النص المفهرس
صفحات 21-40
( ما المسئول عنها بأعلم من السائل ) أى لا علم لى ولا لك ولا لأحد بها، وكان هذا هو أصل
ما يقال، لكنه عدل إلى المذكور؛ ليعم كل سائل ومسئول ، بمعنى أن كل مسئول عن وقت الساعة
لايزيد فى العلم بها عن السائل، وقد اعترض على هذا التعبير بأنه لاينفى العلم بالساعة ، لأن نفى
الأفضلية فى شىء لا يستلزم نفى الشىء، فالعبارة تنفى أفضلية الرسول# وزيادته فى علم الساعة
عن جبريل ، ولا تنفى مساواتهما فى العلم، وأجيب بأن نفى الأفضلية فى العلم يحتمل المساواة فى
العلم ويحتمل المساواة فى الجهل ، ويحدد أحد الاحتمالين بقرينة، فلما قال ((فى خمس لا يعلمهن
إلا الله)) كما فى رواية أبى هريرة تعين الاحتمال الثانى، وقيل إن المراد إفادة التساوى فى العلم بأن
اللَّه استأثر بعلمها.
( فأخبرنى عن أمارتها ) الأمارة بفتح الهمزة هى العلامة والقرينة الدالة على قربها.
( أن تلد الأمة ريتها ) الرب: المالك، والمقصود بالربة: النسمة المالكة فيشمل الذكر
والأنثى، وفى المراد منه أقوال كثيرة أهمها: أنه كناية عن كثرة أولاد السرارى ، فإن ولد الأم من
سيدها بمنزلة سيدها، لأن مال الإنسان صائر إلى ولده ، ولا شك أنها مال لأبيه ، وقد يتصرف الولد
فى مال أبيه فى حياته تصرف المالكين بإذنه. وهذا القول ضعيف ، لأن هذه الأمارة كانت موجودة
بكثرة فى عهده صلى الله عليه وسلم، وضعفت بل ندرت فى هذه الأيام، وقيل: كناية عن فساد الحال
لكثرة بيع أمهات الأولاد ، فيتداولهن المالكون فيشترى الرجل أمه وهو لا يشعر.
وضعف هذا القول من ضعف سابقه. وقيل : كناية عن كثرة الفتوحات والسبى ، وقيل : كناية عن
أن الإماء يلدن الملوك ، لأن أمه حينئذ تكون من رعيته وهو سيدها وسيد غيرها من رعيته. وخير ما
قيل : إنه كناية عن كثرة العقوق حتى يصير الولد لقلة بره بأمه كأنه مولاها كما جاء فى رواية ((
ويكون الولد غيظا)» أو أنه كناية عن رفع الأسافل، ويزكيه حديث ((لا تقوم الساعة حتى يكون أسعد
الناس بالدنيا لكع ابن لك» وقد ورد فى بعض الروايات ((أن تلد الأمة بعلها)» والصحيح فى معناه
أن المراد بالبعل المالك أو السيد فيكون بمعنى الرب.
( وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء) ((الحفاة)) جمع حاف وهو الذى لا نعل له
و(«العراة)) جمع عار وهو الذى لا شىء عليه، و((العالة)) الفقراء من عال الرجل يعيل عيلة إذا افتقر،
و((رعاء الشاء)) بكسر الراء آخره همزة هم الرعاة بالراء المضمومة مع هاء التأنيث وخص أهل الشاة
بالذكر لأنهم أضعف أهل البادية.
( يتطاولون فى البنيان ) أى يتنافسون فى رفع البناء ، ويتفاخرون ويتبارون ، والخطاب فى
((ترى)) لكل من تأتى له الخطاب ، والمراد من الرؤية العلم ليدخل الأعمى، والأمارة فى الحقيقة
التطاول لارؤيته ، والقصد من هذه الأمارة تبدل الحال أيضا.
( فلبث مليا) بضمير الفاعل الغائب للرسول ، وفى كثير من الأصول المحققة ((فلبثت))
٢١
بتاء المتكلم . عمر بن الخطاب - وكلاهما صحيح و((مليا)) بتشديد الياء أى زمنًا طويلاً من الملاوة
وهى القطعة من الدهر وقد فسر هذا الزمن الطويل فى رواية أبى داود بثلاث ليال.
( أتدرى من السائل؟) ((من)) الاستفهامية خبر مقدم لصدارته، والسائل مبتدأ مؤخر
وجملة الاستفهام علقت ((تدرى)» عن العمل.
(اللَّه ورسوله أعلم) قيل: إن ((أعلم)) على بابها، لأن تعجبهم من حال الرجل أدخل فى
نفوسهم أنه جنى أو ملك ، وهذا كاف فى الشركة فى العلم.
( فإنه جبريل) الفاء فى جواب شرط مقدر أى أما إن صرفتم العلم إلى الله ورسوله فإنه
جبريل. و((جبريل» لفظ سريانى معناه عبد الرحمن أو عبد العزيز فيما ذكر ابن عباس.
( أتاكم يعلمكم دينكم ) إسناد التعليم إلى جبريل مجاز، لأنه السبب فى الجواب، وجملة («
أتاكم)) خبر بعد خبر، وجملة ((يعلمكم)) حالية.
الطريق الثانى
( أنكرنا ذلك ) أى أنكرنا كلامه فی نفی القدر.
(فحججت ... حجة) ((حجة)) بكسر الحاء وفتحها، وهذا لا يتنافى مع الرواية السابقة فى
أنه كان قارنا، لأن القارن حاج ، والاتصاف بأحد الوصفين لا ينافى الاتصاف بهما.
الطريق الثالث
( بارزا للناس) أى ظاهرًا ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَرَرُوا للَّه جَمِيعًا﴾ [إبراهيم ٢١]، وفى كيفية
وسبب بروزه صلى الله عليه وسلم روى البزار ((كان النبى { يجلس بين ظهراني أصحابه فيجىء
الغريب فلا يدرى أهوهو؟ حتى يسأل فطلبنا لرسول اللَّه أن نجعل له مجلسًا كى يعرفه الغريب
فبنينا له دكانا من طين يجلس عليه)»، أى دكة مرتفعة عن الأرض.
(ما الإيمان) ((ما)) اسم استفهام خبر مقدم، و((الإيمان)) مبتدأ مؤخر، وفى هذه الرواية
قدم السؤال عن الإيمان ، وعلله الحافظ ابن حجر بأنه الأصل ، وعلل تقديم السؤال عن الإسلام فى
الرواية السابقة بأنه بدأ بالأمر الظاهر ثم ترقى؛ ثم قال : ولاشك أن القصة واحدة ، اختلف الرواة فى
تأديتها ، وليس فى السياق ترتيب ، والواقع أمر واحد، والتقديم والتأخير من الرواة.
(ولقائه) ليس المراد من اللقاء رؤية الله تعالى، لأنه لا يقطع أحد لنفسه برؤية اللّه تعالى،
لأنه لا يدرى بماذا يختم له ، والرؤية خاصة بالمؤمنين.
( والبعث الآخر) فى الجمع بين لقاء اللَّه والبعث الآخر قالوا: اللقاء ما يكون بعد البعث عند
الحساب ويجمعهما اليوم الآخر.
٢٢
وفى وصف البعث بالآخر قيل: إنه للتأكيد والمبالغة فى البيان والإيضاح لشدة الاهتمام
به، كقولهم أمس الذاهب لا يعود ، وقيل : لأن خروج الإنسان إلى الدنيا بعث من الأرحام ،
وخروجه من القبر إلى الحشر هو البعث الآخر، والراجح الأول لأنه لم يعهد شرعاً إطلاق
البعث على الخروج من الأرحام.
( الإسلام أن تعبد الله ولا تشرك به شيئا ) العبادة الطاعة مع الخضوع فإن كان المراد
منها هنا معرفة الله والإقرار بوحدانيته - وهو الظاهر لموافقته الرواية السابقة - كان عطف الصلاة
والصوم والزكاة عليها لإدخالها فى الإسلام حيث لم تدخل فى العبادة ويكون اقتصاره عليها من بين
أركان الإسلام لكونها أظهر شعائره ، أو هذا من قبيل اقتصار بعض الرواة.
وإن كان المراد من العبادة الطاعة مطلقا دخلت جميع وظائف الإسلام فيها ويكون ذكر الصلاة
والزكاة والصوم بعدها من ذكر الخاص بعد العام تنبيها على شرفه ومزيته.
وفائدة ذكر ((ولا تشرك به شيئا)) بعد العبادة النهى عما كان عليه الكفار الذين كانوا يعبدونه فى
الصورة ويعبدون معه أوثانا يزعمون أنها شركاء.
