النص المفهرس
صفحات 441-460
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٤١ المُسَلْسَلُ والحَكَم بن عُتَيْبةَ عن ابنِ أبي ليلى، وعنه ابنُ أبي ليلى. فالأعلى: عبد الرحمن، والأدنى: محمدُ بن عبد الرحمن المذكورِ. في أمثلةٍ كثيرة. وفائدتُه: رَفْعُ اللَّْس عمَّن يظن أنَّ فيه تكراراً، أو انقلاباً(١). ولذا أفردَه شيخُنا. بل أفردَ: مَن اتفق اسمُه واسمُ أبيه وجدِّه، كالحَسَن بن الحَسَن بنِ الحَسَن بن علي بن أبي طالب. قال: ((وقد يقعُ أكثرُ من ذلك وهو من فروع المُسَلْسَل))(٢). قال: ((وقد يتفقُ الاسم واسمُ الأب مع الاسمِ واسم الأب فصاعداً كأبي اليُمْنِ الكِنْدي هو زَيدُ بنُ الحَسَنِ بنِ زيدِ بنِ الحَسَّنِ بنِ زَيدِ بنِ الحَسن))(٢). قال: ((ويتأكد الاشتباهُ إذا كان كلٌّ من الحفيدِ والجدِّ له روايةٌ كَنَصْرِ بن عليٍّ بن نَصْرِ بن علي بن صُهْبان الجَهْضَمِي شيخ الأئمةِ السنةِ، فجدُّه - أيضاً - ممَّن أخرج له أصحابُ ((السنن الأربعة))، ويقالُ للحفيدِ: الجَهْضَمِيُّ الصغيرُ. وله هو: الجھضمیُّ الکبیرُ. ومنه: عَثَّام بن علي بن عَثَّام بن علي، كما سيأتي في ((المؤتلف))(٣). قال: ((وقد يقعُ - أي الاتفاقُ بين الراوي وشيخِه ـ في الاسم، أو اسمٍ الأب - يعني: وكذا الجدِّ، وجدٌ الأب - كأبي العَلَاءِ الهَمَذَاني العطّار مشهور بالرواية عن أبي عليّ الأصبَهاني الحدَّاد، وكلٌّ منهما اسمُه: الحَسَنُ بنُ أحمدَ بن الحَسَن بن أحمدَ، فاتَّفَقَا في ذلك، وافتَرَفَا في الكُنْية، والنِّسْبَة إلى البَلَد والصِنَاعَةِ))(١). فاجتمع مما أوردتُه عدةُ أنواعٍ لم يذكرْها ابنُ الصلاح، ولا أكثرُ أتباعِه. (١) ((النزهة)) (٧١). (٢) ((النزهة)) (٧٠). (٣) (٢٤٤/٤ - ٢٤٥). الناسخُ والمَنسوخُ من الحديث ٤٤٢ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (الناسخُ والمَنسوخُ) من الحديث(١) ٧٦٨ (والنَّسخُ) لغةً يُطلق على الإزالة، يُقال: نَسَخَتِ الشمسُ الظِلَّ: إذا أزالتْه وخَلَفَتْهُ. وعلى النَّقْلِ والتَحْوِيل، يقال: نسختُ ما في الخَلِيَّة من العَسَل والنَّحْلِ إلى أُخرى. ومنه نَسْخُ الكتاب، والمُنَاسخَاتُ في المواريثِ، وهو انتقالُ المَالِ من وَارِثٍ إلى آخرَ. ولا يتحتَّمُ فيه المَحْوُ والانْعِدَامُ، فليسَ نسخُ الكتاب إعداماً للمنسوخِ منه . وبالنَّظَر في هذا المعنى قسَّمه بعضُ المحقّقين لخمسةِ مَعَانٍ: فنسختِ الشمسُ الظلَّ: أزالته وخَلَفَتْه. والريحُ الأثَرَ: أَذْهَبَتْه. والفريضةُ الفريضةَ: نقلَتْ حكمَها إليها . والليلُ النهارَ: بَيَّن انتهاءَه، وعَقَبَه. ونسختُ الكتابَ: صوَّرتُ مثلَه. قال: وهذا أنسبُ. ثم اختُلِفَ في حقيقته، فقيل: إنه مشتَرٌَ بين الإزالة والتحويل، لأنَّ الأصلَ في الاستعمال الحقيقةُ. وقيل: إنه حقيقةٌ في الأولِ، مَجَازٌ في الثاني. وقيل: بالعكس. قال الأصبهاني - شارعُ ((المُخْتَصَر))(٢): ((والأَخِيرَانِ أَوْلَى من الأولِ، فالمجازُ وإنْ كان على خلافِ الأصلِ خيرٌ من الاشتراك)). (١) وهو النوع الرابع والثلاثون من كتاب ابن الصلاح. (٢) أي ((مختصر ابن الحاجب)). والأصبهاني المذكورُ هو: شمسُ الدين أبو الثَنَاءِ محمودُ بنُ عبدِ الرحمن بنِ أحمدَ، العلّامةُ الشافعيُّ مات سنة ٧٤٩. ((الشذرات)) (٦/ ١٦٥)، و((كشف الظنون)) (١٨٥٥/٢)، واسمُ شَرْحِه: ((بيان المختصر)). طُبع الجزءُ الأولُ منه بجامعة أم القرى. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٤٣ الناسخُ والمَنسوخُ من الحديث على أنَّ العَضُدَ(١) قال: ((إنَّه لا يتعلَّق به غَرَضٌ عِلْمِيٌّ))(٢). واصطلاحاً: هو (رَفْعُ الشارع) بَِّ الحُكْمَ (السابقَ مِن أحكامه) (ب) حُكم من أحكامه (لَاحِقٍ). هكذا عَرَّفه ابنُ الصلاح، وقال: ((إنَّه حَدٌّ وَقَعَ لنا سالمٌّ مِن اعتراضاتٍ وَرَدَتْ على غيرِهِ))(٣). ولذا قال التاجُ السُبْكِيُّ: ((أقربُ الحدودِ: أنَّه ارتفاعُ الحُكْمِ الشرعيِّ بخطابٍ) (٤). والمرادُ بارَتِفاع الحُكْم: قَطْعُ تعلُّقِهِ بالمكلَّفين، إذِ الحُكمُ قِدِيمٌ لا يرتَفِعُ، ألا ترى أنَّ المُكَلَّفَ إذا كانَ مُسْتَجْمِعاً لما لا بُدَّ منه، يقال: تَعَلَّق به الحكمُ. وإذا جُنَّ، يقال: ارتفع عنه الحكمُ. أي تعلُّقُه. ولذا صرَّح شيخُنا(٥) - تبعاً لغيرِه - بالتَقْييد بِهِ. ثم لكونِ الرفعِ لا يكونُ إلَّا بعد الثُّبوتِ خرجَ بيانُ المُجْمَلِ، والاستثناءُ والشرطُ، ونحوُها ممَا هو متصلٌ بالحكم، مُبَيِّنٌ لغايتِهِ، أو مُنفصِلٌ عنه مُخَصِّصٌ لعمومٍ، أو مُقَيِّدٌ لإطلاقٍ، لا سيما مع التَّقْييد بـ((السابقِ)). واحترَزَ بـ((الشارع)) عن قَولِ بعضِ الصحابة: ((خبرُ كذا ناسخٌ)). فإنَّه لا يكون نسخاً كما سيأتيَ مع النزاع فيه، وإنْ كان التكليفُ بالخَبَرِ المُشَارِ إليه إنَّما حَصَلَ بإخبارِهِ لمَنْ لمْ يكنْ بَلَغْه قبلُ. وبـ((الحُكم السابقِ من أحكامه)) عن رَفْع الإباحةِ الأصليَّةِ، فإنَّه لا يُسَمَّى نسخاً، لأنَّ الأَمورَ العقليةَ التي مستَنَدُها البراءةُ الأصليّة لم تُنْسِخْ، وإنما ارتفعتْ بإيجابِ العبادات. وبـ((حُكمٍ مِن أحكامه)) عن الرَّفْعِ بالمَوْت، وكذا بالنَّوم، والغَفْلَة، (١) شارحَ المُخْتَصَرِ المذكورِ أيضاً: عَضُدَ الدين عبد الرحمن بنَ أحمدَ الإيجِي. مات سنة ٧٥٦. ((بُغْية الوُعَاة)) (٢٩٦)، و((الدُرَر الكامنة)) (٣٢٢/٢). (٢) ((شرح مختصر ابن الحاجب)) (١٨٥/٢) وقد قال الآمدي بعد ذِكر الخلاف في ذلك: (ومع هذا كلِّه فالنزاعُ في هذا لفظيٌّ لا مَعْنَوِيّ) ((الإحكام)) (١٠٤/٣). ولزيادة الاطلاع على المعنى اللغوي يُنظر كتبُ اللغة مادة: نسخ. (٣) ((علوم الحديث)) (٢٥٠). (٤) ((جمع