النص المفهرس

صفحات 121-140

وذهب البعض إلى أنه لا يصح الاعتماد على الرضا، لأن الرضا أمر قلبى، وقد يظهر المالك الرضا
بسيف الحياء، وفى نفسه حرج وضيق خصوصاً فى هذه الأيام التى غلب فيها شح النفس، واشتد فيها
الحرص والأثرة.
وعلى هذا الرأى يمكن الاعتذار عن أبى هريرة بأنه دخل فى حالة دهشة بدافع دينى كبير، وهذه
ضرورة، والضرورات تبيح المحظورات.
وهذا الاعتذار يمكن اعتماده فى دخول أبى هريرة على رسول اللّه بدون إذنه وقد جعل الإذن
من أجل البصر، حتى لوقيل: إنه لم يكن يعلم وجوده داخله، فإنه كان من الممكن أن ينادى: يا أهل
البستان ويا من بداخله، أتأذن لى بالدخول فأدخل؟
ولعل فى قول الرسول 8 بدهشة واستغراب عندما رآه: أبو هريرة؟ .. ما شأنك؟ وفى
اعتذار أبى هريرة بالفزع. لعل فى ذلك إشارة من الرسول إلى أنه ما كان ينبغى هذا
الفعل واعتذاراً من أبى هريرة عنه بالفزع.
أما إعطاؤه النعلين فلتكون علامة ظاهرة معلومة عندهم، يعرفون بها أنه لقى النبى الا
ويكون أوقع فى نفوسهم، وآكد لهذه البشرى المستبعدة فى اعتقادهم، وليس فى هذا طعن
فى قبول خبر أبى هريرة بدون هذه العلامة، فإنه عدل وثقة مقبول الخبر.
ولما كان التبشير بالجنة خاصاً بمن شهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه.
ولما كان أبو هريرة لا يعلم استيقان القلوب، كان المقصود من تبشيره من لقى إخباره أن من
كانت هذه صفته فهو من أهل الجنة.
وأما دفع عمر لأبى هريرة - رضى الله عنهما - فإنه لم يقصد به سقوطه أو إيذاءه بل
قصد رده عما هو عليه، وضرب بيده فى صدره ليكون أبلغ فى زجره، وليس فعل عمر
ومراجعته النبى - اعتراضاً عليه، أورداً لأمره، وإنما رأى المصلحة فى عدم التبشير خوف
الاتكال فتكثر أجورهم، ولذا صوبه النبى *
على أن الصادر من النبى * ليس أمراً حقيقة، بل كان تطييبا لنفوس الصحابة.
وكأن الرسول * منع معاذاً (فى الحديث السابق) من التبشير العام، وأذن لأبى هريرة بالتبشير
لأفراد يأمن عليهم الاتكال، فلما خاف عمر من عدم انحصار الموضوع، وانتشار خطره وافقه الرسول
# على وجهة نظره، ومنع التبشير الخاص كذلك.
ومع أن منع التبشير ليس صريحاً هنا فقد جعله العلماء من قبيل تغير الاجتهاد، قال النووي: وقد
كان الاجتهاد جائزاً له، وواقعاً منه صلى الله عليه وسلم عند المحققين وله مزية على سائر
المجتهدين بأنه لا يقر على الخطأ فى اجتهاده.
قال: ومن نفى ذلك، وقال لا يجوز له القول فى الأمور الدينية إلا عن وحى. فليس يمتنع أن يكون
قد نزل عليه صلى الله عليه وسلم وحى ناسخ للوحى السابق.
١٢١

والقول بجواز الاجتهاد له صلى اللَّه عليه وسلم فى أحكام الدين قول أكثر العلماء مستندين إلى
أنه إذا جاز الاجتهاد لغيره فله صلى الله عليه وسلم أولى.
وقال جماعة: لا يجوز لأنه قادر على اليقين، وقال بعضهم: كان يجوز فى الحروب دون غيرها،
وتوقف آخرون فى كل ذلك.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- جلوس العالم لأصحابه يعلمهم ويفيدهم.
٢- حسن الإخبار إذا أريد الإخبار عن جماعة كثيرة يصعب ذكرهم بأسمائهم، فإنه يذكر أشرافهم أو
بعض أشرافهم على أنهم بعض الجماعة.
٣- ما كانت عليه الصحابة - رضى الله عنهم - من القيام بحقوق رسول اللّه ﴿ وإكرامه والشفقة
عليه، والانزعاج البالغ لغيبته المجهولة.
٤- اهتمام الأتباع بحقوق متبوعهم والاعتناء بتحصيل مصالحه ودفع المفاسد عنه.
٥- إرسال الإمام والمتبوع إلى أتباعه بعلامة يعرفونها ليزدادوا بها طمأنينة.
٦- فيه دلالة لأهل الحق فى أنه لا ينفع اعتقاد التوحيد دون النطق ولا النطق دون الاعتقاد، وأن
الإيمان المنجى من الخلود فى النار لابد فيه من الجمع بين الاعتقاد والنطق.
٧- جواز التعبير بالألفاظ المستهجنة كلفظ ((الاست)) والأحسن فيما يقبح سماعه استعمال الكناية
عنه أو المجاز، إلا أن يكون فى التصريح مصلحة راجحة، وبالكناية والأدب الرفيع جاء القرآن
كقوله تعالى: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُزْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأُتُوهُنَّ مِنْ
حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٣].
٨- جواز قول الرجل للآخر: بأبى أنت وأمى، وقد كرهه بعض السلف، وقال: لايفدى بمسلم، لكن
الأحاديث الصحيحة، تدل على جوازه، وخصوصاً أن الافتداء غير مقصود حقيقة، وإنما المقصود
التعبير عن الحب والبر والحنان.
٩- إشارة أهل الفضل والوزراء على الإمام وإن لم يستشرهم، فإن الإمام أو الكبير إذا رأى شيئاً، ورأى
بعض أتباعه خلافه، فإنه ينبغى للتابع أن يعرضه على المتبوع لينظر فيه.
١٠ - وقف بعض الأتباع أمر المتبوع مؤقتاً حتى يعرضوا عليه ما رأوا.
١١- رجوع الإمام عما رآه إذا ظهرت المصلحة فى غيره.
١٢ - إمساك بعض العلوم التى لاحاجة إليها للمصلحة أو خوف المفسدة.
١٣ - استدل به بعضهم على وقوع النسخ قبل الفعل، ورد بأن الأمر هنا قد بلغ ولو لواحد.
١٤ - فيه منقبة ظاهرة لعمر بن الخطاب، وفضيلة لأبى هريرة رضى الله عنهما.
والله أعلم
١٢٢

