النص المفهرس

صفحات 241-260

ونسبة الكفر العبد الآبق مؤولة كما فى الأحاديث السابقة، وأما عدم قبول صلاته فقد أوله الإمام
المازرى والقاضى عياض بأنه محمول على المستحل للإباق، فيكفر، ولا تقبل له صلاة ولا غيرها من
أعمال الطاعات، إذ ذكر الصلاة تنبيه بها على غيرها.
وأوَّل الشيخ أبو عمرو بن الصلاح بأن عدم القبول معناه عدم الثواب، ولا يلزم من عدم القبول عدم
الصحة. فصلاة الآبق صحيحة غير مقبولة، لاقترانها بمعصية، فيسقط بها القضاء، ولا تستحق ثوابا،
كالصلاة فى الدار المغصوبة.
والتحقيق أنه ينبغى أن تصح ويحصل على فعلها الثواب، لكن المعصية المقارنة لفعل الطاعة
يعدل إثمها ثواب الفعل، فكأنه لا ثواب عليه.
والله اعلم
٢٤١

(٤٢) باب إيمان من قال: مطرنا بالنوء
١٢٧ - ١٣٥ عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدِ الْجُهَئِيِّ﴾(١٢٥) قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ﴿ِ صَلاةَ الصُّبْحِ
بِالْحُدَثِيَةِ فِي ◌ِفْرِ السَّمَاءِ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلِ. فَلَمَّا الْصَرَفَ أَقْبُلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ «هَلْ تَدْرُونَ
مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ » قَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: «قَالَ: أَصْبْحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ.
فَأَمَّا مَنْ قَالَ: مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللَّهِ وَرَحْمَتِهِ، فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ:
مُطِرْلَا بِنَوْءٍ كَذَا وَكَذَا، فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَبِ».
١٢٨ - ١٣٢٦ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٢٩) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ « أَمْ تَرَوْا إِلَى مَا قَالَ رَبُّكُمْ؟
قَالَ: مَا أَنْعَمْتُ عَلَى عِبَادِي مِنْ نِعْمَةٍ إِلا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِهَا كَافِرِينَ. يَقُولُونَ: الْكَوَاكِبُ
وَبِالْكَوَاكِبِ».
١٢٩ - شْ عَنْ أَبِي هُرَّيْرَةً﴾(٠٠١) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴿ قَالَ «مَا أَنْزّلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ
بَرَكَّةٍ إِلا أَصْبَحَ فَرِيقٌ مِنَ النَّاسِ بِهَا كَافِرِينَ. يُنْزِلُ اللَّهُ الْغَيْثَ. فَقُولُونَ: الْكَوْكَبُ كَذَا وَكَذَا»
وَفِي حَدِيثِ الْمُرَادِيِّ « بِكَوْكَبِ كَذَا وَكَذَا ».
١٣٠ - ١٣٧ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِى اللَّه عَنْهِمًا(١٢٧) قَالَ: مُطِرَ النَّاسُ عَلَى عَهْدِ الْبِيِّ ◌ِ ﴾ ..
فَقَالَ النَّبِيُّ:﴿ «أَصْبَحَ مِنَ النّاسِ شَاكِرٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ. قَالُوا: هَذِهِ رَحْمَةُ اللّهِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ:
لَقَدْ صَدَقَ نَّوْءُ كَذَا وَكَذَا » قَالَ: فَنَزَّلَّتْ هَذِهِ الآيَةُ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النَّجُومِ﴾، حَتِّى بَلَغَ:
﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنْكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٧٥-٨٢].
المعنى العام
كان العرب يعيشون فى الصحراء، يستضيئون فى ليلهم بقمرها ويسترشدون فى أسفارهم
وأحوالهم بنجومها، كما حكى عنهم القرآن الكريم بقوله ﴿ وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ [النحل ١٦].
(١٢٥)حَدّا یحتی بْنُ يُخْتی قَالَ قرأتُ عَلَى مَالِكٍ عَنْ صَالِحٍ بْنٍ گیْسَان عَنْ غُبْدِ اللّهِ بْنٍ عَبْدِ اللّهِ بْنِ غْةً عَنْ زَئِّدِ بْنِ خَالِدِ
(١٢٦) حَدَِّي حَرْمَلَةُ بْنُ يَخْبَى وَعَمْرُو بْنُ سَوَّادِ الْعَامِرِيُّ وَفَّحَمَّدُ بْنُ سَلَّمَةٌ الْمُرَادِيُّ قَالَ الْمُرَادِيُّ حَدَّقْنًا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ
وَهْبٍ عَنْ يُونُسِ وَقَالَ الآخْرَانِ أَخْبُرَنَا ابْنُ وَهَْبٍ قَالَ أَخْبَرَبِي يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ حَدَّفِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ
عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُثْبَةً أَنْ أَبَا هُرَّيْرَةً
(٠٠٠) وحَدَِّي مَحَمَّدُ بْنُ سَلّمَةَ الْمُرَادِيُّ حَدََّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ حٍ وَحَدَّفِي عَمْرُو بْنُ سَوَّادٍ أَخْبُرَنَا
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ أَخْرَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنَّ أَبَا يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةٌ حَدَّثَّهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
(١٢٧) وَحَدَِّي عَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيُّ خَّدََّ الْضْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ خَدَّثْنَا عِكْرِمَةُ وَهُوَ ابْنَّ عَمَّارٍ حَدََّا أَبُو زُمَيْلٍ قَالَ: حَذَّبِي
ابْنُ عَبَّاسٍ
٢٤٢

وكان من تتبعهم لحركات النجوم أن رصدوا ثمانية وعشرين نجما - وهى المسماة بمنازل القمر
- فعرفوا أن كل نجم منها يعيش ثلاثة عشر يوما تقريبا ثم يسقط فى المغرب ويطلع نجم بدله من
المشرق، فسموا هذه النجوم بأسماء.
وثبت لهم من تجاربهم وملاحظاتهم أن المطر كثيرا مايغيثهم إذا غاب نجم كذا وطلع نجم كذا،
وارتبط فى نفوسهم نزول المطر بمطالع بعض النجوم، وبمرور الزمن، وبزحف من الوثنية على
معتقداتهم، ظنوا أن هذه النجوم هى التى تسقط المطر، ونسبوا الفضل فى المطر إليها، ونسوا اللّه
تعالى صاحب النعمة الجدير بالحمد والشكر، فقالوا: مطرنا بنجم كذا والفضل فى المطر لكوكب كذا.
وجاء الإسلام المحطم للوثنية، المطهر للنفوس من العقائد الفاسدة، الموجه لعبادة الله وحده،
الداعى لتقدير نعمه، والاعتراف بفضله، وشكر آلائه، فلفت نظرهم مرارا إلى أنه جل شأنه هو الذى
يسير الرياح فتثير سحابا فيبسطه فى السماء كيف يشاء، فيجعله قطعا متراكمة، تثير بتحركاتها
صوت الرعد ووميض البرق، فإذا أصاب به بعض الناس إذا هم يستبشرون ويفرحون.
﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنّطُوا وَيَنْشُرُّ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨].
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرَِّاحَ مُبَشْرَاتٍ وَلِيُذِيقَكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَلِتَجْرِيَ الْفُلْكُ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ
فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [الروم: ٤٦].
وكان من حكمة اللَّه تعالى أن يذكر بتشريعه فى المناسبات، لترتبط الأحكام بالوقائع، فتستقر
فى النفس، وتتمكن منها ولا يسهل نسيانها.
ففى ليلة من ليالى القحط، وفى صحراء الحديبية حيث اشتد العطش بالمسلمين ودوابهم، ساق
الله تعالى إليهم سحابة مليئة؛ فأمطرت لهم غيثا مغيثا، فشربوا وسقوا وأصبحوا فرحين مستبشرين،
وصلوا الصبح مع رسول الله ﴿؛ فلما انصرف من الصلاة أقبل عليهم، يذكرهم بنعمة اللّه، ويوجههم
إلى شكرها، ويستأصل من نفوس ضعفائهم بقايا رواسب الجاهلية الأولى فقال لهم: هل تدرون ماذا
قال ربكم اليوم؟ ألم تسمعوا ما قال ربكم الليلة؟ قالوا: خيرا، ماذا قال رينا يا رسول اللَّه؟
قال: قال تعالى: فى الحديث القدسى: أصبح فريق من عبادى مؤمنا بى يسند نعمى إلىَّ، كافرا
بالكواكب، لا يسند إليها ما ليس منها، يقول: مطرنا بفضل الله ورحمته، ونزل الغيث من اللَّه فله
الحمد وله الشكر.
وأصبح فريق من عبادى كافرا بى، يجحد نعمائى، ويذكر جودى وآلائى ويسند نعمى إلى غيرى،
ويجعل جزائى على رزقى إياه تكذيبا لى، يؤمن بالكواكب والنجوم، ويعتقد أنها صاحبة الفضل فى
رزقه، وأنها المؤثرة فى مطره، فيقول مطرنا بفضل نجم كذا، ومطرنا بتأثير كوكب كذا، فيجحدنى
ويشكرها، وينسانى ويذكرها، فذلك كافربى مؤمن بالكواكب، وهكذا يكذبنى عبادى، ويجحدنى
عبادي، وما أنعمت على عبادى من نعمة إلا أصبح فريق منهم بها كافرين.
٢٤٣

