النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
المذاهب فيما يلزم من أحرم بحجتين
تحريم العمرة فى أشهر الحج وأنهم كانوا يعدّونها من أخر الفجور . وأنه صلى الله عليه وسلم
إنما قال: ((لو استقبلت من أمرى ما استدبرت لم أسق الهدى ولجعلتها عمرة)) تطيبا لقلوب
أصحابه . أفاده النووى(١) . فالراجح القول بأفضلية القران لقوة أدلته . هذا.
وقد اتفق العلماء على أن المفرد لا يلزمه دم وعلى أن المتمتع يلزمه دم. وكذلك القارن عند
الجمهور خلافا لداود الظاهرى وطاوس. والظاهر مذهب الجمهور .
( تنمة) قال الخطابي: اختلفوا فيمن أهلّ بحجتين. فقال الشافعى وأحمد بن حنبل وإسحاق
ابن راهويه: لا يلزمه إلا حجّة واحدة. ومن حُجتهم فى ذلك أن المضىَّ فيهما لا يلزم ولو فعه
لم يصح بالإجماع ((وقال) أصحاب الرأى: يرفض إحداهما إلى قابل ويمضى فى الأخرى وعليه
دم. قلت لو لزمتاه لم يكن له رفض إحداهما إلى قابل لأنه يكون فى معنى الفسخ. وقد أخبر
صلى الله عليه وسلم أن فسخ الحج كان لهم خاصا دون من بعدهم ((وقال)) سفيان: يلزمه حجة
وعمرة من عامه ويهريق دما ويحج من قابل. وحكى عن مالك أنه قال: يصير قارنا وعليه دم.
ولا يلزمه على مذهب الشافعى شىء من عمرة ولا دم ولا قضاء من قابل (٢).
( والحديث) أخرجه أيضا أحمد والنسائي وابن ماجه والدارمى بسند رجاله ثقات(٣)
((وقول أحمد ): حديث بلال بن الحارث عندى لا يثبت ولا أقول به ولا يعرف هذا الرجل
يعنى الحارث بن بلال (٤) «يبعده)) ما تقدم أن الحافظ ابن حجر وثق الحارث.
٢٧ - باب الرجل يحج عن غيره
Qu
أى أيجوز أم لا ؟
(٨٦) ﴿ص) حَدَّثَ الْقَنِّ عَنْ مَالِكِ عَنْ اِبْنِ شِهَبٍ عَنْ سُلَيَنَ بِنِ يَارِ عَنْ
عَبْدِ اللهِبْنِ عَسِ قَالَ: كَنَ الْفَضْلُ بْنُ عَبَسِ رَدِيَفَ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَمُ
بَتْهُامْرَأَةٌ مِنْ خَتْعَمَ تَسْتَفْتِهِ بَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إليهاَ وَنْظُرُ إِلَيْهِ بَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلَى
الَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَمْ يَصْرِفُ وَجْهَ الْفَضْل إلى الشَّقُّ الْآخَرَ. فَقَتْ: يَاَ رَسُولَ اللهَ إنَّ فَرِيضَةٌ
(١) انظر ص ١٦٥ جـ ٧ شرح المهذب .
(٣) انظر ص ٤٦٩
(٢) انظر من ١٢٠ جـ ٢ معالم السنن.
جـ ٣ مسند أحمد. وس ١٠٤ جـ ١٢ - الفتح الربانى. وص ٢٣ج ٢ مجتي (لإباحة فخ الحج بعمرة لمن لميق الهدى)
وص ١٢٠ ج ٢ - ابن ماجه (فسخ الحج كان لهم خاصة) وص ٥٠ جـ ٢ دارى (فسخ الحج) (٤) تقدم ص ١٠٠
من عبارة منتقى الأخبار .

١٠٢
الاختلاف على ابن شهاب فى حديثه عن سليمان بن يسار عن ابن عباس
اللّهَ عَلَى عِبَادِهِ فى الْحَجِّ أَدْرَكَتْ أَبِ شَيْخاً كَثِيراً لاَ يَسْتَطِيعُ أنْ يَنْبُتَ عَلَى الَّاحِلَةَ أَفَأُحُجْ
عَنْهُ؟ قَالَ: نَعَمْ . وَذَلِكَ فِى حَّةِ الْوَدَاعِ .
﴿ش﴾ (السند) هكذا رواه البخارى عن عبد الله بن مسلمة عن مالك. ومسلم عن يحي
ابن يحيى عن مالك(١) ومداره على ابن شهاب وقد اختلف عليه فى إسناده: فرواه عنه مالك كما
ترى. وظاهره أنه من حديث ابن عباس. ورواه الأوزاعى عن ابن شهاب عن سلمان بن يسار
عن ابن عباس عن أخيه الفضل أنه كان ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم غداة النحر فأتته
امرأة من خثعم فقالت: يارسول الله إن فريضة الله فى الحج على عباده أدركت أبى شيخاً كبيراً
لا يستطيع أن يركب أفأحج عنه؟ قال: نعم فإنه لو كان على أبيك دين قضيته. أخرجه ابن
ماجه (٣) [٨١] ورواه ابن جريج عن ابن شهاب ، حدثنا سليمان بن يسار عن ابن عباس عن
الفضل أن امرأة من خثعم قالت: يا رسول الله إن أبى شيخ كبير عليه فريضة الله فى الحج وهو
لا يستطيع أن يستوى على ظهر بعيره . فقال النبي صلى الله عليه وسلم: فجى عنه. أخرجه
مسلم [٨٢]، وأخرج نجوه البخارى والبيهقى والترمذى وقال: حديث حسن صحيح . وروى عن
ابن عباس أيضاً عن سنان بن عبد الله الجهنى عن عمته عن النبى صلى الله عليه وسلم. وروى
عن ابن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم، وسألت محمداً(( يعنى البخارى)) عن هذه الروايات
فقال: أصح شىء فى هذا ماروى ابن عباس عن الفضل بن عباس عن النبى صلى الله عليه وسلم.
قال محمد : ويحتمل أن يكون ابن عباس سمعه من الفضل وغيره عن النبى صلى الله عليه وسلم.
ثم روى هذا فأرسله ولم يذكر الذى سمعه منه(٣). وإنما رجح البخارى الرواية عن الفضل لأنه
كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ. وكان ابن عباس قد تقدم من مزدلفة إلى منى مع
الضعفة . وقد دل غير شاهد على أن ابن عباس لم يحضر رسول الله صلى الله عليه وسلم فى تلك
الحالة وإنما سمع ذلك من الفضل (قال) ابن عباس: إن أسامة كان ردف النبي صلى الله عليه وسلم
من عرفة إلى المزدلفة ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى قال : فكلاهما قال : لم يزل النبى
صلى الله عليه وسلم يلبى حتى رمى جمرة العقبة. أخرجه البخارى(٤) [٨٣].
﴿المعنى﴾ ( كان الفضل رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم) أى كان راكباً خلفه
(١) انظر ص ٤٨ جـ ٤ فتح البارى (حج المرأة عن الرجل) وص ٩٧ جـ ٩ نووى مسلم (الحج عن العاجز لزمانة).
(٢) انظر س ١١١ جـ ٢ - ابن ماجه (الحج عن الحى إذا لم يستطع). (٣) انظر ص ٩٨ جـ ٩ نووى مسلم. وص ٤٧
جـ ٤ فتح البارى (الحج عمن لا يستطيع الثبوت على الراحلة) وص ٣٢٨ = ٤ بيهقى (المضنو فى بدنه لا يثبت على مركب)
(٤) انظر ص ٣٤٦ جـ ٣ فتح البارى ( التلبية
وص ١١٢ جـ ٢ تحفة الأحوذي (الحج عن الشيخ الكبير والميت).
والتكبير غداة النحر ) .
٠٠

١٠٣
الروايات فى السائل والمسئول عنه فى حديث الختعمية وسنان الجهنى وغيرهما
على الراحلة ( فجاءته امرأة من خثعم ) بفتح الخاء وسكون المثلثة وفتح العين المهملة غير منصرف
للعلمية ووزن الفعل أو التأنيث لأنه اسم قبيلة باليمن ( جعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه )
وفى رواية للبخارى عن ابن عباس قال : أردف النبى صلى الله عليه وسلم الفضل يوم النجر
خلفه على عجز راحلته . وكان الفضل رجلا وضيئاً فوقف النبى صلى الله عليه وسلم للناس يفتيهم
وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفق الفضل ينظر إليها
وأعجبه حسنها فالتفت النبى صلى الله عليه وسلم والفضل ينظر إليها فأخلف بيده فأخذ بذقن
الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها (الحديث)(١) [٨٤] (جعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يصرف
وجه الفضل إلى الشق الآخر) أى لميكف عن النظر إليها . وإنما لم يأمرها بصرف النظر عنه
لأن صرف وجه أحدهما يغنى عن الآخر ( فقالت يا رسول الله إن فريضة الحج أدركت أبي
شيخاً كبيراً) هذا ظاهر فى أن السائل امرأة وأن المسئول عنه أب. وعليه أكثر طرق حديث الفضل
وابن عباس وعلى رضى الله عنهم. وقد ورد أن رجلا سأل عن أمه . (روى) سليمان بن يسار
عن الفضل بن عباس أنه كان رديف النبي صلى اللّه عليه وسلم بجاءه رجل. فقال: يا رسول الله
إن أى عجوز كبيرة وإن حملتها لم تستمسك وإن ربطتها خشيت أن أقتلها . فقال رسول الله صلى
الله عليه وسلم: أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضيه؟ قال : نعم. قال : حج عن أمك .
أخرجه النسائى (٢). [٨٥] وورد أن رجلا سأل عن أبيه . روى ابن عباس أن رجلا سأل النبي
صلى الله عليه وسلم : إن أبى أدركه الحج وهو شیخ کبیر لا يثبت على راحلته فإن شددته خشیت
أن يموت أفأحج عنه ؟. (الحديث) أخرجه النسائى (٣). [٨٦] وورد أن امرأة سألت عن أمها
( قالٍ) بريدة: جاءت امرأة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمى ماتت ولم تحج أفأحج
عنها؟ قال : نعم حجى عنها. أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن صحيح(٤). [٨٧] ولا منافاة
بين هذه الروايات بل يجمع بينها بتعدد السؤال (أفأحج عنه) أى فهل يجزيّ أن أحج عنه
أو فهل يحصل لى وله الثواب والأجر بحجى عنه؟ ويؤيد الأول ماروى علىّ رضى الله عنه أن
امرأة من خثعم شابة قالت: يا رسول الله: إن أبى شيخ كبير أدركته فريضة الله على عباده
فى الحج لا يستطيع أداءها فيجزئ عنى أن أؤديها عنه؟ قال: نعم. أخرجه البيهقى(*) [٨٨].
﴿الفقه﴾ دل الحديث (١) على جواز الإرداف على الدابة إذا كانت مطبقة، وعلى جواز
الإرداف خلف السادة والرؤساء، وعلى أن الركوب فى الحج أفضل، وعلى ما كان عليه النبي
(١) انظر ص ٨ جـ ١١ فتح البارى (قول الله: يأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيونا غير يونكم ... ).
(٢) انظر س ، جـ ٢ مجتبى ( حج الرجل عن المرأة). (٣) انظر ص ٥ منه (تشبيه قضاء الحج بقضاء الدين)
(٤) انظر ص ١١٣ جـ ٢ تحفة الأحوذي (الحج عن الشيخ الكبير والميت). (٥) انظر س ٣٢٩ جـ ٤ بيهقى.
( الفنو فى بدنه لا يثبت على مركب) .