(١٦) باب صلاة النبى * فى بيت عتبان
٥٤- ٥٤ْ عَنِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﴾(٥٤) قَالَ: حَدَّتِي مَحْمُوذُ بْنُ الرَّبِعِ، عَنِ عِْبَانِ بْنِ مَالِكٍ؛
قَالَ: قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ. فَلَقِيتُ عِثْبَانٌ. فَقُلْتُ: حَدِيثٌ بَلَغَيِي عَنْكَ. قَالَ: أَصَائِنِي فِي بَصَرِي
بَعْضُ الشَّيْءٍ. فَبَعَثْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ أَنْي أُحِبُّ أَنْ تَأْتِي فَتُصَلِّيَ فِي مَنْزِلِي. فَأَتْخِذَهُ
مُصَلَّى. قَالَ فَأَتَى النّبِيُّ:﴿ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ أَصْحَابِهِ. فَدَخَلَّ وَهُوَ يُصَلِّي فِي مَنْزِلِي.
وَأَصْحَابُهُ يَتَحَدُّنُونَ بَيْنَهُمْ، ثُمَّ أَسْنَدُوا عُظْمَ ذَلِكَ وَكُبْرَهُ إِلَى مَالِكِ بْنِ دُخْثُمٍ. قَالُوا: وَدُوا أَنَّهُ
دَعَا عَلَيْهِ فَهَلَكَ. وَوَدُّوا أَنَّهُ أَصَابَهُ شَرٌّ. فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ِالصَّلاةَ. وَقَالَ « أَلَيْسَ يَشْهَدُ
أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ؟ » قَالُوا: إِنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ. وَمَا هُوَ فِي قَلْبِهٍ. قَالَ « لا يَشْهَدُ
أَحَدٌ أَدْ لا إِلَهَ إِلا اللّهُ وَأَنِي رَسُولُ اللَّهِ فَيَدْخُلَ النَّارَ، أَوْ تَطْعَمَهُ» قَالَ أَنْسِّ: فَأَعْجَبِي هَذَا
الْحَدِيثُ. فَقُلْتُ لابْنِي: اكْتُبُهُ. فَكَتِبَهُ.
٥٥- ٥ْ عَنِ أَنَسٍ ﴾(٥٥) قَالَ: حَدَّتِي عِنْبَانُ بْنُ مَالِكٍ؛ أَنَُّ عَمِيَ. فَأَرْسَلَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ِ. فَقَالَ:
تَعَالَ فَخُطِّ لِي مَسْجِدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِفَ﴿ وَجَاءَ قَوْمُهُ. وَنُعِتَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مَالِكُ ابْنُ الدُّخْثُمِ.
ثُمَّ ذَكَرَ تَحْوَ حَدِيثٍ سُلَيْمَانَ بْنِ الْمُغِيرَةِ.
المعنى العام
حدث عتبان بن مالك الصحابي الجليل الأنصارى الخزرجى الذى شهد بدراً، حدث بقوله صلى
اللّه عليه وسلم ((لا يشهد أحد أن لا إله إلا الله وأنى رسول اللَّه فيدخل النار أو تطعمه)) وسمع هذا
الحديث محمود بن الربيع وهو يسكن ضاحية المدينة، فأعجبه، وبعث الرجاء الواسع فى نفسه، فجاء
المدينة، فالتقى بعتبان فقال له: بلغنى عنك حديث وأحب أن أسمعه منك.
فأخذ عتبان يسوق ظروف الحديث ومناسبته وقصته، ليتمكن فى النفس فضل تمكن وليعين
بذلك على فهم الهدف والغاية منه فهماً صحيحاً، وليثق السامع فى ضبطه وكمال تذكره وذكر
الملابسات المحيطة به، فقال:
كنت إمام قومى، أنتقل عند كل فريضة إلى مسجد محلتهم فأصلى بهم، فرأيت أن بصرى جعل
يكل، ويسوء شيئاً فشيئاً، حتى أصبحت أتعثر فى طريق المسجد، وحتى أصبح من العسير على أن
(٥٤) حَذََّنَا شَيْبَانُ بْنُ فَرُّوخَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ يَعْنِي ابْنَ الْمُغِيرَةِ قَالَ حَدَّقْنَا قَابِتٌ عَنِ أَنَسٍ بْنِ مَالِكِ
(٥٥) حَدَّثَتِي أَبُو بَكْرِ بْنُ نَافِعِ الْعَبْدِيُّ حَدَّنَا بَهْزٌ حَدَّقْنَا حَمَّدٌ حَدََّا قَابِتٌ عَنِ أَنْسٍ
١٢٣

أجتاز الوادى الذى بينى وبينه إذا جاء المطروسال الوادى، ولم يكن مفر من أن أصلى فى بيتى بعض
الأوقات، فأردت أن أعوض ما يفوتنى من الصلاة فى المسجد بالصلاة فى مكان صلى فيه رسول اللَّه
* وباركه، فأتيت رسول اللَّه * فقلت: يارسول الله: قد أنكرت بصرى؛ إذ أصابنى فيه ضعف
شديد، وأنا إمام قومى، فإذا كانت الأمطار وسال الوادى بينى وبينهم لم أستطع أن آتى مسجدهم
فأصلى بهم، ووددت يارسول اللَّه أنك تأتينى، فتخط لى مكاناً فى بيتى فتصلى فيه، فأتخذه مصلى،
فقال رسول اللَّهِ ﴾: سأفعل إن شاء اللَّه.
ولشدة لهفة عتبان ترقب قدوم رسول اللَّه فى نفس اليوم، فلما لم يأت أصبح فأعد طعاما له
صلى الله عليه وسلم ولمن عساه أن يأتى معه، وبعث إليه رسولا يقول له: يا رسول الله إن عتبان
يحب أن تأتيه فتصلى فى منزله فيتخذه مصلى.
فغدا رسول اللَّه ﴿ وأبو بكر حين ارتفع النهار، وانضم إليهما فى الطريق عمر، فلما وصلوا المنزل
استأذن رسول اللّه* فأذن عتبان بالدخول فدخلوا فلم يجلس رسول اللّه * حين دخل البيت،
ولكنه قال: أين تحب أن أصلى من بيتك؟ فقال عتبان: هنا، وأشار إلى ناحية منه، فقام رسول اللَّه
* وقام من حضر من الصحابة فصفوا، فكبر فصلى بهم ركعتين، ثم جلسوا يتحدثون وقام رسول اللَّه
# يصلى، فتناولوا بحديثهم مالك بن دخشم وهو من قوم عتبان. قال قائل منهم: أين مالك بن
الدخشم؟ لماذا لم يحضر الصلاة هنا مع رسول اللَّه ﴿؟ وقال الآخر: إنه منافق لا يحب الله ورسوله،
وقال آخر، إنه يجالس المنافقين ويصغى إليهم، وقال الرابع: ليت رسول اللّه * يدعو عليه فيهلك،
وقال الخامس: ليته يصاب بمكروه يحول بينه وبين المنافقين.
كل ذلك ورسول اللّه# يسمع، فلما قضى الصلاة قال: لا تقولوا هذا القول فى شأن مالك ابن
الدخشم. أليس يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنى رسول اللَّه؟ قالوا: إنه يشهد بلسانه دون قلبه، فإنا نرى
وجهه ونصيحته إلى المنافقين. قال: ألا ترونه قد قال: لا إله إلا اللَّه يريد بذلك وجه الله؟ قالوا: اللَّه
ورسوله أعلم.
قال صلى اللّه عليه وسلم: لا يشهد أحد أن لا إله إلا اللَّه وأنى رسول اللَّه فيدخل النار أو
تطعمه النار.
وحدث محمود بن الربيع أنس بن مالك بهذا الحديث فسر به واستبشر، وقال لابنه: اكتبه،
فكتبه، فأخذ أنس يحدث به.
رضى الله عنهم ومن اهتدى بهم إلى يوم الدين.
المباحث العربية
( عن أنس بن مالك قال: حدثنى محمود بن الربيع عن عقبان بن مالك قال: قدمت
١٢٤

