النص المفهرس
صفحات 441-460
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٤١ معرفة الثقات والضعفاء أحمد، وصالح جَزَرة، وأبو بكر البزار، وأبو جعفر محمد بن عثمان ابن أبي شيبة، وهو ضعيف لكنه من أئمة هذا الشأن، ومحمد بن نصر المروزي. ثم من بعدهم: أبو بكر الفريابي، والبَرْديجي، والنسائي، وأبو يعلى، والحسن بن سفيان، وابن خزيمة، وابن جرير الطبري، والدولابي، وأبو عَرُوبة الحراني، وأبو الحسن أحمد بن عمير بن جوصا، وأبو جعفر العُقيلي. ثم طبقة أخرى، منهم: ابن أبي حاتم، وأبو طالب أحمد بن نصر البغدادي الحافظ شيخ الدارقطني، وابن عُقدة، وعبد الباقي بن قانع. ثم من بعدهم: أبو سعيد ابن يونس، وابن حبان البُستي، والطبراني، وابن عدي الجرجاني ومصنَّفه في الرجال إليه المنتهى في الجرح كما تقدم (١). ثم بعدهم: أبو علي الحسين بن محمد الماسَرْجسي النيسابوري، وله مسند معلَّل في ألفٍ وثلاثمائة جزء، وأبو الشيخ ابن حَيَّان، وأبو بكر الإسماعيلي، وأبو أحمد الحاكم، والدارقطني وبه خُتم معرفة العلل. ثم بعدهم أبو عبد الله ابن منده، وأبو عبد الله الحاكم، وأبو نصر الكلاباذي، وأبو المطرِّف عبد الرحمن بن فُطَيس قاضي ((قرطبة))، وله ((دلائل السنة)) في خمس مجلدات، و((فضائل الصحابة)) كما أسلفته هناك(٢)، وعبد الغني بن سعيد، وأبو بكر ابن مردويه الأصبهاني، وتمَّام الرازي. ثم بعدهم: أبو الفتح محمد بن أبي الفوارس البغدادي، وأبو بكر البرقاني، وأبو حازم العَبْدُوي(٣) وقد كتب [عن] (٤) عشرة أنفس عشرة آلاف جزء -، وخلف بن محمد الواسطي، وأبو مسعود الدمشقي، وأبو الفضل (١) في بداية الكلام على هذا النوع. (٢) (ص٦٤). (٣) نسبة إلى (عبدويه)، قال السمعاني في ((الأنساب)) (٣٥٣/٨): (فإن قيل - كما يقول النحويون -: ((عَبَدَوَيْه)) فالنسبة إليها: عبدَوي، بفتح الدال، وإن قيل - كما يقول المحدثون -: ((عبدُويه)) بضم الدال فالنسبة إليها: عَبُدوبي). (٤) في النسخ: (عنه)، وهو خطأ، وقد جاءت العبارة عن أبي حازم في ((تذكرة الحفاظ)) (١٠٧٣/٣) بلفظ: (كتبت بخطي عن عشرة من شيوخي عشرة آلاف جزء، عن كل واحد ألف جزء). معرفة الثقات والضعفاء ٤٤٢ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث الفلكي وله كتاب ((الطبقات)) في ألف جزء، وأبو القاسم حمزة السهمي، وأبو يعقوب القَرَّاب، وأبو ذر الهرويان. ثم بعدهم: أبو محمد الحسن بن محمد الخلَال البغدادي، وأبو عبد الله الصوري، وأبو سعد السمان، وأبو يعلى الخليلي. ثم بعدهم(١): ابن عبد البر، وابن حزم الأندلسيان، والبيهقي، والخطيب. ثم أبو القاسم سعد بن محمد الزَّنْجاني، وشيخ الإسلام الأنصاري، وأبو صالح المؤذن، وابن ماكولا، وأبو الوليد الباجي - وقد صنَّف في الجرح والتعديل وكان علّامة حجة -، وأبو عبد الله الحُميدي، وابن مفوّز المَعَافري الشاطبي، ثم أبو الفضل ابن طاهر المقدسي، وشجاع بن فارس الذُّهلي، والمؤتَمَن بن أحمد بن علي الساجي، وشيرُويه الديلمي الهروي - مصنّف («تاريخ هراة)» -، وأبو علي الغسَّاني. ثم بعدهم: أبو الفضل بن ناصر السَّلَامي، والقاضي عياض، والسِّلَفي، وأبو موسى المديني، وأبو القاسم ابن عساكر، وابن بَشْكُوال. ثم بعدهم: عبد الحق الإشبيلي، وابن الجوزي، وأبو عبد الله ابن الفَخّار المالِقي، وأبو القاسم السُّهيلي. ثم أبو بكر الحازمي، وعبد الغني المقدسي، والرُّهاوي، وابن مفضّل المقدسي. ثم بعدهم: أبو الحسن ابن القطان، وابن الأنماطي، وابن نُقطة، وابن الدُّبَيئي، وابن خليل الدمشقي، وأبو بكر ابن خَلْفون الأزدي، وابن النجار. ثم الزكي المنذري، والبِرْزالي، والصَّرِيفيني، والرشيد العطار، وابن الصلاح، وابن الأبّار، وابن العَديم، وأبو شامة، وأبو البقاء خالد بن يوسف النابلسي، وابن الصابوني. ثم بعدهم: الدِّمياطي، وابن الظاهري، والمَيْدُومي - والد الصدر -، وابن دقيق العيد، وابن فَرَح(٢)، وعُبيد الإِسْعِرْدي. (١) في (س): (ثم من بعدهم). (٢) فرح بالفاء والراء المفتوحتين، وآخره حاء مهملة، وجاء في النسخ: (فرج) بالجيم، = فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٤٣ معرفة الثقات والضعفاء ثم بعدهم: سعد الدين الحارثي، والمِزي، وابن تيمية، والذهبي، وصفي الدين القرافي، وابن البِرْزالي، والقطب الحلبي، وابن سيد الناس(١). في آخرين من كل طبقة، منهم - في شيوخ شيوخنا -: المصنف(٢)، ثم تلميذه شيخنا (٣)، وفاق في ذلك على جميع من أدركه، وطُوي البساط بعده إلا لمن شاء الله، ختم الله لنا بخير، فعدَّلوا وجرحوا، ووهَّنُوا وصححوا، ولم يحابوا أباً ولا ابناً ولا أخاً، حتى إن ابن المديني سُئل عن أبيه فقال: ((سلوا عنه غيري))، فأعادوا فأطرق ثم رفع رأسه فقال: ((هو الدِّين؛ إنه ضعيف))(٤). وكان وكيع بن الجراح؛ لكون والده كان على بيت المال يقرن معه آخر (٥) إذا روى عنه(٥). وقال أبو داود صاحب ((السنن)): ((ابني عبد الله كذاب))(٦) - وإن أَوَّلْناه في غير هذا الكتاب(٧) -، ونحوه قول الذهبي في ولده أبي هريرة: ((إنه حفظ القرآن، ثم تشاغل عنه حتى نسيه))(٨). وقال زيد بن أبي أُنيسة - كما في مقدمة ((مسلم)) -: ((لا تأخذوا عن أخي)) (٩) يعني يحيى المذكورَ بالكذب(١٠). نعم، ((في الخلفاء وآبائهم وأهليهم - كما قاله الذهبي في ترجمة داود بن علي بن عبد الله بن عباس من ((تاريخ الإسلام)) (١١) له - قوم أعرض أهل الجرح = وهو