النص المفهرس

صفحات 261-280

(٤٦) باب سجود ابن آدم يغيظ الشيطان
١٣٦ - ١٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٣٣) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِلَ﴿: «إِذَا قَرَّأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ
فَسَجَّدَ، اعْتَوَلَ الشَّيْطَانُ يَيْكِي. يَقُولُ: يَا وَيْلَهُ. (وَفِي رِوَايَةٍ أَبِي كُرَيْبٍ يَا وَيْلِي). أُمِرَ ابْنُ آدَمَ
بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ. وَأُمِرْتُ بِالسُّجُودِ فَأَبَيْتُ فَلِيَ النَّارُ».
١٣٧ - : وَعَنْ الأَعْمَشِ(١٠) بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ «فَعَصَيْتُ فَلِيَ النَّارُ».
المعنى العام
إن الشيطان للإنسان عدو مبين، منذ أن خلق الله آدم أبا البشر، ونفخ فيه من روحه وأمر ملائكته
بالسجود، فسجدوا إلا إبليس أبى واستكبروكان من الكافرين، ومنذ ذلك الحين وهو مسلط ببنى آدم،
يعدهم ويمنيهم، ويزين لهم ويغويهم، ويأتيهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم
ليشاركوه معصية الرب الكريم، فتمتلئ جهنم منه وممن اتبعه منهم أجمعين.
إن عدوه الأكبر هو المسلم الذى يتجه إلى ربه بالعبادة، بل إن الذى يرغم أنفه هو المسلم الذى
يقرأ القرآن، وكلما وسوس له ليثنيه عن القراءة ازداد فيها، وكلما ذكره بأمور ينساها ليخرجه عن
الإخلاص والتوجه طارده واستغرق فى مناجاة ربه، والتفكر والتدبر فى معانيها، وهكذا تظل المعركة
مستمرة، والمجاهدة مشتدة، حتى إذا وصل المسلم فى قراءته إلى آية سجدة فسجد خنس الشيطان
وانهزم، وانعزل فى جانب بعيد من المكان، يندب حظه ويبكى على خسارته، ويتحسر على حاله
ومصيره، يندب كما تندب الثكلى، ويعض على أصابع الندم، ويقول: يا ويلتاه. يامصيبتاه واحسرتاه،
وا كارثتاه.
هذا هو المؤمن أغلبه فيغلبنى، وأزين له فيعرض عنى، وأدعوه فيرفض دعوتى، وأصادقه فيعادينى،
هذا هو المؤمن يقرأ القرآن، رغم أنفى ويستجيب لربه ويسجد لآية السجدة ويعصينى.
واحسرتاه، لقد أفلت منى ولم يعد من شيعتى، لقد تخلص من حبائلى ونجا من خديعتى وأصبح
من أهل الجنة.
وا حسرتاه واحسرتاه مرتين، مرة لفشلى فى محاولتى، ومرة لوقوعى أنا فى المعصية الماحقة،
وتكبرى على أوامر ربى، مرة لاستحقاقه الجنة، ومرة للحكم على بالطرد والإبعاد من رحمة الله. فهنيئاً
للمؤمنين الذين إذا ذكر اللَّه وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا وعلى ربهم يتوكلون.
(١٣٣) حَدَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةً وَأَبُو كُرَيْبٍ قَالا حَدََّا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٠) حَدَِّي زُهَيْرُ بْنَّ حَرْبٍ حَدَّثَنَا وَكِيعٌ حَدْفَا الأَعْمَشُ
٢٦١

المباحث العربية
( إذا قرأ ابن آدم السجدة ) المراد من ابن آدم المؤمن، فهو من العام المراد به مخصوص،
وفى الكلام مضاف محذوف، والتقدير: إذا قرأ ابن آدم آية السجدة.
( اعتزل الشيطان يبكى ) المفعول محذوف، أى اعتزل الشيطان ابن آدم أو الفعل لازم، أى
صار الشيطان فى عزلة وبعد عن ابن آدم، وجملة ((يبكى)) فى محل النصب على الحال.
وهل الاعتزال والبكاء حقيقة؟ أو مجاز عن الخيبة والتحسر؟ قولان وجيهان.
(ياويله) ((يا)) حرف ندبة، و(«ويل)) مندوب متوجع منه، وله حكم المنادى، وأصل المقول من
الشيطان: يا ويلى بإضافة الويل إلى ياء المتكلم كما صرح به فى الرواية الثانية.
قال النووى: وهذا التعبير من آداب الكلام، وهو أنه إذا عرض فى الحكاية عن الغير ما فيه سوء،
واقتضت الحكاية رجوع الضمير إلى المتكلم صرف الحاكى الضمير عن نفسه صوناً عن صورة إضافة
السوء إلى نفسه.
فقه الحديث
ظاهر الحديث أن المراد بالشيطان إبليس، لأنه أمر بالسجود فأبى، لكن يبعد هذا الظاهر
استحالة قيام إبليس واحد بإغواء جميع الناس، فكان المقصود بالشيطان أحد جنود إبليس وقوله
((أمرت بالسجود)) يعنى أمر أبوه الأکبر به.
وليس اعتزاله مستمراً، مجانبة للمؤمن وخصاماً، بل هو مؤقت، نفوراً من المؤمن المطيع
وانزعاجاً من السجود للَّه، ثم لا يلبث أن يعود موسوساً.
وقد احتج أصحاب أبى حنيفة بقوله: ((أمرابن آدم بالسجود)) على أن سجود التلاوة واجب على
التالى والسامع، ومذهب مالك والشافعى أنه سنة.
وأجابوا عن هذا الحديث بأجوبة منها:
أن تسمية هذا أمراً إنما هو من كلام إبليس، فلا حجة فيها، ولا يقويها أن النبى® حكاها، فقد
حكى غيرها من أقوال الكفار وهى باطلة.
وأن المراد بالأمر أمر الندب لا أمر الإيجاب.
وقد روى أن عمران بن حصين مربقارئ يقرأ آية سجدة، فمضى عمران ولم يسجد معه.
وروى البخارى أن عمر بن الخطاب قرأ يوم الجمعة آية سجدة فسجد وسجد الناس، حتى إذا
٢٦٢

كانت الجمعة القابلة قرأ بها ثم قال: يا أيها الناس. إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد أصاب، ومن لم
يسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد عمر
وروى عن ابن عمر قوله: إن اللَّه لم يفرض السجود إلا إن شاء.
هذا، والمحقق فى علاقة هذا الحديث بكتاب الإيمان وزيادته ونقصانه وبباب إطلاق اسم الكفر
على المعاصى -كما فى الحديث الذى قبله والحديث الذى بعده - المحقق فى علاقته بما نحن فيه
يجدها ضعيفة.
ولا يجدى فى هذا الربط محاولة الإمام النووى وقوله: مقصود مسلم رحمه اللَّه بذكر هذا الحديث
هنا أن من الأفعال ما تركه يوجب الكفر إما حقيقة وإما تسمية، فأما كفر إبليس بسبب السجود
فمأخوذ من قول اللَّه تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لَآدَمَ فَسَجَدُوا إِلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ
مِنْ الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٣٤].
لاتجدى هذه المحاولة لأن الحديث لا دلالة فيه على إطلاق لفظ الكفر على تارك السجود،
وخصوصاً أن المقارنة جاءت مع سجود التلاوة المختلف فى وجوبه وندبه.
والله أعلم
٢٦٣