المباحث العربية
(صلى بنا رسول اللّه ) فى رواية البخارى ((صلى لنا رسول اللَّهِح ◌َل)) فاللام فى روايته
بمعنى الباء.
( بالحديبية ) تخفف باؤها وتشدد، والتخفيف هو المختار.
يقال: حدب الرجل إذا خرج ظهره ودخل صدره وبطنه، والأحدب من الأرض الغليظ المرتفع،
والحديبية مكان أو قرية صغيرة سميت باسم بئر أو شجرة هناك حدباء، وهى على تسعة أميال من
مكة، وأكثرها فى الحرم وباقيها فى الحلِّ.
( فى إثر سماء كانت من الليل ) ((إثر)) بكسر الهمزة وسكون الثاء، وبفتح الهمزة والثاء، هو
ما يعقب الشىء، والسماء المطر، وأطلق عليه سماء لكونه ينزل من جهة السماء، والمعنى: صلى بنا
رسول اللَّه ◌َل الصبح عقب مطر نزل فى الليل.
( فلما انصرف ) من صلاته أو من مكانه.
( أقبل على الناس ) أى اتجه إليهم بوجهه بعد أن كانوا خلفه فى الصلاة، والمراد من الناس
الصحابة الذين كانوا معه.
(هل تدرون ماذا قال ربكم؟) ((ماذا)) فى محل مفعول ((قال)) وقد علقت ((تدرون)) عن
العمل، والاستفهام للتنبيه، وليس على حقيقته من طلب الفهم لأنه صلى الله عليه وسلم يعلم أنهم لا
يدرون، والتعبير بلفظ الرب وإضافته لضمير المخاطبين للإشعار بالفضل والمنة. كأنه يقول: ماذا
يقول مربيكم وصاحب الفضل عليكم بالمطر؟.
(اللَّه ورسوله أعلم) أفعل التفضيل ((أعلم)) ليس على بابه، وليس المراد أنهم يشاركون فى
العلم ويزيد اللَّه ورسوله عليهم فيه، لأنهم لم يكونوا يعلمون شيئا أصلا مما قاله الله فى هذه الليلة.
( أصبح من عبادى مؤمن بي وكافر) صلة ((كافر)» محذوفة للعلم بها مما قبلها،
والتقدير وكافربى، والمراد من عباد الله عموم العباد، بدليل تقسيمهم إلى مؤمن وكافر، أما
قوله تعالى ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [الحجر: ٤٢] وقوله ﴿ وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ
يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا﴾ [الفرقان: ٦٣] فالإضافة فيهما للتشريف كأنه قال: إن العباد
الذين يستحقون التشريف بإضافتهم إلى ليس لك عليهم سلطان.
(فأما من قال ... ) إلخ. الفاء للتفريع، و)) أما)) حرف شرط وتفصيل.
( مطرنا بنوء كذا ) النوء فى الأصل ليس هو النجم، فإنه مصدر، ينوء النجم إذا سقط وغاب،
وقيل: إذا نهض وطلع، لكن المراد من النوء هذا النجم تسمية للفاعل بالمصدر.
٢٤٤

( ألم تروا ) المراد من الرؤية هنا العلم، لأن المستفهم عنه قول، وهو لا يرى والاستفهام للتنبيه،
كما فى الرواية السابقة.
( ما أنعمت على عبادى من نعمة) ((من)) زائدة لتأكيد النفى، و))نعمة)) مفعول به لأنعمت،
والمراد هنا من الإنعام ومن النعمة الإمطار، والمطر من إطلاق العام على بعض أفراده.
(يقولون: الكواكب وبالكواكب ) ((الكواكب)) خبر مبتدأ محذوف تقديره الممطر أو المنعم
الكواكب، و)) بالكواكب)) جار ومجرور متعلق بمحذوف تقديره: مطرنا بالكواكب، وجملة ((يقولون)»
فى محل النصب خبر لأصبح بعد خبر، أو حال من الضمير فى «كافرين)».
( ما أنزل اللَّه من السماء من بركة) أى من مطر نافع، فالماء الذى ينزل من السماء قد
يكون نقمة وضررا يحدث سيلا وتخريبا؛ وقد يكون غيثا مغيثا نافعا، وموطن المنة والنعمة هو النافع،
وسمى بركة أى مباركا لما يترتب عليه من البركة والزيادة والنماء، قال تعالى: ﴿وَنَّزَّلْنَا مِنْ السَّمَاء
مَاءٌ مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌهِ رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْتَيْنَاَ
بِهِ بَلْدَةٌ مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ ﴾ [ق: ٩ -١١].
( الكوكب كذا وكذا ) ((كذا وكذا)) كناية عن الخبر مبنية على السكون فى محل رفع، أى
الكوكب ممطرنا ومغيثنا.
(مطر الناس ) ((مطر)) فعل متعد كأمطر، يقال مطرتهم السماء وأمطرتهم السماء، وحذف
الفاعل هنا وبنى الفعل للمجهول، والأصل: مطر اللَّه الناس.
( أصبح من الناس شاكر، ومنهم كافر، قالوا: هذه رحمة الله، وقال بعضهم: لقد
صدق نوء كذا وكذا ) فى الأسلوب لف ونشر مرتب، فالقائلون: هذه رحمة اللَّه نشر للشاكرين،
والقائلون: لقد صدق نوء كذا وكذا نشر للكافرين.
(﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النَّجُومِ)) ((لا)) زائدة للتأكيد، والأصل فأقسم ومواقع النجوم مساقط
الكواكب وأماكن مغاربها.
( وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون ) فى الكلام مضاف مقدر، أى تجعلون شكر رزقكم تكذيبكم،
فشكركم إذا مطرتم تكذيبكم. ومعنى جعل الشكر تكذيبا جعل التكذيب مكان الشكر فكأنه عينه
عندهم، فهو من باب: تحية بينهم ضرب وجيع.
فقه الحديث
قال النووي: اختلف العلماء فى كفر من قال: مطرنا بنوء كذا على قولين:
٢٤٥

