النص المفهرس

صفحات 41-60

يسألوه، رغم تشوقهم للسؤال، وتمنيهم مجىء الأعراب العقلاء من البادية ليسألوا رسول اللّه
48* وهم يسمعون.
وفى هذه الظروف، وفى سنة ثمان أو تسع من الهجرة بعث بنو سعد بن بكر ضماما
ليأتيهم بخبر الإسلام وشرائعه مشافهة من رسول الله* بعد أن بلغتهم هذه الأمور على
لسان رسول رسول اللَّه ﴾.
وبينما الصحابة جلوس فى المسجد حول رسول اللَّه * دخل ضمام على بعيره، فأناخه فى رحبة
المسجد وعلى بابه، ثم عقله ودخل، فقال: أيكم محمد؟ فأشارله الصحابة وقالوا: هو هذا الرجل
الأبيض المتكىء. فقال: يا ابن عبد المطلب، قال له النبى 8®: قد أجبتك. قال: إنى سائلك فمشدد
عليك فى المسألة، فلا تجد علىّ فى نفسك، ولا تغضب علىّ لسؤالى. فقال النبى { /: سل عما بدا لك.
قال. أتانا رسولك وأخبرنا أن الله أرسلك إلى الناس عامة، قال: صدق فيما أخبركم،
قال: فإذا كان الأمر كذلك، فمن خلق السماء؟ قال: اللَّه وحده. قال: فمن خلق الأرض؟
قال: اللَّه وحده. قال: فمن خلق الجبال وأرساها وأودع فيها من العجائب والمنافع ما
أودع؟ قال: الله وحده.
قال: أنشدك بريك الذى خلق السماء والأرض وأرسى الجبال وجعل فيها ما جعل، اللَّه
بعثك رسولا؟ قال صلى اللّه عليه وسلم: نعم.
قال: وأخبرنا رسولك أنه يجب على كل مكلف منا خمس صلوات فى كل يوم وليلة.
قال: صدق.
قال: أنشدك بريك الذى أرسلك، آللَّه أمرك بهذا؟ قال: اللهم نعم.
قال: وأخبرنا رسولك أن على كل مالك منا زكاة تؤخذ من أغنيائنا فتقسم على فقرائنا.
قال: صدق. قال: أنشدك بربك الذى أرسلك، آلله أمرك بهذا؟ قال: اللهم نعم.
قال: وأخبرنا رسولك أن علينا صوم شهر رمضان من كل عام. قال: صدق.
قال: أنشدك بالذى أرسلك، آللَّه أمرك بهذا؟ قال: اللهم نعم.
قال: وأخبرنا رسولك أن علينا حج البيت الحرام من استطاع إليه سبيلا. قال: صدق.
فقال الرجل: شهدت أن لا إله إلا اللَّه وأنك رسول اللَّه، وآمنت بما جئت به، والذى
بعثك بالحق لا أزيد على ما وجب علىَّ ولا أنقص منه شيئا، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بنى
سعد بن بكر، ثم قام وولی.
فقال رسول اللـه®: لئن صدق فى قوله، ووفى بوعده ليدخلن الجنة. ثم رجع ضمام إلى
قومه، فأخبرهم، وقال لهم إن اللَّه قد بعث رسولا، وأنزل عليه كتابا، وقد جئتكم من عنده بما
آمركم به وأنهاكم عنه.
٤١

فأطاعوه وأسلموا. قال ابن عباس: ما سمعنا بوافد قط أفضل من ضمام بن ثعلبة فوالله
ما أمسى من ذلك اليوم وفى حاضره رجل أو امرأة إلا مسلما.
المباحث العربية
( نهينا أن نسأل ) أن وما دخلت عليه فى تأويل مصدر مجرور بحرف جر محذوف، والتقدير:
نهينا عن سؤالنا.
( فكان يعجبنا أن يجىء الرجل) المصدر المنسبك من ((أن)) والفعل فاعل ((يعجب)»
واسم ((كان)) ضمير الحال والشأن، وجملة ((يعجب)) خبرها.
( من أهل البادية ) الجار والمجرور متعلق بمحذوف حال من الرجل، والبادية ضد الحاضرة
والعمران، والنسبة إليها بدوى بكسر الباء، والبداوة الإقامة بالبادية، وأهل البادية هم الأعراب، ويغلب
فيهم الجفاء، ولهذا جاء فى الحديث ((من بدا جفا)).
وسبب حبهم لهذا الصنف من السائلين أن الشأن فى أهل البادية أن يكونوا آخر من يصلهم
النهى عن السؤال، فهم أكثر من غيرهم إقداما على السؤال، وهم أهل لأن يعذروا لما عرف عنهم من
الغلظة والجهل والجفوة.
( العاقل ) بالرفع صفة الرجل، والباعث على حبهم اتصافه بالعقل أن مثله يسأل عن المحتاج
إليه المفيد، ومثله يجيد كيفية السؤال وآدابه، ويحسن المراجعة فيكثر النفع.
(فيسأله ونحن نسمع ) ((يسأل)) بالنصب معطوف على ((يجىء)) وجملة ((نحن
نسمع )) حال.
( فجاء رجل ) هو ضمام بن ثعلبة البكرى، بكسر الضاد وتخفيف الميم، وجاء اسمه فى نهاية
رواية البخارى إذ قال: وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بنى سعد ابن بكر.
(فزعم لنا أنك تزعم) قوله ((زعم)) و(تزعم)) مع تصديق الرسول * دليل على أن الزعم ليس
مخصوصا بالكذب والقول المشكوك فيه، بل يكون أيضاً فى القول المحقق والصدق الذى لا شك فيه
كقوله صلى الله عليه وسلم ((زعم جبريل)» وقول سيبويه: زعم الخليل.
( قال: فمن خلق السماء ) الفاء فصيحة فى جواب شرط مقدر، أى إذا كان اللَّه أرسلك فمن
خلق السماء؟ و((من)) اسم استفهام مبتدأ، وجملة ((خلق)) خبرها، وليس المقصود الاستفهام
الحقيقى، بل التقرير ليبنى عليه مابنى.
( قال: اللَّه) مبتدأ خبره محذوف، والتقدير: اللَّه هو الذى خلق السماء.
( فمن نصب الجبال وجعل فيها ما جعل؟ ) نصب الجبال أقامها وأرساها
٤٢

و((ما)) موصولة والجملة بعدها صلة)) والمراد منها ما أودع فى الجبال من معادن وكنوز
ومياه وكائنات وعبروآيات.
( فبالذى خلق السماء ) التحليف ليس لاتهامه صلى الله عليه وسلم وليس لإنكار المحلف
وتكذيبه، وإنما لتأكيد الخبر وتوثيقه اهتماماً به.
( اللَّه ... ؟) بالمد فى جميع المواضع، لأنها همزة الاستفهام الداخلة على ألف لفظ الجلالة، وهو
مرفوع بالابتداء، وجملة ((أرسلك )» خبره.
( نعم) حرف جواب وتصديق)) وفى المغنى: حرف إعلام، إذ لا يصح أن نقول القائل ((آللَّه
أرسلك»؟ صدقت، لأنه إنشاء لا خبر، فهى للإعلام حرف ناب عن جملة، أى أعلمك أن اللَّه أرسلنى.
وهكذا فى أمثاله.
( لئن صدق ليدخلن الجنة ) اللام الأولى موطئة للقسم، والثانية فى جوابه، وجواب الشرط
محذوف لدلالة جواب القسم عليه.
فقه الحديث
تقدم الكثير من أحكام هذا الحديث فى شرح الحديث السابق، ونقتصرهنا على ما لم يسبق له
ذكر، فنقول:
استدل به البخارى على جواز القراءة والعرض على العالم، والعرض عبارة عما يعارض به الطالب
أصل شيخه، معه أو مع غيره بحضرته؛ فإن ضماما قال لرسول اللّه: آلله أمرك بهذا؟ قال: نعم.
فأخبر ضمام قومه بإجازة الرسول # له.
وقد كان بعض السلف لا يعتدون إلا بما سمعوه من ألفاظ المشايخ، لاحتمال سهوهم حين القراءة
عليهم، لكن هذا الرأى انتهى القول به، وأصبح قبول العرض وجوازه محل اتفاق، بل بالغ بعض العلماء
فذهب إلى أن العرض على الشيخ أرفع من السماع من لفظه، واعتلوا بأن الشيخ لوسها فى تحديثه لم
يتهيأ للطالب الرد عليه.
ونقل عن مالك والثورى أنهما سويا بين السماع من العالم والقراءة عليه، وجمهور المحققين فى
علوم الحديث على أن السماع من لفظ الشيخ أرفع رتبة من القراءة عليه، ما لم يعرض عارض يصير
القراءة أولى.
وهذا الذى فهمه البخارى مبنى على أن ضماما كان مسلما قبل قدومه، وأنه جاء يعرض
على النبى ، والدليل على ذلك قوله فى نهاية إحدى الروايات الصحيحة ((آمنت بما
جئت به، وأنا رسول من ورائى من قومى)».
وقال جماعة: لم يكن ضمام مسلما وقت قدومه، وإنما كان إسلامه بعد مراجعته، وأنه جاء
٤٣