(٤٧) باب بين المسلم والكفر ترك الصلاة
١٣٨- ١٣٤ عَنْ جَابِرٍ﴾(١٣٤) قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ:﴿ يَقُولُ: «إِنَّ بَيْنَ الرَّجُلِ وَتَيْنَ
الشّرْكِ وَالْكُفْرِ تَرْكَ الصَّلاةِ».
:: ومثله(٠٠).
المعنى العام
الصلاة عماد الدين، وأفضل الأعمال الصلاة لوقتها، وما افترض اللَّه على خلقه بعد التوحيد أحب
إليه من الصلاة، ولذا يقول صلى اللَّه عليه وسلم ((وجعلت قرة عينى فى الصلاة)).
وإذا كان فضل الصلاة بهذه المنزلة كان تركها من أكبر الكبائر، فما عظم ثواب فعله عظم عقاب
تركه، وقد قرن اللَّه الصلاة بالتوحيد فى كثير من آيات القرآن، وجعلها أول الشعائر الإسلامية، فهو
يقول جل شأنه: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَّفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ
وَذَّلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ [البينة: ٥]. ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ ﴾
[البقرة: ٣]. ﴿وَالَّذِينَ يُمْسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾ [الأعراف: ١٧٠].
﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ [إبراهيم: ٣١]. ﴿إِنَّنِي أَنَّا اللَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَّا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ
الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤].
كما قرن الرسول # الصلاة بالشهادتين فى أحاديثه الكثيرة كقوله صلى الله عليه وسلم ((بنى
الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول اللَّه وإقام الصلاة ... ».
وقد بلغ من اهتمام الشارع بالصلاة أن جعلها الفارق بين المسلم والكافر؛ لأنها العلامة الواضحة
المعلنة عن إسلام المرء فى كل يوم، فالشهادتان يكتفى فيهما بالنطق مرة واحدة فى العمر مع دوام
التصديق، فيحكم بإسلام المسلم إذا نطق، ولا يعرف استمراره على الإسلام إلا بالصلاة، والصلاة
وحدها لأن الصوم بين العبد وربه، والزكاة قد يتصدق بها من لا يؤمن بالله وبرسوله جوداً وكرماً، ثم
إنها مرة كل عام، ولأن الحج على المستطيع مرة فى العمر، وكان المشركون يقومون بأعماله تقديساً
للكعبة والمسجد الحرام.
فلم يبق علامة على استمرار إسلام المسلم من بين سائر الأركان إلا الصلاة، ولذا يجعلها الرسول
(١٣٤) حَدَّثَنَا يَحْتِى بْنُ يَحْتَى التَّمِيعِيُّ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةً كِلاهُمَا عَنْ جَرِيرٍ قَالَ يَحْبَى أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَّشِ عَنْ أَبِي
سُفْيَانَ قَالَ سَمِعْتُ جَابِرًا ﴾ يَقُولُ
(٠٠) حَدَّثَّا أَبُو غَسَّاتِ الْمِسْمَّعِيُّ حَدََّا الضَّحَّاكُ بْنُ مَعْلَدٍ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبُرَبِي أَبُو الزُّبِيِ أَنْهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَقُولُ
٢٦٤

* فى هذا الحديث الفارق والحائل بين المسلم وبين الشرك والكفر، فيقول: ((إن بين الرجل وبين
الشرك والكفر ترك الصلاة»، فالذى يمنع من الكفر عدم ترك الصلاة، فإذا تركت لم يبق حائل بين
المرء وبين الكفر، فيدخل فى الكفر.
بل جعل الإسلام عدم النشاط لها والكسل فيها مظهراً من مظاهر المنافقين، فيقول تعالى: ﴿ إِنَّ
الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُوَّنَ
اللَّهَ إِلا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢].
هذه مكانة الصلاة فى الإسلام، فأين المسلمون اليوم من دينهم؟ وأين أولياء الأمور من قوله
تعالى: ﴿وَأُمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ [طه: ١٣٢]؟
فاللهم أعنا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك، ووفق المسلمين للعودة إلى الطريق المستقيم.
المباحث العربية
( بين الرجل ) أى بين المسلم رجلا كان أو امرأة.
( وبين الشرك والكفر) أى بينه وبين أن يصل إلى الشرك والكفر، كما نقول: بينى وبين
المسجد خطوتان، فالخطوتان توصلان إلى المسجد. وكذلك الذى يوصل المسلم إلى الكفر ترك
الصلاة، وفى رواية أبى نعيم ((بين الرجل وبين الشرك أو الكفر)» بأو بدل الواو.؟
والشرك والكفر قد يطلقان بمعنى واحد، وقد يخص الشرك بعبادة الأوثان وعبادة غيرها من
المخلوقات مع الاعتراف باللّه تعالى: ككفار قريش؛ فيكون الكفر أعم من الشرك، فإنه يشمل الموحد
الذى يكفر بمحمد ₪، أو ينكر ما علم من الدين بالضرورة.
( ترك الصلاة ) أى الصلوات الخمس المفروضة.
فقه الحديث
تارك الصلاة منكراً لوجوبها كافر بإجماع المسلمين، خارج عن ملة الإسلام، إلا أن يكون قريب
عهد بالإسلام، ولم يخالط المسلمين مدة يبلغه فيها وجوب الصلاة عليه.
وأما تارك الصلاة تكاسلا مع اعتقاد وجوبها - كما هو حال كثير من الناس - قفيه
خلاف بين العلماء.
فذهب جماعة من السلف إلى أنه يكفر، وهذا القول مروى عن على - كرم الله وجهه - وهو أحد
روايتين عن أحمد بن حنبل، وهو وجه لبعض أصحاب الشافعى، وهم يحتجون بظاهر الحديث.
٢٦٥

وذهب أبو حنيفة إلى أنه لا يكفر، ولا يقتل، بل يعزر ويحبس حتى يصلى. واحتجوا بقوله صلى
الله عليه وسلم: ((لايحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزانى، والتارك
لدينه المفارق للجماعة)» وليس منهم تارك الصلاة.
وذهب مالك والشافعى وجماهير السلف والخلف إلى أنه لا يكفر، بل يفسق ويستتاب، فإن تاب
فبها ونعمت، وإلا قتلناه حداً، كالزانى المحصن، ولكنه يقتل بالسيف.
واحتجوا على عدم كفره بما احتج به أبو حنيفة، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بهِ
وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] ويقوله صلى اللّه عليه وسلم (( من قال لا إله إلا اللّه دخَلَ
الجنة)) و((من مات وهو يعلم أن لا إله إلا اللَّه دخل الجنة)) و((لا يلقى اللَّه تعالى عبد بها غير شاك
فيحجب عن الجنة».
واحتجوا على قتله بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَأَتَّوْا الزَّكَاةَ فَخَلُوا
سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] وقوله صلى الله عليه وسلم: ((أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله
إلا اللَّه ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا منى دماءهم وأموالهم)).
وتأولوا قوله صلى اللّه عليه وسلم ((بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة)» على معنى أنه
يستحق بترك الصلاة عقوبة الكافر، وهى القتل، أو أنه محمول على المستحل، أو معناه أنه قد يؤول به
ترك الصلاة إلى الكفر، أو أن فعله يشبه فعل الكفار. حكاه النووى رحمه اللَّه تعالى.
واللَّه أعلم
٢٦٦