أحدهما: هو كفر بالله سبحانه وتعالى، سالب لأصل الإيمان، مخرج من ملة الإسلام قالوا: وهذا
فيمن قال ذلك معتقدا أن الكوكب فاعل مدبر منشئ للمطر، كما كان بعض أهل الجاهلية يزعم، ومن
اعتقد هذا فلا شك فى كفره، وهذا القول هو الذى ذهب إليه جماهير العلماء وهو ظاهر الحديث. قالوا.
وعلى هذا لو قال: مطرنا بنوء كذا معتقدا أنه من اللَّه تعالى وبرحمته وأن النوء ميقات له وعلامة،
اعتبارا بالعادة، فكأنه قال: مطرنا فى وقت كذا، فهذا لا يكفر. واختلفوا فى كراهته، لكنها كراهة
تنزيه، لا إثم فيها، وسبب الكراهة أنها كلمة مترددة بين الكفر وغيره، فيساء الظن بصاحبها، ولأنها
شعار الجاهلية ومن سلك مسلكهم.
والقول الثانى: أن المراد كفر نعمة اللَّه تعالى، لاقتصاره على إضافة الغيث إلى الكوكب، وهذا
فيمن لا يعتقد تدبير الكوكب، ويؤيد هذا التأويل الرواية الثانية ((أصبح فريق منهم بها كافرين))
والرواية الثالثة ((أصبح فريق من الناس بها كافرين)) فقوله ((بها)) يدل على أنه كفر بالنعمة. اهـ
والمحقق يرى أن القولين اللذين ذكرهما النووى ليسا فى كفر من قال مطرنا بنوء كذا، لأنهما
متفقان فى أن من قال هذا القول معتقدا أن الكوكب فاعل مدبر منشئ للمطر فهو كافر، ومن قاله
معتقدا أن النوء ميقات فليس بكافر لكنه مكروه.
إنما الخلاف وإنما القولان فى بيان المراد من لفظ الكفر فى الحديث فبعضهم حمله على الكفر
بالله السالب للإيمان، فلزمه أن يحمل القول ((مطرنا بنوء كذا)) على من اعتقد أن النجم فاعل مدبر،
كاعتقاد بعض أهل الجاهلية، وبعضهم حمله على الكفر بالنعمة وعدم شكرها، وحمل القول على الذى
قاله معتقدا أن اللَّه هو الفاعل المدبر وحده، وأن النجم ميقات وعلامة فهذا قد ترك شكر الله تعالى
على الغيث، والشكر مستحب عند رؤية كل نعمة، ((وكفر النعمة عدم شكر المنعم بها)).
وإذا كانت الرواية الثانية والثالثة تؤيد التأويل كما ذكر النووى، فإن الرواية الأولى ((فذلك كافر
بى مؤمن بالكواكب)) تؤيد التأويل الأول، كما يؤيده ما رواه أحمد عن رسول اللَّه { ﴿ قال: «يكون
الناس مجدبين. فينزل الله عليهم رزقا من السماء من رزقه، فيصبحون مشركين، يقولون: مطرنا بنوء
کذا )».
والخلاصة أنه إذا حملنا لفظ الكفر فى الحديث على الكفر بالله حملنا القول على من قاله معتقدا
أن النجم فاعل مدبر.
وإذا حملناه على الكفر بالنعمة حملنا القول على من قال معتقدا أن النجم علامة وميقات فقط،
ويكون التعبير عنه بالكفر للتغليظ والتنفير.
بقى حكم من سكت عند الغيث ولم ينطق بهذا القول، وقد سبق بيان أن الحكم منوط بالاعتقاد:
فمن سكت معتقدا أن النوء هو الفاعل المدبر للمطر فهو كافروإن لم ينطق، ومن سكت معتقدا أن
التدبير للَّه، والنجم ميقات فليس بكافر، لكن عليه أن يشكر الله على الغيث ولو بقلبه، ولهذا حمل
الحافظ ابن حجر لفظ ((فأما من قال)» على ما هو أعم من النطق والاعتقاد.
٢٤٦

هذا والرواية الأولى والثانية صريحتان فى أنهما حديث قدسى، والرواية الثالثة والرابعة
صريحتان فى أنهما حديث نبوى، وقد علمنا أن الحديث القدسى والحديث النبوى كلاهما عن اللّه
تعالى - على الصحيح - لقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾ إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤،٣]
وأن الفرق بينهما - على الأصح - من جهتين:
الأولى: أن الحديث القدسى لفظه ومعناه من اللّه، والحديث النبوى لفظه من عند النبى
ومعناه من اللّه.
الثانية: أن الحديث القدسى هو ما أضافه النبى ® إلى ربه بخلاف الحديث النبوى.
وبناء على ما تقدم نتساءل: هل الروايات الأربع واقعة واحدة؟ وحديث واحد؟ والاختلاف من
الرواة؟ بعضهم روى باللفظ، وبعضهم روى بالمعنى؟
أو هى فى واقعتين؟. واقعة الحديث النبوى بمكة؟ وواقعة الحديث القدسى بالحديبية؟
من قال: إن سورة الواقعة كلها مكية، بما فيها قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومٍ .. ﴾ إِلى
قوله: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِرْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾ [الواقعة: ٧٥- ٨٢] وهو قول الأكثرين يلتزم أن الروايات الأربع
ليست فى واقعة واحدة، لأن الرواية الأولى تصرح أنها فى الحديبية (أى سنة ست من الهجرة)
والرواية الرابعة تصرح بأن الحديث مع نزول الآية.
أما على القول باستثناء هذه الآيات من سورة الواقعة، وجعلها مدنية فيمكن اعتبار الروايات
الأربع فى الحديبية، والاختلاف من الرواة.
والله أعلم
٢٤٧