مستثبتا من الأخبار التى وصلتهم، وحملوا قوله ((آمنت بما جئت به .. )) على أنه إنشاء وابتداء
إيمان، لا إخبار بإيمان سبق منه. واستدلوا على دعواهم برواية مسلم «زعم رسولك لنا أنك تزعم»
والزعم فى الأصل القول الذى لا يوثق به، كما استدلوا برواية «حتى إذا فرغ قال: أشهد أن لا إله إلا
الله وأن محمدا عبده ورسوله)).
وبناء على أنه قدم مسلما استدل ابن الصلاح بالحديث على ما ذهب إليه أهل السنة
والجماعة من أن العوام المقلدين مؤمنون، وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقادهم الحق جزما
من غير شك وتزلزل، وذلك أنه صلى الله عليه وسلم أقر ضماما على ما اعتمد عليه فى تعرف
رسالته، وصدقه بمجرد إخباره إياه بذلك ولم ينكر عليه، ولم يقل له: يجب عليك معرفة ذلك
بالنظر فى معجزاتى والاستدلال بالأدلة القطعية.
كما بنى على الخلاف فى إسلامه قبل قدومه خلاف فى توجيه سؤاله النبى # باسمه
أو بابن عبد المطلب مع أن اللَّه يقول: ﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ
بَعْضًا﴾ [النور: ٦٣].
فمن قال: إنه لم يكن مسلما قبل قدومه سهل عليه الجواب والتوجيه والاعتذار، لأن الكافر غير
مطالب بهذه الفروع.
وأما الآخرون فقد قالوا: إنه مع إسلامه لم يكن بلغه النهى عن السؤال ولا النهى عن دعاء الرسول
كدعاء الناس، على أن البدو يعذرون فى مثل هذه الأمور؛ لما فيهم من بقية جفاء الأعراب وجهلهم.
وقد اختلف فى سنة قدوم ضمام، فجزم الواقدى بأنه كان سنة خمس من الهجرة، وغلطه الحافظ
ابن حجر مستدلا بوجوه:
أحدها: أن قدومه كان بعد نزول النهى فى القرآن، وآية النهى فى المائدة ونزولها متأخر جدا.
ثانيها: أن إرسال الرسل يدعون إلى الإسلام ابتدأ بعد الحديبية.
ثالثها: أن فى القصة أن قومه أوفدوه، ومعظم الوفود كان بعد فتح مكة.
رابعها: جاء فى حديث ابن عباس أن قومه أطاعوه ودخلوا فى الإسلام بعد رجوعه إليهم، ولم
يدخل بنو سعد فى الإسلام إلا بعد وقعة حنين، وكانت فى شوال سنة ثمان.
ثم قال الحافظ ابن حجر: فالصواب أن قدوم ضمام كان فى سنة تسع.
وقد أخذ صاحب التحرير من حسن سؤال ضمام دليلا على قوة ذاكرته ورصانة عقله وتفكيره، فإنه
أجاد السياق والترتيب، إذ سأل أولا عن صانع المخلوقات من هو؟ ثم أقسم به أن يصدقه فى كونه
رسولا للصانع، ثم لما وقف على رسالته أقسم عليه بحق مرسله أن يؤكد له أمور الإسلام وشرائعه.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
قبول خبر الواحد على أن ضماما كان رسول قومه ودعاهم إلى الإسلام فصدقوه وجواز
الاستخلاف على الأمر المحقق لزيادة التأكيد.
٤٤

(٤) بَاب ما يقرب من الْجَنَّةَ وما يباعد من النار
١١- ١٣ عَنْ أَبِي أَيُوبَ ﴾(١٢) أَنْ أَغْرَائيًّا عَرَضَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﴿ وَهُوَ فِي سَفَرٍ، فَأَخَذَ
بِخِطَامِ نَاقَيِهِ أَوْ بِمَامِهَا، ثُمَّ قَالَ: يَارَسُولَ اللَّهِ - أَوْ يَا مُحَمَّدُ - أَخْبِرْنِي بِمَا يُقَرِّيْنِي مِنَ الْجَنْةِ
وَمَا يُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ. قَالَ: فَكَفَّ النِّيُّلِ﴿هُ ثُمَّ نَظَرَ فِي أَصْحَابِهِ ثُمَّ قَالَ: «لَقَدْ وُلِّقَ أَوْ لَقَدْ
مُدِيَ» قَالَ: «كَيْفَ قُلْتَ؟» قَالَ: فَأَعَادَ، فَقَالَ النّبِيُّ ◌َ﴾: «تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا،
وَتُقِيمُ الصَّلاةَ، وَتُؤِْي الزَّكَاةَ وَتَصِلُ الرَّحِمَ، دَعِ النّقَّةَ».
١٢ - ٣ عَنْ أَبِي أَيُوبَ﴾(١٣) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النّبِيِّ ◌َ بِمِثْلِ هَذَا الْحَدِيث.
١٣ - ٤ٍَّ عَنْ أَبِي أَيُوبَ ﴾(١٤) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ◌َ فَقَالَ: ذُلْنِي عَلَى عَمَلٍ أَعْمَلُهُ
يُدْنِي مِنَّ الْجَنّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنَ النَّارِ. قَالَ «تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ،
وَتُِّي الزَّكَاةَ، وَلَّصِلُ ذَا رَحِمِكَ)». فَلَمَّا أَدْبَرَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴾: « إِنْ تَمَسَّكَ بِمَا أُمِرَ بِهِ
دَخَلَ الْجَنَّةَ». وَفِي رِوَايَةِ ابْنٍ أَبِي شَيْئَةً» إِنْ تَمَسَّكَ بِهِ«.
١٤ - °١٣ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﴾(١٥) أَنَّ أَغْرَائِيًّا جَاءَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ﴿ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ.
ذُلِّي عَلَى عَمَلٍ إِذَا عَمِلْتُهُ دَخَلْتُ الْجَنَّةَ. قَالَ: «تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَتُقِيمُ الصَّلاةَ
الْمَكْتُوبَةَ وَتُؤَدِّي الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ، وَصُومُ رَمَضَانَ». قَالَ: وَالْذِي نَفْسِي بِيّدِهِ لا أَزِيدُ عَلَى
هَذَا شَيْئًا أَبَدًا وَلا أَنْقُصُ مِنْهُ. فَلَمَّا وَلَّى قَالَ النّبِيُّ ◌َ﴾َ: « مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ
الْجَنَّةِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى هَذَا».
المعنى العام
يقول رجل من قيس: وصف لى رسول اللّه ، فطلبته فلقيته بعرفات فتزاحمت عليه، فقيل لي:
إليك عنه، فقال لهم رسول اللَّه * دعوا الرجل، فزاحمتهم عليه حتى خلصت إليه فأخذت بخطام
(١٢) حَدَّثَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنٍ ثُمَيْرٍ حَدَّثََّا أَبِي حَدْقَا عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ حَدْثًَّا مُوسَى بْنُ طَلْحَةَ قَالَ حَدْقَتِي أَبُو أَيُوبَ
(١٣) وحَدَّقِي مُحَمَّدُ بْنُ حَاتِمٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنَ بِشْرٍ قَالا حَدََّا بَهْرٌ حَدَّقَا شَعْبَةُ حَدَثْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ ابْنٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
مَوْهَبٍ وَأَبُوهُ غُفْمَانُ أَنْهُمَا سَمِعَا مُوسَىَ بْنَ طَلْخَةٌ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي أَيُوبٌ
(١٤) حَدَّثَّا يَحْتَى بْنُ يَحَتَى التَّمِيبِيُّ أَخْبُرَنَا أَبُو الْأَخْوَصِ ح وحَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةَ حَدََّا أَبُو الأَخْوَصِ عَنْ أَبِي إِسْحَقَ
عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةً عَنْ أَبِي أَيُّوبَ
(١٥) وحَدَّفِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ إِسْحَقَ حَدْنَا عَفَّانُ حَدََّا وُهَيْبٌ حَدْقَا يَحْتِى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي زُرْعَةً عَنْ أَبِي هُرَيْرَةً
٤٥

