النص المفهرس

صفحات 161-180

١٦١
ترجمة محمد بن إبراهيم البزاز ورجل من قومه وعبد العزيز بن المختار
( ش) (السند) (محمد بن إبراهيم) بن سليمان بن محمد بن أسباط أبو جعفر الكوفى
الضرير ( البزاز) نزيل مصر. روى عن عبد السلام بن حرب والمطلب بن زياد وجماعة.
وعنه أبو داود وجماعة. قال أبو حاتم والحافظ فى التقريب: صدوق. وذكره ابن حبان فى الثقات .
وقال مسلمة بن قاسم: ثقة، توفى بمصر فى ذى الحجة سنة ٢٤٨ هـروى له أبو داود .
و (أبو نعيم) الفضل بن دكين. و(أبو تميمة) مصفرهو طريف الهجيمى. و(رجل من قومه) هو أبو
جرى بالتصغير أو بفتح الجيم وكسر الراء الهجيمى اسمه جابر بن سليم كما قال البخارى. وقيل سليم
ابن جابر. والأول أصح. له محبة وهو من بغى أنمار بن هيم بن عمرو بن تميم. روى عن النبى صلى الله
عليه وسلم. وعنه أبو تميمة الهجيمى وسهم بن المعتمر وعبيدة أبو خداش وعقيل السلمى وقرة بن موسى
الهجيمى وابن سيرين وغيرهم. روى له البخارى فى الأدب المفرد والترمذى والنسائى.
(المعنى) (أنه) أى الرجل من قومه (سمع النبى صلى الله عليه وسلم) وقد (سمع) صلى الله
عليه وسلم (رجلا) لم أقف على اسمه ( يقول لامرأته: يا أخية) تصغير أخت (فنهاه) صلى الله
عليه وسلم، لما تقدم من أن قول الرجل لامرأته يا أختى مظنة التحريم(١).
(والحديث) أخرجه البيهقى معلقا قال: ورواه عبد السلام بن حرب عن خالد الحذاء . وقال
الحافظ: وقد أخرجه أبو داود من طرق مرسلة. وفى بعضها عن أبى تميمة عن رجل من قومه أنه سمع
النبى صلى الله عليه وسلم. وهذا متصل(٣) .
(س﴾ قَالَ أَبُودَاوُدَ: وَرَوَاهُ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ المُخْفَارِ عَنْ خَلٍِ عَنْ أَبِى عُثْمَانَ عَنْ
أَبِى ◌ُمَيْئَةَ عَنِ النِّبِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ. وَرَوَّاهُ شُعْبَةُ عَنْ خَلِدٍ عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِى تُمَيْمَةً
مَنِ النِِّّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمٍ .
(ش) هذان معلقان مرسلان ذكرهما أيضاً البيهقى(٣) (السند) (عبد العزيز بن المختار)
أبو إسحاق الأنصارى أو أبو إسماعيل الدباغ البصرى مولى حفصة بنت سيرين . روى عن ثابت
(١) تقدم ص ١٦٠ (فقه الحديث رقم ٣٠).
(٢) س ٣٦٦ ج ٧ سنن البيهقى (باب ما يكره من ذلك) وص ٣١٢ ج ٩ فتح البارى (إذا هل لامرأته
وهو مكره هذه أختى فلا شىء عليه ) .
(٣) ص ٣٦٦ ج ٧ سنن البيهقى (باب ما يكره من ذلك) أى من قول الرجل لامرأته يا أختى.
(٢ - ١١ فتح الملك المعبود ج ٤ )

١٦٢
أبو سيدنا إبراهيم الخليل تارخ وآزر اسم صنم أو عمه
البنانى وعاصم الأحول وهشام بن عروة وغيرهم وعنه يحيى بن حماد الشيبانى وأحمد بن إسحاق الحضرمى
وأبو كامل الجحدرى وكثيرون . وثقه ابن معين والعجلى والدارقطنى. وقال أبو زرعة والنسائى:
لا بأس به. وقال أبو حاتم: صالح الحديث ثقة وذكره ابن حبان فى الثقات وقال: كان يخعلى". روى
له الجماعة. و(خالد) الحذاء. و(أبو عثمان) الهندى. و(أبو تميمة) طريف الهجيمى. و(شعبة) بن
الحجاج. و(عن رجل) لم يسم. وغرض المصنف من سوق هذه الطرق تقوية الحديث ((وهى)) وإن
كانت مرسلة ما عدا طريق عبد السلام بن حرب(١) لكثرتها ((يقوى)) بعضها بعضا، ((وأما زيادة)»
(أبى عثمان) بين خالد الحذاء وبين أبى تميمة فى رواية عبد العزيز بن المختار. وزيادة رجل مبهم بينهما
فى رواية شعبة ((فلا يستلزم)) أن يكون فى الطريق الأول والثانى انقطاع(٢) لاحتمال أن يكون خالد رواه
عن أبى تميمة تارة مباشرة وبواسطة أبى عثمان تارة أخرى . ويحتمل أن خالداً لم يروه عن أبى تميمة
إلا بواسطة أبى عثمان. وعليه فيكون فى الطريقين الأولين انقطاع فتحصل القوة للحديث
بمجموع طرقه .
(٣٢) (ص) حرّشْا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُتَّى تَفَاَ عَبْدُ الْوَهَّبِ ثَنَا مِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ
أَبِ حُرَيْرَةَ عَنِ الِّيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَكْذِبْ
قَطُّ إِلَّ ثَلَقًا ◌ِنْتَنِ فىِ ذَاتِ اللهِ تَعَلى: قَوْلُهُ إِنِّى سَقِيٌُ وَقَوْلُهُ: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ
هَذَا. وَبَيْنَمَا هُوَ بَسِيرُ فِى أَرْضِ جَبَّارٍ مِنَ الْبَبِرَةِ إِذْ نَزَلَ مَنْزِلاً فَأُتِىَ الْبَّارُ فَقِيَّلَ
لَهُ إِنَّهُ نَزَلَ هَاهُنَاَ رَجُلٌ مَعَهُ امَرَأَةٌ مِىَ أَحْسَنُ النَّاسِ قَلَ: فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْهَاَ
فَقَالَ: إِنَّهَ أُخْتِى فَلَمَّا رَجَعَ إِلَيْهَاَ قَالَ: إِنَّ هَذَا سَأَلَنِ عَنْكِ فَأَنْبَأَتُهُ أَنَّكِ أُخْتِ وَإِنَّهُ
لَيْنَ الْيَوْمَ مُسْلِمٌ غَيْرِى وَغَيْرُكِ وَإِنَّكِ أُخْتِى فِىِ كِتَبِ الَّهِ فَلاَ تُكَذِّبِ عِنْدَهُ
وَسَقَ الْحَدِيثَ .
(ش) (عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفى. و(هشام) بن حسان. و(محمد) بن سيرين.
(المعنى). (أن إبراهيم عليه الصلاة والسلام) هو أبو الأنبياء خليل الرحمن. وأبوه تارخ من ولد
سام بن نوح عليه الصلاة والسلام. وآزر اسم صم غلب على تارخ لخدمته الصنم. وقيل آزرعم إبراهيم
(١) عبد السلام بن حرب بسند الحديث رقم ٣١ بالمصنف ص ١٦٠.
(٢) الطريق الأول سند الحديث رقم ٣٠ ص ١٥٩ والثانى سند الحديث رقم ٣١. ص١٦٠ والمنقطع ما سقط
من سنده راو واحد قبل الصحابى .

ترتيب أولى العزم فى الأفضلية. رؤيا التمروذ. ميلاد سيدنا إبراهيم عليه السلام ١٦٣
وهو اسم سريانى ومعناه أب رحيم وقيل: مشتق من البرهمة وهى شدة النظر. ولد صلى الله عليه وسلم
بالسوس من أرض الأهواز ونقله أبوه إلى بابل أرض النمروذ. وبينه وبين نوح عليهما الصلاة والسلام
٢٦٤٠ أربعون وستمائة وألفا سنة. ولم يكن بينهما من الأنبياء إلا هود وصالح. وكان قبل نوح
ثلاثة إدريس وشيث وآدم. نجلة الأنبياء قبل إبراهيم ستة. وهو أفضل أولى العزم أى الثبات والقوة
بعد نبينا صلى الله عليه وسلم. وهم خمسة وترتيبهم فى الأفضلية كما قال القائل:
محمد إبراهيم موسى كليمه * فيسى فنوح هم أولو العزم فاعلم
أنزل الله عليه عشر صحائف. وهو أول من قاتل بالسيف وأول من اختتن من الرجال
وأول من لبس السراويل وأول من جز شاربه وقص أظافره ورأى الشيب وأول من أضاف الضيوف
وترد الثريد واستاك واستنجى بالماء . عاش ١٧٥ خمسة وسبعين ومائة سنة. ومات فجأة ودفن بمزرعة
حبرون عند قبر سارة. هذا ونمروذ بن كنعان من ولد حام بن نوح عليه الصلاة والسلام ، أحد الملوك
الذين ملكوا الأرض وهم أربعة: مؤمنان وكافران. فأما المؤمنان فسليمان بن داود وذو القرنين عليهما
السلام. وأما الكافران فتروذ وبختنصر. قال السدى: رأى نمروذ فى مقامه كأن كوكبا طاع فذهب
بضوء الشمس والقمر حتى لم يبق لهما ضوء. ففزع من ذلك فزعاً شديداً ودعا السحرة والكهان
وسألهم عن ذلك فقالوا هو مولود يولد فى ناحيتك هذه السنة. فأمر نمروذ بعزل الرجال عن النساء
وجعل على كل عشرة رجلا رقيباً أميناً. فإن حاضت المرأة خلى بينه وبينها إذا أمن مواقعتها . فإذا
طهرت عزل الرجل عنها . فرجع أبو إبراهيم فوجد امرأته قد طهرت من الحيض فوقع عليها فى طهرها
حملت بإبراهيم صلى الله عليه وسلم ((قال)) ابن إسحاق: لما وجدت أم إبراهيم الطلق خرجت ليلا
إلى مغارة كانت قريباً منها فولدت فيها إبراهيم عليه الصلاة والسلام وأصلحت من شأنه ما يصلح
بالمولود. ثم سدت عليه المغارة ورجعت إلى بيتها . ثم كانت تطالعه فى المغارة فتجده حيا يمص
إبهامه . فنظرت ذات يوم إلى أصابعه فوجدته يمص من أصبع ماء ومن أصبع لبنا ومن أصبع
سمنا . وكان اليوم على إبراهيم عليه الصلاة والسلام فى الشباب كالشهر والشهر كالستفة. ولم يمكث فى
المغارة إلا خمسة عشر يوماً. ثم جاء إلى أبيه فأخبره أنه ابنه وأخبرته أمه بما كانت تصنع فى شأنه فسر
أبوه بذلك وفرح فرحا شديداً. ولما شب إبراهيم عليه الصلاة والسلام قال لأمه : من ربى؟ قالت أنا.
قال: فمن ربك؟ قالت أبوك. قال: فمن رب أبى؟ قالت نمروذ. قال: فمن رب نمروذ؟ قالت له
اسكت فسكت. ثم أتاه أبوه. فقال له إبراهيم عليه الصلاة والسلام: يا أبتاه من ربى؟ قال أمك قال فمن رب
أمى؟ قال أنا . قال فمن ربك؟ قال نمروذ قال فمن رب نمروذ؟ فلطمه لطمة وقال اسكت . وذلك