(٤٣) باب حب الأنصار من الإيمان
١٣١ - ١٣٨ عَنْ أَنَسٍ ﴾(١٢٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِ «آيَةُ الْمُنَافِقِ بُغْضُ الأَنْصَارِ. وَآيَةُ
الْمُؤْمِنِ حُبُّ الأَنْصَارِ».
١٣٢- ٢٠ْ عَنْ أَنَسٍ ﴾(١٠١) عَنِ النّبِيِّ ◌َ﴿ أَنَّهُ قَالَ «حُبُّ الأَنْصَارِ آيَةُ الإِيمَانِ.
وَيُغْضُهُمْ آيَةُ النِّفَاقِ ».
١٣٣ - ٩ ١٣ عَنْ الْبَرَاءِ﴾(١٢٩) يُحَدِّثُ عَنِ النّبِيِّ:﴿ أَنْهُ قَالَ فِي الأَنْصَارِ «لا يُحِبُّهُمْ إِلا
مُؤْمِنٌ وَلا يُبْغِضُهُمْ إِلا مُنَافِقٌ. مَنْ أَحَبَّهُمْ أَحَبَّهُ اللَّهُ. وَمَنْ أَبْغَضْتَهُمْ أَبْغَضَهُ اللَّهُ».
١٣٤- ٣٠ٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَيه (١٣٠) أَنَّ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ قَالَ: « لا يُبْغِضُ الأَنْصَارَ رَجُلٌ
يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ».
: ومثله(١٠).
المعنى العام
إذا كانت النصرة فى الحق تغرس المحبة، وإذا كان إيواء المهاجر يثبت الفضل والمنة، وإذا كان
الدفاع عن الدين فى وقت ضعفه وشراسة أعدائه كالقبض على الجمر، وإذا كان بذل النفس والمال
فى سبيل الدعوة الإسلامية عنوان محبة الله ورسوله، فإن الأوس والخزرج الذين أسلموا، وبايعوا ليلة
العقبة واستقبلوا المهاجرين بالمودة، وآووهم، وأشركوهم إياهم فى أموالهم، بل تنازلوا لهم عن بعض
نسائهم وتآخوا وإياهم أخوة أقوى من أخوة نسبهم. إن هؤلاء أجدر الناس بمحبة من يحب الله
ورسوله، وهم أحق المخلوقات بحب من يحب الإسلام فحبهم علامة على حب رسول اللَّه ﴿، لأنه
صلى الله عليه وسلم كان يحبهم وكان يقول لهم: ((اللهم أنتم من أحب الناس إلىَّ)) ويقول: ((لو سلكت
الأنصار وادياً أو شعباً لسلكت وادى الأنصار وشعبهم)) ويقول: ((لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار».
(١٢٨) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى خَذْقَا عَبْدُ الرَّحْمِّنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ شُعْبَةٌ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَبْرِ قَالَ سَمِعْتُ أَنْسًا
(١٠٠) حَدََّا يَخْبِى بْنُ حَبِيبِ الْحَارِيُّ حَدََّّا خَالَّذٌ يَعْنِي ابْنَ الْحَارِثِ حَدََّا شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِاللَّهِ عَنْ أَنَسِ
(١٢٩) وحَدَّتِي زُهَيْرُ بْنُ خَرْبٍ قَالَ حَدَّفِي مُعَاذُ بْنُ مُعَاذٍ حِ وَحَدَّقْنًا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَادٍ وَاللَّفْظُ لَةَ حَدَّقْنَا أَبِي حَدَّثْنَا شُعْبَةُ عَنْ
عَدِيِّ ابْنِ ثَابِتٍ قَالَ سَمِعْتُ الْرَاءُ
- قَالَ شَعْبَةٌ قُلْتُ لِعَدِيِّ سَمِعْتَهُ مِنَ الْبَرَاءِ قَالَ إِيَّايَ حَدَّثَ
(١٣٠) حَدََّا قُقتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ يَعْنِي أَبْنَ عَبَّدِ الرَّحْمَنِ الْقَارِيَّ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
(٠٠) وحَدَّثْنَا عُثْمَالُ بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ أَبِي شِيَةً حَدَّثَنَا جَرِيرٌ حٍ وَحَدَّثَنَا أَبُوَ بَكْرٍ بْنُ أَبِي شَيْئَةً حَدَّقْنَا أَبُوَ أَسَامَةً كِلاهُمَا عَنِ الأَعْمَشِ
عَنْ أَبِي صَّالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَ؛ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴾ «لا يُبْغِضُّ الأَنْصَارَ رَجُلٌ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ»
٢٤٨

نعم، قوم آووه صلى الله عليه وسلم ونصروه، وتبوءوا الدار والإيمان وأحبوا من هاجر إليهم، ولم
يجدوا فى صدورهم حاجة مما أوتوا، وآثروا المهاجرين على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة، وكانوا
حماة الدعوة الإسلامية وبذلوا فى سبيلها أرواحهم ودماءهم. قوم بهذه الصفة لايبغضهم إلا منافق ولا
يحبهم إلا مؤمن، من أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه اللّه، ولا تجد رجلا يبغض الأنصار
بصفتهم الأنصار وهو مؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر، بل إن نطق بالشهادتين وهو بهذه الحالة فهو
منافق، لأن علامة الإيمان حب من يحبه الله ورسوله وا﴾.
فاللهم اغرس فى قلوبنا محبتهم، وارض عنا وعنهم.
واحشرنا فى زمرتهم، زمرة الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً.
المباحث العربية
( آية المنافق بغض الأنصار) الآية العلامة، والبغض مصدر مضاف لمفعوله، والأصل:
بغضه الأنصار، والأنصار جمع ناصر كأصحاب جمع صاحب، أو جمع نصير، كأشراف جمع شريف،
واللام فيه للعهد، أى أنصار رسول اللّه/، والمراد بهم الأوس والخزرج، وكانوا يعرفون بابنى قيلة
بقاف وياء مفتوحتين، وهى الأم التى تجمع القبيلتين، فسماهم رسول اللّه ◌ُ ** الأنصار، فصار علماً
عليهم، وأطلق أيضاً على أولادهم وخلفائهم ومواليهم.
( حب الأنصار آية الإيمان ) وفى رواية لأحمد ((حب الأنصار إيمان وبغضهم نفاق)».
فقه الحديث
قدمنا أن من علامات الإيمان وحلاوته أن يحب المؤمن أخاه لا يحبه إلا للَّه، فحب المؤمن من
الإيمان، ولا شك أن الأنصار داخلون فى ذاك الحب بل فى مقدمته، لكنهم مع دخولهم فى هذا العموم
خصوا بهذا الحديث، وبهذا التخصيص، زيادة فى الاعتناء بهم؛ والاهتمام بشأنهم، لمزيد فضل لهم.
قال الحافظ ابن حجر فى سرهذا التخصيص: وخصوا بهذه المنقبة العظمى، لما فازوا به دون
غيرهم من القبائل من إيواء النبى { ومن معه والقيام بأمرهم، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم،
وإيثارهم إياهم فى كثير من الأمور على أنفسهم، فكان صنيعهم لذلك موجباً لمعاداتهم جميع الفرق
الموجودين من عرب وعجم، والعداوة تجر البغض، ثم كان ما اختصوا به مما ذكر موجباً للحسد،
والحسد يجر البغض، فلهذا جاء التحذير من بغضهم والترغيب فى حبهم، حتى جعل ذلك آية الإيمان
والنفاق تنويها بعظيم فضلهم وتنبيهاً على كريم فعلهم وإن كان من شاركهم فى معنى ذلك مشاركا
لهم فى الفضل المذكور، كل بقسطه. اهـ
والذى يظهرلى أن السرفى هذا التخصيص هو خوف الرسول # من أن ينسى الناس بعده فضل
الأنصار، وخصوصاً بعد أن يحظى المهاجرون بالخلافة، وبعد أن تأخذ قريش مركزها فى الإسلام.
٢٤٩