(٤٨) باب أفضل الأعمال: الإيمان - الجهاد - الحج - والعتق
مساعدة الصانع والأخرق - الكف عن الشر
١٣٩- ١٣٥ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾ (١٣٥) قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ِ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ
«إِيمَانٌ بِاللَّهِ» قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قَالَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ «حَجٌّ مَبْرُورٌ».
وَفِي رِوَايَةٍ مُحَمَّدٍ بَنِ جَعْفَرٍ قَالَ: «إِيمَانٌ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ».
١٤٠ - ١٣٦ عَنْ أَبِي ذَرْ ﴾(١٣٦) قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ
«الإِيمَانُ بِاللَّهِ، وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ» قَالَ قُلْتُ: أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ؟ قَالَ «أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا،
وَأَكْثَرُهَا ثَمًَّا)) قَالَ قُلْتُ: فَإِنْ لَّمْ أَفْعَلْ؟ قَالَ أُعِينُ صَائِعًا أَوْ تَصْنَعُ لِأَخْرَقَ» قَالَ قُلْتُ: يَا
رَسُولَ اللَّهِ! أَرَأَيْتَ إِنْ ضَعُفْتُ عَنْ بَعْضِ الْعَمّلِ؟ قَالَ «تَكُفُّ شَرَّكَ عَنِ النَّاسِ، فَإِنَّهَا صَدَقَةٌ
مِنْكَ عَلَى نَفْسِكَ».
١٤١ - ١١ وعَنْ أَبِي ذَرِّ (٠٠) عَنِ النّبِيِّ ◌َ بِتَحْوِهٍ غَيْرَ أَنْهُ قَالَ «فْتُعِينُ الصَّائِعَ أَوْ
تَصْنَعُ لأَخْرَقَ».
المعنى العام
لما دخل الإيمان قلوب الصحابة، وامتزج بأرواحهم ودمائهم أخذوا يتنافسون على عمل
الصالحات، ويسألون رسول اللّه * عن أفضل الأعمال التى تقرب من الجنة وتباعد من النار، بل
التى ترفع الدرجات وتقرب من اللَّه، ليصعدوا فى سلم الكمال، وليصلوا إلى أرفع المنازل.
فهذا أبو ذر يسأل رسول اللَّه ◌َ﴿ فيقول: يا رسول اللَّه أى الصالحات أفضل عند اللَّه؟ قال صلى
اللَّه عليه وسلم: أفضل الأعمال الإيمان بالله ورسوله إيماناً بالغاً حد الجزم لا يخالطه شك ولا يساوره
قلق. قال: يا رسول اللَّه ثم أى الأعمال أفضل بعد الإيمان بالله ورسوله؟ قال: الجهاد فى سبيل اللَّه،
والدفاع عن الإسلام بالنفس والمال قال: ثم أى الأعمال أفضل بعد الجهاد فى سبيل الله؟ قال: الحج
(١٣٥) وَحَدََّا مَنْصُورُ بْنُ أَبِي مُزَاحِمٍ حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنَ سَعْدٍ ح حَدَّتِي مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ زِبَادٍ أَخْرَنًا إِبْرَاهِيمُ يَعْنِي ابْنَ سَعْدٍ عَنٍ
ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ الْمُسْيْبِ عَنَّ أَبِي هُرَيْرَةً
- وَحَدَّقِهِ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَخْهُرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِهَذَا الإِسْتَادِ مِثْلَهُ.
(١٣٦) حَدَّثَنِي أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ حَدَّقْنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ حَلََّا هِشَامٌ بْنُ عُرْوَّةٍ ح وخَدَّقَا خُلَفَ بْنُ هِشَامٍ وَاللَّفْظُ لَهُ حَذَّقْنَا حَمَّاذُ
ابْنُ زَيْدٍ عَنْ هِشَامٍ بْنِ عُرْوَةً عَنْ أَبِهِ عِنْ أَبِي مُرَارِحِ اللَّنِيِّ عَنْ أَبِي ذَرّ
(١٠) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رَأَلِعَ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالَ عَبْدٌ أَخْرِنَا وَقَالَ ابْنُ رَّافِعٍ حَدََّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ
حَبِيبٍ مَوْلَى عُرْوَةَ بْنِ الزُّبِيْرٍ عَنْ عُرْوَةٌ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي مُرَاوِحٍ عَنْ أَبِّي ذَرْ
٢٦٧

المبرور والمتقبل، الخالى من اللغو والرفث والفسوق والجدال قال: يا رسول الله، من كانت عنده
رقاب يريد أن يعتق منها، فأى الرقاب أفضل فى العتق؟ قال: أحسنها وأحبها عند صاحبها، وأغلاها
ثمناً قال: يا رسول الله، إن لم يكن عندى رقاب أعتقها وأردت المنافسة فى الخير، فماذا أفعل؟ قال
صلى الله عليه وسلم: تساعد الصانع فى صنعته، والمحتاج فى حاجته، وتعين الضعفاء وأهل البطالة.
قال: يا رسول اللَّه، لو أنى ضعفت قوتى عن هذه المساعدة، فماذا أفعل لأسهم فى الخير؟ قال:
تكف شرك عن الناس، وتمسك لسانك وجوارحك عن الأذى، فتحسن بذلك إلى نفسك، وتحميها من
السيئات والآثام.
المباحث العربية
( سئل رسول اللَّه *) السائل أبو ذر المصرح به فى الرواية الثانية، وإنما سأل عن أفضل
الأعمال ليلتزمه، كعادة الصحابة فى الحرص على الخير.
(إيمان بالله) إذا اقتصر فى الإيمان على الإيمان باللّه أريد منه الإيمان بالله ورسوله، إذ هو
المنجى من النار، فالمراد من هذه الرواية هو المراد من رواية ((إيمان بالله ورسوله)».
(ثم ماذا؟ ) مبتدأ والخبر محذوف، أو خبر والمبتدأ محذوف، أى ثم ماذا الأفضل
بعد الإيمان باللّه؟.
(الجهاد فى سبيل الله) فى بعض الروايات ((ثم جهاد فى سبيل اللَّه)) فتتوافق الثلاثة فى
التنكير، ويكون التنوين للإفراد الشخصى، والتعريف للكمال. ويمكن أن يقال: إن التذكير للتعظيم، وهو
يعطى الكمال. قال صاحب الفتح: إن التذكير والتعريف من تصرف الرواة لأن مخرجه واحد.
(حج مبرور) أى مقبول، يقال: برحجك بضم الباء، وبراللَّه حجك بفتحها، أى قبله، واعترض
على هذا التفسير بأن القبول لا اطلاع لأحد عليه حتى يصح قوله صلى الله عليه وسلم ((أفضل الأعمال
الحج المقبول)»، وأجيب بأن من علامات القبول أن يزداد صاحبه بعده خيراً.
والأولى أن يقال: الحج المبرور هو الذى لا يخالطه شىء من المآثم، ومنه برت يمينه إذا سلم من
الحنث، وبربيعه إذا سلم من الخداع. وقيل: هو الصادق الخالص للَّه تعالى.
( أى الرقاب؟ ) جمع رقبة والمراد الرقيق، وإطلاق الرقبة على الرقيق مجاز مرسل مشهور
علاقته الجزئية والكلية.
( أنفسها عند أهلها ) أرفعها وأجودها، وقيل، أكثرها رغبة عند أهلها لمحبتهم فيها قال
الأصمعى: مال نفيس أى مرغوب فيه.
٢٦٨