المدينة ) تقدير السند فى الأصل: قال أنس: حدثنى محمود بن الربيع عن عتبان بحديث قال فيه
محمود: قدمت المدينة .. إلخ.
وفى الرواية الثانية ((عن أنس قال: حدثنى عتبان بن مالك)» وجمع بين الروايتين باحتمال أن
أنساً سمع الحديث مرة من محمود بن الربيع، ومرة أخرى من عتبان.
( حديث بلغنى عنك ) أى جاء بى إليك حديث بلغنى عنك، يبشر الموحد بالجنة،
فأخبرنى به.
( قال: أصابنى فى بصرى بعض الشىء) وفى رواية ((جعل بصرى يكل)) وفى رواية ((لما
ساء بصرى)) فهذه الروايات تدل على أنه لم يكن قد عمى كلية، لكن جاء فى الرواية الثانية ((حدثنى
عتبان أنه عمى)) وفى رواية للبخارى فى باب الرخصة فى المطر ((قال محمود: إن عتبان كان يؤم
قومه وهو أعمى)» ففى هاتين الروايتين تصريح بأنه عمى بالفعل.
وجمع الحافظ ابن حجر بينهما بأن قول محمود: إن عتبان كان يؤم قومه وهو أعمى، أى حين
لقيه محمود وسمع منه الحديث لا حين سؤاله النبى 8، ومعنى هذا أن عتبان حين طلب الرسول { لا
لم يكن قد تم عماه، ويعكر على هذا الجمع رواية البخارى، وفيها أنه قال لرسول اللَّه﴿ ((إنها تكون
الظلمة والسيل، وأنا رجل ضرير البصر)».
وجمع بينهما بعضهم باحتمال أنه أراد ببعض الشىء، وسوء البصر، أراد العمى، وهو ذهاب
البصر جميعه مجازاً، أو باحتمال أنه أراد بالعمى ضعف البصر، وذهاب معظمه، وسماه ((عمى» لقربه
منه، ومشاركته إياه فى فوت بعض ما كان حالا فى حال السلامة، وهذا الاحتمال حرى بالقبول.
( ثم أسندوا عظم ذلك وكبره إلى مالك بن دخشم) ((عظم)) الشىء بضم العين وإسكان
الظاء معظمه، ((وكبره)) بضم الكاف وكسرها لغتان فصيحتان مشهورتان، والإشارة إلى ما تحدثوا
عنه، أى تحدثوا وذكروا شأن المنافقين وأفعالهم القبيحة، وما يلقون منهم، ونسبوا معظم ذلك إلى
مالك بن دخشم. بضم الدال وإسكان الخاء وضم الشين، وفى رواية بالنون بدل الميم.
(ودوا أنه دعا عليه فهلك) ضمير اسم ((أن)) يرجع إلى الرسول ﴾.
( وودوا أنه أصابه شر) وفى بعض الروايات ((أصابه بشر)) بزيادة الباء الجارة، وفى بعضها
((أصابه بشىء)) قال النووي: وكله صحيح.
( وما هو فى قلبه) الضمير يعود على المشار إليه، وهو الشهادة، والجملة فى محل
النصب حال.
( فخط لى مسجدًا ) أى علم لى على موضع لأجعل صلاتى فيه متبركا بآثارك.
١٢٥

( وجاء قومه ) أى قوم عتبان لاستقبال رسول اللّه * فى محلتهم والتشرف بلقائه فى ديارهم
والحفاوة به.
( ونعت رجل منهم ) أى وصف بأوصاف وتحدث فيه.
فقه الحديث
تدل روايات مسلم للحديث على أن عتبان أرسل إلى النبى { ولم يذهب إليه بنفسه، وتدل
روايات البخارى له على أنه أتى النبى وشكا إليه ما أصابه وطلب منه حضوره إلى بيته، وقد
جمع بين الروايات باحتمال أنه أسند إتيان رسوله إلى نفسه مجازاً، وقال الحافظ ابن حجر:
ويحتمل أنه أتاه مرة وبعث إليه أخرى، كما جاء فى رواية مسلم أن الرسول 8# أتى ومن شاء من
أصحابه، وجاء فى رواية أنه أتى ومعه أبو بكر وعمر، وفى رواية ((فى نفر من أصحابه)) وإذا لم يكن
بين رواية مسلم وبين هذه الروايات تعارض كان بين بعضها والبعض الآخر تعارض من حيث الظاهر،
فرواية ((ومعه أبوبكر)) ورواية ((ومعه أبوبكر وعمر)) لا تتفق مع رواية ((فى نفر من أصحابه)) فالنفر
يطلق على الثلاثة فما فوقها إلى العشرة، وللجمع بينهما يمكن أن يقال: ليس فى رواية معية أبى بكر
أو معية أبى بكر وعمر قصر يمنع من دخول الغير، ويكون ذكرهما أو ذكر أحدهما اقتصارا من الراوى.
وقال الحافظ ابن حجر: يحتمل الجمع بأن أبا بكر صحبه فى ابتداء التوجه، ثم عند الدخول أو قبله
اجتمع عمر وغيره من الصحابة فدخلوا معه، اهـ
وهذا الجمع بعيد، لأن لفظ المعية من الكل مقيداً به الإتيان يجعل التوزيع صعباً،
والأولى الجمع الأول.
وظاهر رواية مسلم أن تحدث الصحابة فى مالك بن دخشم كان أثناء صلاته صلى اللّه
عليه وسلم، وبه استدل بعضهم على جواز الكلام والتحدث بحضرة المصلين ما لم يشغلهم
ويدخل عليهم الفساد فى صلاتهم، ثم قال: وهذا فى غير المسجد، وما لم يكن أحد
المتحدثين عن يمين المصلى والآخر عن شماله.
لكن رواية البخارى تدل على أن التحدث كان بعد الصلاة إذا جاء فيها «فقام رسول اللّه ولا
فكبر، فقمنا فصففنا، فصلى ركعتين ثم سلم، قال: وحبسناه على خريزة - لحم ودقيق مطبوخ فى ماء
- صنعناها له، قال: فثاب فى البيت رجال من أهل الدار، ذوو عدد، فاجتمعوا فقال قائل منهم: أين
مالك؟ إلخ.
ويمكن الجمع بأن الرسول # صلى بهم ركعتين، ثم قام يصلى وحده وهم جلوس فتكلموا أثناء
صلاته صلى الله عليه وسلم، فلما قضى صلاته رد عليهم.
وقد يرى المرء أن تمادى الصحابة فى تناول مالك لم يكن ينبغى بعد كلام الرسول 8 ورده عليهم،
١٢٦