خطأ، انظر: ((تبصير المنتبه)) (١٠٧٢/٣)، والمراد به أحمد بن فرح الإشبيلي. (١) إلى هنا انتهى ما أخذه المؤلف من رسالة الذهبي (ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل سوى قوله: (والذهبي) فهذه من إضافة المؤلف، ثم إن كلام المؤلف هنا مختصر من رسالة له بعنوان: (المتكلمون في الرجال) وهي مطبوعة بتحقيق الشيخ عبد الفتاح أبو غدة وقد ترجم المحقق لكل شخص فيها ترجمة مختصرة. (٢) يعني الحافظ العراقي مصنف (الألفية). (٣) يعني الحافظ ابن حجر. (٤) ((المجروحين)) (١٥/٢). (٥) ((سؤالات الآجري لأبي داود)) (١٣٤). (٦) ((الكامل)) لابن عدي (٤/ ١٥٧٧). (٧) يعني ذكرنا تأويلاً لهذه الكلمة وتفسيراً. (٨) واسم ابنه: عبد الرحمن، شهاب الدين مات سنة ٧٩٩، ((الدرر الكامنة)) (٣٤١/٢)، و ((إنباء الغمر)) (٣٥٠/٣)، ولم أقف على قول الذهبي. (٩) ((مقدمة صحيح مسلم)) (٢٧/١). (١١) حوادث سنة: (١٢١ - ١٤٠، ص ٤١٢). (١٠) المصدر السابق. معرفة الثقات والضعفاء ٤٤٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث والتعديل عن كشف حالهم خوفاً من السيف والضرب، قال: ((وما زال هذا في كل دولة قائمة، يصف المؤرخ محاسنها ويغضي عن مساوئها، هذا إذا كان ذا دين وخير، فإن كان مدَّاحاً مداهناً لم يلتفت إلى الورع، بل ربما أخرج مساوئ الكبير وهناته في هيئة المدح والمكارم والعظمة، فلا قوة إلا بالله))(١). ولا شك أن في المتكلمين في ذلك من المتأخرين من كان من الورع بمكان، كالحافظ عبد الغني [صاحب](٢) ((الكمال في معرفة الرجال)) المخرَّج لهم في ((الكتب الستة))، الذي هذَّبه المزي(٣)، وصار كتاباً حافلاً عليه معوّل من جاء بعده، واختصره شيخنا (٤)، وغيره(٥) . ومن المتقدمين من لم يُشَك في ورعه كالإمام أحمد، بل قال: ((إنه أفضل من الصوم والصلاة)) (٦)، وابن المبارك فإنه قال: ((لو خُيرت بين أن أدخل الجنة، وبين أن ألقى عبد الله بن المحرَّر لاخترت أن ألقاه ثم أدخل الجنة، فلما رأيته كانت بعرةٌ أحبَّ إليَّ منه))(٧). وابن معين، مع تصريحه بقوله: ((إنا لنتكلم في أناس قد حطوا رحالهم في الجنة))(٨). والبخاري القائل: ((ما اغتبتُ أحداً مُذ علمتُ أن الغيبة حرام)) (٩). وحجتهم: التوصل بذلك لصون الشريعة، وأن حق الله ورسوله هو المقدم. (ولقد أحسن) الإمام (يحيى) بن سعيد القطان (في جوابه) لأبي بكر ابن خلاد حين قال له: أما تخشى أن يكون هؤلاء الذين تركت حديثَهم خُصماءَك عند الله يوم القيامة؟ (وسدّ) بمهملتين أولاهما مفتوحة، أي وُفِّق للسداد وهو (١) نهاية كلام الذهبي تقلُّ في المصدر السابق. (٣) يعني في كتابه: (تهذيب الكمال). (٢) ما بين المعكوفين ليس في (س). (٤) يعني الحافظ ابن حجر في كتابه: (تهذيب التهذيب). (٥) كالذهبي في كتابه: ((تذهيب التهذيب)). (٦) ((الإعلان بالتوبيخ)) (٩٤). (٧) ((المجروحين)) (٦٧/١) و((الكامل)) لابن عدي (١٤٥١/٤). (٨) ((علوم الحديث)) (٣٥١)، و((السير)) (٢٦٨/١٣). (٩) ((تاريخ بغداد)» (١٣/٢) فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٤٥ معرفة الثقات والضعفاء ٩٨٢ الصواب والقصد من القول والعمل، حيث قال: (لأن يكونوا) أي المتروكون (خصماءَ لي أحب) إليَّ (من كون خصمي المصطفى) وَلّ (إذ لم أُذُب) بفتح الهمزة وضم الذال المعجمة، ثم موحدة: أي أمنع الكذب عن حديثه وشريعته(١). ولذا رأى رجل عند موت ابن معين النبي ◌ُّل﴿ وأصحابه مجتمعين، فسألهم عن سبب اجتماعهم فقال النبي ◌ّر: ((جئت لأصلي على هذا الرجل، فإنه كان يذب الكذب عن حديثي))، ونودي بين يدي نَعشه: هذا الذي كان ينفي الكذب عن رسول الله وَليٍ(٢). ثم رؤي في النوم(٣)، فقيل له: ما فعل الله بك؟ قال: غفر لي وأعطاني وحباني، وزوجني ثلاثمائة حوراء، وأدخلني عليه مرتين. وقيل فيه: وبكل مختلف، وفي (٤) الإسناد ذهب العلیمُ بعَیْب کل محدّث يُعنَى به علماءُ كل بلاد(٥) وبكل وهمٍ في الحديث ومُشْكل فإن قيل: قد شغف جماعة من المتأخرين القائمين بالتاريخ وما أشبهه كالذهبي ثم شيخنا بذكر المعائب ولو لم يكن المعاب من أهل الرواية، وذلك غيبةٌ محضة، ولذا تعقّب ابنُ دقيق العيد ابنَ السمعاني في ذكره بعض الشعراء، وقَدَحَ فيه بقوله: ((إذا لم يضطر إلى القدح فيه للرواية لم يجز))(٦)، ونحوه قول ابن المرابط: ((قد دُوِّنت الأخبار، وما بقي للتجريح فائدة، بل انقطعت من رأس الأربعمائة))(٧)، ودَنْدَن هو وغيره ــ ممن لم يتدبر مقاله - بعيب المحدثين بذلك. (١) ((مقدمة الكامل)) لابن عدي (١١٠/١)، و((الكفاية)) (٤٤). (٢) ((المجروحين)) (٥٦/١)، و((تاريخ بغداد)) (١٨٦/١٤). (٣) الذي رآه هو حبيش بن مبشر الفقيه، كما في المصدرين السابقين. (٤) في (ح) و(م): (في). من الناسخ، لأن الوزن العروضي يختل بحذف (الواو). (٥) تاريخ بغداد)) (١٨٦/١٤)، وعزاها - بالإسناد - إلى بعض المحدثين. (٧) قال الحافظ ابن حجر في ((الدرر الكامنة)) (٤٥/٤) في ترجمة ابن المرابط - محمد بن = (٦) ((الإعلان بالتوبيخ)) (٩٢). معرفة الثقات والضعفاء ٤٤٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث قلت: الملحوظ في تسويغ ذلك كونُه نصيحةً، ولا انحصار لها(١) في الرواية، فقد ذكروا من الأماكن التي يجوز فيها ذكر المرء بما يكره - ولا يُعدُّ ذلك غيبةً، بل هو نصيحة واجبة - أن تكون للمذكور ولاية لا يقوم بها على وجهها، إما بأن لا يكون صالحاً لها، وإما بأن يكون فاسقاً أو