١٠٤
المذاهب فى الحج عن العاجز وعن الميت . شروطه. توكيل النائب
صلى الله عليه وسلم من التواضع. (ب) وعلى أنه يطلب من المرأة كشف وجهها فى الإحرام.
وعلى جواز سماع صوت الأجنبية عند الحاجة كالاستفتاء والمعاملة. وعلى تحريم النظر إلى المرأة
الأجنبية ووجوب غض البصر. (جـ) وفى نظر الفضل بن عباس إلى الختعمية دليل على مغالبة
الطبع البشرى لابن آدم وضعفه لما رُكّب فيه من الشهوة. (د) ودل على لزوم تغيير المنكر
باليد لمن أمكنه ذلك. وعلى جواز حج المرأة عن الرجل (هـ) وفيه الترغيب فى بر الوالدين
بالقيام بمصالحهما وقضاء الدين والحج عن العاجز (و) ودل بظاهره على جواز حج المرأة
بلا محرم إذا أمنت على نفسها وهو مذهب الجمهور. وتقدم تمام الكلام عليه فى «باب فى المرأة
تحج بغير محرم))(١) (ز) وعلى جواز الحج عن الغير إذا مجز عنه لمانع ميئوس من زواله.
وبه قال الحنفيون والثورى والشافعى وأحمد وإسحاق وأبو ثور وداود وابن المنذر وابن حبيب
من المالكية سواء أوجب عليه الحج حال الصحة أم حال العذر بأن قدر على الإنابة . وعن
أبى حنيفة أنه لا تجزى النيابة فى الحج لمن عجز عنه إلا إذا لزمه الحج حال الصحة فلم يؤده حتى
معجز (وحاصل ) مذهب الحنفيين أنه تجوز النيابة فى نفله مطلقاً ولا تجوز فى فرضه إلا بشرط
العجز المستمر إلى الموت ويقع عن المحجوج عنه لما تقدم ، ويشترط النية عنه ويندب ذكره
فى التلبية بأن يقول النائب لبيك عن فلان والأفضل أن يكون النائب حراً ذكراً عالما بالمناسك
قد حج عن نفسه ويكره إنابة العبد والمرأة ومن لم يحج عن نفسه . وليس للنائب أن يوكل غيره
فى الحج عن الآمر وإن مرض فى الطريق إلا إن قيل له : اصنع ما شئت فله حينئذ أن يوكل
غيره بالحج عن الآمر وإن كان المأمور صحيحاً (وقال) مالك والليث: لا يحج أحد عن أحد إلا عن
ميت لم يحج حجة الإسلام وأوصى بها لقوله تعالى: ((وِّهِ عَلى النَّاس ◌ِحِجُّ البَيْتِ مَنِ
اسْتَطاعَ إليْهِ سَبيلاً ، قالوا الاستطاعة إنما تكون بالنفس. فمن لم يستطع بنفسه لا يلزمه
الحج. وأيضاً فإن الحج عبادة لا تدخله النيابة مع القدرة فلا تدخله مع العجز كالصلاة ، لأن
العبادة فرضت للابتلاء وهو لا يوجد فى العبادة البدنية إلا بإتعاب البدن فيها بخلاف الزكاة
فإن الابتلاء فيها بنقص المال وهو حاصل بالنفس وبالغير ( وأجابوا) عن حديث الباب
((أولا)، بأنه معارض للآية والعمل بما فى القرآن أرجح لتواتره (وردّ) بأن الآية والحديث من
قبيل العام والخاص فإن مفهوم الآية أن الحج غير واجب على غير المستطيع وهو عام خص
منه المعذور بعذر لا ينقطع بحديث الباب . ولا معارضة بين عام وخاص . وأيضاً فإن الاستطاعة
فى الآية كما تكون بالنفس تكون بالغير . وقصرها على الاستطاعة بالنفس غير مسلم . فإن قول
الختعمية فى حديث الباب: ((إن فريضة الله على عباده فى الحج أدركت أبى شيخاً كبيراً)) يفيد
أن افتراض الحج لا يشترط له القدرة على السفر وقد أقرها النبى صلى الله عليه وسلم فهو يؤيد
(١) انظر ص ٢٦٠ ج ١٠ منهل .

١٠٥
الراجح القول بجواز النيابة فى الحج عند الداعية
أن الاستطاعة المعتبرة فى افتراض الحج ليست بالبدن خاصة وإنما هى بالزاد والراحلة . وكذا
الحديث الآتى عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلا يقول: لبيك عن شُبرمة.
قال: ((حججت عن نفسك؟)) قال: لا. قال: ((حج عن نفسك ثم حج عن شبرمة)، وفى رواية.
قال: ((هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة (١). (وثانياً) بأن هذه القصة مختصة
بالختعمية . ( فقد) روى ابن حزم عن محمد بن عبد الله بن كريم عن إبراهيم بن محمد
العدوى النجارى أن امرأة قالت : يا رسول الله إن أبى شيخ كبير. فقال النبى صلى الله
عليه وسلم : لتحجى عنه وليس لأحد بعده . رواه عبد الملك بن حبيب فى الواضحة بإسنادين
مرسلين. ورواه محمد بن حبان الأنصارى (٢). [٨٩] وردّ بأنه لا حجة فيه لضعف الإسنادين
مع إرسالهما (٣). وقد عارضه ما فى حديث ابن عباس: أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى
اللّه عليه وسلم فقالت: إن أمى نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت. أفأحج عنها؟ . قال : نعم
حجى عنها أرأيت لو كان على أمك دين أ كنت قاضيته ؟ اقضوا الله فالله أحق بالوفاء. أخرجه
البخارى (٤) [٩٠]. هذا - وقياسهم الحج على الصلاة قياس فى مقابلة النص فلا يعوّل عليه.
وأيضاً فإن الحج عبادة مالية بدنية فلا يترجح إلحاقها بالصلاة على إلحاقها بالزكاة . ولذا قال
المازرى: من غلّب حكم البدن فى الحج ألحقه بالصلاة. ومن غلّب حكم المال ألحقه بالصدقة
وقد أجاز المالكية الحج عن الغير إذا أوصى به ولم يجيزوا ذلك فى الصلاة . ودعواهم حصر
الابتلاء فى الحج بالمباشرة مردودة بأنه يوجد فى الآمر بيذله المال فى الأجرة . أفاده الحافظ (٥).
وبما تقدم تعلم أن الراجح القول بجواز النيابة فى الحج عند الداعية . قال الخطابي : فى هذا
الحديث بيان جواز حج الإنسان عن غيره حيّا وميناً وأنا ليس كالصلاة والصيام وسائر
الأعمال البدنية التى لا تجرى فيها النيابة. وإلى هذا ذهب الشافعى. وكان مالك لا يرى ذلك وقال
لا يجزئه إن فعل. وهو الذى روى حديث ابن عباس. وكان يقول فى الحج عن الميت - إن
لم يوص به - إن تصدق عنه وأعتق عنه أحبُّ إلىّ من أن يحج عنه. وكان إبراهيم النخعى وابن
أبى ذنب يقولان: لا يحج أحد عن أحد. والحديث حجة عليهم. وفيه دليل على أن فرض الحج
يلزم من استفاد مالا فى حال كبره وزمانته إذ كان قادراً به على أن يأمر غيره فيحج عنه كما
(١) يأتى بالمصنف رقم ٨٨ ص ٠١٠٧ (٢) انظر ص ٥٩ ج٧ - المحلى (مسألة ٨١٥). (٣) قال ابن حزم: ولاحجة
فى مرسل والأول فيه مجهولان لا يدرى من هما؟ وهما: محمد بن عبد الله بن كريم وإبراهيم بن محمد العدوى، والآخران
من طريق عبد الملك بن حبيب وكفى. وهذا حبر حرفه عبد الملك لأننا رويناه من طريق سعيد بن منصور بنده إلى محمد
ابن إبراهيم التيمى أن رجلا قال النبى صلى اله عليه وسلم: يا رسول اللّه أبى مات ولم يحج أفأحج عنه؟ قال: نعم ولك
(٤) انظر ص ٤٥ و ٤٦ ج ٤ فتح البارى ( الحج والنذر عن الميت)
مثل أجره . وتمامه بص ٦٠ ج ٧ المحلى .
(٥) انظر ص ٤٩ ج ٤ فتح البارى (الشرح - حج المرأة عن الرجل ) .
( م ١٤ - ج ١ - فتح الملك المعبود)