١٦٤
سيدنا إبراهيم عليه السلام يذكر لقومه أدلة التوحيد ويغلبهم بالحجة
قوله عز وجل: ((وَلَقَدْ ء اتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُمَّا بِهِ عَلِينَ)). ثم قال
أخرجانى فأخرجاه من السرب فانطلق به حتى غابت الشمس. فنظر إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى
الإبل والبقر والغنم والخيل يراح بها فسأل أباه ما هذه؟ فقال: إبل وخيل وبقر وغنم فقال: مالهذه بدّ
من أن يكون لها رب خالق. ثم نظر وتفكر فى خلق السموات والأرض وقال: إن الذى خلقفى
ورزقنى وأطعمنى وسقانى لربى مالى إله غيره. ثم نظر فإذا كوكب المشترى قد طلع ويقال الزهرة وكانت
تلك الليلة فى آخر شهر فرأى الكوكب قبل القمر فقال: هذا ربى. فذلك قوله تعالى: ((فَدَّا جَنّ
عَلَيْهِ الْلَيْلُ رَءَا كَوْكَبَا قَالَ: هَذَا رَبِّى فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ: لاَ أُحِبُ الأَفِيْنَ [٧٦] فَلَمَّا رَءَ الْفَمَرَ
بَأَزْغاً قَالَ: هَذَا رَبِّى فَمَّا أَفَلَ قَالَ: لَثْنْ لَمْ يَهْدِى رَبِّى لَأَكُونَنَّ مِنْ الْقَوْمِ
الضَّالْنَ [٧٧] فَلمَّا رَءا الشّمْسَ بَزِغَةً قَالَ: هَذَا رَبِّى هَذَا أَكْبَرُ فَلَّا أَفَلَتْ قَلَ:
يَقَوْمِ إِنِّى بَرِئٌ مِمَّا تُشْرِ كُونَ [٧٨] إنِّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّمُواتِ وَالأرْضَ
حَنِيْفًاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [٧٩](١))) وكان إبراهيم عليه السلام يستهزئ بقومه وبما هم عليه
من الضلالة والجهالة ويعيب أصنامهم ولما فشاعيبه إياها واستهزاؤه بها فى قومه وأهل قريته حاجه
قومه فى دينه، قال: أُتَجُونِّى فِى اللهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلاَ أُخَفُ مَ نْشْرِ كُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ بَشَاءَ رَبِّى
غَيْئاً وَسِعَ رَبِّى كُلِّ شَىْءٍ عِلْماً. أَمَلاَ تَتَذَّ كَّرُونَ [٨٠] وَكَيْفَ أَخَفُ مَا أَشْرَكُْ.
وَلاَ تَخَفُونَ أُنْكُمْ أَشْرَ كْتَمْ بِلهِ مَلَمَ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا. فَأَىُّ الْغَرِيْقَيْنِ أَحَقْ
١
بِالأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ [٨١] الّذِينَ ء امَنُوا وَلَ يَلْبِسُوا إيمَهُمْ بِظُمِ أُولَئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُمْ
مُهْتَدُونَ [٨٢] وَتِلْكَ حُجَّتُقَ اتَيْنُهَاَ إِبْرَاهِيمَ ◌َلَى قَوْمِهِ نَرَفَعُ دَرَجَتٍ مَنْ نَشَاءِ إِنَّ رَّبّكَ
حَكِيمٌ عَلِيمٌ [٨٣] (٢) حتى خصمهم وغليهم بالحجة. ثم إن إبراهيم عليه الصلاة والسلام دما أباه
إلى دينه. فقال: يَأْبَتِ لِمَّ تَعْبُدُ مَا لاَ يَسْمَعُ وَلاَ يُبْصِرُ وَلاَ يُغْنِى عَنْكَ خَيْئاً[٤٢]
يُأَبَتِ إِنِّى قَدْ جَاءِفِى مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمَّ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِى أَهْدِكَ صِرَاطَا سَوِيًّا [٤٣] ◌َأَبَتِ
لاَ تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَنَ كَانَ لِلِرَّْنِ عَصِّيًا [٤٤] يُأبَتِ إِنِّى أَغَفُ أَنْ يَنَّكَ
عَذَابٌ مِنَ الرَُّنِ فَتَكُونَ لِلِّشَيْطَنِ وَلِيَّا [٤٥] قَالَ أُرَاغِبٌ أنْتَ عَنْ آلِهَتِ بْإِبْرَاهِيمُ
لَئِنْ لَمْ تَنْتَ لأرَُنَّكَ وَاهْجُرْفِى مَلِيًا [٤٦] قَلَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّى إِنَّهُ
كَانَ بِى حَفِيًّاً [٤٧] وَأَعْنَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَأَدْعُوا رَبِّى عَسَى أَلاَّ أَكُونَ
بِدُعَهَ رَبّى شَقِيًّا [٤٨] فَلَمْا اهَْزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللهِ وَحَيْنَا لَهُ إِسْهُقَ وَيَْقُوبَ
(١، ٢) سورة الأنعام من آية ٧٦ - ٨٣ .

١٦٥
حاج إبراهيم عليه السلام التمروذ فبهت الذي كفر
وَكُلاَّ جَعَلْنَا نَبِيًّا [٤٩] (١). فلما امتنع أبوه عن الإجابة جاهر إبراهيم عليه الصلاة والسلام قومه
بالبراءة مما كانوا يعبدون وأظهر دينه فقال: أَفَرَ أَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ [٧٥] أَنْتُمْ وَءَابَاؤُ كُمُ
الأَفْدَمُونَ [٧٦] فإنَّهُمْ عَدُوٌّلَّى إِلَّ رَبِّ الْعَالَمِينَ [٧٧] قَالُوا فَمَنْ تعبد أنت ؟ قال: أعبد رب
العالمين. قالوا: تعنى نمروذ فقال. لا الّذِى خَلَقَنِى فَهُوَ بَهَدِينِ [٧٨] وَالَّذِى هُوَ
يُعْمِدُفِى وَيَسْقِ بنِ [٧٩] وَ إِذَا مَرِ ضْتُ فَهُوَ يَشْفِينٍ [٨٠] وَالَّذِى يُمْتُفِى ثُمَّ يُحْيِينٍ [٨١] وَالّذِى أَطْمَعُ أَنْ
يَغْفِرَ لِ خَطِشَتِى يَوْمَ الّذِينِ [٨٢](٢) إلى آخر القصة. ففشا أمره فى الناس حتى بلغ نمروذ الجبار
فدعاه فقال له باإبراهيم: أرأيت إلهك الذى بعتك وتدعو إلى عبادته وتذكر من قدرته التى تعظمه بها
على غيره ما هو ؟ قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ربى الذى يحيي ويميت. قال نمروذ: أنا أحبى
وأميت . قال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: كيف تحيى وتميت؟ قال آخذ رجلين قد استوجبا القتل
فى حكمى فأقتل أحدهما فأكون قد أمته ثم أعفو عن الآخر فأتركه فأكون قد أحييته. فقال إبراهيم
عليه الصلاة والسلام عند ذلك: فإن الله يأتى بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت عند
ذلك نمروذ ولم يُرجع إليه شيئاً ولزمته الحجة. فذلك قوله تعالى: فَبُهْتَ الّذِى كَفَرَ وَالْهُ لاَ يَهْدِى
الْقَوْمَ الظَّالِينَ(٣) ( لم يكذب) إبراهيم صلى الله عليه وسلم (قط) بضم الطاء مشددة ظرف لما
مضى من الزمان ( إلا ثلاثا) وعند أحمد والشيخين: إلا ثلاث كذبات بفتح الفال جمع كذبة
بسكونها. ولم يرد النبي صلى الله عليه وسلم أن هذا من باب الكذب الحقيقى الذى يذم فاعله .
وإنما أطلق الكذب على هذا تجوّزا. قال الحافظ: وأما إطلاقه الكذب على الأمور الثلاثة فلكونه
قال قولا يعتقده السامع كذبا لكنه إذا حقق لم يكن كذبا، لأنه من باب المعاريض المحتملة للأمرين
فليس بكذب محض(1) على ما يأتى بيانه ( ثنتان) منهن ( فى ذات الله) تعالى. خصهما بذلك لأن
قصة سارة وإن كانت أيضا فى ذات الله لكن تضمنت حظا لنفسه ونفعا له بخلاف الثنتين الأخيرتين
فإنهما فى ذات الله محضا. وفى رواية هشام بن حسان: أن إبراهيم لم يكذب قط إلا ثلاث كذبات كل
ذلك فى ذات الله. وفى حديث ابن عباس عند أحمد: والله إن جادل بهن إلا عن دين الله. قاله الحافظ(٥)
وقال النووى : قال العلماء: والواحدة التى فى شأن سارة هى أيضا فى ذات الله تعالى لأنها سبب
لدفع كافر ظالم عن مواقعة فاحشة عظيمة . وقد جاء ذلك مفسرا فى غير رواية مسلم فقال :
(١) سورة مريم من آيه ٤٢ - ٤٩ .
(٢) سورة الشعراء من آية ٧٥ - ٨٢
(٣) البقرة عجز آية ٢٥٨ وصدرها: ألم تر إلى الذى حاج إبراهيم فى ربه.
(٤، ٥) ص ٢٤٦ ج ٦ فتح البارى الشرح (قوله: واتخذ الله إبراهيم خليلا).