يؤيد هذا وصاياه صلى الله عليه وسلم للأنصار إذ قال لهم: ((جزاكم الله خيرا يا معشر الأنصار
إنكم لأعفة صبر، وإنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقونى على الحوض)».
ويروى البخارى فى وصيته صلى الله عليه وسلم بالأنصار ((أن أبا بكر والعباس رضى اللَّه عنهما
مرا بمجلس من مجالس الأنصاروهم يبكون فقال [العباس أو أبوبكر] ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا
مجلس النبى # منا [أى ذكروا مجالسهم معه - وكان ذلك فى مرض موته صلى الله عليه وسلم -
فخشوا أن يموت من مرضه، فيفقدوا مجلسه] فدخل [أبوبكر أو العباس] على النبى #، فأخبره
بذلك. قال فخرج النبى ﴿، وقد عصب على رأسه حاشية برد، قال فصعد المنبر - ولم يصعده بعد ذلك
اليوم - فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أوصيكم بالأنصار فإنهم كرشى وعيبتى [أى بطانتى وخاصتی]
وقد قضوا الذى عليهم، وبقى الذى لهم)».
(«أيها الناس: إن الناس يكثرون وتقل الأنصار، حتى يكونوا كالملح فى الطعام، فمن ولى منكم
أمراً يضرفيه أحداً أو ينفعه فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم».
واشتمل الحديث على شقين:
الأول: أن حب الأنصار علامة الإيمان.
والثانى: أن بغض الأنصار علامة النفاق.
وقد ورد على الشق الأول أن ظاهره يفيد أن من أحب الأنصار كان مؤمناً ولولم يصدق الرسول (#
بقلبه، لأن علامة الإيمان إذا وجدت وجد الإيمان، مع أن هذا الظاهر غير مراد.
ويجاب على هذا الإيراد بأن حب الأنصار حباً حقيقياً من هذه الحيثية أعنى من حيثية كونهم
ناصروا رسول اللّه لا يكون إلا ممن صدق وآمن برسول اللّه ﴾.
وقيل فى الجواب: إن الحديث قد خوطب به من يظهر الإيمان، أما الكافر فلا يطلب منه حب
الأنصار، لأنه مرتكب بكفره ما هو أشد من بغضهم، والجواب الأول أدق.
وورد على الشق الثانى أن ظاهره يفيد أن من أبغض الأنصار كان منافقاً وإن صدق وأقر.
وقد أجاب الحافظ ابن حجر على هذا الإيراد فقال: إنه محمول على تقييد البغض بالجهة، فمن
أبغضهم من جهة هذه الصفة - وهى كونهم نصروا رسول اللّه - أثر ذلك فى تصديقه فيصح أنه
منافق، ويقرب هذا الحمل زيادة أبى نعيم فى المستخرج فى حديث البراء بن عازب ((من أحب
الأنصار فبحبى أحبهم، ومن أبغض الأنصار فببغضى أبغضهم».
ثم قال: ويحتمل أن يقال: إن اللفظ خرج على معنى التحذير. فلا يراد ظاهره.اهـ.
وهل المطلوب فى الحديث حب جميع الأنصار أو حب المجموع الذى لا يضره بغض فرد أو
أفراد؟
الظاهر أننا إذا أردنا الحب المنبعث عن النصرة كان المطلوب حب كل واحد منهم أى جميعهم،
إذ بغض أى منهم من هذه الجهة ممنوع شرعاً.
٢٥٠

أما إذا أردنا مطلق الحب بغّضِّ النظر عن هذه الجهة فإن المطلوب حب مجموعهم، وفى ذلك
يقول ابن التين: المراد حب جميعهم وبغض جميعهم؛ لأن ذلك إنما يكون للدين، ومن بغض بعضهم
لمعنى يسوغ البغض له فليس داخلا فى ذلك. اهـ وهو تقرير حسن.
وفى ختام الموضوع نسوق عبارة النووى فى شرحه إذ قال: ومعنى هذه الأحاديث أن من عرف
مرتبة الأنصاروما كان منهم فى نصرة دين الإسلام والسعى فى إظهاره، وإيواء المسلمين وقيامهم فى
مهمات دين الإسلام حق القيام، وحبهم النبى {*، وحبه إياهم، وبذلهم أموالهم وأنفسهم بين يديه،
وقتالهم ومعاداتهم سائر الناس إيثاراً للإسلام، ثم أحب الأنصار لهذا كان ذلك من دلائل صحة
إيمانه، وصدقه فى إسلامه، لسروره بظهور الإسلام، والقيام بما يرضى الله سبحانه وتعالى ورسوله الاول
ومن أبغضهم كان بضد ذلك، واستدل به على نفاقه وفساد سريرته.
واللَّه أعلم
٢٥١

(٤٤) باب حب علىّ من الإيمان
١٣٥ - ١٣١ عَنْ عَدِيِّيْنِ ثَابِتٍ(١٣١)، عَنْ زِّ، قَالَ: قَالَ عَلِيٍّ: وَالْذِي فَلْقَ الْحَبَّةَ وَبَرَّأَ
الْنْسَمَةَ! إِنَّهُ لَعَهْدُ النّبِيِّ الأُمِّيِّ ◌َ﴿ إِلَيَّ «أَنْ لا يُحِيَّنِي إِلا مُؤْمِنٌ، وَلا يُبْغِضَّنِي إِلا مُنّافِقٌ».
المعنى العام
على بن أبى طالب - كرم الله وجهه - ابن عم النبى₪، ولد قبل البعثة بعشر سنين ولازم النبى
* من صغره. ونام مكانه ليلة الهجرة معرضاً حياته لخطر المشركين، من أجل الإسلام، ومن أجل
رسول اللَّه ﴿، وتزوج ابنته فاطمة الزهراء رضى اللَّه عنها، فنال حب النبى ﴿، وحب اللّه تعالى
بالمبالغة فى اتباع دينه، حتى قال عنه صلى اللّه عليه وسلم ((إن علياً يحب الله ورسوله ويحبه الله
ورسوله))، وقال لعلى: ((أنت منى وأنا منك)).
ولهذا كانت محبته علامة الإيمان، وبغضه علامة النفاق، وقد عاش - كرم الله وجهه-
حتى رأى مخالفيه، وشاهد كثرة معارضيه، وأحس ببغض مبغضيه، وحاول وحاول أصحابه
جمع الكلمة، ودعوة المسلمين للالتفاف حوله، بتذكيرهم بمناقبه وفضله، بهذا الحديث
وبأمثاله، ولكن الغوغاء كانوا أكثر فعالية، وتيار الفتنة كان أشد تأثيرا، فلم تثمر العظة، ولم
تغن النذر، وانحدر بعض من ينتسبون إلى الإسلام إلى اتهامه وطعنه، وتآمروا على اغتياله
وقتله، ثم زادوا فحكموا بكفره، وأعلنوا على المنابر التشهير به ولعنه. نكثوا عهد النبى 8 #
ونقضوا وصاياه، وحاربوا حبيبه، وعادوا من فتح الله على يديه خيبر.
وقد روى البخارى أن رجلا من الخوارج سأل ابن عمر عن علىَّ فقال له: لا تسأل عن
علىَّ، ولكن انظر إلى بيته: بيته أوسط بيوت النبى8# وذكر محاسن عمله، ثم قال له: لعل
ذلك يسوؤك؟ قال الرجل: أجل، فإنى أبغضه، فقال له ابن عمر: أبغضك اللَّه، وأرغم بأنفك.
انطلق فاجتهد على جهدك، أى ابلغ غايتك؛ واعمل ما فى استطاعتك لبغضى أنا الآخر، فإن
الذى قلته لك هو الحق الواجب على المسلم.
رضى اللَّه عن علىّ والمهاجرين والأنصار، وأصحاب رسول الله:﴿ ومن اهتدى بهديهم
إلى يوم الدين.
(١٣١) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَبَةٍ حَدًَّا وَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ حِ وحَدَّثَّا يُخْتِى بْنُ يَحْتِى وَاللَّفْظُ لَّهُ أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيّةً
عَنِ الأَغْمَشِ عَنْ عَلِيِّ بْنٍ قَابِتٍ
٢٥٢

