النص المفهرس

صفحات 101-120

الكلام مضاف محذوف، ويحتمل أنه سمى الأوعية أزوادا على سبيل المجاز المرسل من
إطلاق الحال وإرادة المحل، وأطلق عليه الأبى: مجاز المجاورة، كتسمية النساء ظعائن،
وإنما الظعائن الهوادج التى تحملهن.
( عبد غير شاك ) هو بنصب ((غير)) فى الأصول على الحال من النكرة باعتبار أن التنوين
مخصص قائم مقام الوصف والتقدير: عبد آت بهما غير شاك.
( عن أبى هريرة - أوعن أبى سعيد - شك الأعمش ) شك الأعمش غير قادح فى متن
الحديث، فإنه شك فى عين الصحابى، والصحابة كلهم عدول.
( لما كان يوم غزوة تبوك ) المراد من اليوم الزمن والوقت، لا اليوم نفسه، ولفظ «يوم)) فاعل
((كان)) لأنها تامة، وليس فى كثير من الأصول ذكر ((يوم)).
( أصاب الناس مجاعة ) المجاعة بفتح الميم الجوع الشديد.
( فنحرنا نواضحنا ) النواضح من الإبل التى يستقى عليها، قال أبو عبيد: الذكر منها ناضح
والأنثى ناضحة.
( فأكلنا وادهنا ) ليس المقصود الادهان المعروف بطلاء الجسم، وإنما المراد اتخذنا
دهنا من شحومها.
( إن فعلت قل الظهر) المراد بالظهر الدواب، سميت ظهرا لكونها يركب على ظهورها، أو
لكونها يستظهر بها ويستعان بها على السفر.
( لعل الله يجعل فى ذلك) مفعول (يجعل)) محذوف للعلم به)) والتقدير أن يجعل فى ذلك
خيرا وبركة.
( فدعا بنطع ) فيه أربع لغات مشهورة: فتح الطاء وسكونها مع كسر النون وفتحها وهو
مايبسط للطعام.
( ثم دعا بفضل أزوادهم ) أى بقاياهم.
( بكف ذرة) أى بما يعادل ما يملأ الكف، والإضافة بمعنى ((من)).
(وفضلت فضلة) فعل ((فضل)) فيه فتح الضاد وكسرها لغتان مشهورتان.
فقه الحديث
تكثير القليل من أعلام نبوته صلى الله عليه وسلم، وهو فى حكم المتواتر حيث أخبر الصحابى عن
١٠١

واقع مشاهد أمام ملأ منهم، ولم يذكروه مع أنهم لا يقرون منكرا، فينزل مثله منزلة المتواتر، لأن
سكوتهم كالنطق.
ثم الأظهر أن التكثير إنما وقع فى النوع الذى يقتات به غالبا كالذرة والبر، والتمر والكسرة،
بخلاف النوى، فإنه لا يقتات به إلا عند الضرورة وقد زالت.
وقال بعضهم: لا مانع من تكثيره لعلف الرواحل، وهو توجيه حسن.
أما كيفية التكثير فيحتمل أنها كانت بإعادة أمثال ما يرفع أو بتضعيف المثال وزيادة الكمية
دفعة واحدة، والأول أولى بالقبول حيث لم يتعرض الرواة لعظم الكمية، ولو صح الاحتمال الثانى لقالوا
مثلا: فكثر اليسير حتى صار مثل الجبل.
ويشهد لهذا الترجيح قوله فى الرواية الثانية ((وفضلت فضلة)).
وقد جاء فى الرواية الأولى أن الرسول # هم بنحر بعض حمائلهم، وفى الرواية الثانية أنهم
استأذنوه فى نحرها فأذن، وجمع بينهما باحتمال أنهم استأذنوه أولا فأذن ثم هم.
ولم يكن همه صلى الله عليه وسلم بوحى، وإلا لما حصل من عمر ما حصل وإنما كان باجتهاد منه
صلى الله عليه وسلم، مستندا إلى مراعاة المصالح وتقديم الأهم فالأهم، واحتمال أخف الضررين.
ولم يكن قول عمر اعتراضا منه على تصرف الرسول *، بل هو عرض لما ظهر له أنه مصلحة،
ليرى الإمام فيه رأيه.
ويؤخذ من الحديث
١- حسن خلقه صلى الله عليه وسلم، وإجابته إلى ما يلتمس منه أصحابه وإجراؤهم على
العادة البشرية.
٢- جواز المشورة مع الإمام بالمصلحة وإن لم يطلبها، وجواز عرض المفضول على الفاضل
ما يراه مصلحة.
٣- منقبة ظاهرة لعمر بن الخطاب * دالة على قوة ثقته بإجابة دعاء الرسول *.
٤- جواز خلط المسافرين أزوادهم، وأكلهم منها مجتمعين وإن كان بعضهم يأكل أكثر من بعض، وقد
نص بعض الفقهاء على أن ذلك سنة.
وقد اعترض على أخذ هذا الحكم من الحديث، بأن الذى حصل جمع خاص للضرورة على أن الأكل
لم يكن من الأزودة، بل من الزيادة ولا حق لأحد فيها.
٥- أن الأزودة والمياه إذا قلت كان للإمام أن يجمع ما بقى منها ويطعمهم منه بالسوية، دون نظر إلى
من يملك أكثر أو يأكل أكثر واعترض على هذا المأخذ بنفس الاعتراض السابق.
٦- حسن آداب خطاب العظماء والسؤال منهم، فيقال: لوفعلت كذا أو أمرت بكذا، أو أذنت بكذا،
فهذا أجمل من قولهم للكبير: افعل كذا بصيغة الأمر.
١٠٢

٧- أنه لا ينبغى للجيش أن يتصرفوا فى دوابهم، ولا فى أدواتهم التى يستعينون بها فى القتال بغير
إذن الإمام، ولا يأذن لهم إلا إذا رأى مصلحة، أو خاف مفسدة ظاهرة.
٨- أخذ بعضهم من الحديث وقوع النسخ قبل الفعل، لأن إذنه الأول إباحة، والإباحة حكم شرعى،
فرفعها نسخ.
٩- فيه حجة لأهل السنة أن من مات على الشهادتين دخل الجنة، وقد تقدم تفصيل هذا الموضوع
والمذاهب فيه فى الحديث السابق.
واللَّه أعلم
١٠٣