١٦٦ قال سيدنا إبراهيم لقومه: إنى سقيم وأراد أنه سقيم النفس حزين على شركهم
ما فيها كذبة إلا يما حل بها عن الإسلام أى يجادل ويدافع. وإنما خص الثفتين بأنهما فى ذات الله
تعالى لكون الثالثة تضمنت نفعاله وحظا مع كونها فى ذات الله تعالى(١) وأولى الثلاث (قوله إنى
قيم) وعند أحمد: قوله حين دعى إلى آلهتهم إنى مقيم. أراد سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام
أن يرى قومه ضعف الأوثان التى يعبدونها من دون الله تعالى ومجزها ليلزمهم الحجة. وقد كمان
لهم فى كل سنة عيد يجتمعون فيه. وفى سنة قال نمروذ وغيره لإبراهيم عليه الصلاة والسلام: إن
خرجت معنا إلى عيدنا أعجبك ديننا يخرج معهم إبراهيم فلما كان ببعض الطريق نظر نظرة إلى
النجوم وألقى نفسه بالأرض. وقال إنى سقيم فقولوا عنه مديرين. فلما مضوا نادى فى آخرم وقد بقى
ضعفاء الناس: وتَثْهِ لأ كِيدَنَّ أَسْتَمَكُمُ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ(٢).
ورَّى إبراهيم عليه الصلاة والسلام بقوله: إنى سقيم ولم تكن به علة ولا مرض ولكنه كان
سقيم النفس كاسف البال حزينا على إشراك قومه، لأنهم لم يلبوا نداءه ولم يصيخوا إلى دعوته وكانوا
يعتقدون أن السقيم هو المطعون وكانوا يفرون من الطاعون قراراً عظيما فتركوه ومضوا . ثم رجع
إبراهيم عليه الصلاة والسلام من الطريق إلى بيت الآلهة. وكانوا نحو السبعين منما كل صنم أصغر
من الذى يليه. وإذا هم قد صنعوا طعاما فوضعوه بين يدى الآلهة وقالوا: إذا رجعنا وقد باركت الآلهة
فى طعامنا أكلنا . فلما نظر إبراهيم عليه الصلاة والسلام إلى الأصنام وإلى ما بين أيديهم من الطعام
قال لهم على سبيل الاستهزاء: ألا تأكلون؟ فلما لم تجبه قال: مالكم لا تنطقون ؟فراغ عليهم ضربا بالجين
وجعل يكسرهن بقأس فى يده حتى لم يبق إلا الصنم الأكبر. ثم عاق الفأس فى عنقه ثم خرج
فذلك قوله عز وجل: فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إلاَّ كَبِيرًاً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ(٣) فلما جاء القوم من
عيدهم إلى بيت آلهتهم ورأوها بتلك الحالة قالوا: من فعل هذا بآلهتنا إنه من الظالمين. قالوا: سمعنا فتى
يذكرهم يقال له إبراهيم. هو الذى نظنه صنع هذا فبلغ ذلك نمروذ الجبار وأشراف قومه فقالوا: فأتوا
به على أعين الناس أملهم يشهدون عليه أنه هو الذى فعل ذلك وكرهوا أن يأخذوه بغير بينة . فلها
أحضروه قالوا له: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم؟ (و) الثانية (قوله بل فعله كبيرهم هذا) غَضِبَ
من أن تعبدوا معه هذه الأصنام الصغار وهو أكبر منها فكسرها وأراد بذلك إقامة الحجة عليهم
فذلك قوله: فاسألوم إن كانوا ينطقون. فلما قال لهم إبراهيم عليه الصلاة والسلام ذلك رجعوا إلى
(١) ص ١٢٤ ج ١٥ شرح مسلم (فضائل إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم).
(٢، ٣) سورة الأنبياء آية ٠٧، ٠٨ .

١٦٧
جعل الله النار برداً وسلاما على إبراهيم عليه الصلاة والسلام
أنفسهم فقالوا: إنكم أنتم الظالمون هذا الرجل فى سؤالكم إياه. وهذه آلهتكم التى فعل بها ما فعل
حاضرة فاسألوها. فقال قومه: مانراه إلا كما قال. ثم نُسِسوا على رءوسهم متحيرين فى أمره وعلموا
أن الأصنام لا تنطق ولا تبطش. فقالوا لإبراهيم عليه الصلاة والسلام: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون.
فلما رأى أن الحجة قد اتجهت عليهم قال لهم: أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئا ولا يضركم
أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون؟ فلما لزمتهم الحجة ومعجزوا عن الجواب قالوا
حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين . فلما أجمعوا على إحراق إبراهيم عليه الصلاة والسلام حبسوه
فى بيت وبدوا له بنيانا كالحظيرة فذلك قوله عز وجل : قالوا ابنوا له بنيانا فألقوه فى الجحيم.
قال ابن إسحاق: مكتوا يجمعون الحطب شهراً ثم أشعلوا فيه النار فاشتعلت واشتدت حتى إن كان
الطير ليمر بها فيحترق من شدة ومجها. فأوقدوا عليها سبعة أيام ثم عمدوا إلى إبراهيم عليه الصلاة والسلام
فرفعوه على رأس البنيان وقيدوه ثم وضعوه فى المنجنيق مقيدا مغلولا فصاحت السماء والأرض ومن
فيهما من الملائكة وجميع الخلق - إلا الثقلين - صيحة واحدة أى ربنا إبراهيم خليلك يلقى فى النار
وليس فى أرضك أحد يعبدك غيره فأذن لنا فى نصرته فقال الله تعالى: إن استغاث بشىء منكمأو دعاء
فلينصره فقد أذنت لكم فى ذلك. وإن لم يدع غيرى فأنا أعلم به وأنا وليه خلوا بينى وبينه. فلما أرادوا إلقاءه
فى النار أتاه خازن المياه فقال: إن أردت أخمدت النار. وأتاه خازن الرياح فقال: إن شئت طيرت النار
فى الهواء. فقال إبراهيم عليه الصلاة والسلام: لا حاجة لى إليكم حسبى الله ونعم الوكيل (( روى))
أبى بن كعب أن إبراهيم حين أو ثقوه ليلقوهفى النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك
الحمد ولك الملك لاشريك لك. ثم رموا به بالمنجنيق إلى الغار فاستقبله جبريل فقال: يا إبراهيم ألك
حاجة؟ فقال: أما إليك فلا. فقال جبريل: فاسأل ربك. فقال إبراهيم: حسبى من - ؤالى علمه بحالى. قال
الله تعالى: قُلْفَ يَ غَرُ كُونِى بَرْداً وَسَلَمَاً ◌َى إِبْرَاهِيمَ. قال ابن عباس رضى الله عنهما: لو لم
يقل وسلاما لمات إبراهيم من بردها. قاله البغوى(١) [٢٦] ثم قال: قال السدى: فأخذت
الملائكة بضبعى إبراهيم عليه الصلاة والسلام فأقعدوه على الأرض فإذا عين ماء عذب وورد
أحمر ونرجس. قال كعب: ما أحرقت النار من إبراهيم إلا وثاقه وأقام إبراهيم فى النار سبعة
أيام . قال المنهال بن عمرو قال إبراهيم: ما كنت أياما قط أنعم منى عيشا من الأيام
التى كنت فيها فى الفسار. قال ابن يسار: وبعث الله ملك الظل فى صورة إبراهيم فقعد
فيها إلى جنب إبراهيم يؤنيسُهُ وبعث الله جبريل عليه السلام إليه بقميص من حرير الجدة وطنفسة
(١) س ٤٩٧ ج . معالم التنزيل (الوا حرقوه والصروا آلهتكم).