ناقته، فما تغير على، قال: ما تريد؟ قلت: يا رسول الله. شيئان أسألك عنهما، أخبرنى بما يقربنى من
الجنة وما يباعدنى من النار.
قال الرجل: فنظر رسول اللَّه إلى السماء، ثم نظر إلى أصحابه، فقال: لقد وفق إلى الخير فى
سؤاله. ثم أقبل على بوجهه فقال: لئن كنت قد أوجزت المقالة لقد أعظمت وطولت. أعد سؤالك، ماذا
قلت؟ قال: قلت: دلنى على عمل إذا عملته دخلت الجنة ونجوت من النار.
قال فاعقل علىَّ، اعبد الله وحده ولا تشرك به شيئا من الأوثان، وأقم الصلاة المكتوبة وأدّ الزكاة
المفروضة، وصم رمضان، وصل رحمك.
قال: فقلت: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذه الأوامر شيئا أبدا، ولا أنقص منها شيئا: قال صلى
اللَّه عليه وسلم: دع الناقة فقد استوفيت.
فترك الرجل الناقة وانصرف.
فلما أدبر قال رسول اللَّه ﴿ لأصحابه: إن تمسك هذا الرجل بما أمربه دخل الجنة، ومن أحب
مسرورا أن يرى رجلا من أهل الجنة يحرص على دخولها ويسعى من أجلها فلينظر إلى هذا.
المباحث العربية
( عرض لرسول الله ) عرض له من باب ضرب وسمع، ظهر عليه وبدا له وتعرض له.
(وهو فى سفر) الجملة حال من ((رسول اللَّه)) وقد بين السفر فى بعض الروايات بأنه كان
سفرحج، وأن تعرض الأعرابى كان فى عرفات.
( فأخذ بخطام ناقته ) الخطام بكسر الخاء حبل من ليف أو شعر أو كتان، يجعل فى أحد
طرفيه حلقة يسلك فيها الطرف الآخر حتى يصير كالحلقة، ثم يقلد البعير، ثم يثنى على مخطمه، فإذا
ضفر من الجلد فهو جرير.
( أوبزمامها ) شك من الراوى، والزمام هو الحبل الدقيق الذى يجعل فى الأنف،
لتقادبه الناقة.
وإنما أمسك بخطام الناقة أو زمامها، ليتمكن من السؤال والجواب من غير مشقة.
( بما يقربنى من الجنة ) أى بالعمل الذى إذا عملته يدنينى من الجنة، والمراد من
التقريب والإدناء من الجنة دخولها، لا مجرد القرب منها، بدليل الرواية الثالثة وفيها ((إذا
عملته دخلت الجنة)».
( وما يباعدنى من النار) لا شك أن ما يقرب من الجنة يباعد من النار، لكن الرجل لم يكتف
بالدلالة الالتزامية لشدة الحرص، فصرح باللازم.
٤٦

( فكف النبى ) أى كف عن المشى بأن توقف واستسلم لإمساك الرجل الزمام، ولم يدفع
ناقته للسير، أوكف عن الكلام، فلم يسرع بالجواب؛ ليلفت نظر الصحابة ويجذب انتباههم اهتماما
بالسؤال وجوابه.
( ثم نظر فى أصحابه ) التعبير بحرف التراخى يشعر بسكتة لطيفة بين سماع السؤال
والنظر، كأنه صلى الله عليه وسلم أطرق مفكرا فى أثر الإسلام فى الأعراب، وكيف نقلهم من الحرص
على الشاة والبعير إلى الحرص على العمل الروحى الموصل إلى النعيم المقيم مستحسنا إيجاز السؤال
مع الاستيفاء.
وإنما نظر صلى الله عليه وسلم فى أصحابه لزيادة جذب انتباههم واستعدادهم لسماع السؤال
والجواب، وكان تعدى ((نظر)) بفى للدلالة على أنه صلى الله عليه وسلم نشر النظر وبثه فى أفرادهم
واحدا واحدا، ولم ينظر إلى مجموعهم نظرة سطحية.
( لقد وفق - أو لقد هدى - ) بالبناء للمجهول، وبأو التى للشك من الراوى فى أى اللفظين
صدر عن الرسول#، ومتعلق التوفيق والهداية محذوف، والتقدير: لقد وفق إلى الخير فى سؤاله، أو
لقد هدى بسؤاله إلى الصواب.
واللام فى ((لقد )» فى جواب قسم مقدر.
(كيف قلت؟) ((كيف)» للسؤال عن الأحوال العامة، لكن الظاهر هنا أنه سؤال عن ذات
السؤال لإعادته، بدليل أن الرجل أعاد، فكان مقتضى الظاهر أن يكون السؤال: ماذا قلت؟ لكنه عدل
عن هذا الظاهر إلى السؤال بكيف، للإشارة إلى الحرص على إعادة السؤال بحالته وهيئته دون تغيير.
والمعنى: على أى حالة قلت قولك وسألت سؤالك؟ ومحل ((كيف)) النصب على الظرفية، وهى وإن لم
تكن مكانا ولا زمانا لكن الظرف يطلق عليها مجازا، لأنها فى تأويل الجار والمجرور قاله ابن مالك.
( فأعاد ) مفعوله محذوف أى فأعاد السؤال.
( تعبد الله لا تشرك به شيئًا) العبادة الطاعة مع الخضوع، فإن كان المراد منها هنا معرفة
الله والإقرار بوحدانيته كان عطف الصلاة والزكاة عليها لإدخالهما فيما يقرب من الجنة، وإن كان
المراد من العبادة الطاعة مطلقا دخلت جميع أمور الدين فيها، ويكون عطف الصلاة والزكاة عليها من
عطف الخاص على العام لمزيد العناية بهذا الخاص.
وعبادة الله عبادة حقه تستلزم عدم الإشراك به شيئا. لكنه صرح باللازم للنهى عما كان عليه
الكفار من عبادة الأوثان لتقربهم إلى الله.
وقد جاءت جملة ((لا تشرك به شيئا)) معطوفة على سابقتها بالواو فى حديث سؤال جبريل، وهى
هنا بدون واو فى جميع الروايات، فموقعها حال من فاعل ((تعبد)» والتقدير: تعبد اللّه غير مشرك به
شيئا، أى تعبد الله موحدا له توحيدا كاملا.
٤٧

( وتقيم الصلاة وتؤدى الزكاة ) فى الرواية الثالثة: ((وتقيم الصلاة المكتوبة وتؤدى الزكاة
المفروضة)) وقد قيل: إن تقييد الصلاة بالمكتوبة لا تباع القرآن فى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا ﴾ [النساء: ١٠٣] وتقييد الزكاة بالمفروضة للاحتراز من صدقة التطوع.
(وتصل الرحم) رحم الإنسان قرابته، وصلتهم مواساتهم والإحسان إليهم، وفى الرواية الثانية
((وتصل ذا رحمك)) فـ ((ذا)) بمعنى صاحب مفعول ((تصل)).
( دع الناقة ) أمر بترك خطام الناقة أو زمامها حيث قد أجيب.
( إن تمسك بما أمربه) جاءت هذه العبارة فى الرواية الثانية، و((ما)) موصولة و((أمر))
مبنى للمجهول و ((به)) جارومجرور، وضبطه بعضهم ((بما أمرته)) بالفعل المبنى للمعلوم وبتاء
الفاعل بدل حرف الجر، قال النووي: وكلاهما صحيح.
فقه الحديث
فى الحديث ستة إشكالات وجوابها:
الأول: لم يذكر الصوم فى الروايتين الأولى والثانية، وذكر فى الرواية الثالثة ولم يذكر فيها صلة
الرحم، فما وجه التوفيق؟
وأجيب بأن اختلاف الأحاديث بالزيادة والنقصان إنما هو من تقصير الرواة واختلافهم فى
الحفظ والضبط، ويدفع العينى اتهام الرواة بالتقصير وضعف الحفظ، ويرجع الاختلاف إلى اجتهاد
الرواة وتحديثهم حسبما يقتضيه المقام باختلاف الموقع واختلاف الزمان، وهو توجيه حسن.
الثانى: لماذا لم يذكر الحج فى جميع روايات هذا الحديث؟
وأجيب باحتمال أن الرسول 8 ذكره واختصر بفعل الرواة.
والصحيح أن الرسول و لم يذكره، لأن الرجل كان حاجا وكان واقفا فى عرفات.
الثالث: اختلفت إجابات الرسول # عن صالح الأعمال وما يقرب من اللَّه، فما وجه
التوفيق بينها؟.
وأجيب بأنه صلى الله عليه وسلم كان يخص بعض السائلين ببعض خصال الخير نظرا لاختلاف
أحوالهم، فكان يأمرهم بما هو المهم بالنسبة إلى كل منهم، إما لمشقة المأمور به عليهم، أولتهاونهم
فى أمره، وكأنه صلى الله عليه وسلم علم بالوحى أن هذا الأعرابى مقصر فى صلة الرحم فأمره بها.
الرابع: كيف ساغ للرسول إلا أن يحكم على هذا الرجل بأنه من أهل الجنة، حيث قال فى الرواية
الثالثة (( من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا »، مع أنه قد لايفى بوعده؟
٤٨