١٠٦
إذا حج عن المعضوب ثم عو فى وتمكن من الحج بنفسه هل يلزمه ؟
لو قدر على ذلك بنفسه. وقد يتأول بعضهم قول الخثعمية: ((إن فريضة الله أدركت أبى شيخاً)،
أن معناه: أنه أسلم وهو شيخ كبير ، وفيه دليل على أن حج المرأة عن الرجل جائز.
وقد منع ذلك بعض أهل العلم وزعم أن المرأة تلبس فى الإحرام ما لا يلبسه الرجل
فلا يحج عنه إلا رجل مثله . وحكى عن مالك وأبى حنيفة أنهما قالا: الزمِن لا يلزمه فرض
الحج إلا أن أبا حنيفة قال : إن لزمه الفرض فى حال الصحة تم زمِن لم يسقط عنه بالزمانة .
وقال مالك يسقط (١) .
هذا - وقد اختلف من قال بالنيابة فى الحج عن المعضوب فيما إذا عوفى وتمكن من أداء
الحج بعد أن حج عنه النائب. فذهب أكثرهم إلى أنه يلزمه أن يحج عن نفسه، لأنه تبين ببرته أنه
غير ميئوس منه. ((وقال)) أحمد وإسحاق: لا تلزمه الإعادة لأنه يفضى إلى إيجاب حجتين .
, وردّ )) بأن ما ذكر غير لازم إذ إحداهما تقع نفلا قطعاً.
( والحديث) أخرجه أيضاً مالك والشافعى والشيخان والنسائى. وأخرجه الدارمى بسنده
إلى ابن عباس أن امرأة من خثعم استفتت رسول الله صلى الله عليه وسلم فى حجة الوداع
والفضل بن عباس رديف رسول الله صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله إن
فريضة الله على عباده أدركت أبى شيخاً كبيراً لا يستطيع أن يستوى على الراحلة مهل يقضى أن
أحج عنه ؟ قال : نعم(٢) ..
(٨٧) ﴿ص) حَدَّثَنَ حَقْصُ بْنُ عُمَرَ وَمُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بِعْنَهُ قَالَا: ثَنَا شُعْبَةُ عَن
الْمَانِ بْ سَالٍ عَنْ عْرِو بْنِ أَوْسٍ عَنْ أَبِ رَزِينٍ - قَالَ حَفْصُ فِى حَدِيثِهِ: رَجُلٌ مِنْ نِى
◌َمى - أنَّهُ قَالَ: يَارَسُولَ اللّهِ إِنْ أَبِى شَيْخُ كَبِرٌ لَا يَسْتَطِيعُ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةَ وَلَ الظَّعْنَ
٠٠
قَلَ: الْجُجْ عَنْ أِكَ وَاعْتَمِرْ.
﴿ش) (السند) (بمعناه) أى حدّث مسلم بن إبراهيم بمعنى حديث حفص بن عمر
لا بلفظه. و (شعبة) بن الحجاج. و(أبو رزين) - بفتح الراء وكسر الزاى - لقيط بن عامر
ابن صبرة العقيلى بالتصغير ( قال حفص فى حديثه) أى قال حفص بن عمر أحد شيخى المصنف
(١) انظر ص١٧١ ج ٢ معالم السنن. (٢) انظر ص ١٩٩ ج ٢ زر قابى الموطإ (الحج عمن يحج عنه) وص ٢٨٧ ج ١
بدائع المنن (جواز الحج عن الميت وعمن عجز عنه) وص ٤٨ جـ ٤ فتح البارى (حج المرأة عن الرجل ) وص ٩٧ ج ٩
نووى مسلم ( الحج عن العاجز لزمانة ... ) وص ٥ ج ٢ مجتبى (حج المرأة عن الرجل) وص ٤٠ ج ٢ دارى
( الحج عن الحى).

١٠٧
حكم النيابة فى الحج والعمرة عن العاجز . المذاهب فى حكم العمرة
فى روايته - مبيناً صفة أبى رزين - إنه رجل من بنى عامر ولم يذكره مسلم بن إبراهيم.
﴿ المعنى﴾ (ولا الظعن) بفتح الظاء المعجمة وسكون العين المهملة مصدر ظعن من بابى
تفع ونصر . والاسم الظعن بفتحتين ، أى لا يقوى على السير ولا على الركوب لكبر سنه .
﴿ الفقه) دل الحديث (١) على جواز النيابة فى الحج والعمرة عن العاجز عن تأديتهما
(ب) وبقوله: واعتمر. استدل الشافعية والحنبلية على وجوب العمرة. قال البيهقى: قال مسلم
ابن الحجاج : سمعت أحمد بن حنبل يقول : لا أعلم فى إيجاب العمرة حديثاً أجود من هذا
ولا أصح منه(١). (وقال) الحنفيون ومالك: العمرة سنة (وأجابوا) عن الحديث بأن الحج والعمرة
عن الغير ليسا بواجبين على الفاعل . فالظاهر حمل الأمر على الندب. وعليه فلا يدل الحديث على
وجوب العمرة. وسيأتى تمام الكلام على هذا فى بابها إن شاء الله تعالى .
( والحديث) أخرجه أيضاً البيهقى وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحه والحاكم وقال: على
شرطهما. وأخرجه باقى الأربعة وقال الترمذى: حديث حسن صحيح (٢).
(٨٨) ﴿ص) حَدِّنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الطَّلَقَانِى وَهَنَّدُ بْنُ السَّرِىّ - الْمُغنّىَ
وَاحُدُ - قَالَ إِسْحَاقُ: ثَنَا عَبْدَهُ بْنُ سُلِيمَنَ عَنِ أْنِ أَبِ عَرُوبَةَ عَنْ قَدَةَ عَنْ عَزْرَةَ عَنْ
سَعِدِ بْنِ يُخَيْ عَنِابْنِ عَبَسٍ أنَّ الّْ صَلّى الله عَلَيْهِ وَسَلْ سَعَ رَجُلًا يَقُولُ: لَيَّكَ عَنْ
شُبْرُمَةَ قَالَ: مَنْ شُبْمَةَ؟ قَالَ: أَخْ لِ أَوْ قَرِيبٌ لِى. قَالَ: حَجَجْتَ عَنْ نَفْسكَ ؟ قالَ :
لاَ. قال: حُجّ عَنْ نَفْسِكَ ثُمْ حُجْ عَنْ شْرُمَةَ.
﴿ش﴾ (السند) (ابن أبى عروبة) سعيد، و(قتادة) بن دعامة. و(عزرة) بفتح
فسكون ابن عبد الرحمن الخزاعى تقدم ص ١٦٧ ج ٣ منهل. « وقول، البيهقى : هو عزرة
ابن يحيى ((مردود)) بأنه ليس فى أحد الكتب الستة عزرة بن يحمي. وقد ترجم المزّى فى أطرافه
لهذا الحديث. فقال : عزرة بن عبد الرحمن عن سعيد بن جبير عن ابن عباس . وكذا ذكر
البخارى فى تاريخه (٣) .
(١) انظر ص ٣٥٠ جـ ٤ يهقى (وجوب العمرة). (٢) انظر ص ٣٢٩ منه ( المضنو فى بدنه لا يثبت على مركبه)
وس ٤ جـ ٢ مجتبى (العمرة عن الرجل الذى لا يستطيع) وص ١١٠ جـ ٢ - ابن ماجه (الحج عن الحى إذا لم يستطع)
(٣) انظر س ٣٣٦ جـ ٤ الجوهر النقي.
وص ١١٣ جـ ٢ تحفة الأحوذي .

١٠٨
المذاهب فى أن من لم يحج عن نفسه هل له أن يحج عن غيره ؟
﴿المعنى﴾ (سمع رجلا) قيل هو نُبيشة ((بالتصغير، ابن عبد اللّه ( لبيك عن شبرمة) بضم
فسكون فضم. وهو هكذا عند أحمد وابن ماجه وأبى يعلى وغيرهم . وهو الصواب ((وأما ماروى))
طاوس عن ابن عباس قال : سمع النبي صلى الله عليه وسلم رجلا يلى عن نبيشة فقال: يأيها الملى عن
نبيشة هذه عن نبيشة واحجج عن نفسك ((فقد)) أخرجه الدار قطنى . وقال : تفرد به الحسن
ابن عمارة وهو متروك الحديث : والمحفوظ عن ابن عباس حديث شبرمة (١) [١١]
و (حججتَ عن نفسك ؟) بتقدير همزة الاستفهام. ففي رواية ابن ماجه: هل حججت قط ؟ قال:
لا. قال: فاجعل هذه عن نفسك ثم حج عن شبرمة . قال الخطابي: وقد روى فى حديث
شبرمة هذا أنه قال له : فاجعل هذه عن نفسك ثم احجج عن شبرمة . هكذا قال ابن عباس
لم يذكر فيها النبي صلى الله عليه وسلم وهذا يوجب أن يكون إحرامه عن شبرمة قد انقلب عن
فرضه بنفسه(٢) .
( الفقه) دل الحديث على أن من لم يحج حجة الإسلام إذا أحرم بغيرها يجب عليه أن
يصرف ذلك الإحرام إليها ، لأن جعل تلك الحجة عن نفسه لا يكون إلا كذلك. وعليه
فلا يجوز لمن لم يحج عن نفسه - ولو غير مستطيع - أن يحج عن غيره حيا أو ميتاً ، لأن النبى
صلى الله عليه وسلم لم يستفصل من الملي عن شبرمة. وَتَرْكُ الاستفصال منزلٌ منزلة العموم. وبهذا
قالت الشافعية والحنبلية والأوزاعى وإسحاق وقالوا : من أحرم عن غيره وقع عن نفسه لا عن
الغير. وفى رواية عن أحمد: لا يصح إحرامه لا عن نفسه ولا عن غيره ( وقال) الحنفيون
ومالك : يكره أن يحج عن غيره من لم يحج عن نفسه . وحملوا الأمر فى الحديث على الندب.
( وقال) الثورى: إن كان قادراً على الحج لا يجوز أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه.
وإن لم يكن قادراً جاز ( وأجاب ) الحنفيون ومن معهم عن حديث الباب بأنه ضعيف . قال
الإمام أحمد : رفعه عبدة بن سليمان . وهو خطأ . وقال ابن المنذر: لا يثبت رفعه . وقال
الطحاوى: الصحيح أنه موقوف ( وأجاب) الأولون بأن الراجح رفع الحديث وأن عبدة
ابن سليمان الذى رفعه ثقة محتج به فى الصحيحين . وقد تابعه على رفعه محمد بن بشر العبدى
ومحمد بن عبد الله الأنصارى والرفع زيادة من ثقة وهى مقبولة. وقال البيهقى: إسناده صحيح.
وقال أبو عمر بن عبد البر : الذى رفعه حافظٌ حفظ ما قصر عنه غيره فوجب قبول زيادته
( وقال ) ابن القطان: الرافعون له ثقات فلا يضرم وقف غيرهم، لأنهم حفظوا ما لم يحفظه
أولئك. أو يقال: إن الواقفين رووا عن ابن عباس رأيه والرافعون رووا روايته (٣) (وقال).
(١) انظر ص ٠ ٢٧ الدارقطنى. (٢) انظر ص ١٧٢ ج ٢ معالم السنن.
القارى ( الشرح - وجوب الحج وفضله) .
(٣) انظر ص ١٢٧ ج ٩ عمدة