مغفلاً، أو نحو ذلك فيُذكر ليزال بغيره ممن يصلح، أو يكون مبتدعاً أو فاسقاً ويُرَى من يتردد إليه للعلم ويُخَاف عليه عَودُ الضرر من قِبله، فيُعلمه ببيان حاله(٢) . ويلتحق بذلك المتساهل في الفتوى، أو التصنيف، أو الأحكام، أو الشهادات، أو النقل، أو المتساهل في ذكر العلماء، أو في الرُّشا والارتشاء إما بتعاطيه له، أو بإقراره عليه مع قدرته على منعه، وأكل أموال الناس بالحيل والافتراء، أو الغاصب لكتب العلم من أربابها، أو المساجد بحيث تصير ملكاً، أو غير ذلك من المحرمات، فكل ذلك جائز، أو واجب ذكره ليُحذَر ضرره. وكذا يجب ذكرُ المتجاهر بشيء مما ذكر ونحوه من باب أولى. قال شيخنا : ((ويتأكد الذكر لكل هذا في حق المحدِّث؛ لأن أصل وضع فنّه بيانُ الجرح والتعديل، فمن عابه بذكره لعيب المجاهر بالفسق، أو المتصف بشيء مما ذكر فهو جاهل، أو ملبس، أو مشارك له في صفته، فيخشى أن يسري إليه الوصف))(٣). نعم، لا يجوز التجريح بشيئين إذا حصل بواحد، فقد قال العز ابن عثمان بن يحيى، المتوفى سنة: (٧٥٢) -: (رأيت بخطه جزءاً حظّ فيه على الذهبي، = وترجمه ترجمة أفرط في ذمّه فيها، وتعقّبه برهان الدين ابن جماعة على الهامش. والله يرحم الجميع). وجاء في التعليق على كلام الحافظ هذا في الحاشية من ((لحظ الألحاظ)) (٣٥٩) قول المعلق: (قد عاب ابن المرابط في جزئه هذا الذهبيَّ بثَلْبه الناس، وذكر مساوئهم، وقال: إن ذلك غيبة لا تجوز، وأن الجرح قد انقطعت فائدته من رأس الأربعمائة، وقسَّم - يعني ابن المرابط - تاريخ الذهبي لأربعة أقسام، قسم منها محض غيبة .. إلى آخر ما ذكره). (١) في (م): (له). (٢) انظر لما تباح فيه الغيبة: ((الإحياء)) (١٥٢/٣)، و((الأذكار)) للنووي (٢٩٢)، و((شرح النووي)) لمسلم (١٤٢/١٦)، و((فتح الباري)) (٤٦٨/١٠ - ٤٧٢). (٣) ((الإعلان بالتوبيخ)) (٩٧). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٤٧ معرفة الثقات والضعفاء عبد السلام في ((قواعده)): ((إنه لا يجوز للشاهد أن يُجَرَّح بذنبين مهما أمكن الاكتفاء بأحدهما، فإن القدح إنما يجوز للضرورة فليقدَّر بقدرها))(١). ووافقه عليه القَرَافي(٢)، وهو ظاهر. وقد قسم الذهبي من تكلم في الرجال أقساماً : فقسمٌ تكلموا في سائر الرواة، كابن معين وأبي حاتم. وقسمٌ تكلموا في كثير من الرواة، كمالك وشعبة. وقسمٌ تكلموا في الرجل بعد الرجل، كابن عيينة والشافعي. قال: ((وهم - الكل - على ثلاثة أقسام أيضاً: ١ - قسم منهم مُتَعنت في التوثيق، متثبت في التعديل، يغمز الراوي بالغلطتين والثلاث، فهذا إذا وثَّق شخصاً فَعضَ على قوله بنواجذك، وتمسك بتوثيقه. وإذا ضعَّف رجلاً فانظر هل وافقه غيره على تضعيفه؟ فإن وافقه ولم يوثّق ذاك الرجلَ أحدٌ من الحُذَّاق فهو ضعيف، وإن وثقه أحد فهذا هو الذي قالوا: لا يقبل فيه الجرح إلا مفسراً)) يعني لا يكفي فيه قول ابن معين - مثلاً -: هو ضعيف، ولم يُبيِّن سببَ ضعفه، ثم يجيء البخاري وغيره يوثقه. ومثل هذا يختلف في تصحيح حديثه وتضعيفه))(٣). ومن ثم قال الذهبي - وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال (٤) -: ((ولم يجتمع اثنان من علماء هذا الشأن قط على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة)) انتهى(٥). (١) ((قواعد الأحكام)) (١/ ٩٧). (٢) («الفروق)) (٢٠٥/٤ - ٢٠٧). (٣) ((ذكر من يعتمد قوله في ((الجرح والتعديل)) للذهبي (١٥٨ - ١٥٩)، ومثّل الذهبي لهذا القسم بابن معين، وأبي حاتم، والجوزجاني. ثم ذكر القسمين الآتيين: الثاني والثالث. (٤) ما بين المعترضين قاله الحافظ ابن حجر في ((شرح النخبة)) (١٣٦) في حق الإمام الذهبي. رحم الله الجميع. (٥) ((الموقظة)) (٨٤)، وإليك سياق كلام الذهبي قال: (هذا الدين محفوظ من الله تعالى، لم يجتمع علماؤه على ضلالة، لا عمداً ولا خطأ، فلا يجتمع اثنان على توثيق ضعيف، ولا على تضعيف ثقة). معرفة الثقات والضعفاء ٤٤٨ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ولهذا كان مذهب النسائي: أن لا يترك حديث الرجل حتى يجتمع الجميع(١) على تركه(٢)، كما تقدم(٣) مع توجيهه بما يحسن استحضاره هنا. ٢ - وقسم منهم مُتَسمح كالترمذي والحاكم(٤). قلت: وكابن حزم فإنه قال في كلِّ من أبي عيسى الترمذي وأبي القاسم البغوي، وإسماعيل بن محمد الصفار، وأبي العباس الأصم وغيرهم من المشهورين: ((إنه مجهول))(٥). ٣ - وقسم معتدلٌ كأحمد، والدارقطني، وابن عدي(٦). ٩٨٣ (و) لوجود المتُشدِّد ومُقَابِله نشأ التوقفُ في أشياءَ من الطرفين، بل (ربما رُدَّ كلام) كل من المعدل (والجارح) مع جلالته، وإمامته، ونقده، وديانته، إما لانفراده عن أئمة الجرح والتعديل كالشافعي نَّتُهُ في إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى(٧)، فإنه - كما قال النووي -: لم يوثّقه غيره، وهو ضعيف باتفاق المحدثين(٨) لكن قد اعتذر الساجيُّ عن الشافعي بأنه لم يخرِّج عنه إلا في (١) يعني الأكثر، كما قاله القاري في ((شرح شرح النخبة)) (٢٣٧). (٢) ((النزهة)) (١٣٦)، وما ذكره الحافظ ابن حجر هنا بقوله: (ولهذا كان مذهب النسائي ... ) إلخ لا يظهر به تفسير كلمة الذهبي الآنفة، والتي أوردت سياقها كاملاً، وظاهر منها أن مقصوده - أعني الذهبي - أن الله قد حفظ هذا الدين فلم يقع إجماع على توثيق ضعيف، ولا تضعيف ثقة، بل إذا وثّق الضعيف أحدٌ ضعّفه آخرون، والعكس. (٣) (١٥١/١). (٤) قال الذهبي