وأجاب النووى بأنه صلى الله عليه وسلم علم بطريق الوحى أنه يوفى بما التزمه وأنه يدوم على
ذلك ويدخل الجنة.
وقيل: إن الكلام فيه قيد ملاحظ، ورد هذا القيد دون المقيد فى الرواية الثانية. والأصل: من سره
أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا إن تمسك بما أمر به.
الخامس: كيف رتب صلى الله عليه وسلم دخول الجنة على فعل المأمور به مع أن دخول الجنة
موقوف كذلك على الكف عن المنهى عنه؟
وأجيب بأنه مقصود طوى للعلم به، وقيل: إن عبادة الله شاملة لفعل المأمورات واجتذاب
المنهيات، فإن تمسك بالعبادة الشاملة لهما دخل الجنة.
السادس: على فرض أن هذا الأعرابى مبشر بالجنة بنص الرواية الثالثة، كيف يوفق بين هذا وبين
ما هو معلوم من أن المبشرين بالجنة عشرة معروفون؟
وأجاب العينى بأن التنصيص على العدد لا ينافى الزيادة، وقد ورد فى حق كثير مثل ذلك، كما
جاء فى الحسن والحسين، وقيل: العشرة بشروا بالجنة دفعة واحدة فلا ينافى المتفرق.
ويؤخذ من الحديث فوق ما تقدم
١- ما كان عليه الأعراب من غلظة وجفاء معاملة لا تليق ومقامه صلى الله عليه وسلم
٢- حلمه صلى الله عليه وسلم وسعة صدره وحسن معاملته.
٣- إشعار المسىء بإساءته رغم العفوعنه وعدم مؤاخذته تقديرا لعذره فقد أمر صلى الله عليه وسلم
الأعرابى بترك الناقة إشعارا له بأنه ما كان ينبغى أن يقع منه ذلك.
٤- تخصيص بعض الأعمال بالحض عليها حسب حال المخاطب.
٥- فيه البشارة والتبشير للمؤمن.
٦- قال القرطبى: فى هذا الحديث دلالة على جواز ترك التطوعات، لكن من داوم على ترك السنن كان
نقصا فى دينه، فإن كان تركها تهاونا بها ورغبة عنها كان ذلك فسقا لورود الوعيد عليه فى قوله
صلى الله عليه وسلم ((من رغب عن سنتي فليس منى)).
وقد كان صدر الصحابة ومن بعدهم يواظبون على السنن مواظبتهم على الفرائض، ولا يفرقون
بينهما فى اغتنام ثوابهما.
وإنما احتاج الفقهاء إلى التفرقة لما يترتب عليها من وجوب الإعادة وتركها، والحكم بالعقاب
عن الترك ونفیه.
ثم قال: ولعل أصحاب هذه القصص كانوا حديثى عهد بالإسلام.
٤٩

( ٥ ) باب إحلال الحلال وتحريم الحرام يدخل الجنة
١٥ - ١٢٦ٍ عَنْ جَابِرٍ﴾(١٦) قَالَ: أَتَى النّبِيِّ:﴿َ النِّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ!
أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَيْتُ الْمَكْتُوبَةَ. وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ. وَأَخْلَلْتُ الْحَلالَ. أَدْخُلُ الْجَنَّةَ؟ فَقَالَ النّبِيِّ
*: «نعَمْ)».
١٦- ١٧ عَنْ جَابِرِ ﴾(١٧) قَالَ: قَالَ النّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ. فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِمِفْلِهِ. وَزَادَ
فِيهِ: وَلَمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا.
١٧ - ثُ عَنْ جَابِرٍ﴾(١٨) أَنَّ رَجُلا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِلَ﴿ فَقَالَ: أَرَأَيْتَ إِذَا صَلَيْتُ الصَّلَّوَاتِ
الْمَكْتُوبَاتِ، وَصُمْتُ رَمَضَانِ، وَأَخْلَلْتُ الْحَلالَ وَحَرَّمْتُ الْحَرَامَ، وَلَّمْ أَزِدْ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا.
أَدْخُلُ الْجَنَّ؟ قَالَ «لَعَمْ» قَالَ: وَاللَّهِ لا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ شَيْئًا.
المعنى العام
كم كان حرص الصحابة على دخول الجنة، وكم كانوا يسألون عن الأسباب المؤدية إليها، وكم
كان حديثو العهد بالإسلام وأهل البداوة منهم خاصة يكتفون من العمل بما يحقق دخول الجنة
ويباعد من النار، لأنهم فهموا أن أقل أهل الجنة منزلا لا يدانيه فى السعادة أعلى أهل الدنيا رفاهية
وعزة، وهم قوم طالما ضربوا فى الأرض، وشقوا أيامهم من أجل راحة ساعة، ومن أجل لقمة خشنة، ولم
يكونوا يصلون إلى ما أملوا إلا بشق النفس.
فكيف بهم وقد وعدوا سررا مرفوعة وأكوابا موضوعة ونمارق مصفوفة وزرابى مبثوثة؟
كيف بهم وقد وعدوا السدر المخضود، والطلح المنضود، والظل الممدود والماء المسكوب، والفاكهة
الكثيرة، غير المقطوعة؟ وغير الممنوعة؟ والفرش المرفوعة؟ والأبكار من الحور العين؟
كيف بهم وقد وعدوا كل ذلك إن هم أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وصاموا شهرا من كل عام؟ وابتعدوا
عن الحرام؟
أفتراهم يطمعون فى أكثر من ذلك؟ إنهم لا يكادون يصدقون لولا إيمانهم بصدق الرسول : إنهم
يرون أن هذه الأعمال لا تصلح مقابلا لذلك النعيم، وأين الثرى من الثريا؟
(١٦) حَدََّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْئَةً وَأَبُوِ كُرَيْبٍ وَالِلَّفْظُ لِأَبِي كُرِّيْبٍ قَالا حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةً عَنِ الأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانِ عَنْ جَايِرٍ
(١٧) وحّدَّثَتِي حَجَّاَجُ بْنَ الشَّاعِرِ وَالْقَاسِمُ بْنَ زَكَرِيَّاءَ قَالَ حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى ◌َعَنْ شَيَْانَ عَنِ الأَعْمَّنِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ
وآبِي سُفْیَائ عَنْ جَابٍ
(١٨) وَخَذْقَتِي سَلَمَةُ بْنُ ثَبِيبٍ حَدْنَا الْحَسَنُ بْنُ أَعْيَنَ حَدْقَا مَعْقِلٌ وَهُوَ ابْنُ غُبَيْدِ اللّهِ عَنْ أَبِي الزُّبْرِ عَنْ جَابِرٍ
٥٠

ولهذا كثر سؤالهم، وكثر السائلون القانعون بما يؤدى إلى دخول الجنة غير الطامعين
فى درجاتها العليا.
ومن هؤلاء النعمان بن قوقل الذى أتى رسول اللَّه لا يقول: يا رسول اللَّه أخبرنى لأزداد إيمانا
ویطمئن قلبی.
هل إذا صليت خمس صلوات فى كل يوم وليلة، وصمت شهر رمضان من كل عام وحافظت على
الحلال، وابتعدت عن الحرام، ولم أزد على ذلك شيئا. أأدخل الجنة؟ قال صلى الله عليه وسلم: نعم
تدخل الجنة.
قال النعمان: واللَّه لا أزيد على ذلك شيئا.
والنعمان وأضرابه ممن حلفوا أن لا يزيدوا، واكتفوا بالواجبات وقنعوا بمجرد دخول الجنة إنما
كان منهم ذلك مؤقتا، وحتى ملأ الإيمان قلوبهم، فكفروا عن أيمانهم، وأتوا الذى هوخير منها،
وسارعوا إلى الخيرات، واستحقوا أعالى درجات الجنات مع النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ
وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَّ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا.
وليس أدل على ذلك من فعل النعمان نفسه الذى وقف يوم أحد - وهو الرجل الأعرج الذى رفع عنه
الجناح، وأعفى من الجهاد - وقف مشهرا سيفه، بائعا نفسه وروحه لربه بالجنة، واندفع نحو
الكافرين يقاتل، وهو ينادى بأعلى صوته: أقسمت عليك يارب أن لاتغيب الشمس حتى أطأ بعرجتى
فى خضر الجنة.
وأبلى بلاء حسنا حتى استشهد. فقال رسول اللّه : ((لقد رأيته يطأ فيها وما به من عرج)).
المباحث العربية
( النعمان بن قوقل ) بقافين مفتوحتين بينهما واو ساكنة. شهد بدرا واستشهد يوم أحد.
( أرأيت ) أى أخبرنى، وهذه الدلالة عن طريق مجازين:
الأول فى الاستفهام الذى هو فى الأصل طلب الفهم، أريد منه مطلق الطلب عن طريق المجاز
المرسل بعلاقة الإطلاق بعد التقييد.
الثانى: فى الرؤية علمية أو بصرية، أريد منها ما يتسبب عنها من إخبار، عن طريق المجاز
المرسل بعلاقة السببية والمسببية، فآل الأمر إلى طلب الإخبار المدلول عليه بكلمة أخبرنى.
( أحللت الحلال ) فى القاموس: أحله الله وحلله إحلالا وتحللا.
والحلال ضد الحرام، مستعار من حل العقدة، وهو ما انتفى عنه حكم التحريم، فيشمل ما يكره وما
لا يكره، وقيل: ما لا يعاقب عليه.
٥١