بيان حال وروايات حديث ابن عباس فى الحج عن شبرمة . الجمع بين روايتى رفعه ووقفه ١٠٩
الحافظ فى التلخيص : ورواه سعيد بن منصور عن سفيان بن عيينة عن ابن جريج عن عطاء عن
النبى صلى الله عليه وسلم، وهو كما قال. وخالفه ابن أبى ليلى. ورواه عن عطاء عن عائشة.
وخالفه الحسن بن ذكوان، فرواه عن عمرو بن دينار عن عطاء عن ابن عباس . وقال الدار قطنى :
إنه أصح وهو كما قال ، لكنه يقوى المرفوع ، لأنه عن غير رجاله . وقد رواه الإسماعيلى
فى معجمه من طريق أخرى عن أبى الزبير عن جابر . وفى إسنادها من يحتاج إلى النظر فى حاله .
فيجتمع من هذا صحة الحديث (١) على أنه يمكن الجمع بين المرفوع والموقوف بما قاله ابن القطان .
وبأن ابن عباس كان موجوداً مع النبي صلى الله عليه وسلم وقت القصة فكان تارة يحدث بها
مرفوعة وتارة يحدث بها من نفسه . وبالله التوفيق .
( والحديث) أخرجه أيضاً ابن ماجه وابن حبان وصححه والبيهقى وقال : هذا إسناد صحيح
ليس فى هذا الباب أصح منه(٢). وفى سنده عزرة بن عبد الرحمن وثقه ابن معين وابن المدينى
وغيرهما . وروى له مسلم . وأخرجه الشافعى موقوفاً عن أبى قلابة قال : سمع ابن عباس رجلا
يقول لبيك عن شبرمة فقال ابن عباس: ويحك ماشبرمة؟ قال فذكر قرابة له فقال له: أحججت
عن نفسك؟ قال: لا. قال : فاحجج عن نفسك ثم احجج عن شبرمة (٣) [٩].
٢٨ - باب كيف التلبية
أى فى بيان كيفيتها الواردة. وهى مصدر لى بمعنى أجاب .
(٨٩) ﴿ص﴾ حَدَّثَنَا الْقَنِيُّ عَنْ مَلِكِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الهِ بِنْ مُمَرَ أنْ تَلِيَةَ
رَسُول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّ: لَبِيْكَ اللّهُمْ لَبِّكَ. لَيْكَ لَ شَرِيكَ لَكَ لَبِّكَ. إِنَّ الَمْدَ
والنَعْمَةَ لَكَ وَالْكَ. لَاَشَرِيكَ لَكَّ. قَالَ: وَكَانَ عَبْدُ اللّهبْنُ عُمَرَ بِيدُ فِ تَلْيَتِهِ: لَيِّكَ
لَيْكَ لَبَيْكَ وَسَعَدَيْكَ وَالْخَيْرُ بَيَدَيْكَ وَالرُّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ.
﴿ش﴾ (السند) (القعنى) عبد الله بن مسلمة.
(المعنى) ( لبيك) هو لفظ مثنى عند سيبويه وجماعة . والمراد به التكثير فى العدد
والعود مرة بعد مرة لا حقيقة التثنية بحيث لا يتناول إلا فردين (وقال ) يونس : هو لفظ
(١) انظر ص ٢٠٣ تلخيص الحبير.
(٢) انظر ص ١١٠ ج ٢ ابن ماجه: (الحج عن الميت) وم ٣٢٦
ج ٤ بيهقى ( من ليس له أن يحج عن غيره ) .
(٣) انظر ص ٢٨٧ ج ١ بدائع المن (الحج عن الميت ... ).

١١٠٠
أمر الله تعالى سيدنا إبراهيم عليه السلام أن يؤذن فى الناس بالحج
وفرد قلبت ألفه ياء لاتصالها بالضمير كلديك وعليك (وردّ ) ببقاء الياء عند إضافتها لاسم
ظاهر . وهو منصوب بفعل محذوف وجوباً . أى أجيبك إجابة بعد إجابة أو إجابة لازمة .
وقيل معناه : أنامقيم على طاعتك إقامة بعد إقامة من لبى بالمكان وألب به إذا أقام به ولزمه . وقيل غير
ذلك. والأول أظهر وأشهر لأن المحرم مجيب الدعاء اللّه إياه فى حج بيته. فإن الله تعالى هو الداعى
حقيقة والمبلغ عنه الأمر بالحج سيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام ((روى)) قابوس عن أبيه
(حصين بن جندب)) عن ابن عباس رضى الله عنهما قال: لما فرغ إبراهيم عليه الصلاة والسلام
من بناء البيت قيل له: أذِّن فى الناس بالحج. قال: رب وما يبلغ صوتى؟ قال: أذَّنْ وعلىّ البلاغ.
فنادى إبراهيم : أيها الناس كتب عليكم الحج إلى البيت العتيق حجوا، فسمعه ما بين السماء
والأرض أفلا ترى الناس يجيئون من أقصى الأرض يلبون؟ . أخرجه ابن جرير وأحمد
ابن منيع فى مسنده وابن أبى حاتم. وفى رواية لهما عن ابن عباس : فأجابوه بالتلبية فى أصلاب
الرجال وأرحام النساء . وأول من أجابه أهل اليمن ، فليس حاج يحج من يومنذ إلى أن تقوم
الساعة إلا من كان أجاب إبراهيم يومئذ . ذكره الحافظ (١) [١٣]. (إن الحمد) روى بكسر
الهمزة على الاستئناف وبفتحها على التعليل . أى لبيك لأن الحمد والنعمة لك. والكسر أجود
عند الجمهور لأنه يقتضى أن تكون الإجابة مطلقة غير معللة ، وأن الحمد والنعمة لله على كل حال.
والفتح يدل على التعليل فكأنه يقول : أجبتك لهذا السبب. والأول أعم فهو أكثر فائدة .
ونقل الزمخشرى أن أبا حنيفة اختار الكسر والشافعى اختار الفتح. أفاده الحافظ (٢) (والنعمة
لك ) بالنصب على المشهور. ويجوز رفعه على أنه مبتدأ خبره محذوف . والتقدير: إن الحمد لك
والنعمة كذلك . وفى تقديم الحمد على النعمة إشارة إلى عموم معنى الحمد ، فإن اللّه تعالى
يستحق الحمد لذاته لا لخصوص الإنعام (والملك ) بالنصب على المشهور ويجوز رفعه على أنه
مبتدأ خبره محذوف . أى والملك كذلك . وقرن بين الحمد والنعمة فى الخبر وأفرد الملك ، لأن
الحمد متعلق النعمة . ولذا يقال: الحمد لله على نعمه، فكأنه قال: لا حمد إلا لك لأنه لا نعمة
إلا منك . وأما الملك فهو معنى مستقل ذكر لتحقيق أن النعم كلها من اللّه لأنه صاحب الملك
(لا شريك لك) أى فى استحقاق الثناء وإيصال النعمة. قال الله تعالى: ((وما بِكم مِّن نعمة
فمنَ اللّه ، (٣) (قال) أى نافع (وكان عبد الله بن عمر يزيد) أى كان يلبى بما ثبت عن رسول الله
صلى الله عليه وسلم ويزيد عليه: ( لبيك لبيك لبيك ) ثلاث مرات . وفى رواية مسلم: وكان
ابن عمر رضى الله عنهما يقول: كان عمر يُهِل بإهلال رسول الله صلى الله عليه وسلم من هؤلاء
الكلمات ويقول : لبيك اللهم لبيك ، لبيك وسعديك والخير فى يديك لبيك والرغباء إليك
(١) انظر ص ١٠٦ جـ ١٧ جامع البيان. وص ٢٦٣ جـ ٣ فتح الباري (الشرح - التلبية). (٢) انظر
س ٢٦٣ و٢٦٤ جـ ٣ فتح البارى (الشرح). (٣) النحل: آية ٥٣ .