(وأكثرها ثمناً) وفى رواية ((أعلاها ثمناً)) بالعين المهملة أو بالغين، فأفضل الرقاب من
جمعت بين الصفتين.
( فإن لم أفعل؟ ) المفعول وجواب الشرط محذوفان للعلم بهما، والتقدير: فإن لم أفعل العتق
فماذا أفعل من الخير؟ أى إن لم أقدر على ذلك، فأطلق الفعل وأراد القدرة عليه، وفى رواية ((فإن لم
أستطع)».
(تعين صانعاً) وفى رواية ((الصانع)) روى بالصاد المهملة في ((صانعا)) و((تصنع)) من
الصنعة، وروى بالضاد المعجمة، وبالهمزة بدل النون، تكتب ياء فى الخط من الضياع، والصحيح عند
العلماء رواية الصاد المهملة لمقابلته بالأخرق، وإن كان المعنى بالضاد المعجمة صحيحاً، إذ معونة
الضائع مطلوبة.
( أو تصنع الأخرق ) الأخرق هو الذى ليس بصانع، يقال: رجل أخرق وامرأة خرقاء لمن لا
صنعة له.
(أرأيت ) أى أخبرنى عن جواب هذا الاستفهام، وفى دلالة ((أرأيت)) على أخبرنى مجازان.
الأول: فى الاستفهام الذى هو طلب الفهم، بأن نريد منه مطلق الطلب عن طريق المجاز المرسل
بعلاقة الإطلاق بعد التقييد.
الثانى: فى ((رأى)) التى هى بمعنى علم أو أبصر، بأن نريد منها المسبب عن العلم أو الإبصار، وهو
الإخبار، عن طريق المجاز المرسل أيضا بعلاقة السببية والمسببية، فيتحصل منهما طلب الإخبار
المدلول عليه بلفظ أخبرنى.
(إن ضعفت عن بعض العمل ) أى لم أستطع عمل الخير المشار إليه صحياً أو مالياً.
( فإنها صدقة منك على نفسك) الضمير فى ((فإنها)) عائد على كف الشر باعتباره خصلة
وفعلة، أى فإن هذه الخصلة أو الفعلة صدقة، والصدقة فى الأصل ما يخرجه المرء من ماله فى ذات
اللَّه، والمراد منها هنا الثواب. وإذا كف شره عن غيره فكأنه قد تصدق عليه لأمنه منه، فإن كان شراً لا
يعدو نفسه فقد تصدق على نفسه بأن منعها من الإثم.
فقه الحديث
جعل الرسول : فى هذا الحديث أفضل الأعمال الإيمان بالله ثم الجهاد ثم الحج، وفى حديث
ابن مسعود الآتى جعل أفضل العمل الصلاة لوقتها ثم الجهاد فى سبيل الله، وفى حديث عبد الله بن
عمرو: أى الإسلام خير؟ قال: ((تطعم الطعام وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف)). وفى حديث
أبى موسى: «أى المسلمين خير؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده)). وفى حديث عثمان:
((خيركم من تعلم القرآن وعلمه)) وأمثال هذا فى الصحيح كثيرة.
٢٦٩

وقد اختلف العلماء فى الجمع بينها، فقيل: يجوز أن يكون المراد: من أفضل الأعمال كذا، أو من
خيرها كذا، أو من خيركم من فعل كذا، فحذفت ((من)) وهى مرادة، كما يقال: فلان أعقل الناس
وأفضلهم ويراد أنه من أعقلهم وأفضلهم.
ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: ((خيركم خيركم لأهله)) ومن المعلوم أنه لا يصير بذلك خير
الناس، ومن ذلك قولهم: أزهد الناس فى العالم جيرانه، وقد يوجد فى غيرهم من هو أزهد منهم فيه.
والأولى أن يقال: إن اختلاف جوابه صلى الله عليه وسلم مع اتحاد السؤال أو تشابه الأسئلة إنما
كان مراعاة لمقتضى الحال، فقد يراعى حال السائل وما هو أنفع له وأخص به فإن كان السائل ذا
نجدة فالجهاد فى حقه أفضل، وإن كان له والدان يعتمدان عليه لوخرج للجهاد ضاعا فالبرفى حقه
أفضل، ومن ذلك ما ورد أن رجلا سأل رسول اللَّه ◌َ ل عن الجهاد، فقال: ألك والدان؟ قال: نعم. فقال:
ففيهما فجاهد، وإن كان السائل امرأة تسأل عن الجهاد لم يكن بالنسبة لها أفضل الأعمال، ففى
البخارى عن عائشة ((قالت: يارسول اللّه نرى الجهاد أفضل العمل، قال: لكن أفضل الجهاد حج
مبرور». وقد يراعى حال المخاطبين والسامعين فيعلم كل قوم بما بهم من حاجة إليه، أو بما لم
يكملوه بعد من دعائم الإسلام فقد ورد عن ابن عباس أن رسول اللَّه ◌ِ * قال: «حجة لمن لم يحج
أفضل من أربعين غزوة، وغزوة لمن حج أفضل من أربعين حجة)» وقد يراعى ما هو أليق بالزمان، كما
لو نزل العدو بأرض المسلمين، وفى وقت الزحف الملجئ والنفير العام، فإن الجهاد حينئذ يجب على
الجميع، وإن كان كذلك فالجهاد أولى بالتحريض والتقديم على ما سواه، وكما لونزلت بالمسلمين
ضائقة وفقر وجدب وشدة، فإن إطعام الطعام حينئذ يكون أولى بالتقديم، ويكونه أفضل الأعمال.
فكأن الأفضلية أمر نسبى، فما هو أفضل لى قد يكون غيره أفضل لغيرى، بل قد يكون الشىء خير
الأشياء لى فى وقت، وغيره خيراً منه لى فى وقت آخر.
ومرجع هذا الجواب إلى تقييد كل حديث بالحال والمقام، وهذا الجواب يصلح جواباً عن قول
القائل: لم خص هذه الأمور بالذكر من بين سائر خصال الإسلام وشعبه؟ وكذلك عن قول القائل: لم
قدم الجهاد - وليس بركن - على الحج وهو ركن؟ ولا يشكل على هذا الجواب ما جاءت به بعض
الروايات من التعبير بحرف ((ثم)) وهى موضوعة للترتيب، فقد تقتضى الظروف والأحوال هذا
الترتيب فى مثل هذا، على أنهم قالوا إن الترتيب ترتيب فى الذكر، من قبيل قوله تعالى: ﴿وَمَا أَذْرَاكَ
مَا الْعَقَبَةُِ فَلهُّ رَقَبَةٍ ﴾ أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمِ ذِي مَسْغَبَةٍ ﴾ٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ﴾؛ ثُمَّ
كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البلد: ١٢-١٧]، ومعلوم أنه ليس المراد هنا الترتيب فى الفعل بين الإطعام
والإيمان.
وكقول الشاعر:
قل لمن ساد ثم ساد أبوه .. ثم قد ساد قبل ذلك جده
وإذا صرفنا النظر عن الظروف ومقتضيات الأحوال فإنه لا خلاف فى أن أفضل الأعمال الإيمان
٢٧٠