ولكن لعلهم فهموا من كلامه صلى الله عليه وسلم (خصوصًا وقد ورد بأسلوب الاستفهام) أنه لا يجزم
بذلك، فقالوا على جهة التنبيه والنصيحة: إنه يقول ذلك وما هو فى قلبه.
ومستندهم فى ذلك تخلفه عن هذا المجلس، وهذا المشهد الكثير البركة، وعدم ظهور فرحه بمجىء
رسول اللّه# إلى ديارهم، وعدم المبادرة إلى لقائه، بالإضافة إلى ما لاحظوه عنه من تردده على
المنافقين وإصغائه إلى حديثهم.
ولم يوافقهم صلى اللَّه عليه وسلم، فقد يكون له عذر فيما رأوا خصوصًا وهو من أهل بدر، وقد علمت
شهادة الرسول ﴿ لأهل بدر عامة بأن اللَّه قد غفر لهم.
قال النووي: وقد نص النبى على إيمانه باطنًا، وبراءته من النفاق فى رواية البخارى بقوله:
((ألا تراه قال: لا إله إلا اللَّه يبتغى بها وجه اللَّه؟)).
وقد ظهر فى حسن إسلام مالك بن دخشم ما يمنع من اتهامه بالنفاق، ففى البخارى
أن النبى 8 بعثه ومعن بن عدى فجرفا مسجد الضرار، وما كان الرسول 8 يختاره لهذه
المهمة وهو من المنافقين.
ويؤخذ من الحديث
١- مدى حرص الصحابة على تتبع الأحاديث والانتقال إلى راويها الأول لسماعها منه.
٢- إخبار المرء عن نفسه بما فيه من عاهة، ولا يكون ذلك من الشكوى.
٣- التبرك بآثار الصالحين، ويمكن أن تكون خاصة برسول اللَّه الا﴾.
٤- جواز استدعاء المفضول للفاضل لمصلحة تعرض.
٥- إجابة الفاضل دعوة المفضول.
٦- زيارة العلماء والفضلاء والكبراء أتباعهم، وأنه من دعى منهم أجاب إذا أمن من الفتنة.
٧- استصحاب الزائر بعض أصحابه إذا علم أن المستدعى لا يكره ذلك.
٨- اجتماع أهل الجهة لملاقاة الإمام أو العالم إذا ورد منزل بعضهم ليستفيدوا منه ويتبركوا به.
٩- افتقاد من غاب عن الجماعة.
١٠- ذكر من يتهم بريبة أو نحوها للأئمة وغيرهم للتحرز منه، ولا يعد ذلك غيبة.
١١- أن على الإمام أن يتثبت من ذلك، ويحمل الأمر فيه على الوجه الجميل.
١٢ - أن من نسب من يظهر الإسلام إلى النفاق ونحوه بقرينة تقوم عنده لا يكفر بذلك ولا يفسق، بل
يعذر بالتأويل.
١٣ - الذب عن ذكره بسوء وهو بريء منه.
١٢٧

١٤ - جواز اتخاذ موضع معين للصلاة، وأما النهى عن إيطان موضع معين من المسجد فمحمول على
ما إذا استلزم رياء ونحوه.
١٥ - فيه الصلاة فى الدور، وأنه لا بأس أن يجعل الرجل محرابا فى بيته، وهل له حرمة
المسجد أولا؟ خلاف.
١٦ - أن المسجد المتخذ فى البيوت لا يخرج عن ملك صاحبه بخلاف المسجد المتخذ فى المحلة.
١٧ - جواز تمنى هلاك أهل النفاق والشقاق ووقوع المكروه بهم.
١٨ - حسن خلقه صلى الله عليه وسلم وتواضعه مع جلالة قدره وعلو منزلته.
١٩ - البدء بالأهم، فقد بدأ صلى الله عليه وسلم فى هذه القصة بالصلاة، لأنها أصل الدعوة، وبدأ
بالطعام فى قصة مليكة لأنه كان أصل الدعوة.
٢٠- أنه لا يدخل النار من شهد أن لا إله إلا اللَّه. وقد سبق تفصيله وبيان الآراء والتوجيهات الخاصة
به فى أول حديث بالباب.
٢١ - جواز كتابة الحديث وغيره من العلوم الشرعية، وأجيب عن النهى عن كتابة الحديث
بأنه كان خوفا من اختلاطه بالقرآن، ولئلا يتكل الصحابة على الكتابة، ويفرطوا فى
الحفظ مع التمكن منه.
وكان بين الصحابة والتابعين خلاف فى جواز كتابة الحديث، وكرهها كثير منهم، ثم استقر
الإجماع وانعقد على جواز كتابته، بل على استحبابها، بل لا يبعد وجوبها على من خشى النسيان
ممن يتعين عليه التبليغ.
٢٢- ويؤخذ من رواية البخارى من قوله: ((قد أنكرت بصرى وأنا أصلى لقومى)) جواز إمامة الأعمى.
٢٣- وأنه كان فى المدينة مساجد للجماعة سوى مسجد رسول اللّه آل﴾.
٢٤ - وأن التخلف عن الجماعة جائز للعذر.
٢٥- ويؤخذ من قوله فى رواية البخارى أيضاً ((فقام صلى اللَّه عليه وسلم فكبر، فقمنا فصففنا، فصلى
ركعتين ثم سلم» يؤخذ من هذه الفقرة صلاة النافلة فى جماعة.
٢٦ - وصلاة الجماعة فى البيوت.
٢٧ - وأن السنة فى نوافل النهار ركعتان كالليل.
٢٨- وأن الإمام إذا زار قوما أمهم، وأما قوله صلى اللَّه عليه وسلم ((من زار قوماً فلا يؤمهم، وليؤمهم
رجل منهم)) فإنه مقيد بما إذا لم يكن الزائر هو الإمام الأعظم، وكذا من أذن له صاحب المنزل،
وقال إسحق: لا يصلى أحد لصاحب المنزل وإن أذن له صاحب المنزل، وكأنه يجعل صلاة
الرسول : وإمامته لصاحب المنزل من باب خصوصياته صلى الله عليه وسلم، وقال مالك:
يستحب لصاحب المنزل إذا حضر فيه من هو أفضل منه أن يقدمه للصلاة.
١٢٨

٢٩- يؤخذ من رواية البخارى من قوله صلى اللّه عليه وسلم ((إن الله حرم على النار من قال:
لا إله إلا اللَّه يبتغى بذلك وجه اللَّه)) الرد على غلاة المرجئة القائلين بأنه يكفى فى
الإيمان النطق من غير اعتقاد.
٣٠- ومن قول عتبان فى رواية البخارى: ((وحبسناه على خريزة صنعناها له)) إكرام العلماء والفضلاء
إذا دعوا.
والله أعلم
١٢٩

(١٧) باب طعم الإيمان
٥٦- ٦° عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطْلِبِ ﴾(٥٩) أَنْهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِو ◌َ يَقُولُ: « ذَاقَ طَعْمَ
الإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللَّهِ رَبًّا وَبِالإِسْلامِ دِينًا وَبِمُحَمَّدٍ رَسُولا ».
المعنى العام
للإيمان حلاوة تحسها قلوب المتقين، وتتلذذ بها أفئدة الأبرار، وتذوب فى سعادتها
مشاعر المقربين.
نعم: للإيمان شعب وأمور، وبمقدار تحصيل شعبه، والمحافظة على تعاليمه تكون درجة تذوق
المؤمن للإيمان ودرجة تمتعه بها.
وأول مراتبه أن يمس شغاف القلوب، فيتذوق صاحبه حلاوته، كما يتذوق اللسان حلاوة الطعام
أول لمسه طرف اللسان، فليس الإيمان بالتمنى والانتساب وما يتشدق به من الألفاظ، وإنما الإيمان
الحقيقى ما وقر فى القلب وسكنت إليه النفس، نعم أول منازل الإيمان الصادق أن يرضى صاحبه
بالله وحده رباً، ويعزف عن الأصنام، وعن كل ما يعبد من دون الله سبحانه وتعالى، ويرضى بالإسلام
وحده دينا، ويتبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام، ويرضى بمحمد {8 رسولا لجميع البشر، وخاتمًا
للأنبياء وناسخًا لشرائع السابقين.
بهذا الرضا، وبهذا الاعتقاد، وبهذا اليقين الذى لا يتطرق إليه الشك يتذوق المرء حلاوة الإيمان،
ويحصل المرتبة الأولى من مراتب الصادقين فى إيمانهم، وعليه أن يسعى لتحصيل المراتب العليا،
باتباع الواجبات والبعد عن المنهيات ليتمتع بحلاوته، بل عليه أن يتدرج فى مدارج الكمال، فيسلك
طريق المعرفة، وينخرط فى بحار الخشية، ويذوب فى ساحة القرب، حتى يكون الله سمعه الذى
يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التى يبطش بها، ورجله التى يمشى بها، وحينئذ يصل إلى درجة
الشبع من الإيمان والسعادة به وبأموره فى الدنيا، وإلى مقاعد الصديقين فى الجنات العلى، ﴿ذَلِكَ
فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ﴾ [الجمعة: ٤].
المباحث العربية
( ذاق طعم الإيمان ) الذوق مبدأ إدراك الطعم، وقد شبه الإيمان بالثمرة أو بمطعوم
(٥٦) حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْتِى بْنٍ أَبِي عُمَّرَ الْمُكِيُّ وَبِشْرُ بْنُ الْحَكْمِ قَالا حَدََّنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ وَهُوَ ابْنُ مُحَمَّدِ الدَّرَاوَزْدِيُّ عَنِ يَزِيدُ بْنٍ
الْهَادِ عَنٍ مُحْمَّدٍ بْنِ إِبْرَاهِيمُ غْنٍ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الْعَبَّاسِ
١٣٠