١١١
المذاهب فى حكم التلبية . شرطها
والعمل (١) [٩٤] وفى رواية ابن أبى شيبة عن مسور بن مخرمة قال: كانت تلبية عمر فذكر مثل
المرفوع وزاد: لبيك مرهوباً ومرغوباً إليك والنعماء والفضل الحسن . فعلم أن ابن عمر اقتدى
فى هذه الزيادة بأبيه (وسعديك) منصوب بمحذوف أى أسعدنى إسعاداً بعد إسعاد. أو أنعدُ
بإجابتك وطاعتك سعادة بعد سعادة. ولم يسمع لفظ سعديك إلا مقروناً بلبيك. ويقال فيه
ما قيل فى لبيك من التثنية والإفراد (والخير فى يديك ) فيه اكتفاء . فإن الأمر كله خيراً وشراً
بقضاء اللّه تعالى وقدره. فاقتصر على ذكر الخير تأدباً على حد قوله: ((وإذا مَرِضتُ فهوَ
يَشفين)، (٢) (والرغباء إليك) يروى بفتح الراء والمد وبضمها والقصر ففي رواية الشافعى:
وفى لفظ : والرغى إليك أى أن الضراعة والمسألة والرغبة إليك يا من يجيب المضطر إذا دعاه
( والعمل ) أى العمل إنما يكون لوجهك ومرضاتك وبتوفيقك وإقدارك.
﴿الفقه) دل الحديث على مشروعية التلبية وهو مجمع عليه. والحكمة فيه التنبيه على إكرام
اللّه تعالى لعباده بأن وفودهم على بيته إنما كان باستدعاء منه عز وجل . واختلف فى حكمها
(قال) الحنفيون: هى شرط من شروط الإحرام لا يصح إلا بها للأمر بها فى حديث أم سلمة رضى
الله عنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليهوسلم يقول: «يا آل محمد منح} منكم فليهل فى حجه،
أخرجه أحمد وابن حبان بسند جيد(٣) [٩٥] (, فليهل ، أى فليلب ويقوم مقامها ما فى معناها من
تسبيح وتهليل وسوق الهدى وتقليده والتوجه معه ( قال ) فى شرح لباب المناسك : وشرط التلبية
أن تكون باللسان. فلو ذكرها بقلبه لم يعتد بها . والأخرس يلزمه تحريك لسانه لو قدر. فقد
نص محمد على أنه شرط . وقيل لا يلزم بل يستحب تحريكه . ويقوم مقام التلبية كل ذكر يقصد
به تعظيم الله تعالى ولو مشوباً بالدعاء كالتهليل والتسبيح والتحميد والتكبير. ويجزئ فيها: اللهم.
على الأصح. وتجوز التلبية والذكر بغير العربية ولو من يحسن العربية على الصحيح بخلاف
افتاح الصلاة عند الصاحبين . والفرق أن باب الحج أوسع. وتلبية مرة فرض عند الشروع.
وتكرارها سنة إذا ذكرها . وعند تغير الحالات كالإصباح والإمساء والخروج والدخول والقيام
والقعود وملاقاة الناس مستحب مؤكد. والإكثار منها مطلقاً مندوب (٤) (ومشهور) مذهب
مالك أنها واجبة وفى تركها هدى وحكاه الماوردى عن بعض الشافعية والخطابى عن أبى حنيفة
(وقال) ابن حبيب المالكى وأهل الظاهر وعطاء : إنها ركن فى الإحرام لا ينعقد بدونها . وحكاه
إبن المنذر عن ابن عمر وطاوس وعكرمة (وقال) الشافعى وأحمد: التلبية سنة. وهو رواية عن
مالك . قالوا : إن مجرد فعل النبى صلى الله عليه وسلم لا يفيد الوجوب. لكن علمت أن النبى صلى
(١) انظر ص ٨٩ ج ٨ نووى مسلم (التلبية). (٢) الشعراء: آية ٨٠. (٣) انظر ص ١٧٨ جـ ١١ - الفتح
الربانى ( حكم التلبية). (٤) انظر ص ٧٠ - إرشاد السارى إلى مناسك القارى.

١١٢
المذاهب فى الزيادة على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم. الراجح جوازها
اللّه عليه وسلم أمر بها. فالظاهر القول بالوجوب. هذا وقد اختلف العلماء فى حكم الزيادة على
الوارد فيها عن النبي صلى الله عليه وسلم (فقال) أبو حنيفة ومحمد بن الحسن والأوزاعى والثورى
وأحمد : لا بأس بالزيادة على ما ورد. وهو مشهور مذهب الشافعى . فقد زاد فيها جماعةمن
الصحابة منهم عمر وابنه عبدالله وابن مسعود. روى عنه أنه لبى فقال: لبيك عدد الحصى والتراب
وفى حديث جابر الآتى بعد هذا: والناس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام والنبى صلى الله
عليه وسلم يسمع فلا يقول لهم شيئاً (وقال) مالك وأبو يوسف : تكره الزيادة على تلبية النبى
صلى الله عليه وسلم. وهو قول الشافعى. (قال) الترمذى: وقال الشافعى: إن زاد فى التلبية
شيئاً من تعظيم الله تعالى فلا بأس وأحب إلىّ أن يقتصر على تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم(١)
واختاره الطحاوى، لما روى عامر بن سعد بن أبى وقاص عن أبيه أنه سمع رجلا يلى يقول: لبيك
ذا المعارج لبيك. قال سعد: ما هكذا كنا نلى على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. أخرجه
الطحاوى وأحمد والبزار وكذا البيهقى بسند صحيح عن عبد الله بن أبى سلمة أن سعد بن أبى وقاص
أبصر بعض بنى أخيه وهو يلى بذى المعارج قال سعد: إنه لذو المعارج وما هكذا كنا نلبى على
عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم (٢) [٩٦] قال الطحاوى: فهذا سعد قد كره الزيادة على ما كان
رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم من التلبية فيهذا نأخذ ((والمختار) مشروعية الزيادة، لما تقدم
أن النبى صلى الله عليه وسلم أقرها، ولأن التلبية المأثورة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم
تنحصر فى لفظ خاص فقد قال ابن عباس: إن النبى صلى الله عليه وسلم وقف بعرفات فلما قال:
لبيك اللهم لبيك قال: إنما الخير خير الآخرة. أخرجه البيهقى والحاكم وقال: حديث صحيح (٣) [٩٧]
(وقال) أنس بن مالك: كانت تلبية النبي صلى الله عليه وسلم : لبيك حجا حقا تعبدا ورقا .
أخرجه البزار مرفوعا وموقوفا ولم يسم شيخه فى المرفوع (٤) [٩٨] ((وروى)) عبد العزيز
ابن أبى سلمة عن عبد الله بن الفضل عن الأعرج عن أبى هريرة قال: كان من تلبية رسول الله صلى
الله عليه وسلم: لبيك إله الحق. أخرجه الدار قطنى وابن ماجه والبيهقى والنسائى وقال: لا أعلم
أحداً أسند هذا عن عبد الله بن الفضل إلا عبد العزيز ورواته ثقات (٥) [٩٩] (وقال)
مجاهد : كان النبي صلى الله عليه وسلم يظهر التلبية: لبيك اللهم لبيك. فذكر التلبية قال :
حتى إذا كان ذات يوم والناس يصرفون عنه كأنه أعجبه ما هو فيه فزاد فيها: لبيك إن العيش
يش الآخرة . أخرجه البيهقى [١٠٠](٦).
(١) انظر ص ٨٤ جـ ٢ تحفة الأحوذي (التلبية). (٢) انظر ص ٣٦٣ جـ ١ شرح معانى الآثار (التلبية) وص ١٧٧
جـ ١١ - الفتح الربانى. وص ٢٢٣ جـ ٣ مجمع الزوائد (الاحلال والتلبية ). وص ٤٥ جـ ٥ بيهقى (من استحب الاقتصار على
(٣) انظر س ٤٥ جـ ٥ بيهقى (كيف التلبية) وص ٤٦٥ جـ ١ مستدرك.
تلبية النبي صلى الله عليه وسلم ).
(٤) انظر ص ٢٢٣ جـ ٣ مجمع الزوائد (الاهلال والتلبية). (٥) انظر ص ٢٥٨ - الدار قطنى. وص ١١٢ جـ ٢ -
ابن ماجه (التلبية) وص ٤٥ جـ ٥ بيهقى. وص ١٨ جـ ٢ مجتى ( كيف التلبية).
(٦) انظر ص ٤٥ جـ ٥ يرقى.