بعده -: (وأبي بكر البيهقي). (٥) ((تهذيب التهذيب)) (٣٨٨/٩)، وذكر أن تجهيل الترمذي هو في كتاب الفرائض من (الإيصال إلى فهم كتاب الخصال) لابن حزم. (٦) قال الذهبي: (وقسم كالبخاري، وأحمد بن حنبل، وأبي زرعة، وابن عدي؛ معتدلون منصفون). (٧) الأسلمي، مولاهم. ((تهذيب الكمال)) (١٨٤/٢). (٨) ((الأسماء واللغات)) (١٠٤/٣) في ترجمة إبراهيم نفسه. قلت: وهذا الاتفاق فيه نظر؛ إلا إن أُريد به: الأكثر، فنعم، فقد قال مالك: ليس في دينه بذاك. وقال أحمد: لا يكتب حديثه، ترك الناس حديثه. كان يروي أحاديث منكرة، لا أصل لها، وكان يأخذ أحاديث الناس فيضعها في كتبه. وقال يحيى بن سعيد: كذاب. وقال يحيى بن معين: ليس بثقة. وقال أيضاً: كذاب = فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٤٤٩ معرفة الثقات والضعفاء الفضائل(١). يعني وهم يتسامحون فيها. وتُعقب بأن الموجود خلافُه(٢). وابنُ حبان(٣) بأن مجالسته لإبراهيم كانت في حداثته (٤)(٥). في كل ما روى. وقال النسائي: متروك. = ونحو هذا عن بشر بن المفضل، والبخاري، والجوزجاني وغيرهم مما أورده المزي في ((تهذيب الكمال)) (١٨٦/٢ - ١٨٧)، وقبله ابن عدي في ((الكامل)) (٢١٩/١ - ٢٢٢)، وغيرهما . لكن قال ابن عدي بعد ذلك: (سألت أحمد بن محمد بن سعيد (يعني ابن عُقدة) فقلت: تعلم أحداً أحسن القولَ في إبراهيم بن أبي يحيى غيرَ الشافعي؟ فقال لي: نعم، حدثنا أحمد بن يحيى الأودي قال: سمعت حمدان بن الأصبهاني - يعني محمد بن سعيد - قلت: أتدين بحديث إبراهيم بن أبي يحيى؟ فقال: نعم. قال ابن عدي: ثم قال لي أحمد بن محمد بن سعيد (ابن عقدة): نظرت في حديث إبراهيم بن أبي يحيى كثيراً، وليس هو منكر الحديث. قال ابن عدي: وهذا الذي قاله كما قال، وقد نظرتُ أنا أيضاً في حديثه الكثير فلم أجد فيه منكراً، إلا عن شيوخ يُحتملون، وقد حدّث عنه ابن جريج، والثوري، وعباد بن منصور، ومندل، وأبو أيوب يحيى بن أيوب المصري، وغيرهم من الكبار، ثم قال - بعد أن أورد جملة أحاديث لإبراهيم من طريق ابن جريج ومن معه وغيرهم، قال -: وهؤلاء - يعني ابن جريج ومن معه - أقدم موتاً منه، وأكبر سناً، وله أحاديث كثيرة، وله كتاب ((الموطأ)) أضعاف ((موطأ)) مالك، ونسخ كثيرة. وهذا الذي قاله ابن سعيد كما قال، وقد نظرت أنا في أحاديثه، وتحرّيتها وفتّشتُ الكلّ منها فليس فيها حديث منكر، وإنما يُروَى المنكر - إذا كان - من قبل الراوِي عنه، أو من قِبَل شيخه، لا من قبله، وهو في جملة من يكتب حديثه، وقد وثَّقه الشافعي، وابن الأصبهاني، وغيرهما) انتهى. قلت: فهذا الشافعي وابن الأصبهاني يوثقانه، وهذا ابن عقدة، وابن عدي قد نظرا في أحاديثه وفتشاها، ولم يجدوا فيها منكراً عنه، وإنما - إذا كان - فعن تلميذه أو شيخه. (١) عزاه للساجي: الحافظُ ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (١٦١/١)، ولفظه: (لم يخرّج الشافعي عنه حديثاً في فرض، إنما أخرج عنه في الفضائل). (٢) المتعقّب هو ابن حجر في مصدره السابق، ولفظه: (قلت: هذا خلاف الموجود المشهود). (٣) معطوف على (الساجي). أي: واعتذر ابن حبان. (٤) ((المجروحين)) (١٠٧/١) في كلام طويل. (٥) قلت: بل الأولى من كل ذلك ما جاء عن الشافعي نفسه فيما أخرجه ابن عدي في ((الكامل)) (٢٢١/١) بسنده إلى الربيع بن سليمان قال: (سمعت الشافعي يقول: كان - معرفة الثقات والضعفاء ٤٥٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وعلى كل حال فقد اختار ابن الصلاح - كما مضى في محله (١) - أن الإمام الذي له أتباع يقلدونه فيما يذهب إليه إذا احتجَّ براوٍ ضعَّفه غيره كان ذلك الراوي حجةً في حق من قلَّد ذلك الإمام. أو لتحامله (کالنسائي) بالإسكان للوزن، صاحب («السنن)) (في أحمد بن صالح) أبي جعفر المصري الحافظ، المعروف بابن الطبري حيث جرَّحه - فيما نقله عنه ابنه(٢) عبد الكريم - بقوله: ((ليس بثقة ولا مأمون، تركه محمد بن يحيى، ورماه يحيى بالكذب))(٣). وقال في موضع آخر: ((حدثنا معاوية بن صالح: سمعت ابن معين يقول(٤): أحمد بن صالح كذاب يتفلسف))(٥) انتهى. فإنه - كما قال أبو يعلى الخليلي - ((ممن اتفق الحفاظ على أن كلامه فيه: فيه تحامل)) (٦)، قال: ((ولا يقدح كلام أمثاله فيه))(٧). وقال الذهبي في ((الميزان)): ((إنه آذى نفسه بكلامه فيه))(٨). والناس كلَّهم متفقون على إمامته إبراهيم بن أبي يحيى قدرياً. قيل للربيع: فما حمل الشافعي على أن روى عنه؟ قال: = كان يقول: لأن يخرّ إبراهيم من بُعْد أحبّ إليه من أن يكذب، وكان ثقة في الحدیث). قلت: فالشافعي روى عنه لثقته عنده في حديثه، وإن كان قدرياً في رأيه. والله أعلم. (١) (١٩٣/٢ - ١٩٤). (٢) قال المزي في ((تهذيب الكمال)) (٣٤٦/١) في ترجمة أحمد بن صالح المصري: (وقال عبد الكريم بن أحمد بن شعيب النسائي عن أبيه: أبو جعفر أحمد بن صالح، مصري ليس بثقة ولا ... ). (٣) ((تهذيب الكمال)) (٣٤٦/١)، و((الميزان)) (١٠٤/١). وقال النسائي في كتابه: (الضعفاء والمتروكين) (٥٩): (ليس بثقة). (٤) في (س): يقوله. من الناسخ. (٥) أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢٠٢/٤) عن ابن يونس عن النسائي عن معاوية به. ثم تعقبه ابن يونس بقوله: (ولم يكن عندنا بحمد الله كما قال، ولم يكن له آفة غير الكبر). وانظر: ((تهذيب الكمال))، و((الميزان)) السابقين. (٦) ((الإرشاد)) (٤٢٤/١)، ولفظه: (ثقة حافظ ... وتكلّم