النص المفهرس
صفحات 21-40
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢١
مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
وصَنِيعُ أبي زُرعةَ الرازي، وأبي داودَ يُشعِر بالمَشْي على هذا المذهبِ،
فإنّهما قالا في طارِقِ بنِ شِهابٍ: ((له رؤيةٌ، وليستْ له صُحبة))(١). وكذا قَال
عاصمُ الأحولُ في عبدِ الله بن سَرْجِس(٢). بل قال موسى السَّيَلَانِي(٣) - فيما
رواه ابنُ سعد في ((الطبقات)) بسندٍ جَيد (٤) -: قلتُ لأنسٍ: أأنتَ آخِرُ مَنْ بَقِيَ
مِن أصحابِ النبيِّ ◌َّ؟ فقال - بناءً على ما في ظَنِّه -: قَدْ بَقِي قومٌ من
الأعراب، فَأَمَّا أصحابُه فأنا آخرُهم)) (٥).
لكن قد يجابُ بأنَّه أرادَ إثباتَ صُحْبَةٍ خاصّةٍ ليست لتلك الأعرابِ، وهو
المطابِق للمسألةِ. وكذا إنّما نَفَى أبو زُرعة، ومن أُشيرَ إليهم صُحبةً خاصةً دون
العامةِ(٦).
وما تَمَسَّكُوا به لهذا المذهبِ من خطابِهِ وَ﴿ لخالدِ بنِ الوليد في حقٌّ
عبد الرحمن بنِ عوف أو غيرِهِ بقولِهِ: ((لا تَسُبُّوا أصحابِي)) (٧) مردودٌ بأنَّ نَهْيَ
(١) ((جامع التحصيل)) (٢٤٣).
(٢) ((الكفاية)) (٥٠)، و((الاستيعاب)) (٣٨٤/٢).
(٣) قال العراقيُّ في ((التقييد والإيضاح)) (٢٩٩): (وَقَع في النُّسَخِ الصحيحةِ - يعني من
((علوم الحديث)) لابن الصلاح - التي قُرِئت على المُصَنِّف: السَّبَلَاني، بفتح السين
المهملة وفتح الباء الموحدة. والمعروف: إنما هو بسكون الياءِ المثناةِ من تحت.
هكذا ضبطَه السمعاني في ((الأنساب))).
قلت: صحيح أنَّ السمعانيَّ ذكرَ أنَّه بالمثناةِ بدلاً من الموحدة، لكنَّه لم يذكرْ أنَّ المثناةَ
ساكنةٌ بل ظاهرُ كلامه فتحُها حيثُ قال: (السَّيلاني: بفتح السين المهملة والياءِ آخرِ
الحروف واللام ألف، وفي آخرها النون).
(«الأنساب)) (٢/ ٢٣٢).
(٤) وكذا حَكَمَ ابنُ الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢٦٤). وذَكَرَ المِزْيُّ في ((تهذيب الكمال)»
(٣٧٦/٣) سند ابن سعد.
(٥) (المصدرين السابِقَين ولم أعثرْ عليه في ((طبقات ابنِ سعد)) مع مراجعتي لترجمةِ أنسٍ،
و((فهرس الأعلام))، و((فهرس الأعلام المترجَمِين)). وعزاه للطبقاتِ أيضاً العراقيُّ في
((شرح التبصرة)) (٨/٣). وقد علَّق الدكتورُ بشّارُ عواد في حاشية ((تهذيب الكمال)) (٣/
٣٧٦) على عَدَم عثُورِهِ على ذلك النَصِّ في ((طبقاتِ ابنِ سعد)) بقوله: (ولم أَعُدْ أشكُ
أنَّ هذه الترجمةَ - يعني ترجمةَ أنسٍ - ناقصةٌ نُقْصاناً مُبِيناً).
(٦) قاله العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٨/٣).
(٧) طَرَفٌ من حديثٍ أخرجه البخاريُّ في ((فضائل الصحابة)): باب قولهِ وَّه: (لو كنتُ =
مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
٢٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الصحابي عن سبِّ صحابيٍّ آخرَ لا يستلزم أنْ لا يكونَ المَنْهِيُّ عن السَّب غيرَ
صحابي. فالمعنى: لا يَسُبُّ غيرُ أصحابي أصحابي، ولا يَسُبُّ بعضُهم بعضاً.
(و) على كلِّ حالٍ فهذا القولُ (لم يُثَبَّتِ) بضم الياء المثناة من تحت،
وتشديد الباء الموحدة المفتوحة أي ليس هو الثَّبْتَ، إذِ العملُ عند المُحَدِّثين
والأصوليين على الأوَّلِ.
ثم إنَّ القائلين بالثاني لم يَضْبِطْ أحدٌ منهم الُولَ بقَدْرٍ مُعَيَّنٍ كما صرَّح به
الغَزَاليُّ(١) وغيرُه.
لكنْ حَكَى شارعُ ((البَزْدَوِي)»(٢) عَنْ بَعضِهِم تحدِيدَهُ بسئَةِ أَشْهُرِ(٣)،
(وقيل): إنّما يكونُ صحابيًّا (مَنْ أقام) معَ النبيِّ وََّ (عاماً) أَوْ عامَّينٍ، (وَغَزَا
معه) غزوةً أو غزوتَين (وذا) القولَ (١) سعيدِ (بنِ المُسَيِّب) بكسر الياء وفتحها
- وهو الأشهرُ، والأولُ مذهب أهلِ ((المدينة))، وكأنَّه لما حُكي عن سعيدٍ من
كراهَتِهِ الفَتْحَ(٤) - (عَزَا) أي ابنُ الصلاح(٥)، وأَسْنَدهُ أبو حفص ابنُ شاهين،
ومن طريقهِ أبو موسى في آخِرِ ((الذيل))(٦).
٧٨٧
مُتَّخِذاً خليلاً)) (٧/ ٢١)، ومسلمٌ في ((فضائل الصحابة)): باب تحريم سبِّ الصحابة (٤/
=
١٩٦٧) عن أبي سعيد. وعندَ مسلم أيضاً عن أبي هريرة.
وتمامُ الحديث: ( .... فَلَوْ أنَّ أحدِّكم أنفقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذهباً ما بَلَغْ مُدَّ أحدِهم ولا نَصِيفَه).
(١) ((المستصفى)) (١٦٥/١).
(٢) المرادُ بـ (البَزْدَوِي) هنا كتابُ ((أصول الإمام فخر الإسلام علي بن محمد البزدوي))
الحَنَفِي المتوفّى سنة ٤٨٢. ((الجواهر المضية)) (٥٩٤/٢)، و((السير)) (٦٠٢/١٨).
وشارِحُه المشارُ إليه هو: الإمامُ علاءُ الدين عبدُ العزيز بنُ أحمدَ البخاري الحنفي مات
سنة ٧٣٠، واسمُ شَرْحِهِ: (كَشْفُ الأَسْرار) وهو مطبوعٌ مع أصلِه.
(٣) ((كشفُ الأسرار)) (٣٨٤/٢) وحكاه عنه أيضاً الزَرْكَشِيُّ في ((البحر المحيط)) (١٩١/٦).
(٤) حيث قيل: إنَّه قال: (سيَّبَ اللهُ مَنْ سَيَّبَنِي).
(٥) في ((علوم الحديث)) (٢٦٣).
(٦) وكذا الخطيب في ((الكفاية)) (٥٠).
ويحسُن التَنْبيهُ هنا إلى أنّ ابنَ الجَوزي بعد أنْ ذكر كلامَه السابقَ (ص١٠) في أنَّ
الصاحبَ قد يُطلَقُ ويرادُ بِهِ المُعَاشِرُ المُخَالِطُ أو الصاحبُ في المجالَسةِ والمُمَاشَاةِ
عَقَّبَ على ذلك بقولِهِ: (فسعيدُ بنُ المسيّب إنما عَنَى القسمَ الأول. وغيرُه يريدُ هذا
القسمَ الثانيَ ... ) قلت: هذا على فَرْضٍ صِحَّةٍ نِسْبةِ ذلك القولِ إلى ابنِ المُسَيب، =
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٢٣
مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
قال ابنُ الصلاح: ((وكأنَّ المرادَ بهذا - إنْ صحَّ عنه - راجعٌ إلى المَحْكِيِّ
عن الأصوليين، ولكنْ في عبارتِهِ ضِيقٌ يُوجِبُ أنْ لا يُعَدَّ من الصحابة جَرِيرُ بنُ
عبدِ الله البَجَلِي، ومَنْ شاركه في فَقْدِ ظاهر ما اشترَطَه فيهم ممَّن لا نَعلَمُ خلافاً
في عَدِّهِ من الصحابة)) انتهى(١).
وهو ظاهرٌ في توقُّفِهِ في صِحَّته عن سعيدٍ، وهو كذلك فقد أخرجَه
ابنُ سعدٍ عن الوَاقِدي وهو ضعيفٌ في الحديث(٢).
مع أنّ لفظً روايةِ ابنِ سَعْد: ((أو غَزَا مَعَه غَزْوَةً أَوْ غَزْوَتَيْن)) بأو(٣)، وهو
أشبهُ في تَرْجِيعِهِ إلى المذهَب الثانِي .
وحكى ابنُ سعدٍ عنه أيضاً أنّه قال: ((رأيتُ أهلَ العِلْم يقولون غيرَ ذلك،
ويذكرُون جَرِيرَ بنَ عبدِ الله، وإسلامُهُ قبلَ وفاةِ النبيِّ نَّهِ بخمسةِ أشهُر أو
نحوها))، انتھی(٤).