المباحث العربية
( عن زر) زربن حبيش من المعمرين، أدرك الجاهلية، ومات سنة اثنتين وثمانين، وهو ابن
مائة وعشرين سنة، وهو کوفی.
( والذى فلق الحبة) يقسم علىٍّ باللَّه الذى شق الحبة وأخرج منها النبات.
(وبرأ النسمة) ((برأ)) بمعنى خلق، والنسمة هى الإنسان، وقيل: هى النفس.
( إنه لعهد النبى { إلىَّ) اسم ((إن)) ضمير الحال والشأن، و))عهد)) متبدأ، و))إلىَّ)) جار
ومجرور متعلق بعهد.
( أن لا يحبنى إلا مؤمن) ((أن)) حرف مصدرى ونصب و((لا)) نافية والفعل منصوب بأن
و(( إلا)) ملغاة و((مؤمن)) فاعل ((يحب)) والمصدر المنسبك من ((أن)) والفعل خبر ((عهد)» وجملة المبتدأ
والخبر خبر ((إن)) والتقدير: إن الحال والشأن عهد النبى ₪ عدم حب غير المؤمن لى وبرفع النفى
والاستثناء يكون المعنى: عهد النبى 8 إلى حب المؤمن لى.
(ولا يبغضنى إلا منافق ) ((يبغضنى)) بضم الياء من أبغض الرباعى، والفعل منصوب عطفاً
على ((يحبنى)).
وصيغة العهد الصادرة عن الرسول ## أنه قال لعلىّ: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق.
فحول علىٌّ - كرم الله وجهه - الرواية من أسلوب الخطاب إلى المتكلم والمعنى واحد.
فقه الحديث
لم يرد فى حق أحد من الصحابة مثل ما ورد فى مناقب على - كرم الله وجهه- لا لزيادته على أبى
بكر مثلا فى الفضائل، فقد سئل النبى و عن أحب الناس إليه فقال: أبوبكر، وورد عنه قوله: ((لو
كنت متخذاً خليلا غير ربى لاتخذت أبا بكر خليلا».
ولكن السبب فى كثرة ما ورد بالأسانيد الصحيحة فى حق على، ويرجع إلى أن النبى 8 # كان
يخشى عليه مما وقع له من بعده - وهذا علم من أعلام النبوة - وأعلام النبوة لا شك فيها، فقد أخبر
عن الفتن ووقعت كما أخبر صلى اللَّه عليه وسلم، فكأنه صلى الله عليه وسلم علم بطريق الوحى أن
علياً سيخرج عليه كثير من المسلمين، وسيتهمونه بما هو منه برىء، فدعا صلى الله عليه وسلم إلى
محبته، وحذر من بغضه - كرم الله وجهه- وساعد على انتشار ما ورد تأخر حياة على، وحرص شيعته
على الرفع من شأنه وتعصبهم له فى مقابل تعصب مخالفيه ضده.
٢٥٣

ويروى التاريخ أن علياً - كرم الله وجهه - قداتهم بالتقاعس عن نصرة عثمان ه ثم اتهم بإيواء
قتلته، وعدم القصاص منهم، وحورب فى موقعة الجمل وصفين وغيرهما، وزاد الخطب بخروج
الخوارج عليه فبغضوه، بل كفروه، ثم بلغ العنت والطغيان ببنى أمية وأتباعهم أن اتخذوا لعنه على
المنابر سنة.
ذلك التيار المنحرف الضال بعث فى أهل السنة التمسك بما ورد من فضائله وإبراز الأحاديث
الداعية إلى حبه المحذرة من بغضه.
نعم بالغ بعض شيعته فى حبه وتقديسه، نتيجة لمبالغة مخالفيه فى عداوته وتحقيره وإهانته،
والتطرف يخلق التطرف - كما يقولون- فرفعوه إلى درجة النبوة، بل إلى ما هو أعلى من النبوة،
ووضعوا فى الأحاديث ما ليس منها وأدخلوا فى معتقداتهم ما هو كفر صريح.
والواجب على المسلم إزاء هذه الفتن أن يحب الإمام علياً لله كرم الله وجهه وأن يمسك عن
الخوض فيما وقع من فتن وحروب.
وبغض على والصحابة إن كان من جهة نصرتهم لرسول اللّه، وحمايتهم لدين اللَّه، فهو كفر لا شك
فيه، ونفاق لا مراء فيه، وعليه يحمل الحديث كما مرفى حب الأنصار: أما إن كان من غير هذه
الجهة، بل من أمر طارئ اقتضى المخالفة، فلا يحكم على صاحبه بالكفرولا بالنفاق، وعلى هذا
الوضع الأخير يحمل ما كان من الصحابة، بعضهم مع بعض فى اختلافهم، وفى حروبهم التى وقعت
بينهم، ولذلك لم يحكم بعضهم على بعض بالنفاق.
نعم الخوارج الذين كفروه يستحقون أن يكفروا، ويكفرهم قال كثير من المتكلمين.
وأما مبغضوه ولاعنوه على المنابر فعليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين.
٢٥٤

(٤٥) باب كفران العشير
١٣٦ - ١٣٢ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنٍ عُمَرَ رَضِى اللَّه عَنْهِمَا (١٣٢) عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴿ أَنَّهُ قَالَ «يَا
مَعْشَرَ النِّسَاءِ! تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الاسْتِغْفَارَ. فَإِنِي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ » فَقَالَتِ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ،
جَزْلَةٌ: وَمَا لَنَّا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكْفَرَ أَهْلِ النَّارِ؟ قَالَ « تُكْثِرْدُ اللَّعْنَ وَتَكْفُرْنُ الْعَثِيرَ. وَمَا رَأَيْتُ
مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَغْلَبَ لِذِي لُبِّ مِنْكُنَّ » قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ
وَالدِّينِ؟ قَالَ « أَمَّا تُقْصَادُ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنٍ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ. فَهَذَا نُقْصَادُ الْعَقْلِ.
وَتَمْكُثُ الْيَّالِي مَا تُصَلِّي. وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ. فَهَذَا تُقْصَانُ الدِّينِ».
١٠ مِثْلَهُ(٠٠).
◌ْ مِثْلَهُ(٠)).
المعنى العام
كان صلى الله عليه وسلم يتعهد النساء بالموعظة كما يتعهد الرجال، وكثيراً ما كان يذكرهن
باعوجاجهن وأمراضهن ويطلب منهن تحصين أنفسهن وعلاج دائهن، ففى يوم الأضحى أو الفطر قال
لهن: يا معشر النساء تصدقن فإنى أريتكن أكثر أهل النار، فقلن: وبم يا رسول الله؟ قال: تكثرن
اللعن، وتكفرن العشير، وما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن.
قلن: ومانقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟
قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها. أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى. قال: فذلك من
نقصان دينها.
وتروى أسماء بنت يزيد - خطيبة النساء - أن رسول اللَّه خرج إلى النساء، وهى معهن، فقال:
يا معشر النساء. إنكن أكثر حطب جهنم. قالت: فناديت رسول اللّه # - وكنت عليه جريئة - لم يا
رسول اللَّه؟ قال: لأنكن تكثرن اللعن وتكفرن العشير.
(١٣٢) حَدَّثَنَا مُحَمِّدُ بْنُ رُمْحِ بْنِ الْمُهَاجِرِ الْمِصْرِيُّ أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ الْهَادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ
(١٠) وحَدَّثَيْهِ أَبُوِ الطَّاهِرِ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهَّبِ عَنْ بَّكْرِ بْنِ مُضَرَ عَنِ ابْنِّ الْهَّادِ بِهَذَا الإِسْنَادِ مِثْلَهُ.
(٠٠٠) وحَدَِّي الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ الْخُلْوَاِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنَّ إِسْحَقَ قَالا حَدَّقَا أَبَّنُ أَبِي ◌ّمَّرْيَمَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ قَالَ أَخْبُرَبِي زَيْدُ
ابْنُ أَسْلَمَّ مَنْ عِيَاضٍ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذَّرِيِّ عَنِ النّبِيِّ :﴿ حِ وَحَدَّثَنَا يَحْتَى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتِبَةٌ وَابْنُ حُجْرٍ قَالُوا
حَدََّنَا إِسْمَعِيلُ وَهُوَ ابْنٌّ جَعْفَرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍوَ عَنِ الْمَقُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﴿ بِمِثْلِ مَعْنَى حَدِيثُ ابْنٍ
عُمّرَ عَنِ النَِّيِّ ﴾.
٢٥٥