فيه أبو عبد الرحمن النسائي، واتفق الحفاظ على أن كلامه: فيه تحامل، ولا يقدح كلام أمثاله فيه). (٧) قلت: بل كلام النسائي له وزنه واعتباره، لكن قعد به هنا مخالفته اتفاق الأئمة. (٨) ((الميزان)) (١٠٣/١)، ولفظه: (الحافظ الثبت، أحد الأعلام، آذى النسائي نفسه بکلامه فیه). فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٤٥١ معرفة الثقات والضعفاء وثقته(١)، واحتج به البخاري في ((صحيحه))(٢)، وقال: ((إنه ثقة صدوق ما رأيت أحداً يتكلم فيه بحجة، كان أحمد وابن نمير وغيرهما يثبتونه. وكان يحيى - يعني ابن معين - يقول: سلوه فإنه ثبت))(٣). وممن وثقه العجلي، وقال ((صاحب سنة))(٤)، وأبو حاتم(٥). وقال ابن يونس: ((لم يكن عندنا كما قال النسائي، لم تكن له آفة غير الكبر))(٦). والسبب في كلام النسائي فيه: ما ذكره أبو جعفر العُقيلي أن أحمد لم يكن يحدث أحداً حتى يسأل عنه، فجاءه النسائي وقد صحب قوماً من أصحاب الحديث ليسوا هناك، فأبى أحمد أن يأذن له، فعمد النسائي إلى جمع أحاديث قد غلط فيها ابن صالح فشنّع بها. ولم يضره ذلك(٧). وكذا قال ابن عدي ((سمعت محمد بن هارون [البرقي](٨) يقول: ((إنه حضر مجلسه فطرده منه(٩)، فحمله ذلك على التكلم فيه))(١٠). [قلت: والذي أراه في الاعتذار عن النسائي: أنه غير موافق لابن صالح على مذهبه في كونه لا يُحدث إلا من شُهِد عنده بعدالته - حسبما حكاه (١) تقدم قريباً قول الخليلي، وقال الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (٢٠٠/٤): (احتج سائر الأئمة بحديث أحمد بن صالح، سوى أبي عبد الرحمن النسائي، فإنه ترك الرواية عنه، وكان يطلق لسانه فيه). (٢) برقم: (٧٣٧٥). (٣) أخرجه عن البخاري: الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢٠١/٤) وفيه: ( ... كان أحمد بن حنبل، وعلي، وابن نمير، وغيرهم .. أثبت). (٤) ((معرفة الثقات)) (١٩٢/١). (٦) (تاريخ بغداد)) (٢٠٢/٤). (٥) ((الجرح والتعديل)) (٥٦/٢). (٧) عزاها للعقيلي: ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٤٢/١)، وانظر نحوها في: ((تهذيب الكمال)» (٣٤٨/١)، وغيرها في ((الكامل)) لابن عدي (١٨٧/١). (٨) في جميع النسخ: (الرقي). وهو خطأ صوابه: البرقي - بالموحدة قبل الراء - فكذا هو في ((الكامل)) لابن عدي (١٨٧/١) و((تاريخ بغداد)) (٢٠٠/٤)، و((تهذيب الكمال)) (١/ ٣٤٧)، وانظر ترجمة البرقي هذا في ((تكملة الإكمال)) لابن نقطة (٣٨٨/١). (٩) يعني: أن النسائي حضر مجلس أحمد بن صالح، فطرده أحمد. (١٠) ((الكامل)) (١٨٧/١). معرفة الثقات والضعفاء ٤٥٢ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث مسلمة بن قاسم(١) - ويروى أن ذلك منه وسيلة لكتم العلم، سيما حيث فهم منه أن التعاظمَ والكبرَ مُوجَبُه، حتى وصفه بُندار بسوء الخلق (٢) . وعلى كل حال فهو مجتهد، ومأجور](٣). وأما ما رواه من كلام ابن معين فيه فجزم ابن حبان بأنه اشتبه عليه، فالذي تكلم فيه ابنُ معين إنما هو أحمد بن صالح الشمُومي (٤) المصري، شیخ بـ ((مكة)) كان يضع الحديث، سأل معاويةٌ(٥) عنه يحيى. فأما هذا فهو يقارن ابنَ معين في الحفظ والإتقان(٦). وقوَّاه شيخنا(٧) بنقل البخاري في هذا عن ابن معين - كما حكيناه(٨) - أنه ثَبْتُ. على أن ابن يونس قد رد قولَ ابن معين - أَنْ لَوْ كان في أبي جعفر - بقوله: ((لعل ابنَ معين لا يدري ما الفلسفة؟ فإنه ليس من أهلها))(٩). ولذا كان (١) حكاية مسلمة بن القاسم هذه أوردها المزي في ((تهذيب الكمال)) (٣٤٨/١) قال: (وكان سبب تضعيف النسائي له أن أحمد بن صالح كان لا يحدّث أحدا حتى يشهد عنده رجلان من المسلمين أنه من أهل الخير والعدالة ... فأتى النسائيُ ليسمع منه، فدخل بلا إذن ولم يأته برجلين يشهدان له بالعدالة، فلما رآه في مجلسه أنكره، وأمر بإخراجه، فضعّفه النسائي لهذا). (٢) أخرج الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٢٠١/٤) بسنده إلى بُندار أنه قال: (كتبت إلى أحمد بن صالح خمسين ألف حديث - أي إجازة - وسألته أن يُجيز لي أو يكتب لي بحديث مخرمة بن بكير، فلم يكن عنده من المروءة ما يكتب بذاك إليّ). ثم علّق عليه الخطيب بقوله: (قلت: وأرى هذا الحديث قاله بندار في أحمد بن صالح - من تركه مكاتبته مع مسألته إياه ذلك - إنما حمله عليه سوء الخلق) اهـ. فهذا الوصف - فيما يظهر - هو من الخطيب وليس من بندار، لا سيما أن لفظ المزي في ((تهذيب الكمال)» (٣٤٩/١) نقلاً عن الخطيب: (نرى أن هذا الذي قاله بندار ... ) إلخ. والله أعلم. (٣) ما بين المعكوفين ساقط من (ح) و(س) و(م). (٤) مترجم في: ((المجروحين)) (١٤٩/١)، و((الميزان)) (١٠٥/١)، وغيرهما، و((الشمومي)) بشين معجمة ثم واو بين ميمين، وقيل: بنون بعد الواو. (٥) يعني معاوية بن صالح المتقدم قبلُ. (٦) ((الثقات)) (٢٥/٨). (٧) يعني في ((تهذيب التهذيب)) (٤٢/١). (٨) قبل (١٥) تعليقة. (٩) أخرج الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (٢٠٢/٤) عن ابن يونس قول ابن معين : = فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٥٣ معرفة الثقات والضعفاء الجهل بالعلوم ومراتبها، والحق والباطل منها أحدَ الأوجه الخمسة التي تدخل الآفةُ منها في ذلك، كما ذكره ابن دقيق العيد، وقال: ((إنه محتاج إليه في المتأخرين أكثر؛ لأن الناس انتشرت بينهم أنواع من العلوم المتقدمة والمتأخرة حتى علوم الأوائل، وقد