١٦٨
اعتراف النمروذ بقدرة الله تعالى. لم قال إبراهيم فى شأن سارة إنها أختى؟
فألبسه القميص وأقعده على الطنفسة وقعد معه يحدثه وقال جبريل: يا إبراهيم إن ربك يقول
لك : أما علمت أن النار لا تضر أحبابى ؟ ثم نظر نمروذ وأشرف على إبراهيم من صرح له عال فرآه جالسا
فى روضة والملك قاعد إلى جنبه وحوله نار تحرق ماجمعوا من الخطب. فناداه نمروذ: يا إبراهيم كبير إلهك
الذى بلغت قدرته أن حال بينك وبين النار حتى لم تضرك يا إبراهيم هل تستطيع أن تخرج منها ؟ قال
نعم . قال: هل تخشى إن أقمت فيها أن تضرك؟ قال لا قال فقم فاخرج منها. فقام إبراهيم عليه الصلاة والسلام
يمشى فيها حتى خرج منها فلما خرج إليه قال له: باإبراهيم من الرجل الذى رأيته معك فى مثل صورتك
قاعدا إلى جنبك؟ قال: ذاك ملك الظل أرسله إلىّ ربى ليؤنسنى فيها. فقال نمروذ: يا إبراهيم إنى مقرب إلى
إلهك قرباناً لما رأيت من قدرته وعزته فيما صنع بك حيث أبيت إلا عبادته وتوحيده. إنى ذابح له أربعة
آلاف بقرة. فقال له إبراهيم عليه الصلاة والسلام: لا يقبل الله منك شيئاً ماكنت على دينك حتى
تفارقه إلى دينى. فقال: لا أستطيع ترك ملتى وملكى ولكن سوف أذبحها له فذبحها وقربها ثم كف عن
إبراهيم عليه الصلاة والسلام ومنعه الله منه(١) (و) الثالثة (بينما هو يسير فى أرض جبار) هو عمرو بن
امرئ القيس بن سبأ وكان على مصر (إذ نزل) إبراهيم صلى الله عليه وسلم (منزلا فأتى) مبنى المفعول
(الجبار فقيل له) أى أناه آت فقال له ( إنه نزل ها هنا رجل) قال ذلك للجبار رجل كان إبراهيم
عليه الصلاة والسلام يشترى منه القمح فتمّ عليه عند الملك. وعند البخارى: بينما هو ذات يوم وسارة
إذ أنى على جبار من الجبابرة فقيل له: إن هذا رجل (معه امرأة) هى سارة إنى رأيتها تطحن (هى أحسن
الناس) والد سارة اسمه هاران قيل هو ملك حرّان وأن إبراهيم تزوجها لما هاجر من بلاد قومه إلى
حران (قال) النبى صلى الله عليه وسلم (فأرسل) الجبار (إليه) أى إلى إبراهيم صلى الله عليه وسلم فأتاه
(فسأله عنها) أى عن المرأة التى معه (فقال) إبراهيم صلى الله عليه وسلم ( إنها أختى فلما رجع) إبراهيم
صلى الله عليه وسلم من عند الملك ( إليها) أى إلى سارة ( قال إن هذا) أى الملك (سألنى عنك فأنبأته
أنك أختى) أى فى الإسلام واختلف فى السبب الذى حمل إبراهيم على هذه الوصية . فقيل كان
من دين ذلك الملك ألاّ يتعرض إلا لذوات الأزواج. وذكر المنذرى فى حاشية السنن عن بعض
أهل الكتاب أنه كان من رأى الجبار المذكور أن من كانت متزوجة لا يقربها حتى يقتل زوجها
فلذلك قال إبراهيم: هى أختى لأنه إن كان عادلا خطبها منه ثم يرجو مدافعته عنها وإن كان ظالما خاص
من القتل . وليس هذا يبعيد ( وإنه ليس اليوم مسلم غيرى وغيرك ) استشكل هذا بأن لوطا عليه
السلام كان مؤمنا مع إبراهيم عليه الصلاة والسلام. ويمكن أن يجاب بأن المراد بالأرض أرض هذا
(١) لمس ٤٩٩ ج . معا التنزيل (قلها يا نار كونى برداً وسلاما على إبراهيم).

١٦٩
الأنبياء معصومون من الكذب وما نسب إلى أبراهيم عليه السلام ليس كذبا فى الواقع
الجبار. ولم يكن معه لوط إذ ذاك فيها. أفاده الحافظ(١) (وإنك أختى فى كتاب الله) أى فى الإسلام
لقوله تعالى إنما المؤمنون إخوة. وهذا منه بيان لسارة لوجه التورية وأنه لم يرد أنها أخته حقيقة
( فلا تكذبينى عنده) أى عند هذا الجبار ( وساق الحديث) تمامه عند البخارى: فأرسل إليها فلما
دخلت عليه ذهب يتناولها بيده فأخذ فقال ادعى الله لى ولا أضرك فدعت الله فأطلق. ثم تناولها الثانية
فأخذ مثلها أو أشد فقال: ادعى الله لى ولا أضرك فدعت الله تعالى فأُطلق فدعا بعض حجبته فقال
إنك لم تأتنى بإنسان إنما أتيتفى بشيطان فأخدمها هاجر فأنت إبراهيم وهو قائم يصلى فأوماً بيده تتهم أقالت
رد الله كيد الكافر أو الفاجر فى نحره وأخدم هاجر. قال أبو هريرة تلك أمكم يا بنى ماء السماء(٢).
( الفقه) (١) فى الحديث معجزة لسيدنا إبراهيم صلى الله عليه وسلم وكرامة لزوجه سارة رضى الله
عنها حيث حفظهما الله من وسمة العار ونجاهما من الظلم والعدوان (ب) دل الحديث بظاهره على
جواز وقوع الكذب من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. ومحله فى غير الأمور التبليغية عن الله عز وجل
(قال ) المازرى: أما الكذب فيما طريقه البلاغ عن الله تعالى فالأنبياء معصومون منه سواء كثيره وقاله.
وأما ما لا يتعلق بالبلاغ ويعد من الصفات كالكذبة الواحدة فى حقير من أمور الدنيا ففى إمكان
وقوعه منهم وعصمتهم منه القولان المشهوران السلف والخلف. ((قال)) القاضى عياض: الصحيح أن
الكذب فيما يتعلق بالبلاغ لا يتصور وقوعه منهم سواء جوّزنا الصفائر منهم وعصمتهم منها أم
لاقل الكذب أم كثر، لأن منصب النبوة يرتفع عنه وتجويزه يرفع الوثوق بأقوالهم. وأما قوله صلى الله
عليه وسلم: ثنتين فى ذات الله وواحدة فى شأن سارة فمعناه أن الكذبات المذكورة إنماهى بالنسبة إلى فهم
المخاطب والسامع. وأما فى نفس الأمر فليست كذباً مذموما لوجهين. أحدهما أنه ورى بها فقال فى
سارة إنها أختى فى الإسلام. وهو صحيح فى باطن الأمر . الوجه الثانى أنه لو كان كذباً لا تورية فيه
لكان جائزا فى دفع الظالمين. وقد اتفق الفقهاء على أنه لو جاء ظالم يطالب إنساناً مختفياً ليقتله أو
يطلب وديعة لإنسان ليأخذها غصباً وسأل عن ذلك وجب على من علم ذلك إخفاؤه وإنكاره العلم
به. وهذا كذب جائز بل واجب لكونه فى دفع الظالم. فنبه النبى صلى الله عليه وسلم على أن هذه
الكذبات ليست داخلة فى مطلق الكذب المذموم(٣). (جـ) على ثبوت أخوة الإسلام ومشروعيتها
(١، ٢) ص ٢٤٧ ج ٦ فتح البارى (قوله تعالى: واتخذ اهه إبراهيم خليلا - أحاديث الأنبياء) و( يا بنى
ماء السماء) خاطب أبو هريرة رضى الله عنه بذلك العرب لكثرة ملازمتهم الغلوات التى بها مواقع المطر لرعى دوابهم
ففيه متمسك لمن زعم أن العرب كلهم من ولد إسماعيل عليه السلام وقيل أراد بعماء السماء زعم لأن الله انبعها لهاجر فعاش ولدها
بها فصاروا كأنهم أولادها .
(٣) س ١٢٤ ج ١٥ شرح مسلم ( فضائل إبراهيم الخليل صلى الله عليه وسلم ).

١٧٠
أجاب الله دعاء سارة وأنجاها من التمروذ
وعلى الرخصة فى الانقياد للظالم الغاصب ارتكابا لأخف الضررين على حد قوله تعالى: ((مَنْ كَفَرَ.
باللهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِ إِلَّ مَنْ أَكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بالْكُفْرِ
صَدْرَاً فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنْ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ))(١) أى من أكره على الكفر وتكلم به
وقلبه مطمئن بالإيمان وكاره للكفر لا يضره ذلك (د) على أن الله تبارك وتعالى يبتلى عباده
الصالحين لرفع درجاتهم وإظهاراً لفضلهم . وعلى قبول هدية المشرك وعلى أن من أخاص ش تعالى
ودعاه استجاب له .
( والحديث) أخرجه أيضاً أحمد والشيخان. وكذا الترمذى مخصراً(٣).
(ص) قالَ أَبُو دَاوَدَ: رَوَى هَذَا الْدِيثَ ثُعَيْبُ بْنُ أَبِى ◌َمْزَةَ عَنْ أَبِىِ الزِّنَادِ عَنْ الْأُمْرَجِ
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ الِّيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَلمَ تَهْوَهُ.
﴿ش﴾ هذا المعلق وصله البخارى قال: حدثنا أبو اليمان أخبرنا شعيب حدثنا أبو الزناد عن الأعرج
عن أبى هريرة قال قال النبى صلى الله عليه وسلم: هاجر إبراهيم عليه الصلاة والسلام بسارة فدخل بها
قرية فيها ملك من الملوك أو جبار من الجبابرة فقيل له: دخل إبراهيم بامرأة هى من أحسن النساء فأرسل
إلیه أن یا إبراهيم من هذه التی معك ؟ قال اختی ثم رجع إليها فقال: لاتكذبی حدیثی فإنى أخبرتهم
أنك أخق والله إنْ على الأرض مؤمن غيرى وغيرك. فأرسل بها إليه فقام إليها فقامت توضأ وتصلى
فقالت : اللهم إن كنت آمنت بك وبرسولك وأحصفت فرجي إلا على زوجي فلا تسلط على الكافر
فَغُطَّ حق ركض برجله. قال الأعرج: قال أبو سلمة بن عبد الرحمن إن أبا هريرة قال: قالت اللهم إن
يمت يقال هى قتلته فأرسل . ثم قام إليها فقامت توضأ وتصلى وتقول: اللهم إن كنت آمنت بك
وبرسولك وأحصنت فرجى إلا على زوجى فلا تسلط على هذا الكافر فَقَطَّ حتى ركض برجله. قال
عبد الرحمن قال أبو سلمة قال أبو هريرة : فقالت اللهم إن يمت فيقال هى قتلته. فأرسل فى الثانية أو فى
الثالثة فقال: والله ما أرسلتم إلى إلا شيطاناً ارجعوها إلى إبراهيم عليه السلام وأعطوها آجر فرجعت إلى
إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقالت: أشعرت أن الله كَبَتَ الكافر وأخدم وليدة(٣) .
(١) سورة النحل آية ١٠٦.
(٢) ص ٥٠ ج ٢٠ - الفتح الربانى. وص ٢٤٦ ج ٦ فتح البارى (قول الله تعالى: واتخذ الله إبراهيم خليلا)
وس ١٢٣ ج ١٥ نووى مسلم. وس ١٤٨ ج ٤ تحفة الأحوذي ( سورة الأنبياء ).
(٣) ص ٢٨٠ ج٤ فتح البارى (شراء المملوك من الحربى وهبته وعنقه).