الجوامع)) (١٣٢) ضمن (مجموع المتون)، ولزيادة الاطلاع على المعنى الاصطلاحي تُنظر مباحث ((الناسخ والمنسوخ)) من كتب أصول الفقه. (٥) في ((النزهة)) (٣٨). الناسخُ والمَنسوُ من الحديث ٤٤٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث والجُنُون. وإنْ نازعَ فيه بعضُهم بأنَّ النائمَ وما بعدهِ رُفعَ الحكمُ عنهم بحُكم مِنْ أحكامه، وهو قولُه وَّهِ: ((رُفِعَ القَلم))(١)، فقد أُجيبَ عن هذا - كما أفادَه الأصبهانيُّ - بأنَّه لا فرق بين الثلاثة وبينَ الميت في رَفع الحكم عنهم، للعِلم بأنَّ شرطَ التكليفِ التَعَقُّلُ، وقد اشْتَرَكُوا في عَدَمِهِ. والحديثُ فهَ دليلٌ على أنّ الرافعَ هو النومُ وما مَعَه، لا لفظُ الخَبَرِ . وبـ((لا حقٍ)) عن انتهاءِ الحكم بانتهاءِ الوقتِ، كقوله وَله: ((إنّكم لاقوا العدوَّ غداً والفطرُ أَقْوى لكم فأفْطِروا))(٢)، فالصوم - مَثَلاً - بعد ذلك اليوم ليس بنسخ متأخِّر. وإنّما المأمورُ به مؤقّت، وقد انقضى وقتُه بعدَ مضيٍّ اليوم المأمورِ بإفطارِهِ. وَوَرَاءَ هذا أنَّ البُلْقِينِيَّ زاد في الحَدِّ: ((كونَ الحُكم الذي رُفعَ متعلقاً بالمَحكوم عليه، لِيَخرِجَ به تخفيفُ الصلاةِ ليلةَ الإسراء من خمسين إلى خمس(٣)، فإنه لا يُسَمَّى نسخاً لعدم تعلُّقه بالمحكوم عليهم. أي تعلُّقاً تَنْجِيزيًّا لعَدم إبلاغه لهم. فأمَّا في حقّه وَّهِ فمحتَمِل إلَّ أنْ يُلمَحَ أنّه إنّما يتعلّق بعدَ البيان. وهي غيرُ مسألةٍ: ((النَّسْخِ قبلَ وقتِ الفِعْلِ لِوُجُودِ التعلُّق بخلافِ البيان))(٤). (١) أخرجه البخاريُّ تعليقاً في ((الطلاق)): باب الطلاق في الإغلاق والكُرْه (٣٨٨/٩) موقوفاً على عليٍّ، وأخرجه أبو داود في ((الحُدود)): باب في المجنون يسرِقُ أو يصيبُ حَدًّا (٥٥٨/٤ - ٥٦٠) عن عائشةَ وعليّ، والترمذي في ((الحُدُود)»: باب ما جاءَ فيمن لا يجبُ عليه الحَدُّ (٣٢/٤) عن عليّ وقال: (حديثُ عليّ: حديثٌ حسنٌ غريبٌ مِن هذا الوجهِ)، وابن ماجه في ((الطلاق)): بابُ طلاق المَعْتُوه والصغير والنائم (٦٥٨/١) عن عائشةَ وعليٍّ، وأحمدُ (٦/ ١٠٠، ١٠١) عن عائشةَ. وابنُ حِبَّان كما في ((موارد الظمآن)» (٣٥٩ - ٣٦٠) عن عائشةَ وعليّ. وألفاظُهم متقارِبَةٌ، وبعضُ أسانِيدِه وإنْ كانَ فيها مقالٌ، إلّا أنَّ الأمةَ تلقتْ هذا الحديثَ بالقَبُول. وقد قال الحاكمُ بعد أنْ أخرجه (٥٩/٢) من حديث عائشةً: (هذا حديثٌ صحيحٌ على شرط مسلم، ولم يخرجاه) ووافقه الذهبي. (٢) أخرجه مسلم في ((الصيام)): بابُ أَجْرِ المُفْطِر في السَّفَر إذا تولَّى العملَ (٧٨٩/٢) من حديثٍ أبي سَعيدٍ بلفظ: (إنَّكُم مُصَبِّحُوا عدوَّكم ... ). (٣) أخرجه البخاريّ في ((الصلاة)) - الباب الأول - (٤٥٨/١) عن أبي ذرٍّ، ومسلمٌ في ((الإيمان)): باب الإسراء برسولِ الله ◌ََّ (١ /١٤٥) عن أنسٍ وغيرِه. (٤) ((محاسن الاصطلاح)) (٤٠٥). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٤٥ الناسخُ والمَنسوخُ من الحديث ولكنْ قيل: إنّ هذا القيدَ قبلَ ما حملتَه عليه مُسْتَغْنَى عنه بقولِهِ : ((الحُكم))، إذ الحُكمُ الشرعيُّ لا بدَّ وأنْ يكون مُتعلِّقاً بفعلِ المُكلَّف تَعَلَّقاً مَعْنَوِياً قبلَ وُجُودِهِ تَنْجِيزِيًّا بعدَهِ حَسْبَمَا أُخِذَ في حَدِّ الحُكْم، حَيْث قيلَ فيه: ((خطابُ اللهِ المتعلّقُ بأفعالِ المُكَلَّفِين من حيثُ التكليفُ بالاقتضاءِ، أو التَخْبِيرِ))، فحیئنذٍ لفظُ: ((الحُكم)) يُغْنِي عنه. ثم(١) إنّ كونَه رفعاً هو الصحيحُ، وإلَّ فقدْ قيلَ: ((إنّه بيانٌ لانتهاءِ أَمَدٍ الحُكْم، والناسخُ: ما دلَّ على الرَّفْع المذكورِ. وتسميتُه ناسخاً مجازٌ، لأنّ الناسخَ - في الحقيقةِ - هو اللهُ. وقد قال ابنُ كثير في هذا النوع: ((إنَّه ليس من خصائصٍ هذا العلم، بل هو بأصولِ الفِقْهِ أَشْبَهُ))(٢). ١ ونحوُه قولُ ابنِ الأَثِير: ((معرفةُ المتواتِرِ، والآحادِ، والناسخ والمنسوخِ، وإن تعلَّقتْ بعلم الحديثِ، فإنّ المحدثَ لا يفتَقِر إليها(٣)، بل هي من وظيفةٍ الفقيه. لأنه يستنبطُ الأحكامَ من الأحاديث، فيحتاجُ إلى معرفةِ ذلك، وأمّا المحدثُ فوظيفتُه أنْ يَنقلَ ويَرويَ ما سمعه من الأحاديث [كما سَمِعه] (٤)، فإنْ تصدَّى لما وراءه(٥) فزيادةٌ في الفَضْل، وكَمالٌ في الاختيار))، انتهى (٦). (وهو) أي هذا النوعُ على كل حالٍ (قَمِنٌ) - بكسر الميم على إحدى اللُّغَتَين - أي حقيقٌ (أنْ يُعْتَتَى به) لأنَّه علمٌ جَلِيلٌ، ذُو غَوْرٍ وغُمُوضٍ دارتْ فيه ٧٦٩ الرؤوسُ، وتاهتْ في الكَشف عن مكمونِه النفوسُ، بحيثُ استعظَمَه الزهريُّ - أَحَدُ مَنِ انتهى إليه عِلمُ الصحابة، ومن كان عليه مَدَارُ حديثِ الحِجاز، وإليه (١) جاء في (س) قبل هذا: (على أنَّ في تعريفِ شيخِنا السابقِ ما يُخرِجُه، واختار التاجُ السُبْكي في تعريفِه: أنه رَفْعُ الحُكم الشرعيّ بخطابٍ، وقال: إنَّه أقربُ الحدودِ. وبالجُملة فكونُه رفعاً هو الصحيحُ .... )، وقد ضَرَبَ على هذا الكلام في (م)، ولم يُذْكَرْ في (ح)، ولا (الأزهرية). وقد مَضَى تعريفُ التاجِ السُّبْكي، والإشَارُ إلى تعريفِ ابن حجر . (٢) ((اختصار علوم الحديث)) (١٦٤) بلفظ: (ليس من خصائص هذا الكتاب ... ). (٣) في (س): إليهما. من الناسخ. (٤) ما بين المعكوفين ساقط من (س) و(م). (٥) في (س) و(م): رواه. من الناسخ. (٦) من ((جامع الأصول)) (٣٨/١). ۔ الناسخُ والمَنسوخُ من الحديث ٤٤٦ فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث المَرْجعُ فيه، وعليه المُعَوّلُ في الفُتْيا - وقال: ((إنّه أَغْيِى الفُقَهاءَ، وأَعجزَهم أنْ يعرفوا ناسخَ حديثٍ رسولِ اللهِ وَ ◌ّهِ مِن مَنْسُوخه))(١). (وكان) إمامُنا (الشافعيُّ) كَّتُ (ذَا) أي صاحبَ (عِلْمِهِ) له فيه اليدُ الظُولَى، والسابقةُ الأُولى، فخاض تيّارَه، وكشف أسرارَه، واستنبطَ مَعِينَه، واستخرج دَفِينَه، واستفتحَ بابَه، ورتَب أبوابَه. ولذا نَسَبَ الإمامُ أحمدُ ابنَ وَارَةَ - حيثُ قدِمَ ((مصرَ)) ولم يكتبْ كتبَه - إلى التَفْرِيطِ، وقال: ((ما عَرَفْنا المُجْمَلَ من المُفَسَّر، ولا ناسخَ حديثٍ رسول الله (َ﴿ من مَنْسوخه حتى جالَسْنَاهُ))(٢). ومع ذلك فلم نَرَ له فيه تَصْنِيفاً مُسْتَقِلًا، إنّما يُوجد في غُضُونِ الأَبْواب من كُتُبِهِ مُفَرَّقاً، وكذا في (الرِّسالة)) له منه أحاديثُ(٣). وتكلَّم فيه (٤) رسولُ اللهِ وَّهِ. ثم كان متداولاً بين الصحابة والتابعين، متفرِّقاً في كتب شروح السنة إلى أنْ جَرَّدَ له غيرُ واحدٍ من الأئمة مصنفاتٍ، كأبي داودَ صاحبٍ ((الَسُنَن)»، وأبي حَفصِ ابنِ شَاهِين، وكابنِ الجَوْزي في مصنَّفَين: أحدهما في الردّ على جماعةٍ من العُلماء دَعْوى النَّسخِ في كثيرٍ من الأحاديث(٥) . ثانيهما: في تجريد الأحاديثِ المنسوخة. وهو مختَصَرٌ جدًّا (٦). (١) أخرجه الحازِميُّ في ((الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار)) (٤)، وذكره ابنُ الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢٤٩). (٢) أخرجه الحازمي في (المصدر السابق - ٥)، وذكره ابن الصلاح في (المصدر السابق). (٣) انظر - مثلاً - (ص١٠٦ - ١٤٦) من (الرسالة) له. (٤) في حاشية (س): (أي الناسخ والمنسوخ). (٥) واسمه: (إعلام العالِم بعد رُسُوخِهِ بحقائقِ ناسخ الحديثِ ومنسوخِه). ((هدية العارفين)) (١/ ٥٢١). (٦) واسمُه: ((إخبار أهل الرُّسُوخ في الناسخ والمنسوخ))، وقد طُبِعَ باسم «إخبار أهلِ الرسوخ في الفقه والتحديث بمقدار المنسوخ من الحديث))، علماً بأنَّ له كتابَين فيَ ناسخ القرآن ومنسوخِه، اسمُ أكبرهما: (عُمدة الراسخ في المنسوخ والناسخ)، ثم اختصره في ((المُصَفَّى بأكفّ أهلِ الرسوخ من علم الناسخ والمنسوخ)، وقد طبع هذا المختصر بتحقيق د. حاتم صالح الضامن فانظره. و((هدية العارفين)) (٥٢٢/١). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٤٧ الناسخُ والمَنسوخُ من الحديث وكالحازِمي في مصنَّفٍ حافِلٍ (١) - وقد قرأتُه مع ثاني تصنيفَي ابنِ الجوزي بعلوِّ -، وكالبُرْهان الجَعْبَرِي(٢). وهو فرضُ كفاية، لتوقّفِ بعض الأحكام عليه، وقد مَرَّ عليُّ بنُ أبي طالب رَظُْه - فيما رواه أبو عبد الرحمن السُّلَمِي ـ بقَاصِّ فقال: ((أتعرفُ الناسخَ من المنسوخ؟ قال: لا، قال: هَلَكتَ، وأَهْلكتَ))(٣). ونحوُه عن عُمرَ، وابنِ عباس (٤). وقال الزهري: ((من لم يعلمْ ذلك خَلَّطَ)). وقد توهّم بعضُ من لمْ يَحْظَ من معرفةِ الآثار إلَّا بآثار، ولم يُحَصِّل من طَرَائق الأخبار إلَّ بالإخبار، أنَّ الخَطْبَ فيه جَلَلٌ (٥) يَسِير، والمحصولَ منه قليلٌ غيرُ كثير، فعانَاه مع عَدَم تقدُّمِهِ في صناعتِهِ وضبطِه، فأدخلَ فيه ما ليس منه لِخَفَاءِ معنى النسخِ وشرطِه . (ثم بنصِّ الشارع) وَ﴿ على إبطالِ أَحَدِ الدَّلِيلَين المتعارِضَين، وتصريحِه بذلك كقوله: هذا ناسخٌ. أو ما في معناهُ كقوله: «كنتُ نهيتكم عن زيارة القبور فَزُورُوها، فإنّها تُذَكِّرُ الآخرة))(٦)، وكَرَجْم مَاعِزِ دون جَلْدِهِ بعدَ قوله: ((الثَيِّبُ بالثّيِّبِ جَلْدُ مائةٍ وَرَجْمٌ بالحِجَارِ)) (٧)، كماَ ذكره ابنُ السمعاني وغيرُه(٨). (١) وهو: ((الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار))، قال ابنُ العماد الحنبلي في («الشذرات)) (٢٨٢/٤): (لم يصنَّف في فنِّه مثلُه). (٢) اسمه: إبراهيمُ بنُ عُمرَ، الخليليُّ الشافعيُّ، الإمامُ العلّامة برهانُ الدين مات سنة ٧٣٢. ((ذيل العبر)) (٩٤/٤)، و((الشذرات)) (٩٧/٦) واسم كتابه «رسوخُ الأحْبَار في منسوخ الأخبار)). وقد حُقق رسالة دكتوراه في الجامعة الإسلامية بإشراف د. محمود الميرة. (٣) أخرجه الحازمي في ((الاعتبار)) (٦). (٤) أخرجه الحازمي في ((الاعتبار)) (٧). (٥) كذا. وهو من ألفاظ الأضداد يُستعمل للكبير العظيم والصغير الحقير. (القاموس - جلل). (٦) أخرجه مسلم في ((الجنائز)): باب استئذان الرسول وَ ﴿ رَبَّه في زيارة قبرِ أُمِّه (٢/ ٦٧٢) من حديثٍ بُرَيدةَ بن الحُصَيب، دونَ قولِه: (كنتُ) وقولِه: (فإنّها .... ) إلخ. (٧) أخرجه مسلم في ((الحدود)»: باب حد الزنا (١٣١٦/٣) من حديث عُبَادةَ بنِ الصامت. (٨) ((قواطع الأدلة)) (١٤٦/أ) قال الحازمي في ((الاعتبار)) (٣٠٣): (وقد روى حديثَ ماعِزِ نَفَرٌ من أَحْدَاثِ الصحابة، نحوُ: سَهِل بنِ سَعد، وابنِ عباس، وغيرِهما، ورواه أيضاً نَفَرٌ تأخّرَ إسلامُهم. وحديثُ عُبَادَةَ كان في أولِ الأمَرَ، وبينَ الزَّمَانَّين مُدَّةٌ)، انتهى . = ٧٧٠ الناسخُ والمَنسوخُ من الحديث ٤٤٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث (أو) بِنَصِ (صاحبٍ) من أصحابه عليه صريحاً . (أو) بغيرِهما، وذلك كأنْ (عُرِفَ التاريخُ) للخبرَين المتعذِّرِ الجمعُ بينَهما، وتأخرَ أحدُهما عن الآخَرِ إمّا مِن صحابيٍّ - كقولِ جابر ◌َُّه: ((كان آخرَ الأمرَين من رسول الله وَّ﴿ تركُ الوُضُوءِ ممَّا مَسَّتِ النارُ))، أو أنَّ أحدَهما بـ(مكةَ)) والآخرَ بـ((المدينةِ)) -، أو مِن غيرِهِ، وأمثلتُه كثيرةٌ. (أو أُجْمِع تَرْكاً) أي على تَرْكِ العمل بمضمونِ حديثٍ (بَانَ) أي ظَهَرَ بكلِّ واحدٍ من هذه الأربعةِ التي هي: نصُّ الشارعِ، أو الصحابيِّ، أو العِلمُ بالتاريخِ، أو الإجماعُ (نَسْخٌ) للحُكْمِ الآخَرِ . وأَصْرَحُها: أوَّلُها . وأما ثالثها: فمحلُّه في غيرِ المُتَوَاتِرَين. أمَّا إذا قال في أَحَدِ المُتَوَاتِرَين: إِنَّه كان متقدِّماً على الآخَرِ ففيه خلافٌ للأصوليين(١). والأكثرون على عَدَم قبولِهِ. وبه جزم بعضُهم، لأنّه يتضمنُ نَسْخَ المتواترِ بالآحاد، وهو غيرُ واقعٍ. وحجةُ الطَّرَفِ الآخَر: أنّ النسخَ إنما هو بالمتواتر، وخبرُ الواحد مُعَيِّنٌ للناسخ، لا ناسخٌ، لأنه عُلِمَ أنَّ أحدَهما ناسخٌ والآخَرَ منسوخٌ بدونه. وكذا محلٌّ ثانيها فيما إذا كان مستَنَدُه النَّقْلَ، أو قال: القَولُ بكذا منسوخٌ، أو هذا هو الناسخُ. وكذا إنْ قال: ((هذا ناسخٌ، وذَكَر دليلَه، فإنْ لم يذكرْه واقتصَرَ على قوله: هذا ناسخٌ، أو هذا نَسْخٌ لهذا، لم يُرْجَعْ إليه عند غیرِ واحدٍ من الأُصُوليينَ (٢)، والفقهاءِ، لاحتمال أنّه قاله عن اجتهادٍ نَشَأَ عن ظنِّ ما ليس بنسخ نَسْخاً، لا سيَّما وقد اختلفَ العلماءُ في أسبابِ النَسْخِ. وهذا بناءً على أنَّ قَوَّله رَُّبه ليس بحجة. وانظر: بعضَ أحاديثِ رَجْم ماعِزِ في البخاري في ((المُحَاربين)): باب الرَّجْمِ بالمُصَلَّى، = ومسلم في ((الحدودِ)): بابَ من اعترف على نَفْسِهِ بالزنا. (١) يُنظَر مَبحثُ نسخ المتواتر بالآحاد في ((الإحكام)) للآمدي (١٤٦/٣) وما بعدها . (٢) (المصدر السابقَ) (١٨١/٣). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٤٩ الناسخُ والمَنسوخُ من الحديث ولكنْ قد أطلق ابنُ الصلاح(١) - تبعاً لأهل الحديث - القولَ بمعرفةٍ النَّسْخ بقولِ الصحابي. بل وأطلَقه الشافعيُّ أيضاً حيث ذَكَر الأدلةَ الأربعةَ فقال - فيا رواه البيهقيُّ في ((المدخل)) من طريقِه -: ((ولا يُستدلُّ على الناسخ والمنسوخِ إلَّ بخبرٍ عن رسول الله وَ﴿ه، أو بوقتٍ يدلُّ على أنّ أحدَهما بعد الآخَرِ، أَوَ بقَولِ مَن سَمِع الحديثَ - يعني من الصحابة، أو العامّةِ - يعني ـ (٢) الإجماعَ(٢) ۔)). وهو - كما قال المصنفُ -: ((أَوْضحُ، وأَشهر، إذِ النسخُ لا يُصارُ إليه بالاجتهاد والرأي، وإنّما يُصار إليه عند معرفةِ التاريخ. والصحابةُ أَوْرَعُ مِنْ أَنْ يَحْكَمَ أحدُهم على حُكُم شرعيٍّ بنسخِ مِنْ غيرِ أنْ يعرفَ تأخّرَ الناسخِ عنه))(٣). ثم إنه ليس من أمثلةِ ثالثها ماَ يَرويه الصحابيُّ المتأخرُ الإسلام معارِضاً المتقدِّم عنه، بناءً على الظاهِر، لتَجْوِيزِ سَمَاعِ المُتَقدِّم بعدَ المتأخّر، - قال شيخُناً -: - ((ولاحْتِمَالِ أنْ يكونَ سَمِعَه من صَحابيٍّ أَخَرَ أَقْدَمَ من المتقدِّمِ المذكورِ - أو مثلِه - فأرْسلَه. لكنْ إنْ وَقَعَ التصريحُ بسماعِهِ له من النبيِ بَّهَ فِيتَّجِهُ أنْ يكونَ ناسخاً، بشرطِ أنْ يكونَ(٤) لمْ يَتَحَمَّلْ عن النبيِِّ شيئاً قَبْلَ إسلامه))(٥). وفيه نظر للتجويز السابق قريباً . وحينئذٍ فَطَرَقَ كَوْنَ حَدِيثِ شَدَّادِ المَرْفُوعِ: ((أَفْطَرَ الحاجِمُ والمَحْجُومُ)) (٦) (١) ((علوم الحديث)) (٢٥٠). (٢) لم أعثرْ عليه في المطبوع من ((المدخل)) للبيهقي، ولعلَّه في الجزء الأوَّلِ المتضمن لمصطلح الحديث، والذي أشار مُحَقِّقُهُ (ص ٧٥) أنَّه مفقودٌ، وقد عزاه للبيهقيِّ أيضاً الحافظُ العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٩٢/٢). (٣) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٩٢/٢). (٤) أي المتأخر. كما في ((النزهة)) (٣٨). (٥) ((النزهة)) (٣٨). (٦) أخرجَ حديثَ شدّادٍ أبو داود في ((الصوم)): باب في الصائم يَحْتَجِم (٧٧٢/٢)، وابنُ ماجه في ((الصيام)): باب ما جاء في الحِجَامة للصائم (٥٣٧/١)، والدارميُّ (١٤/٢)، وابنُ حِبَّان ((موارد الظمآن)) (٢٢٦)، والحاكمُ (٤٢٨/١)، وقال - نقلاً عن إسحاقَ بنِ رَاهُويه -: (هذا إسنادٌ صحيحٌ تقومُ به الحُجّة، وهذا الحديثُ قد صحَّ بأَسانِيدَ). وقدَ جاء هذا الحديثُ عن جَمْعٍ من الصحابة، وللتوسّع في الكلام عليه انظر: (صحيحَ ابنِ = الناسخُ والمَنسوُ من الحديث ٤٥٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث منسوخاً بحديثِ ابنِ عباس: ((أنّه ﴿ احْتَجَم وهو صائمٌ مُحْرِمٌ»(١) - لِگوْن ابنِ عباسٍ إنّما صَحِبَهُ مُحْرِماً في ((حَجّة الوَدَاعِ)) سنةَ عَشْرٍ، وشَدّادٍ قَيَّد حديثَه في بعض طُرُقِهِ إِمَّا بِزَمن ((الفتح)) كما في روايةٍ: ((وكان سنةَ ثَمَان)(٢)، وإمّا بـ((رمضانَ)) كما في أُخْرَى (٣)، وأيًّا ما كانَ فَهُو قَبلَ حَجّةِ الوَدَاعِ. أمَّا الأولُ فَوَاضحٌ. وأما الثاني فَحَجَّةُ الوَدَاعِ لم يكنْ بعدَها في حياةٍ النبيّ وَّ رَمَضَانٌ(٤) - احْتِمَالُ(٥) أنْ يكونَ ابنُ عباس تحمَّلَه عن غيرِه من الصحابة . على أنّ الشافعيَّ كَّتُهُ قال: ((وإسنادُ الحديثَين جميعاً مُشْتَبِهٌ)). قال: ((وحديثُ ابنِ عباس أَمْثَلُهُمَا إسناداً)(٦) . (و) أمَّا رابِعها فليس على إطلاقِهِ في كَون الإجماع ناسخاً. بلِ العلماءُ من المُحَدِّثين، والأصوليين (٧) إنّما (رَأَوْا دلالةَ الإِجْماعِ) على وُجود ناسخِ غيرِهِ، بمعنى أنّ بالإجماع يُسْتَدل على وجود خبرٍ معه يقعُ به ٧٧١ = خُزَيمة (٢٢٦/٣) فقد أخرجه من عدة روايات، كما تكلم عليه الحافظ في ((الفتح)) (٤ / ١٧٥). (١) أخرجه البخاري في ((الصوم)): باب الحجامةِ والقَيْءِ للصائم (١٧٤/٤) عن ابن عباسٍ بلفظِ: (احتجم وهو مُحْرِمٌ، واحتجَم وهو صائمٌ). وفي ((الطب)) جَعَلَّهُما حَدِيثَين. وقد علَّق ابنُ خُزَيمةَ على هذا الحديثِ في ((صحيحه)) (٢٢٧/٣) ووافقه عليه الحاكم (٤٢٩/١). والذهبيُّ بما مُلَخَّصُه: (ثَبَتَتِ الأخبارُ أنّه عَلَّا قال: ((أفطَر الحاجمُ والمحجُومُ))، وخَبَرُ ((أنه احتَجَمَ وهو صائمٌ)) غيرُ دالٌّ على أنَّ الحجامةَ لا تُفَطر، لأنّه عََّ إنّما احتَجَمَ وهو صائمٌ مُحْرٌ في سَفَر لا حَضَر، فإذا كان للمسافرِ أنْ يأكلَ ويشربَ، فَلَه أن يحتجِمَ ويُفْطِرَ)، انتهى من كلام الذهبي في ((تلخيصه)) للمستدرك (١/ ٤٢٨). (٢) أخرجها الشافعي في (اختلاف الحديث)) (١٤٣). (٣) أخرجها أبو داود، وابنُ ماجه، ومن ذُكِرَ معهُما في تخريج حديثٍ شَدّادِ الآنف. (٤) يعني لأنَّ وفاتَه ◌َّر في شهرِ ربيع الأول سنةَ إحدى عَشْرَةً، ولم يأتِ عليه رمضانٌ بعدَ حَجَّته. (٥) هذا هو فاعلُ قَوْلِهِ السابقِ: (فَطَرَقَ كَوْنَ). أي فَطَرَقَ كَوْنَ حَدِيثٍ شَدَّادٍ ... احْتِمَالُ. (٦) ((اختلاف الحديث)) (١٤٤)، ونقلَه عنه الحازميُّ في ((الاعتبار)) (٢١٦). (٧) ((الإحكام)) للآمدي (١٦١/٣). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٥١ الناسخُ والمنسوخُ من الحدیث النسخُ، وعليه يُنَزّل نَصُّ الشافعي والأصحابِ، وسائرِ المُطْلِقِين (لا) أنّهم رَأَوْا (النَّسخَ بِهِ)، لأنه لا يَنسخ بمُجرَّدِه؛ إذْ لا ينعَقِد إلا بعدَ الرسول [وَلَو](١). وبعدَه ارتفعَ النَّسخُ - وكذا لا يُنْسَخُ. ولذلك أمثلةٌ كثيرةٌ كـ ((نَسِخِ رَمَضَانَ صَوْمَ عاشُورَاءَ))(٢)، و((الزَّكاةِ سائرَ الحُقُوقِ في المال))(٣)، و(ك) حديثٍ مُعاويةَ، وجابرٍ، وجَريرٍ، وشُرَحْبِيلِ بنِ أَوْسٍ، والشَّرِيدِ بنِ سُوَيْدِ الثَّقَفِي (٤)، وعَبدِ الله بنِ عُمرَ، وعبدِ الله بنِ عَمرٍو، وغُطَيفٍ، وأبي الرَّمْدَاءِ، وأبي سعيدٍ، وأبي هُريرة، وغيرِهم من الصحابة مرفوعاً في (القَتْلِ) لشاربِ الخمرِ (في) مَرَّةٍ (رابعةٍ)(٥) صَدَرتْ منه بعد شُربه (١) ما بين المعكوفين من («الأزهرية)). (٢) أي فَرْضِيَّتَه أخرجه البخاريُّ في ((الحَجّ)): بابُ قولِ الله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ اُلْحَرَامَ ... ﴾ (٤٥٤/٣)، ومُسلِمٌ في ((الصيام)): بابُ صوم يوم عاشورَاءَ (٧٩٢/٢). (٣) مُستَدلِّين بما جاءَ في حديثٍ طلحةَ بنِ عُبَيَدِ الله في الرجَلِ الَّذي سألَ النبيَّ وَّ عن أركانِ الإسلام وفيه: (وذَكَرَ له رسولُ الله ◌ِ وَ طِّ الزكاةَ. قال: هل عَلَيَّ غيرُها؟ قال: لا، إلّا أنْ تَطَّوَّعَ). البخاريُّ في ((الإيمان)): باب الزكاة من الإسلام (١٠٦/١) ومسلمٌ في ((الإيمان): باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام (٤٠/١). (٤) في النُّسَخ: الشَرِيد بن أَوْس الثَّقَفِي، وقد أَخَذَه السخاوي عن ابنِ حَجَر في ((الفتح)) (٧٩/١٢) الذي أخذه عن شيخه العراقي في التقييد والإيضاح (٢٨١) حين ذكره وعزاه للطبراني وهو خطأ. فليسٍ فيه ولا في ((الاستيعابٍ)) و((أَسَدِ الغَابة)) و((الإصابةِ)) أَحَدٌ بهذا الاسم وإنَّما فيها ((الشَّرِيدُ بنُ سُوَيد))، وكذا هو في المصادر التي رَوَتِ الحديثَ الآتيَ في قَتلِ شارِبِ الخمر في المرَّةِ الرابعة. والله أعلم. (٥) أمَّا حديثُ معاويةَ، فأخرجه أبو داود في ((الحدود)): باب إذا تَتَابع في شُرب الخمر (٤/ ٦٢٣)، والترمذي في ((الحدود)): باب مَنْ شَرَب الخمرَ فاجلِدوه (٤٨/٤)، وابن ماجه في ((الحدود)): باب مَن شَرِبَ الخمرَ مراراً (٨٥٩/٢)، والحاكمُ في ((المستدرك)) (٤ / ٣٧٥) وابنُ حبّان ((الموارد)) (٣٦٤)، وغيرهم. وأما حديثُ جابرٍ، فأخرجه النسائيُّ في ((الكبرى)) كما في ((تحفة الأشراف)) (٣٧٣/٢)، والبزار ((كشف الأستار)) (٢٢١/٢). وأما حديثُ جريرٍ، فأخرجَه الحاكمُ في ((المستدرك)) (٣٧١/٤). وأما حديثُ شُرَحْبِيلَ بنِ أوسٍ، فأخرجه أحمدُ (٢٣٤/٤)، والحاكمُ (٣٧٢/٤). وحديثُ الشريدِ بنِ سُوَيَدِ الثَّقفيّ أخرجه أحمدُ (٣٨٩/٤) والدارميُّ (١٧٥/٢)، والحاكمُ (٣٧٢/٤)، والطبراني في ((الكبير)) (٣١٧/٣). = الناسخُ والمنسوخُ من الحدیث ٤٥٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ثلاث مِرَارٍ قَبْلَها، أو في مرَّةٍ خامسةٍ كما في بعضِ الرواياتِ(١) (بـ) سَبب (شُرِهِ) حيث حكى الترمذيُّ في آخِرِ ((جامعه))(٢) الإجماعَ على تَرْكِ العَمَلِ به. ونحوُه قولُ المَاوَرْدِي: ((قَتلُ الشارب في الخامسةِ انعقدَ الإجماعُ من الصحابة على خِلَافِهِ)). ولا يُخدَشُ الإجماعُ بما رواه أحمدُ، والحارثُ بنُ أبي أُسامةَ في ((مسندَيهما)) من طريق الحَسَنِ البَصري عن عبدِ الله بن عَمْرِو أنَّه قال: («ائتُوني برجلٍ أُقِيمَ عليه الحَدُّ - يعني ثلاثاً - ثم سَكِرَ فإنْ لمْ أقتُلْه فَأَنَا ٣٢) كَذَّاب))(٣) . ولا بما أَخْرجه سعيدُ بن منصور - مما هو أَشَدُّ من هذا - عن ابنِ عَمْرٍو وأما حديثُ ابن عُمرَ فأخرجَه أبو داودَ، والنَّسائي في ((الأشربة)): باب ذِكْر الرواياتِ = المُغَلّظَاتِ في شُرْب الخمر (٣١٣/٨)، والحاكمُ (٤٧١/٤). وأما حديثُ ابنِ عَمٍو بن العاص فأخرجه أحمدُ (١٦٦/٢)، والحاكمُ (٣٧٢/٤). وأما حديثُ غُطَيفٍ (بالمعجمة ثم مهملة - وقيل ضاد معجمة - وآخره فاء، مصغر) فأخرجه البزارُ (كشف الأستار)) (٢٢١/٢) وليس فيه (ثم إنْ عادَ فاقتُلُوه). ولكنْ عزاها له الهيثميُّ في ((المجمع)) (٢٧٨/٦). وأما حديثُ أبي الرَّمْداء فأخرجه الدولابي في ((الكنى)) (٣٠/١). وأبو الرَّمْداء - بالميم بعد الراء وبعدها مهملة. وذكر الحافظُ في ((الإصابة)) (٦٤٨/٣) أنّ عبد الغني بنَ سعيد قال: هو تصحيف وإنَّما هو بالموحدة بعد الراء وبعدها معجمة اهـ. وما عزاه الحافظ لعبد الغني هو بمعناه في كتابه ((المؤتلف والمختلف)) (٦٤) معزواً إلى أبي سعيد بن يونس. واسمُه: يَاسِرُ البَلَوِيّ، مولاهم. وأما حديثُ أبي سعيد الخدري فأخرجه ابنُ حبان ((موارد الظمآن)) (٣٦٤). وأما حديثُ أبي هريرةَ فأخرجه أبو داود، والنسائي، وابنُ ماجه، وابن حبان، والحاكم في مصادرهم السابقة. (١) كما عند أبي داودَ مِنْ حديثِ ابن عُمَر، وأبي غُطَيف (غطيف). (٢) (٧٣٦/٥) حيث قال: (جَميعُ ما