(وتقيم الصلاة المكتوبة ) تقييد الصلاة بالمكتوبة اتباعا لقوله تعالى: ﴿إِنَّالصَّلاةَ كَانَتْ
عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾ [النساء: ١٠٣] وقيل: إن هذا القيد لإرادة الفرض منها.
( وتؤدى الزكاة المفروضة ) تقييد الزكاة بالمفروضة قيل : للاحتراز عن صدقة التطوع، وقيل:
لأنها مقدرة النصاب والقدر المخرج ، والفرض معناه التقدير، وقيل : المكتوبة والمفروضة بمعنى
واحد والمغايرة بينهما للتفنن كراهة تكرير اللفظ.
( فإنك إن لا تراه فإنه يراك) ((إن)) حرف شرط و((لا)) نافية و((تراه)) فعل الشرط
مجزوم ، ولم تحذف الألف للجزم على غير قياس ، والأولى أن يكون من قبيل حذف كان واسمها وهو
مشهور بعد ((إن)) و((لو)) والتقدير: فإنك إن تكن لا تراه فإنه يراك.
( ولكن سأحدثك عن أشراطها ) جمع شرط بفتح الشين والراء والأشراط العلامات، وقيل :
مقدماتها وقيل : صغار أمورها قبل تمامها. قال النووى : وكله متقارب. وظاهر هذه الرواية أن الرسول
* تطوع بإخبار جبريل عن أشراط الساعة من غير أن يطلبها بخلاف الرواية السابقة التى فيها :
قال: فأخبرنى عن أمارتها. وجمع الحافظ ابن حجر بينهما بأنه ابتدأ بقوله «سأخبرك عن أشراطها
)) فقال له السائل: فأخبرنى، ويدل على ذلك رواية ((ولكن إن شئت نبأتك عن أشراطها. قال أجل))
ويستفاد من اختلاف الروايات أن المراد من التحديث والإخبار والإنباء واحد.
( وإذا كانت العراة الحفاة رءوس الناس) وفى الرواية الآتية ((وإذا رأيت الحفاة العراة
الصم البكم ملوك الأرض)» وكل ذلك كناية عن تبدل الحال ورفع الأسافل ، مصداقًا لقوله صلى اللَّه
عليه وسلم ((إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة)) والصم البكم كناية عن عدم استعمال
حواسهم فى شىء من أمور دينهم وإن كانت حواسهم سليمة فكأنهم عدموها لعدم الانتفاع بها.
٢٣
( وإذا تطاول رعاء البهم ) ((رعاء)) بكسر الراء و((البهم)) بفتح الباء وإسكان الهاء الصغار
من أولاد الغنم، وأصله كل ما استبهم عن الكلام، وفى رواية البخارى ((رعاء الإبل البهم)).
( فى خمس) خبر مبتدأ محذوف والتقدير: علم وقت الساعة داخل فى جملة خمس وليس فى
الحديث ما يفيد حصر الغيب فى هذه الخمس ، اللَّهم إلا أن يقال : إن الاقتصار فى مقام البيان يشعر
بالحصر، يعزز هذا ما جاء عن ابن مسعود قال: أوتى نبيكم علم كل شىء سوى هذه الخمس ، وما
أخرجه حميد بن زنجويه عن الصحابة أنه ذكر العلم بوقت الكسوف قبل ظهوره فأنكر عليه، فقال :
إنما الغيب خمس وتلا هذه الآية ، وقال ما عدا ذلك غيب يعلمه قوم ويجهله قوم ، والتحقيق أن هناك
غيبًا غير هذه الخمس لا يعلمه إلا الله، وفى اللوح المحفوظ كثير من تفصيل ما كان وما يكون لا
يعلمه أحد من المخلوقات ويحمل ما جاء عن ابن مسعود على العلم الإجمالى.
( لا يعلمهن إلا اللَّه) قصر صفة على موصوف حقيقى، وليس فى الآية قصر كما
فى الحديث، قال الطيبى: إن الفعل إذا كان عظيم الخطر وما ينبنى عليه الفعل رفيع الشأن
فهم منه الحصر على سبيل الكناية ولا سيما إذا لوحظ ما ذكر فى أسباب النزول من أن
العرب كانوا يدعون علم نزول الغيث.
والذى استأثر اللَّه بعلمه إنما هو علم الغيب، أما ظن الغيب وما يبنى على قواعد وعادات كالتنبؤ
بالأحوال الجوية وما يقوله المنجمون والحساب فإنه قد يتخلف ، وليس فى الشرع ما يدل على منعه.
( ويعلم ما فى الأرحام ) بجميع صفاته وأحواله فلا ينافى علم بعض الصفات
بالطرق العلمية الحديثة.
فقه الحديث
من يقارن بين الروايات يجد بينها اختلافًا كثيرًا بالزيادة والنقص تارة ، وبالتقديم والتأخير تارة
أخرى ، وبإبدال لفظ بلفظ تارة ثالثة ، ولا خلاف فى أنها جميعها فى قصة واحدة. واختلاف
الروايات فى الواقعة الواحدة كثير فى الأحاديث الصحيحة ، ويحمل الاختلاف بالزيادة والنقصان
على أن بعض الرواة حفظ ما لم يحفظ الآخر، وكل أدى ما حفظ. وزيادة الثقة مقبولة على أصح
الأقوال عند علماء الحديث. ويحمل الاختلاف بالتقديم والتأخير أو بإبدال لفظ بلفظ على الرواية
بالمعنى ، وقد قال الإمام النووى فى شرح مقدمة مسلم : إن جمهور السلف والخلف من أصحاب
الحديث والفقه والأصول يجوز رواية الحديث بالمعنى إذا جزم الراوى بأنه أدى المعنى ، قال النووى،
وهذا هو الصواب الذى تقتضيه أحوال الصحابة فمن بعدهم رضى الله عنهم فى روايتهم القضية
الواحدة بألفاظ مختلفة.اهـ
ويمكن حصر الموضوع من رواياته المذكورة فى النقاط التالية :
٢٤
١- مذهب القدرية وشبهتهم والرد عليهم وحكم القائل بمذهبهم.
٢ - أحوال نزول جبريل على الرسول : والسبب فى مجيئه فى هذه القصة.
٣- حقيقة كل من الإيمان والإسلام والنسبة بينهما.
٤ - حقيقة الإحسان ومراتبه.
٥ - الكلام عن الساعة.
٦ - الأحكام المستفادة من الحديث.
١- أما عن النقطة الأولى فإن مذهب معبد الجهنى ومتابعيه أن اللَّه تعالى لم يقدر الأشياء أزلا،
ولم يتقدم علمه بها ، وإنما يعلمها سبحانه بعد وقوعها.
وشبهتهم أنه تعالى لوكان عالما بالتكذيب لكان فى إرساله الرسل عابثا.
ويرد عليهم بأن فى الإرسال إزالة لعذر المكذبين وإلزامًا لهم وإثابة للداعين، ثم إنه
يكفى فى حكمة الإرسال إيمان من آمن ، على أن الجهل بالحكمة لا يستلزم عدمها المؤدى
إلى العبث ((تعالى اللَّه عن قولهم علوًا كبيرًا)).
ومن التنبيهات الظاهرة الدافعة لزعمهم أن الله تعالى موجد الكائنات بلا منازع ولا
يتأتى الإيجاد بدون سبق العلم.
والذى قاله ابن عمر ظاهر فى تكفيره القدرية ، لأنه حكم بعدم قبول نفقاتهم والأعمال يحبطها
الكفر، ثم استدل بحديث جبريل وفيه أن الإيمان بالقدر جزء من الإيمان ، والشىء ينتفى بانتفاء
جزئه غالبًا.
قال القاضى عياض : هذا فى القدرية الأولى الذين نفوا تقدم علم اللَّه تعالى بالكائنات ثم قال :
والقائل بهذا كافر بلا خلاف ، اهـ
ودعوى القاضى عياض عدم الخلاف فى كفرهم مردودة ، فإن تكفيرهم أحد رأيين ، والآخر أنهم
عاصون لم يخرجوا من الملة ، وإليه مال الإمام النووى حيث نقل عن بعض العلماء قولهم : ويجوز أن
ابن عمر لم يرد بهذا الكلام التكفير المخرج عن الملة فيكون من قبيل كفران النعم، إلا أن قوله « ما
قبله اللَّه منه)) ظاهر فى التكفير، فإن إحباط الأعمال إنما يكون بالكفر، إلا أنه يجوز أن يقال فى
المسلم : لا يقبل اللَّه عمله لمعصيته وإن كان عمله صحيحاً، كما أن الصلاة فى الدار المغصوبة
صحيحة غير محوجة إلى القضاء عند جماهير العلماء بل بإجماع السلف ، وهى غير مقبولة فلا ثواب
فيها على المختار عند أصحابنا.