(١٣) باب من شهد أن لا إله إلا الله حرم الله عليه النار
٤٥- ٢٦ْ عَنْ عُبَّادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ﴾(٤٦) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ﴿: «مَنْ قَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَّهَ
إِلا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ أَمَتِهٍ
وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ، وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللّهُ مِنْ أَيِّ أَبْوَابٍ
الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءٌ».
٤٦- ١١ْ عَنْ عُمَّيْرِ بْنِ هَالِيٍ(١٠) فِي هَذَا الإِسْنَادِ بِمِثْلِهِ. غَيْرَ أَنَّهُ قَالَ «أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَّى مَا
كَانَ مِنْ عَمّلٍ» وَلَمْ يَذْكُرْ «مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءً».
٤٧ - ٤٧َّعَنِ الصُّنَابِجِيِّ، عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ(٤٧)؛ أَنَّهُ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ،
فَبْكَيْتُ. فَقَالَ: مَهْلا. لِمَّ تَبْكِي؟ فَوَاللَّهِ! لَئِنِ اسْتُشْهِدْتُ لَأَشْهَدَنَّ لَكَ. وَلَئِنْ شُفْعْتُ لِأَشْفَعَنَّ
لَكَ. وَلَيْنِ اسْتَطَعْتُ لَنْفَعَنْكَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ! مَا مِنْ حَدِيثٍ سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِوَ﴿ لَكُمْ
فِيهِ خَيْرٌ إِلا حَدَّثْكُمُوهُ، إِلا حَدِيثًا وَاحِدًا. وَسَوْفَ أُحَدْتُكُمُوهُ الْيَوْمَ، وَقَدْ أُحِيطَ بِنَفْسِي.
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ «مَنْ شَهِدَ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. حَرَّمَ اللّهُ
عَلَيْهِ النَّارَ».
المعنى العام
مرض عبادة بن الصامت مرضه الأخير، وهو الصحابى المعروف، كان أحد النقباء الذين بايعوا
رسول اللّه # بيعة العقبة، وشهد بدرا والمشاهد كلها، وقد أرسله عمر إلى الشام ليعلمهم القرآن
ويفقههم فى الدين، ومرض مرضه الأخير ببيت المقدس سنة خمس وأربعين هجرية، وذهب لعيادته
التابعى الجليل عبد الله الصنابحى، فوجده فى شدة الموت وكربه فتذاكرا أمر القدوم على اللَّه، وفكر
الصنابحى فى اليوم الذى سينام فيه نومة عبادة، وفى انقطاع عمله، وإقباله على ربه ليس معه إلا ما
قدمت يداه من عمله فبكى.
عندئذ أحس عبادة أن الخوف قد استولى على الصنابحى، وأنه يحتاج إلى دفعات من الرجاء
(٤٦) حَدُقْنَا دَاوُدُ بْنُ رُشَيْدٍ حَدََّ الْوَلِيدُ يَعْنِي ابْنَ مُسْلِمٍ عَنِ ابْنٍ جَابِرٍ قَالَ حَدَِّي عُمَيْرُ ابْنُ مَالِئٍ قَالَ حَدَّفِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِي أُمَّةً
حَدَّثَّا عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ
(٠٠) وحَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الدَّوْرَقِيُّ حَدَّثَنَا مُبَشْرُ بْنُ إِسْمَعِيلَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ عُمَّيْرِ بْنِ هَالِيٍ
(٤٧) حَدََّا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدَّثْنَا لَيْثَ عَنِ ابْنٍ عَجْلانَ عَنَّ مُحَمَّدٍ بْنٍ يَخْتِى بْنٍ حَبَّاتَ عَنِ ابْنٍ مُحْرِّهٍِ عَنِ الصَُّابِحِيِّ
١٠٤

ليحفظ توازنه، ويعود إليه اطمئنانه لعفوريه، فقال له - وهو يبتسم ابتسامة الراضى بقضاء الله،
المؤمل فى فضله وإحسانه:
مهلا يا صنابحى، رفقا بنفسك، لم تبكى ورحمة اللَّه وسعت كل شىء؟ وما علمت عنك إلا إيمانا
راسخا، وعملا صالحا، والله لئن طلبت شهادتى لشهدت لك بالخير، ولئن أذن لى بالشفاعة لأحد
لشفعت لك، ولئن أوتيت استطاعة نفع لنفعتك.
طب نفسًا، وقرعينا ياصنابحى، فسأحدثك بحديث سمعته من رسول اللّه*، يفتح باب الأمل
للمؤمن على مصراعيه، ويملأ قلبه اطمئنانا لفضل اللَّه.
لم أحدث به قبل اليوم خشية اتكال الناس، وتقاصر هممهم عن التنافس فى العمل الصالح، أما
وقد قريت ساعتى، ودنت منيتى، فإن من الواجب على أن أؤدى الأمانة، وأبلغ ما تحملت، وما كتمت
عنكم حديثا سمعته، لكم فيه خير ومصلحة سوى هذا الحديث، وسأحدثكم به.
سمعت رسول اللّه# يقول: من قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده
ورسوله، وتبرأ من كل دين يخالف دين الإسلام، وتبرأ من قول النصارى: المسيح ابن اللَّه، فأقربأن
عيسى عبد الله، وأن مريم أمة الله، وتبرأ من اتهام اليهود لمريم وعيسى فشهد بأنه كان بكلمة ((كن))،
وأنه نفخ فيه الروح بدون أب، وتبرأ ممن يذكرون حساب الآخرة، فأقر بأن الجنة حق ثابت، وأن النار
حق کائن.
· من شهد بهذا وأقربه حرم الله عليه النار، وأدخله الجنة مهما قصر من عمل، وفتحت له أبواب
الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء.
المباحث العربية
( وحده ) منصوب على الحال بعد تأويله بمشتق أى متوحدا أو منفردا، وقد وقعت حالا مع
كونها معرفة بإضافتها إلى الضمير من قبيل المسموع الذى لا يقاس عليه، وقال بعض النحاة: إن
كلمة ((وحد)» لفظ مبهم لا يكتسب التعريف، وهذا القول ضعيف.
( لاشريك له ) حال أخرى، وهى فى معنى الحال الأولى، فتكون مؤكدة لها.
(وأن عيسى عبد الله وابن أمته) عطفه على ما قبله من عطف الخاص على العام لمزيد
اعتناء به لما عرض فيها من الجهالات، فتذكر الشهادتين مع تحقق معناهما على ما يجب يتضمن
جميع ذلك.
(وكلمته) سمى عيسى كلمة لأنه كان بكلمة ((كن)) فحسب، من غير أب بخلاف غيره من بنى
آدم. قال الهروى: سمى كلمة لأنه كان عن الكلمة فسمى بها، كما يقال للمطر رحمة.
١٠٥

(وروح منه) أى رحمة من الله، أو المقصود من الروح ما به الحياة. ومعنى أن عيسى روح اللّه
أنه مخلوق من عند اللَّه، وحيث إن جميع المخلوقات من عنده سبحانه، فإن الإضافة فى ((روح اللَّه))
إضافة تشريف كناقة اللَّه وبيت الله.
( وأن الجنة حق وأن النارحق ) الحق كل موجود متحقق، وكل ما سيوجد لا محالة.
( شاء) الفاعل يعود على من شهد أن لا إله إلا اللّه، ولا يصح عوده على اللَّه، لأنه لا يكون لذكره
فائدة، فكل إنسان يدخل من الباب الذى يشاؤه اللّه.
( على ما كان من عمل) يريد ((وإن قبح)) أو ((وإن قل)».
( عن الصنابحى عن عبادة بن الصامت أنه قال: دخلت عليه ) ظاهر العبارة لأول وهلة
أن ((عبادة)) هو الذى قال ((دخلت عليه)). وليس كذلك، إذ الواقع أن الصنابحى هو القائل دخلت على
عبادة وهو فى الموت.
قال النووي: هذا كثير يقع مثله، وفيه صنعة حسنة لا تظهر إلا لأهلها من شراح الحديث، وتقديره:
عن الصنابحى أنه حدث عن عبادة بحديث قال فيه: دخلت عليه.اهـ
ولزيادة الإيضاح نقول: تقدير الكلام: روى عن الصنابحى (حالة كونه محدثا عن عبادة بن
الصامت) أنه قال: دخلت على عبادة.
( وهو فى الموت ) فى الكلام مضاف محذوف أى فى مرض الموت ومقدماته، والجملة حال.
( مهلا) بإسكان الهاء بمعنى أمهل، يقال بلفظ واحد للمفرد والمثنى والجمع.
( لم تبكى؟ ) الاستفهام إنكارى بمعنى لا ينبغى أن تبكى.
(وقد أحيط بنفسى ) مراده: وقد قريت من الموت وأيست من النجاة والحياة، وأصله يقال
فى الرجل الذى يجتمع عليه أعداؤه، فيقصدونه فيأخذون عليه جميع الجوانب، بحيث لا يبقى له فى
الخلاص مطمح، فيقال: أحاطوا به.
فقه الحديث
قال النووى: هذا حديث عظيم الموقع، وهو أجمع أو من أجمع الأحاديث المشتملة على العقائد،
فإنه صلى اللَّه عليه وسلم جمع فيه ما يخرج عن جميع ملل الكفر، على اختلاف عقائدهم وتباعدها.اهـ
ففيه تعريض بالنصارى فيما ادعت من بنوة عيسى للَّه ومن التثليث، وقد حكى الأبى أن بعض
عظماء النصارى سمع قارئًا يقرأ ﴿ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَّمَ وَرُوحٌّ مِنْهُ﴾ [النساء: ١٧١] فقال: هذا دين
١٠٦