في هذا الكتاب - يعني ((جَامِعَهُ)) - من الحديث فهو معمولٌ به، وقد أَخَذَ به بعضُ أهل العلم ما خَلَا حَدِيثَين ... )، وذكر منهما الحديثَ الذي معنا . (٣) أحمد (١٩١/٢) ولفظُه: (ائتوني برجلٍ قد شَربَ الخمرَ في الرابعة فَلَكُمْ عليَّ أنْ أَقْتُلَهُ). ونحوه (٢١١/٢). واللفظُ المذكّورُ مِقارِبٌ لِلَفِظِ رِوايةِ الحارث بن أبي أسامةَ التي أخرجَها مِنْ طَرِيقه ابنُ حَزْم في ((المُحَلَّى)) (٤١٩/١٣). وللشيخ أحمد شاكر في تعليقه على المسند (٩/ ٤٠ - ٧٠) بحث مستفيض في قتل شارب الخمر في الخامسة وأنه ليس بمنسوخ، وقد انتصر فيه لابن حزم. فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث ٤٥٣ الناسخُ والمَنسوخُ من الحديث أيضاً أنه قال: ((لو رأيتُ أحداً يَشربُ الخمرَ، واستطعتُ أنْ أَقْتُلَه لَقَتَلْتُه))(١). ولا بحكايةِ القَتْلِ في الرابعةِ أيضاً عن عثمانَ ﴿ته، وعن عُمَرَ بنِ عبد العزيز، والحَسنِ البصري(٢)، فضلاً عن كَوْنِ أهلِ الظاهر - منهم ابنُ حَزم(٣) - قالوا به؛ لانقطاع أوَّلها (٤) فإنّ الحسنَ لمْ يسمعْ من ابنِ عَمْروٍ كما جَزَمَ به ابنُ المَدِيني(٥) وغَيْرُهُ (٦)، وَلِلينِ سَنَدٍ ثانِيها(٧)، بحيثُ لاَ يكونُ فيهِما حُجَّة. كما أنّه لا حُجَّةَ فيما عَدَاهُما لعَدَمِ ثُبُوتِهِ. وأمَّا خلافُ الظاهِرِيَّةِ فلا يَقْدَحُ في الإجماع. وحينئذٍ فَلَمْ يبقَ لمَن رَدَّ الإجماعَ على تَرْكِ القَتْلِ مُتَمَسٌَّ، حتى وَلَوْ ثبتَ عن ابنِ عَمْرٍو، أو غيرِهِ من الصحابة فمَنْ بعدَهم لكان العذرُ عنه: أنّه لم يبلُغْه النسخُ. وعُدَّ ذلك من نُدْرَةِ الخلاف. ولؤُجُودِ الخِلاف في الجُملة حكى ابنُ المُنْذِرِ إجماعَ عَوَامِ أهلِ العِلم في تَرْكِ القتلِ في الرابعة، واستَثْنَى شاذًّا موصوفاً بأنَّه لا يُعَد (٨). بل وقوعُ الخلافِ قديماً لا يمنع حُصُولَ الإجماع بعد ذلك كما سَلَفَ في ((كتابةِ الحديث))(٩)، وهي طريقةٌ مشهورةٌ كما قال البُلْقِيَنَي(١٠). ويؤيِّدُه قولُ شيخِنا في ((فتح الباري)) - عَقِبَ حكاية قولِ الترمذي -: ((وهو محمولٌ على مَنْ بَعْدُ لنَقْلِ غيرِهِ القولَ به))(١١)، وأشار لما تقدَّم. (١) ذَكَرَها الحافظ في ((الفتح)) (٨٠/١٢). (٢) ذَكَرَهُ عن الحسن أيضاً العراقيُّ في ((التقييد والإيضاح)) (٢٨١). (٣) ((المحلى)) (٤١٨/١٣) وما بعدها. (٤) يعني في روايةِ أحمدَ والحارِثِ الماضيةِ. (٥) ((العِلَل له)) (٥٥). (٦) ((الجرح والتعديل)) (٤١/٣). (٧) قاله الحافظُ في ((الفتح)) (١٢/ ٨٠). وهي روايةُ سعيدِ بنِ منصور. (٨) قال الحافظ في ((الفتح)) (١٢/ ٨٠): (وكأنه أشار إلى بعض أهلِ الظاهر، فقد نُقِل عن بعضِهم، واستمر عليه ابنُ حزم منهم ... ). (٩) (ص٩). (١١) ((فتح الباري)) (١٢/ ٧٣). (١٠) ((المحاسن)) (٤٠٨). الناسخُ والمَنسوخُ من الحديث ٤٥٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث وممن حكى الإجماعَ أيضاً النوويُّ وقال: ((القولُ بالقتل قولٌ باطلٌ(١) مخالِفٌ لإجماع الصحابةِ فمن بعدهم، والحديثُ الواردُ فيه منسوخٌ إمَّا بحديثٍ: ((لا يَحِلُّ دمُ امرئٍ مسلم إلَّا بإحدى ثلاثٍ))(٢)، وإمَّا بأنّ الإجماعَ دلَّ على نَسْخِهِ))، انتهى(٣) . هذا كلُّه مَعَ وُرُودِ ناسخ من حديثَي جابرٍ، وقَبِيصةَ بنِ ذُؤَيبٍ(٤)، بحَيثُ عَمِلَ بمضمونه عُمرُ بنُ الخطّاب، وسعدُ بنُ أبي وقّاص(٥). ولكنْ ليس هذا محلَّ الإطالةِ بها . قال البُلْقِينيُّ: ((وَمِنْ مُثُلِ معرفةِ النَّسْخِ بالإجماعِ: الحديثُ الذي رواه أبو داود في ((سُنَنِهِ)) من حديث أمِّ سَلَمةَ: ((أنّ رسولَ اللهِوَّ قال لوَهْبٍ بن زَمْعَةَ ورجلٍ آخَرَ: إنّ هذا يومٌ رُخِّصَ لكم إذا أنتم رَمَيْتُم الجَمْرَةَ أن تحلُّوا من كلّ ما حُرِمَّتُمْ منه إلَّا النساء، فإذا أَمْسَيْتُم قبلَ أنْ تطوفُوا هذا البيتَ صِرْتُم حُرُماً كهيئَتِكم قبل أنْ ترمُوا الجَمرة حتى تَطُوفُوا به))(٦) - وإسنادُه جَيِّدٌ وإنْ كان (١) قال الحافظ في ((الفتح)) (٧٣/١٢): (وبالغ النوويُّ فقال: هو قولٌ باطلٌ ... ) إلخ. ثم قال الحافظ (ص٧٥): (وقد استقر الإجماع على ثبوت حَدّ الخَمر، وأنْ لا قتلَ فيه)! (٢) أخرجه البخاري في ((الديات)): باب قولِ الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ ... ﴾ - (١٢/ ٢٠١) ومسلمٌ في ((القَسَامَةِ)): باب ما يُبَاحِ به دَمُ المسلم (١٣٠٢/٣) كلاهما من حديث ابنِ مسعود. (٣) من (شرح النووي على صحيح مسلم)) (٢١٧/١١). (٤) مضى تخريجُ حديث جابرٍ، وأمَّا حديث قَبِيصةَ فأخرجَه الشافعي في ((الأم)) (١٤٤/٦) وأبوٍ داود في ((الحدود)): باب إذا تَتَابع في شُرب الخمر (٦٢٥/٤) وفي آخره: ( ... ثم أُتِي به فَجَلَده، فَرُفِعَ القَتْلُ، وكانتْ رُخْصَةً). وفي آخر حديثٍ جَابٍ: (ثم أُتي النبيُّ وَّه برجُلٍ قد شَرب الخمرَ في الرابعةِ فجَلَدَه ولم يَقْتُلْه). هذا وقد قَال الزَّيْلَعِيُّ في (نَصْب الراية)) (٣٤٧/٣): (وقبيصةُ فِي صُحْبَتِه خلافٌ). وقال الحافظُ في ((الفتح)) (٨٠/١٢): (وقبيصةُ بنُ ذُؤَيب من أولادِ الصحابةِ، وَوُلِدَ في عهد النبيّ ◌َِّ ولم يسمَعْ منه، ورجالُ هذا الحديثِ ثقاتٌ مع إرسالِهِ ... والظاهرُ أنَّ الذي بَلَّغَ قَبِيصَةَ ذلك صحابيٍّ فيكونُ الحديثُ على شرطِ الصحيح، لأنّ إبهامَ الصحابيّ لا يَضُرّ ... ). (٥) حيث جاء في ((مصنَّف عبد الرزاق)) (٩/ ٢٤٧) أن عُمرَ جَلَدَ أبا مِحْجَن الثَّقَفِي في الخمر ثمان مرات أو سبعاً، وكذا أخرج نحوه عن سعد بن أبي وقاص (ص٢٤٣). (٦) أخرجه أبو داود في المناسك، باب الإفاضة في الحج (٥٠٨/٢). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٥٥ الناسخُ والمَنسوخُ من الحديث فيه محمدُ بنُ إسحاقَ، لأنّه صرّح بالتحديث - فهذا مما أجمعَ العلماءُ على تَرْكِ العَمَلِ به، وأشْبَاهُ ذلك))(١). على أنّ الإمامَ أبا بكرِ الصَيْرَفيَّ - شارحَ ((الرِسالة)) - لَمْ يَجعلِ الإجماعَ دليلاً على تَعَيُّنِ المَصِير للنَّسْخِ، بل جَعَلَه متردِّداً بين النَّسخِ والغَلَط، فإنّه قال في كتابه: «الدَّلَائِلِ))(٢): ((فإنْ أُجمِعَ على إبطالِ حُكْم أَحدِهَما فهو منسوخٌ، أو غَلَطُ - يعني من بعض رُوَاته كما صَرَّح به غيرُه - والآخَرُ ثابتٌ))(٣). قال المصنفُ: ((وما قالَه مُحْتَمَلٌ)) (٤). (١) المحاسن (٤٠٩) (٢) أي: ((دلائل الأعلام على أصول الأحكام))، وهو شرح لكتاب الشافعي ((الرسالة)) كما تقدم. (٣) ذكر ذلك عنه أيضاً العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٩٥/٢)، و((التقييد والإيضاح)) (٢٨٢). (٤) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٩٥/٢). التَّصْحِیفُ ٤٥٦ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث (التَّصْحِيفُ) (١) الواقعُ في المُشْتبِهِ من السَّنَدِ والمَتْنِ ولو جُعل بعدَ ((الغَرِيبِ))، أو بعدَ ((المُؤْتَلِف والمختَلِفِ)) لكان حسناً. وهو - لكونه تَحْويلَ الكلمة من الهيئةِ المُتَعَارَفَةِ إلى غيرها - فنٌّ جَليلٌ مِهِمٌّ، إنما ينهَضُ بأعبائِهِ من الحُفَّاظِ الحُذَّاقُ. ٧٧٢ (و) الحافظانِ: أبو أَحْمَدَ (العَسْكَرِيْ، و) أبو الحَسَن (الدار قُطْنِيْ صَنَّفا فيما لَه بعضُ الرُّوَاةِ صَحَّفَا) وعلى ثانيهِما اقتَصَرَ ابنُ الصلاح وقال: ((إنَّه مفيدٌ))(٢) . وأما أوَّلُهما فَلَهُ في ((التَّصحيفِ)) عدةُ كُتُبِ أكبرُها لِسَائِر ما يَقعُ فيه التصحيفُ من الأسماءِ والألفاظِ غيرَ مُقْتَصِرٍ على الحديثِ. ثم أَفْرد منه كتاباً يتعلَّق بأهل الأدب، وهو: ((ما يقعُ فيه التصحيفُ من ألفاظِ اللغةِ والشعر، وأسماءِ الشُّعَراءِ، والفُرْسان، وأَخبارِ العَرَب، وأيَّامِها، ووقَائِعِها، وأماكِنِها، وأَنْسَابِها))(٣)، ثم آخَرَ فيما يَخْتَصُّ بالمحدِّثين من ذلك غيرَ مُتَفَيِّدٍ بما وَقَع فيه التصحيفُ فقط، بل ذكر فيه ما هو مُعَرَّضٌ لذلك(٤) . وفي بعض المَحكِيِّ مما وقع لبعضٍ المحدثين ما يَكاد اللَّبِيبُ يضحكُ منه. وكذا صنَّف فيه الخَطَّابيُّ(٥)، وابنُ الجوزي(٦) لا لِمُجَرَّد الطعنِ بذلك من وهو النوع الخامس والثلاثون من كتاب ابن الصلاح. (١) (٢) ((علوم الحديث)) (٢٥٢)، وسمَّاه البغدادي في ((هدية العارفين)) (٦٨٤/١): (كتاب التصحيف في الحديث). (٣) وهو مطبوع باسم: ((شَرْح ما يقَعُ فيه التصحيفُ والتحريفُ)) بتحقيق عبد العزيز أحمد. (٤) وهو مطبوع باسم: ((تصحيفات المحدثين)) بتحقيق د.محمود الميرة. (٥) واسمه: ((إصلاح غلط المحدثين)) وحققه د.حاتم صالح الضامن. (٦) ذَكَرَ البغدادي في ((هدية العارفين)) (٥٢٢/١) ضمن مؤلفات ابن الجوزي كتاباً باسم ((ما يلحن فيه العامة))، فلعله المراد هنا . فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٥٧ التَّصْحِیفُ أحدٍ منهم في واحدٍ ممّن صحَّفَ، ولا للوَضْع منه - وإنْ كان المُكْثِرُ منه مَلُوماً، والمُشْتَهِرُ به بينَ النُّقَّادِ مَذْمُوماً - بل إيثاراً لِبَيَان الصَّوَابِ، وإشهاراً له بين الطُلَّاب. ولهذا لما ذَكَر الخطيبُ في «جامعه» أنه عيبَ جماعةٌ مِنَ الطلبةِ بتصحيفِهم في الأسانيدِ والمُتونٍ، ودُوِّنَ عنهم ما صحَّفوه قال: ((وأنا أذكرُ بعضَ ذلك ليكونَ داعياً لِمَن وَقَفَ عليه إلى التَّحفُّظِ من مثلِهِ إنْ شاءَ الله))(١). لا سيَّما وينبغي لقارئِ الحديثِ أن يتفكّرَ فيما يقرؤُه حتى يسلم منه. وقولُ العسكري: ((إنه قد عيب بالتصحيفِ جماعةٌ من العلماء، وفُضِحَ به كثيرٌ من الأُدَبَاءِ وَسُمُّوا الصَّحَفِيَّة))(٢)، ونَهْيُ العلماءِ عن الحَمْلِ عنهم: مَحْمولٌ على المتكرِّرِ منه ذلك، وإلَّا فما يسلَمُ مِن زلّةٍ وخَطَأٍ إلََّ مَنْ عَصَمَ اللهُ، والسعيدُ من عُدَّتْ غَلَطَاتُه. قال الإمامُ أحمدُ: ((ومَنْ يَعْرَى عَن الخَطأِ والتَّصْحِيفِ))!(٣). والإكثارُ منه إنَّما يحصُلُ غالباً للآخِذِ من بُطُون الدَّفَاترِ والصُّحُف، ولم يكنْ له شيخٌ يُوقِفُه على ذلك. ومن ثَمَّ حضَّ الأَئِمةُ على تجنُّبِ الأَخْذِ كذلك، كما سَلَفَ في ((الفَصل الخامس)) من ((صِفَة رِوَايةِ الحديث)) (٤). ويُعْلَمُ أنَّ اشتقاقَه من الصَّحِيفة لأنّ مَنْ ينقُلُ ذلك ويُغَيّرِ يقالُ: إنّه قد صحَّفَ. أي قد رَوى عن الصُّحُف، فهو مُصَحِّفٌ، ومصدَرُه: التَّصْحِيفُ. ثم إنّه يقعُ تارةً إِمَّا (في المَتْن كـ) ما اتفق لأبي بكرِ (الصُولِي) حيث أَمْلَی في الجامع حديثَ أبي أَيّوبَ مرفوعاً: ((مَنْ صَام رمضانَ، وأَتْبعَهُ (سِقًّا)(٥) - بسينٍ مهملة؛ ومثّة فوقانية مشدّدةٍ - (غَيَّرَ)(٦) ذلكَ: (شيئاً) بالمعجمة، والمثناة التحتانيةِ. ٧٧٣ (١) ((الجامع)) (٢٨٥/١). (٢) (تصحيفات المحدثين)) (٥/١). (٣) ((علوم الحديث)) (٢٥٢) و((تهذيب الكمال)) (١٥٠٠). وجاء عند الخطيب في ((الجامع)) (٢٧٠/١)، و((تاريخ بغداد)) (٢٧٤/١٢) بلفظ: (مَنْ يُفْلِتْ من التصحيفِ؟!). (٤) (ص١٥٢). (٥) أخرجه مسلم في ((الصيام)): بابُ استحبابِ صومٍ ستة أيام من شوال (٨٢٢/٢). وقصةٌ الصُولي أخرجَها الخطيبُ في ((الجامع)) (٢٩٦/١). (٦) في (ح): غيره ذلك. من الناسخ. التَّصْحِیفُ ٤٥٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ولِوَكيع في حديثٍ: ((لَعَنَ رسولُ اللهِ وَهِ الذين يُشَقِّقُونَ الخُطَبَ تَشْقِيقَ الشِّعْرِ)) (١)، حَيثُ غَيَّرَهُ بـ«الحَطَبِ)) بالمهملة، و((الشَّعَرِ)) بفتحَتَين. ويُحكَى أنَّ ابنَ شاهين صحَّفه كذلك أيضاً بـ((جامع المنصور))، فقال بعض الملاحِين: ((يا قومُ كيف نعملُ والحاجة ماسَّةٌ!؟))