والآمدى وبعض العلماء عمموا هذا الخلاف فى كل ذى هوى من أهل القبلة ، والذى
تستريح إليه النفس هو ما ذهب إليه القاضى عياض، لأن نسبة الجهل إلى اللَّه تتنافى مع
الإيمان بصفة من صفات اللّه تعالى وهى العلم.
٢٥
وقد انقرض القدرية الزاعمون هذا الزعم انقراضًا كليًّا، لكن العلماء يطلقون لفظ القدرية فى
العصور المتأخرة على الجهمية الذين يقولون بحدوث العلم، بمعنى أن اللَّه تعالى إذا أراد إيجاد
شىء أحدث لنفسه علما قبل إيجاده ذلك بزمان ، فهم يتفقون مع القدرية السابقين فى حدوث العلم،
وإن اختلفوا فى تقديم العلم على الوقوع وتأخره عنه.
كما يطلق العلماء لفظ القدرية أيضًا على المعتزلة لأنهم يقولون : إن العبد يخلق أفعاله
الاختيارية ، والخير من الله والشر من غيره. فهم ينفون القدر فى بعض الأمور.
وقد ورد فى الحديث قوله : ((القدرية مجوس هذه الأمة)) رواه أبوحازم عن ابن عمر عن رسول
اللَّه* وأخرجه أبو داود فى سننه والحاكم فى المستدرك على الصحيحين وقال صحيح على شرط
الشيخين إن صح سماع أبى حازم عن ابن عمر، ويرى أهل السنة أن هذا الحديث عنى به القدرية
الأولين كما عنى به المعتزلة. قال الخطابى فى حمل الحديث على المعتزلة: إنما جعلهم * مجوساً
لمضاهاة مذهبهم مذهب المجوس فى قولهم بالأصلين النور والظلمة يزعمون أن الخير من فعل النور
والشر من فعل الظلمة ، فصاروا ثنوية ، وكذلك القدرية يضيفون الخير إلى الله تعالى والشر إلى غيره ،
واللَّه تعالى خالق الخير والشرجميعًا لا يكون شىء منهما إلا بمشيئته، فهما مضافان إليه سبحانه
وتعالى خلقًا وإيجادًا وإلى الفاعلين لهما من عباده فعلا وانتسابًا.
ويحاول المعتزلة دفع كونهم مقصودين بهذا الحديث فيقولون : إن القدرية المذمومين الذين
عناهم الحديث إنما هم القدرية الأولون ، ويغالط بعضهم فيقول : لسنا بقدرية ، وإنما القدرية هم
الأشاعرة لاعتقادهم إثبات القدر، وإنما ينسب إلى الشىء من يثبته ، وليس الذى ينفيه ، وقد رد إمام
الحرمين وابن قتيبة هذه المغالطة بأن أهل الحق يفوضون أمورهم إلى اللَّه ويضيفون القدر والأفعال
إلى الله سبحانه وتعالى، وهؤلاء الجهلة يضيفونه إلى أنفسهم ومدعى الشىء لنفسه ومضيفه إليها
أولى بأن ينسب إليه ممن يعتقده لغيره وينفيه عن نفسه.
ومذهب أهل الحق إثبات القدر، ومعناه أن اللَّه تبارك وتعالى قدر الأشياء فى القدم وعلم أنها
ستقع فى أوقات معلومة عنده سبحانه وتعالى وعلى صفات مخصوصة ، فهى تقع على حسب ما
قدرها سبحانه وتعالى.
قال الخطابي : وقد يحسب كثير من الناس أن معنى القضاء والقدر إجبار اللَّه تعالى العبد وقهره
على ما قدره وقضاه ، وليس الأمر كما يتوهمونه، وإنما معناه الإخبار عن تقدم علم اللّه سبحانه
وتعالى بما يكون من اكتساب العبد وصدور أفعاله عن تقدير منه سبحانه وخلق لها خيرها وشرها.
٢- وأما عن النقطة الثانية فإن الذى يؤخذ من الأحاديث أن جبريل عليه السلام كان ينزل على
رسول اللَّه فى صور وأحوال مختلفة:
فأحياناً كان يأتى مثل صلصلة الجرس ، أى بصوت متدارك ، قيل إنه حفيف أجنحة الملائكة ،
يسمعه صلى الله عليه وسلم حتى يتهيأ للوحى، ويتفرغ له عما يشغله، وكان الصحابة أحيانًا
٢٦
يشعرون بدوى كدوي النحل، كما جاء ذلك فى رواية لعمر بن الخطاب ه، وفى هذه الحالة لا يراه
صلى الله عليه وسلم بل يثقل عليه الأمر ويشتد، ويأخذه ما يشبه الحمى، ويتفصد جبينه عرقا فى
اليوم الشديد البرد، فينفصم الوحى عن النبى 8# وقد وعى كل ما قال، وتلك الحالة أشد حالات
الوحى وأصعبها.
وأحيانًا كان ينزل جبريل ويتراءى للنبى 8# فى صورته الحقيقية التى خلقه الله عليها،
فيسد الأفق، ونزوله بهذه الكيفية قد ندرحتى قيل: لم يره صلى الله عليه وسلم بهذه الصورة
إلا مرة أو مرتين.
وأحيانًا كان يتمثل جبريل بصورة دحية الكلبى الصحابى المشهور بحسن صورته.
وأحيانًا كان يتمثل جبريل بصورة رجل غريب.
والحالة التى معنا من نوع نزوله عليه السلام فى صورة رجل غير معروف ، وسبب هذا النزول أن
الصحابة كانوا قد أكثروا السؤال ، واستشعر صلى الله عليه وسلم أن فيهم من يسأل تعنتا، فغضب
حتى احمر وجهه، وأنزل اللَّه تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤُكُمْ﴾
[المائدة: ١٠١] فانكف الناس عن السؤال ؛ وكانوا يتمنون أن يأتى الرجل من البادية فيسأل فأرسل
اللَّه جبريل عليه السلام فسأل ليعلموا ، ولا يقال: لِمَ لَمْ يسلم جبريل؟ وكيف تخطى الصحابة حتى
وصل إلى جوار النبى ؟ فقد ثبت أنه سلم واستأذن فى التخطى والدنو ولكن لم ينقله الرواة فى
أحاديثنا، فقد جاء فى رواية البزار(( ... فإنا لجلوس عنده إذ أقبل رجل أحسن الناس وجهًا وأطيبهم
ريحًا، كأن ثيابه لم يمسها دنس حتى سلم من طرف البساط وقال: السلام عليك يا محمد، أأدنو؟
قال: ادنه، فمازال يقول: أأدنو؟ ورسول اللَّه: # يقول: ادنه، حتى وضع يديه على ركبتى رسول
اللَّهِ﴾)).
والظاهر أن الرسول# لم يعرف جبريل فى الحال، أخذاً من قوله ((ردوا على الرجل)» وقيل:
يجوز أن يكون قد عرفه فى الحال وأخفى ذلك على الحاضرين ، لكن هذا القول ضعيف لما جاء فى
رواية البخارى من قوله صلى الله عليه وسلم «أتاكم يعلمكم دينكم وما أتى فى صورة إلا عرفته فيها
إلا هذه)) وفى رواية: ((فو الذى نفسى بيده ما شبه على منذ أتانى قبل مرتى هذه وما عرفته
حتى ولى».
وظاهر رواية أبى هريرة أن رسول اللَّه # أوضح للصحابة أن السائل هو جبريل فى نفس المجلس
بعد أن حاولوا رده فلم يجدوه ، ويعارض هذا ما جاء فى رواية عمر بن الخطاب عند أبى داود
والترمذى من أن الرسول # قال لعمر: أتدرى من السائل؟ قال له ذلك بعد ثلاث ليال من سؤال
جبريل، وجمع بينهما بأن عمر لم يحضر قول النبى 18# فى الحال، بل كان قد قام من المجلس ولم
يرجع فأخبر النبي # الحاضرين فى الحال وأخبر عمر بعد ثلاث، فإن قيل: إن النبى # قاطع
بأن عمر لا يعلمه فكيف يسأله («أتدرى من السائل)»؟ أجيب بأنه فعل ذلك ليشتد اشتياق عمر
للجواب لأهميته.