علم أن علوم الأوائل قد انقسمت إلى حق وباطل، فمن الحق: علم الحساب والهندسة والطب، ومن الباطل ما يقولونه في الطبيعيات وكثيرٍ من الإلهيات، وأحكام النجوم، وقد تحدَّث في هذه الأمور أقوام، فيحتاج القادح بسبب ذلك أن يكون مميزاً بين الحق والباطل، لئلا يكفِّر من ليس بكافر، أو يقبل رواية الكافر. والمتقدمون قد استراحوا من هذا؛ لعدم شيوع هذه الأمور في زمانهم»(١) . ونحوه قول غيره(٢): إنه مما ينبغي اعتماده في الجارح والمعدل: أن يكون عالماً باختلاف المذاهب، فيجرح عند المالكي - مثلاً - بشرب النبيذ متأولاً؛ لأنه يراه قادحاً دون غيره، إذ لو لم نعتبر ذلك لكان الجارح والمعدل غارًا لبعض الحكام حتى يحكم بقول من لا يرى قبول قوله. وهو نوع من الغش. وهنا لطيفة معترضة، وهي أن أحمد بن صالح هذا تكلم في حرملة صاحب الشافعي. فقال ابن عدي: ((إنه تحامل عليه. وسببه: أن أحمد سمع في كتب حرملة من ابن وهب، فأعطاه نصف سماعه ومنعه النصف، فتولدت بينهما العداوة من هذا، وكان من يبدأ بحرملة إذا دخل ((مصر)) لم يحدثه أحمد بن صالح))(٣). قال: ((وما رأينا أحداً جمع بينهما)) (٤). وكأن مراده من (أحمد بن صالح كذاب يتفلسف)، ثم عقّب ابن يونس على ذلك بقوله: (لم يكن = - يعني أحمد بن صالح - عندنا بحمد الله كما قال النسائي، ولم يكن له آفة غير الكبر). وانظر: ((تهذيب الكمال)) (٣٤٥/١)، و((السير)) (١٦٥/١٢)، وقد تقدم قول ابن يونس هذا قبل تسع عشرة تعليقة. (١) ((الاقتراح)) (٣٤١ - ٣٤٢)، وهو الوجه الرابع. (٢) لم أقف عليه قائلاً، وقولاً. (٤) المصدر السابق (٨٦٦/٢). (٣) ((الكامل)) لابن عدي (١٨٦/١). معرفة الثقات والضعفاء ٤٥٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث الغرباء، وإلا فقد جمع بينهما أحمد بن رِشْدين شيخ الطبراني(١). فجوزي أحمد بن صالح بما تقدم(٢). ولنرجع لما نحن فيه: ولذا قيل في كل من الجرح والتعديل: إنه لا يقبل إلا مفسَّراً لا سيما وقد استُفسِر جماعة ممن جرَّح أو عدَّل فذكروا ما لا يقتضي واحداً منهما(٣) - كما تقرر في ((معرفة من تقبل روايته)) (٤) مع فوائد مهمة. وأن المعتمد قبولهما من العارف بأسبابهما بدون تفسير - في آخرين غير النسائي من الحفاظ المتقدمين وغيرهم، أورد ابن عبد البر في ((جامع العلم)) له عنهم أموراً كثيرة، وحكم بأنه لا يلتفت إليها، وحمل بعضها على أنها خرجت عن غضب وحَرَج من قائلها، أو نحو ذلك(٥). ٩٨٤ (فربما كان لجرح مخرج) أي مخلص صحيح يزول به، ولكن (غطَّى عليه السخط) وحجب عنه الفكر (حين يحرَج) بحاء مهملة، ثم راء مفتوحة وجيم، أي يضيق صدره بسبب ما ناله؛ لأن الفَلتات من الأنفس لا يُدَّعى العصمة منها، فإنه ربما حصل غَضَبٌ لمن هو من أهل التقوى فبدرت منه بادرة لفظ، فحبُّك الشيء يُعمي ويُصم(٦)، لا أنهم مع جلالتهم ووفور ديانتهم تعمَّدوا القدح بما يعلمون بطلانه، حاشاهم، وكلَّ تقي من ذلك. (١) قاله ابن حجر في ((تهذيب التهذيب)) (٢٣٠/٢). (٢) من وقوع النسائي فيه. (٣) ينظر - مثلاً - ((الكفاية)) (١١٠) ففيها: (باب ذكر بعض أخبار من استُفسر في الجرح فذكر ما لا يسقط العدالة). (٤) (١٧٧/٢). (٥) عقد ابن عبد البر في كتابه (جامع بيان العلم وفضله) باباً بعنوان: (حكم قول العلماء بعضهم في بعض) (١٥٠/٢ - ١٦٢). (٦) في هامش (س): (وعين الرضا عن كل عيب كليلة - كما أن عين السخط تبدي المساويا). قلت: وقوله: (حبك الشيء يعمي ويصم) جاء مرفوعاً إلى النبي وَلّ من حديث أبي الدرداء ه أخرجه أبو داود في ((الأدب)): باب في الهوى ٣٤٦/٥ - ح٥١٣٠)، وأحمد (١٩٤/٥)، وغيرهما، وفي سنده أبو بكر بن أبي مريم، وهو ضعيف، وللتوسع في تخريجه والكلام عليه انظر: ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) برقم (١٨٦٨)، و((مسند أحمد)» (٢٤/٣٦) ومعناه: النهي عن حب ما لا ينبغي الإغراق في حبه. فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ٤٥٥ معرفة الثقات والضعفاء ثم إن أكثر ما يكون هذا الداء في المتعاصرين، وسببه غالباً - مما هو في المتأخرين أكثر -: المنافسة في المراتب. ولكن قد عقد ابن عبد البر في ((جامعه)) باباً لكلام الأقران المتعاصرين بعضهم في بعض، ورأى أن أهل العلم لا يقبل الجرح فيهم إلا ببيانٍ واضح(١). فإن انضم لذلك عداوة فهو أولى بعدم القبول، ((ولو كان سببَ تلك العداوة الاختلاف في الاعتقاد، فإن الحاذق إذا تأمل ثلب أبي إسحاق الجوزجاني لأهل ((الكوفة)) رأى العجب، وذلك لشدة انحرافه في النَّصب(٢)، وشهرة أهلها بالتشيع، فتراه لا يتوقف في جرح من ذكره منهم بلسان ذَلِقٍ وعبارة طلِقة، حتى إنه أخذ يُلَيِّن مثل الأعمش وأبي نعيم وعبيد الله بن موسى وأساطين الحديث وأركان الرواية، فهذا إذا عارضه مثله، أو أكثر(٣) منه، فوَثَّق رجلاً ممن ضعَّفه هو قُبل التوثيق. ويلتحق به عبد الرحمن بن يوسف بن خراش المحدث الحافظ، فإنه من غلاة الشيعة، بل نسب إلى الرفض فيُتأنَّى في جرحه لأهل ((الشام))؛ للعداوة البينة في الاعتقاد))(٤). وكذا كان ابن عقدة شيعياً، فلا يُستغرب منه أن يتعصب لأهل الرفض. ولذا كانت المخالفة في العقائد أحدَ الأوجه الخمسة التي تدخل الآفة منها، فإنها - كما قال ابن دقيق العيد -: ((أوجبت تكفير الناس بعضهم لبعض، أو تبديعهم، وأوجبت عصبيةً اعتقدوها ديناً يتدينون ويتقربون به إلى الله تعالى، ونشأ من ذلك الطعن بالتكفير، أو