١٧١
تعريف الظهار . . حكمه
١٧١ - باب فى الظهار)
أى فى بيان أحكام الظهار. وهو بكسر الظاء المعجمة لغة مصدر ظاهرته إذا قابلت ظهرك بظهره
وشرعا تشبيه مسلم مكلف زوجته أو جزءا منها يعبر به عن الكل كالرقبة والرأس والوجه أو تشبيهه
جزءاً شائعا منها كنصفها وثلثها بعضو يحرم عليه نظره من امرأة محرمة عليه على التأبيد. فقوله: أنت
أمى أو أختى ليس بظهار اتفاقا. وكذا لوشبَّهها بظهر أبيه أو ابنه أو بأخت امرأته أو بمطلقته ثلاثا
لا يكون مظاهراً عند الجمهور. وعن أحمد أنه ظهار. وطرده فى كل ما يحرم عليه ومطؤه حتى فى البيهيمة.
وخص الظهر بالذكر دون سائر الأعضاء لأنه محل الركوب غالبا فشبهت الزوجة بذلك لأنها .ركوب
الزوج. ويأتى لهذا مزيد بيان فى فقه الباب إن شاء الله تعالى. هذا والظهار محرم لقوله تعالى: وَ إِنْهُمْ
لِيَقُولُونَ مُشْكْراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً.
(٣٣) (ص) حدّشْ عُثْاَنُ بْنُ أَبِىِ شَيْبَةَ وَتُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ المَعْنَى قَالاَ: ثَنَا ابْنُ إذْرِيسَ
عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاهِ. قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ حَيَّاشٍ
عَنْ سُلَيَْنَ بْنِ يَسَارِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ صَخْرٍ . قَالَ ابْنُ الْعَلَاءِ: الْبَيَضِىِّ قَالَ: كُنْتُ امْرَأْ أُصِيبُ
مِنَ النِّسَاءِ مَا لاَ يُصِيبُ غَيْرِى فَمَا دَخَلَ شَهْرُ رَمَضَنَ خِفْتُ أَنْ أُصِيبَ مِنَ امْرَأْ تِى شَيْئاً
يُقَابِعُ بِ حَتّى أَصْبِحَ فَظَهَرْتُ مِنْهَ حَتَّى يَنْسَلِخَ شَهْرُ رَمَضَانَ فَبَيْنَا هِىَ تَخْدُهُ فِى ذَاتَ
آَيْلَةٍ إِذْ تَكَثِّفَ لِ مِنْهَ شَىْءٍ فَمْ أَلْبَثْ أَنْ نَزَوْتُ عَلَيْهَا فَمَا أَصْبَحْتُ خَرَجْتُ إِلَى قَوْمِى
فَأَخْبَرْتُهُمُ الْخَرَ وَقُلْتُ: أمْشُوا مَعِى إِلَى رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَلّمَ قَالُوا: لاَ وَاقُهِ فَانْطَلَقْتُ
إلَى الَّبِىُّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَلَمَ فَاخْبَرْتُهُ فَقَالَ: أَنْتَ بِذَاكَ يَا سَلَمَةُ؟ قُلْتُ أَنَا بِذَاكَ
ياَ رَسُولَ اللهِ مَرَّتَيْنَ وَأَنَ صَابِرٌ لِأَمْرِ الْهِ فَحْكُمْ فِيِّ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ قَالَ: حَرِّرْ رَقَبَةٌ. قُلْتُ
وَالَّذِى بَعَثَكَ بِلْحَقِّ مَا أَمْلِكُ رَقَبَةٌ غَيْرَهَا وَضَرَبْتُ صَفْحَةَ رَقَبَقِ. قَالَ: فَهُمْ شَهْرَيْنِ
مُتَتَا بِعَيْنِ قَالَ: وَهَلْ أُصِبْتُ الّذِى أُصِبْتُ إلاَّ مِنَ الصَّيَامِ قَالَ: فَأَطْعِمْ وَسْقَاً مِنْ تَعْرِ بَيْنَ سِفِّينَ
مِسْكِيناً قَالَ: وَالّذِى بَعَنَكَ بِالْقِّ لَقَدْ بِقْنَا وَحْشَيْنِ مَ لَغَ طَعَامٌ قَالَ: فَنْطَلِقْ إلَى صَاحِبٍ
صَدَقَّةٍ بَنِىِ زُرَيْقِ فَلْيَدْفَتْهاَ إلَيْكَ فَأَطْعِمْ سِتُّونَ مِسْكِنَاً وَسْقَاً مِنْ تَدْرِ وَكُلْ أَنْتَ
وَهِيَلُكَ بِقِيْتَهَا فَرَجَعْتُ إِلَى قَوْيِى فَقُلْتُ لَهُمْ وَجَدْتُ عِنْدَ كُمُ الضُّيْقَ وَدُوءَ الرَّأَىِ وَوَجَدْتُ

١٧٢
ترجمة سلمة بن صخر البياضى
عِنْدَ الذِيِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّمَةَ وُحُسْنَ الرَّأَىِ وَقَدْ أَمَرَ لِ بِصَدَقَتِكُمْ. زَادَ ابْنُ الْعَلَاَءَ
قَالَ ابْنُ إِدْرِسَ: بَيَضَةُ بَطْنٌ مِنْ بَغِ ذُرَيْقٍ.
(ش) (السند) (ابن إدريس) عبد الله. و(محمد بن عمرو بن عطاء) تقدم ص ١٣٢ ج ٥
منهل (قال) محمد ( ابن العلاء) أحد شيخى المصنف فى روايته: محمد بن عمرو بن عطاء (بن علقمة
ابن عياش) وهو هكذا فى جميع النسخ لكن قال الحافظ فى تهذيب التهذيب: محمد بن عمرو بن
عطاء بن عباس بن علقمة بابدال عياش بالشين المعجمة بعباس بالسين المهملة وتقديمه على علقمة. فلعل
ما فى المصنف انقلب على ابن العلاء أو وقع الغلط فيه من النساخ. و(سلمة بن صخر) ويقال سلمان
وسلمة أصح كما قال البخارى. وهو ابن الصمة بن حارثة الأنصارى الخزرجى البياضى نسبة إلى بنى
بياضة بطن من زريق. كان حليفا لهم. روى عن النبى صلى الله عليه وسلم. قال البغوى: لا أعلم له حديثا
مسنداً إلا حديث الظهار. روى له أيضا الترمذى وابن ماجه (قال ابن العلاء) فى روايته ( البياضى)
صفة لسلمة بن صخر .
(المعنى) (قال) سلمة بن صخر (كنت امرأ أصيب من النساء ما لا يعيب غيرى) هو
كناية عن كثرة الجماع لفوته وكثرة شهوته ( فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتى
شيئا) من الجماع ( يتابع) بياء فتاء فياء مكسورة (بى) أى يلازمنى شره (حتى أصبح) غاية
لقوله أصيب من امرأتى أى أخشى أن أجامع زوجتى ليلا فى رمضان فلا أقدر أن أنزع منها حتى
أصبح فيفسد صوبى فأقع فى الشر (فظاهرت منها) مؤقتا ( حتى ينسلخ شهر رمضان فبينا هى
تخدمنى ذات ليلة ) بالإضافة البيانية أى ذات هى ليلة ( إذ تكثف) أى انكشف وظهر
(لى سنها) أى من محاسنها وجمالها (شىء) وفى رواية الحكم بن أبان عن عكرمة الآتية قال:
رأيت بياض ساقيها فى القمر (فلم ألبث أن نزوت عليها) يعنى وطئتها حتى أصبحت وعند
أحمد: فوثبت عليها ( فلما أصبحت خرجت إلى قومى فأخبرتهم الخبر) أى قصتى ( وقلت امشوا
معى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا لا ) أى لا ننطاق معك (والله فانطلقت إلى النبى
صلى الله عليه وسلم فأخبرته) بقصتى وعند ابن ماجه: فأخبرتهم خبرى وقلت لهم: سلوا لى رسول الله
صلى الله عليه وسلم فقالوا : ماكما نفعل إذا ينزل الله فينا كتابا أو يكون فينا من رسول الله
صلى الله عليه وسلم قول فيبقى علينا عاره ولكن سوف نسمك بجريرتك اذهب أنت اذكر شأنك
لرسول الله صلى الله عليه وسلم قال: فخرجت حتى جئته فأخبرته الخبر (فقال) رسول الله صلى الله

١٧٣
هل الظهار المؤقت كالظهار المطلق ؟ نعم عند الجمهور
عليه وسلم توبيخا له (أنت بذاك يا سلمة؟) أى أأنت المثم بذلك الذنب والفاعل له. فهو على حذف
الاستفهام التوبيخى ( قلت أنا بذاك يا رسول الله مرتين وأنا صابر لأمر الله) عز وجل فى شأنى
( فاحكم فىّ بما أراك الله) وفى بعض النسخ: فاحكم فىّ ما أراك الله ( قال حرر) أى أعتق
( رقبة ) ذكرا كان أو أنثى ( قلت والذي بعثك بالحق ما أملك رقبة غيرها) يعنى رقبة
نفسه. كنى به عن كونه فقيرا لا يملك شيئا (وضربت صفحة رقبتى ) بيدى .
(قال) صلى الله عليه وسلم (فهم شهرين متتابعين) أى متواليين بحيث لا يفطر ولا يقرب
فيهما امرأته (قال) سلمة ( وهل أصبت) بضم الهمزة من الإصابة (الذى أصبت إلا من) أجل
( الصيام) وعند أحمد: وهل أصابنى ما أصابنى إلا فى الصيام. وعند ابن ماجه: وهل دخل
علىّ ما دخل من البلاء إلا بالصوم ؟ (قال) صلى الله عليه وسلم (فأطعم وسقاً من تمر ) الوسق
ستون صاءًاً. والصاع أربعة أمداد. وتقدم بيانه فى الوضوء والزكاة (بين ستين مسكيناً
قال ) سلمة ( والذى بعثك بالحق لقد بتنا وحشين) تثنية وحش بفتح فسكون. أى جائع.
أى والله لقد بت أنا وزوجتى خاليين جائعين ( ما لنا طعام ) وعند ابن ماجه: لقد بقنا ليلتنا
هذه ما لنا عشاء ( قال ) صلى الله عليه وسلم ( فانطلق إلى صاحب صدقة بنى زريق )
أى العامل عليها . ولم نقف على اسمه ( فليدفعها إليك فأطعم ستين مسكيناً ومقاً من تمر ،
وكل أنت وعيالك بقيتها . فرجعت إلى قومى فقلت: وجدت عندكم الضيق وسوء الرأى.
ووجدت عند النبى صلى الله عليه وسلم السّعة وحسن الرأى . وقد أمر لى بصدقتكم ) باللام .
وبدون شك كذا فى بعض النسخ . وفى بعضها: وقد أمرنى أو أمر لى بالنون فى الأولى واللام
فى الثانية مع الشك. وعند أحمد والترمذى: فادفعوها إلىَّ فدفعوها إلىّ. (زاد) أحد شيخى
المصنف محمد (بن العلاء) فى روايته (قال) عبد الله (بن إدريس) قوله (بياضة بطن من
بني زريق ) بتقديم الزاى على الراء .
(الفقه ) دل الحديث (١) على أن الظهار المؤقت ظهار كالمطاق. وعن الشافعى أنه ليس
بظهار. فلو قال لامرأته : أنت علىّ كظهر أمى إلى الليل. فإذا أصابها قبل مضى المدة لزمته
الكفارة. وإذا برّ فلم يحنث. فقال مالك وابن أبى ليلى: تلزمه الكفارة . وقال الحنفيون
والجمهور: لا شىء عليه إذا لم يقربها (ب) فيه حجة لمن قال بجواز صرف الصدقة لصنف
واحد من مصارف الصدقة (ج) دل قوله: حرر رقبة على أنه يكفى إعتاق رقبة ولو صغيرة
أو معيبة عيباً لا يفوت كل المنفعة كالمور والعرج ، وقطع يد ورجل من خلاف والصمم الذى

١٧٤
المذاهب فى مقدار كفارة الظهار من الطعام. لا تسقط كفارته بالعجز عند الجمهور
لا يمنع سماع الصياح. وهذا متفق عليه. وكذا يكفى عتق الكافرة عند الحنفيين لإطلاق الأدلة
فى غير كفارة القتل. وقال الأئمة الثلاثة والجمهور: يشترط أن تكون الرقبة مؤمنة حملا للمطاق
من الأدلة على المقيد فى آية كفارة القتل. (د) دل قوله صلى الله عليه وسلم: فأطعم ومقا من تمر
بين ستين مسكيناً . على أن المظاهر إذا مجز عن الصيام أعطى ستين مسكيناً كل واحد صاعاً من
تمر أو شعير أو زبيب أو نصف صاع من بر أو قيمة ذلك أو أطعمهم أكلتين مشبعتين عند
الحنفيين. وإن أعلى فقيراً واحداً طعام شهرين فى يوم لا يكفى إلا عن يوم واحد. وإن أطعم فقيرا
شهرين إباحة أو تمليكا صح، لأن المعتبر دفع حاجة الفقير ، وهى تتجدد بتجدد اليوم .
(وقال) مالك والشافعى: يعطى كل مسكين مُدًّا من غالب قوت البلد. كما فى كفارة الصيام
لقوله صلى الله عليه وسلم: لفروة بن عمرو: أعطه ((أى سلمة بن صخر)) ذلك العرق وهو مكتل
يأخذ خمسة عشر صاعاً إطعام ((أى ليطعم)) ستين مسكيناً. أخرجه الترمذى وحسنه(١) [٣٣].
وقال أحمد : يعطى كل مسكين مُدًّا من بر أو نصف صاع من تمر أو شعير. قال أبو زيد
المدنى: جاءت امرأة من بنى بياضة بنصف وسق شعير. فقال النبى صلى الله عليه وسلم للمظاهر :
أطعم هذا فإن مدّى شعير مكان مُدّبر. أخرجه أحمد(٢) [٣٤]. (هـ) ظاهر الحديث أن
كفارة الظهار لا تسقط بالعجز عن جميع أنواعها ، لأن النبى صلى الله عليه وسلم أعان الرجل
بما يكفر به بعد أن أخبره بعجزه عن الخصال الثلاث . وهذا قول الجمهور. ومنهم الحنفيون ومالك
والشافعى. وروى عن أحمد. وقال قوم: تسقط الكفارة عن العاجز. وقال قوم: تسقط كفارة
رمضان فقط ، لحديث على رضى الله عنه أنَّ رجلا أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال :
بها رسول الله هلكت . فقال: وما أهلكك ؟ قال: أتيت أهلى فى رمضان. قال : هل تجد
رقبة ؟ قال : لا . قال: فعم شهرين متتابعين . قال : لا أطيق الصيام . قال : فأطعم ستين
مسكيناً لكل مسكين مد. قال: ما أجد. فأمر له رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة عشر
صاعاً . قال: أناسمه ستين مسكيناً. قال: والذي بعثك بالحق ما بالمدينة أهل بيت أحوج معا.
قال: فانطلق فكله أنت وعيالك، فقد كفر الله عنك. أخرجه الدارقطنى(٣) [٣٥].
وفى سنده المنذر بن محمد بن المنذر ليس بقوى .
(١) س ٢٢٢ ج ٢ تحفة الأحوذي (كفارة الظهار).
(٢) س ٦٨ ج ٣ مغنى ابن قدامة (فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا .. )
(٣) ص ٢٥١ سنن الدار قطنى (باب الإفطار في رمضان لحكبر ).

١٧٥
ترجمة معمر بن عبد الله بن حنظلة وخويلة بنت مالك بن ثعلبة
( والحديث) أخرجه أيضاً أحمد وابن ماجه والحاكم وقال: هذا حديث صحيح على شرط
مسلم. وأخرجه البيهقى والترمذى وقال: هذا حديث حسن صحيح. قال محمد ((يعنى البخارى))
سليمان بن يسار لم يسمع عندى من سلمة بن صخر (١). أى فهو منقطع. وصححه ابن خزيمة .
وفى سنده محمد بن إسحاق وهو مدلس وقد عنعنه .
(٣٤) (ص) حدّثْا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيَّ نَا بَحْتَى بْنُ آدَمَ ثَنَا ابْنُ إِذْرِيسَ عَنْ
مُحَيِّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَنْظَةَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ.
عَنْ خُوَيْلَةَ بِنْتِ مَالِكِ بْنِ تَعْلَبَةَ قَلَتْ: ظَهَرَ مِنِّى زَوْجِى أَوْسُ بْنُ الصَّمِتِ .
فَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ صَلّى الهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْكُو إِلَيْهِ وَرَسُولُ اللهِ صَلَى الْهُ عَلَيْهِ وَمَلَّمَ
◌ُجَدِلُفِ فِيهِ وَيَقُولُ: أنَّقِ اللهَ فَإِنَّهُ ابْنُ عَمِّكِ. فَمَا بَرِحْتُ حَتَّى نَزَّلَ الْقُرْآنُ:
قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الْفِى تُجَدِلُكَ فِىِ زَوْجِهَا إِلَى الْفَرْضِ. فَقَلَ: يُعْتِقُ رَقَبَةٌ. قَتْ:
لاَ يَجِدُ . قَالَ: فَيَصُومُ شَهْرَيْنِ مُتَتَبِعَيْنِ. قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّهُ ذَيْخُ كَبِيرٌ مَا بِهِ
مِنْ صِهٍَ. قَالَ: فَلْيُطْعِمْ سِقِينَ مِسْكِيْنَا. قَالَتْ: مَ عِنْدَهُ مِنْ شَىْءٍ يَتَصَدَّقُ بِهِ.
قَتْ: فَأْتِىَ سَاعَتَئِذٍ بِعَرَقٍ مِنْ تَمْرٍ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ الهِ، فَإِنَّى أَعِينُهُ بِعَرَقٍ آخَرَ .
قَالَ : قَدْ أَحْسَنْتِ، اذْهَبِى فَأَطْحِى بِهِمَ عَنْهُ سِتَّيْنَ مِسْكِيْنَا وَارْجِعِى إِلَى ابْنِ عِّكِ.
قَالَ: وَالْعَرَقُ سِتُّونَ صَاعًا. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: عِنْدِى فِى هَذَا أَنَّهَاَ كَفْرَتْ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ
تَسْتَأْمِرَهُ. قَالَ أَبُو دَاوُدَ: هَذَا أَخُو عُبَدَةَ بْنِ الصَّامِتِ.
(ش) (السند) (ابن إدريس) عبد الله. و (معمر بن عبد الله بن حنظلة) الحجازى.
روى عن يوسف بن عبد الله بن سلام وخولة بنت ثعلبة . وعنه محمد بن إسحاق بن يسار. ذكره
ابن حبان فى الثقات . وقال ابن القطان: مجهول الحال وتبعه الذهبى وقال: تفرد به ابن إسحاق .
وقال فى التقريب: مقبول من الخامسة . و(خويلة) بالتصغير ويقال خولة . ويقال خولة بنت
دليج. ويقال جميلة ( بنت مالك بن ثعلبة) بن أصرم بن فهر . ويقال بنت ثعلبة بن مالك الأنصارية
الخزرجية ((قال)) أبو عمر بن عبد البر: روينا من وجوه عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه
خرج ومعه الناس فمر بعجوز فاستوقفته فوقف فجعل يحدثها وتحدثه فقال له رجل: يا أمير المؤمنين
(١) س ٢٢ ج ١٧ - الفتح الربانى. وس ٣٢٤ ج ١ سنن ابن ماجه (الظهار) وص ٢٠٣ ج ٢
مستدرك. وس ٣٧٥ ج٧ سنن البيهقى (لا يقربها حتى يكفر). وس ١٩٤ ج٤ تحفة الأحوذي (سورة المجادلة).

١٧٦
مذهب السلف والخلف فى المنشابه . فضل خولة بنت ثعلبة
حبست الناس على هذه العجوز. فقال: ويلك أتدرى من هى؟ هذه امرأة سمع الله شكواها من
فوق سبع سموات(١) هذه خولة بنت ثعلبة التى أنزل الله فيها: قد سمع الله قول التى
تجادلك فى زوجها وتشتكى إلى الله. والله لو أنها وقفت إلى الليل ما فارقتها إلا للصلاة.
ثم أرجع إليها(٢).
(المعنى) (ظاهر منى) أى قال لى أنت ◌َلَىّ كظهر أمى (زوجى أوس بن الصامت)
ابن قيس بن أصرم بن فهر بن ثعلبة بن سالم بن عوف بن الخزرج الأنصارى ، شهد المشاهد كلها
مع النبى صلى الله عليه وسلم. مات زمن عثمان رضى الله عنهما. وله خمس وثمانون سنة (فجئت
رسول الله صلى الله عليه وسلم أشكو إليه) سوء خلق زوجى وغلظته (ورسول الله صلى الله
عليه وسلم يجادانى فيه ويقول اتقى الله) بطاعة زوجك ولا تذكريه بسوء (فإنه ابن مك)
فقد تقدم أن جدها أصرم بن فهر (فما برحت حتى نزل) فىّ (القرآن) وهو قوله تعالى (قد
سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها) أوس بن الصامت (إلى ) آخر آيات ( الفرض ).
أى المفروض من كفارة الظهار. وتمام الآيات وتشتكى إلى الله والله يسمع تحاور كما
إن الله سميع بصير(١) الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم إن أمهاتهم إلا اللشى ولدنهم
وإِنْهُم ليقولون مفكراً من القول وزورا وإن الله لعفو غفور(٣) والذين يظاهرون من نسائهم
ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ذلكم توعظون به والله بما تعملون خبير(٣) فمن لم
يجد فصيام شهرين متتابعين من قبل أن يتماسا فمن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا ذلك لتؤمنوا
بالله ورسوله وتلك حدود الله والكافرين عذاب أليم(1) (فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم
(١) (من فوق سبع سموات) هذا من المتشابه الذى لا يعلم معناه إلا الله عزوجل. والسلف والخلف فيه
مذهبان مصهوران تقدم بيانهما فى شرح ((حديث الجارية فى باب تشميت العاطس فى الصلاة )) ص ٣٣ ج ٦
المنهل العذب .
(٢) ص ٧٢٢ ج ٢ الاستيعاب ( خولة بنت ثعلبة).
(١ - ٤) هذه الآيات نزلت فى خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس بن الصامت وكانت حسنة الجسم وكان به
لم (( أى شدة إلمام بالنساء والتوقان إليهن)) فأرادها فأبت فقال لها: أنت على كظهر أمى. ثم ندم على ما هل
وكان الظهار والإيلاء من طلاق أهل الجاهلية فقال لها: ما أظنك إلا قد حرمت على. فقالت: والله ما ذاك طلاق
فأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت: يا رسول الله إن زوجى أوس بن الصامت تزوجى وأنا عابة غنية.
ذات أهل ومال حتى أذا أكل مالى وأفنى شبابى وتفرق أهلى وكبر سنى ظاهر منى وقد ندم فهل من شىء يجمعنى
وإياه تنعشنى به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ((حرمت عليه)). فقالت: يا رسول اللّه والذى أنزل
عليك الكتاب ما ذكر طلاقا وإنه أبو ولدى وأحب الناس إلى. فقال صلى الله عليه وسلم: ((حرمت عليه)).
فقالت: أشكو إلى الله فاقتى. ووحدتى قد طالت له صحبتى ونفضت له بطنى، فقال صلى الله عليه وسلم ((ما أراك
إلا قد حرمت عليه ولم أومر فى شأنك بشىء)». فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا قال لها حرمت =

١٧٧
مالا يصام فى كفارة الظهار . ما يقطع التتابع فيها
( يعتق) أوس بن الصامت (رقبة) ناويا العقق. فلو لم ينو أو نوى بعد لم يجزئُ. (قالت)
خولة ( لا يجد ) ما يعتق لعجزه عن الرقبة حسًا لعدم وجودها. وشرعاً بأن لم يجد ثمنها أو وجده
واحتاج إليه المثونة. (قال) صلى الله عليه وسلم ( فيصوم) المظاهر لزوماً (شهرين متتابعين)
بلا إفطار يوم. ولا جماع فيهما. وليس فيهما رمضان لعدم التتابع لأن رمضان فى حق الصحيح
المقيم لا يسع غير فرض الوقت. أما إذا كان مسافراً أو مريضاً فصام شعبان ورمضان بنية الكفارة
أجزأه عند أبى حنيفة لأن لهما صوم رمضان عن واجب آخر. وقال مالك والصاحبان: صيام رمضان
يجزئ عن رمضان سفراً وحضراً ويقطع التتابع فى الكفارة. ولا يكون فى الشهرين يوم منهى
عن صيامه كيوى العيد وأيام التشريق لأن صومها حرام فلا يتأدى به الفَرض. فإن وطى المظاهِرُ
المظاهر منها فى الشهرين ليلا أو نهاراً ولو نائياً، استأنف الصوم عند أبى حنيفة ومحمد .
وهو الصحيح لأن النص يقتفى كون الصوم قبل المسيس وكونه خالياً عنه . وقال أبو يوسف:
الشرط عدم فساد الصوم . فلو وطئها ليلا ولو عامداً أو نهاراً ناسياً لا يستأنف. ولو أفطر
المظاهر ولو بعذر كفر ومرض استأنف الصوم اتفاقاً لعدم التتابع (قالت) خويلة :
(يا رسول الله إنه) أى أوس (شيخ كبير ما به) قوة ( من صيام) أى عليه. (قال) صلى الله
عليه وسلم: ( فليطعم ستين مسكيناً. قالت : ما عنده من شىء يتصدق به) أى فى كفارة الظهار.
(قالت) خويلة: (فأتى) رسول الله صلى الله عليه وسلم (ساعتئذ بعرق) بفتح الراء. وهو
مكتل - كنبر - يسع خمسة عشر صاءً. كما يأتى فى أثر أبى سلمة. وما يأتى فى المصنف (١) من أنه
ستون صاعاً فهو مفكر تفرد به يحيى بن آدم (ب) أنه مكتل يسع ثلاثين صاعاً فهو مفكر
أيضً(١). (من تمر) فأعطاه النبى صلى الله عليه وسلم أوساً ليكفر به. ولما كان هذا القدر
يكفى نصف الكفارة فقط. قالت خولة: (قلت: يا رسول الله فإنى أعينه بعرق آخر. قال)
صلى الله عليه وسلم: (قد أحسنت اذهبى فأطعمى بهما) أى بالعرقين من التمر (عنه) أى عن كفارة
٠
= عليه هتفت وقالت أشكو إلى الله فاقتى ووحدتى وشدة الى. وإن لى صبية صغارا إن ضممتهم إلى جاءوا وإن ضممتهم
إليه ضاعوا وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إنى أشكو إليك اللهم فأنزل على لسان نبيك فرجى. وكان
هذا أول ظهار فى الإسلام فقالت خويلة: انظر فى أمرى جعلني الله فداك يا فى الله. فقالت عائشة: أقصرى حديثك
ومجادلتك أما ترين وجه رسول اقله صلى الله عليه وسلم قد تغير. وكان صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه الوحى
أخذه مثل السبات أى النوم. فلما قضى الوحى قال: ادعى زوجك فدعته فتلاعليه صلى الله عليه وسلم: ( قد سمع
الله قول التى تجادلك فى زوجها). الآيات إلى قوله: (والكافرين عذاب أليم). قاله البغوى انظر س ٢٤٩ ج ٨
معالم التنزيل .
(١) أمر أبى سلمة يأتى رقم ١١ ص١٧٩ وكون العرق ستين صاعا بأتى آخر الحديث. وكونه ثلاثين مساءا يأتى
بالحديث رقم ٣٥ مك ص ١٧٨.
(٢ - ١٢ فتح الملك المعبود ج ٤)