٢٧
٣- وأما عن النقطة الثالثة فقد اختلف العلماء فى الحقيقة الشرعية لكل من الإيمان والإسلام ،
وفى زيادة الإيمان ونقصه ، وفى العلاقة بين الإيمان والإسلام ، وقد بلغ بهم الخلاف والتشعب فى هذا
الموضوع أن ألف بعض الفضلاء فيه كتابًا مستفيضًا، ولما كان هدفنا فى هذا المقام هو شرح
الأحاديث والجمع بينها فإننا سنقتصر على صفوة القول وخلاصته مع التوفية والإيضاح وباللّه
التوفيق.
أولاً: زعمت الكرامية وبعض المرجئة أن الإيمان هو الإقرار باللسان دون عقد القلب وتصديقه
تعلقًا بقوله صلى الله عليه وسلم «أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها
عصموا منى دماءهم وأموالهم» وهذا الزعم واضح البطلان ، فقد أجمعت الأمة على أن المنافقين
كفار، وإن كانوا قد أعلنوا الشهادتين بألسنتهم بدليل قوله تعالى: ﴿ وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ
أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّه وَرَسُولِهِ ﴾ [ التوبة: ٨٤].
ثانيًا : زعم الخوارج أن أهل المعاصى كفار، وإن صدقوا بقلوبهم وأقروا بألسنتهم.
وزعم المعتزلة أن أهل المعاصى ليسوا مؤمنين وإن صدقوا بقلوبهم وأقروا بألسنتهم، كما أنهم
ليسوا كفارًا، وإن استحقوا الخلود في النار، فكل من الفريقين ينفى الإيمان عن أهل المعاصى
وشبهتهم قوله صلى الله عليه وسلم: ((لايزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن ... )) الخ الحديث، وحكم
القرآن على بعض العصاة بالخلود فى النار كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمْ
خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ٩٣]. وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّه وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُنْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا
فِيهَا﴾ [النساء: ١٤] وهذا الزعم من الفريقين باطل لمعارضته الآيات الكثيرة والأحاديث البالغة فى
موضوعها حد التواتر، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾
[الحجرات: ٩] فقد أثبت لهم وصف الإيمان مع معصية الاقتتال، وكحديث أبى ذر ((ما من عبد قال لا
إله إلا اللَّه ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة)) قلت: وإن زنى وإن سرق؟ قال صلى الله عليه وسلم
وإن زنى وإن سرق .. الحديث ونفى الإيمان عن الزانى محمول على نفى كمال الإيمان ، والخلود فى
الآيتين محمول على المكث الطويل جمعاً بين النصوص.
ثالثًا: لأهل السنة والجماعة ثلاثة أقوال مشهورة فى حقيقة الإيمان شرعًا، فأكثر
المتكلمين على أن الإيمان اسم للتصديق فقط، أى تصديق النبى 8 فى كل ما علم مجيئه
به بالضرورة تصديقًا جازمًا.
وبعض العلماء على أن الإيمان اسم للتصديق والنطق.
وأكثر السلف على أن الإيمان اسم للتصديق والنطق والعمل.
وقد جمع بعض العلماء بين الأقوال الثلاثة ، فقال : إن السلف لا يعنون بقولهم إنه التصديق
والعمل أن العمل جزء من الإيمان بحيث ينعدم الإيمان بانعدام العمل ، لإجماعهم على أن العاصى
بترك بعض الواجبات هو مؤمن ، فإضافتهم العمل إلى الإيمان بناء على هذا إضافة كمال ، فالمصدق
٢٨
بقلبه إذا لم يجمع إلى تصديقه العمل بموجب الإيمان لا يستحق اسم مؤمن على الإطلاق بل على
التقييد بمؤمن عاص، لأن اسم الشىء مطلقا يقع على الكامل منه ، ولا يستعمل فى الناقص ظاهرا إلا
بقيد، وعلى هذا جازنفى الإيمان عن العاصى فى قوله صلى الله عليه وسلم: ((لا يزنى الزانى حين
يزنى وهو مؤمن)» والمتكلمون الذين يرون أن الإيمان هو التصديق لا يعارضون فى أن الإيمان الكامل
هو ما صحبه العمل ، فالتصديق أول منازل الإيمان وأساسه.
والقائلون بأنه التصديق والنطق لعلهم يقصدون أن النطق شرط فى ثبوت الإيمان بحسب الظاهر
لا أنه جزء منه ، فليس الإيمان عند الجميع إلا التصديق كما فسره صلى اللَّه عليه وسلم فى أحاديثنا.
ولا شك أن الإيمان يزيد وينقص إن قلنا بإضافة الأعمال إلى التصديق خلافا للخوارج والمعتزلة
الذين ينفون الإيمان عن العاصى ، والخلاف بين أهل السنة فى زيادة الإيمان ونقصه على القول
بأنه التصديق.
فأكثر المتكلمين ينكر زيادته ونقصانه، ويقولون : إن التصديق علم، والعلوم لا تتفاوت، وأنه
متى قبل الزيادة كان شكًا وكفرًا.
وجمهور العلماء والمحدثين يقول : إن التصديق نفسه يزيد وينقص، وبعضهم يرى أنه يزيد
ولا ينقص، قال ابن بطال: التفاوت فى التصديق على قدر العلم والجهل ، فمن قل علمه كان تصديقه
مثلاً بمقدار ذرة ، والذى فوقه فى العلم تصديقه بمقدار برة أو شعيرة ، إلا أن أصل التصديق الحاصل
فى قلب كل أحد منهم لا يجوز عليه النقصان ، ويجوز عليه الزيادة بزيادة العلم والمعاينة.
ويؤيده حديث أنس «يخرج من النار من قال لا إله إلا اللَّه وفى قلبه وزن شعيرة من خير، ويخرج
من النار من قال لا إله إلا الله وفى قلبه وزن برة من خير ويخرج من النار من قال لا إله إلا الله وفى
قلبه وزن ذرة من خير)) وفى رواية لأنس ((من إيمان)) بدلا من كلمة ((من خير)) وجاء فى البخارى
عن أبى سعيد الخدرى عن النبى # قال ((أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل
من إيمان)».
وقال النووى: الأظهر - والله أعلم - أن نفس التصديق يزيد بكثرة النظر وتظاهر الأدلة، ولهذا
يكون إيمان الصديقين أقوى من إيمان غيرهم بحيث لا تعتريهم الشبه ، ولا يتزلزل إيمانهم بعارض ،
بل لا تزال قلوبهم منشرحة نيرة وإن اختلفت عليهم الأحوال ، وأما غيرهم من المؤلفة ومن قاربهم
فليسوا كذلك ، فهذا ما لا يمكن إنكاره ولا يتشكك عاقل فى أن نفس تصديق أبى بكر الصديق * لا
يساويه تصديق آحاد الناس.
وقال القاضى أبوبكر بن العربى: إن النقص أمر نسبى؛ لكن منه ما يترتب عليه الذم ومنه مالا
يترتب ، فالأول ما نقصه بالاختيار، كمن علم وظائف الدين ثم تركها عمداً ، والثانى ما نقصه بغير
اختيار، كمن لا يعلم أولم يكلف، فهذا لا يذم بل يحمد من جهة أنه كان قلبه مطمئناً بأنه لوزيد
لقبل، ولو كلف لعمل ، وهذا شأن الصحابة الذين ماتوا قبل نزول الفرائض، ومحصله أن النقص
٢٩
بالنسبة لهم أمر صورى نسبى ، والآيات القرآنية صريحة فى زيادة الإيمان ، وما يقبل الزيادة
يقبل النقصان.
قال تعالى: ﴿لِيَرْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح: ٤]، ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ [ التوبة: ١٢٤]،
﴿وَمَا رَادَهُمْ إِلا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ﴾ [الأحزاب: ٢٢].
أما الإسلام فهو الاستسلام، فإن قصد به استسلام القلب وإذعانه كان بمعنى الإيمان
كما فى قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنّا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ
الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦،٣٥].
وإن قصد استسلام الجوارح بما فى ذلك النطق يتحقق الإسلام دون الإيمان ، كما فى المنافقين ،
ومنه قوله تعالى: ﴿قَالَتْ الأَغْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنًا﴾ [ الحجرات: ١٤].
والإيمان المنجى لا يتم بدون عمل الجوارح ، والإسلام المنجى لا يتم بدون التصديق القلبى.