التبديع». قال: ((وهذا موجود كثيراً في الطبقة المتوسطة من المتقدمين))(٥)، بل قال (١) تقدم - في التعليقة قبل السابقة - ذكر عنوان ذلك الباب، مع بيان موضعه. (٢) انظر مناقشة رأي الحافظ هذا في تقديم السيد صبحي البدري السامرائي لكتاب: ((أحوال الرجال)) (١٤ - ١٧) الجوزجاني. (٣) كذا في النسخ: (أكثر) بالمثلثة، والذي في ((اللسان)) (١٦/١) لابن حجر: (أكبر) بالموحدة . (٤) قاله الحافظ ابن حجر في ((لسان الميزان)) (١٦/١). (٥) ((الاقتراح)» (٣٣٣). معرفة الثقات والضعفاء ٤٥٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث شيخنا: ((إنه موجود كثيراً قديماً وحديثاً))(١). ولا ينبغي إطلاق الجرح بذلك، فقد قدمنا تحقيق الحال في العمل برواية المبتدعة، وحكينا كلام الشافعي هناك آخر المسألة(٢). ويلتحق بهذا ــ مما جعله ابن دقيق العيد وجهاً مستقلاً ـ الاختلاف الواقع بين المتصوفة وأصحاب العلوم الظاهرة، فقد وقع بينهم تنافر أوجب كلام بعضهم في بعض، قال: ((وهذه غَمرة لا يخلص منها إلا العالم الوافي بشواهد الشريعة. ولا أَحصرُ ذلك في العلم بالفروع المذهبية فإن كثيراً من أحوال المحققين(٣) من الصوفية لا يفي بتمييز حقه من باطله علم الفروع، بل لا بدَّ مع ذلك من معرفة القواعد الأصولية، والتمييز بين الواجب والجائز، والمستحيل العقلي والمستحيل العادي؛ فقد يكون المتميز في الفقه جاهلاً بذلك حتى يَعدُّ المستحيل عادةً مستحيلاً عقلاً، وهذا المقام خَطِرٌ شديد؛ فإن القادح في المُحقِّ من الصوفية معادٍ لأولياء الله، وقد قال فيما أخبر عنه نبيه وَله: ((من عادى لي وليًّا فقد بارزني بالمحاربة))(٤)، والتاركُ لإنكار الباطل مما يسمعه عن بعضهم تارٌ للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، عاصٍ لله تعالى بذلك، فإن لم ينكر بقلبه فقد دخل تحت قوله وهي: ((وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل(٥)(٦). فإذا انضما - أعني الاختلافَ بين المتصوفة وأهل علم الظاهر، والمخالفة في العقائد - مع الوجهين الماضيين - وهما: الجهل بمراتب العلوم، والغرض (١) ((النزهة)) (١٣٦). (٢) (٢/ ). (٣) كذا في النسخ: (المحققين). بقافين بعد الحاء المهملة، ومثله في المطبوع من ((الاقتراح - ٣٣٨)، والظاهر أنها: (المحقين) بقاف واحدة، كما في ((التعليق على الموقظة)) (٨٨) ويشهد لذلك قوله الآتي: (فإن القادح في المحق من الصوفية). والله أعلم. (٤) أخرجه البخاري في ((الرقاق)): باب التواضع (٣٤٠/١١ - ح ٦٥٠٢) عن أبي هريرة بلفظ: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب). (٥) أخرجه مسلم في ((الإيمان)): باب بيان كون النهي عن المنكر من الإيمان ... (١/ ٧٠ - ح ٥٠) من حديث ابن مسعود ره (٦) ((الاقتراح)) (٣٣٨ - ٣٤١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٥٧ معرفة الثقات والضعفاء والهوى - وانضاف إليها عدمُ الورع والأخذُ بالتوهم والقرائن التي قد تختلف، كانت الأوجهَ الخمسةَ التي ذكر ابن دقيق العيد في ((الاقتراح)) أنها التي تدخل الآفة في هذا الباب منها(١). وقال في خامسها(٢) ((إن من فعل ذلك - أي أخذ بالتوهم والقرائن - فقد دخل تحت قوله وَّه: ((إياكم والظنَّ؛ فإن الظنَّ أكذبُ الحديث))(٣). قلت: لا سيما وقد جاء عن عمر بن الخطاب ظه: ((أن احمل أمرَ أخيك على أحسنه، ولا تظننّ(٤) بكلمةٍ خرجت [منه](٥) سوءاً وأنت تجد لها في الخیر محملاً)) انتهى. وهذا ضرره(٦) عظيم، فيما إذا كان الجارح معروفاً بالعلم وكان قليل التقوى؛ فإن علمه يقتضي أن يُجعل أهلاً لسماع قوله وجرحه، فيقع الخلل بسبب قلة ورعه وأخذه بالتوهم. قال: ((ولقد رأيت رجلاً لا يختلف أهل عصرنا في سماع قوله إن جَرَح، ذكر له إنسانٌ أنه سمع من شيخ، فقال له: أين سمعتَ منه؟ فقال: بـ ((مكة)) أو قريباً من هذا. وقد كان جاء إلى ((مصر)) - يعني في طريقه للحج - فأنكر ذلك، وقال: ((إنه كان صاحبي، ولو جاء إلى ((مصر)) لاجتمع بي))، أو كما قال. فانظر إلى هذا التعلق بهذا الوهم البعيد، والخيال الضعيف فيما أنكره))(٧). وقد أشار المصنف إلى حاصلها، وقال: ((إنه واضح جلي))(٨). (١) ((الاقتراح)) (٣٣١ - ٣٤٢). (٢) وهو - كما في ((الاقتراح)) (٣٤٢) -: (الخلل الواقع بسبب عدم الورع، والأخذ بالتوهم والقرائن التي قد تتخلّف). (٣) متفق عليه من حديث أبي هريرة أخرجه البخاري في ((النكاح)): باب لا يخطب على خطبة أخيه (١٩٨/١ - ح٥١٤٣) ومواضع آخر، ومسلم في ((البر والصلة)): باب تحريم الظن .. (١٩٨٥/٤ - ح٢٨). (٥) ما بين المعكوفين ليس في (س). (٤) في (م): (تظن). (٦) في (م): (ضرر). (٧) ((الاقتراح)) (٣٤٢ - ٣٤٤) سوى أثر عمر رضيبه. (٨) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٦٣/٣). معرفة من اختلط من الثقات ٤٥٨ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (معرفة من اختلط من الثقات)(١) وكان الأنسبُ ذكرَه في ((من تُقبل روايته ومن ترد))(٢)، كما في الذي قبله. وهو فنّ عزیز مهم. وفائدة ضبطهم: تمييز المقبول من غيره. ولذا (٣) لم يُذكر الضعفاء منهم ـ كأبي معشر نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني -؛ لأنهم غير مقبولين بدونه(٤) . ٩٨٥ (وفي الثقات) من الرواة (من أخيراً اختلط) أي من اختلط آخر عمره، يعني غالباً، وإلا فليس قيداً فيه. وكذا قول مالك: ((إنما يخَرف الكذابون))(٥)، وقول القاضي أبي الطيب