فقه الحديث
قال الشيخ ابن الصلاح: الظاهر أنه فى قوله ((حرمت الحرام)) أراد به أمرين: أن يعتقده حراما،
وأن لا يفعله، فإن دخول الجنة مرتبط بالأمرين لا بأحدهما، بخلاف قوله ((وأحللت الحلال)) فإنه
يكفى فيه مجرد اعتقاده حلالا.اهـ
وقال الأبى والسنوسى: قوله ((ولم أزد)) يحتمل أن يكون قد اكتفى منه بذلك لقرب عهده
بالإسلام حتى يأنس، ويحرص على الخير، وتسهل عليه الفرائض، ويحتمل أنه قال ذلك، لأنه لم يتفرغ
للنوافل لشغله بالجهاد أو غيره من أعمال البر.اهـ
لكن المحقق فى الحديث يرى أن السؤال لا يتطلب النوافل فى جوابه، لأنه يسأل عن دخول
الجنة بهذه الأعمال، ولا شك أن دخول الجنة مرتبط بتحريم الحرام وإحلال الحلال.
أما السنن فشأنها زيادة الأجر ورفع الدرجات، وعليه فالجواب حكيم.
أما ما قاله الأبى والسنوسى فإنه يصح أن يقال بالنسبة لقوله فى الرواية الثانية ((واللَّه لا أزيد
على ذلك شيئا)» فيقال: كيف أقره صلى الله عليه وسلم على عدم الزيادة؟ وهل فى ذلك تسويغ لترك
السنن دائما؟ فيصلح هنا ما قاله الأبى والسنوسى جوابا، كما بسط الجواب عن هذا السؤال، وعن
الحلف على عدم الزيادة فى الخير فى الحديث الثانى.
وقد أجمعت روايات هذا الحديث على ذكر الصلاة، وجاء فى بعضها صوم رمضان.
فتحمل التى لم تذكره على اقتصار بعض الرواة.
ولم ترد الزكاة إما لأنها لم تكن شرعت بعد، وإما لأنه كان لا يملك النصاب، على أنه يمكن
إدخالها فى عموم تحليل الحلال وتحريم الحرام.
أما الحج فلم يكن شرع قولا واحدا لأنه فرض سنة ست أو تسع، وكان استشهاد النعمان يوم أحد
كما سبق.
والحديث باعتبار ما فيه من تحليل الحلال وتحريم الحرام يعد جامعا لكل وظائف الإيمان، لأنه
كناية عن الوقوف عند حدود الشرع القويم.
والله أعلم
٥٢

(٦) بَاب بَيَان أَرْكَانِ الإِسْلامِ وَدَعَائِمِهِ
١٨ - ١٩ عَنِ ابْنٍ عُمَرَ رَضِى اللَّهِ عَنْهِمًا (١٩) عَنِ النّبِيِّ ◌َإِ قَالَ: « يُِّيَّ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسَةٍ:
عَلَى أَن يُوَخَّدَ اللَّهُ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وَصِيَامٍ رَمَضَانُ وَالْحَجِّ ». فَقَالَ رَجُلٌ: الْحَجُّ
وَصِيَامُ رَمَضَانٌ؟. قَالَ: لا. صِيَامُ رَمَضَانَ وَالْحَجُّ. هَكَذَا سَمِعْتُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﴾.
١٩ - ٣٠ عَنِ ابْنِ عُمَّرَ رَضِى اللَّه عَنْهِمَا (٢٠) عَنِ النِّّفَ قَالَ: «بُنِيَ الإِسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: عَلَى أَن
يُعْبَدَ اللَّهُ وَيُكْفَرَ بِمّا دُولَهُ. وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَلِتَاءِ الزَّكَاةِ، وَحَجِّ الْبَيْتِ، وَصَوْمٍ رَمَضَان».
٢٠ - ٣١ عَن عَبْدِ اللّه بنٍ عُمَرَ رَضِى اللَّه عَنْهِمَا(٢١) قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِعَ: « يُنِيّ الإِسْلامُ
عَلَى خَمْسٍ. شَهَادَةٍ أَنْ لا إِلَّهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيَشَاءٍ
الزَّكَاةِ، وَحَجّ الْبَيْتِ وَصَوْمٍ رَمَضَانَ».
٢١ - ٣٣ عَنِ عِكْرِمَةَ بْنٍ خَالِدٍ(٢٢) يُحَدِّثُ طَاوُسًا؛ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ: أَلا
تَغْزُو؟ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﴿ يَقُولُ: «إِنَّ الإِسْلامَ بُنِيَ عَلَى خَمْسٍ: شَهَادَةِ أَنْ لا
إِلَّ إِلاّ اللَّهُ، وَإِقَامِ الصَّلاةِ، وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ، وَصِيَامٍ رَمَضَانٌ، وَحَجِّ الَْيْتِ».
المعنى العام
قال رجل لابن عمر: ما حملك على أن تحج عاما وتعتمر عاما، وتترك الجهاد؟ والخروج مع
جيوش المسلمين للغزو والفتح ونشر الإسلام؟
وكان ابن عمر يرى أن الجهاد لم يعد فرض عين بعد أن فتحت مكة، وأنه فرض فقط على
المسلمين الذين يلون الكفار، ويقربون منهم، أما من بعد عن منازل الكفار فهو غير مفروض عليهم إلا
أن ينزل العدو فيأمر الإمام بالجهاد.
كان هذا مذهب ابن عمر، فأجاب السائل بما حاصله أن الجهاد ليس بلازم على
(١٩) حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثُمَّيْرِ الْهَمْدَالِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو خَالِدٍ يَعْنِي سُلَّيْمَانُ بْنَ حَيَّانَ الأَحْمَرَ عَنِ أَبِي مَالِكِ الأَشْجَعِيِّ عَنٍ
سَعْدٍ بْنِ عُبَيْدَةً عَنِ ابْنِ عُمَرٌ
(٢٠) وحّدَّثَنَاَ سَهْلُ بْنُ غْمَانَ الْعَسْكَرِيُّ حَدَّقْنَا يَحْتِى بْنُ زَكْرِيَّاءَ حَدََّا سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ قَالَ حَدَّثَتِي سَعْدُ ابْنُ عُبَيْدَةَ السُّلّمِيُّ عَنِ
ابْن ◌ُمّرَ
(٢١) حَدَّثَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدَّنَا أَيي حدثنا عاصم وهو ابن محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر عن أبيه قال: عبد اللّه
(٢٢) وحَّدَُّتِي ابْنُ ثُمَّيْرٍ حَدََّا أَبِي حَدَّقَنَا عَنْظَلَةٌ قَالَ: سَمِعْتُ عِكْرِمَةً
٥٣

الأعيان، فإن الإسلام بنى على خمس ليس الغزو منها، وساق قوله صلى اللّه عليه وسلم:
((بنى الإسلام على خمس ... )).
وفى هذا الحديث يشبه صلى الله عليه وسلم الإسلام بقصر بنى على خمس قوائم ليست
سواء فى قوتها، ولا فى اعتماد البناء عليها، بل فيها دعامة ينبنى عليها ويستقربها وغيرها
مكملات مثبتات كاشفات للقوة والمتانة، محصنات له من المؤثرات، سياج له من
التصدع والتشقق والضعف والانهيار.
فدعامة الإسلام الأولى، وأساسه القويم شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول اللّه وتمامه
بأداء شعائره، وأبرزها المداومة على الصلوات الخمس، كاملة الأركان، مستوفاة الشروط، وطهارة
المال بدفع الزكاة، وطهارة البدن بصوم شهر رمضان، والانصياع التعبدى بحج بيت الله الحرام من
استطاع إليه سبيلا، من حافظ على هذه الشعائر، وحماها بالبعد عما ينافيها من المذكرات فقد أطاع
الله واستحق الجنة، وكان راسخ الإسلام، ومن أضاع منها شيئا فقد عرض إسلامه للتزعزع، والانحلال
المؤدى إلى العذاب الأليم.
المباحث العربية
(بنى الإسلام على خمسة) وفى الروايات الثانية والثالثة والرابعة ((على خمس)) من غير
تاء، ومن المعلوم أنه إذا حذف المعدود جاز تذكير العدد وتأنيثه حسب تقدير المعدود، فإن جاء العدد
مذكرا قدر المعدود لفظاً مؤنثا، وإن جاء العدد مؤنثا قدر المعدود لفظاً مذكرا.
وعلى هذا يقدر لرواية التاء خمسة أركان، أو خمسة أشياء، أو خمسة أصول، أو نحوها ولروايات
حذف التاء خمس خصال، أو خمس دعائم، أو خمس قواعد، أو نحوها.
وقد اعترض على هذه العبارة بأن حديث جبريل، السابق أول كتاب الإيمان، أفاد أن
الإسلام هو نفس الخمس، فكأنه قيل هنا: بنى الإسلام على الإسلام، وهو غير سليم، لأن
المبنى على الشىء غير الشىء.
وأجيب عن هذا الاعتراض بأن لفظ ((على)) بمعنى ((من)) والتقدير: بنى الإسلام وكون من
خمس، ومجموع أجزاء الشىء لا مانع أن تكون هى نفس الشىء.
وفى الحديث استعارة بالكناية بمعنى أنه شبه الإسلام ببيت له دعائم، فحذف المشبه به ورمز
إليه بشىء من لوازمه وهو البناء، ويصح أن يكون من قبيل الاستعارة التمثيلية بمعنى أنه شبه هيئة
الإسلام مع أركانه الخمسة بهيئة خباء أقيم على خمسة أعمدة.
ويصح أن يكون من قبيل الاستعارة التبعية فى (( بنى» بمعنى أنه شبه ثبات الإسلام واستقامته
على هذه الأمور بالبناء، ثم استعار البناء للاستقامة واشتق منه ((بنى)) بمعنى استقام على سبيل
الاستعارة التصريحية التبعية.
٥٤