فحينما يفسر الإيمان بالتصديق، والإسلام بعمل الجوارح ، فهو تفسير بحسب الأصل الظاهر، كما
فى حديث سؤال جبريل الذى نحن بصدده. وحينما يفسر الإيمان بالتصديق والعمل ، ويفسر الإسلام
بالأمرين فهو تفسير بالكمال الشرعى المنجى من النار، وحينما يفسر الإيمان بالعمل فهو تفسير
بلوازمه وخواصه ، كما فى حديث وفد عبد القيس الآتى وحينما يفسر الإسلام بالتصديق ، فهو تفسير
بشرطه الأساسى الذى يتوقف عليه.
وهذا التحليل موافق لرأى الحافظ ابن حجر، إذ قال فى نهاية المطاف : والذى يظهر من مجموع
الأدلة أن لكل منهما حقيقة شرعية ، كما أن لكل منهما حقيقة لغوية، لكن كل منهما مستلزم للآخر
بمعنى التكميل له ، فكما أن المعامل لا يكون مسلمًا كاملا إلا إذا اعتقد ، فكذلك المعتقد لا يكون
مؤمنًا كاملا إلا إذا عمل، وحيث يطلق الإيمان فى موضع الإسلام، أو العكس ، أو يطلق أحدهما على
إرادتهما معًا، فهو على سبيل المجاز، ويتبين المراد بالسياق. اهـ
وقد حكى ذلك الإسماعيلى عن أهل السنة والجماعة قالوا : إنهما تختلف دلالتهما بالاقتران ، فإن
أفرد أحدهما دخل الآخر فيه ، وعلى ذلك يحمل ما جاء فى حديث وفد عبدالقيس.
وظاهر الحديث الذى نحن فيه أن المؤمن هو من صدق بجميع ما ذكر، وهو كذلك ولا يعارض
هذا ما ذكره الفقهاء من إطلاق الإيمان على من آمن بالله ورسوله، لأن المراد من الإيمان برسول الله
الإيمان بوجوده وبما جاء به عن ربه ، فيدخل فيه جميع ما ذكر.
ولا يلزم من جعل الإسلام اسمًا للأركان الخمسة فى الحديث أن يكون من قصر فى شىء منها
غير مسلم، لقوله صلى الله عليه وسلم ((من قال لا إله إلا اللَّه دخل الجنة)) فقد جعل النطق
بالشهادتين وحده كافياً، والله أعلم.
٤- وأما عن النقطة الرابعة فقد قيل : إن للعبد في عبادته ثلاثة مقامات:
الأول: أن يفعلها على الوجه الذى يسقط معه التكليف ، أى مستوفاة الشرائط والأركان.
٣٠
الثانى : أن يفعلها كذلك وقد غلب عليه أن اللَّه تعالى يشاهده، وهذا هو مقام المراقبة.
3
اللَّه عليه وسلم كما قال «وجعلت قرة عينى فى الصلاة)».
الثالث: أن يفعلها كذلك وقد استغرق فى بحار المكاشفة ، حتى كأنه يرى الله ، وهو مقامه صلى
فقوله صلى الله عليه وسلم ((أن تعبد الله كأنك تراه)) إشارة إلى مقام المكاشفة، وتلك أعلى
درجات العبادة ، لأننا لو قدرنا أن أحدنا قام فى عبادة وهو يعاين ربه سبحانه وتعالى لم يترك شيئاً
مما يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن السمت ، واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء
بتتميمها على أحسن وجوهها إلا أتى به.
وقوله صلى الله عليه وسلم ((فإن لم تكن تراه فإنه يراك» نزول عن المكاشفة إلى مقام المراقبة ،
أى إن لم تعبده وأنت من أهل الرؤية المعنوية ((التى هى المكاشفة)» فاعبده وأنت بحيث تستشعر
أنه يراك.
وإذا كانت مجالسة الصالحين مانعة من التلبس بشىء من النقائص، احتراماً لهم واستحياء
منهم كان إحساس العبد بدوام اطلاع اللَّه عليه فى سره وعلانيته دافعاً إلى الإخلاص والإتمام.
وكل من المقامات الثلاثة إحسان ، إلا أن الإحسان الذى هو شرط فى صحة العبادة هو الأول،
لأن الإحسان بالمقامين الأخيرين إنما هو من صفة الخواص ، وخواص الخواص.
وإنما أخر جبريل السؤال عن الإحسان ، لأنه صفة الفعل أو شرط فى صحته، والصفة
وضعها بعد الموصوف.
وقد اشتمل هذا الحديث - كما يقول القاضى عياض- على جميع وظائف العبادات الظاهرة
والباطنة من عقود الإيمان ابتداء وحالا ومآلا، ومن أعمال الجوارح ، ومن إخلاص السرائر، والتحفظ
من آفات الأعمال، حتى إن علوم الشريعة كلها راجعة إليه ومتشعبة منه.
٥- وأما عن النقطة الخامسة فإن نفى علمه صلى الله عليه وسلم بموعد الساعة يتنافى مع ظاهر
قوله صلى الله عليه وسلم ((بعثت أنا والساعة كهاتين)» مشيراً إلى السبابة والوسطى مما يشعر
بالعلم، وأجيب بأن معنى الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم النبى الأخير، فلا نبى آخر بعده، وإنما
تليه القيامة ، وكل آت قريب.
وما ذكره صلى الله عليه وسلم من أمارات الساعة هو من علاماتها الصغرى، وهى كثيرة: منها
رفع العلم وظهور الجهل ، وكثرة الزنا ، وشرب الخمر.
والقصد من ذكر العلامات الصغرى الإشعار بقرب قيامها ، ليندفع الناس إلى العمل الصالح خوفاً
من غشيانها فجأة، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾ [الأحزاب ٦٣] وقوله تعالى:
﴿ لا تَأْتِيكُمْ إِلا بَغْتَّةً﴾ [الأعراف
أما العلامات الكبرى فهى كالدجال ونزول عيسى وخروج يأجوج ومأجوج والدابة وطلوع
الشمس من المغرب.
٣١
قال ابن رشد: واتفقوا على أنه لا بد من ظهور هذه الخمسة ، واختلفوا فى خمسة أخرى : هى
خسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب والدخان ونار تخرج تروح معهم حيث
راحوا وتقيل معهم حيث قالوا.
٦- ويؤخذ من الحديث غير ما تقدم
١- أدب الجماعة فى مشيهم مع فاضلهم، وهو أنهم يحفون به ، فلا يمشون أمامه لئلا يتقدموا عليه،
ولا يمشون من جهة واحدة ، لئلا يفوت المتطرف منهم سماع صوت الفاضل ، ولا يمشون خلفه ،
لكراهة السلف المشى خلف الرجل لما فيه من الشهرة.
٢- حسن الاعتذار عما يوهم التقصير، فإن ((يحيى)) خشى أن ينسب إليه عدم المبالاة
بصاحبه واغتصاب القول منه ، فاعتذر بأنه ظن أن صاحبه يفوض له السؤال ، لأنه
أسن من صاحبه وأكثر إقداماً وجرأة وأبسط لساناً.
٣- القصد فى القول وعدم الإطراء فى المواجهة، فإنهما ناديا العالم الفقيه التقى الورع ابن
عمر بقولهما : أبا عبد الرحمن.
٤- ما كان عليه السلف من حرصهم على إنكار البدع، وفزعهم إلى أهل العلم والقدوة الحسنة
إذا طرأ على الدين طارئ.
٥- مذاكرة العلم فى الطريق ، وكرهه بعضهم والصحيح الجواز.
٦ - يؤخذ من رواية أبى هريرة استحباب بروز العالم وظهوره.
٧- استحباب التجمل لحضور مجالس العلم أخذاً من هيئة جبريل عليه السلام.
٨- أدب السائل والمتعلم فى جلسته مع المسئول والمعلم.
٩- أنه ينبغى للعالم أن يرفق بالسائل ويدنيه منه، ليتمكن من سؤاله غيرهائب ولا منقبض.
١٠- أنه ينبغى لمن حضر مجلس العالم إذا علم أن بأهل المجلس حاجة إلى مسألة لا يسألون عنها أن
يسأل هو عنها؛ ليحصل الجواب للجميع.
١١ - جواز سؤال العالم ما لا يجهله السائل ليعلمه السامع.
١٢- فى الحديث حجة للجمهور أنه لا كراهة فى قول رمضان بدون كلمة شهر خلافاً لمن كره ذلك
بحجة أن رمضان من أسماء الله، وبحجة حديث ((لا تقولوا رمضان فإن اللّه هو رمضان)) قال
الجمهور: الحديث المذكور غير صحيح ، ولم يصح كون رمضان من أسماء اللَّه تعالى.