١١٣
دليل جواز الزيادة فى التلبية على تلبية النبى صلى الله عليه وسلم
( والحديث) أخرجه أيضاً الشافعى وباقى الجماعة والبيهقى والدارمى(١).
(٩٠) (ص) حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَنْلِ ثَنَا ◌َحَ بْنُ سَعِيدٍ تَ جَْفَرْ ثَنَا أَبِى عَنْ جَابِ
أبْ عَبْدِ الله قَالَ: أهَلِّ رَسُولُ اللّه صَلَّىاللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ التّلِيَةَ مِثْلَ حَدِيثِ بْ
◌ُمَرَ قَالَ: وَالنَّاسُ يَوِيدُونَ ذَا الْعَارِجِ وَنَحْوَهُ مِنَ الْكَامِ وَالِىُّ صَلّى اللهُ عليهِ وَمَ
يَسْمَعُ فَلاَ يَقُولُ لَهُمْ شَيْئاً .
﴿ش﴾ (السند) (جعفر) بن محمد الصادق. و(أبوه) محمد بن على بن حسين الباقر.
﴿ المعنى﴾ ( أهلّ رسول الله صلى الله عليه وسلم) أى رفع صوته بالتلبية ( فذكر التلبية)
أى ذكر جابر تلبية رسول الله صلى الله عليه وسلم (مثل) ما فى (حديث ابن عمر ) السابق
( قال) جابر (والناس يزيدون ذا المعارج) أى بعد أن يأتوا بالتلبية المشهورة عن رسول الله
صلى اللّه عليه وسلم يزيدون ذا المعارج (ونحوه) من الكلام المفيد للتعظيم والثناء على الله تعالى.
والمعارج المصاعد التى تعرج الملائكة فيها وهى السموات . وقيل هى الفواضل والنعم لأن
أفضال اللّه تعالى وإنعامه له مراتب متفاوتة ( والنبى يسمع) يعنى أنه صلى الله عليه وسلم كان
يسمعهم يأتون بهذه الزيادة ( فلا يقول لهم شيئاً ) أى لا ينكر عليهم.
﴿ الفقه ) دل الحديث على جواز الزيادة فى التلبية على تلبية النبى صلى الله عليه وسلم.
(والحديث ) أخرجه أيضاً أحمد مطولا وكذا البيهقى بسنده إلى جعفر بن محمد عن أبيه قال :
أتينا جابر بن عبد الله وهو فى بنى سلة فسألناه عن حجة النبي صلى الله عليه وسلم فذكر الحديث
قال: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرجنا معه حتى استوت ناقته على البيداء وأهلٌ
بالتوحيد: لبيك اللهم لبيك. لبيك لا شريك لك لبيك. إن الحمد والنعمة لك. والملك لاشريك
لك . قال : والناس يزيدون ذا المعارج ونحوه من الكلام والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع
فلم يقل لهم شيئا (الحديث)(٢).
(٩١) (ص) حَدَّثَنَا الْقَّعَنِّ عَنْ مَالِك عَنْ عَبْدِاللّهِ بِنْ أَبِى بَكْرِبْ مَدِ بْنِ عْرِو بْنِ حَزْمٍ
(١) انظر ص ٩ = ٢ بدفع المن (ما جاء فى التلسية .. ) وم ١٦٠ جـ ٢ زرقانى الموظإ ( العمل فى الاهلال)
وص ١٧٤ جـ ١١ - الفتح الربانى ( التلبية) وص ٢٦٣ جـ ٣ فتح البارى. وص ٨٧ جـ ٨ نووى مسلم، وص ١٨ جـ ٢
مجتبى (كيف التلبية) . وس٨٤ جـ ٢ تحفة الأحوذي. وص ١١٢ = ٢ - ابن ماجه. وص ٤٤ = ٥ بيهقى. وص ٣٤
جـ ٢ دارى. (٢) انظر ص٧٤ : ١١ - الفتح الربانى (حج النبى صلى الله عليه وسلم) وص ٤٥ - ٥ يهفى (كيف التايه).
(م ١٥ - ج ١ - فتح الملك المعبود)

١١٤
ترجمة عبد الملك بن أبى بكر الخزومى
عَنْ عَبْدَالَلكِ بْنِ أبِى بَكْر بْن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ خَلاَّ بْنَ السَّائِبِ الأنْصَارِىُّ
عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَمَ قَالَ: أَتَانِى جِبْرِيلُ صَلَى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَمَ نَامَرَ نى
أنْ آمَ أْحَابِ وَمَنْ مَعِىَ أَنْ يَقُوا أَصْوَتَهْ بِالإِهلَاَلِ أَوْ قَالَ بِالتّلْيَةَ يُرِيدُ أَحَدَهُمَا.
(ش) (السند) ((عبد الملك بن أبىبكر ، المخزومى المدنى . روى عن أبيه وخارجة بن زيد
وخلاد بن السائب وعبد الله بن حنظلة. وعنه ابن جريج وعبد الرحمن بن حميد وعراك بن مالك
والزهرى وغيرهم. وثقه النسائى والعجلى وابن سعد. وذكره ابن حبان فى الثقات . وفى التقريب
ثقة من السابعة. روى له الجماعة إلا مسلماً. و( خلاد بن السائب) بن خلاد بن سويد الخزرجى.
روى عن أبيه وزيد بن خالد الجهن . وعنه ابنه خالد ومحمد بن كعب وحبان بن واسع وغيرهم
قال ابن عبد البر مختلف فى صحبته . وقال ابن أبى حاتم : له صحبة. وقال العجلى: مدنىّ ما نعرفه .
وذكره ابن حبان مرة فى الصحابة ومرة فى التابعين . وفى التقريب ثقة من الثالثة ووهم من زعم
أنه صحابى. و ( أبوه) السائب بن خلاد الأنصارى.
﴿ المعنى﴾ (فأمرنى أن آمر أصحابى) أى أمره جبريل أمر إيجاب أن يأمر أصحابه أمر ندب
عند الجمهور . وأمر إيجاب عند الظاهرية . فإنهم يقولون بوجوب رفع الصوت بالتلبية ( ومن
معى) هكذا بالواو عند المصنف . وفى رواية مالك والشافعى: أو من معى بالشك من أحد
الرواة. وعلى رواية المصنف يحتمل أن المراد بأصحابه الملازمون له صلى الله عليه وسلم . ويمن
معه غيرهم من قدم للحج من غير الأنصار والمهاجرين . ويحتمل أنه أتى به لزيادة التأكيد لدفع
ما يتوهم من أن المراد بأصحابه من طالت ملازمتهم له دون من رافقه فى وقت مّا. فجمع بينهما لإفادة
أن المراد كل من لقيه ولو مرة ( أن يرفعوا أصواتهم بالإهلال) هو فى الأصل رفع الصوت
بالتلبية . والمراد منه هنا التلبية (أو قال بالتلبية) شك من أحد الرواة فيما قاله النبي صلى الله عليه
وسلم. ثم زاد ذلك بياناً بقوله ( يريد أحدهما) ولا خلاف بينهما من حيث المعنى . وقد وردت
روايات من غير شك . ففي رواية ابن ماجه: فأمرنى أن آمر أصحابى أن يرفعوا أصواتهم
بالإهلال. وفى رواية النسائى: يا محمد مُرْ أصحابك أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية (((وعن)) زيد
ابن خالد الجهنى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: جاءفى جبريل فقال: يا محمد مُرْ أصحابك
فليرفعوا أصواتهم بالتلبية فإنها من شعائر الحج . أخرجه أحمد وابن ماجه وابن خزيمة وابن
حبان والحاكم وقال: صحيح الإسناد(١) [١٠١].
(١) انظرص١٨٠ جـ١١ - الفتح الربانى (حكم التلبية) وص ١١٢ ٠ ٢ - ابن ماجه (رفع الصوت بالتلية) وص ٤٥٠ جا مستدرك

حكم التلبية. المذاهب فى حكم رفع الصوت بها للرجل . المرأة لا ترفع صوتها بها ١١٥
﴿الفقه) دل الحديث (١) على فرضية التلبية. وهو مذهب الحنفيين وعلى مشروعية رفع
الصوت بها. واختلف فى حكمه ( قالت) الظاهرية بوجوبه أخذاً بظاهر أحاديث الأمر به ،
ولأن أفعاله صلى الله عليه وسلم فى الحج وقعت بياناً لواجب وهو قوله تعالى: ((ولِهِ على
الناسِ حِجُّ الْبَيْتِ ، وقوله صلى الله عليه وسلم: ((لتأخذوا مناسككم، أخرجه مسلم من
حديث جابر (١) [١٠٢]. (وقال) الحنفيون والشافعى فى الجديد والجمهور: يستحب رفع الصوت
بالتلبية وحملوا الأمر به فى الأحاديث على الندب ، لحديث ابن مسعود رضى الله عنه أن النبي
صلى الله عليه وسلم قال: أفضل الحج العج والنج. أما العج فالتلبية والنج نحر البدن. أخرجه
ابن أبى شيبة وأبو يعلى. وفيه رجل ضعيف. وكذا الدارمى عن أبى بكر قال: سئل رسول الله
صلى الله عليه وسلم: أى الحج أفضل؟ قال: العج والشج. العجّ يعنى التلبية. والشج يعنى
إهراق الدم (٢) [١٠٣].
وجه الدلالة: أن لفظ ((أفضل)) مشعر بعدم الوجوب. ومشهور مذهب مالك أنه يستحب
التوسط بها فلا يجهر جداً ولا يُسر حتى لا يسمعه من يليه. (قال) مالك فى الموطأ: لا يرفع
المحرم صوته بإهلال فى مساجد الجماعات ليسمع نفسه ومن يليه إلا فى المسجد الحرام ومسجد
منى فإنه يرفع صوته فيهما (٣) وهو قول الشافعى فى القديم واستثنى الشافعى أيضاً مسجد عرفة.
قال الزرقانى: وجه الاستثناء أن المسجد الحرام جعل للحاج والمعتمر وغيرهما فكأن الملي إنما
يقصد إليه فكان وجه الخصوصية. وكذا مسجد منى. (وقال) أحمد : لا يستحب رفع الصوت
بالتلبية فى الأمصار ومساجدها إلا فى مكة والمسجد الحرام ومسجد منى وعرفة لما روى أن ابن
عباس رضى الله عنهما سمع رجلا يلى بالمدينة فقال: إن هذا لمجنون إنما التلبية إذا برزتَ [١٠٤]
ولأن المساجد إنما بنيت للصلاة. وكراهة رفع الصوت فيها عامة إلا للإمام . فأما مكة فتستحب
التلبية فيها لأنها محل النسك. وكذا مساجد الحرم وعرفة (٤) وهذا بالنسبة للرجال . وأما النساء
فلا ترفع صوتها بالتلبية عند جمهور السلف والخلف ، بل تسمع نفسها ، بل قال البدر العينى :
أجمعوا على أن المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية وإنما عليها أن تسمع نفسها . ودليله قول ابن عباس :
لا ترفع المرأة صوتها بالتلبية [١٠٥]. وعن نافع أن ابن عمر رضى الله عنهما قال: ليس على
النساء أن يرفعن أصواتهن بالتلبية. أخرجهما ابن أبى شيبة(٥) [١٠٦] وقال ابن عمر: لا تصعد
المرأة فوق الصفا والمروة ولا ترفع صوتها بالتلبية. أخرجه البيهقى (٦) [١٠٧]. وعن مالك أنه
(١) انظر س ٤٤ جـ ٩ نووى مسلم (رمى جمرة العقبة)
والتلبية ) وص ٣١ جـ ٢ دارى (أى الحج أفضل؟)
(٢) انظر ص ٢٢٤ جـ ٣ مجمع الزوائد (الاهلال
بالاغلال). (٤) انظر ص ٣٥٩ جـ ٣ مغنى ابن قدامة .
(٣) انظر ص ١٦٧ جـ ٢ زرقانى الموطإ (رفع الصوت
(٥) انظر من ١٧١ جـ ٩ عمدة القاري (الشرح -
رفع الصوت بالتلبية ) .
(٦) انظر ص ٤٦ جـ • بيهقى (المرأة لا ترفع صوتها بالتلبية).