بالله ورسوله، لأنه شرط فى كلها، وأساس فى قبول أى منها، ثم إن شرف الصفة بشرف متعلقها،
ومتعلق الإيمان اللَّه ورسوله، ولا يدخل فى الإيمان ههنا الأعمال بسائر الجوارح كالصوم والحج
والجهاد وغيرها لكونه جعل قسيما للجهاد والحج، ولا يمنع هذا من تسمية الأعمال المذكورة إيماناً
باعتبارها من الإيمان المنجى من النار. أما الشبهة الواردة فى عد الإيمان من الأعمال مع أنه
التصديق بالقلب عند جمهور المتكلمين. فقد يجاب عنها بأن المراد من الأعمال المسئول عن أفضلها
ما هو أعم من عمل القلب وعمل الجوارح. وهذا الجواب خير من قول بعضهم: إن المراد من الإيمان
المجعول أفضل هو الذكر الخفى من تعظيم حق الله تعالى وحق رسوله * وإدامة الذكر وتدبر آيات
كتاب الله.
وأما عدم ذكر الحج فى روايتنا الثانية وعدم ذكر العتق وما بعده فى روايتنا الأولى فهو من تصرف
الرواة. والله أعلم.
وقد أفادت الرواية الثانية أن عتق أنفس الرقاب أفضل من عتق غير الأنفس. وهذا فيمن أراد أن
يعتق رقبة واحدة، أما إذا كان معه ألف درهم وأمكن أن يشترى رقبتين مفضولتين أو رقبة نفيسة،
فالرقبتان أفضل، وهذا بخلاف الأضحية فإن التضحية بشاة سمينة أفضل من التضحية بشاتين
دونها فى السمن، قال الشافعى: فى الأضحية استكثار القيمة مع استقلال العدد أحب إلىّ من
استكثار العدد مع استقلال القيمة، وفى العتق استكثار العدد مع استقلال القيمة أحب إلى من
استكثار القيمة مع استقلال العدد، لأن المقصود من الأضحية اللحم، ولحم السمين أوفر وأطيب،
والمقصود من العتق تكميل حال الشخص وتخليصه من ذل الرق، وتخليص جماعة أفضل من
تخليص واحد.
ويؤخذ من الحديث
١ - حرص الصحابة على تتبع أفضل الأعمال والسؤال عنه لالتزامه.
٢- حلم النبى ₪ ورفقه بالسائل حتى ولوتمادى فى تساؤله.
٣ - الترغيب فيما ذكر من الأعمال باعتباره أفضل شعب الإيمان.
٤- فيه حجة لمن جعل الترك والكف عملا وكسباً للعبد.
٥- استدل بظاهره بعضهم على أنه ليس فى الشرع شىء إلا وله أجر أو عليه وزر، والجمهور على خلافه.
٦- فيه إشارة إلى أن الصدقة لا تنحصر فى الأمر المحسوس.
٧- فيه أن الكف عن الشرور والآثام يثاب عليه، والجمهور على أنه يثاب إذا قصد بالترك
وجه اللَّه تعالى.
٨- الحث على فعل الخير مهما أمكن، وليس فى الحديث ترتيب فيما تضمنه إنما هو لإيضاح
٢٧١

ما يفعله من عجز عن خصلة من الخصال المذكورة، فمن أمكنه أن يفعل الجميع فليفعل، ومن
.عجز عن الأعلى انتقل إلى الأدنى.
٩- أن الشفقة على خلق الله لا بد منها.
١٠- أخذ منه بعضهم أن إعانة الصانع أفضل من إعانة غير الصانع، لأن غير الصانع مظنة الإعانة،
فكل أحد يعينه غالباً، بخلاف الصانع، فإنه لشهرته بصنعته يغفل عن إعانته.
واللَّه أعلم
٢٧٢

(٤٩) باب أفضل الأعمال الصلاة لوقتها وبر الوالدين
١٤٢ - ١٣٧ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ مَسْعُودٍ ﴾(١٣٧) قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ أَيُّ الْعَمْلِ
أَفْضَلُ؟ قَالَ «الصَّلاةُ لِوَقْتِهَا» قَالَ قُلْتُ: ثُمَّ أَيّ؟ قَالَ «بِرُّ الْوَالِدَيْنٍ» قَالَ قُلْتُ: ثُمَّ أَيُّ؟ قَالَ
«الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» فَمَا تَرَكْتُ أَسْعَزِيدُهُ إِلا إِرْعَاءً عَلَّيْهِ.
١٤٣ - ١٣٨ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَ﴾(١٣٨) قَالَ قُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَقْرَبُ
إِلَى الْجَنّةِ؟ قَالَ «الصَّلاةُ عَلَى مَوَافِيَتِهَا» قُلْتُ: وَمَاذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ «بِرُّ الْوَالِدَيْنِ» قُلْتُ:
وَمَاذَا يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟ قَالَ «الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ».
١٤٤ - ٣٩ٍ عَنْ أَبِى عَمْرٍوِ الشَّيْيَانِيّ(١٣٩) قَالَ: حَدَّيِي صَاحِبُ هَذِهِ الدَّارِ (وَأَشَارَ إِلَى دَارٍ
عَبْدِ اللَّهِ) قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ الَّهِلَ﴿ِ: أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ «الصَّلاةُ عَلَى وَفِيهَا»
قُلْتُ: ثُمَّ أَيِّ؟ قَالَ «قُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنٍ» قُلْتُ: ثُمَّ أَيِّ؟ قَالَ «ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ» قَالَ:
حَدَّثَيِي بِهِنَّ، وَلَوِ اسْعَزَدْتُهُ لَزَادَتِي.
:: وَحَدَّثَنَا شَعْبَةُ(٠٠) بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ. وَزَادَ: وَأَشَارَ إِلَى دَارِ عَبْدِ اللَّهِ وَمَا
سَمَّاهُ لَنَا.
١٤٥- ٤٠ُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ﴾(١٤٠١) عَنِ الَّبِيِّ ◌َ﴿ قَالَ «أَفْضَلُ الأَعْمَالِ (أَوِ الْعَمَلِ) الصَّلاةُ
لِوَفْهَا، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ».
المعنى العام
وفى مجال التنافس فى الخير، والسؤال عن أفضل القريات يسأل عبد اللَّه بن مسعود رسول اللّه
51 أى العمل أفضل؟ وأى الطاعات أحب إلى اللَّه؟ ويجيبه صلى اللّه عليه وسلم: أحب الأعمال إلى
(١٣٧) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةٌ حَدًَّا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنِ الشََّالِيِّ عَنِ الْوَلِدِ بْنِ الْغَيْزَارِ عَنْ سَعْدٍ يْنِ إِيَاسِ أَبِي عَمْرٍوِ الشََّائِيِّ
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بَنِ مَسَعُودٍ
(١٣٨) حَذِّنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عُمَرَ الْمَكِّيُّ خَذْقَنَا مَرْوَانُ الْفَزَارِيُّ حَدْقَا أَبُو يَعْفُورٍ عَنِ الْوَّلِدِ بْنِ الْعَيْزَارِ عَنْ أَبِي عَمْرٍوِ الشََّالِيِّ عَنْ
عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ
(١٣٩) وحَدَّنَا عُبَيَدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذِ الْعَنْبَرِيُّ حَدََّا أَبِي حَذْقَا شُعْبَةُ عَنِ الْوَلِدِ بْنِ الْعَيْزَارِ أَنْهُ سمع أبا عَمْرِوِ الشََّالِيَّ
(١٠) حَذًَّا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ حَدَّثَنَا مُحَّمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ
(١٤٠) حَدِّنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِيّ شَيْئَةً حَدَّقْنَا جَرِيرٌ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي عَمْرٍوِ الشََّائِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ
٢٧٣