١٣- استدل بقوله ((كأنك تراه)» إلخ. على أن رؤية اللَّه فى الدنيا بالأبصار غير واقعة، وقد صرح بذلك
مسلم فى رواية له عن رسول اللَّه ﴿ قال: ((واعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا)».
١٤ - أنه ينبغى للعالم والمفتى إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم وأن ذلك لاينقصه ، بل يستدل به
على ورعه وتقواه.
٣١
١٥ - احتج بالحديث من يجيز بيع أم الولد، ولا حجة فيه، بل قال المروزى: فيه الرد على المجيز،
لأنه صلى الله عليه وسلم أنكر أن تلد الأمة ربتها، ورد على المروزى بأنه لا يلزم أن تكون أمارة
الساعة شيئاً حرامًا ، فإن تطاول البنيان من أمارتها ، وليس حرامًا.
١٦- أن الإيمان والإسلام والإحسان تسمى كلها دينًا.
١٧- أن الملك يجوز أن يتمثل لغير النبى # فيراه ويتكلم بحضرته وهو يسمع.
١٨ - أن السؤال الحسن يسمى علماً وتعليماً، وقد اشتهر قولهم: حسن السؤال نصف العلم.
والله أعلم
(٢) بَاب أمور الإسْلامِ
٧- 4ُ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رَْ(٨) قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ﴿ مِنْ أَهْلٍ نَجْدٍ
قَائِرُ الرَّأْسِ، نَسْمَعُ دَوِيَّ صَوْتِهِ وَلا نَفْقَهُ مَا يَقُولُ، حَتَّى دَنَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ، فَإِذَا هُوَ
يَسْأَلُ عَنِ الإِسْلامِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِمَ: «خَمْسُ صَلَوَاتٍ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ» فَقَالَ: هَلْ
عَلَيَّ غَيْرُهُنَّ؟ قَالَ : «لا. إِلا أَنْ تَطْوَّعَ، وَصِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانٌ» فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهُ ؟
فَقَالَ : «لا. إِلا أَنْ تَطِّوَّعَ» وَذَكَرَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِفَهِ: «الزَّكَاةَ» فَقَالَ: هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟
قَالَ : «لا، إِلا أَنْ تَطَّوَّعَ» قَالَ: فَأَدْبَرَ الرَّجُلُ وَهُوَ يَقُولُ: وَاللَّه لا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلا
أَنْقُصُ مِنْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ وَ «أَفْلَحَ إِنْ صَدَقَ» .
٨- ٩ْ عَنْ طَلْحَةَ بْنٍ غُبَيْدِ اللَّهِ(٩) عَنِ النَّبِيِّ ◌َ بِهَذَا الْحَدِيثِ نَحْوَ حَدِيثٍ مَالِكٍ غَيْرَ أَنْهُ
قَالَ : فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِنَّ «أَفْلَحَ وَأَبِهِ إِنْ صَدَقَ» أَوْ « دَخَلَ الْجَنَّةَ وَأَبِيهِ إِنْ صَدَقَ».
المعنى العام
بعد أن هاجر رسول اللَّه# إلى المدينة أخذ نور الإسلام ينتشر فى صحراء نجد من
أفواه المؤمنين ، وأخذ شعاعه يشق طريقه إلى صدور أهل البوادى فتطمئن له قلوبهم
ويسلمون ، ثم يدفعهم حب الاستطلاع والرغبة فى الاستيثاق مما وصلهم من التعاليم،
والحرص على الاستزادة من أمور الدين ، والظمأ الباعث على الارتشاف من المنبع الأصلى
لنهر الخير، كل ذلك كان يدفع الكثير منهم إلى القدوم إلى المدينة للقاء رسول اللّه ﴿.
ومن هؤلاء الوافدين صاحب القصة فى الحديث ، رجل من أهل البادية، قدم من السفر، أشعث
أغبر، منتفش الرأس ، منتشر الشعر، بعيد العهد بالنظافة والرفاهية ، سأل عن المسجد النبوى
فقصده ، ورأى فيه جماعة من الناس يجلسون ، فنادى من بعيد. أيكم محمد ؟ أين محمد لأسأله عن
أمور الإسلام ؟.
وسمع طلحة بن عبيد الله راوى الحديث وسمع من معه من الصحابة دوى الصوت وجلبة الرجل
القادم، ولم يتبينوا ما يقول حتى دنا منهم وهو يردد : أين محمد ؟ أريد أن يدلنى على شرائع الإسلام
وتعاليمه، فأشاروا له على رسول اللَّه﴿ فجلس، ثم قال: يا محمد. لقد أسلمت وشهدت أن لا إله إلا
(٨) حَدََّا قُتِيَةُ بْنٌ سَعِيدٍ بْنٍ جَمِيلٍ بْنٍ طَرِيفِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ الْقَفِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ فِيمَا قُرِئَ عَيْهِ عَنْ أَبِي سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ أَنْهُ
سَمِعَ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ الله
(٩) حَدَِّي يَحْتِى بْنُ أَيُّوبَ وَقُتِبَةُ بْنُ سَعِيدٍ جَمِيعًا عَنْ إِسْمَعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ أَبِي سُهْلٍ عَنْ أَبِهِ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّه
٣٤
اللَّه وأنك رسول اللَّه ، وأحب أن أعلم منك ما يجب علىَّ، ماذا علىَّ من الصلوات؟ فقال رسول اللَّه
*: خمس صلوات فى كل يوم وليلة. قال الرجل: هل على صلاة غيرها؟ قال صلى الله عليه وسلم:
ليس عليك غيرها لكن لك أن تتطوع بما تشاء من صلاة. قال الرجل : فماذا علىَّ من صوم؟ قال صلى
اللَّه عليه وسلم : صيام شهر رمضان من كل عام. قال الرجل: هل علىَّ صيام غيره؟ قال صلى اللَّه عليه
وسلم : ليس عليك صيام غيره ، لكن لك أن تتطوع. قال الرجل : فماذا علىَّ من زكاة ؟ فبين له صلى
الله عليه وسلم ما يجب عليه من زكاة. فقال الرجل: هل علىَّ من زكاة غير ذلك؟ قال صلى اللّه عليه
وسلم: ليس عليك زكاة غيرها ، لكن لك أن تتطوع بما تشاء من صدقات.
وطفق الرجل يسأل عما يجب عليه من شرائع الإسلام ورسول اللَّه :# يجيبه ، فلما اكتفى قام
مدبراً وهو يقول: والله لا أزيد على ما وجب علىَّ شيئاً ولا أنقص منه شيئاً؛ فقال رسول اللَّهِ وَلات
لأصحابه : إن صدق هذا الرجل فيما قال ، ووفى بما التزم دخل الجنة وكان من المفلحين الفائزين.
المباحث العربية
( جاء رجل ) لم يرد اسمه ، وزعم القاضى عياض أن البخارى سماه ، وأنه ضمام بن ثعلبة
السعدى ، وجزم ابن بطال وآخرون بذلك اعتماداً على إيراد مسلم لقصة ضمام عقب هذا الحديث،
ولأن فى كل منهما أن الرجل بدوى ، وأنه قال : لا أزيد على هذا ولا أنقص، ويقوى هذا الزعم، وأنهما
حديث واحد أن ابن سعد وابن عبد البروجماعة لم يذكروا لضمام إلا هذا الحديث.
لكن القرطبى رد هذا الرأى بأن من سماه البخارى ضماماً هو الرجل الآتى فى حديث أنس. وقال:
ودعوى أنهما قصة واحدة دعوى فرط ، وتكلف شطط من غير ضرورة ، اهـ
( من أهل نجد ) النجد ما ارتفع من الأرض، والغور ما انخفض منها ، وصحراء نجد معروفة
شرق الحجاز، سميت نجداً لارتفاعها. والغور المقابل لها تهامة.
( ثائر الرأس ) أى متفرق شعر الرأس، منتشره ومنتفشه، شأن من ترك الرفاهية وسافر فى
الصحراء، وفيه إشارة إلى أنه إنما جاء لهذه الغاية فبادر إليها، و))ثائر)) بالرفع صفة لرجل وقيل :
يجوز نصبه على الحال من رجل بناء على مجىء الحال من النكرة إذا وصفت ، أو حال من ضميره فى
متعلق الجار والمجرور، واعترض بأن ((ثائر الرأس)) مضاف إلى معرفة فلا يقع صفة للذكرة ، ولا يقع
حالا ، وأجيب بأن إضافته لفظية لا تفيد تعريفاً.