النصارى. يعنى أن هذا يدل على أن عيسى بعض من اللَّه. فأجابه الحسن بن على بن واقد صاحب
كتاب النظائر بأن اللَّه تعالى يقول: ﴿وَسَخَّرَلَكُمْ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا
مِنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] فلو أريد بروح منه أنه بعضه، كان ما فى السموات وما فى الأرض بعضًا منه،
وإنما يريد بروح منه أنه من إيجاده، وخلقه، فأسلم النصرانى.
وفيه تعريض باليهود فيما قذفت به مريم.
وفيه التخلص من عقائد الدهرية ومن يقول بنفى المعاد البدنى، وذلك بذكر الجنة والنار.
وظاهر الحديث ضرورة التلفظ بالشهادتين، لكن قال الأبى: لا يشترط فى داخل الإسلام النطق
بلفظة («أشهد ((ولا التعبير بالنفى والإثبات فلوقال: اللَّه واحد، ومحمد رسول اللَّه كفى، وأما كون
النطق بذلك شرطا فى حصول الثواب المذكور فمحتمل. اهـ
وعقب عليه السنوسى بقوله: فى قوله: لا يشترط فى داخل الإسلام التعبير بالنفى والإثبات نظر،
لأن المحل محل تعبد، فلا يعدل عما نص عليه الشرع، حتى قال بعض العلماء: من قدم وأخر فى
كلمتى الشهادة فقال مثلا: محمد رسول اللَّه لا إله إلا اللَّه لم يقبل منه. اهـ
وأبواب الجنة الثمانية طرق للجنات الثمانية، كل باب طريق لجنة منها، كما أن أبواب النار
السبعة طرق لطبقاتها السبع.
ووجه التكريم فى تخييره بين أبواب الجنة إظهار الاعتناء به، ورفع الحجر عنه.
وظاهر هذا يتعارض مع قوله صلى الله عليه وسلم: ((إن فى الجنة بابا يقال له الريان، لايدخله إلا
الصائمون)) إذ يقتضى أنه إذا أراد الدخول من هذا الباب لم يمكن منه حيث لم يصم.
ورفع هذا التعارض بأنه لا يلزم من التخيير الدخول، أو محاولة الدخول، فإنه قد يخير ولا يخلق
اللَّه تعالى عنده رغبة الدخول من هذا الباب.
والحكمة فى جعل أبواب الجنة ثمانية وأبواب النار سبعة يعلمها اللَّه تعالى فإنها من الأمور
السمعية، أما تلمس البعض لحكم، كقولهم: أبواب الجنة ثمانية على عدد خصال الإسلام المشهورة،
ثم يعد ثمانى خصال، وأبواب النار سبعة على عدد الجوارح التى يعصى المكلف بها، ثم بعد سبعة
أعضاء. فهذا مما لا يركن إليه.
قال القاضى عياض رحمه الله: فى الحديث دليل على أنه كتم ما خشى الضرر فيه والفتنة، مما لا
يحتمله عقل كل واحد، وذلك فيما ليس تحته عمل ولا فيه حد من حدود الشريعة. قال: ومثل هذا عن
الصحابة - رضى الله عنهم - كثير فى ترك التحديث بما ليس تحته عمل، ولا تدعو إليه ضرورة، أو لا
تحتمله عقول العامة، أو تخشى مضرته على قائله أو سامعه، لا سيما ما يتعلق بأخبار المنافقين
والإمارة، وتعيين قوم وصفوا بأوصاف غير مستحسنة، وذم آخرين ولعنهم.
واللَّه أعلم
١٠٧

(١٤) باب حق الله على العباد وحق العباد على الله
٤٨- ٤٨ عَنِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴾(٤٨)؛ قَالَ: كُنْتُ رِذِفَ النّبِيِّ ◌َ. لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلا مُؤْخِرَةُ
الرَّحْلِ. فَقَالَ: « يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ!» قُلْتُ: لَبِّيْكَ وَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةٌ، ثُمَّ قَالَ
«يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ!» قُلْتُ: لَبِّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةٌ ثُمَّ قَالَ «يَا مُعَاذَ بْنّ
جَبَلٍ!» قُلْتُ: لَبَّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ «هَلْ تَذْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ؟» قَالَ
قُلْتُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ « فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا »
ثُمَّ سَارَ سَاعَةٌ. ثُمَّ قَالَ: « يَا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ !» قُلْتُ: لَبَيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ . قَالَ
«هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبّادٍ عَلَى اللَّهِ إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ» قَالَ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ «أَنْ
لا يُعَذِّبَهُمْ».
٤٩ - ١٩ عنٍ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﴾(٤٩) قَالَ: كُنْتُ رِذِفَ رَسُولِ اللَّهِ﴿. عَلَى حِمَارٍ يُقَالُ لَهُ عُفَيْرٌ. قَالَ:
فَقَالَ «يَا مُعَاذُ! قَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ وَمَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ؟ » قَالَ قُلْتُ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ.
قَالَ « فَإِنَّ حَقَّ اللَّهِ عَلَى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وَلا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا. وَحَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَن لا
يُعَذِّبَّ مَنْ لا يُشْرِكُ بِهِ هًَّا» قَالَ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ: أَفَلا أُبَشْرُ النَّاسَ؟ قَالَ « لا تُبَشِّرْهُمْ فَيَفْكِلُوا».
٥٠- ثْ عَنٍ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ عَ﴾(٥٠) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ﴿ِ «يَا مُعَاذًا أَتَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى
الْعِبَادِ؟ » قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ « أَنْ يُعْبَدَ اللَّهُ وَلا يُشْرَكَ بِهِ شَيْءٌ» قَالَ « أَتَدْرِي مَا حَقَّهُمْ عَلَيْهِ
إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟ » فَقَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ « أَنْ لا يُعَذِّبَهُمْ».
٥١- ١بْ عَنِ مُعَاذٍ﴾(٥١) يَقُولُ: دَعَانِي رَسُولُ اللَّهِلَّفَأَجَبْتُ. فَقَالَ «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللَّهِ عَلَى
النَّاسِ » نَخْوَ حَدِيثِهِمْ.
٥٢ - الْ عَنِ آَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَ﴾ (٥٢) أَنَّ نَبِيَّاللّهِ ﴿ وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ قَالَ «يَا مُعَاذُ!»
قَالَ: لَبِّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ «يَا مُعَاذُ!» قَالَ: لَبِّيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ «يَا مُعَاذُ» قَالَ
(٤٨) حَدًَّا هَذَّابُ بْنُ خَالِدِ الأَزْدِيُّ حَدَّثَنَا هَمَّامٌ حَدَّا قَتَادَةُ حَدَّقَا أَنْسُ بْنُ مَالِكٍ عَنٍ مُعَاذٍ بْنٍ جَبَلٍ
(٤٩) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِيٍ شَيْيَةً حَدْقَا أَبُوِ الأَخْوَصِ سَلامُ بْنُ سُلَّيْمٍ عَنٍ أَبِي إِسْحَقَ عَنِ عَمْرِوَ بْنٍ مَّيْمُونٍ عَنِ مُعَاذِ بْنٍ جَبَلٍ
(٥٠) حَدََّا مُحَمَّدُ بَّنُ الْمَّثَنَّى وَابْنُ بَشَارٍ قَالَ ابْنُ الْمُثَنِى خَدَّثَا مُحَمَّدُ بَّنُّ جَعْفَرٍ حَدََّا شُعْبَةٌ عَنِ أَبِي حَصِيْنٍ وَالأَشْعَثَ بْنِّ سُلَّيْمِ
أَنَّهُمَا سَمِعَا الأَسْوَدَ بْنَ هِلالِ يُحَدِّثُ عَنِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ
(٥١) حَدَّنَا الْقَاسِمُ بْنُ زَكَرِيَّاءَ خَذَّقْئًا حُسَيْنٌ عَنٍ زَائِدَّةً عَنِّ أَبِي حَصِينٍ عَنِ الأَسْوَدِ بْنِ هِلالِ قَالَ: سمعت مُعَاذًا
(٥٢) حَدََّنَا إِسْحَقُ بْنَ مَنْصُّورٍ أَخْبَرَنَا مُعَاذُ بْنُ هِّشَامٍ قَالَ خَذََّتِي أَبِي ◌َغُّنٍ قَادَةً قَالَ: حَدََّنَا أَنَسِ بْنٍ مَالِكٍ
١٠٨