كما كان يصف خلقهن للصحابة ليقوموا اعوجاجهن، وينصحوهن باعتبارهم قوامين عليهن، فقد
روى أنه صلى الله عليه وسلم بعد صلاة الكسوف قال لأصحابه: أريت النار فى عرض هذا الحائط، فلم
أر منظراً كاليوم قط أفظع ورأيت أكثر أهلها النساء، قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: بكفرهن. قيل:
يكفرن باللَّه؟ قال: يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله، ثم رأت منك
شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط.
والحديث الشريف فى مجمله يدعو النساء إلى التخلى عن بذاءة اللسان وذكران الجميل، والتحلى
بالصدقة والاستغفار لعل الحسنات يذهبن السيئات.
ويكشف لهن أن اللَّه بحكمته قد جعل فرص عبادة النساء أقل من فرص عبادة الرجال، وأن مجال
إكثار الحسنات لدى الرجال أفسح من مجاله لدى النساء، فعليهن أن يعوضن ما فقدن بالطبيعة،
وأن يحسن استغلال ماهيئ لهن ليكن من أهل الجنة، وينجون من النار.
المباحث العربية
( يا معشر النساء ) المعشر الجماعة الذين أمرهم واحد، لهم صفة واحدة مشتركة بينهم
تجمعهم، فالإنس معشر، والجن معشر، والأنبياء معشر، والنساء معشر، ونقل عن ثعلب أنه مخصوص
بالرجال، وهذا الحديث يرد عليه.
(فإنى رأيتكن أكثر أهل النار) الفاء للتعليل، و((رأى)) إن كانت علمية تتعدى إلى مفعولين
و((أكثر)) مفعولها الثانى، وإن كانت بصرية تتعدى إلى مفعول واحد و((أكثر)) منصوب على الحال، ولا
يضر إضافته إلى معرفة بناء على أن ((أفعل)) لا يتعرف بالإضافة.
والخطاب فى ((رأيتكن)» ليس المقصود به سامعات الحديث، حتى يحكم عليهن بدخول النار،
فقد يكن كلهن من أهل الجنة، وإنما المقصود خطاب المنادى ((معشر النساء)) فكأنه قال: فإنى
رأيت معشر النساء أكثر أهل النار والمرئى فى النار من النساء من اتصف بالصفات الذميمة، يؤيد
ذلك ما وقع فى حديث جابر، ولفظه ((وأكثر من رأيت فيها من النساء، اللاتى إن اؤتمن أفشين، وإن
سئلن بخلن، وإن سألن ألحفن، وإن أعطين لم يشكرن)).
( فقالت امرأة منهن جزلة ) بفتح الجيم وسكون الزاى، أى ذات عقل ورأى و))منهن )» جار
ومجرور متعلق بمحذوف صفة ((امرأة)) و))جزلة)) صفة أخرى، وكان الأولى فى الأسلوب أن تقدم
الصفة المفردة على شبه الجملة فيقال: فقالت امرأة جزلة منهن.
(وما لنا أكثر أهل النار؟) ((وما لنا)) مبتدأ وخبر، والواو للاستئناف و((أكثر)) منصوب على
الحال المقدرة، والتقدير: وأى شىء حصل لذا مقدراً لنا الكثرة فى النار؟
( تكثرن اللعن ) اللعن فى اللغة الإبعاد والطرد، وفى الشرع الإبعاد من رحمة الله، والمقصود
الإكثار من ألفاظ الدعاء على الغير بقصد أو بغير قصد، بسبب أو بغير سبب كاف.
٢٥٦

(وتكفرن العشير) ضمن ((تكفرن)) معنى ((تجحدن)) فعدى بنفسه، وأصله يتعدى بالباء،
والعشير هو الخليط من المعاشرة، وكثر إطلاقه على الزوج لكثرة مخالطته الزوجة، وهو المراد هنا،
وفى الكلام مضاف محذوف، والتقدير: تكفرن وتجحدن وتغطين إحسان الزوج وفضله.
(وما رأيت من ناقصات عقل ودين) ((من)) زائدة و))ناقصات)) مفعول ((رأيت)) الأول
ومفعولها الثانى ((أغلب لذى لب)).
والعقل قوة يميز الإنسان بها بين حقائق المعلومات.
( أغلب لذى لب منكن ) أى ما رأيت أشد غلبة لذوى العقول منكن، وفى رواية البخارى ((ما
رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن)) وهذا من جملة أسباب كونهن
أكثر أهل النار، لأنهن إذا كن سببا لإذهاب عقل الرجل الحازم، حتى يفعل أو يقول ما لا ينبغى، فقد
شاركنه فى الإثم وزدن عليه، واللب أخص من العقل؛ إذ هو الخالص منه والكامل فيه.
(وما نقصان العقل والدين؟) ((ال)) فى ((العقل والدين)) للعهد أو عوض عن المضاف إليه،
والتقدير: وما نقصان عقلنا وديننا؟ قال الحافظ ابن حجر: كأنه خفى عليهن ذلك حتى سألن عنه،
ونفس هذا السؤال دال على النقصان، لأنهن سلمن ما نسب إليهن من إكثار اللعن وكفران العشير، ثم
استشكلن كونهن ناقصات. والسؤال عن مظاهر وأدلة نقصان عقلهن ودينهن.
( أما نقصان العقل فشهادة امرأتين تعدل شهادة رجل واحد) ((أما)) حرف شرط
وتفصيل، وفى رواية البخارى ((أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى)).
( فهذا نقصان العقل ) أى فهذا لضعف الضبط المنبئ عن نقصان العقل.
( وتمكث الليالى ما تصلى ) فيه اكتفاء، والأصل: وتمكث الليالي والأيام والمقصود بها ليالى
الحيض وأيامه.
فقه الحديث
اختلف العلماء فى رؤيته صلى الله عليه وسلم النساء أكثر أهل النار، هل هى رؤية عين فى
اليقظة؟ أو رؤية منام؟ أو رؤية علمية؟.
المختار أنها رؤية عين فى اليقظة. لكن هل رأى صلى الله عليه وسلم النار فعلا على حقيقتها،
ورفعت له الحجب وطويت المسافات؟ أو مثلت له؟ ومتى وقع هذا؟.
قال بعضهم إنه صلى اللّه عليه وسلم رأى النار فعلا ليلة الإسراء، ولا إحالة فى هذا على مذهب
أهل السنة القائلين بأن الجنة والنار مخلوقتان وموجودتان الآن، ولا إحالة فى أن يخلق اللَّه فى نبيه
** إدراكا خاصاً به يدرك به الجنة والنار على حقيقتهما.
٢٥٧