١٧٨
من له كفارة الظهار بالصيام
أوس (ستين مسكينا) أو فقيراً أو غيرها من مصارف الزكاة. وقد تقدم بيان المذاهب فيما يععلى
فى الكفارة لكل فقير (وارجعى إلى ابن عمك) أوس بن الصامت. (قال) يحيى بن آدم
( والعرق ستون صاعا) تقدم أن هذا مفكر والصواب أنه خمسة عشر صاعا ( قال أبو داود: عندى
فى هذا أنها كفرت عنه من غير أن تستأمره). أى أن المصنف يرى أن خويلة أدت كفارة الظهار
عن زوجها بغير إذنه وعلمه . ورد بأن الحديث يدل على أنها كفرت عنه بأذنه لأنهما كانا عند
النبى صلى الله عليه وسلم لما أعانه بعرق كما يدل عليه سائر روايات الحديث.
(والحديث) أخرجه البيهقى من طريق المصنف. وأخرجه أحمد مطولا. وفى سنده محمد بن إسحاق
وهو ثقة مداس. وقد صرح بالتحديث عند أحمد . قال حدثنا معمر (١) فانتفت علة التدليس.
لكن معمر بن عبد الله فيه مقال كما علمت فى ترجمته .
(٣٥) مك (ص) حدّثْا الْسَنُ بْنُ عَلِيِّ ثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ تَحْسَى أَبُو الْأَصْبَعِ الْحَرَّافِىِّ
ثَ لُحَمَّدُ بْنُ مَلَةَ عَنِ ابْنِ إِسْحَقَ بِهَذَا الإِسْنَادِ نَحْوَهُ إِلاَّ أَنَّهُ قَلَ: وَالْعَرَقُ مَكْتَلٌ بَسَعُ
ثَائِينَ صَاعًا. قَالَ أَبُو دَاودَ: وَهَذَا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثٍ تَحْسَ بْنِ آدَمَ .
(ش﴾ (بهذا الإسناد). أى إسناد محمد بن إسحاق عن معمر بن حنظلة إلى خويلة ( نحوه).
أى نحو الحديث السابق. ولفظه عند البيهقى: عن يوسف بن عبد الله بن سلام . قال : حدثتنى
خويلة بنت ثعلبة. وكانت تحت أوس بن الصامت أخى عبادة بن الصامت . قالت : دخل على
فكلمنى بشىء وهو فيه كالضجر فراددته فغضب وقال: أنت على كظهر أمى . ثم خرج إلى .
نادى قومه . ثم رجع إلىّ فراودنى على نفسى فأبيت فشادّنى فشاددته فغلبته بما تغلب به المرأة
الرجل الضعيف. فقلت: والذى نفس خويلة بيده لا تصل إلىَّ حتى يحكم الله فىَّ وفيك. فأتيت
النبى صلى الله عليه وسلم أشكو إليه ما لقيت، فقال: زوجك وابن عمك اتقى الله وأحسفى
صحبته . فما برحت حتى أنزل الله عز وجل. قد سمع الله قول التى تجادلك فى زوجها إلى الكفارة .
فقال النبى صلى الله عليه وسلم: مريه فليعتق رقبة. قالت: والله ما عنده رقبة يملكها . قال: فليصم
شهرين متتابعين . قلتُ: يا رسول الله شيخ كبير مابه من صيام ، قال : فليطعم ستين مسكينا ،
(١) س ٣٩١ ج ٧ سنن البيهقى (لا يجزئ أن بطعم أقل من ستين مسكينا .. ) وس ٤١٠ ج ٦ مسندأحمد
( حديث خولة بنت ثعلبة رضى الله عنها) .
:

١٧٩
لا يجزئُ فى كفارة الظهار إطعام أقل من ستين مسكينا
فقلت: يا نبي الله ما عنده ما يطعم قال: بلى سنعينه بعرق. والعرق المكتل يسع ثلاثين صاعا
من التمر . فقلت: يا رسول الله وأنا أعينه بعرق آخر. قال قد أحسنت مريه فليتصدق(١) (إلا أنه).
أى محمد بن سلمة (قال) فى روايته (والعرق مكتل) كمنبر ( يسع ثلاثين صاعا) لا ستين كما قال
يحي بن آدم ( قال أبو داود: وهذا أصح من حديث بحي بن آدم). قيل وجه أنه أصح من
جهة تفسير العرق فإنه لو كان العرق ستين صاعا كما قال يحيى بن آدم فى الحديث السابق لما احتاج
الأمر إلى معاونة خويلة لزوجها بعرق آخر فى الكفارة فالأصح أن العرق الذى أتى إلى النهى
صلى الله عليه وسلم كان يسع ثلاثين صاعاً.
( وهذه الرواية) أخرجها البيهقى مبينة بلفظ تقدم وأخرجها بلفظ المصنف(٢).
(١١) (ص) حّشْا مُوسَى بْنُ إِسْمَعِلَ قَذَا أَبَنٌ تَفَ يَهَْى عَنْ أَبِى سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّثَنِ
قَالَ: يَعْفِى بِالْعَرَقِ زَنْدِيِلا يَأْخُذُ خْسَةَ عَشَرَ صَاعً .
(ش) هذا أثر فى بيان قيمة العرق. و(أبان) بن يزيد العطار. و (يحي) بن أبى كثير
( المعنى) (قال) يحيى بن أبى كثير (يعنى) أبا سلمة (بالعرق) بفتحتين (زنبيلا يأخذ)
أى يسع ( خمسة عشر صاءًاً).
(وهذا) الأثر أخرجه البيهقى من طريق المصنف وذكره الترمذى ضمن حديث سلمان بن صخر
البياضى. وهو سلمة بن صخر المتقدم حديثه أول الباب ولفظ الترمذى: ثنا أبو سلمة ومحمد بن عبد
الرحمن أن سلمان بن صخر الأنصارى أحد بنى بياضة جمل امرأته عليه كظهر أمه حتى يمغى
رمضان. فلما مضى نصف من رمضان وقع عليها ليلا فأتى رسول اله صلى الله عليه وسلم فذكر
ذلك له. فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: أعتق رقبة. قال: لا أجدها. قال: فعم شهرين
متتابعين. قال: لا أستطيع. قال: أطعم ستين مسكينا. قال: لا أجد . فقال رسول الله صلى الله
عليه وسلم لفروة بن عمرو: أعطه ذلك العرق وهو مكتل يأخذ خمسة عشر صاعا أو ستة عشر صاعا
إطعام ستين مسكينا وحسنه(٣) وتفسير العرق من أبى سلمة بن عبد الرحمن.
(١) ص ٣٨٩ ٤ ٢ سنن البيهقى (من له الكفارة بالصيام).
(٢) ص ٣٩٢ ج ٧ سنن البيهقى (لا يجزئ" أن يطعم أقل من ستين مسكينا).
(٣) ص ٣٩٠ منه وس ٢٢١ ج ٢ تحفة الأحوذي (كفارة الظهار ) ولعل فروة بن عمرو هو عامل صدقة بنى
زريق المبهم فى رواية المصنف أول الباب .

١٨٠
اختلاف الروايات فى مقدار العرق يدل على اضطراب حديث أوس وخولة
(فتحصل) من مجموع الروايات أن العرق مختلف فى تقديره وسعته فرواية يحيى بن آدم تدل
على أنه ستون صاعا. ورواية محمد بن سلمة تفيد أنه ثلاثون صاعا. ورواية أبى سلمة بن عبد الرحمن
تفيد أنه خمسة عشر صاعا . أما من حيث العرق فى ذاته فلا خلاف فى الواقع لأنه قد يكون كبيراً
يسع ستين صاعا. وقد يكون متوسطاً يسع ثلاثين صاعا. وقد يكون صغيراً يسع خمسة عشر صاعا .
وأما اختلاف الروايات فى تقديره فإنه يدل على اضطراب الحديث وضعفه لأن الظاهر أن قصة أوس
مع خويلة واحدة لم تتعدد .
(٣٦) مك (ص) حدّثَنْا ◌ِبْنُ السَّرْحِ قَفَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَ فِى ابْنُ أَمِيعَةً وَعْرُو بْنُ
الْخَارِثٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ عَنْ سُلَيْآَنَ بْنِ يَسَارِ بِهَذَا الْبَرِ: قَالَ فَأَتِىَ رَسُولُ الهِ
صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَلَّ بِتَعْرٍ فَأَفْطَاهُ إِيَّاهُ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ خْسَةَ عَشَرَ صَاعًا، قَالَ: تَمَدَّقْ
بِهَذَا. فَقَلَ عَلَى أَفْرَ مِّى وَمِنْ أَهْلِ؟ فَقَلَ رَسُولُ اللهِ عَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: كُلْهُ
أنْتَ وَأَهْلُكَ .
(ش) (ابن السرح) أحمد بن عمرو، و(ابن وهب) عبد الله. و(ابن لهيعة) عبد الله
( المعنى) ( بهذا الخبر). أى روى سليمان بن بار حديث سلمة بن صخر البياضى المذكور
أول الباب (قال) سلمة بن صخر: (فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بتمر فأعطاه) أى التمر
( إياه) أى سلمة بن صخر (وهو قريب من خمسة عشر صاعاً قال) صلى الله عليه وسلم (تصدق
بهذا فقال) سلمة ( على أفقر) أى على أحوج ( منى) فهو على حذف الاستفهام. وقد صرح به
فى بعض النسخ ( ومن أهلى؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كله أنت وأهلك) ((ولا ينافى))
هذا ما تقدم أول الباب عن سليمان بن يسار عن سلمة بن صخر من أن النبى صلى الله عليه وسلم
أمره أن يذهب إلى عامل صدقة بنى زريق فيأخذها منه فيؤدى الكفارة منها ويأكل بقيتها
((لاحتمال)) أنه صلى الله عليه وسلم أتى بهذا النمر أولا فأمر سلمة أن يأخذه ويتصدق به. فلما أخبره
بشدة حاجته وحاجة أهله أمره أن يأكله هو وأهله وأن يذهب إلى عامل صدقة بن زريق فيأخذ
منه صدقاتهم فيؤدى تلك الكفارة منها ويا كل باقيها هو وأهله أيضاً .
(وهذه) الرواية مرسلة أخرجها البيهقى من طريق المصنف . وقال : فهذه الرواية عن سلمان
موافقة لرواية أبى سلمة بن عبد الرحمن وابن ثوبان فى قصة سلمة بن صخر فهى أولى(١).
(١) س ٣٩١ ج ٧. سنن البيهقى ( لا يجزئ أن يطعم أقل من ستين مسكينا كل مسكين مدا).