وفى الكلام مضاف محذوف تقديره : ثائر شعر الرأس.
(نسمع دوى صوته ولا نفقه ما يقول ) روى ((نسمع)) و((نفقه)» بالنون المفتوحة فيهما،
وروى بالياء المضمومة فيهما، والأول أشهر، و((ما)) موصولة، وعائد الصلة محذوف و((دوى
الصوت)» شدته وارتفاعه وتكرره ومنه دوى النحل، وإنما لم يفهموا ما يقول لأنه نادى من بعد ،
متعجلا السؤال ، فلما دنا فهم كلامه ، لهذا قال :
٣٥
(حتى دنا من رسول اللّه﴿ فإذا هو يسأل عن الإسلام) و((حتى)) غاية لمجيئه
وإقباله والمعنى: أقبل إلى أن دنا، و((إذا)) فجائية، وتختص بالجمل الاسمية، ولا تحتاج إلى
جواب. قيل : هى حرف ، وقيل : ظرف مكان وقيل : ظرف زمان للحال لا الاستقبال.
( خمس صلوات فى اليوم والليلة ) ظاهره عدم التطابق بين السؤال والجواب ، ولهذا قيل :
إن الرجل كان يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول اللَّه، وأنه إنما كان يسأل عن شرائع الإسلام
وأموره ، فقيل له : أمور الإسلام خمس صلوات ... وكذا. وكذا.
وفى رواية: ((أخبرنى ماذا فرض اللَّه علىَّ من الصلاة))؟ و))خمس)) يجوز فيه الرفع على أنه
خبر مبتدأ محذوف، أى هى خمس صلوات ، والنصب على أنه مفعول لفعل محذوف ، والتقدير:
فرض الله خمس صلوات.
( لا. إلا أن تطوع ) بتشديد الطاء وأصله تتطوع بتاءين، فأدغمت التاء فى الطاء.
والاستثناء قيل : منقطع ، ومعناه: لا يجب عليك شىء غيرهن ، لكن يستحب لك التطوع ، وقيل :
متصل ، والمعنى : لا يجب عليك شىء غيرهن إلا ما شرعت فيه من التطوع فيجب عليك إتمامه ،
وفى المسألة خلاف فقهى طويل سيأتى فى فقه الحديث.
(وذكر له رسول اللّه # الزكاة) هذا من قول الراوى كأنه نسى ما نص عليه رسول اللّه ﴾
والتبس عليه الأمر فجاء بهذه العبارة. قال الأبى : وفيه صحة نقل الحديث بالمعنى ، ورد عليه بعضهم
بأن من قال : قرأ فلان الفاتحة لا يصدق عليه أنه نقل المقروء لا لفظاً ولا معنى.
( أفلح وأبيه إن صدق ) الفلاح الظفر وإدراك البغية ، والعرب تقول لكل من أصاب خيراً
مفلح. وجواب الشرط محذوف دل عليه ما قبله، والتقدير: ((إن صدق فى قوله فقد أفلح)) وفيه دليل
على جواز إطلاق الصدق فى الخبر المستقبل ، خلافاً لمن قصره على الخبر فى الماضى وخص
المستقبل بالوفاء.
(أو دخل الجنة وأبيه إن صدق) كلمة ((أو)) للشك من الراوى أى اللفظين قاله صلى اللّه
عليه وسلم.
فقه الحديث
استدل الحنفية والمالكية بالحديث على أن الشروع بالتطوع يوجب إتمامه ، تمسكا بأن الأصل
فى الاستثناء أن يكون متصلاً، ويوضح القرطبى وجه الاستدلال بقوله : نفى الحديث وجوب شىء
آخر إلا ما تطوع به ، والاستثناء من النفى إثبات ، ولا قائل بوجوب التطوع فيتعين أن يكون المراد
إلا أن تشرع فى تطوع فيلزمك إتمامه؛ ورد عليهم بأن الاستثناء هنا من غير الجنس بقرينة أن التطوع
٣٦
لا يقال فيه: عليك، وقد علم أن التطوع ليس بواجب، وبقرينة ما رواه النسائي وغيره أن النبى 8 4
كان أحياناً ينوى صوم التطوع ثم يفطر، وفى البخارى أنه صلى الله عليه وسلم أمر جويرية بنت
الحارث أن تفطر يوم الجمعة بعد أن شرعت فيه ، فدل على أن الشروع فى العبادة لا يستلزم الإتمام
إذا كانت نافلة؛ بهذا النص فى الصوم والقياس فى الباقى.
كما رد عليهم رداً إلزامياً بأن الاستثناء من النفى عندهم ليس للإثبات بل مسكوت عنه، وقوله: «
إلا أن تطوع)) استثناء من قوله: ((لا)) أى لا فرض عليك غيرها.
كما أنهم لا يقولون بفرضية الإتمام ، بل بوجوبه ، واستثناء الواجب من الفرض منقطع لتباينهما.
وقد أورد على الحديث إشكالات نعرضها مع الإجابة عليها.
الأول: كيف أجاب صلى الله عليه وسلم عن السؤال عن الإسلام بما أجاب مع أن
أساس حقيقة الإسلام الشهادتان ؟
وأجيب بأنه يحتمل أن الرسول ذكر له الشهادتين فلم يسمعهما الراوى لبعد موضعه، أو لم
ينقله لشهرته.
والأولى أن يقال : إنما لم يذكر له الشهادة لأنه علم أنه يعلمها، أو علم أن السؤال ليس عن حقيقة
الإسلام، بل عن شرائعه الفعلية ، فأجاب بتعاليم الإسلام العملية.
الثانى : لماذا لم يذكر الحج ؟ وكيف نوفق بين ما هنا وبين ما جاء فى بعض الروايات
من عدم ذكر الصوم؟ وفى بعضها من عدم ذكر الزكاة ، وفى بعضها بزيادة صلة الرحم ، وفى
بعضها بزيادة أداء الخمس ؟.
وأجيب بأنه لم يذكر الحج لأنه لم يكن فرض بعد ، أو أن الراوى اختصره.
واختلاف الروايات بالزيادة والنقص كثيرة فى الأحاديث، فإن أمكن حمل كل منها على واقعة
خاصة ، واختلاف الإجابات عن السؤال الواحد لاختلاف السائلين ومراعاة أحوالهم. إن أمكن هذا
الحمل كان خيراً وإلا حمل على تفاوت الرواة الحفظ والضبط ، وذلك لا يمنع من إيراد الجميع فى
الصحيح لماعرف من أن زيادة الثقة مقبولة.
الثالث : كيف أثبت له الفلاح بما ذكر مع أنه مرتبط باجتناب المنهيات ولم تذكر؟.
وأجيب بأن المنهيات لم تكن شرعت بعد ، ورد هذا الجواب بأن السؤال كان بالمدينة وبعد أن
شرعت أكثر المنهيات. والجواب الحق هو أنه ورد فى الروايات الصحيحة عبارة «فأخبره بشرائع
الإسلام)) فأفادت أنه ذكر له ما يجب فعله وما يجب اجتنابه وإن اقتصرت بعض الروايات.
الرابع : كيف أثبت له الفلاح إن صدق فيما التزم به ، وقد التزم عدم الزيادة ؟.
وأجيب بأن إثبات الفلاح له راجع إلى عدم النقص فقط كأنه قال: أفلح فى قوله لا
أنقص إن وفى.
٣٧
وقيل : إن السائل كان وافد قومه ، يتعلم ويعلمهم، فقصد نفى الزيادة والنقص فى التبليغ كأنه
قال: لا أزيد فى الإبلاغ على ما سمعت ولا أنقص فى تبليغ ما سمعت منك إلى قومى ، فقال صلى
اللّه عليه وسلم: أفلح إن صدق.
وقيل : كان كلام الرجل على سبيل الكناية والمبالغة فى التصديق والقبول ، والمعنى
قبلت قولك فيما سألتك عنه قبولا لا أزيد عليه سؤال أحد ، ولا أنقص عنه بالقبول ، فقال
صلى الله عليه وسلم : أفلح إن صدق.
وقيل : يحتمل أنه أراد لا أزيد عليه بتغيير حقيقته ، فلا أجعل الظهر خمسًا مثلاً ولا أنقص ما
وجب ، فقال صلى اللَّه عليه وسلم: أفلح إن صدق.
ويعكر على هذه الإجابات كلها قول الرجل فى رواية البخارى فى كتاب الصيام ((والذى أكرمك لا
أتطوع شيئاً ولا أنقص مما فرض الله على شيئاً)).