وإسلامُ جَرِير مختلَفٌ في وقتِهِ، ففي (المُعجَم الكبيرِ)) للطَّراني من حديثِه
قال: ((بعثَني النبيُّ نَّهِ فِي أَثَرِ العُرَنِينَ)). وهذا يدل على تقدّم إسلامِهِ. لكنْ فيه
الرَّبَذِي، وهو ضَعِيفٌ(٥).
وفي ((المعجم الأوسطِ)) من حديثِه أيضاً قال: ((لما بُعِثَ النبيُّ وَ أَتَيْتُه. فقال
لي: يا جَرِيرُ لأيِّ شيءٍ جئتَنَا؟ قلت: لأُسِلمَ على يدَيك يا رسولَ اللهِ، فألقى إليَّ
= وإلَّا ففي سَنَدِهِ الواقديُّ، وسيذكرُ ذلك المصنفُ قريباً.
(١) من ((علوم الحديث)) (٢٦٤).
(٢) وكذا قاله العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٨/٣)، و((التقييد والإيضاح)) (٢٩٧)
حيث قال: (ولا يصحُّ هذا عن ابنِ المُسَيب، ففي الإسنادِ إليه الواقديُّ، هو ضعيفٌ
في الحديث).
(٣) يعني قال: (أَوْ غَزَا) بدلاً من قولِهِ في الروايةِ السابقة: (وَغَزَا).
(٤) تقدم نَحْوُ هذه الحكاية عن الواقديِّ (ص١٨) من هذا الجزء.
(٥) ((المعجم الكبير)) (٣٥٨/٢) ولكن لفظه - عن جَرير: (أنَّ ناساً من عُرَينةَ أَغَارُوا على
لِقَاحِ رسولِ الله وَّهِ فَأَمَرَ النبيُّ ◌َّهِ أَنْ تُقَطع أيديهم وأرجلُهم، وأَن تُسَّمر أَعْيُنُهم). قال
الهيثميُّ في ((المجمع)) (٢٩٤/٦): (وفيه موسى بن عُبَيدة - الرَبَذِي - وهو ضعيف).
قلت: وليس في هذا اللفظِ ما يدلّ على حُضور جريرٍ لتلك القصة. لكن جاءَ في
((الفتح)) (١/ ٣٤٠) قولُ الحافظِ: (وروى الطبريُّ وغيرُهَ من حديثٍ جرير بن عبد الله
البَجَلي أن النبيَّ ◌َّه بعثه في آثارهم) انتهى. فالله أعلم.
مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
٢٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
كِسَاءَه ... )) الحديثَ(١)، وفي سَنَدِهِ حُصَينُ بنُ عُمرَ الأَحْمَسي، وهو ضعيفٌ أيضاً.
ولو صحَّ لكانَ متروكَ الظاهرِ، ولَحُمِلَ على المَجاز، أي: لمَّا بلَغَنا خبرُ النبي ◌ِّ،
أو على الحَذْفِ، أي لمّا بُعث النبيُّ وَّةَ، ثمَّ دَعَا إلى الله، ثم قَدِمَ ((المدينةَ))، ثمّ
حاربَ قُريشاً وغيرَهم، ثم فَتَحَ ((مكةَ))، ثمَّ وَفَدَتْ عليه الوُفُودُ. فقد رُوِي أيضاً في
((الكبير)) بلفظِ: ((فَدَعَاني إلى شهادةِ أنْ لا إله إلّا الله وأني رسولُ الله، وتُقيمَ الصلاةَ
المكتوبةَ، وتُؤَدِّيَ الزكاةَ المفروضة))(٢)، والزكاةُ إنَّما فُرِضَت بـ«المدينةِ)).
وعندَه أيضاً من حديث شَريكٍ عن الشَّيْبَانِي عن الشَّعْبي عن جَرِيرٍ قال:
((قال لنا رسولُ اللهَ وَّر: إنَّ أخاكُم النَجاشِيَّ قد مات .. ))(٣) الحديثَ. وهذه
الروايةُ تَخْدِشُ في جَزْم الواقديِّ بأنّه وَفَدَ على النبي ◌ِِّ في شهرِ رمضانَ سنةً
عَشْرٍ (٤)، لأنَّ وفاةَ النجاشي كانت قبلَ سنةٍ عشر (٥) .
وكذا في ((الصحيحَين)) عنه أنَّه ◌َ لَّ قال له في حَجَّةِ الوَدَاعِ: ((اسْتَنْصِتِ
النَّاسَ)) (٦). وبه يُرَدُّ قولُ ابنِ عبد البَرّ: ((إنّه أسلمَ قبلَ وفاةِ النبيِّ نَّهِ بأربعينَ
يوماً)(٧)، لأنَّ حَجَّةَ الوَدَاعِ كانت قبلَ الوفاةِ النبوية بأكثرَ من ثمانينَ يوماً.
واشترطَ بعضُهم - مع طول الصُّحْبَةِ - الأَخْذَ(٨). حكاه الآمِدِيُّ عن
عَمْرو بنِ يَحیی.
والظاهرُ: أنّه الجاحظُ أحدُ أَئمةِ المُعْتَزِلة، الذي قال فيه ثَعْلبٌ: ((إنّه غَيرُ
ثِقَةٍ ولا مَأْمُون))(٩). وتَسْمِيَتُه(١٠) لأبيهِ بـ((يَحْيى)) تصحيفٌ مِنْ (بَحْر)).
وعبارَتُهُ(١٠): ((ذَهَبَ عَمْرُو بنُ يَحْيَى إلى أنَّ هذا الاسمَ إنَّما يُسَمَّى به مَنْ
(١) وهو في ((المعجم الكبير)) (٣٠٤/٢) بهذا السَّنَد.
(٣) (المصدر السابق ٣٢٣/٢).
(٢) (المصدر السابق).
(٤) لكنْ هذا هو المشهورُ. قاله العراقيُّ في ((التقييد والإيضاح)) (٢٩٩).
(٥) لكنْ يمكنُ تأويلُ قولِهِ: (قال لنا) بإِرَادَةِ المُسلمين. وله نظائرُ. والله أعلم.
(٦) أخرجه البخاري في ((العلم)): باب الإنصات للعلماء (٢١٧/١)، ومسلمٌ في ((الإيمان)):
باب معنى قولِ النبي ◌َّ﴿: لا تَرْجِعُوا بعدي كفاراً (٨١/١). عن جريرٍ.
(٧) ((الاستيعاب)) (٢٣٣/١) وهو مِنْ حكايةِ ابنِ عبد البَرِّ عن جَرِيرٍ نَفسِه.
(٨) يعني أَخْذَ العلمِ عنه رَِّ .
(٩) ذكره عنه الذهبي في ((ميزان الاعتدال)) (٢٤٧/٣).
(١٠) يعني الآمِدِيَّ.
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٢٥
مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
طالت صحبتُه للنبيِّ وَّهِ، وأَخَذَ عنه العلمَ))(١).
وحكاه ابنُ الحاجِبِ أيضاً قولاً غيرَ مَعْزُوِّ لأَحَدٍ (٢). لكن بإبدَالِ ((الأَخْذِ))
بـ((الرِّوَايَةِ))(٣)، وبينَهُما فَرَّقٌ(٤). قالَه المصنفُ. قال: ((ولم أرَ هذا القولَ لغيرِ
عمرٍو، وكأنَّ ابنَ الحاجِبِ أَخذَه من كلام الآمِدي))(٥).
وعن بعضِهمٍ: «هو مَن رَأَى النبيَّ وَّهِ واختصَّ به اختِصَاص الصاحِبِ، وإنْ
لمْ يَرْوِ عنه ولمْ يَتَعلَّمْ منه)). قاله القاضي أبو عبدِ الله الصَّيْمَرِيُّ(٦)، مِن الحنفيةِ.
وعن بعضِهم: ((هو مَن ظهر منه - مع الصُّحبةِ - الاتصافُ بالعدالة، فمَنْ
لمْ يظهرْ منه ذلك لا يُطلق عليه اسمُ الصُّحبة))، قاله أبو الحُسَين ابنُ القطَّان(٧)،
كما سيأتي في المسألةِ بعدَها .
وقيل: «هو مَن أدركَ زمنَهِ وَّهِ مسلماً وإنْ لمْ يَرَه))، وهو قولُ يحيى بنِ
عثمانَ بنِ صالح المِصري، فإنّه قال: ((وممّن دُفن - أي بـ((مصرَ)) - من أصحاب
النبي ◌َّ﴿ ممّن أدركَه ولم يسمَعْ منه: أبو تَمِيم الجَيشاني، واسمُه: عبدُ الله بنُ
مالك))(٨)، وكذا ذكرَه الدُولَابِيُّ في ((الكُنَى)) (٩) من الصحابة، وهو إنّما قَدِمِ
((المدينةَ)) في خلافةِ عُمَرَ باتفاقِ أهل السِّيَر.
(١) ((الإحكام)) (٩٢/٢). ونَقَّلَ الزَّرْكَشي في ((البحر)) (١٩٢/٦) اشتِرَاطَ النَّقْلِ عنْهِوَّ ناسباً
ذلك للجاحظ مما يُؤَيِّد ما اسْتَظْهَر الشارحُ. لكنْ يُؤَثِّرُ على هذا أنَّ الشيرازي في
((التبصرة)) (٢٥١) - ذَكَرَ شخصاً باسم (أبي مسلم عَمرو بن يحيى الأصبهاني) وذلك في
كَلَامِهِ على (النَّسْخِ). فاللهُ أعلم.
(٢) ((المنتهى)) (٨١).
(٣) يريد أنه جعل الرواية بدلاً من الأخذ، ومعلوم أن الباء هنا إنما تدخل على المتروك.
(٤) فَأَخْذُ العلم عن شخصٍ يقتضي دَوَامَ المُلازمة له، بخلاف الروايةِ عنه فقد تكونُ في
جَلسةٍ واحدة.
(٥) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٩/٣).
(٦) ذكره عنه الزَّرْكشي في ((البحر المحيط)) (٦/ ١٩٢) والصَّيْمَرِيُّ هو: الحُسَين بن عليّ بنِ
محمد، فقيهٌ، مناظرٌ، علَّامة. مات سنة ٤٣٦. ((تاريخ بغداد)) (٧٨/٨) و((السير)) (٦١٥/١٧).
(٧) أحمدُ بنُ محمدِ بنِ أحمدَ، من كُبَراءِ الشافعية. مات سنة ٣٥٩. ((تاريخ بغداد)) (٤/
٣٦٥)، و((السير)) (١٥٩/١٦). وقولُ القطان هذا عند الزركشي في (مصدره السابق).
(٨) ذكر هذا القول وقائله الحافظ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة (١٠/٣).
(٩) (١٩/١، ٦٥).
مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
٢٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
على أنّه يجوزُ أنْ يكونَ ذِكرُهما له في الصحابة لإدراكه، لكون أمرِه
عندهما على الاحتمال، ولم يطَّلِعا على تأخّر قُدُومه. ولا يلزمُ مِن تصريحٍ
أوَّلِهما: ((بأنّه لم يسمعْ منه)) أنْ لا يكونَ عنده أنَّه رآه.
وممَّن حَكَى هذا القولَ عن الأصوليين القَرَافِيُّ(١) في ((شرح التَّنْقِيحِ))(٢)،
وعليه عَمَلُ ابنِ عبدِ البَرِّ في ((الاستيعاب))، وابنُ مَنْده في ((الصحابة)) حيثَ ذَكَرَا
الصغيرَ المحكومَ بإسلامه تبعاً لأحدٍ أبوَيه وإنْ لمْ يَقِفَا له على رُؤيةٍ. وكأنّ
حجتَهما توقُّرُ هِمَم الصحابة رضوان الله عليهم على إحضار مَن يُولَّدُ لهم إلى
النبيِ وَّ ليدعوَ له - كما سيأتي نقلُه بعدُ - بل صرّح أوَّلُهما(٣) بأنَّه رامَ بذلك
استكمالَ القرنِ الذي أشارَ إليه النبيُّ نَّه بقولِه: (خَيْرُ الناسِ قَرْنِي))(٤).
ومما يُنَبَّه عليه: إخراجُ بعضِهم عن الصحابة مَنْ هُو مِنْهم، أو إدخالُ مَنْ
ليس منهُم فيهِم. كا سيأتي في آخر ((التابعين))(٥) .
٧٨٨
(و) الثانيةُ: (تُعْرَفُ الصحبةُ باشتهارٍ) قاصرٍ عن التواتر - وهو (٦)
الاستفاضةُ على رَأْىٍ - بها، كَمُكَّاشَةَ بنِ مِحْصَنَ، وضِمَامٍ بنِ ثَعْلَبة، وغيرِهما.
(أو) بـ (تواترٍ) بها، كأبي بكرٍ الصديقِ - المَعْنِيِّ بقولهِ تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ
لِصَحِبِهِ، لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾(٧) -، وسَائِرِ العَشَرةِ، في خَلْقِ (٨) ..
(أو) بـ (قولٍ صاحب) آخَرَ معلوم الصُّحبةِ، إمَّا بالتصريح بها كأنْ يجيءَ
عنه: إنَّ فلاناً له صُحْبَةٌ - مَثَلاً -، أَو نحوُه كقولهِ: كنتُ أنا وفلانٌ عند
النبي ◌َ﴾، أو دَخَلْنا على النبي ◌َّز، بشرطِ أنْ يُعرفَ إسلامُ المذكورِ في تلك
الحالةِ .
وكذا تُعرفُ بقولِ آحادِ ثقاتِ التابعين على الراجح كما سيأتي.
(١) الإمامُ الفقيهُ الأصولي المُتَفنِّن العلّامة شهاب الدين أبو العباس أحمدُ بن إدريسَ
المالكي. مات سنة ٦٨٤، والقَرَافي - بفتح القاف وتخفيف الراء، وبعد الألف فاء.
نسبة إلى (القَرَافَة) مقبرةٍ بِمصرَ القديمةِ، لأنَّه كان يمرُّ في طريقه بها .
(٢) ((شرح تنقيح الفصول)) (٣٦٠).
(٤) (٤١١/٣).
(٦) أي الاشتهار.
(٨) أي خَلْقٍ كثيرين من الصحابة المتواترةِ صُحْبَتُهم.
(٣) في ((الاستيعاب)) (١/ ١٣).
(٥) (ص١٢٠) من هذا الجزء.
(٧) سورة التوبة: الآية ٤٠.
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٧
مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
وإلى ما عدَا الأخيرَ أشارَ أبو عبدِ الله الصَّيْمَرِيُّ من الحنفية مع تمريضٍ
ثالثِها، فقال: ((لا يجوزُ عندنا الإخبارُ عن أحدٍ بأنّه صحابيٍّ إلّا بعد وقوع
العِلم به إمَّا اضْطِراراً - يعني الناشئَ عن التَّوَاتُر - أو اكْتِساباً - يعني النظريّ
الناشئة عن الشُّهرة ونحوها)).
قال: ((وقيل: يجوزُ أنْ يُخبر بذلك إذا أخبر به الصحابي))(١)، يعني كما
هو الصحيح.
(ولو قد ادّعاها) أي الصحبةَ بنفسِه (وهو) قبلَ دَعواهُ إياها (عدلٌّ قُبِلَا)
قولُه، يعني على المُعْتمد. سواءٌ التصريحُ كـ: ((أنا صحابيٍّ))، أو ما يقوم مَقامَه
كـ: ((سمعتُ)) ونحوها، لأنَّ وَازِعَ العَدْل يمنَعه من الكذب.
٧٨٩
هكذا أطلَقَه ابنُ الصلاح(٢)، ومَنْ تَبِعِه كالنَّوَوِي(٣)، وهو متابعٌ للخطيبِ
في ((الكفاية))، فإنّه قال: ((وقد يُحكم في الظاهر بأنّه صحابيٍّ بقوله: صَحبتُ
النبيِ وَ﴿، وكَثُرَ لِقائي له. إذا كان ثقةً أَمِيناً مقبولَ القول، لِمَوْضع عدالَتِهِ،
وقَبُولِ خَبره وإنْ لمْ يَقطعْ بذلك)) (٤) يعني في الصُّورتين. واشتراطُ العدالةِ قبلُ
لا بدَّ منه، لأنّ قولَه - قبلَ أنْ تَثبتَ عدالَتُه -: أنا صحابيٍّ، أو ما يقومُ مقامَ
ذلك يَلزمُ مِنْ قبولِهِ إِثْبَاتُ عدالَتِهِ، لأنَّ الصحابةَ كلَّهم عُدُولٌ، فيصيرُ بمنزلةِ قولٍ
القائل: أنا عَدْلٌ، وذلك لا يُقْبَلُ.
ولكنْ في كلام القاضي أبي بكر ابن الطَّيِّب الباقِلَاني تَقْبِيدُ ذلك أيضاً بما
إذا لم يَرَدْ عن الصحابة ردُّ قولِهِ(٥).
وفيه نظر، إذِ المُثْبِت مقدَّم على النَافِي. ولو فُرض كونُ النفي لمحصورٍ
فربّما كان قادحاً في العدالة.
(١) ذكره عنه الزركشي في ((البحر المحيط)) (١٩٩/٦).
(٣) في ((التقريب)) (٢/ ٢١٣).
(٢) في ((علوم الحديث)) (٢٦٤).
(٤) ((الكفاية)) (٥٢)، وعلَّق العراقيُّ في ((التقييد والإيضاح)) (٢٩٩) على هذا الكلام بقوله:
(والظاهرُ أنَّ هذا الكلامَ بقيةُ كلام القاضي أبي بكر (يعني الباقلانيَّ المتقدمَ كلامُه
(ص٩، ٢٠) فإنَّه يَشترط في الصحابيِّ كثرةَ الصحبةِ واستمرارَ اللقاءِ كما تقدَّم نقلُه
عنه. وأما الخطيبُ فلا يشترطُ ذلك على رأي المحدثين).
(٥) ذكره الزركشيُّ في ((البحر المحيط)) (لوحة ٢٣٤ب).
مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
٢٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
وكذا قيّده هو والآمديُّ بثبوتِ معاصَرَته للنبيِ وََّ، وعبارةُ الآمدي: ((فلو
قال مَنْ عاصره: أنا صَحَابِيٍّ . - مع إسلامه وعدالَتِهِ - فالظاهرُ صِدْقُه))(١).
ونحوُه قولُ أبي بكر الصَّيْرَفِي: ((إذا عُرفت عدالتُه: قُبل منه أنه سَمع من
النبي ◌َّه، ورآه مع إمكانٍ ذلك منه لأنَّ الذي يدّعيه: دعوى لا أمارةَ معها))(٢).
ولذا قال المصنفُ: ((ولا بدَّ من تَقْييدِ ما أُطلِقٍ من ذلك بأنْ يكونَ ادِّعاؤُه لذلك
يقتضيهِ الظاهرُ، أمَّا لو ادَّعاه بعدَ مُضِيٍّ مائةٍ سنةٍ مِن حينٍ وفاتِهِ وَّ فإنه لا يُقبل
وإنْ كانت قد ثبتَتْ عدالتُه قبلَ ذلك، لقوله {وَّ في الحديثِ الصحيح:
((أَرَأَيْتَكُمْ (٣) لَيْلَتَكُمْ هذه، فإنَّه على رأس مائةٍ سنةٍ لا يبقى أحدٌ ممَّن على ظهر
الأرض)) (٤)، يُريد انْخِرَام ذلك القَرْنِ. قال ذلك بَّ في سنَةِ وَفَاته))، قال:
((وهو واضحٌ جَليٌّ))(٥) .
ونحوُه قولُ شيخِنا: وأمَّا الشرطُ الثاني - وهو المُعَاصَرة - فَيُعتَبَر بمُضِيٍّ
مائة سنة وعشرٍ سنينَ من هجرة النبي ◌ِّ لقولِهِ وَّهِ في آخِرِ عُمُرِه لأصحابه:
((أَرَأيْتَكم ليلتَكم هذه، فإنّ على رَأْسِ مائة سنةٍ منها لا يبقَى على وجهِ الأرض
ممَّن هو اليومَ عليها أَحَدٌ))، رواه البخاريُّ، ومسلمٌ من حديثِ ابنِ عمر. زاد
مسلم من حديث جابر: أنَّ ذلك كان قبلَ موتِهِ وَّهِ بشهر. ولفظُه: ((سمعتُ
النبيَّ وَّ﴿ يقولُ قبل أنْ يموتَ بشهر: أُقْسِم بالله ما على الأرض من نَفْس
مَنْفُوسةٍ اليومَ تأتي عليها مائةُ سنةٍ وهي حَيَّة يومئذٍ))(٦). قال: ((ولهذه النُّكتةِ لم
يصدِّقِ الأئمةُ أَحَداً ادَّعى الصُّحبةَ بعد الغايةِ المذكورة. وقد ادَّعاها جماعةٌ
(١) ((الإحكام)) (٢/ ٩٣).
(٢) ذكره عنه الزركشيُّ في ((البحر المحيط)) (١٩٨/٦) وقال: إنه في كتابه: (الدلائل
والأعلام).
(٣) في (س) و(م): أَرَأَيْتُم، وهي روايةٌ عند البخاري.
(٤) أخرجه البخاري في ((العلم)): باب السَّمَر في العلم (٢١١/١)، ومسلم في ((فضائل
الصحابة)): باب قولِهِ وَ ﴿: لا تأتي مائةُ سنةٍ وعلى الأرض نَفْسٌ مَنْفُوسةٌ اليوم (٤/
١٩٦٥) عن ابنِ عُمَرَ بألفاظِ مقاربة.
(٥) («شرح التبصرة والتذكرة)) (١٢/٣).
(٦) مسلمٌ في (مصدره السابق - ١٩٦٦/٤) بلفظٍ مقارِبٍ.
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٩
مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
فَكُذِّبُوا، وكان آخرَهم رَتَنُ الهِنديّ، لأنّ الظاهرَ كَذِبُهم في دعواهم))، انتهى(١) .
ولا شكّ أنَّ دعوى ما لا يُمْكِنُ: يَقْدَحُ في العدالة، فاشْتِرَاطُها يُغني عن
ذلك، وإنْ جَعَلَ بعضُ المتأخرين محلَّه مع العدالة إذا تُلُقِّيَ بالقَبول، وحَقَّتْه
قَرَائنُ، ولمْ يَقُمْ دليلٌ على رَدِّه. [على أنه يُمكن أنْ يُقالَ: يجوزُ أنْ يكونَ
مستَنَدُ دَعْواه غَلَبَةَ ظنِّه في المَرْئِيِّ، كما اتَّفق لبعضٍ مَن تلقَّى النبيَّ وَّهِ - حينَ
قَدِمَ المدينةَ - من الأنصار ممَّن لم يكنْ يَعرِفُ النبيَّ وَِّ قبلُ حيثُ ظَنَّه أبا بكرٍ،
ثم تبيَّن لهُم حينَ رَأَوْا أبا بكرٍ يُظِلُّهُ مِن إصابةِ الشمس](٢).
وفي المسألةِ قَوْلانِ آخَرَانِ :
أحدُهما: أنها لا تَثبتُ صُحبتُه بقوله؛ لِمَا في ذلك من دَعْواهُ رُتْبَةً يُثْبِتها
لنفسه. وهو ظاهر كلام أبي الحُسَين (٣) ابن القطّان، فإنه قال: ((ومن يدّعِي
صُحبةَ النبيِ وَّهِ لا تُقبلُ منه حتى نَعْلَمَ صُحْبتَه، فإذا عَلمناها فما رواه فهو على
السماعِ حتى نَعلَمَ غيرَه))(٤) .
واقتصارُ ابن السمعاني حيث قال: «تُعلَمُ الصحبةُ إمّا بطريقٍ قَطْعِيٍّ وهو
الخَبَر المتواتر، أو ظنيٍّ وهو خبرُ الثقةِ))(٥) قد يُشعِرُ به.
وقَوَّاه بعضُ المتأخرين قال: ((فإنَّ الشخصَ لو قال: ((أنا عدلٌ)) لم يُقْبَلْ؛
لِدَعْوَاهُ لنفسِه مَرتبةً فكيف إذا ادّعى الصُّحبةَ التي هي فوق العَدَالة)) (٦).
وأبداه ابنُ الحاجِبِ احْتِمَالاً حيثُ قال: ((لو قال المعاصرُ العدلُ: أنا
صحابيٌّ. احتَملَ الخلافَ))(٧)، يعني قبولاً ومنعاً، فكأنّه لم يقفْ على النقلِ في
الطرَفَين.
(١) من ((الإصابة)) (٨/١).
(٢) ما بين المعكوفين ساقط من (س).
(٣) في النسخ: أبي الحسن. وهو خطأ. وقد مضت ترجمته (ص٢٥) من هذا الجزء وقد
نقلَ عنه هذا القولَ الزَركشيُّ في ((البحر المحيط)) (١٩٨/٦).
(٤) ذكره عنه الزركشي في ((البحر المحيط)) (١٩٨/٦).
(٥) ((قَوَاطع الأدلة)) (٤٨٧/٢).
(٦) ذكر نحوَه الآمديُّ في «الإحكام)) (٩٣/٢).
(٧) ((المنتهى)) (٨١) لكنْ لفظُه: (لو قال مَنْ عاصر النبيَّ وَّ: أنا صحابي. مع إسلامه وعدالَتِهِ
صُدِّق. ويحتمل الخلاف) وقد ذكره الزركشي عنه بلفظِ الشارح ((البحر)) (١٩٨/٦ -١٩٩).
مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
٣٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
ثانيهما: التفصيلُ بين مُدَّعِي الصُّحبةَ اليسيرةَ فيُقبلُ، لأنها ممّا يتعذّر
إثباتُها بالنقل، إذْ ربّما لا يحضُرِه حالةَ اجتماعِهِ بالنبي ◌َِّ، أو رُؤيتِهِ له أَحَدٌ.
أو الطويلةَ، وكثرةَ التَّرُّدِ في السفر والحَضَر، فلا، لأنَّ مثلَ ذلك
يُشاهَد، ويُنقَل، ويَشتَهِر فلا يثبُتُ بقولِهِ(١).
على أنَّ ابنَ عبدِ البَرِّ جَزَم بالقبولِ من غيرِ شرطٍ بناءً على أنّ الظاهرَ
سلامتُه من الجَرْحِ، وقوَّى ذلك بتصرّفِ أئمةِ الحديثِ في تخريجِهم أحاديثَ
هذا الضربِ في ((مسانيدهم))(٢) .
قال شيخُنا: ((ولا ريبَ في انْحِطاط رُتبةِ مَنْ هذه سبيلُه عمَّن مضى)).
قال: ((ومِن صُوَر هذا الضربِ أنْ يقولَ التابعيُّ: أخبرني فلان - مثلاً -
أنَّه سمع النبي وَهُ يقولُ .... سواءٌ سمَّاه أمْ لا كقول الزهري - فيما رواه
البخاريُّ في ((فتح مكة)) من ((صحيحه) (٣) -: ((أخبَرني سُنَينٌ أبو جَميلةَ، وزعم
أنَّه أدركَ النبيَّ ◌َّ، وخرج معه عام الفتح)).
((أما إذا قالَ: ((أخبرني رجلٌ - مثلاً - عن النبي (وَطّ بكذا ... )) - يعني
بالعنعنة - فثبوتُ الصُّحْبةِ بذلك بعيدٌ، لاحتمال الإرسالِ. ويُحتَمل التفرقةُ بين
أنْ يكونَ القائلُ مِن كبارِ التابعين فيترجحَ القبولُ، أو صغارِهم فيترجحَ الرَدُّ.
ومع ذلك فلمْ يتوقفْ مَن صنَّف في الصحابةِ عن إخراج مَنْ هذه سبيلُه في
كُتُبِهم))(٤). نعم، لو أَخبر عنه عَدلٌ من التابعين، أو تابعِيهم: أنَّه صحابيٍّ؟ قال
بعضُ شُرَّاح ((اللُمَع)): ((لا أعرفُ فيه نقلاً)). قال: ((والذي يقتضيه القياسُ فيه أنَّه
لا يُقبلُ ذلك، كما لا تُقبل مراسيلُه، لأنَّ تلك قضيةٌ لم يَحضُرها))(٥).
قال شيخنا: ((والراجحُ قبولُه، بناءً على الراجحِ مِن قَبولِ التزكيةِ من
واحدٍ)(٦) .
(١) حكى هذا القولَ الزركشي في ((البحر)) (١٩٩/٦) غيرَ منسوب.
(٢) ((الإصابة)) (٩/١).
في ((المغازي)»: باب وقال الليث (٢٢/٨).
(٣)
(٤)
((الإصابة)) (٩/١).
(٥) ذكره عنه الزركشي في ((البحر المحيط)) (١٩٩/٦).
(٦) ((الإصابة)) (٨/١).
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣١
مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
وكذا مال إليه الزَّرْكشي فقال: ((والظاهرُ قبولُه، لأنّه لا يقول ذلك إلّا بعدَ
العلم به إمَّا اضْطراراً، أو اكتساباً))(١)، وإليه يُشِير كلامُ ابنِ السمعاني السابقُ(٢).
إذا عُلِم هذا فقد أفادَ شيخُنا في مقدمة ((الإصابة)) له ضابطاً يُستَفاد من
معرفتِهِ جَمِعٌ كثيرٌ يُكتَفَى فيهم بِوَصفٍ يتضمّن أنّهم صحابةٌ، وهو مأخوذٌ من
ثلاثة آثار:
أحدها: أنَّهم كانوا لا يُؤمِّرُون في المغازي إلّا الصحابةَ، فمن تَتَبَّع
الأخبارَ الواردةَ في الرِّدَةِ والفتوحِ وَجَدَ من ذلك الكثيرَ.
ثانيها: أنَّ عبد الرحمن بنَ عَوْف قال: ((كان لا يُولَد لأحدٍ مولودٌ إلَّا أَتى
به النبيَّ وَّر، فدعا له)). وهذا أيضاً يُوجد منه الكثيرُ.
ثالثها: أنّه لمْ يبقَ بـ((المدينة))، ولا بـ(مكةَ))، ولا ((الطائفِ))، ولا مَنْ بينَها
إلّا مَن أسلمَ، وشَهِد حجةَ الوداع، فمنْ كان في ذلك الوقتِ موجوداً انْدَرَجَ
فيهِم، لِحُصولِ رؤيتهم للنبيّ ◌َ ﴿ وَإَنْ لَمْ يَرَهُم هو، والله أعلم(٣).
والثالثة: في بيان مَرْتَبَتِهم:
(وهم) ◌ِّ باتفاق أهلِ السُنَّة - كما قاله ابنُ عبدِ البر (٤) - (عدولٌ) كلُّهم
مطلقاً كبيرُهم وصغيرُهم، لَابَسَ الفِتنةَ أَمْ لا، وُجُوباً؛ لحُسْن الظنِّ بهم، ونظراً
إلى ما تمهّد لهم من المَآئِرِ مِن امتثالِ أَوَامِرِهِ [بعده](٥) ◌ََّ، وفتحِهم الأقاليمَ،
وتبليغِهم عنه الكتابَ والسُنَّةَ، وهدايتِهم الناسَ، ومواظبَتِهم على الصَّلَوات
والزكوات، وأنواع القُرُبَات، مع الشجاعةِ، والبَرَاعة، والكْرَمِ، والإيثارِ،
والأخلاقِ الحميدةِ التي لم تكنْ في أمَّة من الأمم المتقدمة.
قال الخطيب في ((الكفاية)): ((عَدَالُ الصحابةِ ثابتَةٌ معلومةٌ بتعديلِ الله لهم،
وإخبارِه عن طهارَتِهم، واختيارِه لهم، فمِنْ ذلك قوله تعالى: ﴿كُثُمْ خَيْرَ أُمٍَّ
أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾(٦)، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾(٧)، وقوله: ﴿لَّقَدْ
(١) ((البحر المحيط)) (٢٠٠/٦).
(٣) ((الإصابة)) (٩/١).
(٥) ساقطة من (م).
(٧) سورة البقرة: الآية ١٤٣.
(٢) في الصفحة السابقة.
(٤) في ((الاستيعاب (٩/١).
(٦) سورة آل عمران: الآية ١١٠.
مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
٣٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
رَضِىَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَابِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ﴾(١)، وقولُه:
﴿وَالسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ أَتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ
وَرَضُواْ عَنْهُ﴾(٢)، وقولُه: ﴿يَأَيُّهَا النَّبِىُ حَسْبُكَ اَللَّهُ وَمَنِ أَتَبَّعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾(٣)،
وقولُه: ﴿لِلْفُقَرَآءِ الْمُهَجِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَرِهِمْ وَأَمْوَلِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ
وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ: أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّدِقُونَ ﴾﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّكَ رَءُوفٌ
زَّحِيمٌ﴾ (٤) في آياتٍ كثيرةٍ يطولُ ذِكرُها، وأحاديثَ شهيرةٍ يكثُر تَعْدادُها، وجميعُ
ذلك يقتضِي القطعَ بتعديلِهم، ولا يحتاجُ أحدٌ منهم - مع تعديلِ الله لهم - إلى
تعديلِ أحدٍ من الخَلْق. على أنّه لوْ لمْ يَرِدْ من الله ورسولِه فيهم شيءٌ ممّا ذكرنا
لأوجَبَتِ الحالُ التي كانوا عليها مِن الهجرةِ، والجهادِ، ونُصرةِ الإسلام، وبَذْل
المُهَجِ والأموالِ، وقَتلِ الآباءِ والأبناءِ، والمُنَاصحةِ في الدين، وقُوَّةِ الإيمان
واليقينِ القطعَ على تعديلِهم، والاعتقادَ لِنَزاهتِهم، وأنّهم أفضلُ من جميع
الخالِفِين بعدَهم، والمُعَدَّلين الذين يجيؤون مِن بَعدِهم. هذا مذهبُ كافة العلماءِ
ومَن يُعتَمد قولُه))(٥).
ثم أَسنَد عن أبي زُرعة الرازي أنه قال: ((إذا رأيتَ الرجلَ ينتَقِصُ أحداً
من أصحابِ رسول الله وَ ل﴿ فاعلمْ أنه زِنْدِيقٌ، وذلك أنّ الرسولَ حقُّ والقرآنَ
حقٌّ وما جَاءًا به حقٌّ، وإنّما أدَّى إلينا ذلك كلَّه الصَّحَابةُ. وهؤلاءٍ يريدون أنْ
يَجْرَحوا شُهودَنا ليُبطِلوا الكتابَ والسُنةَ، والجرحُ بهم أَوْلى، وهُم زنادقةٌ»
انتھی(٦).
وهو كما قال شيخُنا: ((فَصْلٌ نَفِيس))(٧).
فأمَّا الآيةُ الأُولى(٨) فالذي رجَّحه كثيرٌ من المفسرين عُمُومَها في أمّة
محمدٍ رَّ، وخصَّها آخرون بالصحابةِ. بل قال بعضُهم: اتَّفقوا على أنّها واردةٌ
فيهم. وحينئذٍ فالاستدلال منها ظاهرٌ.
(١) سورة الفتح: الآية ١٨.
(٣) سورة الأنفال: الآية ٦٤.
(٢) سورة التوبة: الآية ١٠٠.
(٤) سورة الحشر: الآيتان ٨، ٩.
(٥) ((الكفاية)) (٤٦ - ٤٩) باختصار، وهو اختصارُ ابنِ حجر كما في ((الإصابة)) (١٠/١).
(٧) ((الإصابة)) (١٠/١).
(٦) من ((الكفاية)) (٤٩).
(٨) وهي قولُه تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾.
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٣
مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
وأمَّا الثانيةُ(١): فهي خطابٌ مع المَوجُودِين منهم حينئذٍ، ولكنْ لا يَمتَنِعُ
إلحاقُ غيرِهم بهِم ممَّن شاركهم في الوَصْف.
وكذا من الآياتِ(٢): ﴿وَاَلَّذِينَ مَعَهُ﴾(٣)، ومِنْ غَيرِها: ((أَصْحَابي
كالنُّجُومِ» (٤)، مع مَا تَحقَّق عنهُم بالتواترُ من الجِدِّ في الامِثَال.
قال شيخُنا(٥): ((والأحاديثُ الواردةُ في تفضيلِ الصحابةِ كثيرةٌ، مِن أَدَلِّها
على المقصود ما رواه الترمذي وابن حبان في ((صحيحه)) من حديث عبد الله بنُ
مُغَفَّلٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَّ: ((اللهَ اللهَ في أصحابي، لا تتَّخِذُوهم غَرَضاً،
فمن أحبَّهم فبِحُبي أحبَّهم، ومن أبغَضهم فَبِيُغْضي أبغضَهم، ومَنْ آذاهم فقد
آذاني، ومن آذاني فقد آذى اللهَ، ومن آذى اللهَ فَيُوشك أنْ يأخذَه))(٦).
وذَكَر غيرُه من الأدلة: حديثَ أبي سعيد الخدري: ((لا تَسُبُّوا
أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفَق أحدُكم مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَباً ما أدرَك مُدَّ
أحدِهم ولا نَصِيفَه)) متفق عليه(٧). وهو وإنْ وَرَدَ على سببٍ - وذلك أنَّه كان
بين خالدٍ بن الوليد وعبد الرحمن بن عوف شيءٌ فسبّه خالد، فقال
النبيُّ وَّل: (( ..... )) فَذَكَره، بحيثُ خَصَّه بعضُ أصحابِ الحديثِ بمَنْ
طالَتْ صحبتُه، وقاتَلَ معه، وأنفَق وهاجَر - فالعبرةُ إنّما هي بعموم اللفظِ لا
(١) وهي قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.
(٢) أي الدالة على تعديلهم.
(٣) يعني قولَه تعالى: ﴿تُحَمَّدٌ رَّسُولُ الْهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ: أَشِدَّهُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمّ ... ﴾ [الفتح: ٢٩].
(٤) حديثٌ موضوعٌ. انظر طُرُقَهُ وأَلْفاظَهُ في: ((التلخيص الحبير)) (١٩٠/٤)، و((سلسلة
الأحاديثِ الضعيفةِ والمَوْضُوعةِ)) (٧٨/١ - ٨٥).
(٥) في ((الإصابة)) (١٠/١).
(٦) أخرجه الترمذي في ((المناقب)): باب حدثنا محمودُ بنُ غَيْلان، برقم (٥٩) (٦٩٦/٥)
وقال: (حديثٌ غريبٌ لا نعرفه إلّا من هذا الوجِه). وابنُ حبان في ((صحيحه))
(الإحسان)) (١٨٩/٩). وفي سَنَدِهما (عبد الرحمن بن زياد) ويقال له: (عبدُ الله بن
عبد الرحمن) - الأول عند الترمذي، والثاني عند ابن حبان - قال الذهبي في ((الميزان))
(٢ /٥٦٤): ((تفرَّد عنه عَبيدةُ بنُ أبي رائطةً))، يعني فهو مجهولٌ. وأما متن الحديث
فيشهد له الذي بعده. والله أعلم.
(٧) مضى (ص٢١) من هذا الجزء.
مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
٣٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
بخصوص السبب. كما ذهب إليه الأكثرون، وصحّحَه القاضي عياضٌ هنا(١).
ومِثلُ هذا يقالُ - وإنْ كان المقولُ له صحابيًّا - للتنبيهِ على إرادَة حِفْظ
الصُّحَبَة عن ذلك.
ووجهُ الاستدلالِ به: أنَّ الوَصفَ لهم بغيرِ العدالة سَبُّ، لا سيما وقد
نَهِى وَّ بعضَ مَن أدرَكه وصَحِبه عن التَعَرُّضِ لمن تقدَّمه، لشهودِ المَواقف
الفاضلةِ، فيكونُ مَن بعدَهم - بالنسبةِ لجميعِهم - من بابٍ أَوْلی.
وحديثُ: ((خيرُ الناسِ قَرْني ... ))(٢) المتواترُ - مما هو أيضاً متَّفَق عليه
من حديثِ ابنِ مسعودٍ، وعمرانَ بنِ حُصَين، حتى بالغَ بعضُهم فتمسّك به لعدالةِ
التابعينَ أيضاً، وأنَّه لا يُسأل عنهم حتى يقومَ الجَرحُ، لقوله فيه: ((ثُمَّ الَّذِين
يَلُونَهم)) وهو فيهم - محمولٌ على الغَالِب. والمرادُ بقَرْنِ النبيِ ◌ّ فيه(٣):
الصحابةُ، وإنْ أُطلِقِ القَرنُ على مدَّةٍ من الزمانِ في تحديدِها أَقوالٌ، أدناها
عَشرةُ أعوام، وأعلاها مائةٌ وعشرونَ، وعليه ينطَبِقُ الواقعُ في كون آخرٍ
الصحابة موّاً أبا الظُّفَيل(٤)، إذ اعتُبِر ذلك من البعثةِ، إذِ المُدَّةُ منها القَدْرَ
المَذكورُ(٥) أو دونَه، أو فوقَه بقليلٍ. على الاختلافِ في وفاةِ أبي الطُّفَيل.
أمَّا إذا مَشَينا على أنَّ القرنَ مائةٌ كما هو المشهورُ - بلْ وَقَعَ ما يدلُّ له في
حديثٍ لعبدِ اللهِ بنِ بُسْرٍ عند مسلمٍ(٦) - فيكون الاعتبارُ مِن موتِهِ نَّه .
ومن الأدلَّةِ أيضاً ما جاء عن بَهْزِ بنِ حَكِيم عن أبيه عن جدّه عن النبيِ وَّل
(١) ((شرح مسلم)) للنووي (١٦/ ٩٣).
(٢) مضى (٤١١/٣).
(٣) في حاشية (س) تعليقاً على هذا: (أي في الحديث).
(٤) في الثلاث: أبو الطفيل. وما أثبتُّه هو الجادة.
(٥) ضبطت الراءُ في هاتين الكلمتينِ بالنَّصْبِ في (س)، فيكون التقديرُ: (إذِ المدةُ من
البعثةِ إلى وفاة أبي الطُفَيل تكونُ - أو تَبْلُغُ - القَدْرَ المَذكُورَ). ورفعُهما أَولى، والله
أعلم.
(٦) مضى بيانُ أنَّ مُسلماً كَثُ لم يَرْوِ في «صحيحه)) عن عبدِ الله بنِ بُسْرٍ إلَّا حديثاً واحداً
وليس فيه ما يدلُّ على ما أشارَ إليه المصنفُ تَفُهُ. لكنَّ الحافظُ ابنَ حجر ذَكَرَ في
(الإصابة)) (٢٨٢/٢) - في ترجمةِ عبدِ الله بنِ بُسر - أنَّ أبا نُعيم ساقَ في ترجِمَتِهِ مَا
رواه البخاريُّ في ((التاريخ الصغيرِ)) عنه أنّ وَِّ قال له: (يعيشُ هَذا الغلامُ قَرْناً) فعاش
مائةَ سنةٍ. وانظر: ((التاريخ الصغير)) (١٨٦/١). و((كشف الأستار)) (٢٨٠/٣).
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٥
مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
أنّه قال: ((أَنتُم تُوَقُّونَ سبعين أمةً، أنتُم خَيرُها وأكرمُها على الله رَات)»، أخرجه
أحمدُ، والترمذيُ وابنُ ماجه، وغيرُهم(١).
وعن سعيد بن المسيب عن جابرٍ قال: قال رسولُ اللهِ وَالَ: ((إنَّ الله اختارَ
أصحابي على الثَّقَلَين سوى النَّبِين والمُرْسَلين))، أخرجه البزارُ(٢) بسنَدٍ رجالُه
مُؤَثَّقُونَ (٣) .
وعن عبدِ الله بن هاشم الظُّوسي: ثنا وَكيعٌ: سمعتُ سُفيانَ يقولُ في قوله
تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَمْ عَّلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ أَصْطَفَىَّ﴾(٤)، قَالَ: ((هُمْ أَصْحَابُ
مُحَمَّدٍ مَِّ))(٥) إلى غيرِ ذلك ممَّا يطولُ إيرادُه.
وممَّن حَكَى الإجماعَ على القَولِ بعدَالَتِهِم إمامُ الحَرَمين قال: ((ولعلَّ
السببَ فيه أنَّهُم نَقَلَةُ الشريعةِ، فلو ثَبَتَ توقُّفٌ في رِوَايتِهِم لانْحَصَرتِ الشريعةُ
على عصرِ الرسولِ وَ﴿، وَلَمَا اسْتَرْسَلَتْ على سائرِ الأمصار))(٦) .
ونحوُه قولُ أبي محمدِ ابنِ حزم: ((الصحابةُ كلُّهم من أهل الجنة قَطْعاً،
قال اللهُ تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِى مِنْكُم مَّنَّ أَنْفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَتَلَّ أُوْلَكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً
مِّنَ الَّذِينَ أَنْفَقُواْ مِنْ بَعْدُ وَقَتَلُواْ وَكُلَّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾(٧)، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
سَبَقَتْ لَهُم مِّنَا الْحُسْنَ أُوْلَئِكَ عَنْهَا مُّبْعَدُونَ (®﴾(٨).
قال: ((فَثَبَتَ أنَّ الجميعَ مِن أهل الجنةِ، وأنَّه لا يدخلُ أَحَدٌ منهُم النارَ،
لأنَّهم المُخَاطَبُون بالآيةِ السابقةِ))(٩).
(١) الترمذي في ((التفسير)): باب ومن سورة آل عمران (٢٦/٥) وقال: حديث حسن. وابنُ
ماجه في ((الزهد)): باب صفة أمة محمد وَّل﴾ (١٤٣٣/٢)، وأحمدُ (٤٤٧/٤).
(٢) ((كشف الأستار)) (٣٨٨/٣).
(٣) قاله الحافظ ابن حجر في الإصابة (١٢/١).
(٤) سورة النمل: الآية ٥٩.
(٥) ذكره كذلك الحافظ ابن حجر في الإصابة (١٢/١).
(٦) نهايةُ كلامِ نَفِيسٍ لإمامِ الحَرَمَين في ((البرهان)) (٦٣٢/١).
(٧) سورة الحديد: الآية ١٠.
(٨) سورة الأنبياء: الآية ١٠١
(٩) («الإحكام)) (٩٠/٥) بنحوِه وفي ((الفِصَلِ)) (٢٢٥/٤) بأطولَ من هذا. وأَوْرَدَه الحافظُ
في ((الإصابة)) (١٠/١) بلفظِهِ.
مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
٣٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
فإنْ قيلَ: التقييدُ بالإنْفَاقِ والقتالِ يُخْرِجُ من لم يتصفْ بذلك، وكذلك
التقييدُ بالإحسانِ في الآية السابقةِ وهي قوله تعالى: ﴿وَالسَِّقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ
اَلْمُهَجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَنٍ﴾(١)، يُخرِج مَن لم يتصفْ بذلك،
فالجوابُ أنّ التَقْبِيداتِ المذكورةَ خَرَجَتْ مَخْرَجَ الغالبِ، وإلَّا فالمُرَادُ مَنِ
اتصفَ بالإنفاق والقتالِ بالفِعْل أو القُوَّةِ(٢) .
ولكنْ قد أشارَ إلى الخلافِ إلْكِيَا الطَّبَرِي حيث قال: ((إنَّ عليه كافةُ
(٣)
أصحابنا)»(٣).
وكذا قال القاضي: ((هو قولُ السَّلَفِ، وجُمْهُورِ الخَلَف))(٤).
وحكى الامِديُّ وابنُ الحاجِبِ قَوْلاً: أنَّهم كغيرِهم في لُزوم البَحثِ عن
عَدَالَتِهِم مُظْلَقاً(٥). وهو قضيةُ كلام أبي الحُسَين ابنِ القَطَّان من الشافعية، فإنّه
قالَ: ((فَوَحْشِيٍّ(٦) قَتَلَ حَمْزةَ، ولهَ صُحبةٌ، والوَلِيدُ(٧) شَرِبَ الخَمْرَ؟ قلنا: مَنْ
ظَهرَ منه خلافُ العدالةِ لا يقعُ عليهِ اسمُ الصُّحبةِ، والوليدُ ليس بصحابِيٍّ، إنَّما
أصحابُه: الذين كانُوا على طريقَتِهِ)(٨) .
وهذا عجيبٌ فالكلُّ صحابةٌ باتِّفاقٍ، وقَتلُ وحْشِيٍّ لحمزةَ كان قَبلَ
إسلامِهِ(٩). وأمَّا الوليدُ - وغيرُه ممَّن ذُكِرَ بما أشارَ إليه - فقدْ كفَّ النبيُّ ◌َِّ مَنْ
لَعَن بعضَهم بقوله: ((لا تَلْعَنْهُ، فَوَاللهِ ما عَلِمتُ إلَّا أنَّه يحبُّ اللهَ ورسولَ)(١٠)،
(١) سورة التوبة: الآية ١٠٠.
(٢) قال ذلك الحافظُ في ((الإصابة)) (١٠/١).
(٣) ذكره عنه الزركشي في ((البحر المحيط)) (١٨٦/٦).
(٤) ذكره عنه الزركشي في ((البحر المحيط)) (١٨٦/٦).
(٥) ((الإحكام)) (٩٠/٢)، و((المنتهى)) (٨٠).
(٦) يعني فإنْ قِيلَ: فَوَحْشِيٍّ ... إلخ. وهو وَحْشِيُّ بنُ حَرْب الحَبَشي.
(٧) في حاشية (ح): (ابنُ عُقْبَةَ، أخو عُثْمَانَ لأُمِّه).
(٨) ذكره عنه الزركشي في ((البحر المحيط)) (١٨٧/٦ - ١٨٨) وقال: إنه غريب.
(٩) لأنه قَتَلَ حَمزةَ رَبه في معركةٍ (أُحُدٍ) وهو مشركٌ، ولمْ يُسِلمْ إلَّا بَعْدَها. ((الطبقات)
لا بن سعد (٤١٨/٧).
(١٠) جزءٌ من حديثٍ أخرجه البخاري في ((الحدود)): باب ما يُكْره من لعنِ شاربِ الخمر
(٧٥/١٢) عن عُمرَ ◌َ ◌ُله، ولفظُه: (لا تلعَنُوه ... ) إلخ.
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٧
مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
كما كفَّ عُمَرَ عن حَاطِبِ ﴿َّ قائلاً له: إنَّه شَهِدَ بدْراً، وما يُدْرِيكَ لعلَّ اللهَ
اطَّلَعَ على أهلِ بدرٍ فقال: اعْمَلُوا ما شِئْتُم فقد غَفَرتُ لكم)) (١)، لا سيما وهُم
مخلِصُون في التوبةِ فيما لعلَّه صَدَرَ منهم، والحدودُ كفاراتٌ.
بل قِيل في الوليدِ بخُصوصه: إنَّ بعضَ أهلِ ((الكوفة)) تَعَصَّبُوا عليه
فشَهِدوا عليه بغيرِ الحق.
وبالجُملَة فَتَركُ الخَوضِ في هذا ونحوِهِ متعيِّنٌّ. وقد أسلَفتُ في أواخِرٍ
(آدابِ المُحَدث))(٢) شيئاً مما يُرغِّبُ في الحثِّ على ترك ذلك.
وقولاً آخَرَ (٣): أنَّهُم عدولٌ إلى وقتٍ وُقوعِ الفِتَنِ، فأمَّا بعدَ ذلك فلا بُدَّ
من البحث عمَّن ليس ظاهرَ العدالةِ .
وذَهبتِ المعتزلةُ إلى رَدِّ مَنْ قاتَلَ عَلِيًّا (٤). وَقِيلَ بهِ في الفَرِيقِ الآخَرِ(٥).
و(قيل: لا) يُحْكَم بعدالةِ (من دَخَلا) منهم (في فتنةٍ) من الفِتَن الواقعةِ مِن
حينٍ مَقْتَلِ عُثمانَ رَُّه كـ((الجَمَلِ))، و((صِفِين)) مِنَ الفَرِيقَين إلَّا بعدَ البَحثِ عنها.
٧٩٠
وعن بعضهم: رَدُّهُم [كافةً](٦) مُظْلَقاً.
وقيل: يُقْبَل الداخِلُ فيها إذا انْفَرَدَ(٧)، لأنَّ الأصلَ العدالةُ، وشَكَكْنا في
ضدِّها، ولا يُقبَلُ مع المُخَالَفَةِ، لتحقُّق إبطالِ أحدِهما من غير تَعْبِين.
وقيل: إنّ القولَ بالعدالةِ يُخَصّ بمَنِ اشْتَهَر منهم، ومَن عَدَاهم كسائرِ
الناس، فيهم العدولُ وغیرُهم.
(١) جزء من حديثٍ أخرجه البخاري في ((الجهاد)): باب الجاسوس (١٤٣/٦)، ومسلم في
((فضائل الصحابة)): باب من فضائل أهل بدر (١٩٤١/٤) من حديثٍ علي، واللفظُ
لمسلم إلَّا أنَّ عندَه (إنَّه قد شَهِد ... ).
(٢) (٢٧٣/٣) وما بعدها .
(٣) أي وحكى الآمديُّ وابنُ الحاجب أيضاً قولاً آخر. («الإحكام)) (٩٠/٢) و ((المُنْتَهى))
(٨٠).
(٤) ذكر ذلك عنهمُ السمعاني في ((القواطع)) (٢٩٣/٢) وذكره الزركشي في ((البحر)) (٦/
١٨٨) غير منسوب.
(٥) ذكره الزركشي في ((البحر)) (١٨٨/٦) بلفظ الشارح.
(٦) ساقطة من (ح).
(٧) يعني برواية حكم من الأحكام.
مَعْرِفَةُ الصَحَابَةِ
٣٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
قال المَازَرِي في ((شَرْحِ البُرْهان))(١): («لسنا نعني بقولنا: الصَّحابةُ عدولٌ:
كُلَّ مَنْ رَآهَ بَّرِ يوماً، أوْ زَارَهُ، أو اجتمعَ به لِغَرَضٍ وانصرفَ عن قريب. وإنَّما
نعني به الذين لازَمُوه وعَزَّروه ونَصَرُوه واتبعوا النّورَ الذي أُنزِل معه، فأولئك
كما قال اللهُ: ﴿هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾(٢) .
ولم يُوَافَقِ المازَريُّ على ذلك، ولذا اعتَرَضَه غيرُ واحدٍ(٣)، وقال
العَلَائِيُّ: ((إنّه قولٌ غريبٌ يُخْرِجُ كثيراً من المَشْهُورين بالصُّحبةِ والروايةِ عن
الحُكْم بالعدالةِ: كَوَائِلٍ بن حُجْرٍ، ومالِكِ بنِ الحُوَيرِثِ، وعثمانَ بنِ أبي
العاصِ وغيرِهمٍ ممَّن وَفَدَّ عليهِ وَّهَ ولم يُقِمْ عندَه إلَّا قليلاً وانْصَرَفَ، وكذلك
مَن لَمْ يُعْرَفْ إلَّا بروايةِ الحديثِ الواحدِ، ولَمْ يُعْرَفْ مقدارُ إقامتِهِ مِن أَغْرَابٍ
القبائل))(٤).
قال شيخنا: ((وقد كان تعظيمُ الصحابةِ - ولو كان اجتماعُهم به وَّ قليلاً -
مُقَرَّراً عند الخلفاءِ الراشدين وغيرِهم))، ثم ساقَ بسنَدٍ رجاله ثقاتٌ(٥) عن أبي
سعيدِ الخُدري: ((أنَّه كان مُتَّكِئاً فَذَكرَ مَنْ عنده عليّاً ومعاويةَ ﴿ُهَا، فتناوَلَ رجلٌ
معاويةً، فاستوَى جالساً، ثم قال: كُنَّا نَنْزِلُ رِفَاقاً مع رسولِ اللهِوَلَ فَكُنَّا في
رُفْقَةٍ فيها أبو بكرٍ، فَنَزَلْنا على أهلِ أبيات، وفيهِمُ امرأة حُبْلَى، ومعنا رجلٌ من
أهل البادية، فقال للمرأةِ الحاملِ: أَيَسُرُّكِ أنْ تَلِدي غُلَاماً؟ قالت: نعم، قال:
إنْ أعطيتِنِي شاةً وَلَدْتِ غُلاماً. فأعطَتْه، فَسَجَع لها أسجاعاً، ثم عَمَدَ إلى الشاةِ
فَذَبَحَها، وطبَخَها، وجلَسْنا نأكلُ منها ومَعَنَا أبو بكر، فلمَّا عَلِمَ بالقِصَّةِ قام فتقياً
كلَّ شيءٍ أَكَلَ. قال: ثم رَأيتُ ذلك البَدَوِيَّ قد أُتِيَ به عُمر بن الخطاب وقد
(١) ((البرهان)): اسم كتاب أبي المَعِالِيِ الجُوَيني إمام الحَرَمَين وهو في أصولِ الفقه.