حلو، ثم أثبت للمشبه لازم المشبه به، وهو الطعم على سبيل الاستعارة التخييلية، والذوق
كناية عن الإدراك.
( من رضى بالله ربا) الرضا بالشىء قد يكون بمعنى القناعة به، وقد يكون بمعنى الإيثار له
وتفضيله عما عداه، وسيأتى فى فقه الحديث آراء العلماء فى حقيقة الرضا على اللَّه تعالى.
فقه الحديث
اختلف العلماء فى درجة الإيمان المقصودة بالحديث، فذهب بعضهم إلى أنه يشير إلى
كمال الإيمان وغايته، وذهب آخرون إلى أنه يشير إلى أول درجاته ومبدئه. ووجهة نظر
الأولين أن من لم يطلب غير الله، ولم يسع فى غير طريق الإسلام، ولم يسلك إلا ما يوافق
شريعة محمد /، من كانت هذه صفته فقد خلصت حلاوة الإيمان إلى قلبه، وخامر باطنه
وذاق طعمه، واستغرق فى الطاعات ولذت له، لأن من رضى أمرًا سهل عليه معالجته.
فهذا الفريق يفسر الرضا بالإيثار (وهو تفسير صحيح ) ولا شك أن من يؤثر اللَّه على جميع من
عداه، ويؤثر الإسلام على جميع الشرائع، ويؤثر طاعة رسول اللَّه ◌ُ على طاعة غيره من النفس والهوى
والشيطان، فقد وصل إلى درجة الخواص واستحلى الإيمان، وذاق طعمه.
ووجهة نظر الأخيرين أنه لو أريد من الحديث غاية الإيمان وكماله لم يعبر عنهما
بالذوق، إذ لا يعبر عن غاية الشىء بمبدئه، لأن الذوق مبدأ الفعل.
ويدفع الأولون هذا الإيراد بأن كون الذوق مبدأ الفعل إنما هو إذا استعمل فى
المحسوسات كذوق الطعام، أما إذا استعمل فى المعانى كما هنا فقد صح أن يكون كناية
عن كمال الإدراك.
ويتمثل هذا الرأى فى جماعة الصوفية الذين يحملون الرضا بالله ربًا على الرضا عن اللَّه
وعن جميع أوامره وعن جميع أفعاله، فيفسره الجنيد بأنه رفع الاختيار، ويفسره المحاسبى
بأنه سكون النفس تحت مجارى القدر.
ويفسره النووى: بأنه السرور بمر القضاء. ويفسره الدارانى بأنه بلوغ المرء درجة يرضى بها عن اللّه
حتى لو أدخله النار.
والذى ترتاح إليه النفس أن الحديث يشير إلى مبدأ الإيمان، منبها إلى أن هذه الأمور
الثلاثة وإن اقتضت الذوق فليست هى الكمال، وليس الذوق هو غاية المقصود الذى يقف
عنده الكيس، بل هو مبدأ للترقى فى المقامات وشدة الشوق إلى نيل الذروة، والحرص
على الشبع.
ويؤيد ذلك إبدال كلمة الذوق بالوجود، وكلمة الطعم بالحلاوة، حيثما حصل الترقى فى
١٣١

شعب الإيمان فى قوله صلى الله عليه وسلم ((ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن
يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما: وأن يحب المرء لا يحبه إلا للَّه، وأن يكره أن
يعود فى الكفر بعد أن أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف فى النار)».
وسيأتى لهذا الموضوع بقية توضيح بعد أربعة أحاديث.
والله أعلم
١٣٢

(١٨) باب الحياء شعبة من الإيمان
٥٧- ٣٠° عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ﴾(٥٧) عَنِ النّبِيِّ :﴿ قَالَ «الإِيمَانُّ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ شُعْبَةٌ وَالْحَيّاءُ
شُعْبَةٌ مِنَّ الإِيمَانِ».
٥٨- حْ عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَ﴾(٥٨) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِفَهِ: « الإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ، أَوْ
بِضْعٌ وَسِتُّونَ شُعْبَةٌ. فَأَفْضَلُهَا قَوْلُ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَذْنَاهَا إِمَاطَةُ الأَذَى عَنِ الطَّرِيقِ. وَالْحَيَاءُ
شُعْبَةٌ مِنّ الإِيمَانِ ».
المعنى العام
الإيمان كالشجرة، تطلق على الجذر والجذع، كما تطلق عليهما مع الفروع والأغصان والأوراق
والأزهار والثمار، كذلك يطلق الإيمان على التصديق بالقلب، وعليه مع الأعمال الصالحة، وإذا كانت
الشجرة لا تؤتى أكلها، ولا يكمل نفعها إلا بما حمل جذرها وجذعها فإن الإيمان كذلك، لا يكون منجيًا
من النار، إلا بما أوجبه واستلزمه من صالح الأعمال.
وإذا كانت الشجرة تتشعب شعبًا مختلفة، بعضها أغلظ من بعض، وبعضها أساس لغيره وبعضها
أهم وأنفع من الشعب الأخرى، فإن الإيمان الكامل كذلك، يبدأ بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا
رسول الله، وتتدرج أوا مره ومطالبه من الأهم إلى المهم، ومن المهم إلى ما هو دونه، حتى ينتهى
بإزاحة الشوك من طريق المسلمين، وإزالة كل ما من شأنه إيذاء المارة أو الإضرار بهم، أما الحياء،
أما انقباض النفس عن إتيان الفعل القبيح، فهو من أهم خصال الإيمان؛ لأنه الباعث والداعى لكثير
من صفات الخير، وهو المانع والحاجز عن كثير من مزالق الشر والفساد.
المباحث العربية
( الإيمان ) الكامل المنجى من النار، والمحقق للأهداف والأغراض.
( بضع وسبعون ) البضع بكسر الباء، والبضعة القطعة، ومن العدد ما بين الاثنين والعشرة،
على الصحيح، ويجرى عليه حكم العدد فيذكر مع المعدود المؤنث، ويؤنث مع المعدود المذكر، ويبنى
(٥٧) حَدََّا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ وَعَبْدُ بْنُ حُمَّيْدٍ قَالا حَدَّقَا أَبُو عَامِرٍ الْعَقْدِيُّ حَذَّقَا سُلَّيْمَانُ بْنُ بِلالٍ عَنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنٍ
أَبِي صَالِحٍ عَنٍ أَبِي هُرَيْرَةَ
(٥٨) حَدِّنَا زُهَبُّ بْنَّ خَّرْبٍ حَدََّا جَرِيرٌ عَنٍ سُهْلٍ عَنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ أَبِي صَالِحٍ عِنٍ أَي الجُرَتْرَةَ
١٣٣