(على أن يوحد الله) وفى الرواية الثانية ((على أن يعبد اللَّه)) بدل من (خمسة)) بإعادة
حرف الجر، والمراد من العبادة التوحيد بدليل قوله بعد ((ويكفر بما دونه)) وفى الرواية الثالثة
والرابعة ((شهادة أن لا إله إلا الله)) بجر («شهادة)) على البدلية، بدل كل من كل إن قصد المجموع،
وبدل بعض من كل إن قصدت واحدة واحدة مع تقدير الرابط، لأن بدل البعض يحتاج إلى رابط، أى
شهادة أن لا إله إلا اللَّه منها.
قال بعضهم: ويجوز الرفع فى ((شهادة)) على حذف الخبر، والتقدير: منها شهادة أن لا إله إلا
اللَّه، أو على حذف المبتدأ، والتقدير: أحدها شهادة أن لا إله إلا اللَّه.
( وحج البيت ) لم يذكر الاستطاعة هنا لشهرتها.
( ألا تغزو) وردت فى الرواية الرابعة، ومعنى ((ألا)) العرض أو التحضيض، وكلاهما طلب
الشىء، لكن العرض طلب بلين، والتحضيض طلب بحث ((ذكره صاحب المغنى)».
فقه الحديث
جمع مسلم أربع طرق للحديث كلها عن ابن عمر، فى الثانية والثالثة تقديم الحج على
الصوم، وفى الأولى والرابعة تقديم الصوم على الحج، وزادت الأولى إنكارابن عمر على
الرجل الذى قدم الحج على الصوم.
وفى رفع هذا الإشكال قال النووى: الأظهر - والله أعلم - أنه يحتمل أن ابن عمر سمعه من النبى
* مرتين، مرة بتقديم الحج، ومرة بتقديم الصوم، فرواه أيضا على الوجهين فى وقتين، فلما رد عليه
الرجل وقدم الحج قال ابن عمر: لا ترد على ما لا علم لك به ولا تعترض بما لا تعرفه، ولا تقدح فيما لا
تتحققه، بل هو بتقديم الصوم، هكذا سمعته من رسول الله ، وليس فى هذا نفى لسماعه على الوجه
الآخر، قال: ويحتمل أن ابن عمر كان قد سمعه مرتين بالوجهين - كما ذكرنا ثم لما رد عليه الرجل
نسى الوجه الذی رده فأنكره.
ثم قال: فهذان الاحتمالان هما المختاران فى هذا. ثم نقل رأيا لابن الصلاح، حاصله: أن الرواية
التى سمعها ابن عمر من رسول اللَّه إنما كانت بتقديم الصوم على الحج، وهذا الترتيب فى الذكر
موافق للترتيب فى زمن التشريع، فإن الصوم فرض فى السنة الثانية للهجرة، ونزلت فريضة الحج
سنة ست أو تسع، وحافظ ابن عمر على ما سمع وأنكر خلافه، أما رواية تقديم الحج فكأنها وقعت
ممن يرى الرواية بالمعنى.
ويجيب ابن الصلاح عن رواية أبى عوانة الإسفرايينى وفيها (( أن ابن عمر قال للرجل: اجعل
صيام رمضان آخرهن كما سمعت من رسول اللّه#)) يجيب بأنها لا تقاوم ما رواه مسلم. اهـ
ويرد النووى رأى ابن الصلاح بعنف فيقول: هذا الذى قاله الشيخ ابن الصلاح ضعيف من وجهين:
٥٥

أحدهما: أن الروايتين قد ثبتتا فى الصحيح، وهما صحيحتان فى المعنى لا تنافى بينهما كما
قدمنا إيضاحه، فلا يجوز إبطال إحداهما.
الثانى: أن فتح باب احتمال التقديم والتأخير فى مثل هذا قدح فى الرواة والروايات، فإنه لوفتح
ذلك لم يبق لنا وثوق بشىء من الروايات إلا القليل، ولا يخفى بطلان هذا وما يترتب عليه من
المفاسد، ثم يقول عن رواية الإسفرايينى: إنها محتملة الصحة، وتكون القضية قد جرت مرتين
برجلين نبه أحدهما لصحة تقديم الصوم، وطلب من الثانى تأخيره.
والمنصف يرى أن عنف مهاجمة النووى لابن الصلاح لا محل له، فإن ابن الصلاح لم يبطل
روايات الصحيح، وإنما حمل إحداها على اللفظ المسموع والأخرى على المعنى. وهذه الطريقة فى
الجمع بين الأحاديث مقبولة وحسنة، ولا تقدح فى صحة المروى بالمعنى باعتراف النووى نفسه فى
شرحه لمقدمة مسلم.
وإذا كان الإمام مالك قد منع نقل الحديث بالمعنى، فإنما منعه خوف أن يفعله من يجهل
التغيير الذى يحيل المعنى، وليحرض المحدثين على التحرى والدقة عملا بقوله صلى الله عليه وسلم ((
نضر الله امرأ سمع مقالتى فأداها كما سمعها )).
وقد سبق القول بأن جمهور السلف والخلف من أصحاب الحديث والفقه والأصول يجوز رواية
الحديث بالمعنى إذا جزم الراوى بأنه أدى المعنى، قال النووى: وهذا هو الصواب الذى تقتضيه
أحوال الصحابة، فمن بعدهم رضى الله عنهم، فى روايتهم القصة الواحدة بألفاظ مختلفة. اهـ
وفى نهاية المطاف نرى أنفسنا مضطرين إلى الأخذ برأى ابن الصلاح فى أن بعض الروايات هنا
بالمعنى، ليس فى تقديم الصوم وتأخيره فحسب، بل فى كثير من الألفاظ الأخرى فى الحديث.
ففى الرواية الأولى ((على أن يوحد اللَّه)) وفى الثانية ((على أن يعبد اللّه ويكفربما دونه )) وفى
الرابعة ((شهادة أن لا إله إلا اللَّه)) وفى الثالثة ((شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول اللَّه)).
وفى الرواية الأولى ((بنى الإسلام على خمسة)) وفى الثانية والثالثة ((بنى الإسلام على خمس)»
وفى الرابعة ((إن الإسلام بنى على خمس)).
فهل نلتزم فى كل هذا الاختلاف طريق النووى؟ فنقول: إن ابن عمر سمعها كلها من رسول اللّه
* لأن احتمال التقديم والتأخير يقدح فى الرواية ويحول دون الوثوق بشىء من الروايات؟ أو نقول
كما قال ابن الصلاح: إن البعض محمول على اللفظ المسموع والبعض محمول على المعنى؟.
على أن الحافظ ابن حجر ضعف الاحتمالين اللذين اختارهما النووى، وأن ابن عمر
سمع الحديث مرتين بعبارتين فقال: قد وقع عند البخارى فى التفسير بتقديم الصيام على
الزكاة. أفيقال: إن الصحابى سمعه على ثلاثة أوجه؟ هذا مستبعد، وقال عن الاحتمال
الثانى: إن تطرق النسيان إلى الراوى عن الصحابى أولى من تطرقه إلى الصحابى، فتنويع
ألفاظ الحديث دال على أنه روى بالمعنى. اهـ
٥٦