وقد شَرَحه المازَرِي الإمامُ العلّامةُ أبو عبدِ الله محمدُ بنُ علي التَمِيمي المالكي المتوفى
سنة ٥٣٦ «الوفيات)» (٢٨٥/٤)، و((السير)) (١٠٤/٢٠). وِالمَازَرِي بزاي مفتوحة - وقد
تكسر - ثم راءٍ نسبةً إلى (مَازَر) بُلَيدَةٍ في جزيرة صَقَلْية. واسم شرحه: (إيضاح
المحصول من برهان الأصول). ((إيضاح المكنون)) (١٥٦/١).
(٢) سورة البقرة: الآية ٥، وسورة الأعراف الآية: ١٥٧ وغيرهما وقولُ المازَرِي هذا في
((البحر المحيط)) (١٨٨/٦)، وفي ((الإصابة)) (١٠/١) لابن حجر.
(٣) قاله الحافظ في ((الإصابة)) (١١/١).
(٥) قاله الحافظُ أيضاً في ((الإصابة)) (١٢/١).
(٤) تحقيق منيف الرتبة (٦٢).
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٩
مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
هجا الأنصارَ، فقال لهمُ عُمرُ: لولا أنَّ له صُحبةً مِن رسولِ اللهِوَل ◌ِ ـ ما أَدْرِي
ما نَالَ منها - لَكَفَيْتُكُمُوهُ، ولكنْ له صُحْبةٌ(١). قال: فتوقَّفَ عُمرُ عن معاتَبَتِه
فَضْلاً عن مُعَاقَتِهِ لكونه عَلِمَ أنّ لَقِيَ النبيَّ ◌َِّ .
وفي ذلك أبين شاهد على أنهم كانوا يعتقدون أن شأن الصحبة لا يعدله
شيء، كما ثبت في حديث أبي سعيد(٢) الماضي))(٣).
وقال الإمامُ أحمدُ بعدَ ذِكْرِ العَشَرةِ والمُهَاجِرِين والأنصارِ: ((ثُمَّ أفضلُ
الناس بعدَ هؤلاءِ - أصحابَ رسولِ اللهِ وََّ، القَرْنَ الذي بُعِثَ فيهم - كُلُّ مَنْ
صَحِبَه سنةً، أو شهراً، أو يوماً، أو ساعةً، أو رآه فهو من أصحابِهِ، له من
الصُّحبةِ على قَدْرِ مَا صَحِبَهُ، وكانتْ سابِقَتُه معه، وسَمِعَ منه، ونَظَرَ إليه نظرةً،
فأدناهُم صحبةً هو أفضلُ من القَرْنِ الذينَ لَمْ يَرَوْه. ولو لَّقُوا اللهَ بجميعِ الأعمالِ
كان هؤلاءِ الذين صَحِبُوا النبيَّ نَّهِ، وَرَأَوْهُ، وَسَمِعُوا منه، وآمَنُواَ به - ولو
ساعةً - أفضلَ بصحَبَتِه من التابعين ولو عَمِلوا كلَّ أعمالِ الخير))(٤).
وبالجُملة: فما قاله المازَرِي مُنتَقَدٌ، بل كلُّ ما عدا المذهبَ الأولَ القائلَ
بالتعمِيم باطلٌ. والأولُ هو الصحيحُ، بلِ الصوابُ المُعْتَبَرُ، وعليه الجمهورُ كما
قال الآمَديُّ وابنُ الحاجِبِ، يعني من السَّلَف والخَلَف، زاد الآمديُّ: وهو
المُخْتَارِ(٥). وحكى ابنُ عبدِ البر في ((الاستيعاب)) (٦) إجماعَ أهلِ الحقِّ من
المسلمين - وهم أهلُ السُنَّةِ والجَمَاعَةِ - عليه، سواءٌ مَنْ لَمْ يلابِسِ الفِتَنَ منهم أو
لَابَسَها، إحساناً للظن بهم، وحَمْلاً لهم في ذلك على الاجتهادِ، فتلك أمورٌ مبناها
عليه، وكلُّ مُجْتَهِد مُصِيبٌ، أَوِ المُصِيبُ واحدٌ والمُخْطِئُ مَعْذُورٌ(٧)، بل مأجُورٌ.
(١) أخرجه محمد بن قدامة المَرْوَزِي في ((كتاب الخوارج)). قاله الحافظُ في ((الإصابة)) (١١/١).
(٢) ((الإصابة)) (١١/١ - ١٢).
(٣) (ص٢١) وهو حديث: (لا تَسُبُّوا أصحابي .. ).
(٤) ((مناقب الإمام أحمدَ)) لابن الجوزي (ص٢١٠)، وزادَ: (ومن انتقص أحداً من أصحاب رسول
الله أو أَبَغَضَه لَّحَدَثٍ كان منه أو ذَكَر مَسَاوِيَه كان مُبْتَدِعاً حتى يَتَرَخَّمَ عليهم جميعاً ويكونَ قلبُه
لهم سليماً) اهـ. ورواه الخطيبُ في ((الكفاية)) (٥١) إلى قوله: (وسَمِعَ مِنْهُ ونَظَر إليه).
(٥) ((الإحكام)) (٩١/٢).
(٦) (٩/١).
(٧) وهذا الثاني هو الصوابُ. انظر الخلافَ في ذلك والأدلةَ في: ((الإحكام)) لابن حزم
(٧٠/٥)، و((روضة الناظر)) (٣٥٩).
مَعْرِفَةُ الصَّحَابَةِ
٤٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
قال ابنُ الأنْبَارِي: ((وليسَ المرادُ بِعَدَالَتِهِمْ ثُبُوتَ العِصْمةِ لَهُم، واستحالةً
المَعْصِيةِ منهم، وإنَّما المرادُ قبولُ رواياتِهم من غيرِ تكلُّفٍ لبحثٍ عن أسباب
العَدَالَةِ، وَطَلَبِ التزكية، إلّا إِنْ ثبتَ ارتكابُ قادِحٍ، ولم يثبتْ ذلك - ولِلَّهِ
الحمدُ -، فَنَحن على استِصْحَابِ ما كانوا عليه فيّ زَمَن رسولِ اللهِ وَّ حتى
يَثْبُتَ خلافُه ولَا الْتفاتَ إلى ما يَذْكره أهلُ السِّيَر، فإنه لا يَصحُّ، وما صحَّ فله
تأويلٌ صحيحٌ)»(١).
وما أحسنَ قولَ عُمَرَ بنِ عبد العزيز ◌َُّ: ((تِلكَ دماءٌ طَهَّرَ اللهُ منها
سُيُوفَنَا فلا نَخْضِبُ بها أَلْسِنَنَا))(٢).
ولا عبرةَ بردِّ بعض الحنفيةِ رواياتِ سيِّدِنا أبي هريرةَ حُْهِ، وتَعْلِيلِهِم بأنَّه
لیس بفقیه.
فقد عَمِلُوا برأيهِ في الغَسْلِ ثلاثاً مِن وُلُوغِ الكَلْب وغيرِهِ(٣). وولَّاه
عُمرُ رِ﴿َّ الولاياتِ الجَسِيمَةَ. وقال ابنُ عباس ﴿مّ له - كما في ((مُسنَد
الشافعي))، وقد سُئل عن مسألة ـ: ((أَفْتِهِ يا أبا هُرَيرة فقد جاءتْك مُعْضِلَة))،
فَأَقْتَى ووافقَه على فُتْيَاه (٤).
وقد حَكى ابنُ النجّار في ((ذَيلِهِ» عن الشيخِ أبي إسحاقَ: أنَّه سَمِعَ
(١) ((البحر المحيط)) (١٨٩/٦) وفيه ((وقال الأبياري)).
(٢) ذكره عنه الزركشي في ((البحر المحيط)) (١٨٧/٦).
(٣) أخرج الطحاويُّ في ((شرح معاني الآثار)) (٢٣/١) عن أبي هريرةَ في الإناءِ يَلَغُ فيه
الكَلَبُ أو الهِرُّ قال: (يُغْسَلُ ثلاثَ مِرَارٍ) ونحوُه عند الدارقطني (٦٦/١). قال
الأحناف: فَبِرِوَايَتِه لهذا ثَبَتَ نَسْخُ رِوَايَتِهِ لَلَغَسْلَات السبع التي كانَ رَوَاها -ٍ وهي في
الصحيحَين -، وإحساناً للظنّ به. فلا يَتْرُكُ ما سمعه منه ◌َّهِ إلَّا إلى مثلِه، وإلَّ سقَطَتْ
عدالَتْه، فلمْ يُقْبَل قولُه ولا رِوَايَتُه. انتهى بتصرفٍ.
والجمهورُ يقولون: العِبْرَةُ بما رَوَى، إذْ لا حجةَ في الموقوفِ مع صِحَّةِ المرفوعِ،
ومخالفةُ الصَّحَابي لِمَا رواهُ تُحمَل على بابِ النسيان ونحوِه.
(٤) أخرجها مالكٌ في ((الطلاق)): باب طلاقِ البِكر (٢/ ٥٧١)، والشافعي في («مسنده)):
(٣٧٥/٢) من طريقِ مالكِ، وسنَدُها صحيح. قاله شُعَيبُ الأرناؤوط في تحقيقِه ((السير))
(٦٠٧/٢). هذا ومكانةُ أبي هريرةَ به من الفِقْه معلومةٌ لَدَى الصحابةِ، قال الذهبيُّ
في («السير» (٦٠٩/٢): (احتجَّ المسلمونُ قديماً وحديثاً بحديثِه لِحفظه وجَلَالَتِهِ وإنْقَانِه
وفِقْهِهِ وناهِيكَ أنَّ مِثْلَ ابن عبّاس يتأذَّبُ معه، ويقولُ: أَفْتِ يا أبا هُرَيرةَ).