ويبعد هذا القول أن الرؤية متعلقة بالنساء، وأنهن أكثر أهل النار، وأهل السنة مع قولهم بوجود
النار الآن لا يقولون بدخول أهلها فيها إلا بعد البعث والحساب، فرؤية النساء فى النار بعيد أن تكون
على الحقيقة.
والمختار أنها مثلت له صلى الله عليه وسلم، ويؤيده حديث أنس فى البخارى ((لقد
عرضت على الجنة والنار آنفاً فى عرض هذا الحائط وأنا أصلى)) وفى رواية ((لقد مثلت))
وفى رواية لمسلم ((لقد تصورت)).
وقد وردت رؤيته صلى الله عليه وسلم الجنة والنار فى صلاة الكسوف ووردت فى الإسراء، ووردت
فى صلاة الظهر، قال الحافظ ابن حجر: ولا مانع أن يرى الجنة والنار مرتين بل مراراً على صور
مختلفة. اهـ
ويؤخذ من الحديث
١- الحث على الصدقة، ويشتد استحبابها فى الأعياد، وفى الكرب والشدائد، وعقب المعاصى.
٢- وأن الصدقة تطفئ غضب الرب؛ وتخفف عقاب الذنوب، مصداقاً لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ
يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
٣- وأنها قد تكفر الذنوب التى بين المخلوقين، لأن فى إكثار اللعن وكفران العشير حقوقاً للعباد.
٤- وأن كفران العشير وجحد الإحسان من الكبائر، فإن التوعد بالنار علامة أن المعصية كبيرة.
٥- وأن المعاصى تسمى كفراً كما أن الطاعات تسمی إيماناً.
قال النووى: ويؤخذ من ذلك صحة تأويل الكفر فى الأحاديث المتقدمة على ما تأولناها، قال ابن
العربى ما حاصله: وخص الحديث إنكار إحسان الزوج بالكفر من بين أنواع الذنوب لدقيقة
بديعة، وهى قوله صلى الله عليه وسلم: ((لو أمرت أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد
لزوجها»، فقرن حق الزوج على الزوجة بحق الله، فإذا كفرت المرأة حق زوجها - وقد بلغ من
حقه عليها هذه الغاية - كان ذلك دليلا على تهاونها بحق الله، فلذلك يطلق عليها الكفر، لكنه كفر
لا يخرج عن الملة.اهـ
٦- قال النووى: وفيه أن اللعن أيضاً من المعاصى الشديدة القبح، وليس فيه أنه كبيرة، فإنه صلى اللّه
عليه وسلم قال: تكثرن اللعن، والصغيرة إذا أكثرت صارت كبيرة، واتفق العلماء على تحريم
اللعن، فلا يجوز لعن أحد بعينه، مسلماً كان أو كافراً، أو دابة، إلا من علمنا بنص شرعى أنه مات
على الكفر أو يموت عليه، كأبى جهل وإبليس، وأما اللعن بالوصف فليس بحرام، كلعن الواشمة
والمستوشمة وآكل الربا وموكله والظالمين والفاسقين والكافرين، وغير ذلك مما جاءت النصوص
الشرعية بإطلاقه على الأوصاف لا على الأعيان. اهـ بتصرف.
٧- وفيه نقصان عقل المرأة عن الرجل، وقد نبه اللَّه تعالى على ضعف ضبط المرأة لحقائق الأمور
بقوله: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ [البقرة: ٢٨٢].
٢٥٨

وليس المقصود بذكر النقص فى النساء لومهن على ذلك، لأنه من أصل الخلقة، لكن المقصود
التنبيه على ذلك للتحذير من الافتتان بهن، ولهذا رتب العذاب على ما ذكر من الكفران وغيره، لا
على النقص.
٨- وأن الطاعات تسمى ديناً، فقد وصف صلى الله عليه وسلم نقص الطاعات بنقص الدين،
قال النووى: وإذا ثبت هذا علمنا أن من كثرت عبادته زاد إيمانه ودينه، ومن نقصت
عبادته نقص دينه.
ثم نقص الدين قد يكون على وجه يأثم به، كمن ترك الصلاة أو الصوم أو غيرهما من العبادات
الواجبة عليه بلا عذر، وقد يكون على وجه هو مكلف به؛ كترك الحائض الصلاة والصوم.
وتساءل النووى: هل تثاب الحائض على الصلاة فى زمن الحيض، وإن كانت لا تقضيها، كما
يثاب المريض والمسافر، ويكتب له فى مرضه وسفره مثل نوافل الصلوات التى كان يفعلها فى
صحته وحضره؟.
وأجاب بأن ظاهر هذا الحديث أنها لا تثاب، والفرق أن المريض والمسافر كان يفعلها بنية
الدوام عليها مع أهليته لها. والحائض ليست كذلك بل نيتها ترك الصلاة فى زمن الحيض، بل
يحرم عليها نية الصلاة فى زمن الحيض فنظيرها مسافر أو مريض كان يصلى النافلة فى وقت،
ويترك فى وقت، غير ناوالدوام عليها، فهذا لا يكتب له فى سفره ومرضه بالنسبة للزمن الذى لم
يكن يتنفل فيه.اهـ
٩- وفيه أن منع الحائض من الصوم والصلاة كان ثابتاً بحكم الشرع قبل هذا المجلس.
١٠- وفيه أن من خلق المرأة الشاذ كثرة اللعن وإنكار الجميل. وقد أوضحت رواية البخارى مدى
كفرانها للنعمة، وإصرارها على هذا الجحود إذ قال صلى الله عليه وسلم ((لو أحسنت إلى إحداهن
الدهر ثم رأت منك شيئاً قالت: ما رأيت منك خيراً قط)).
وليس معنى هذا أن كل امرأة بهذه الصفة، بل الحكم للغالب والكثيروما هو الشأن، فلا ينافى
وجود نساء مثاليات فى عفة اللسان وفى الوفاء وشكر الجميل.
١١ - وفيه الإغلاظ فى النصح لقصد إزالة الصفة الذميمة، فإن استتباع طلب الصدقة والاستغفار بهذه
الأوصاف تغليظ وتحذير.
.١٢ - قال الحافظ ابن حجر: وفيه أنه لا يواجه الشخص المعين بما فيه من صفة يعاب عليها، لأن فى
التعميم تسهيلا على السامع. اهـ
وكأنه يعنى أن النبى # كان من عادته وحكمته إعطاء النصح اللائق بالمخاطب، وبذل هذه
النصيحة لأولئك النسوة دليل على أن فيهن من هى بهذه الصفة، فلم يوجه إليها النصح، وساق
الكلام على الأسلوب العام ستراً لها وكرماً.
١٣ - وفيه أن النساء أكثر أهل النار.
٢٥٩

١٤ - وفيه وعظ الإمام وأصحاب الولايات وكبراء الناس رعاياهم وتحذيرهم المخالفات، وتحريضهم
على الطاعات.
١٥- وفيه جواز عظة الرجل للنساء وتعليمه لهن أحكام الإسلام وتذكيره لهن بما يجب عليهن، ومحل
ذلك كله إذا أمن الفتنة والمفسدة.
١٦ - وفيه جواز خروج النساء لمجالس العلم، ومحله إذا أمنت الفتنة والمفسدة.
١٧- وفيه جواز صدقة المرأة من مالها من غير توقف على إذن زوجها أو على مقدار معين من مالها،
كالثلث، خلافاً لبعض المالكية، إذ لم ينقل أن أزواجهن كانوا حضوراً وصرحوا لهن بالصدقة.
١٨ - وفيه جواز طلب الصدقة من الأغنياء للمحتاجين، ولو كان الطالب غير محتاج.
١٩ - وفيه جواز إطلاق ((رمضان)) من غير إضافة إلى الشهر، وإن كان الاختيار إضافته.
٢٠ - وفيه مراجعة المتعلم للعالم، والتابع للمتبوع فيما قاله إذا لم يظهر له معناه.
٢١ - وفيه ما كان عليه النبى 18 من الخلق العظيم، والصفح الجميل، والرفق بمن يراجعه.
والله أعلم
٢٦٠