كَيْكَ رَسُولَ اللَّهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ «مَا مِنْ عَبْدٍ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ إِلا
حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ» قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَفَلا أُخْبِرُ بِهَا النَّاسَ فَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ «إِذَا يَتْكِلُوا» فَأَخْبَرَ بِهَا
مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثْمًا.
(ملحوظة): هذا الحديث أخره مسلم رحمه الله تعالى عن حديث أبى هريرة، الآتى في الباب التالى
وقدمناه للمناسبة.
المعنى العام
كثيرًا ما خرج المسلمون للجهاد مشاة ليس معهم ما يكفيهم من الإبل أو الحمير وكثيرًا ما كان
الحمار يحمل اثنين؛ وكذلك البعير، وكثيرًا ما كان الجمع منهم يتعاقب الركوب على دابة واحدة،
لاتكاد تميزبين صاحبها ومرافقيه.
اشتراكية فريدة لا نراها فى أرقى الأمم على مرالعصور، وتكافل إسلامی لا عهد له فی أی دستور
أو تشريع، و(ديمقراطية) عالية لا تكاد تميزبين القائد والجنود.
هذا رسول اللَّه له، أفضل الخلق على الإطلاق، وسيد ولد آدم ولا فخر، وقائد الأمة وراعيها، يركب
حمارًا فى غزوة من الغزوات، ويركب غيره من جنده النوق والجمال، وليس هذا فحسب، بل ويردف
خلفه على حماره أحد الصحابة الأجلاء، معاذ بن جبل.
ثم يضرب المثل الأعلى فى حسن المؤانسة، وإزالة الوحشة لدى رفيق السفر، فيناديه: يا معاذ بن
جبل، فيجيب معاذ - وقد امتلأ سرورًا بحظوة تحديث خير محدث، يجيب - وقد جمع كل مشاعره
وأحاسيسه لما بعد النداء، يجيب - وكله آذان صاغية- لبيك وسعديك يارسول الله. إجابة لندائك ثم
إجابة، وسعدًا بخطابك بعد سعد يا رسول اللَّه.
ويسكت رسول الله * فترة من الوقت والراحلة تسير.
يسكت لحظات تمر على معاذ كساعات، تثور فيها غريزة حب الاستطلاع وتتقد فيها نار التلهف
لسماع الحديث، ويرقب الأمر، فإذا به يسمع النداء للمرة الثانية: يا معاذ بن جبل. فيسرع بالإجابة
لبيك وسعديك يا رسول اللَّه، وتمضى لحظات سكون مثل التى مضت بعد النداء الأول، والراحلة
تسير، ثم يسمع النداء للمرة الثالثة: يا معاذ بن جبل. فيبادر بالإجابة أسرع وأسرع من المرتين
السابقتين، لبيك وسعديك يا رسول اللّه.
فقال رسول اللَّه ﴿: هل تعلم حق اللَّه على العباد وواجبهم نحوه؟
قال معاذ: الله ورسوله أعلم.
قال صلى الله عليه وسلم: حق الله على العباد أن يوحدوه ولا يتخذوا أرباباً من دونه، ولا يشركوا
به شیئا.
١٠٩

ثم سكت : لحظات أخرى كالسابقة، والقافلة تسير، ثم قال: يا معاذ بن جبل. قال: لبيك
وسعديك يا رسول الله.
قال: هل تعلم حق العباد وما لهم عند اللَّه إذا وحدوه ولم يشركوا به شيئًا؟ قال: الله ورسوله أعلم.
قال: ((أن لايعذبهم)). ((ما من عبد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول اللَّه إلا حرم اللَّه عليه
النار)). ((من لقى الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة)).
قال معاذ فرحاً بهذه البشرى: أفأخبر الناس بهذا، وأبلغهم ما يسرهم يا رسول اللَّه؟ فأذن له صلى
اللَّه عليه وسلم أن يبشر.
فحدث معاذ عمر - رضى اللَّه عنهما - بهذا الحديث فقال له عمر: لا تعجل ولا تخبر الناس. ثم
دخل على رسول اللّه﴿، فقال: يا نبى اللَّه أنت أفضل رأياً. إن الناس إذا سمعوا ذلك اتكلوا عليها.
قال: فرده، فرد عمر معاذًا إلى النبى{*، فقال معاذ: ألا أبشر الناس يا رسول اللَّه؟ قال: لا. دعهم
فليتنافسوا فى الأعمال فإنى أخاف أن يتكلوا.
وكتم معاذ الحديث فلم يحدث به حتى جاءه الموت، فخاف الإثم إن هو مات ولم يبلغ ما سمع،
فحدث به.
رضى الله عنه وأرضاه، ورضى عن الصحابة أجمعين، وجعلنا من أهل هذه البشرى. آمين.
المباحث العربية
( كنت ردف النبى ) بكسر الراء وسكون الدال، والرديف هو الراكب خلف الراكب، تقول:
ردفت فلاناً أردفه بكسر الدال فى الماضى وفتحها فى المضارع إذا ركبت خلفه، وتقول: أردفت فلاناً
إذا أركبته خلفك وأصله من الردف وهو العجز.
وأرداف الملوك فى الجاهلية هم الذين كانوا يخلفونهم كالوزارء، أما فى الإسلام فإنه لم تراع فيه
منزلة الرديف الدنيوية بل روعى التشريف والتكريم بغض النظر عن منزلة الرديف، وقد جمع ابن مندة
أرداف النبى * فبلغوا نيفا وثلاثين رديفًا.
( ليس بينى وبينه إلا مؤخرة الرحل ) كناية عن شدة القرب منه، وفائدة ذكرها التوثيق من
الرواية، والإشعار بدقة السماع والضبط، والرحل بفتح الراء وسكون الحاء خشبات توضع على البعير
حول السنام، مكسوة بشىء من الصوف أو الليف أو نحوهما تمهد ظهر البعير للركوب، وهو بمنزلة
السرج للفرس والإكاف للحمار، و((مؤخرة الرحل)) بضم الميم وسكون الهمزة وكسر الخاء، وحكى فتح
الهمزة والخاء المشددة، على ضعف وهى الخشبة التى تكون خلف الراكب.
وقد جاء فى الرواية الثانية: كنت ردف رسول اللَّه * على حمار يقال له ((عفير)) ومن المعلوم أن
التعبير بالرحل لا يتناسب مع ركوب الحمار إذ هو من اختصاص الإبل، ولهذا قال بعضهم بتعدد
١١٠