اللَّه المحافظة على أداء الصلوات فى مواقيتها، قال ابن مسعود: ثم ماذا من أعمال الصالحات أحب
إلى اللَّه؟ قال رسول اللّه لَ ﴿: بر الوالدين ورعاية أمورهما والإحسان إليهما، قال: ثم أى الأعمال بعد
برالوالدين؟ قال: الجهاد فى سبيل اللَّه والدفاع عن الإسلام ونشره بين الأمم.
وكان ابن مسعود يرغب فى الاسترسال فى أسئلته حرصاً على الاستزادة من العلم ومعرفة أبواب
الخير، لكنه استشعر أو خاف ملل الرسول { فسكت شفقة منه عليه، وهو يعلم أنه لوسأل زيادة
لأجيب.
فرضى اللَّه عن ابن مسعود وعن سائر الصحابة الذين قال الله فيهم ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾
[المائدة: ٥٤] وصلى الله عليه وسلم على من قال فيه ربه ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنفُسِكُمْ
عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتَّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨].
المباحث العربية
( أى العمل أفضل) وفى الرواية الثانية ((أى الأعمال أقرب إلى الجنة)) وفى الرواية الثالثة
((أى الأعمال أحب إلى الله)) والظاهر أن السؤال كان بالصيغة الأولى، والصيغتان الثانية والثالثة من
تصرف الرواة، والرواية بالمعنى والتعبير بالملزوم بدل اللازم.
( الصلاة لوقتها ) اللام للابتداء كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨].
أى الصلاة لابتداء وقتها، وقيل: للاستقبال كقوله تعالى: ﴿ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١].
أى الصلاة مستقبلة وقتها، وقيل: بمعنى ((فى)) أى الصلاة فى وقتها. ورواه الدارقطنى بلفظ ((لأول
وقتها)» وقال النووى عنها: إنها ضعيفة.
وفى روايتنا الثانية ((الصلاة على مواقيتها)) وفى روايتنا الثالثة كرواية البخارى ((الصلاة على
وقتها)) ويمكن أن يفهم من هذه الرواية أن المقصود أول وقتها، من حيث إن لفظة ((على)) تقتضى
الاستعلاء على جميع الأوقات، فيتعين أول الوقت.
والتحقيق أن الاستعلاء المفهوم من لفظ ((على)) إنما يدل على تحقق دخول الوقت ليقع الأداء
فيه، ولا يدل على أول الوقت، فالمراد التمكن من أدائها فى أى جزء من أجزاء وقتها.
( ثم أى ) قيل: الصواب أنه غير منون، لأن السائل ينتظر الجواب، والتنوين لا يوقف عليه،
فتنوينه ووصله بما بعده خطأ، فيوقف عليه وقفة لطيفة، ثم يؤتى بما بعده، وهو مضاف تقديراً،
والمضاف إليه محذوف لفظاً، والتقدير: ثم أى العمل أفضل، فيوقف عليه بلا تنوين.
( برالوالدين ) قال أهل اللغة: بررت والدى - بكسر الراء - أبره - بضمها مع فتح الباء- برا،
وأنا بربه - بفتح الباء - وبار، وجمع البر الأبرار وجمع البار البررة، والبرضد العقوق.
٢٧٤

( فما تركت أستزيده) ((أن)) المصدرية مقدرة، أو الفعل ((أستزيده)» مسبوك بمصدر من غير
سابك على غير قياس، والمصدر مفعول ((تركت)) والتقدير: فما تركت الاستزادة منه إلا إشفاقاً عليه.
( إلا إرعاء عليه ) بكسر الهمزة وإسكان الراء وبالعين المهملة ممدود، ومعناه إبقاء
عليه ورفقاً به، وفى رواية الترمذى ((فسكت عنى رسول اللّه . ولو استزدته لزادنى)) فكأنه
فهم منه السآمة، فسكت.
( حدثنى بهن ) مقول عبد الله بن مسعود، وفيه تقرير وتأكيد لما تقدم من أنه باشر السؤال
وسمع الجواب.
( ولواستزدته ) يريد من هذا النوع، وهو مراتب أفضل الأعمال.
فقه الحديث
قال ابن بطال: فى الحديث أن البدار إلى الصلاة فى أول أوقاتها أفضل من التراخى فيها، لأنه
إنما شرط فيها أن تكون أحب الأعمال إذا أقيمت لوقتها المستحب. اهـ
وقد اعترض ابن دقيق العيد على قول ابن بطال وقال: ليس فى هذا اللفظ مايقتضى أولا ولا آخراً،
وكأن المقصود به الاحتراز عما إذا وقعت قضاء. اهـ وتعقب بأن إخراجها عن وقتها محرم، ولفظ
((أحب)) يقتضى المشاركة فى الاستحباب، فيكون المراد الاحتراز عن إيقاعها آخر الوقت. وأجيب
على التعقيب بأن المشاركة إنما هى بالنسبة إلى الصلاة وغيرها من الأعمال، فإن وقعت الصلاة فى
وقتها كانت أحب إلى الله من غيرها من الأعمال، فوقع الاحتراز عما إذا وقعت خارج وقتها من
معذور كالنائم والناسى، فإن إخراجهما لها عن وقتها لا يوصف بالتحريم، ولا يوصف بكونه أفضل
الأعمال مع كونه محبوباً، لكن إيقاعها فى الوقت أحب. اهـ فتح البارى.
ونحن مع ابن بطال فى أن أفضل الأعمال الصلاة فى أول وقتها لأن مجموع الروايات [(الصلاة
لوقتها)) و((الصلاة على مواقيتها)) و((الصلاة على وقتها))] ترجح أن اللام للابتداء أو للاستقبال كما
قلنا، لتتوافق مع الاستعلاء المأخوذ من ((على)) وتبعد أن اللام بمعنى ((فى)) خصوصاً وقد جاء
التصريح بأول الوقت ((الصلاة فى أول وقتها)) فيما أخرجه الحاكم والدارقطنى والبيهقى عن على بن
حفص الذى قال عنه الحافظ ابن حجر: إنه شيخ صدوق من رجال مسلم: وهذا لا يمنع فضل الصلاة
فى وقتها، لكن الصلاة فى أول وقتها أفضل من الصلاة فى آخروقتها ومن جميع الأعمال.
أما بر الوالدين فقد وضحه القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿ وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْئًا﴾
[العنكبوت: ٨]. وبقوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبَالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًاَ إِمَّا يَبْلَّغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ
أَحَدُهُمَا أَوْ كِلاهُمَا فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفِّ وَلا تَنْهَرْهُمَا وَقُلَلَهُمَا قَّوْلا كَرِيمًا﴾ وَاخْفِضَْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنْ
الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبِّيَانِي صَغِيرًا﴾ [الإسراء: ٢٤،٢٣].
٢٧٥