الطبري - لمن تعجب من صحة حواسه بعد الزيادة على المائة -: ((ما عصيتُ الله بواحد منها))(٦) - أو كما قال - محمول على الغالب. وحقيقته: فساد العقل وعدم انتظام الأقوال والأفعال إما بخَرَف أو ضرر، (١) وهو النوع (الثاني والستون) في كتاب ابن الصلاح، وانظر مباحثه في: ١ - ((التقريب)) للنووي مع ((التدريب)) للسيوطي (٢/ ٥٣٠). ٢ - ((اختصار علوم الحديث)) لابن كثير - مع الباعث الحثيث - (٢٤٠). ٣ - ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٦٣/٣). ٤ - ((توضيح الأفكار)) (٥٠٢/٢)، وغيرها. (٢) وهو (النوع الثالث والعشرون) المتقدم (١٥٦/٢). (٣) في (م): (ولهذا). (٤) يعني أنه لا يكتفى بأن يقال في أمثال هؤلاء: (ضعيف) فقط، بل لا بد من الإشارة إلى اختلاطه. (٥) ((ترتيب المدارك)) (١٨٧/١). (٦) ((السير)) (١٧/ ٦٧٠). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٥٩ معرفة من اختلط من الثقات أو مرض أو عرض: من موت ابنٍ، وسرقة مال كالمسعودي(١)، أو ذهاب كتب كابن لهيعة(٢)، أو احتراقها كابن الملقِّن(٣). (فما روى) المتصف بذلك (فيه) أي في حال اختلاطه (أو ابهَم) - بنقل الهمزة مبنياً للفاعل - الأمرَ فيه وأَشكل بحيث لم يعلم: أروايته صدرت في حال اتّصافه به أو قبله؟ (سقط) حديثُه في الصورتين، بخلاف ما رواه قبل الاختلاط؛ لثقته. هكذا أطلقوه. ومذهب وكيع - حسبما نقله عنه ابن معين كما سيأتي في سعيد بن أبي عروبة قريباً(٤) - أنه إذا حدث في حال اختلاطه بحديثٍ، واتفق أنه كان حدث به في حال صحته فلم يخالفه أنه يقبل، فليحمل إطلاقهم عليه. ويتميز ذلك بالراوي عنه، فإنه تارة يكون سمع منه قبله فقط، أو بعده فقط، أو فيهما مع التمييز، وعدمه(٥). وما يقع(٦) في ((الصحيحين)) أو أحدهما من التخريج لمن وُصف (١) عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود. ((الاغتباط بمعرفة من رمي بالاختلاط)) (٧٥)، و((الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات)) (٢٨٢). (٢) عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي، المصري ((الاغتباط)) (٧٢). (٣) سراج الدين أبو حفص عمر بن علي الأنصاري الشافعي الحافظ ((ذيل تذكرة الحفاظ)) (١٩٧). (٤) (ص٤٧١) وفيها قول وكيع: (كنا ندخل على سعيد بن أبي عروبة بعد اختلاطه، فما كان من صحيح حديثه أخذناه، وما لا طرحناه)، وهذا الرأي يقتضي أن وكيعاً يأخذ من حديث المختلط بعد اختلاطه ما وافق فيه الثقات، وقد تبنى هذا الرأي وجلَّاه ابن حبان بقوله في مقدمة صحيحه - كما في ((الإحسان)) (١٦١/١) -: (وأما المختلطون في أواخر أعمارهم مثل ... فإننا نروي عنهم في كتابنا هذا ونحتج بما رووا، إلا أنّا لا نعتمد من حديثهم إلا: ١ - ما روى عنهم الثقات من القدماء الذين نعلم أنهم سمعوا منهم قبل اختلاطهم، ٢ - وما وافقوا الثقات في الروايات التي لا نشك في صحتها وثبوتها من جهة أخرى .. ). وبهذا يمكن الجواب عما أخرجه الشيخان وغيرهما عن المختلطين بعد اختلاطهم بأن ذلك كان لموافقة روايات الثقات. وما سلكه وكيع وابن حبان مسلك راجح ومنصف، ويظهر أن عمل الشيخين عليه. والله أعلم. (٥) فصارت أربعة أحوال: ١ - قبل الاختلاط، ٢ - بعده. ٣ - فيه مع التمييز. ٤ - فيه مع عدم التمييز. (٦) يعني: وبخلاف ما يقع ... فهو معطوف على قوله السابق: (بخلاف ما رواه قبل الاختلاط). معرفة من اختلط من الثقات ٤٦٠ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث بالاختلاط من طريق من لم يسمع منه إلا بعده؛ فإنا نعرف على الجملة أن ذلك مما ثبت عند المخرِّج أنه من قديم حديثه ولو لم يكن من سمعه منه قبل الاختلاط على شرطه ولو ضعيفاً يعتبر بحديثه فضلاً عن غيره؛ لحصول الأمن به من التغيير، كما تقدم مثله فيما يقع عندهما اجتماعاً أو انفراداً من حديث المدلسين بالعنعنة. ومن ((المستخرجات)) يستفاد - غالباً - التصريح(١)، ومن سمع قديماً ممن اختلط (٢) وأفرد للمختلطين كتاباً الحافظ أبو بكر الحازمي - حسبما ذكره في تصنيفه: ((تحفة المستفيد))(٣) - ولم يقف عليه ابن الصلاح، فإنه قال: ((ولم أعلم أحداً أفرده بالتصنيف واعتنى به، مع كونه حقيقاً بذلك جداً)) (٤). والعلائي مرتّباً لهم على حروف المعجم باختصار(٥). وذيَّل عليه شيخنا . وللبرهان الحلبي: ((الاغتباط بمن رُمي بالاختلاط))(٦). وأمثلته كثيرة: (نحو عطاءٍ وهُو) بضم الهاء (ابن السائب) الثقفي الكوفي، أحد التابعين، فقد صرح جماعة من الأئمة باختلاطه كابن معين(٧)، ووصفه بعضهم ٩٨٦ (١) يعني: التصريح بالسماع، وذلك في حال المدلسين. (٢) يعني والسماع القديم من المختلط قبل اختلاطه. ومراده: أن ذلك من فوائد ((المستخرجات))، وقد تقدم ذلك في الكلام عليها . (٣) وذكر السيوطي في ((التدريب)) (٢/ ٥٣٠): أنه تأليف لطيف، وقال: (رأيته). (٤) ((علوم الحديث)) (٣٥٢). (٥) ذكر الحافظ العراقي في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٦٤/٣) أن العلائي أفرده بالتصنيف في جزء حدثنا به، ولكنه اختصره، ولم يبسط الكلام فيه، ورتبهم على حروف المعجم . (٦) وقد طبع أكثر من مرة. وأوسع ما صُنِّف في ذلك هو كتاب: ((الكواكب النيرات في معرفة من اختلط من الرواة الثقات)) لأبي البركات المعروف بابن الكيّال، المتوفى سنة (٩٣٩)، مع ملحقين لمحققه: عبد القيوم عبد رب النبي. (٧) ((تاريخه)): رواية الدوري (٤٠٣/٢)، و((الجرح والتعديل)) (٣٣٤/٦).