القصة. مرة على بعير ومرة على حمار، وهذا بعيد، والأحرى بالقبول قول النووى: يحتمل أن يكونا
قضية واحدة، وأراد بالحديث الأول قدر مؤخرة الرحل.
و((عفير)) بالتصغير هو الحمار الذى كان له صلى الله عليه وسلم. قيل إنه مات فى حجة الوداع.
( يا معاذ بن جبل) يجوز فى ((معاذ)) النصب والبناء على الضم، أما النصب فعلى أنه مع ما
بعده كاسم واحد مركب، والمنادى المضاف منصوب، والضم على أنه منادى مفرد علم، وأما لفظ
((ابن)) هنا فمنصوب قولا واحداً، واختار ابن الحاجب النصب فى ((معاذ)) وبه ضبط فى الأصل، وقال
ابن مالك: الاختيار فيه الضم، لأنه لا يحتاج إلى اعتذار. وتكرير نداء معاذ للتأكيد وتكميل انتباهه
اهتمامًا بالخبر.
( لبيك رسول اللَّه وسعديك) ((رسول اللَّه) منادى بتقدير حرف النداء وفى معنى ((لبيك))
أقوال كثيرة، أظهرها أن معناه إجابة لك بعد إجابة، والتكرير للتأكيد، وقيل: معناه قربًا منك وطاعة
لك، تثنية ((لب)) ومعناه الإجابة، وقال الخليل: لب بالمكان أقام به، وعليه فلبيك معناه أنا مقيم على
طاعتك، وكان حقه أن يقال: لبا لك، فثنى للتأكيد فصار: لبين لك فأضيف فحذفت النون، كما قالوا
فى حنانيك، أى رحمة بعد رحمة، وهو من المصادر المنصوبة بفعلها المحذوف وجوباً.
و((سعديك)» تثنية سعد، والمعنى سعادة بحديثك بعد سعادة.
( ثم سار ساعة ) أى قدراً من الزمن، وليس المراد الساعة المعروفة المقدرة بستين دقيقة.
( هل تدرى ما حق الله على العباد؟) الاستفهام حقيقى، و((تدرى)) معلق عن العمل و((حق
اللَّه على العباد)» معناه ما يستحقه عليهم استحقاقًا متحتمًا.
(اللَّه ورسوله أعلم) أفعل التفضيل على بابه، فمعاذ يعلم دون شك أن العبادة واجبة للَّه
تعالى، ولكنه فوض العلم، وأسند الزيادة فيه للَّه ورسوله تأدبًا، ومقصود هذه العبارة علمنى
یا رسول اللّه.
( أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً) وفى الرواية الثانية ((أن يعبدوا اللَّه ولا يشركوا به شيئًا))
وفى رواية ((أن يعبد اللَّه ولا يشرك به شىء)) وفى رواية ((أن يعبد الله ولا يشرك به شيئًا)) بنصب
((شيئًا)). قال ابن الصلاح وهو صحيح على التردد بين وجوه ثلاثة.
أحدها: ((يعبد اللَّه)) بفتح الياء التى هى للمذكر الغائب أى يعبد العبد الله ولا يشرك به شيئًا.
الثانى: ((تعبد)» بفتح تاء المخاطب على التخصيص لمعاذ والتنبيه على غيره.
والثالث: ((يعبد)) بضم أوله، ويكون ((شيئاً)) كناية عن المصدر، لا عن المفعول به، أى لا يشرك به
إشراكًا، ويكون الجار والمجرور هو القائم مقام الفاعل. قال: وإذا لم تعين الرواية شيئًا من هذه
الوجوه، فحق على من يروى هذا الحديث منا أن ينطق بها كلها، واحدًا بعد واحد، ليكون آتيا بما هو
المقول منها فى نفس الأمر جزما. اهـ
١١١

والمراد من عبادة الله هنا توحيده، لا ما يعم كل الطاعات: بدليل الرواية الثالثة. ويكون قوله
((ولا يشركوا به شيئًا)) للتأكيد لرفع ما كان عليه المشركون من عبادة الأوثان لتقربهم إلى الله زلفى.
( هل تدرى ما حق العباد على اللَّه إذا فعلوا ذلك ) أى ما وجب لهم شرعا بوعده الصادق،
فهو متحقق لهم لا محالة إذا فعلوا، فلفظ ((حق)) على هذا مستعمل فى أصل وصفه، وقيل إنه من
مجاز المقابلة لحقه عليهم، كقوله تعالى ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرّ اللَّهِ ﴾ [آل عمران: ٥٤] لأن اللَّه لا يجب
عليه شىء.
( أن لا يعذبهم) ((أن)) وما دخلت عليه فى تأويل مصدر خبر مبتدأ محذوف تقديره حق العباد
على اللَّه - إذا فعلوا ذلك - عدم تعذيبهم.
( أفلا أبشر الناس؟ ) التبشير الإخبار بخبر يظهر أثره على البشرة، خيرًا كان الخبر أو شرًا،
ثم شاع فى خبر الخير.
والهمزة للاستفهام، والفاء مؤخرة من تقديم - على المشهور- لأن الاستفهام له الصدارة، وهى
عاطفة على محذوف تقديره: أقلت ذلك أفلا أبشر الناس؟.
( لاتبشرهم فيتكلوا ) من الاتكال، وهو الاعتماد، وأصله فيوتكلوا لأنه من وكل الأمر إلى غيره،
قلبت الواوتاء وأدغمت فى تاء الافتعال.
والفعل منصوب بأن مضمرة بعد الفاء المسبوقة بالنهى.
( ومعاذ بن جبل رديفه ) وردت فى الرواية الثالثة، مبتدأ وخبر فى محل النصب على الحال.
( على الرحل ) حال أيضا.
( ما من عبد يشهد ) ((ما)) نافية، و)) من)) زائدة لتأكيد النفى، و((عبد)) اسم ((ما)» وجملة
((يشهد)» صفة ((عبد)».
( إلا حرمه الله على النار) معنى التحريم المنع، أى إلا منعه الله من النار، والمستثنى منه
محذوف، والاستثناء مفرغ، والتقدير: ما عبد شاهد بكذا كائنا بحكم من الأحكام إلا بحكم تحريمه
على النار.
( أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا ) ضمير ((بها)) يعود على المقالة ((ما من عبد))
إلخ أى أفلا أخبر الناس بهذه المقالة؟ وفعل ((يستبشروا)) منصوب بأن مضمرة بعد الفاء
المسبوقة باستفهام.
(إذا يتكلوا) ((إذا)) حرف جواب وجزاء، والفعل بعدها منصوب بها، والجمهور يكتبها بالألف،
وكذا رسمت فى المصاحف، والمازنى والمبرد يكتبونها بالنون، وعن الفراء: إن عملت تكتب بالألف،
١١٢

وإلا تكتب بالنون، للفرق بينها وبين ((إذا)) الشرطية، وجاء فى رواية ((إذا ينكلوا)) بالنون بدل التاء،
من النكول وهو النكوص والامتناع عن العمل اعتمادًا على الشهادتين.
( فأخبربها معاذ عند موته تأثما ) بفتح التاء والهمزة وضم الثاء المشددة مفعول لأجله،
قال أهل اللغة: تأثم الرجل إذا فعل فعلا يخرج به من الإثم، وتحرج أزال عنه الحرج والمعنى هنا على
هذا: أخبر معاذ بالمقالة عند موته للخروج من إثم الكتمان ولإزالته.
فقه الحديث
من الواضح أن معاذاً استأذن فى تبشير الناس وتحديثهم بهذا الحديث فلم يؤذن له، ومن الواضح
أنه حدث به عند موته.
وأمام هذين الأمرين الواضحين يبرز إشكال مؤداه:
كيف خاف معاذ إثم الكتمان ولم يخف إثم مخالفة الرسول #؟ وفى الجواب عن ذلك يقول
النووى: كان معاذ يحفظ علماً يخاف فواته وذهابه بموته، فخشى أن يكون ممن كتم علمًا، وممن لم
يمتثل أمر رسول الله { فى تبليغ سنته فأخبر بالحديث مخافة الإثم، وعلم أن النبى 08 لم ينه عن
الإخبار بالمقالة نهى تحريم.
وحاصل هذا الجواب أن معاذًا كان عليه أن يختار بين كتمان الحديث، الأمر الذى يبلغ الحرمة،
وبين تبليغه، المكروه كراهة تنزيه، فاحتاط وأزال ما يؤدى إلى الحرمة.
وقال القاضى عياض: لعل معاذا لم يفهم من النبى {8 النهى، لكن فهم أنه# كسر عزمه عما
عرض له من بشراهم. اهـ
فالقاضى عياض لا يرى نهياً أصلا، لا نهى تحريم ولا نهى تنزيه فى فهم معاذ.
وقال بعضهم: لعل معاذاً امتثل النهى عن التبشير، فلما سمع بحديث أبى هريرة الآتى - وفيه
الأمر بالتبشير - اعتبره ناسخاً فحدث به خروجا من إثم الكتمان.
وقال ابن الصلاح: منعه صلى اللّه عليه وسلم من التبشير العام خوفاً من أن يسمع ذلك من لا
خبرة له ولا علم، فيغتر ويتكل، وأخبر به صلى الله عليه وسلم على الخصوص من أمن عليه الاغترار
والاتكال من أهل المعرفة فإنه صلى اللّه عليه وسلم أخبر به معاذاً، فسلك معاذ هذا المسلك، فأخبر به
من الخاصة من رآه أهلا لذلك. اهـ
وهذا الوجه ظاهر.
وأمام هذه الأجوبة يرد إشكال آخر هو:
حيث استباح معاذ وفضل التبشير فلم أخره وكتمه إلى الموت؟
١١٣