١١٦
الحاج يلى حتى يرمى جمرة العقبة
سمع أهل العلم يقولون: ليس على النساء رفع الصوت بالتلبية لتسمع المرأة نفسها (١) وهذا مجمع
عليه ، فإن رفعت صوتها لا يحرم بل يكره ، لأنه ليس بعورة على الصحيح ((ولا يعارضه»
( أولا ) قول القاسم بن محمد : خرج معاوية ليلة النفر فسمع صوت تلبية . فقال: من هذا؟
قالوا : عائشة اعتمرت من التنعيم. فذكر ذلك لعائشة فقالت : لو سألنى لأخبرته . أخرجه
ابن أبى شيبة (٢) [١٠٨] (ثانياً) ولا ما روى عن ميمونة أم المؤمنين أنها كانت تجهر بالتلبية.
أخرجه ابن المنذر فى الإشراق (٣) [١٩] ((لأن، عائشة وميمونة من أمهات المؤمنين
ويُغتفر لهن ما لا يغتفر لغيرهن. ويحتمل أنهما رفعتا صوتهما للتعليم . وقد أمرنا بأخذ
العلم عنهن .
( والحديث) أخرجه أيضاً الأئمة وباقى الأربعة والدارمى وابن حبان والحاكم والبيهقى
وصححوه . وقال الترمذى : حديث حسن صحيح (٤) .
٢٩ - باب متى تقطع التلبية ؟
أى فى بيان الزمان الذى يقطع الحاج التلبية فيه .
(٩٢) (ص) حَدَّثَ أَحْدُ بْنُ خَيْلِ تَنَا وَكِيعُ ثَنَا ابْنُ جُرَيْحٍ عَنْ عَطَلٍ عَنِ انْ عَبَأْسٍ
عَنِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ أنْ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ وَمَ لَّ ◌َى رَ بَرَةَ الْنَقبَ.
(ش﴾ (السند) (وكيع) بن الجراح. و(ابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز. و(عطاء)
ابن آُبی رباح .
﴿المعنى﴾ (أبى حتى رمى جمرة العقبة) أى لى إلى أن رماها يوم النحر. فلما رماها قطع
التلبية ( قال ) الفضل بن عباس: كنت ردف النبي صلى الله عليه وسلم فما زلت أسمعه يلبي حتى
رمى جمرة العقبة . فلما رماها قطع التلبية. أخرجه النسائي وابن ماجه بسند صحيح(٥) [١١٠].
( الفقه) دل الحديث على أنه يطلب من الحاج أن يستمر ملبياً حتى يرمى جمرة العقبة يوم
النحر، ثم يقطع التلبية . وبه قال بعض العلماء . قال الترمذى: والعمل على هذا عند أهل العلم من
(١) انظر ص ١٦٧ جـ ٢ زرقانى الموطإ (رفع الصوت بالاهلال). (٢و٣) انظر ص ١٧١ جـ ٩ عمدة القاري.
(٤) انظر ص١٦٦ ج٢ زرقانى الموطأ (رفع الصوت بالاهلال) وص١١ ج ٢ بدائع المتن (الجهر بالتلبية) وص ١٧٩ جـ ١١
الفتح الربانى. وص ١٨ = ٢ مجتي (رفع الصوت بالاهلال). وس ١١٢ = ١٢ - ابن ماجه (رفع الصوت بالتلبية) وص ٨٠
جـ ٢ تحفة الأحوذي. وص ٣٤ = ٢ دارى (رفع الصوت بالتلبية) وص ٤٢ = ٥ بيهقى. وص ٤٥٠ جـ ١ مستدرك.
(٥) انظر ص ٥١ ج ٢ مجتى (قطع المحرم التنبية) وص ١٢٠ = ٢ - ابن ماجه (متى يقطع الحاج التلبية؟).

من قال يقطع الحاج التلبية برمى جمرة العقبة أول حصاة ومن قال يقطعها بزوال شمس يوم عرفة ١١٧
أصحاب النبى صلى الله عليه وسلم وغيرهم - أن الحاج لا يقطع التلبية حتى يرمى الجمرة. وهو قول
الشافعى وأحمد وإسحاق (١) (وقال) الحنفيون والشافعى فى رواية والثورى والجمهور: إن الحاج
مفرداً أو متمتعاً أو قارناً يقطع التلبية مع أول حصاة يرميها من جمرة العقبة ، لقول ابن مسعود
رضى الله عنه: رمقت النبى صلى الله عليه وسلم فلم يزل يلنى حتى رمى جمرة العقبة بأول حصاة.
أخرجه البيهقى [١١١]. ثم قال: وقوله: يلى حتى رمى جمرة العقبة. أراد به حتى أخذ فى رمى
الجمرة (٢) وفيه شريك وعامر بن شقيق وهما ضعيفان ((قال)) يحيى بن معين: عامر بن شقيق
ضعيف. وقال أبو حاتم: ليس بالقوى ووثقه غيرهما. وروى الفضل بن عباس أن رسول الله
صلى الله عليه وسلم لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة. أخرجه الشيخان من حديث طويل (٣) [١١٢].
( وقال) مالك وسعيد بن المسيب، والأوزاعى والليث: يلى الحاج إلى زوال شمس يوم عرفة.
وهو مروى عن علىّ وابن عمر وعائشة وجمهور فقهاء المدينة (روى) جعفر بن محمد عن أبيه
أن علىّ بن أبى طالب كان يلبى فى الحج حتى إذا زاغت الشمس من يوم عرفة قطع التلبية (٤)[١١٣]
(وروى) القاسم بن محمد عن عائشة أنها كانت تترك التلبية إذا رجعت إلى الموقف ((أى بعرفة
بعد الزوال، أخرجهما مالك [١١٤]. وقال: ذلك الأمر الذى لم يزل عليه أهل العلم بلدنا(*)
(قال ) الزرقانى فى فعل عائشة وعلىّ ذلك - وهما بالمكانة من النبى صلى الله عليه وسلم - أقوى
دليل على ترك العمل بحديث الفضل وإن كان صحيحاً(٦). (وقال) الحسن البصرى: يلى حتى
يصلى الصبح يوم عرفة ثم يقطعها . ولم نقف له على دليل والراجح ما ذهب إليه الحنفيون ومن
معهم ( قال ) الحافظ فى التلخيص : حديث أنه صلى الله عليه وسلم قطع التلبية عند أول حصاة
رماها لم أجده هكذا . لكن روى البيهقى من حديث الفضل بن عباس: فلم يزل يلبي حتى رمى
جمرة العقبة وكبر مع كل حصاة. قال البيهقى: وتكبيره مع كل حصاة دليل على قطع التلبية بأول
حصاة (٧) وفى الصحيحين من حديث ابن عباس: أن أسامة بن زيد كان رِذف النبى صلى الله
عليه وسلم من عرفة إلى مزدلفة ثم أردف الفضل إلى منى وكلاهما قال : لم يزل النبى صلى الله عليه
وسلم يلبي حتى رمى جمرة العقبة . وفى رواية حتى بلغ الجمرة لكن فى رواية النسائى فلم يزل يلى
حتى رمى فلما رمى قطع التلبية (٨).
(((ويجاب، عما استدل به مالك ومن معه بأن ترك على وعائشة التلبية عند زوال شمس يوم
(١) انظر ص ١١٠ جـ ٢ تحفة الأحوذي (متى يقطع التلبية فى الحج؟). (٢) انظر ص ١٣٧ جـ ٥ بيهقى ( التلبية حتى
(٣) انظر ص ٣٣٨ ج ٣ فتح البارى (النزول بين عرفة وجمع) وص ٢٦ جـ ٩
يرمى جمرة العقبة بأول حصاة ) .
(٤ و٥ و٦) انظر ص ١٣٧ جـ ٢ زرقانى الموطأ
نووى مسلم ( إدامة الحاج التلبية حتى يشرع فى رمى جمرة العقبة ) .
(قطع التلبية) و (ببلدنا) يعنى المدينة.
التلخيص الحبير .
(٨) انظر ص ٢٨٨
(٧) انظر ص ١٣٧ = ٥ يهقى.