مع العشرة كما يبنى سائر الآحاد، فيقال، بضعة عشر رجلا، وبضع عشرة امرأة، ويعطف عليه العشرون
والثلاثون إلى التسعين، ولا يقال: بضع ومائة، ولا بضع وألف.
( شعبة ) بضم الشين، أى خصلة، منصوب على التمييز، وأصل الشعبة الفرقة والطائفة من
الشىء، ومنه شعب القبائل.
( والحياء ) هو الاستحياء، واشتقاقه من الحياة، وهو تغير وانكسار يعترى الإنسان من خوف
ما يعاب به، ويذم عليه، وقد يعرف بأنه انحصار النفس خوف ارتكاب القبائح، وقد يطلق على مجرد
ترك الشىء لسبب، والحقيقة أن الترك من لوازمه، وإنما هو دهشة تكون سببًا لترك الشىء. قال
الواحدى: استحيا الرجل من قوة الحياة فيه، لشدة علمه بمواقع الغيب، قال: فالحياء من قوة الحس
ولطفه وقوة الحياة )) اهـ
( شعبة من الإيمان ) أى خصلة عظيمة، فالتنوين للتعظيم والتفخيم، والجار والمجرور متعلق
بمحذوف صفة.
( بضع وسبعون، أو بضع وستون ) شك من الراوى، وهو فى بعض طرق الترمذى (بضع
وسبعون)) من غير شك.
( فأفضلها ) الفاء فصيحة، أى إذا تدرجت شعب الإيمان فأفضلها، وفى رواية ابن ماجه
((فأرفعها)) وفى رواية ((أعلاها)).
( لا إله إلا اللّه) محمد رسول اللّه، فإن الشهادتين متلازمتان شرعًا، فإذا ذكرت إحداهما
أريدت معها الأخرى.
(وأدناها ) من الدنو بمعنى القرب، أى أقلها طلبًا وأجرًا ومنزلة.
( إماطة الأذى عن الطريق ) أى إزالة الأذى، والمراد من الأذى ما من شأنه أن يؤذى، حصل
به الإيذاء بالفعل أولا. وفى رواية ((أدناها إماطة العظم عن الطريق)».
فقه الحديث
قال القاضى عياض: تكلف جماعة حصر هذه الشعب بطريق الاجتهاد، وفى الحكم بكون ذلك هو
المراد صعوبة، ولا يقدح عدم معرفة حصر ذلك على التفصيل فى الإيمان.اهـ
قال الحافظ ابن حجر: ولم يتفق من عد الشعب على نمط واحد. ثم لخص ما أوردوه فقال: إن هذه
الشعب تتفرع عن أعمال القلب وأعمال اللسان، وأعمال البدن.
فأعمال القلب فيه المعتقدات والنيات، وتشتمل على أربع وعشرين خصلة، الإيمان بالله (ويدخل
١٣٤

فيه الإيمان بذاته، وصفاته، وتوحيده وبأن ليس كمثله شىء، واعتقاد حدوث ما دونه) والإيمان
بملائكته وكتبه، ورسله، والقدر خيره وشره، والإيمان باليوم الآخر (ويدخل فيه المسألة فى القبر،
والبعث، والنشور، والحساب، والميزان، والصراط، والجنة والنار) ومحبة اللّه، والحب والبغض فى
الله، ومحبة النبى:﴿، واعتقاد تعظيمه (ويدخل فيه الصلاة عليه، واتباع سنته) والإخلاص (ويدخل
فيه ترك الرياء والنفاق) والتوبة، والخوف والرجاء والشكر، والوفاء والصبر، والرضا بالقضاء، والتوكل،
والرحمة، والتواضع (ويدخل فيه توقير الكبير، ورحمة الصغير، وترك الكبر والعجب) وترك الحسد،
وترك الحقد، وترك الغضب.
وأما أعمال اللسان فتشتمل على سبع خصال: التلفظ بالتوحيد وتلاوة القرآن، وتعلم العلم
وتعليمه، والدعاء، والذكر (ويدخل فيه الاستغفار واجتناب اللغو).
وأما أعمال البدن فتشتمل على ثمان وثلاثين خصلة: منها ما يختص بالأعيان، وهى خمس عشرة
خصلة: التطهير حساً وحكما (ويدخل فيه اجتناب النجاسات) وستر العورة والصلاة فرضاً ونفلا،
والزكاة كذلك، وفك الرقاب، والجود (ويدخل فيه إطعام الطعام وإكرام الضيف) والصيام فرضاً ونفلا،
والحج والعمرة كذلك، والطواف والاعتكاف والتماس ليلة القدر، والفرار بالدين (وتدخل فيه الهجرة
من دار الشرك) والوفاء بالنذر والتحرى فى الأيمان، وأداء الكفارات.
ومنها ما يتعلق بالاتباع، وهى ست خصال: التعفف بالنكاح، والقيام بحقوق العيال وبر الوالدين
(ويدخل فيه اجتناب العقوق) وتربية الأولاد، وصلة الرحم، وطاعة السادة والرفق بالعبيد.
ومنها ما يتعلق بالعامة، وهى سبع عشرة خصلة: القيام بالإمرة مع العدل، ومتابعة الجماعة،
وطاعة أولى الأمر، والإصلاح بين الناس (ويدخل فيه قتال الخوارج والبغاة) والمعاونة على البر
(ويدخل فيه الأمر بالمعروف) والنهى عن المنكر، وإقامة الحدود، والجهاد (ومنه المرابطة) وأداء
الأمانة (ومنه أداء الخمس والقرض مع وفائه) وإكرام الجار، وحسن المعاملة (وفيه جمع المال من
حله) وإنفاق المال فى حقه (ومنه ترك التبذير والإسراف) ورد السلام، وتشميت العاطس وكف
الأذى عن الناس، واجتناب اللهو، وإماطة الأذى عن الطريق.
فهذه تسع وستون خصلة، ويمكن عدها تسعًا وسبعين خصلة باعتبار أفراد ما ضم بعضه إلى
بعض مما ذكراهـ
وبفحص ما لخصه الحافظ ابن حجر نرى أن بعضه يتداخل فى بعض كطاعة أولى الأمر وطاعة
السادة، وكالقيام بحقوق العيال، وتربية الأولاد، ثم نرى أنه لم يذكر فى الشعب ((الحياء)) الذى نص
عليه فى الحديث، بل هو المقصود الأول منه.
ثم نرى أنه اعتمد رواية: ((بضع وستون)» مع أن الحليمى والنووى والقاضى عياض رجحوا رواية:
((بضع وسبعون)) لأنها زيادة من ثقة فقبلت وقدمت، وليس فى رواية الأقل ما يمنعها، ولعل الحافظ
ابن حجر مال إلى ما ذهب إليه ابن الصلاح من ترجيح الأقل («بضع وستون» لأنه المتيقن، وهذا كله
مبنى على أن العدد له حقيقة محددة مرادة، وبهذا قيل.
١٣٥

وذهب جماعة إلى أن العدد أريد به التكثير دون التحديد، كما فى قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَغْفِرْلَهُمْ
سَبْعِينَ مَرَّةَ﴾ [التوبة: ٨٠] ويكون ذكر البضع للترقى، والعرب تستعمل السبعة للتكثير فى الآحاد، ومنه
قوله تعالى: ﴿سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ [البقرة: ٢٦١]، وقوله: ﴿وَالْبَحْرُ يَمُنَّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرِ﴾ [لقمان: ٢٧].
فيكون المعنى أن شعب الإيمان أعداد مبهمة، ولا نهاية لكثرتها، ويرجح هذا الرأى أنه أبهم بذكر
البضع، ولو أريد التحديد لم يبهم.
فإن قيل: أصل الإيمان فى اللغة التصديق، وفى الشرع تصديق القلب واللسان، فما وجه كون
الحياء شعبة من الإيمان؟
أجيب بأن ظواهر الشرع تطلقه أيضاً على الأعمال، ومنه هذا الحديث، وقال النووى: كمال
الإيمان بالأعمال، وتمامه بالطاعات، وأن التزام الطاعات وضم هذه الشعب من جملة التصديق
ودلائل عليه وأنها خلق أهل التصديق، فليست خارجة عن اسم الإيمان الشرعى ولا اللغوى. اهـ
فإن قيل: لم خص الحياء بالذكر من بين الشعب؟ أجيب بأنه الباعث على أفعال الخير الحاجز
عن أفعال المعاصى، فله أهمية خاصة ومزيد عناية داعية، إذ الحيى يخاف فضيحة الدنيا والآخرة،
فيأتمر وينزجر، فإن قيل: إن الحياء من الغرائز، فكيف جعل شعبة من الإيمان؟ أجيب بأنه قد يكون
غريزة، وقد يكون تخلقاً، وعلى كل فاستعماله على وفق الشرع يحتاج إلى اكتساب وعلم ونية، فلهذا
جعل من الإيمان.
ويؤخذ من الحديث
١- تفاوت مراتب الإيمان.
٢- أن الإيمان قول وعمل، وفيه الرد على المرجئة القائلين بأن الإيمان قول بلا عمل.
٣- أن الأعمال مع انضمامها إلى التصديق داخلة فى مسمى الإيمان.
٤- الحث على التخلق بالحياء.
٥- الحث على إماطة الأذى من طريق المسلمين.
٦- مسؤولية الفرد نحو المجتمع، فإن إماطة الأذى من التعاون والتكافل الاجتماعى ودفع الضرر عن
أفراده، وحمايته من الوقوع فى الخطر والضرر.
والله أعلم
١٣٦

(١٩) باب الحياء من الإيمان
٥٩- ٩° عَنِ سَالِمٍ، عَنِ أَبِيهِ(٥٩)؛ سَمِعَ النَّبِيَّل:﴿ رَجُلا يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ «الْحَيّاءُ
مِنّ الإِيمَانِ ».
٦٠ - ◌ْ وَعَنِ الزُّهْرِيّ(١٠) بِهَذَا الإِسْنَادِ. وَقَالَ: مَرَّ بِرَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ يَعِظُ أَخَاهُ.
المعنى العام
فى بعض طرق المدينة، مررسول اللَّه# على أخوين من الأنصار.
يعاتب أحدهما أخاه على تهاونه فى استيفاء حقه، وينصحه أن يخفف من حيائه، وأن يتخلق
بشىء من الحزم والشدة فى مواجهة خصومه، ويعظه ويبين له أضرار فرط الحياء خصوصاً أمام من
لا يستحى ولا يقدر أهل الاستحياء.
وسمع رسول اللَّه ◌َ كلام الناصح، ورأى استحياء أخيه وسكوته، وإطراقه، وغض طرفه
واحمرار وجهه.
إنه صلى اللّه عليه وسلم يعلم إيمان الموعوظ، ويعلم الكثير من صفاته الحميدة، ويعلم أن دوافع
انقباضه عن أخذ حقه هى الخشية من ارتكاب القبيح الذى يكرهه، ليس جبنًا، ولا خورًا، ولا ضعفًا ولا
استكانة، ولا ذلة.
فوجه صلى اللّه عليه وسلم لومه للائم، وعتبه للمعاتب، ونصحه للناصح وزجره للزاجر، فقال له: دع
أخاك على خلقه الحميد، وصفته الطيبة وخصلته الشرعية، فإن مثل هذا الحياء أثر من آثار الإيمان،
ولئن منع من استيفاء حق من حقوق الدنيا فإنه يحصل على ما هو خير منه، ويحقق أجرين: أجر
الصبر على جهل الجاهل، وافتراء المفترى، وأجر الحق الذى لايضيع عند أحكم الحاكمين.
المباحث العربية
(عن سالم عن أبيه سمع النبى {# رجلا) تقدير الكلام: روى عن سالم عن أبيه عبد الله بن
عمر أنه قال: سمع النبى رجلا، فجملة ((سمع النبى رجلا)) مقول لقول محذوف.
(٥٩) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيِّبَةً وَعَمْرٌو النَّاقِذُ وَزُّهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ قَالُوا حَدْنَا سُفْيَانُ بْنُ عُبَيْئَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنِ سَالِمٍ، عَنِ أَبِهِ
(١٠) حَدَّثَنَا عَبْدُ بْنَّ حُمَيْدٍ حَذْفَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبُرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيّ
١٣٧

وقد وصف الرجل فى الرواية الثانية بأنه من الأنصار، ولم يقف الحفاظ على اسم الرجل، ولا على
اسم أخيه.
( يعظ أخاه فى الحياء ) أى ينصح؛ أو يخوف، أو يذكر؛ وجاء فى رواية للبخارى فى الأدب
«يعاتب أخاه فى الحياء)» يقول ((إنك لتستحى حتى كأنه يقول: قد أضريك)).
والعتب لوم على الماضى، والنصح والوعظ والتذكير تنبيه على خير المستقبل، ودعوة إليه، قال
الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون قد جمع له العتاب والوعظ، فذكر بعض الرواة ما لم يذكره الآخر،
ولكن المخرج متحد.
والظاهر أن الأخ أخ من النسب، لأنه الأصل عند الإطلاق، ولا قرينة تمنعه و((فى)» سببية، أى يعظ
أخاه بسبب كثرة حيائه، التى أدت إلى ضياع حقوقه.
( الحياء من الإيمان ) أى أثر من آثاره، أو شعبة من شعبه، كما مرفى الحديث السابق،
وهذه الجملة علة لنهى الواعظ، ومنعه من استمرار عتبه، وقد ورد التصريح بالردع والعلية فى رواية
البخارى، حيث جاء فيها «دعه فإن الحياء من الإيمان)».
( مربرجل ) («مر» بمعنى اجتاز ويقال: مربه، ومرعليه.
(من الأنصار) متعلق بمحذوف صفة لرجل، و((ال)) فى ((الأنصار)» للعهد، أى أنصار رسول
اللَّهِ وَ﴾
فقه الحديث
يعلم مما مرفى الحديث السابق، ومما سيأتى فى الحديث اللاحق.
والله أعلم
١٣٨

(٢٠) باب الحياء خير كله
٦١ - ٠ْ عَنٍ فَتَادَةً(٦٠)؛ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا السَّوَّارِ يُحَدِّثُ؛ أَنَّهُ سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ
يُحَدِّثُ عَنِ النّبِيِّ ﴿ أَنْهُ قَالَ « الْحَيّاءُ لا يَأْتِي إِلا بِخَيْرِ» فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّهُ مَكْتُوبٌ
فِي الْحِكْمَةِ: أَنَّ مِنْهُ وَقَارًا وَمِنْهُ سَكِينَةٌ. فَقَالَ عِمْرَانُ: أُحَدَّثُكَ عَنٍ رَسُولِ اللَّهِ:﴿ وَتُحَدَّيِي
عَنِ صُحُفِكَ.
٦٢ - ١ عَنِ إِسْحَقَ أَنَّ أَبَا قَتَادَةً حَدَّثَ(١١) قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عِمْرَانٌ بْنِ حُصَيْنٍ فِي رَهْطٍ مِنْا.
وَفِيَنَا بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ. فَحَدَّقَا عِمْرَاهُ يَوْمَئِذٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ «الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ»
قَالَ أَوْ قَالَ « الْحَيَاءُ كُلُّهُ خَيْرٌ» فَقَالَ بُشَيْرُ بْنُ كَعْبٍ: إِنَّا لَنَجِدُ فِي بَعْضِ الْكُبِ أَوِ الْحِكْمَةِ
أَنَّ مِنْهُ سَكِينَةً وَوَقَارًا للَّه. وَمِنْهُ ضَعْفٌ. قَالَ فَغَضِبَ عِمْرَانُ حَتِّى احْمَرَّنًا عَيْنَاهُ. وَقَالَ أَلا
أَرَانِي أُحدَّثُكَ عَنٍ رَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَتُعَارِضُ فِيهِ؟ قَالَ فَأَعَادَ عِمْرَانُ الْحَدِيثَ. قَالَ فَأَعَادَ بُشَيْرٌ.
فَغَضِبَ عِمْرَانُ. قَالَّ، فَمَازِلْنَا نَقُولُ فِيهِ: إِنَّهُ مِنَّا يَا أَبَا نُجَيْدٍ! إِنَّهُ لا بَأْسَ بِهِ.
المعنى العام
فى مجلس من مجالس العلم والوعظ حدث عمران بن حصين، يرغب فى الحياء، ويدعو إلى
التخلق به، حدث بقول النبي وَ * ((الحياء لا يأتي إلا بخير)»، «الحياء خير كله))، «الحياء كله خير».
وفى القوم بشيربن كعب، وكان على علم ببعض الكتب السابقة، وكتب الحكمة وكان فيما علم أن
الحياء منه الممدوح، وهو الناشئ عن السكينة والوقار للَّه، ومنه المذموم وهو الناشئ عن الضعف
والخور، فأشكل عليه الحديث، فقال لعمران: كيف نوفق بين الحديث وبين ما جاء فى كتب الحكمة
أن من الحياء وقاراً، ومنه ضعفاً؟.
وغضب عمران من بشير، لمقابلته الحديث بالحكمة، ولوضعه ما فى الكتب الأخرى فى صف
واحد مع كلام رسول اللَّه ◌َ﴿ وخاف أن يتطرق الشك فى الحديث لمن فى قلبه ريب ونفاق إذا سمع
بهذه الحكمة.
(٦٠) حَدَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ وَاللَّفْظُ لابْنِ الْمُثْتِى قَالا حَذََّنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ حَدَّقْنَا شُعْبَةُ عَنٍ قَادَةً
(٦١) حَدَّا يَحْتِى بْنُ حَبِيبٍ الْحَارِيُّ حَدََّا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ عَنِ إِسْحَقَ (وَهُوَ ابْنُ سُوَيْدٍ) أَنْ أَبَا قُنَادَةَ
- حَدََّا إِسْحَقُ بْنُ أَيْرَاهِيمَ أَخْبَرَنَا النّضْرُ حَدَّثَنَا أَبُو نَعَامَةُ الْعَدَوِيُّ قَالَ سَمِعْتُ حُجَيْرَ بْنَ الرَّبِعِ الْعَدَوِيَّ يَقُولُ عَنِ عِمْرَانُ بْنِ
خُصَيْنٍ عَنِ الْبِيِّ :﴿َ نَحْوَ حَدِيثِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ.
١٣٩

وأراد أن يصون السنة عن أن يذكر معها غيرها، فقال لبشير: لا أحب أن أحدثك عن رسول الله
* بحديث، فتعارض فيه بأى قول آخر.
ثم أعاد عمران الحديث، وهو مغضب مكفهر الوجه، مجمر العينين.
وأخذت بشير العزة والحمية، فإن فى قول عمران طعناً لعقيدته، وفهمه وتصرفه، وما قصد بكلامه
الغض من شأن السنة، ولا معارضتها بقول أحد، وإنما قصد أن يفهم كلام رسول اللّه { على وجه
يتمشى مع ما هو معروف من إطلاق الحياء أحياناً على ما لا خير فيه.
فلم يخش ثورة عمران، ولا احمرار عينيه، فأعاد قولته السابقة: إنا لنجد فى بعض الكتب أو
الحكمة أن منه سكينة ووقارًا لله، ومنه ضعف، فاستشاط عمران غيظًا، وانتفخت أوداجه، وتحركت
أعضاؤه، وكاد يمسك ببشير أو يخرجه من مجلسه، وبشير لا يتحرك.
أما الجلساء فقد أخذوا يهدئون من روع عمران ويطمئنونه على حسن قصد بشير وعلى صحة
عقيدته، يقولون: رفقًا يا أبا نجيد، عفوًا يا أبا نجيد، إحسانًا يا أبا نجيد، إن بشيرًا منا معشر
المقدسين للسنة، المصدقين بكل ما جاءت به، إنه غير متهم فى دينه، وليس من أهل البدع والأهواء،
حتى هدأ عمران.
المباحث العربية
( إنه مكتوب فى الحكمة) اسم ((إن)) ضمير الحال والشأن.
(أحدثك عن رسول اللّه ﴿ وتحدثنى عن صحفك) الكلام على تقدير همزة الاستفهام
الإنكارى التوبيخى، أى لا يليق ولا يصح أن أحدثك عن رسول اللّه * وتحدثنى عن صحفك.
( كنا عند عمران فى رهط ) الرهط ما دون العشرة من الرجال خاصة لا يكون فيهم امرأة،
وليس له واحد من لفظه، وجمعه أرهط، وأرهاط وأراهط، وأراهيط، والجار والمجرور ((فى رهط)) متعلق
بمحذوف حال من اسم كان، أو من الضمير المستكن فى خبرها.
( وفينا بشير) بضم الباء وفتح الشين، مبتدأ مؤخر، وخبر مقدم، والجملة فى محل النصب على
الحال، من الضمير المستكن فى خبر كان.
(حتى احمرتا عيناه) هو فى كل الأصول بألف ((احمرتا)) قال النووى: وهو صحيح جار على
لغة أكلونى البراغيث، ومثله ﴿ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا ﴾ [الأنبياء: ٣] على أحد المذاهب فيها،
ومثله ((يتعاقبون فيكم ملائكة)» وأشباهه كثيرة معروفة، ورويناه فى سنن أبي داود ((واحمرت عيناه))
من غير ألف، وهذا ظاهر.اهـ
( ألا أرانى أحدثك) ((ألا)) حرف تنبيه، و((أحدثك)) فى محل المفعول الثانى لأرى، والتقدير:
أرانى محدثك.
١٤٠