وأجيب بأنه رأى أن النهى عن التبشير إنما هو خوف الاتكال، وخوف الاتكال إنما يكون فى
بادئ الأمر، أما بعد رسوخ الدين، وتقرر الشريعة وذوق حلاوة العمل الصالح والتنافس بين المسلمين
فى خصال البر فإن الاتكال بعيد، فأخر التحديث حتى زال خطره.
على أن كتم الحديث ((خصوصا الذى لا يدعو إلى عمل، بل قد يعوقه)» لا يتحقق إلا بالموت.
ويؤخذ من الحديث
١ - جواز ركوب الاثنين على دابة واحدة.
٢- منزلة معاذ وعزته عند رسول اللَّه ال﴾.
٣ - تكرار الكلام لنكتة وقصد معنى.
٤- تخصيص بعض الناس ببعض العلم لهدف دينى.
٥- جواز استفسار الطالب عما يتردد فيه.
٦ - الإجابة بلبيك وسعديك.
٧- استئذان الطالب فى إشاعة ما يعلم به وحده.
٨- تواضع النبى 48%.
٩- فيه بشارة عظيمة للموحدين، وسيأتى تفصيل الحكم فيها عما قريب.
والله أعلم
١١٤

(١٥) باب التبشير بالجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله
٥٣- ٣° عَنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَه(٥٣) قَالَ كُنَّا قُعُودًا حَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﴿. مَعَنًا أَبُوبَكْرٍ وَعُمَرُ،
فِي نَفَرٍ. فَقَامَ رَسُولُ اللّهِ وَّ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِنَا. فَبْطَأْ عَلَيْنًا. وَخَشِينَا أَنْ يُقْتَطَعَ دُوَّا، وَفَزِغْنَا
فَقُمْنًا. فَكُنْتُ أَوَّلَ مَنْ فَزِعَ. فَخَرَجْتُ أَبْتَغِي رَسُولَ اللَّهِلَّ. حَتَّى أَنْتُ حَائِطًا لِلأَنْصَارِ لِيْنِي
النِّجَّارٍ. فَدُرْتُ بِهِ هَلْ أَجِدُ لَهُ بَابًا. فَلَمْ أَجِدْ. فَإِذَا رَبِيعٌ يَدْخُلُ فِي جَوْفٍ خَائِطٍ مِنْ بِثْرٍ خَارِجَةٍ
(وَالرَّبِيعُ الْجَدْوَلُ) فَاخْتَفَرْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ. فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِع ◌َ. فَقَالَ «
أَبُوهُوَّيْرَةَ؟» قُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ « مَا شَأْنُكَ؟» قُلْتُ: كُنْتَ بَيْنَ أَظْهُرِنَا. فَقُمْتَ
فَأَبْطَأْتَ عَلَيْنًا. فَخَشِينًا أَنْ تُقْتَطَعَ دُوتَنَا. فَفَزِغْنًا. فَكُنْتُ أَوَّلَ مِنْ فَزِعَ. فَأَتَيْتُ هَذَا الْحَائِطٌ.
فَاخْتَفَرْتُ كَمَا يَحْتَفِزُ الثَّعْلَبُ. وَهَؤُلاءِ النَّاسُ وَرَائِي. فَقَالَ « يَا أَبَا هُرَيْرَةً!» (وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ)
قَالَ « اذْهَبْ بِتَغْلَيَّ هَاتَيْنٍ. فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَّهَ إِلا اللَّهِ. مُسْخَيْقًِا
بِهَا قَلْبُهُ. قَبَشْرْهُ بِالْجَنَّةِ» فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ لَقِيتُ عُمَّرُ. فَقَالَ: مَاهَاتَانِ النَّعْلانِ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟
فَقُلْتُ: هَاتَانِ نَعْلًا رَسُولِ اللَّهِ﴿. بَعَثَّيِي بِهِمًا. مَنْ لَقِيتُ يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَّهَ إِلا اللّهُ مُسْتَيْقِئًا بِهَا
قَلْبُهُ، بَشَرْتُهُ بِالْجَنَّةِ. فَضَرَبّ عُمَّرُ بِيْدِهِ بَيْنَ قَدَيَّ. فَخَرَرْتُ لاسْتِي. فَقَالَ: ارْجِعْ يَا أَبَا هُرَيْرَةً.
فَرَجَعْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ فَأَجْهَشْتُ بُكَاءً. وَرَكِيَئِي عُمّرُ. فَإِذَا هُوَ عَلَى أَقَرِي. فَقَالَ لِي
رَسُولُ اللَّهِعَ﴿ « مَا لَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قُلْتُ: لَقِيتُ عُمَرَ فَأَخْبُرْتُهُ بِالَّذِي بَعْنَى بِهِ. فَضْرَبَ
بَيْنَ قَدَيَّ ضَرَبَةٌ. خَرَرْتُ لاسْتِي. قَالَ ارْجِعْ. فَقّالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ لِ﴿ِ «يَا عُمَرًا مَا حَمَّلِكَ
عَلَى مَا فَعَلْتَ؟ » قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأَمِّي. أَبَعَثْتَ أَبَا هُرَيِّرَةَ بِتَعْلَيْكَ، مَنْ لَقِيَ
يَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللّهُ مُسْتَيْقِئًا بِهَا قَلْبُهُ، بَشَّرَهُ بِالْجَنَّةِ؟ قَالَ «نَعَمْ» قَالَ: فَلا تَفْعَلْ. فَإِنِّي
أَخْشَى أَن يَتْكِلَ النَّاسُ عَلَيْهَا، فَخَلَّهِمْ يَعْمَلُونَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ:﴿ «فَخَلِّهِمْ».
المعنى العام
مثل رائع من أمثلة حب الصحابة لرسول اللَّه * وحرصهم عليه، ومثل أكثر روعة من أمثلة وفاء
النبى - لأصحابه، ومكافأته لهم على حسن صنيعهم.
ذلك ما يحدثنا به أبو هريرة الصحابى الجليل [الذى لازم رسول اللَّه * أكثر أوقاته منذ أسلم ﴾.
حتى انتقل صلى اللَّه عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى] يقول:
(٥٣) حَدَِّي زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّنَا عُمَرُ بْنُ يُونُسَ الْخَفِيُّ حَدَّقْنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ قَالَ حَدَّتِي أَبُو كَثِيرٍ قَالَ: حَدَّتِي أَبُو هُرَيْرَةً
١١٥

كذا قعودا فى مجلس رسول اللَّه: ﴿ وكنا جمعًا كثيرًا من الصحابة على رأسنا أبو بكر وعمر، وكنا
نحيط برسول اللَّه - حبا فيه وحرصا على ما ينطق به من تعاليم الإسلام وآدابه- إحاطة الهالة
بالقمر، فقام صلى اللَّه عليه وسلم من بيننا، وبقينا على وضعنا فى انتظاره، ظانين أنه خرج لقضاء
حاجة سريعة وسيعود، فقد كان شأنه صلى الله عليه وسلم إذا قام منصرفا أشعرنا بانصرافه
فيصحبه بعضنا إلى حيث يريد - إن أذن - وينصرف البعض الآخر إلى عمله.
وقوى هذا الظن أنه صلى الله عليه وسلم لم يتجه إلى البيوت، ولكن نحو البساتين القريبة
من مجلسنا.
وطال انتظارنا لرسول اللّه :#. وأصبح الزمن يمضى بطيئا ثقيلا، ونظر بعضنا إلى بعض نظرات
القلق والاضطراب لتأخره صلى الله عليه وسلم على غير عادته؛ وساورتنا الهواجس والأوهام، اليهود
بالمدينة وحولها يتربصون به صلى الله عليه وسلم، والمنافقون يحقدون عليه ويدبرون له المكايد،
والكفار يمكرون به ليقتلوه، وقد خرج صلى الله عليه وسلم وحده، وإلى مكان موحش، فماذا نحن
فاعلون؟ واستبد بنا الخوف عليه صلى الله عليه وسلم، ونفد منا الصبر واستولى علينا الفزع، يقول أبو
هريرة: وكنت أكثرهم فزعاً وأولهم تحركا، وهب الجميع للبحث عنه صلى الله عليه وسلم بين المزارع
والحدائق التى اتجه نحوها، وكان يقام على كل منها حائط مرتفع لا يسهل ارتقاؤه، ليمنع السائبة
من الفساد فى الحرث.
ودار أبو هريرة حول بستان لبنى النجار، غلب على ظنه أنه الذى اتجه إليه صلى اللّه عليه وسلم،
لكنه لعجلته واضطرابه لم يعثر على بابه، أولم يعثر على باب مفتوح ورأى ثقباً فى أسفل الحائط
تخترقه قناة تنقل الماء إلى البستان من بئر خارجه.
فانكمش أبو هريرة، وضم أعضاءه، كما ينكمش وينضم الثعلب عند ولوجه جحراً ضيقا، ودخل
البستان من ثقب الحائط، فوجد رسول اللَّه﴿ داخله، فلما أحس به صلى الله عليه وسلم قال: من؟
أبو هريرة؟ فقال: نعم أنا أبو هريرة يا رسول اللَّه. قال له: ما شأنك؟ وما الذى جاء بك من هذه الجهة
وبهذه الحالة؟ قال: كنت بيننا يا رسول اللَّه فقمت فجأة، فانتظرناك، فأبطأت علينا، فخشينا عليك
من أعداء الإسلام، ففزع الجميع، وكنت أول من فزع، فأتيت هذا البستان، فلم أعثر على بابه،
فتحايلت على الدخول من ثقب الجدول الضيق كما يتحايل الثعلب، والناس ورائى حول هذا البستان
يبحثون عنك.
وأحس صلى اللّه عليه وسلم أن الإيمان قد ملأ قلوب هذه الجماعة من أصحابه، وأنه صلى اللّه
عليه وسلم قد أصبح أحب إليهم من أنفسهم التى بين جنوبهم، وليس لمثل هؤلاء جزاء إلا الجنة.
ومكافأتهم العاجلة على هذا الصنيع الحميد أن يبشروا بها، لتطمئن قلوبهم التى فزعت على رسول الله
﴿ ﴿جَرَّاءُ وِفَاقًا﴾ [النبأ: ٢٦].
فقال: يا أبا هريرة اذهب إلى القوم فهدئ من روعهم، وأعد الطمأنينة إلى نفوسهم، وخذ نعلى
١١٦

هاتين علامة على لقياك لى، وبشركل من لقيته وراء هذا الحائط يبحث عنى، وهو يشهد أن لا إله إلا
اللَّه وأنى رسول اللَّه شهادة خالصة نابعة من تمكن الإيمان فى قلبه. بشره أنه من أهل الجنة.
وخرج أبو هريرة - فرحًا مسرورًا - ليؤدى الرسالة، فكان أول رجل يلقاه عمر بن الخطاب،
وأبوهريرة يتهيبه، كما يتهيبه كثير من الصحابة لشدته، فلم يشأ أن يلقى إليه الخبر إلقاء، بل رغب
فى أن يكون مفتتح الكلام عمر، فأبرز نعلى رسول اللَّه ﴿، فقال عمر: ما هاتان النعلان يا أبا هريرة؟
فقال: لقد لقيت رسول اللّه * بهذا البستان وهاتان نعلاه، وهو على خير ما نحب له، بعثنى بهما
لأبشر بالجنة كل من لقيت وراء هذا البستان ممن يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول اللَّه،
شهادة خالصة نابعة من صميم قلبه.
وخاف عمر من عاقبة هذه البشرى على صالح صفوة المسلمين، ومنزلتهم عند اللَّه، وأراد أن يمنع
أبا هريرة من التبشير حتى يراجع بشأنه رسول اللَّه ، وأراد أن يشتد فى المنع خشية أن يستهتر
أبو هريرة بطلبه أمام أمر رسول اللَّه/*، فدفعه فى صدره وهو يقول له: لا تفعل يا أبا هريرة، وارجع
أمامی إلی رسول اللّه ێ.
ولم يتحمل أبو هريرة دفعة عمر الشديدة - بدون قصد- فسقط على الأرض، ووقع على عجزه، ثم قام
تخنقه العبرات، وسار إلى رسول اللّه 8/﴿ وعمر يمشى من ورائه.
فقال له رسول اللَّه : مالك يا أبا هريرة؟ فشكاله ما لقى من عمر.
فنظر صلى الله عليه وسلم إلى عمر، وقال له: ما حملك على ما فعلت يا عمر؟
قال: يا رسول اللَّه. أفديك بأبى وأمى. هل بعثت أبا هريرة بنعليك يبشر بالجنة من لقى وراء هذا
الحائط يشهد أن لا إله إلا الله مطمئناً بها قلبه؟ قال: نعم، قال عمر: لا تفعل هذا يارسول الله، فإنى
أخشى أن يتكل الناس على هذه البشرى فلا يتسابقون إلى الخيرات، خلهم يعملون يا رسول الله.
وأمام وجهة نظر عمر، وخشيته من التقاعس عن عمل الخير، وعن التنافس فى الطاعات رأى
رسول الله* تأجيل هذه البشرى فقال: فخلهم يعملون، صلى الله عليه وسلم ورضى عن عمر وأبى
هريرة وعن الصحابة أجمعين.
المباحث العربية
( كنا قعودا ) خبر ((كان)) مصدر مؤول بمشتق، أى قاعدين.
(حول النبى ) قال أهل اللغة: يقال قعدنا حوله وحوليه، وحواليه، وحواله، بفتح الحاء
واللام فى جميعها، أى على جوانبه.
(ومعنا أبوبكر وعمر) ((معنا)) بفتح العين على اللغة المشهورة، ويجوز تسكينها فى لغة، وهى
للمصاحبة، قال صاحب المحكم ((مع)) اسم معناه الصحبة مفتوحة العين أو ساكنتها غير أن
١١٧

المفتوحة تكون اسمًا وحرفًا، والساكنة لا تكون إلا حرفا، والجملة هنا مكونة من خبر مقدم ومبتدأ
مؤخرفى محل النصب على الحال.
( فى نفر) متعلق بمحذوف حال، والنفر فى الأصل القوم ينفرون معك إذا حزبك أمر ثم أطلق
على كل جماعة دون العشرة من الرجال وجمعه أنفار.
( من بين أظهرنا) وقال أبوهريرة بعد ذلك ((كنت بين أظهرنا)) فكلمة ((أظهرنا))
هكذا فى الموضعين.
وقال القاضى عياض: وقع الثانى فى بعض الأصول ((ظهرينا)) وكلاهما صحيح، فأهل اللغة
يقولون: نحن بين أظهركم بالجمع، وبين ظهريكم وظهرانيكم بفتح النون على التثنية، ومعناه أن
ظهراً منهم قدامه، وظهرا وراءه، فهو مكنوف من جانبيه، وهو مكنوف من جوانبه فى حالة جمع
((أظهرنا)) ثم كثر حتى استعمل فى الإقامة بين القوم مطلقا.
(وخشينا أن يقتطع دوننا ) ((يقتطع)) بالبناء للمجهول، أى يختطف أو يصاب بمكروه من
أعداء الإسلام.
( وفزعنا ) الفزع يكون بمعنى الروع، وبمعنى الهبوب للشىء والاهتمام به، وبمعنى الإغاثة، وهذه
المعانى كلها تصح هنا، لكن قول أبى هريرة: ((وقمنا فكنت أول من فزع)) يرشح المعنيين الأخيرين،
لترتيب أولية فزعه على القيام بالفاء.
( أبتغى ) أى أبحث عنه صلى الله عليه وسلم، والجملة حال.
( حتى أتيت حائطًا ) أى بستانا، وسمى بذلك لأنه كان يحاط غالبا بحائط لا سقف له.
( فإذا ربيع ) بفتح الراء وكسر الباء وهو قناة ماء، وفسره بعد بالجدول، قال النووى:
وهو النهر الصغير.
( من بئر خارجة ) قال بعضهم: روى على ثلاثة أوجه:
أحدها: بالتنوين فى ((بئر)) وفى ((خارجة)) على أن ((خارجة)) صفة لبئر.
الثانى: من بئر خارجه، بتنوين بئر، وبهاء فى آخر ((خارجه)) وهى ضمير الحائط، أى البئر فى
موضع خارج عن الحائط، و))خارج)) منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف صفة لبئر.
الثالث: ((من بئر خارجة)» بإضافة («بئر)» إلى «خارجة)» وهو اسم رجل، والوجه الأول هو
المشهور الظاهر.
و((البئر)» مؤنثة مهموزة، ويجوز تخفيف همزتها، وجمع القلة أبؤر وأبار. بهمزة بعد الباء فيهما،
ومن العرب من يقلب الهمزة فى ((أبار)) وينقل فيقول آبار، وجمع الكثرة ((بثار)).
١١٨

(فاحتفزت) اختار صاحب التحرير أنها بالراء، والصحيح بالزاى، ومعناه
تضاممت ليسعنى المدخل.
( فقال: أبو هريرة؟ ) خبر مبتدأ محذوف تقديره: أأنت أبو هريرة؟ والاستفهام للتقرير أو
للتعجب، لاستغرابه من أين دخل مع سد الأبواب.
( وهؤلاء الناس) يعنى النفر الذين كانوا مع النبى 8/ وقاموا فى طلبه.
( مستيقنا بها قلبه ) ذكر القلب هنا للتأكيد، ونفى توهم المجاز، وإلا فالاستيقان لا
يكون إلا بالقلب.
( فقلت: هاتين نعلا رسول اللَّه ) هكذا هو فى جميع الأصول ((فقلت هاتين نعلا)
بنصب هاتين ورفع ((نعلا)) وتوجيهه أن ((هاتين)) منصوب بفعل محذوف و))نعلا)) خبر مبتدأ
محذوف والتقدير: تعنى هاتين؟ - هما نعلا رسول اللّه * - وهذا التوجيه مع ما فيه من التكلف
أولى من تخطئة الرواية.
(فضرب بيده بين ثديى) مفعول ((ضرب)) محذوف، و((بين)» ظرف مكان، أو الباء زائدة،
و«يده)» مفعول، أى دفع عمريده بين ثديى و«ثديى)» تثنية ((ثدى)» لفظ مذكر، وقد يؤنث فى لغة قليلة،
وقد اختلفوا فى اختصاصه بالمرأة، فقيل: يكون للرجل والمرأة، وقيل: هو للمرأة خاصة وعلى القول
الأخير يكون إطلاقه على الرجل فى هذا الحديث وفى أحاديث أخرى من قبيل المجاز.
( فخررت لاستى) ((است)) بألف وصل، وهو اسم من أسماء الدبر، وقد يطلق على العجزكما
يطلق على حلقة الدبر، ومقصوده أنه سقط على الأرض جالسًا على إليته وعجيزته.
(فأجهشت بكاء ) وفى رواية ((فجهشت)) يقال: جهش جهشًا، وأجهش إجهاشًا، وهو أن يفزع
الإنسان إلى غيره، وهو متغير الوجه متهيئ للبكاء ولما يبك بعد، ولفظ ((بكاء)» مفعول لأجله، وفى
رواية ((للبكاء)» وهو بهمزة المد، وقد يقصر.
( وركبنى عمر) أى تبعنى ومشى خلفى.
( فإذا هو على أثرى ) فيه لغتان فصيحتان مشهورتان: كسر الهمزة وسكون الثاء، وفتح
الهمزة والثاء، أى تبع خطواتى وآثار مشى دون فاصل بيننا أو تراخ.
( بأبى أنت وأمى ) خبر مقدم ومبتدأ مؤخر، والتقدير أنت مفدى بأبى وأمى، وليست العبارة
على حقيقتها، فإنها تقال ممن مات أبوه وأمه، وإنما المقصود منها المبالغة فى الحنان والبرالذى
يفوق ما بين الولد وأبويه، حتى كأنه يضحى بهما من أجله.
( أبعثت أبا هريرة؟ ) الاستفهام حقيقى، للتأكد من كلام أبى هريرة وليبنى على
الجواب مايريد.
١١٩

(فلا تفعل ) الفاء فصيحة فى جواب شرط مقدر، أى إذا كان قد حصل هذا القول
فلا تتبعه بالفعل.
( فخلهم يعملون ) جملة ((يعملون)) فى محل النصب على الحال.
فقه الحديث
قال بعض الفضلاء: إن خشية الصحابة على الرسول # لا تتفق مع قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ
مِنْ النّاس ﴾ [المائدة: ٦٧] وأجاب باحتمال أن الخشية والفزع كانا قبل نزول الآية، وعلى فرض أنهما
كانا بعد نزولها فذلك لفرط كلفهم به، كما يقال: المحب مولع بسوء الظن.
والمحقق فى هذه المسألة يرى أن عصمة اللّه لرسوله * من الناس لاتتنافى مع الحيطة
والمحافظة عليه وحمايته المنبعثة عن الخشية والفزع، فالعاقبة المعلومة لا تمنع من الأخذ
بالأسباب، بل قد تكون النتيجة متوقفة على المقدمات حسب العادة، والظاهر الذى أمرنا بالعمل به،
وعلى هذا كان الفهم الصحيح للشريعة الإسلامية، فالعشرة المبشرون بالجنة لم يتوقفوا عن الأخذ
بأسباب دخولها، بل بالغوا فى المحافظة عليها وتحصيلها.
على أن المفسرين ذهبوا إلى أن المقصود بالعصمة من الناس الوعد بحمايته صلى الله عليه وسلم
من القتل، وهذا لايمنع من لحوق إيذاء الناس له صلى اللَّه عليه وسلم، فما أصابه صلى الله عليه وسلم
فى غزوة أحد، وما أصابه صلى الله عليه وسلم من الشاة المسمومة هو إيذاء من الناس لا يدخل فى
العصمة الموعود بها.
وعليه فإيمان الصحابة بعصمته صلى الله عليه وسلم من القتل لا يتنافى مع خوفهم عليه وفزعهم
من أن يناله أذى أو مكروه.
أما سبب انصرافه صلى الله عليه وسلم من بين أظهر الصحابة إلى هذا البستان فلم أرنصاً فيه،
ولعله كان لتبليغ الجن وقراءته عليهم بعض ما نزل فقد تعدد اجتماعه بهم صلى اللّه عليه وسلم.
أما دخول أبى هريرة بستان الأنصار بهذه الطريقة، فقد أثار بحثاً فقهياً، وهو: هل يجوز دخول
ملك الغير بدون إذنه؟.
فقال بعضهم: نعم يجوز دخول الإنسان ملك غيره بغير إذنه إذا علم أنه يرضى ذلك فإن الرسول
* أقر أبا هريرة على ذلك ولم ينقل أنه أنكر عليه، بل زاد أصحاب هذا الرأى فقالوا: وإن ذلك
لايختص بدخول الأرض، بل يجوزله الانتفاع بأدواته، وأكل طعامه والحمل من طعامه إلى بيته:
وركوب دابته، ونحو ذلك من التصرف الذى يعلم أنه لا يشق على صاحبه.
قال النووى: هذا هو المذهب الصحيح الذى عليه جماهير السلف والخلف من العلماء.
ثم قال: واتفقوا على أنه إذا تشكك لا يجوز التصرف مطلقاً فيما تشكك فى رضاه به.
١٢٠