١١٨
تلبية الحاج وتكبيره حال ذهابه من منى إلى عرفة
عرفة يحتمل أنه كان لاشتغالهما بعرفة بالدعاء والاستغفار وأنهما عادا إلى التلبية بعد ذلك
إذ يبعد كل البعد أن يخفى عليهما صنيع النبى صلى الله عليه وسلم وهما منه صلى الله عليه وسلم
بالمكانة المعروفة .
( والحديث) أخرجه أيضاً البيهقى والطحاوى وباقى السبعة. وقال الترمذى: حسن صحيح.
وأخرجه الشافعى عن ابن عباس قال : أخبرنى الفضل بن عباس أن رسول الله صلى الله عليه
وسلم أردفه من جمع إلى منى فلم يزل يلى حتى رمى الجمرة (١).
(٩٣) (ص) حَدَّثَنَا أَحَدُ بْنُ خَبْلِ تَ عَبْدُ اللهِبْ عُرْ ثَلاَ يَ بْنُ سَعِد عَنْ
عَبْدِالله ◌ِنْ أَبِ سَةَ عَنْ عَبد الله بنِ عَبْدِ اللهِبْنِ عَرَ عَنْ أبيهِ قَالَ: غَدَوْنَ مَعَ رَسُولِ الله
صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَمَ مِنْ مِّ إِلَى عَرَفَاتٍ . مِنَّ الْمُلَّىُّ. وَمِنّ المُكْبرُ.
﴿ش) مناسبته للترجمة (متى يقطع التلبية) ((١) فى قوله: منا الملى. فإنه يدل على أن
التلبية لا تقطع حال الذباب من منى إلى عرفة. (ب) أو فى قوله : ومنا المكبر: فقد أخذ
بظاهره بعضهم فقال : تقطع التلبية حين التوجه إلى عرفة .
﴿المعنى﴾ (منا الملبى ومنا المكبر) يعنى وأقرهم النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك ولم ينكر
عليهم. ((روى) محمد بن أبى بكر الثقفى أنه سأل أنس بن مالك وهما غاديان من منى إلى عرفة :
كيف كنتم تصنعون فى هذا اليوم مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: كان يُهلُّ المهِل
منّا فلا يُنكرُ عليه ويكبر المكبر منا فلا ينكر عليه . أخرجه مالك والشيخان والطحاوى
وابن ماجه والبيهقى (٢) [١١٥]. والمراد أنهم كانوا يجمعون بين التلبية والتكبير فيكبر بعضهم
ويلى الآخرون وبالعكس لا أن البعض كان يلبى فقط والبعض يكبر فقط كما يوهمه ظاهر
الحديث . فعلوا ذلك اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم ( قال ) ابن مسعود: لقد خرجت مع
(١) انظر ص ١٣٧ جـ ٥ بيهقى وص ٤١٦ ج١ شرح معانى الآثار (التلبية متى يقطعها الحاج) وص ١٨٤ ج ١١
الفتح الربانى ( مدة التلبية) وس ٣٤٥ و٣٤٦ ج ٣ فتح البارى ( التلبية والتكبير غداة النحر حتى يرمى الجمرة)
وس ٢٧ ج ٩ نووى مسلم. وس ٥١ ج ٢ مجتبى (قطع المحرم التلبية) وص ١١٠ ج ٢ تحفة الأحوذي ( متى يقطع التلبية
(٢) انظر ص ١٧٢
فى الحج؟) وص ١٢٧ ج ٢ - ابن ماجه. وص ١١ و١٢ ج ٢ بدائع المنن ( مدة التلبية).
ج٢ زرقانى الموطأ (قطع التلبية) وص ٣٣١ ج ٣ فتح البارى ( التلبية والتكبير إذا غدا من منى إلى عرفة) وص ٣٠ ج ٩
نووى مسلم ( التلبية والتكبير فى الذهاب من منى إلى عرفات) وص ١٤٦ جـ ١ شرح معانى الآثار (التلبية متى يقطعها الحاج)
وص ١٢٢ جـ ٢ - ابن ماجه (الغدو من منى إلى عرفات) وص ١١٢ جـ ٥ بيهقى (التلبية يوم عرفة وقبله وبعده).

١١٩
المعتمر يلبى حتى يستلم الحجر الأسود . ثم يقطع التلبية
رسول الله صلى الله عليه وسلم فما ترك التلبية حتى رمى جمرة العقبة إلا أنه يخلطها بتكبير
أو تهليل. أخرجه أحمد وابن أبى شيبة (١) [١١٦]. وبهذا البيان يعلم أنه لا تنافى بين حديثى
الفضل وابن عمر ((وأن) قول الخطابى: ذهب عامة أهل العلم فى هذا إلى حديث الفضل بن
عباس دون حديث ابن عمر (٢) ((لا وجه له)) وكذا قول العراقى: ظاهر كلام الخطابى أن العلماء
أجمعوا على ترك العمل بهذا الحديث وأن السنة فى الغُدُوّ من منى إلى عرفات التلبية فقط. فإن
حديث ابن عمر صريح فى جواز التكبير مع التلبية . وكذا حديث ابن مسعود .
﴿ الفقه) دل الحديث على استحباب التكبير والتلبية حال الذهاب من منى إس عرفات
والتلبية أفضل. وفيه رد على من قال بقطع التلبية بعد صبح يوم عرفة. قاله النووى (٣).
(والحديث) أخرجه أيضاً مسلم والبيهقى . وكذا الطحاوى مطولا عن ابن عمر قال: كنا
مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صبيحة يوم عرفة فمنا المهل ومنا المكبر. فأما نحن فكنا
نكبر ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال فقلت له: العَجَبُ لكم. كيف لم تسألوه
ما قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفعل فى ذلك (٤).
٣٠ - باب متى يقطع المعتمر التلبية؟
(٩٤) (ص) حَدَّثَنَا مُسَدْدُ ثَنَاهُثَّمٌ عَنِ ابْنِ أَبِ لَيَْ عَنْ عَطَاءٍ عَنِ ابْنِ عَأْسٍ عَنِ
الِّ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَ . قَالَ: يُكِ الْمِرُ حَتَّى يَسْتَمَ الْحَرَ.
(ش) (السند) (هشيم) بالتصغير ابن بشير. و(ابن أبى ليلى) محمد بن عبد الرحمن.
و( عطاء) ابن أبى رباح.
﴿ المعنى﴾ ( يلى المعتمر) أى يستمر المحرم بالعمرة يلبى من حين إحرامه بها (حتى يستلم
الحجر) الأسود فى بدء الطواف للعمرة. والخبر فيه بمعنى الأمر. وهو للاستحباب. وظاهره
أنه يلى حال دخوله المسجد وبعد رؤية البيت وحال مشيه حتى يشرع فى استلام الحجر ثم
يقطعها . ويستثنى منه الأوقات التى ورد فيها دعاء مخصوص .
﴿ الفقه) دل الحديث على أنه يطلب من المعتمر أن يستمر ملبياً حتى يشرع فى استلام
(١) انظر ص ١٨٢ - ١١ - الفتح الربانى (مدة التلبية). (٢) انظر ص ١٧٤ جـ ٢ معالم السنن. (٣) انظر
س ٣٠ ج ٩ شرح مسلم . (٤) انظر ص ٢٩ ج ٩ نووى مسلم (التلبية) وس ١٢٢ = ٠ يهقى (التلبية يوم عرفة)
وص ١٤٦ جـ ١ شرح معاني الآثار.

١٢٠
المذاهب فى الوقت الذى يقطع فيه المعتمر التلبية
الحجر الأسود ثم يقطعها . وبه قال ابن عباس والحنفيون والشافعى فى الجديد وأحمد . (قال)
الترمذى : والعمل عليه عند أهل العلم. قالوا: لا يقطع المعتمر التلبية حتى يستلم الحجر. وبه
يقول سفيان والشافعى وأحمد وإسحاق. وقال بعضهم: إذا انتهى إلى بيوت مكة قطع التلبية(١)
وعن أحمد أنه لا يترك التلبية عند استلام الحجر ، بل يستمر ملبياً خافضاً بها صوته وهو قول
الشافعى فى القديم. (وقال) مالك : إن أحرم بالعمرة من الميقات قطع التلبية بدخول الحرم .
وإن أحرم من الجعرانة أو التنعيم قطعها إذا دخل بيوت مكة ((روی)) نافع أن عبد الله بن عمر
رضى الله عنهما كان يترك التلبية فى العمرة إذا دخل الحرم. أخرجه مالك (٢) [١١٧].
وقال الزرقانى : وبه قال مالك فى المحرم من الميقات وسئل عطاء : متى يقطع المعتمر التلبية ؟
فقال: قال ابن عمر: إذا وصل الحرم. أخرجه البيهقى(٣) [١١٨]. وقال مجاهد: كان ابن عمر
رضى الله عنهما يلبى فى العمرة حتى إذا رأى بيوت مكة ترك التلبية وأقبل على التكبير والذكر
حتى يستلم الحجر. أخرجه البيهقى (٤) [١١٩].
( والحديث) أخرجه أيضاً البيهقى عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يلى
فى العمرة حتى يستلم الحجر. وفى الحج حتى يرمى الجمرة . وأخرجه الترمذى عن عطاء عن ابن
عباس قال يرفع الحديث : أنه كان يمسك عن التلبية فى العمرة إذا استلم الحجر . وقال : حديث
صحيح(*) . وفى تصحيحه نظر . فإن فى سنده محمد بن عبد الرحمن بن أبى ليلى تكلم فيه جماعة .
( وقال ) الحافظ فى التقريب : صدوق سيء الحفظ جداً .
﴿ص﴾ قَالَ أَبُو دَلُوَدَ: رَوَاُ عَبْدُ الْلَكِ بْنُ أَبِ سُلْمَنَ وَامٌ عَنْ عَظَلٍ عَنِ ابْنِ
عبّاسٍ مَوْقُوفً .
{ش) هذان تعليقان لأثر .
﴿المعنی) أنّ عبد الملك بن أبی سلمان وهمام بن منبه رویا الحديث عن عطاء بن أبي رباح
موقوفاً على أبن عباس (وهذان) التعليقان وصلهما البيهقى قال: أخبرنا أبو طاهر الفقيه . أنبأ
أبو بكر محمد بن الحسين القطان ثنا يعلى بن عبيد ثنا عبد الملك بن أبى سليمان قال: سئل عطاء
متى يقطع المعتمر التلبية؟ فقال: قال ابن عمر : إذا دخل الحرم . وقال ابن عباس: حتى يمسح
(١) انظر ص ١١٠ و١١١ = ٢ تحفة الأحوذي (متى يقطع التلبية فى العمرة؟). (٢) انظر ص ١٧٣ جـ ٢
زوهانى الموطأ (قطع التليمة). (٣ و ٤) انظر ص ١٠٤ جـ ٥ بيهفى (لا يقطع المعتمر التلبية حتى يفتح الطواف.
(٥) انظر ص ١٠٥ منه، وص ١١٠ ج ٢ تحفة الأحوذي (متى يقطع التلبية فى العمرة) و (قال برفع الحديث) أى قال
عطاء يرفع ابن عباس الحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم.