكبر منها، كما يقال: القبلة المحرمة صغيرة بإضافتها إلى الزنا، وكلها كبائر، قالوا: ولا ذنب عندنا يغفر باجتناب ذنب آخر، بل كل ذلك كبيرة، ومرتكبه فى المشيئة غير الكفر، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمِنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] قالوا: وجواز العقاب على الصغيرة كجوازه على الكبيرة. وذهب الجمهور إلى انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر. قال النووي: قد تظاهرت الأدلة من الكتاب والسنة إلى القول بأن من الذنوب كبائر ومنها صغائر. وقال الغزالى: إنكار الفرق بين الكبيرة والصغيرة لا يليق بالفقيه. وقال القرطبى: ما أظنه يصح عن ابن عباس أن كل ما نهى الله عز وجل عنه كبيرة لأنه مخالف لظاهر القرآن فى الفرق بين الصغائر والكبائر فى قوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الإِثْمِ وَالْفَوَّاحِشَ إِلا اللَّمَمَ﴾ [النجم: ٣٢]. وقوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] فى المنهيات صغائر وكبائر، وفرق بينهما فى الحكم إذ جعل تكفير السيئات فى الآية مشروطا باجتناب الكبائر، واستثنى اللمم من الكبائر والفواحش فكيف يخفى ذلك على حبر القرآن. اهـ قال النووى بعد اختياره رأى الجمهور: واختلفوا فى ضبط الكبيرة اختلافا منتشرا، فروى عن ابن عباس: أنها كل ذنب ختمه اللَّه بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب. قال: وجاء نحوهذا عن الحسن البصرى. وقال آخرون: هى ما أوعد اللَّه عليه بنار فى الآخرة، أو أوجب فيه حدا فى الدنيا، وممن نص على هذا الأخير الإمام أحمد، ومن الشافعية الماوردى. وقد ضبط كثير من الشافعية الكبائر بضوابط أخرى، منها قول إمام الحرمين: كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين ورقة الديانة. وقول الحليمى: كل محرم لعينه منهى عنه لمعنى فى نفسه، وقال الرافعى: هى ما أوجب الحد واستشكل بأن كثيرا مما وردت النصوص بكونه كبيرة لا حد فيه كالعقوق. ٢٨٧ ومن أحسن الضوابط، وهو الذى تستريح إليه النفس، ما قال القرطبى فى المفهم، ونصه: الراجح أن كل ذنب نص على كبره أو عظمه أو توعد عليه بالعقاب، أو علق عليه حد، أو شدد النكير عليه فهو كبيرة. اهـ ومما ورد النص بكونه كبيرة (غير ما ورد فى حديثنا) السحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات، واليمين الفاجرة، والإلحاد فى الحرم أو استحلال البيت الحرام، وشرب الخمر، والسرقة، والتعرب بعد الهجرة، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة، والغلول، والزنا، والأمن من مكر اللَّه، والقنوط من رحمة الله، والبهتان، والألد الخصم، والمنان، والديوث، ومن غير منار الأرض، والنميمة، والغيبة، وترك التنزه عن البول، والنهبة، ومنع فضل الماء، ومن أتى حائضا أو كاهنا، والتسبب فى لعن الوالدين، وما لم يرد فيه نص على كونه كبيرة مع كونه كبيرة لا ضابط له، وما نشك فى كونه كبيرة يجب البعد عنه حذرا أن يكون كذلك. قال الواحدى: ما لم ينص الشارع على كونه كبيرة فالحكمة فى إخفائه أن يمتنع العبد من الوقوع فيه خشية أن يكون كبيرة. كإخفاء ليلة القدر. اهـ هذا ومع إيماننا بانقسام الذنوب إلى كبائر وصغائر يجب أن نستشعر أن الذنب قد يعد بالنسبة إلى حق الأقران والزملاء صغيرة، ولكنه فى حق الملك يكون كبيرة، والرب أعظم من عصى، فكل ذنب بالإضافة إلى مخالفته عظيم. ثم إن الإصرار على الصغيرة، والإكثار من الصغائر يجعلها كبائر، لأن نفس الإصرار على العصيان كبيرة، ولأن التكرار أو الإكثار من الصغائر يؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بالدين، فقد روى عن ابن عمر وابن عباس وغيرهما رضى الله عنهما: ((لاكبيرة مع استغفارولا صغيرة مع إصرار)) قال ابن عبد السلام: وحد الإصرار هو أن تتكرر منه الصغيرة تكرارا يشعر بقلة مبالاته بدينه، إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك. أما ما يحمل على فلتات النفس أو اللسان، ولا ينفك عن تندم يمتزج به تنغيص التلذذ بالمعصية فهو صغيرة، على أن ما يعد صغيرة فى حق البعض قد يعد كبيرة فى حق الآخرين، فهفوة الجهلاء والفاسقين ليست كهفوة العلماء والصالحين، وما لا يعد معصية فى حق العامة قد يعد ذنبا فى حق الأنبياء، ومن هنا قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين. ويؤخذ من الحديث ١- قال ابن دقيق العيد: يستفاد من قوله: ((أكبر الكبائر)) انقسام الذنوب إلى كبير وأكبر، ويستنبط منه أن فى الذنوب صغائر وكبائر، ولا يلزم من كون الذى ذكر أنه أكبر الكبائر استواؤها، فإن الشرك بالله أعظم من جميع ما ذکر معه. قال الحافظ ابن حجر: وفى استنباطه من الحديث أن فى الذنوب صغائر وكبائر نظر، لأن من قال: كل ذنب كبيرة فالكبائر والذنوب عنده متواردات على شىء واحد، فكأنه قيل: ألا أنبئكم بأكبر الذنوب؟ ٢٨٨ ٢- التحريض على مجانبة كبائر الذنوب. ٣- الزجر عن فعل ماينهى عنه. ٤- تغليظ أمر شهادة الزور، لما يترتب عليها من المفاسد، وإن كانت مراتبها متفاوتة، وفى معناها كل ماكان زورا من تعاطى المرء ما ليس له أهلا. ٥- قال المهلب: يجوز للعالم والمفتى والإمام الاتكاء فى مجلسه بحضرة الناس لألم يجده فى بعض أعضائه، أو لراحة يرتفق بذلك، ولا يكون ذلك فى عامة جلوسه. اهـ وأقول: إن محل ذلك حيث يرضى جلساؤه به ويحبونه، أما حيث يتأفف منه الجلساء ويستنكرونه ويحملونه على الإهمال وسوء الأدب فلا يجوز ٦- استحباب إعادة الموعظة ثلاثا لتفهم. ٧- انزعاج الواعظ فى وعظه ليكون أبلغ فى الوعى عنه. ٨- إشفاق التلميذ على شيخه إذا رآه منزعجا. ٩- تمنى عدم غضبه لما يترتب على الغضب من تغيير مزاجه. ١٠- ما كان عليه الصحابة من كثرة الأدب معه صلى الله عليه وسلم والمحبة له والشفقة عليه. واللَّه أعلم. هذا وللحديث صلة وثيقة بشرح الحديث الآتى فليراجع. والله أعلم ٢٨٩ (٥٢) باب السبع الموبقات ١٥١ - ١٩٥ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٤٥) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ﴿ قَالَ: «اجْتَيُبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ» قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُنَّ؟ قَالَ «الشِّرْكُ بِاللَّهِ. وَالسِّخْرُ. وَقْلُ النّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلا بِالْحَقِّ. وَأَكْلُ مَّالِ الْيَتِيمِ. وَأَكْلُ الرِّبًا، وَالتَّوَّلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ. وَقَذْفُ الْمُحْصِئَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَّاتِ». المعنى العام لم يكن رسول اللّه# ينتظر كل مرة أسئلة أصحابه ليجيب عليها، بل كثيرا ما كان يستغل الظروف، وينتهز الفرص ليلقى النصيحة على مسامع الصحابة، ويغرس فى نفوسهم الخوف من الله واستعظام المعاصى، مستخدما فى ذلك أسلوب تغليظ الأمر، والاهتمام بمفاسده، ففى الحديث السابق يقول: ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ وفى هذا الحديث يقول: اجتنبوا واحذروا القرب من السبع المهلكات. ويرتاع الصحابة، وتقشعر أبدانهم من هذا الوصف المخيف، فيقول قائلهم: وما هن يا رسول اللَّه؟ فيقول: أولها: الشرك بالله الخالق القادر واهب الحياة وسابخ النعم. وثانيها: السحر والتغرير وخداع المسلمين وتزوير خلق اللَّه. وثالثها: قتل النفس المعصومة التى حرم اللَّه قتلها. ورابعها: أكل مال اليتيم واستغلال ضعفه وعجزه عن الدفاع عن نفسه. وخامسها: أكل الربا واستغلال حاجة المحتاج والزيادة عليه فى القرض. وسادسها: الفرار جبنا أمام أعداء الإسلام حين القتال، وبث روح الخور والوهن فى نفوس المسلمين المقاتلين. وسابعها: الاستهتار بأعراض المسلمين وتناولهم باللسان وطعنهم وقذفهم بالزنا من غير دليل. والحق أن كل كبيرة مما بعد الشرك تهزبنيان المجتمع الإسلامى، وتنخر فى عظامه، وتقوض صرحه، وتفتت تماسكه، وتوقد النار التى تأتى عليه. ولو أننا عدنا إلى ديننا القويم، واجتنبنا هذه الموبقات وأمثالها لكانت لنا العزة والكرامة (١٤٥) حَدَّتِي هَارُونُ بْنُ سَعِيدٍ الْأَيْلِيُّ حَدَثْنَا ابْنُ وَهْبٍ قَالَ حَدَِّي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلالٍ عَنٍ قَوْرِ بْنِ زَيْدٍ عَنٍ أَبِي الْغَيْثِ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةَ ٢٩٠ والسيادة، ولكننا ارتكبنا كل الموبقات، فوصلنا إلى ماوصلنا إليه من الذل والهوان، وصدق الله العظيم إذ يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: ١١]. ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَخَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَّاهَا تَدَمِيرًا﴾ [الإسراء: ١٦]. فاللهم إنا نسألك العفو والعافية فى الدين والدنيا والآخرة، يارب العالمين. المباحث العربية ( اجتنبوا السبع الموبقات ) أى ابتعدوا عنها، وهو أبلغ من ((اتركوا)) و((الموبقات)) المهلكات من «وبق» بفتح الباء إذا هلك، ومنه قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢] ووصف الكبائر بالمهلكات لأنها سبب لإهلاك مرتكبها. ( السحر) يطلق على ما لطف ودق، ومنه سحرت الصبى أى خادعته واستملته، ومنه سحر العيون لاستمالتها النفوس، والطبيعة ساحرة، وحديث ((إن من البيان لسحرا)) ويطلق على ما يقع بخداع وتخييلات لا حقيقة لها، نحو ما يفعله المشعوذ من صرف الأبصار عما يتعاطاه بخفة يده، وإلى ذلك الإشارة بقوله تعالى: ﴿ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦] وقد يستعين فى ذلك بما يكون فيه خاصية، ((كالمغنطيس)) وسيأتى الكلام عن حقيقة السحر فى فقه الحديث. ( أكل مال اليتيم ) المراد من الأكل الاستيلاء، لا خصوص الأكل، وعبر عنه بالأکل الغالب، واليتم لغة: الانفراد، واليتيم فى الأناسى من فقد أباه، وفى البهائم من فقد أمه بشرط الصغر فيهما، وقال الزمخشرى: لا يشترط الصغرلغة إلا أنه غلب استعماله فى الصغير، قال: وحديث ((لايتم بعد بلوغ» تعليم شريعة لا تعليم لغة. ( وأكل الربا ) أى تعاطيه بالأخذ أو الإعطاء، والربا لغة: الزيادة من ريا يريو، والزيادة إما فى نفس الشىء؛ كقوله تعالى: ﴿اهْتَرَّتْ وَرَبّتْ﴾ [الحج: ٥] وإما فى مقابله كدرهم بدرهمين. قيل: هو حقيقة فيهما، وقيل: حقيقة فى الأول مجاز فى الثانى. ( والتولى يوم الزحف ) التولى: هو الانصراف والفرار، ويوم الزحف يوم القتال، وهل المراد به ساعة القتال أووقت الدخول فى أرض العدو؟ قولان. (وقذف المحصنات ) أى رميهن بالزنا، والمحصنات - بكسر الصاد وفتحها قراءتان سبعيتان، وقد ورد الإحصان فى الشرع على خمسة أقسام: العفة، والإسلام، والنكاح والتزويج، والحرية، والمراد هنا الحرائر العفيفات. ( الغافلات ) عن الفواحش، أوعما قذفن به، ووصف ((الغافلات)) لتغليظ الذنب، وليس قيدا للاحتراز يبيح قذف غير الغافلات. ٢٩١ فقه الحديث يزيد الحديث عن الحديث السابق بخمس كبائر: السحر، وأكل مال اليتيم، وأكل الربا والتولى يوم الزحف، وقذف المحصنات. ١- أما السحر: فقد اختلف فيه: قيل هو تخييل فقط ولا حقيقة له، وإليه ذهب بعض الشافعية وبعض الحنفية وابن حزم الظاهرى، ويؤيدهم ظاهر قوله تعالى: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾ [طه: ٦٦]. وقال الجمهور: إن السحر حقيقة. قال النووي: وهو الصحيح، وعليه عامة العلماء ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة. اهـ وعلى القول بأن السحر حقيقة هل يقع به انقلاب عين: بأن يتحول الشىء من حقيقة إلى حقيقة أخرى، كأن يصير الجماد حيوانا مثلا وعكسه؟ أو تأثيره فقط على الشخص المقصود، بحيث يغير مزاجه، ويؤثر فى حواسه ووجدانه، فيرى الحلو مرا، والأبيض أصفر والساكن متحركا، والجميل قبيحا، والقبيح جميلا، والمحبوب مكروها، والمكروه محبوبا؟ أكثر الجمهور على الثانى، وذهبت طائفة قليلة إلى الأول، وهو ضعيف. والفرق بين السحر والمعجزة والكرامة - على القول بأن له حقيقة- أن السحريكون بمعاناة أقوال وأفعال حتى يتم للساحر ما يريد، والكرامة لا تحتاج إلى ذلك، بل إنما تقع غالبا اتفاقا، وأما المعجزة فتمتاز عن الكرامة بالتحدى. ونقل إمام الحرمين الإجماع على أن السحر لا يظهر إلا من فاسق، وأن الكرامة لا تظهر على يد فاسق. قال الحافظ ابن حجر: وينبغى أن يعتبر بحال من يقع الخارق منه. فإن كان متمسكا بالشريعة، متجنبا للموبقات، فالذى يظهر على يده من الخوارق كرامة، وإلا فهو سحر. أما إنكار السحر إنكارا كليا فهو مكابرة، فالآيات والأحاديث المثبتة له لا يسهل تأويلها، من ذلك قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَوَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْفَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَرَوْجِهِ وَمَا هُمَّ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إَا بِإِذْنِ اللَّهِ وَ يَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنفَعُهُمْ ﴾ [البقرة: ١٠٢] والآيَات الكثيرة الخاصة بسحرة فرعون. ومن ذلك ما رواه البخارى من أن النبى * سحره رجل من بني زريق يقال له: لبيد بن العصم حتى كان رسول الله يخيل إليه أنه كان يفعل الشىء وما فعله. ومع هذا ينبغى ألا نغفل عن أن كثيرا مما يطلق عليه السحر مما يفعله المشعوذة والدجالون فى عصرنا الحاضر لا حقيقة له، وهو نصب واحتيال ينبنى على خداع الجهلة والبسطاء بخفة فى ٢٩٢ الحركة، أو استخدام لخواص الأشياء التى يجهلها الراءون. وفى ذلك يقول القرطبى: السحر حيل صناعية يتوصل إليها بالاكتساب غير أنها لدقتها لا يتوصل إليها إلا آحاد الناس، ومادته الوقوف على خواص الأشياء والعلم بوجوه تركيبها وأوقاته وأكثرها تخيلات بغير حقيقة، وإيهامات بغير ثبوت، فيعظم عند من لايعرف ذلك كما قال الله تعالى عن سحرة فرعون: ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ﴾ [الأعراف: ١١٦] مع أن حبالهم وعصيهم لم تخرج عن كونها حبالا وعصيا. اهـ وقال أبو بكر الرازى فى الأحكام: أخبر الله تعالى أن الذى ظنه موسى من أنها تسعى لم يكن سعيا وإنما كان تخييلا، وذلك أن عصيهم كانت مجوفة قد ملئت زئبقا، وكذلك الحبال كانت من أدم محشوة زئبقا، وقد حفروا قبل ذلك أسرابا وجعلوا لها آزاجا، ثم ملئت نارا فلما طرحت على ذلك الموضع، وحمى الزئبق حركها، لأن من شأن الزئبق إذا أصابته النار أن يطير، فلما أثقلته كثافة الحبال والعصى صارت تتحرك بحركته. فظن من رآها أنها تسعى ولم تكن تسعى حقيقة. اهـ أما حكم السحر فقد قال النووي: عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده النبى من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفرا، ومنه ما لا يكون كفرا، بل معصية كبيرة، فإن كان فيه قول أو فعل يقتضى الكفر، فهو كفر وإلا فلا. وأما تعلمه وتعليمه فحرام، فإن كان فيه مايقتضى الكفر كفر واستتيب منه، وإلا يقتل، فإن تاب قبلت توبته، وإن لم يكن فيه مايقتضى الكفر عزر، وعن مالك: الساحر كافر، يقتل بالسحرولا يستتاب، بل يتحتم قتله كالزنديق، قال عياض: وبقول مالك قال أحمد وجماعة من الصحابة والتابعين. قال الحافظ ابن حجر: وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأحد أمرين: إما لتمييز ما فيه كفر عن غيره، وإما لإزالته عمن وقع فيه، فإن كان لا يتم - كما زعم بعضهم - إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق فلا يحل له أصلا. والله أعلم. ٢- وأما أكل مال اليتيم ففيه يقول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَّامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ [النساء: ١٠] ويقول: ﴿ وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَّدَّلُوا الْخَبِيثَ بالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا﴾ [النساء: ٢] ويقول: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشَّدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَيدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنَ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَغَفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَغَرُوفِ﴾ [النساء: ٦] ولا خلاف فى أن أكل الأجنبى من مال اليتيم كبيرة، قل الأكل أو كثر. وإنما الخلاف فى ولى اليتيم والقائم على ماله هل له أن يأكل منه أولا؟. وظاهر الحديث العموم فيشمل الولى وغير الولى، وسواء فى ذلك كون الولى غنيا أو فقيرا، وبه قال قوم، وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بالْمَعْرُوفِ ﴾ أجابوا بأن المراد بالغنى والفقير فى هذه الآية اليتيم؛ أى إن كان اليتيم غنّيا فلا يسرف وليه فى الإنفاق عليه، وإن كان اليتيم فقيرا فليطعمه من ماله بالمعروف، ولا دلالة فى الآية على أكل الولى من مال اليتيم. ٢٩٣ كما أجابوا بجواب آخر: قالوا: وإن أردنا بالغنى والفقير الولى، فإنه أمر للولى أن يأكل من مال نفسه بالمعروف، ولا يبذرخوف أن يحتاج فيمديده إلى مال اليتيم، أو أنه أمر الولى أن يقترعلى اليتيم خوف أن يحتاج، أو أنه يبيح للولى أن يأكل على وجه السلف، كما قال عمر: أنزلت نفسى فى مال الله منزلة ولى يتيم، إن استغنيت استعففت، وإن احتجت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت. وهذا الرأى ضعيف وهذه التفاسير بعيدة. والجمهور على أن للولى أن يأكل من مال اليتيم بقدر عمالته فى مال اليتيم، لكنهم اختلفوا، فقال بعضهم: يأكل عند الحاجة، وقال بعضهم: إن كان ذهبا أو فضة لم يجز أن يأخذ منه شيئا، وإن كان غير ذلك جاز بقدر الحاجة، وقال بعضهم: إن خدم المال وقام به أكل بقدر أجرته غنيا كان أو فقيرا، ومذهب الشافعى أنه يجوز للولى أن يأخذ أقل الأمرين من أجرته أو نفقته. والذى نرتضيه إزاء هذا الاختلاف، وفى هذا العصر الذى لا يكاد يوجد فيه من يعمل فى مال اليتيم دون مقابل، أنه يجوز للولى أن يأخذ من مال اليتيم أجر المثل، إذا خدم المال وقام بتنميته واستثماره، وليحذر أن يزيد عن حقه، بل ليأخذ أقل أجريمكن أن يأخذه مثله مقابل مثل عمله، يؤيدنا فى هذا الرأى أن التهديد والوعيد والتخويف إنما هو من أكل مال اليتيم ظلما، وأخذ الأجر مع الاحتياط لا يسمى ظلما، بل حقا وعدلا. وأما قولة عمر فهى من قبيل الورع، مثلها فى قوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ وطلب العفة هنا طلب التورع وفعل الأولى. والسرفى التشديد فى أكل مال اليتيم مع أن أكل أموال الناس ظلما من الكبائر أيضا أن اليتيم لايستطيع الدفاع عن حقه غالبا، كما أن وليه قد منح سلطانا على ماله، والنفس أمارة بالسوء، ثم اليتيم مصاب بفقد والده، فلا يجمع له بين اليتم واغتصاب ماله. ومن هنا كانت رعاية مال اليتيم والعطف عليه من أفضل القربات، ولهذا قال رسول اللَّه مَ: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة كهاتين)) وأشار بالسبابة والوسطى. ٣- وأما الربا ففى تحريمه يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ ﴾ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأُذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٢٧٩،٢٧٨]. ولا خلاف بين العلماء فى أن الريا من الكبائر (آكله وموكله) ويلحق بهما شاهد الريا وكاتبه لإعانتهما على أكله، وقد جاء فى مسلم من حديث جابر: ((لعن رسول اللَّه﴿ آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم فى الإثم سواء)). وروى الطبرى عن قتادة ((إن ربا أهل الجاهلية أن يبيع الرجل البيع إلى أجل مسمى فإذا حل الأجل ولم يكن عند صاحبه قضاء زاد وأخر عنه». وعن مالك عن زيد بن أسلم فى تفسير الآية ((كان الريا فى الجاهلية أن يكون للرجل ٢٩٤ على الرجل حق إلى أجل، فإذا حل قال: أتقضى أم تربى؟ فإن قضاه أخذ. وإلا زاده فى حقه وزاده الآخر فى الأجل». قال الأبى والسنوسى: والريا حقيقة وعادة إنما يستعمل فى ربا الفضل والنساء وفيهما جاء التشديد فى الآى والأحاديث. وهما المرادان فى الحديث وإطلاقه على كل حرام مجاز. فلا يحمل الحديث عليه. إذ لا يصدق على كل حرام أنه كبيرة. اهـ ٤- وأما التولى يوم الزحف ففيه يقول اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ ثُبُرَهُ إِلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالِ أَوْ مُتَحَيِّرًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ [الأنفال: ١٦] وقد نزلت هذه الآية بشأن أهل بدر، وقد أمر المسلمون أن يقف الواحد منهم أمام عشرة من الكفار، بقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنْ الَّذِينَ كَفَرُواَ﴾ [الأنفال: ٦٥] ثم خفف مافيها بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [الأنفال: ٦٦] فرفع الحرج عن التولى إذا بلغ العدو أكثر من الضعف. والتولى الذى هو كبيرة هو التولى ساعة القتال، أو بعد دخول العدو أرضنا والتهيؤ لقتاله، أما التولى بعد الدخول فى أرض العدو وقبل القتال ففى كونه كبيرة نظر، والظاهر أنه وإن حرم فإنه لا يبلغ حرمة الكبائر. ٥- وأما قذف المحصنات ففيه يقول اللَّه تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ﴾ [النور: ٢٣] والمراد القذف بالزنا خاصة. أما القذف بغير الزنا كالرمى بالسرقة والقتل وشهادة الزور، إلخ، فهو حرام لكنه ليس من هذا القبيل من الكبائر، ولا يختص القذف بالمتزوجات بل حكم البكر كذلك بالإجماع، كما انعقد الإجماع على أن حكم قذف المحصن من الرجال حكم قذف المحصنة من النساء. وقد بين اللَّه حد القذف فى قوله: ﴿ وَلَّذِينَ يَزْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّلَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةٍ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَّمَاذِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ﴾ [النور: ٤]. وقد اقتصر الحديث هنا على سبع، ولم يذكر فيها ما ذكره فى الحديث السابق تحت عنوان أكبر الكبائر، من عقوق الوالدين وشهادة الزور، ولم يذكر فيها الزنا بحليلة الجار، وقد ذكره فى الحديث الذى قبله تحت عنوان أعظم الذنوب، كما ذكرت روايات أخرى كبائر غير المذكورة هنا، فرواية الطبرانى ذكرت ((التعرب بعد الهجرة)) بدل ((السحر)) وذكرت رواية أخرى ((اليمين الفاجرة)) بدل ((السحر)) وفى البخارى فى الأدب ((الكبائر تسع)) فذكر السبع المذكورة هنا وزاد ((الإلحاد فى الحرم، وعقوق الوالدين)) وأخرج الإسماعيلى القاضى بسند صحيح إلى سعيد بن المسيب قال: هن عشرة فذكر السبعة وزاد ((عقوق الوالدين واليمين الغموس، وشرب الخمر» وحذفت رواية لأبى حاتم مال اليتيم وزادت العقوق والتعرب بعد الهجرة، وفراق الجماعة، ونكث الصفقة. وفى حديث لابن عباس ((الغيبة، والنميمة، وترك التنزه من البول)» وعند ابن أبى حاتم ٢٩٥ ذكر (النهبة)) وعند البزار ((منع فضل الماء)» وعند أبى داود والترمذى عن أنس رفعه ((نظرت فى الذنوب فلم أرأعظم من سورة من القرآن أوتيها رجل فنسيها)) وأخرج الترمذى ((من أتى حائضا أو كاهنا فقد كفر)». ثم بعد ذلك هناك ذنوب لم تذكر أعظم من بعض ماذكر، كشتم الرب سبحانه وتعالى، وشتم رسول اللَّهَ، والاستهانة بالرسل عليهم السلام، وتكذيب واحد منهم، وتضميخ الكعبة بالعذرة، وإلقاء المصحف فی قاذورة، کل ذلك کبائر أکبر من کثیر مما ذکر. وكذلك لو أمسك امرأة محصنة لمن يزنى بها، أو أمسك مسلما لمن يقتله، فلا شك أن مفسدة ذلك أعظم من مفسدة أكل مال اليتيم، مع كونه من الكبائر، وكذلك لو دل الكفار على عورات المسلمين، مع علمه أنهم يستأصلون بدلالته، ويسبون حرمهم وأطفالهم ويغنمون أموالهم، فإن مفسدة ذلك أعظم من التولى يوم الزحف بغير عذر، مع كونه معدودا من الكبائر، وكذا لو كذب على إنسان كذبا يعلم أنه يقتل بسببه، فهو غير ما إذا كذب عليه ليأخذ منه تمرة مثلا وهكذا. وأمام هذا الوضع نحتاج إلى الجواب عن الحكمة فى الاقتصار على سبع: وأجيب بأن مفهوم العدد ليس بحجة. قال الحافظ ابن حجر: وهو جواب ضعيف، وقيل: أعلم صلى اللّه عليه وسلم أولا بالمذكورات السبع، ثم أعلم بما زاد، فيحسب بالزائد، وهذا الجواب لايفيد أمام الذنوب الكبائر التى لم ترد فى الأحاديث، والتى ذكرنا منها أمثلة لها. والأولى أن يقال: إن الاقتصار وقع بحسب المقام، وما ذكر إنما هو تنبيه على ما لم يذكر. ويعجبنا فى هذا المقام قول ابن عبد السلام: إذا أردت أن تعرف الكبيرة فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها فإن نقصت على أقل مفاسد الكبائر فهى من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو زادت عليه فهى من الكبائر. ويؤخذ من الحديث ١- أن المعاصى مهلكة لصاحبها فى الدنيا والآخرة. ٢ - التشويق بذكر العدد قبل تفصيله ليتمكن تفصيله فى النفس فضل تمكن. ٣- تغليظ حرمة السحر لقرنه بالشرك. ٤- تعظيم قتل النفس بغير حق. ٥- التحذير من أكل مال اليتيم. ٦ - ومن أكل الربا. ٧- التنفير من التولى والفرار يوم الزحف. ٨- التحذير من الرمى بالفاحشة وقذف المحصنات واتهامهن بغير بينة. والله أعلم ٢٩٦ (٥٣) باب من الكبائر شتم الرجل والديه ١٥٢- ١٩٦ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِي اللَّهِ عَنْهِمَا (١٤٦)؛ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ لَّ قَالَ: «مِنَ الْكَبَائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ وَالِدَيْهِ» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! وَهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ وَالِدَيْهِ؟ قَالَ: «تَعَمْ. يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَبَاهُ. وَيَسُبُ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ». المعنى العام إعظاما لحق الأبوين، وتقديرا لهما، وصيانة لمقامهما، يحذر صلى الله عليه وسلم من إيذائهما بأى نوع من أنواع الإيذاء، قل أو كثر، قصد أولم يقصد، ووجها به أولم يواجها به، باشره الابن أو تسبب فيه، فيقول صلى الله عليه وسلم: إن من أكبر الذنوب أن يشتم الرجل والديه أو أحدهما، ويستعظم الصحابة هذا الفعل القبيح، ويستبعدون وقوعه، لأن الطبع السليم يأباه ولا يقربه، فيقول قائلهم: أو يحدث ذلك يا رسول الله؟ وكيف يحدث أن يشتم الرجل أباه؟ فيقول صلى الله عليه وسلم: ليس شرطا أن يتعاطى الابن سب والديه مباشرة، فقد يتسبب فيه، فيسب أبا رجل آخر، فيسب هذا الآخر أباه ويزيد المسبوب شتم أم الساب، أو يسب الرجل أم رجل آخر فيسب هذا الآخر أمه، فمن فعل ذلك فكأنما سب والدیه. فما أرفع آداب الإسلام. وما أبعد المسلمين عنها فى هذا العصر الذى تسمع فيه عن ضرب الأبناء للأمهات، وقتل الآباء من أجل عرض الدنيا الحقير. المباحث العربية ( من الكبائر) فى رواية البخارى ((إن من أكبر الكبائر)). ( شتم الرجل والديه) التعبير بالرجل جرى على الغالب، فالحكم كذلك بالنسبة للمرأة، والتعبير بالوالدين من قبيل الشأن والكثير أيضا، إذ الحكم شامل لمن يؤدى فعله إلى شتم أحد الوالدين فقط، وقد جاء فى رواية البخارى ((أن يلعن الرجل والديه)) والمراد من اللعن فيها الشتم، وفى رواية أخرى ((من الكبائر عند اللَّه أن يسب الرجل والده )). (١٤٦) حَدَّا قُتَبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَقْنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنِ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمٌ عَنِ حُمَّيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنٍ عَبْدِ اللّهِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ - وَحَدْقَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بَشَّارِ جَمِيعًا عَنِ مُحَمَّدٍ بْنِ جَعْفَرٍ عَنِ شُعْبَةً ح وحَدَّقَتِي مُحَمَّدُ بْنُ حَائِمٍ حَدَّثَنَا يَحْتِىَ بْنُ سَّعِيدٍ حَدَّقْنَا سُفْيَاهُ كِلاهُمَا عَنٍ سَعْدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بِهِّذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ. ٢٩٧ (قالوا: يا رسول اللّه) القائل واحد: ونسب القول للمجموع لرضاهم به وموافقتهم عليه، فأحدهم قائل فعلا، والآخرون قائلون حكما، وفى رواية البخارى ((قيل: يا رسول اللّه)) بالبناء للمجهول. (وهل يشتم الرجل والديه؟) ((يشتم)) - بكسر التاء - والاستفهام استبعادى، والمعنى: نستبعد أن يشتم الرجل والديه، وفى رواية البخارى ((وكيف يلعن الرجل والديه)) ففيها استبعاد وتعجب وسؤال عن كيفية وقوع هذا الأمر العجيب. ( يسب أبا الرجل ) في هذه الرواية إضمار الفاعل، وفى رواية البخارى بإظهاره، ولفظها ((يسب الرجل أبا الرجل)) والاستفهام عن الشتم والجواب بالسب والمراد منهما واحد هنا. ( ويسب أمه فيسب أمه ) ظاهر هذه الرواية أن سب الأب يؤدى إلى سب الأب، وسب الأم يؤدى إلى سب الأم، وهو واضح وكثير، ورواية البخارى ((يسب الرجل أبا الرجل فيسب أباه ويسب أمه)» وظاهرها أن سب الأب يؤدى إلى سب الأب والأم زيادة من المسبوب، وهو كثير الوقوع أيضا. فقه الحديث لا خلاف فى أن سب الوالدين والتسبب فى سبهما من أفراد عقوق الوالدين، ولا خلاف فى أن العقوق من الكبائر، ولكن المشكل رواية البخارى التى تصرح بأن من أكبر الكبائر التسبب فى شتم الوالدين، فإذا كان التسبب فى شتمهما من أكبر الكبائر، فكيف يكون حكم مباشرة شتمهما؟ لهذا كانت رواية مسلم أقرب إلى الحكم الصحيح فالتسبب فى شتمهما من الكبائر، ومباشرة شتمهما من أكبر الكبائر، إذ ليس فعل السبب كفعل المسبب على كل حال، وهو لم يقصد شتم أبيه، فلا يأخذ حكم من شتمه قاصداً، ويمكن توجيه رواية البخارى بأن لفظ ((أكبر)) نسبى، فما هو من أكبر الكبائر قد يوجد ما هو أكبر منه، فالتسبب من أكبر الكبائر ومباشرة الشتم أكبر منه. وإنما كان شتم الوالدين من أكبر الكبائر، لأن شتم الأجنبى كبيرة وشتم الوالدين أقبح منه فيكون من أكبر الكبائر. ويؤخذ من الحديث ١- سد الذرائع. ٢- وأن من آل فعله إلى محرم يحرم عليه ذلك الفعل، وإن لم يقصد إلى ما يحرم، والأصل فى ذلك قوله تعالى: ﴿وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًّا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨]. ٣- وأن من تسبب فى شىء جاز أن ينسب إليه ذلك الشىء. ٤- وفيه جعل فعل السبب كفعل المسبب فيمنع بيع العنب لمن يتخذه خمرا، والحرير لمن يلبسه، والسلاح لمن يقطع به الطريق. ٢٩٨ ٥- وفيه العمل بالغالب، لأن الذى يسب أبا الرجل يجوز أن يسب الآخر أباه، ويجوز ألا يفعل، لكن الغالب أن يجيبه بمثل قوله. ٦- وفيه مراجعة التلميذ لشيخه فيما يقوله مما يشكل عليه. ٧- وفيه ما كان عليه الصحابة من حميد الأخلاق، إذ استبعدوا حصول هذا الفعل القبيح، وإلا فهو بعدهم کثیر. ٨- وفيه إثبات الكبائر. ٩- وفيه دليل على عظم حق الأبوين. والله أعلم ٢٩٩ (٥٤) باب تحريم الكبر ١٥٣- ١٩٧ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﴾(١٤٧) عَنِ النّبِيِّ ﴿ِ، قَالَ: «لا يُدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ» قَالَ رَجُلٌ: إِنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونُ قَوْبُهُ حَسَنًا وَتَعْلُهُ حَسَنَةٌ. قَالَ «إِنَّ اللَّهِ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ. الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ». ١٥٤ - ١٤٨ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ ﴾(١٤٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴾ «لا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِفْقَالُ حَّةٍ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. وَلا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ خَرْدَلٍ مِنْ كِبْرِيَاءَ». ١٥٥- ١٤٩٤ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ ﴾(١٤٩) عَنِ النَّبِيِّ ﴿؛ قَالَ «لا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ». المعنى العام رغم ما كان عليه الصحابة فى أول الإسلام من الفقر، ورغم ما كان عليه أوائل الصحابة من الانكسار والتواضع، فإن رسول اللّه كان يخشى القلة من زعماء القبائل حين يؤمنون، كان يخشى أن يصطحبوا معهم ما كانوا عليه من زهو على أفراد قبيلتهم وكبرياء على ضعفائهم، ومبدأ الإسلام الذى نادى به لأول وهلة: الناس سواسية كأسنان المشط، لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ ﴾ [الحجرات: ١٣]. من أجل هذا حذر الرسول من الكبر، وخوف المتكبرين؛ وأوعدهم أنهم لا يدخلون الجنة، بل لا يدخل الجنة أحد فى قلبه مثقال ذرة من كبر، ويتوهم بعض السامعين من الصحابة أن من الكبر حب الثوب الحسن والنعل الحسنة، فيقول أحدهم: يا رسول اللَّه إن بعضنا يحب أن يكون ثوبه حسنا جميلا، ويحب أن يكون نعله غالية متينة، فهل هذا من الكبر فنتحاشاه؟ فيقول صلى الله عليه وسلم: ذلك ليس بكبر، إن الكبر هو إنكار الحق، والترفع على الناس، أما حب الجمال فهو مشروع لأن اللّه جميل، خلق الجمال، ويحب أن يرى أثر نعمته على عبده، بشرط ألا يحقر الآخرين، فإن ترفع عن الناس بما أعطاه الله حرمه الله نعمته وجعل مأواه جهنم وبئس المصير. (١٤٧) وَحَدَّثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِىِ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُّ دِينَارٍ جَمِيعًا عَنِ يُحتَى بْنٍ حَمَّدٍ قَالَ ابْنُ الْمُثَنِى حَدَّثَِّي يَحْتِى بْنُ حَمَّادٍ أَخْرَنَا شَعْبَةُ عَنِ أَبَادَ بْنٍ تَغْلِبَ عَنِ فْضَّلِ الْفُقَيْمِيِّ عَنِّ ◌ِرَاهِيمَ النّخَعِيِّ عَنٍ عَلْقَمَةٌ عَنٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ (١٤٨) حَدَّثَّا مِنْجَابُ بنُ الْحَارِثِ التِّيُّ وَسُوَيَّدُ بْنُ سَعِيدٍ كِلاهُمَا عَنٍ عَلِيِّ بْنٍ مُسْهِرٍ قَالَ مِنْجَابٌ أُخْبُرَنَا ابْنُ مُسْهِرٍ غَنِ الأَعْمَشِ عَنِ إِبْرَاهِيمٌ عَنٍ عَلْقَمَةً عَنٍ عَبْدِ اللَّهِ (١٤٩) وحَدَّقْنَا مُحَمِّدُ بْنُ بَشَارٍ حَدََّا أَبُو دَاوُدَ حَدََّا شَعْبَةُ عَنٍ أَبَانَ بْنٍ تَغْلِبَ عَنٍ فَضَيْلٍ عَنِ إِبْرَاهِيمَ عَنٍ عَلْقَمَةً عَنٍ عَبْدِ اللَّهِ ٣٠٠