والأحرى بالقبول أن يقال: إن المراد من الفلاح النجاة من النار مصداقاً لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ
زخْزِجَ عَنْ النَّارِ وَ أُدخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازِ﴾ [آل عمران: ١٨٥] ومصداقًا لرواية ((دخل الجنة وأبيه إن
صدق)» التى تعد مفسرة للفلاح فى الرواية الأخرى.
ولا شك أن المتمسك بالفرائض ناج وإن لم يفعل النوافل ، وليس فى الكلام أنه إذا أتى بزائد على
ذلك لا يكون مفلحًا، لأنه إذا أفلح بالواجب ففلاحه بالمندوب مع الواجب أولى ، كما أنه ليس فى
الكلام ما يمنع من أن يكون غيره أكثر منه فلاحاً. وإنما ترك صلى الله عليه وسلم أمره بالسنن وأقره
على الاكتفاء بالواجب مع أن المواظب على ترك النوافل مذموم ، لقرب عهده بالإسلام حتى يأنس ،
وينشرح له صدره ويحرص على الخير.
الخامس: كيف نوفق بين قوله صلى الله عليه وسلم هنا ((أفلح وأبيه إن صدق)) وبين قوله صلى
اللَّه عليه وسلم ((إن اللَّه ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم))؟
وأجيب بأنه يحتمل أن يكون هذا قبل النهى عن الحلف بغير الله تعالى، وقيل: إن فى الكلام
هنا مضافاً محذوفاً، والأصل - ورب أبيه - ونقل العينى عن بعض مشايخه أنه يحتمل أن الحديث «
أفلح واللّه)) فقصر الكاتب اللامين، ولم يكن نقط، فقرئت: ((وأبيه)) وهذا الاحتمال مردود، لأن
اعتماد النقل والرواية كان على النطق لا على الخط ، ولو تطرق هذا الاحتمال لزعزعت الثقة بالروايات
الصحيحة، وقال الحافظ ابن حجر: غفل القرافى فادعى أن الرواية بلفظ ((وأبيه)) لم تصح، لأنها
ليست فى الموطأ، وكأنه لم يرتض الجواب ، فعدل إلى رد الخبر مع أنه صحيح لا مرية فيه.اهـ
وأحرى الإجابات بالقبول أن قوله صلى اللّه عليه وسلم ((أفلح وأبيه إن صدق)) ليس
حلفاً، إنما هو كلمة جرت عادة العرب أن تدخلها فى كلامهم غير قاصدة بها حقيقة
،، والنهى إنما ورد فيمن قصد حقيقة الحلف، لما فيه من إعظام المحلوف به
ـته به سبحانه وتعالى ، فهى بمثابة قولهم: تريت يمينك.
ويؤخذ من الحديث
١- أن وصف الراوى صاحب القصة بما ظاهره غير محبوب ليس من قبيل الغيبة ما دام على غيروجه
التنقيص ، فقد وصفه الراوى بثائر الرأس للتوثيق بالرواية.
٢- أن الصلاة ركن من أركان الإسلام وأنها خمس صلوات فى اليوم والليلة، ولم يرد أسماء هذه
الصلوات ولا عدد ركعاتها لاشتهار ذلك عندهم بطريقة عملية.
٣- أنه لا يجب شىء من الصلوات فى كل يوم وليلة غير الخمس. أما القائلون بوجوب الوتر،
والقائلون بأن صلاة العيد فرض كفاية فلهم أن يجيبوا بأنها لم ترد فى الحديث لأنها لم تكن
شرعت بعد.
٤- أن وجوب صلاة الليل منسوخ فى حق الأمة ، وهذا مجمع عليه.
٥- أن الصوم ركن من أركان الإسلام وهو شهر فى كل سنة ، وأنه لا يجب صوم يوم
عاشوراء أو غيره ، وهذا مجمع عليه الآن ، والخلاف فى كون صوم يوم عاشوراء كان
واجباً قبل فرض صيام رمضان أو لم يكن واجباً.
٦- أن الزكاة أيضاً ركن من أركان الإسلام.
٧- جواز الحلف بغير استحلاف ولا ضرورة، ولا يقال: كيف أقره صلى الله عليه وسلم على حلفه وقد
ورد النكير على من حلف ألا يفعل خيراً ؟ لأن ذلك يختلف باختلاف الأحوال والأشخاص، وهذا
جار على الأصل من أنه لا إثم على غير تارك الفرض.
٨- فى الحديث رد على المرجئة، لأن قوله ((أفلح إن صدق)) قد علق الفلاح على صدقه فى التزام
العمل وعدم النقص، ومفهومه أنه إن قصر لم يفلح ، وهذا خلاف مذهبهم ، ولهم أن يجيبوا بأنه لا
عبرة بالمفهوم ، وأن هدف الحديث إثبات الفلاح لمن فعل ، لا نفيه عمن قصر.
واللَّه أعلم
٣٩
(٣) بَاب سُّؤال ضمام عَنْ أَرْكَانِ الإِسْلامِ
٩- ١٠ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ﴾(١٠) قَالَ: لُهِينًا أَن نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِلَ عَنْ شَيْءٍ، فَكَانَ
يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ الْعَاقِلُ، فَيَسْأَلَهُ وَنَحْنُ نَسْمَعُ، فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلٍ
الْبَادِيَةِ، فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَتَانَا رَسُولُكَ، فَرَعَمَ لَنَا أَنْكَ تَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَكَ. قَالَ: «صَدَقَ».
قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ السَّمَاءَ؟ قَالَ: «اللَّهُ». قَالَ: فَمَنْ خَلَقَ الأَرْضَ؟ قَالَ: «اللَّهُ». قَالَ: فَمَنْ
نَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ وَجَعَلَ فِيهَا مَا جَعَلَ؟ قَالَ: « اللَّهُ». قَالَ: فَبِالَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ، وَخَلَقَ
الأَرْضَ، وَنَصَبَ هَذِهِ الْجِبَالَ آللَّهُ أَرْسَلَكَ؟ قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنًا
خَمْسَ صَلَوَاتٍ فِي يَوْمِنًا وَلَيْلَيْنَا. قَالَ: « صَدَقَ». قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟
قَالَ: «نَعَمْ». قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا زَكَاةً فِي أَمْوَالِنَّا قَالَ: «صَدَقَ». قَالَ: فَبِالَّذِي
أَرْسَلَكَ آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: « نَعَمْ». قَالَ: وَزَعَمَ رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ فِي
سَيًِّا. قَالَ: «صَدَقَ ». قَالَ: فَبِالَّذِي أَرْسَلَكَ اللَّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: « نَعَمْ». قَالَ: وَزَعَمَ
رَسُولُكَ أَنَّ عَلَيْنَا حَجَّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا. قَالَ: «صَدَقَ». قَالَ: ثُمَّ وَلَّى. قَالَ:
وَالَّذِي بَعَفَكَ بِالْحَقِّ لا أَزِيدُ عَلَيْهِنَّ وَلا أَنْقُصُ مِنْهُنَّ. فَقَالَ النّبِيُّنَ: « لَئِنْ صَدَقّ
لَيَدْخُلَنَّ الْجَنَّةَ».
١٠- ١١ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ أَنَسّ رَ﴾(١١) كُنَّا نُهِينَا فِي الْقُرْآنِ أَن نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِع ◌ِ
عَنْ شَيْءٍ وَسَاقَ الْحَدِيثَ بِمِثْلِهِ.
المعنى العام
نهى الله المؤمنين عن الإلحاح فى سؤال رسول الله ﴿ وعن التعنت فيه، وعن الإكثار
منه فيما لا ضرورة إليه بقوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَلَكُمْ
تَسُؤُكُمْ﴾ [ المائدة: ١٠١] فأحجم الصحابة عن السؤال تحررا أن يقعوا فيما نهوا عنه، ورأى
رسول اللّهَ﴿ فى إحجامهم تقصيرا فى حق أنفسهم، وحبسالها عن استجلاء ما تحتاجه
من أمور، واستيضاح ما خفى عليها من المبهمات، فطلب منهم أن يسألوه، فهابوا أن
(١٠) حَدَّثِي عَمْرُو بْنُ مُحَمَّدٍ بْنِ بُكَيْرِ النَّاقِدُ حَدَّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ أَبُو النَّصْرِ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ
عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ
(١١) حَدَّثَنِي عَبَّدُ الَّهِ بْنُ هَاشِمِ الْعَبْدِيُّ حَدَّثَنَا بَهْرٌ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ الْمُغِيرَةِ عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: قَالَ أَنْسٌ
٤٠