واقتضت الآيات الوصية بالوالدين والأمر بطاعتهما ولو كانا كافرين إلا إذا أمرا بالشرك فتجب
معصيتهما فى ذلك، عملا بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌّ فَلا
تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ﴾ [لقمان: ١٥].
وقد أخرج الإمام مسلم فى صحيحه عن مصعب بن سعد عن أبيه قال: حلفت أم سعد
لا تكلمه أبداً حتى يكفر بدينه، قالت: زعمت أن اللَّه أوصاك بوالديك، فأنا أمك وأنا أمرك
بهذا فنزلت ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا
تُطِعْهُمَا ﴾ [العنكبوت: ٨].
وفى رواية: ((قالت أمه: يا سعد لن آكل ولن أشرب حتى أموت، فتعيربى بين العرب، فيقال لك:
يا قاتل أمه. فقال سعد: يا أماه. واللَّه لقد علم العرب أننى أبر الناس بأمى، ولكن لو أن لك مائة نفس
فخرجت نفساً نفساً مارجعت عن دينى)».
وقد اختلف العلماء فى تقديم حق الأم فى البرعلى الأب، فذهب الجمهور إلى أن للأم ثلاثة أمثال
ما للأب من البر، أخذاً من الحديث الصحيح أن رجلا سأل رسول اللَّه ﴿: فقال: «يا رسول الله. من
أحق بحسن صحابتى؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال أمك. قال: ثم من؟ قال:
أبوك)) ومن الحديث الصحيح أيضاً أن رسول اللَّه* قال: ((إن الله يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم
بأمهاتكم، ثم يوصيكم بأمهاتكم، ثم يوصيكم بآبائكم، ثم يوصيكم بالأقرب فالأقرب».
قال الجمهور: وكان ذلك لصعوبة الحمل، ثم الوضع، ثم الرضاع. فهذه تنفرد بها الأم وتشقى بها،
ثم تشارك الأب فى التربية. وقد وقعت الإشارة إلى ذلك فى قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ
إحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلاثُونَ شَهْرًا ﴾ [الأحقاف: ١٥] فسوى بينهما
فى الوصاية وخص الأم بالأمور الثلاثة.
ونقل بعضهم عن مالك أنهما فى البرسواء، أخذاً مما روى عنه أنه سأله رجل قال: طلبنى أبى
فمنعتنى أمى؟ قال مالك: ((أطع أباك ولا تعص أمك)) قال ابن بطال: هذا يدل على أنه يرى أن برهما
سواء، إذ قال الليث حين سئل عن المسألة بعينها، قال: أطع أمك، فإن لها ثلثى البر، قال الحافظ
ابن حجر: والصواب رأى الجمهور.
وعندى أن بعض الأمهات فى بعض البلاد متخلفات العقل، قاصرات فى التفكير، قد تأمرابنها
بما يضر دينه ودنياه، وتنهاه عما يصلح حاله. قد تأمره بزواج قريبتها وهو لا يهواها وليست بكفء
لحاله، وقد تنهاه عن الزواج لمجرد حرصها على إبقائه فى أحضانها، فطاعة الأم، وكذا طاعة الأب -
بعد كمال رشد الابن - ليست على الإطلاق.
ومع هذا ينبغى على الابن أن يعمل على إرضائهما، مع المحافظة على ما يصلحه فى
الدين والدنيا.
ولا يتعارض هذا الرأى مع بر الوالدين، ولا مع توقف الجهاد على إذن الأبوين؛ لأن
الجهاد الذى يتوقف على إذن الوالدين هو فرض الكفاية، والذى يصير غير واجب على من له
٢٧٦

أبوان إذا قام به غيره. وبر الوالدين واجب عينى، فصح توقف هذا الجهاد على إذنهما. على
أن هذا الجهاد يحرم الأبوين من البرزمناً قد يطول، بخلاف عصيان بعض أوامرهما
لمصلحته، فإنه لا يحرمهما من البر والإحسان، ولا من طاعتهما فى تعليماتهما الأخرى.
وستأتى تتمة لهذا البحث فى شرح الحديث الذى يلى الحديث الآتى.
أما عدم ذكر الإيمان بالله فى الحديث فقد أجاب عنه ابن دقيق العيد حيث قال: الأعمال فى
هذا الحديث محمولة على البدنية، وأراد بذلك الاحتراز عن الإيمان لأنه من أعمال القلوب، فلا
تعارض بين هذا الحديث وبين حديث أبى هريرة السابق.
أما تقديم الصلاة على البر فلأن الصلاة شكر للَّه والبر شكر للوالدين، وشكر الله مقدم على شكر
الوالدين، موافقة لقوله تعالى: ﴿أَنْ اشْكُرْلِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤].
وأما تقديم البرعلى الجهاد فلأن المراد من الجهاد هنا غير فرض العين، وهو يتوقف
على إذن الوالدين. بل يقدم بر الوالدين عليه، فقد روى النسائى أن جاهمة جاء إلى النبى
# فقال: «يارسول اللَّه .. أردت الغزو وجئت لأستشيرك. فقال: هل لك من أم؟ قال: نعم
قال: الزمها)) ولمسلم عن عبد الله ابن عمرو فى نحو هذه القصة ((ارجع إلى والديك فأحسن
صحبتهما)) ولأبى داود عن عبد الله بن عمرو ((ارجع فأضحكهما كما أبكيتهما)) ولأبى داود
أيضاً ((ارجع فاستأذنهما، فإن أذنالك فجاهد وإلا فبرهما)).
قال جمهور العلماء: يحرم الجهاد إذا منع الأبوان أو أحدهما، بشرط أن يكونا مسلمين، لأن
برهما فرض عين عليه، والجهاد فرض كفاية، فإذا تعين الجهاد فلا إذن.
قال الحافظ ابن حجر بعد أن ساق هذه الأحاديث: واستدل بهذا على تحريم السفر بغير إذنهما،
لأن الجهاد إذا منع مع فضيلته فالسفر المباح أولى. نعم إن كان سفره لتعلم فرض كفاية ففيه
خلاف. اهـ
قال الطبرى: إنما خص صلى الله عليه وسلم هذه الثلاثة بالذكر لأنها عنوان على ماسواها من
الطاعات، فإن من ضيع الصلاة المفروضة حتى يخرج وقتها فى غير عذر مع خفة مؤونتها عليه، وعظم
فضلها، فهو لما سواها أضيع، ومن لم يبر والديه مع وفور حقهما عليه، كان لغيرهما أقل براً، ومن ترك
جهاد الكفار مع شدة عداوتهم للدين، كان لجهاد غيرهم من الفساق أترك.
فظهر أن الثلاثة تجتمع فى أن من حافظ عليها كان لما سواها أحفظ، ومن ضيعها كان لما
سواها أضيع.اهـ
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- أن أعمال البريفضل بعضها بعضاً.
٢- جواز السؤال عن مسائل متعددة فى وقت واحد.
٢٧٧

٣- الرفق بالعالم والتوقف عن الإكثار عليه خشية الملل.
٤- ما كان عليه الصحابة من تعظيم النبى {8* والشفقة عليه.
٥- ما كان عليه صلى الله عليه وسلم من إرشاد المسترشدين ولو شق عليه.
٦- وفيه حسن المراجعة فى السؤال.
٧- وفيه جواز إخبار الإنسان عما لم يقع أنه لوكان كذا لوقع كذا.
٨- ويؤخذ من قول الراوى ((وأشار إلى دار عبد الله وما سماه لنا)) أن الإشارة تنزل منزلة التصريح إذا
كانت مفهمة معينة المشار إليه مميزة له عن غيره.
والله أعلم
٢٧٨

(٥٠) باب أعظم الذنوب
الشرك بالله - ثم قتل الابن - ثم الزنا بحليلة الجار
١٤٦ - ١٤٢١ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ صَ﴾(١٤١) قَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ﴿ِ: أَيُّ الذّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟
قَالَ « أَنْ تَجْعَلَ للَّهِ نِدَّا وَهُوَ خَلَقَكَ» قَالَ قُلْتُ لَهُ: إِنَّ ذَلِكَ لَعَظِيمٌ. قَالَ قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ ؟
قَالَ « ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةً أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» قَالَ قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ « ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ
حَلِيلَةَ جَارِك».
١٤٧- ١٩٢ عَنِ عَمْرِو بْنٍ شَرَخْبِيلَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللَّهِرِ(١٤٢) قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ!
أَيُّ الذّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ «أَن تَدْعُوَ للَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ» قَالَ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ «أَنْ تَقْتُلَ
وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ» قَالَ: ثُمَّ أَيِّ؟ قَالَ «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكٌ» فَأْوَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلْ
تَصْدِيقَهَا ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُوهُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسّ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ
وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا﴾ [الفرقان: ٦٨].
المعنى العام
وكما حرص الصحابة # على معرفة أفضل الأعمال التى تقرب من الجنة ليعملوا بها حرصوا
على معرفة أعظم الذنوب وأكبرها وترتيبها فى العظم ليجتنبوها، وليتقوا النار بالبعد عنها. فهذا عبد
الله بن مسعود الذى سأل رسول الله عن أفضل الأعمال فى الحديث السابق يسأله عن أعظم
الذنوب عند اللَّه، فيقول له صلى الله عليه وسلم: أعظم الذنوب عند اللَّه أن تشرك بالله وتجعل له ندا،
مع أنه لا شريك له، خلقك فسواك فعدلك، فى أى صورة ما شاء ركبك، واستعظم عبد اللّه بن مسعود
هذه الجريمة، فقال: حقا يارسول الله إن ذلك الذنب لعظيم جدا، فأخبرنى عن الذنب الذى يليه فى
العظم؟ قال صلى اللَّه عليه وسلم: أعظم الذنوب بعد الإشراك بالله أن تقتل ولدك وتئده فى الحفرة
خشية إملاق، وخوف أن يأكل معك، ويشاركك طعامك. قال ابن مسعود: ثم أى الذنوب أعظم بعد
الإشراك وقتل الأولاد؟ قال صلى الله عليه وسلم: أعظم الذنوب بعد الإشراك وقتل الأولاد أن تزنى
بزوجة جارك، وتنتهك حرمات الجوار، وترتكب الزنا مع من يجب عليك حمايتها من الفاحشة،
ووقايتها من السوء، وأنزل اللَّه تعالى مصداقا لهذا الحديث قوله: ﴿ وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ
(١٤١) حَدََّا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيَةً وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ إِسْحَقُ أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ وَقَالَ عُثْمَاهُ حَدَّقْنَا جَرِيرٌ عَنِ مَنْصُورٍ عَنٍ أَبِي وَائِلٍ
عَنِ عَمْرِو بْنٍ شَرّخَبِيلَ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ
(١٤٢) حَدَّثَّا عُثَّمَانُ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَإِسْحَقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ جَمِيعًا عَنٍ جَرِيرٍ قَالَ عُثْمَانُ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنِ الأَعْمَشِ عَنٍ أَبِي وَائِلٍ عَنٍ
عمرو بنِ شُرّخِلَ
٢٧٩

وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَنَّامَاهِ يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ
يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُّهَانًا ﴾ [الفرقان: ٦٨ -٦٩].
المباحث العربية
( أى الذنب أعظم؟) أى أشد عقوبة، وكذا ((أى الذنب أكبر))؟ أى عقوبة. والسؤال عن أعظم
الذنوب ليقع التحرز منه أكثر من غيره.
( أن تجعل ) المخاطب عبد الله بن مسعود، وهو غير مقصود والمعنى أن يجعل الإنسان للَّه
ندا. والمصدر المنسبك من أن والفعل خبر مبتدأ محذوف، تقديره أعظم الذنب جعلك.
( للَّه ندا ) الند بكسر النون وتشديد الدال، ويقال له: النديد أيضا هو نظير الشىء الذى يعارضه
فى أموره، فهو أخص من المثل، لأنه المثل المناوئ من ند إذا نفر وخالف، فإن قيل: يلزم أن يكون
غير المناوئ غير منهى عنه لأنه لا يلزم من النهى عن الأخص النهى عن الأعم مع أن المثل منهى عن
اتخاذه خالف أولم يخالف؟ أجيب؛ بأن التعبير بالند من قبيل قوله تعالى: ﴿ وَمَا رَبُّكَ بِظَلامٍ
لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: ٤٦] اهـ قاله الأبى؛ وقال الجوهرى: ند الشىء من يشاركه فى جوهره، أما المثلّ
فيقال فى أى مشاركة سواء كانت فى الجوهر أو فى غيره، فكل ند مثل وليس كل مثل ندا.
أما الضد فهو أحد المتقابلين، والمتقابلان هما الشيئان المختلفان اللذان لا يجتمعان فى شىء
واحد، فالضد والند يتوافقان فى المعارضة، فالند معارض والضد معارض، ويختلفان فى المشاركة،
فالند مشارك فى الجوهر والضد غير مشارك. اهـ بتصرف.
(وهو خلقك ) الضمير للَّه تعالى، والجملة حالية لتقبيح الجعل.
( ثم أى؟ ) يعنى أى شىء أعظم؟ فالتنوين للعوض، و((ثم)) ليست للترتيب فى الزمان، إذ لا
يتصور فيه، ولا فى الرتبة لأن شرطه كون المعطوف أعظم، بل هى للترتيب فى الإخبار. قاله الأبی،
وفيه: لأن الترتيب كما يكون تصاعديا يكون تنازليا، لكن يبدو أنه لما فسر (ثم أى؟) بقوله: ثم أى
شىء أعظم؟، قال ما قال. والتحقيق أن معناه: ثم أى شىء أقل عظما؟ فثم للترتيب الرتبى.
( أن يطعم معك) بفتح الياء؛ أى يأكل، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشِيَةَ
إِمْلاقِ﴾ [الإسراء: ٣١] أى فقر. وذكر الإطعام لأنه كان الأغلب فى حال العرب، ومعنى ((مخافة أن
يطعم معك)) أى من جهة إيثار نفسه عليه عند عدم ما يكفى؛ أو من جهة البخل مع سعة الرزق، والأول
هو الموافق للآية.
( أن تزانى ) أى أن تزنى برضاها، فالمفاعلة من الجانبين، ولعله أشد قبحا من اغتصابها لما
فيه من إفسادها على زوجها واستمالة قلبها إلى الزانى.
( حليلة جارك) بالحاء المهملة أى زوجته، سميت بذلك لكونها تحل له، وقيل:
لكونها تحل معه.
٢٨٠