ثم قيل فى وجه الترتيب الذكرى للثلاث الأول: إن الإيمان أصل العبادات، فتعيَّن تقديمه، ثم
الصلاة لأنها عماد الدين، ثم الزكاة لأنها قرينة الصلاة فى القرآن الكريم.
فإن قيل: الأربعة المذكورة مبنية على الشهادتين، إذ لا يصح شىء منها إلا بعد وجودهما، فكيف
يضم مبنى إلى مبنى عليه فى مسمى واحد؟ أجيب بجواز ابتناء أمر على أمر آخر، ودخولهما فى
مسمى واحد، فمثلا: البيت المبنى من خمسة طوابق فإنه لا يصح وجود شىء من الأربعة العلوية إلا
بعد وجود الطابق الأول، ومع ذلك يضم إليها فى مسمى البيت.
فإن قيل: الإسلام هو الشهادتان فقط، لأنه يحكم بإسلام من تلفظ بهما، فلم ذكر
الأربعة بعدهما؟.
أجيب بأن مقصود الحديث بيان كمال الإسلام وتمامه، وهو لا يكون بدون هذه الأمور، فهى أظهر
شعائره وأعظمها، وتركها يشعر بانحلال الانقياد واختلاله.
أما قتل تارك الصلاة عند الشافعى وأحمد فهو قتل حد، لا قتل كفر، وقوله صلى اللّه عليه وسلم (
من ترك صلاة متعمدا فقد كفر)) محمول على الزجر والوعيد، أو مؤول بما إذا تركها مستحلا، أو المراد
كفران النعمة.
فإن قيل: حينئذ يقتضى ظاهر الحديث حصول الإسلام الكامل لمن أتى بهذه الخمس ولو مرة
واحدة، أو داوم عليها ولم يأت بغيرها من الواجبات كصلة الرحم وبر الوالدين ونحوهما.
فالجواب أن هناك أدلة مفصلة لما ذكرهنا إجمالا، كحديث بعث معاذ إلى اليمن، المفيد تكرار
ما يجب تكراره، وكالأحاديث المحددة للواجبات الأخرى، والحديث كما ذكرنا أتى بالأركان المهمة
وبأبرز الشعائر، ووجه الاكتفاء بهذه الخمس أن العبادة إما قولية أو غير قولية، الأول الشهادة. والثانى
إما تركى أو فعلى، الأول الصوم، والثانى إما بدنى أو مالى أو مركب منهما. الأول الصلاة، والثانى
الزكاة، والثالث الحج.
ولم يذكر الجهاد فى أركان الإسلام لأنه فرض كفاية، ولا يتعين إلا فى بعض الأحوال ولهذا أجاب
ابن عمر بهذا الحديث عن سؤاله عن سبب عدم قيامه بالغزو فى الرواية الرابعة.
على أنه جاء فى بعض الروايات ((وإن الجهاد من العمل الحسن)).
وزعم ابن بطال أن هذا الحديث قيل قبل فرض الجهاد، قال الحافظ ابن حجر: وهو خطأ لأن
فرض الجهاد كان قبل بدر، ويدر كانت فى رمضان فى السنة الثانية، وفيها فرض الصيام، وفرضت
الزكاة بعد ذلك، وفرض الحج فى السنة السادسة أو التاسعة كما سبق.
والله أعلم
٥٧

(٧) باب وفد عبد القيس وأمور الإسلام
٢٢- ٣٣ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِى اللَّه عَنْهِمَا)(٢٣)؛ قَالَ: قَدِمَ وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ عَلَى
رَسُولِ اللَّهِفَ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا هَذَا الْحَيَّ مِنْ رَبِيعَةَ، وَقَدْ حَالَتْ بَيْنَا
وَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ، فَلا تَخْلُصُ إِلَيْكَ إِلاَ فِي شَهْرِ الْحَرَامِ. فَمُرْنَا بِأَمْرٍ تَعْمَلُ بِهِ،
وَلَدْعُو إِلَيْهِ مَنْ وَرَاءَنّا. قَالَ: «آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ. وَأَنْهَاكُمْ عَنِ أَرْبَعٍ. الإِيمَانِ بِاللَّهِ (ثُمَّ
فَسَّرَهَا لَهُمْ فَقَالَ) شَهَادَةٍ أَنْ لا إِلَةَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. وَإِقَامِ الصَّلاةِ.
وَإِّاءِ الزَّكَاةِ. وَأَنْ تُؤَدُّوا خُمُسَ مَا غَيِمْتُمْ. وَأَنْهَاكُمْ عَنِ الدَُّاءِ. وَالْحَنْتَمِ. وَالنِّقِيرِ
وَالْمُقْيَِّ ». زَادَ خَلَفٌ فِي رِوَائِهِ «شَهَادَةٍ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ » وَعَقَدَ وَاحِدَةً.
٢٣- ثُّ عَنِ أَبِي جَمْرَةً(٢٤) قَالَ: كُنْتُ أَتَرْجِمُ بَيْنَ يَدَي ابْنِ عَبَّاسٍ، وَبَيْنَ النَّاسِ. فَأَتْهُ امْرَأَةٌ
تَسْأَلُهُ عَنِ نَبِيدٍ الْجَرِ. فَقَالَ: إِنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﴿َ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِع ◌َ«
مَنِ الْوَفْدُ؟» أَوْ «مَنِ الْقَوْمُ؟ » قَالُوا: رَبِيعَةُ. قَالَ «مَرْحَبًا بِالْقَوْمِ. أَوْ بِالْوَقْدِ. غَيْرَ خَزَايَا وَلا
النَّدَامَى». قَالَ: فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا نَأْتِيكَ مِنْ شُقّةٍ بَعِيدَةٍ. وَإِنَّ بَيْنَا وَبَيْنَكَ هَذَا الْحَيَّ
مِنْ كُفَّارٍ مُضْرَ. وَإِنَّا لا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْنِيَكَ إِلا فِي شَهْرِ الْحَرَامِ. فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نُخْبِرْ بِهِ مَنْ
وَرَاءَنَا، لَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ. قَالَ: فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنِ أَرْبَعٍ. قَالَ: أَمَرَهُمْ بِالإِيمَانِ بِاللَّهِ
وَحْدَهُ. وَقَالَ « هَلْ تَدْرُونَ مَا الإِيمَانُ بِاللَّهِ؟» قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ « شَهَادَةُ أَنْ لا
إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنْ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ، وَإِقَامُ الصَّلاةِ. وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ. وَصَوْمُ رَمَضَانَ. وَأَنْ تُؤَدُّوا
خُمُسًا مِنَ الْمَغْثَمِ» وَهَاهُمْ عَنِ الدِّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُؤَفِّتِ. قَالَ شُعْبَةُ: وَرَبَّمَا قَالَ: النِّقِيرِ. قَالَ
شُعْبَةُ: وَرُبَّمَا قَالَ: الْمُقَيَّرِ. وَقَالَ «احْفَظُوهُ وَأَخْبِرُوا بِهِ مِنْ وَرَائِكُمْ» أَبُو بَكْرٍ فِي رِوَايَتِهِ «مَنْ
وَرَاءَكُمْ» وَلَيْسَ رِوَايَتِهِ الْمُقَيِِّ.
٢٤ - ٥ُّ عَنِ أَبِي جَمْرَةَ(٢٥)، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النّبِيِّ :﴿َ بِهَذَا الْحَدِيثِ. نَحْو حَدِيثٍ شُعْبَةً.
وَقَالَ « أَنْهَاكُمْ عَمَّا يُنْبُدُ فِي الدِّبَّاءِ وَالنَّقِيرِ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُؤَفِّتِ» وَزَادَ ابْنُ مُعَاذٍ فِي حَدِيثِهِ عَنِ
(٢٣) حَدََّا خَلَفُ بْنُ هِشَامٍ حَدِّثْنَا حَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ عَنٍ أَبِي جَعْرَةٌ قَالَ سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ح وَحَدًَّا يَحْبَى بْنُ يَحْبَى وَاللَّفْظُ لَهُ
أَخْبَرَنَا عَبَّدُ بْنُ عَبَّادٍ غُنِ أَبِي جَمْرَةً عَنِ ابْنِ عَبَّاسِ
(٢٤) حَدَُّا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْبَةَ وَمُحَمَّدُ بْنَّ الْمُثَنْى ◌ِفَّحَمَّدُ بْنُ بَشَارٍ وَأَلْفَاقُهُمْ مُتْقَارِيَةٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ حَدَّقْنَا غُنْدَرٌّ عَنِ شُعْبَةً و
قَالَ الآخَرَانِ حَدََّا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدََّنَا شَعْبَةُ عِنٍ أَبِي جَمْرَّةٍ
(٢٥) وحَدَِّي عُبَيَكُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ حَدََّا أَبِّي حِ وحَدَّقَا نَصَّرُ بْنُّ عَلِيِّ الْجَهْضَمِيُّ قَالَ أَعْتَرَّبِي أَبِي قَالا جَمِيعًا حَدََّا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ
عَنٍ أَبِي جَمْرَةً
٥٨

أَبِيهِ قَالَ: وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﴿ لِلْأَشَجِّ، أَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ « إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِيُّهُمَا اللَّهُ:
الَّحِلْمُ وَالأَنَاةُ ».
٢٥ - ٣٦ٍ عَنٍ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ﴾(٢٦) فِي حَدِيثِهِ هَذَا: أَنَّ أَنَاسًا مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ قَدِمُوا
عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﴿ فَقَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! إِنَّا حَيٍّ مِنْ رَبِيعَةَ. وَبَيْنَنَا وَبَيْنَكَ كُفَّارُ مُضَرَ. وَلا تَقْدِرُ
عَلَيْكَ إِلا فِي أَشْهُرِ الْحُرُمِ. فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نَأْمُرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنّةَ، إِذَا نَحْنُ أَخَذْنَا بِهِ.
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ﴿ « آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ. وَأَنْهَاكُمْ عَنِ أَرْبَعٍ. اعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا.
وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ، وَآتُوا الزَّكَاةَ. وَصُومُوا رَمَضَانَ. وَأَعْطُوا الْخُمُسَ مِنَ الْغَنَائِمِ. وَأَنْهَاكُمْ عَنٍ
أَرْبَعٍ، عَنِ الدُّاءِ. وَالْحَنْتَمِ. وَالْمُزَفْتِ وَالنَّقِيرٍ». قَالُوا: يَا نَبِيَّ اللَّهِ! مَا عِلْمُكَ بِالنَّقِرِ؟ قَالَ «
بَلَى. جِدْعٌ تَنْقُرُونَهُ. فَتَقْذِفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاءِ» (قَالَ سَعِيدٌ: أَوْ قَالَ « مِنَ التَّمْرِ») ثُمِّ
تَصْبُّونَ فِيهِ مِنَّ الْمَاءِ، حَتَّى إِذَا سَكِنَ غَلَيَانُهُ شَرِثُمُوهُ. حَتَّى إِنَّ أَحَدَكُمْ (أَوْ إِنَّ أَحَدَهُمْ)
لَيَضْرِبُ ابْنَ عَمِّهِ بِالسَّيْفِ». قَالَ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ كَذَلِكَ. قَالَ وَكُنْتُ أَعْبُهَا
حَيَاءٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِلَ﴿ِ. فَقُلْتُ: فَفِيمَ نَشْوَبُ يَا رَسُولَ اللّهِ؟ قَالَ «فِي أَسْقِيَةِ الأَدَمِ الْتِي
يُلاثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا» قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّ أَرْضَفًا كَثِيرَةُ الْجِرْذَانِ. وَلا تَبْقَى بِهَا أَسْقِيَةُ
الأَدَمِ. فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِر ◌َِّ « وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْدَاهُ. وَإِنْ أَكَلِنْهَا الْجِرْذَاتُ. وَإِنْ أَكَلَتْهَا الْجِرْذَاكُ »
قَالَ: وَقَالَ لَبِيُّ اللَّهِ ﴿ لِأَشَجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ « إِنَّ فِيكَ لَخَصْلْتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ)).
٢٦ - ٣٧: عَنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيَِّ﴾(٢٧) أَنَ وَقْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ
* بِمِثْلٍ حَدِيثِ ابْنِ عُلَّةَ. غَيْرَ أَنَّ فِيهِ « وَكَذِيفُونَ فِيهِ مِنَ الْقُطَيْعَاءِ أَوِ التِّمْرِ وَالْمَاءِ» وَلَمْ
يَقُلْ (قَالَ سَعِيدٌ أَوْ قَالَ مِنَ التَّمْرِ).
٢٧ - ٢٨ عَنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﴾(٣٨) أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ لَمَّا أَتَوْا لَبِيَّ اللَّهِ﴿ قَالُوا: يَا
نَبِيَّ اللَّهِ! جَعَلَنَا اللَّهُ فِدَاءَكَ. مَّاذَا يَصْلُحُ لَنَا مِنَ الأَشْرِبَةِ؟ فَقّالَ « لا تَشْرَبُوا فِي النَّقِيرِ » قَالُوا:
(٢٦) حَدََّا يَحْتَى بْنُ أَيُوبَ حَدََّا ابْنُ عُلَيَّةَ حَدََّا سَعِيدُ بْنُ أَبِي عَرُوبَةَ عَنٍ قَتَادَةَ قَالَ حَدْقْنَا مَنْ لَقِيَ الْوَفْدَ الَّذِينَ قَدِمُوا عَلَى
رَسُولِ اللّهِلَّ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ قَالَ سَعِيدٌ وَذَكَّرَ قَتَادَةُ أَبَا قَضْرَةَ عَنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ
(٢٧) حَدَِّي مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنِى وَابْنُ بَشَارٍ قَالا حَدَََّّا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ عَنٍ سَعِيدٍ عَنٍ قَتَادَةً قَالَ حَدَّتِي غَيْرُ وَاحِدٍ لَّقِيَ ذَاكَ الْوَّقْدُ
وَذَكَرَ أَبَا لَضْرَةٌ عَنٍ أَبِي سَعِيدٍ الْخُذْرِيِّ
(٢٨) حَدَّفِي مُحَمَّدُ بْنُ بَّكَّارِ الْبَصْرِيُّ حَدََّا أَبُو عَاصِمٍ عَنِ ابْنٍ جُرَيْجٍ حِ وحَذََّتِي مُحَمَّدُ ابْنُ رَافِعٍ وَاللَّفْظُ لَّهُ حَدََّا عَبْدُ الرَّزَاقِ
أَخْبُرَنَا ابْنُّ جُرَيْجٍ قَالَ أُخْبَرَبِيَ أَبُو قَرَعَةَ أَنَّ أَبَا نَضْرَةَ أَخْيَرَةُ وَحَسَّنَا أَخْبَرَهُمَّا أَنْ أَبَا سَعِيدٍ الْخُذْرِيَّ أَخْبَرَهُ
(ملحوظة) فی عبارة هذا الإسناد مقال کثیر، من أراده فليرجع إلى شرح النووى.
٥٩

◌َا نَبِيَّ اللَّهِ جَعَلْنَا اللَّهُ فِدَاءَكَ. أَوَ قَدْرِي مَا النَّقِيرُ؟ قَالَ «تَعَمْ. الْجِذْعُ يُنْقَرُ وَسَطُهُ. وَلا فِي
الدُّاءِ وَلا فِي الْخَنْتَمَةِ وَعَلَيْكُمْ بِالْمُوكَّى».
المعنى العام
كان منقذ بن حبان من قبيلة عبد القيس رجلا تاجرا، يحمل الملاحف والتمر ليبيعها
بالمدينة المنورة.
فبينا هو قاعد إذ مربه النبى ، فنهض منقذ إليه احتراما وتقديرا فقال له النبي ولا: أمنقذ بن
حبان؟ كيف جميع قومك؟ كيف فلان وفلان وفلان؟ يسأله عن أشراف عبد القيس، ويسميهم
بأسمائهم واحدا واحداً، فوقع الإسلام فى قلب منقذ فأسلم، وتعلم الفاتحة وسورة ﴿اقْرَأُ بِاسْمٍ رَبِّكَ﴾.
ثم رحل، وقد حمله النبى 8# كتابا إلى جماعة عبد القيس، فلما وصل خاف أن يظهر الكتاب، وكتمه
أياما، وأخذ يصلی فی منزله سرا.
ورأت امرأته أنه يقول كلاما ويعمل أعمالا لم تعهدها، فقالت لأبيها - وهو المنذربن عائذ الذى
سماه الرسول # بالأشج فيما بعد - قالت له: أنكرت بعلى منذ قدم من يثرب إنه يغسل أطرافه،
ويستقبل هذه الجهة، فيحنى ظهره مرة، ويضع جبينه مرة، ذلك ديدنه منذ قدم.
فالتقى أبوها بزوجها، وتكلما وتفاهما، فأسلم المنذر، فأراه منقذ كتاب رسول اللّه :# إلى عبد
القيس، فقام المنقذ به إلى قومه، فقرأه عليهم، ورغبهم فى الإسلام فأسلموا، وقرروا السير إلى رسول
اللَّه ◌َ﴿، لينهلوا من نبع نهر الحياة، وليأخذوا قبسا من مصدر النور يضىء لهم الطريق.
ولكن أنى لهم الوصول إلى المدينة؟.
إنهم فى البحرين فى شرق الجزيرة العربية، والمدينة فى غربها، وكفار مضر يسكنون
وسطها، يتعرضون للقوافل، ويقطعون السبيل، ويقتلون ويسلبون، وخصوصا المتوجه إلى
المدينة الراغب فى الإسلام.
وكان الرأى الحكيم أن يحددوا لسفرهم شهر رجب، الشهر الذى تقدسه مضر وتعظمه وتبالغ فى
احترامه أكثر مما تفعل فى بقية الأشهر الحرم، إنهم يلقون فيه السلاح إلقاء كاملا وينصلون فيه
أسنة الرماح، ويسمونه الأصم لأنه لا تسمع فيه قرقرة السلاح؛ وفى رجب من العام الثامن للهجرة،
وقبيل فتح مكة سار الوفد، سار أربعون رجلا، من بينهم أربعة عشر أو سبعة عشر من سادات عبد
القيس وأشرافها وفرسانها ركبانا والباقون مشاة، حتى قاربوا المدينة.
وألقى فى روع رسول اللَّه* قدومهم، فقال لجلسائه، سيطلع عليكم من هذا الوجه ركب هم خير
أهل المشرق، غير ناكثين ولا مبدلين ولا مرتابين، فقام عمر طه فاستقبلهم على أبواب المدينة
فرحب وقرب، وقال: من القوم؟ فقالوا: وفد عبد القيس، فصحبهم إلى رسول اللَّهِ﴾، فتلقاهم
٦٠