، يُشِير إلى أنّ ذلك من (٢) حِرْفَتِهِ (٢) . وليست هذه اللفظةُ في ((النهاية)) لابن الأَثِير، والحديثُ في ((مسند)) أحمدَ، و((المعجم الكبير)) للطبراني، و((الجامع)) للخطيب، وغيرهم من حديث جابر الجعفي عنَ عَمْرو بن يحيى القُرَشي عن معاوية بن أبي سفيان به. ولمُشْكُدَانَةً(٣) حيث جعل حديثَ: (نَهَى عن فَصْع (٤) الرُّطَبَة))، بالطاء بدل (١) أخرجه أحمدُ (٩٨/٤) من حديثٍ معاويةَ، ولفظُه: (لَعَنَ اللهُ ... الكلامَ ... )، قال الهيثميُّ في ((المجمع)) (١١٦/٨): (رواه أحمدُ، وفيه جابرُ الجُعْفِي، وهو ضعيفٌ). هذا والذي في المطبوع من (المُسْنَد): (سفيانُ عن جابر بن عَمرو بن يحيى عن معاويةً) تحرَّفت فيه (جابر عن) إلى (جابر بن) وسيذكره السخاوي على الصواب قريباً. وكذا أخرجه الطبراني في «الكبير» (٣٦١/١٩) من طريق سفيانَ بلفظه وأخرجه الخطيبُ في ((الجامع)) (٢٩٢/١) من طريق سفيان بلفظه أيضاً مع قصة التصحيف. ومرادُ الحديثِ النَّهيُ عن التكلّف في إخراج الكلامِ للتفَاصُح. (٢) ((علوم الحديث)) (٢٥٥). (٣) هذا لقب عبدِ الله بنِ عُمرَ بن محمد بن أبان الأموي مولاهم، مات سنة ٢٣٩، وقد ضَبَطَه الحافظ في ((التقريب)) (٣١٥): بضم الميم والكاف، بينهما معجمة ساكنة، وبعد الألف نون، وهو وعاء المسك بالفارسية. (٤) في (النُّسَخ)): (قَصْع) بالقاف ثم مهملتين، ومثلُه في ((غريب الحديث)) لأبي عُبَيد (١/ ٤٣٤)، و((الجامع للخطيب)) (٢٩٣/١). قال أبو ◌ُبَيد: (القَصْع: هو أنْ تُخْرِجَها مِن قِشْرها. يقال: قَصَعْتُها أَقصعُها، قَصْعاً) انتهى، وكلَّه بالقاف. ولكنَّ الجوهريَّ في ((الصحاح)) أوردَ الحديث في ((فَصَعَ)) بالفاء، ومثله الزمخشريُّ في ((الفائق)) (١٢١/٣)، وابنُ الجوزي في ((غريب الحديث)) (١٩٦/٢)، وابنُ الأثير في ((النهاية)) (٤٥٠/٣)، وجَمَعَ صاحبُ ((القاموس)) فيِ مادة (فَصَعَ)، بالفاء أقوالَهم في معناها فقال: (فَصَعَ الرُّطَبَةَ - كَمَنَعَ - عَصَرَها، أو أَخْرَجَها من قِشْرها) انتهى. وهو الصواب. هذا ولم يذكرْها أحدٌ من هؤلاء في (قصع) بالقاف، ويغلبُ على الظنِّ أنها تصحفت في بعضٍ نُسَخِ ((غريب الحديث)) لأبي عُبَيدٍ، بدليل أنّ ابن الجوزي أَوْردَها في باب = فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ٤٥٩ التَّصْحِیفُ ((الصاد))(١)، فجاء إليه أربابُ الضِّيَاعِ والناسُ يَضِجُون. ففتَّش حتى وَقَف على صِحَّته(٢). ولأبي موسى محمدِ بنِ المُثَنّى العَنَزِي - الذي اتفق الستةُ على الروايةِ عنه، ويُلَقَّبُ: الزَّمِنَ - حيث جَعَل: ((أو شاةٌ تَيْعَرُ))(٣) بالنون بدل الياء(٤). ولأبي بكر الإسماعيلي حيث جَعَلَ: ((قَرَّ الدَّجَاجَة))(٥) بالزاي المنقوطة (الفاء والصاد) وحين أردَ تفسيرَها قال: (قال أبو عُبيد: هو أنْ يُخرجَها من قِشرها). = علماً بأنّ الموجودَ في المطبوع من (الغريب) لأبي عُبيد: (قصع) بالقاف، ولم يذكرها بالفاء. والله أعلم. هذا وقد جاء في حاشية (س) مقابلَ هذه الكلمةِ: (كمَنَعَ: عَصَرَها، أو أخرجَها من قِشرها. قاله في ((القاموس)). وليست أيضاً في (النهاية)))، انتهى. قلت: قولُه: (ليست في ((النهاية))) يعني في (فَصَعَ) بالقاف والصاد، وإلّا فهي في ((النهاية)) في (فَصَعَ) بالفاء. كما تقدم. (١) وبالقاف بدل الفاء. (٢) أخرجها الخطيبُ في ((الجامع)) (٢٩٣/١) بسنده إلى أبي عليٍّ أحمدَ بنِ إسماعيلَ قال: بلغني عن مُشْكُدَانَةَ أنّه كان في كتابهِ: أنّ النبيَّ وَّ نهى عن قَصْعِ الرُّطَبَة. فَقَرَأَها - وقد كانت شَكْلَّةٌ وقعتْ على الصادِ فصارت كأنَّها طاءً -: أنَّ النبي ◌َّ نهى عن قَطْعِ الرَّْبة ... ) إلخ. وعلى هذا يكونُ مُشُكُدانة صحَّفَ كلمةَ (فَصْع) إلى (قَطْعَ)، و(الرُطبة) - وهي بضم الراءِ وفتحٍ الطاءِ المهملة - إلى (الرَّطْبة) بفتح وسكون: أي الشيء الرَّطْب غيرِ اليابِس. هذا وأمَّا حديثُ النهي المذكورُ فأوِرَردَه السيوطيُّ في ((الجامع الصغير)) بلفظ: (نهى عن فتح الثمرة، وقَشْر الرُّطَبة)، ثم ذكر أنَّه أخرجه عَبدانُ، وأبو موسى من حديث إسحاق. وضعَّفه. قال الحافظُ في ((الإصابة)) (١/ ٣٢) في ترجمةِ إسحاقَ هذا: (إسحاقُ غيرُ منسوبٍ روى عِبدانُ من طريق خالدِ بنِ عبد الرحمن عن إسحاقَ صاحبِ النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ النبيَّ ◌َّ نهى عن فَتح الثمرة وقَشر الرُّطَبة)، ثم قال: في إسناده ضَعفٌ وانقطاعٌ، أخرجه أبوٍ موسى. (٣) من حديثٍ أخرجه البخاريُّ في ((الهِبَةٍ)): بابُ من لَمْ يَقبَلِ الهديةَ لِعِلَّةٍ (٢٢٠/٥)، ومسلمٌ في ((الإمارة)): باب تحريم هدايا العُمَّال (١٤٦٣/٣)، كلاهما عن أبي حُمَيد الساعدي. ومعنى: تَيْعَر أي تَصِيحَ. ((النهاية)) (٢٩٧/٥) وهي على وزن جعفر. (٤) أخرجها الخطيب في ((الجامع)) (٢٩٥/١). (٥) من حديثٍ أخرجه البخاري في ((الأدب)): باب قَوْلِ الرجلِ للشيءٍ ليس بشيء (١٠/ ٥٩٥)، ومسلمٌ في ((السلام)): باب تحريم الكهانة وإنْيَان الكُهّان (١٧٥٠/٣) من حديثٍ عائشةَ، ولفظُهُما: ( .... يَخْطَفُها الجِنِّيُّ فَيَقُرُّهَا في أُذْنِ وَلِيِّهِ قَرَّ الدَّجَاجة). وقَرُّ الدجاجةِ: صَوْتُها إذا قَطَّعَتْهُ. التَّصْحِیفُ ٤٦٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث المضمومة بدل الدال المهملة المفتوحة (١). وَلِغُنْدَرٍ حيثُ جَعَلَ أُبَيًّا في حديثِ جابرٍ: ((رُمِيَ أُبَيِّ يومَ الأحزاب على أَكْحَلِهِ)(٢): أَبِي، بالإضافة. وأبو جابر كان استُشهِد قبلَ ذلك في (أُحُدٍ))(٣). وَلِشُعْبَةَ حيثُ جعل: ((ذَرَّةٍ) (٤) - بالمعجمةِ المفتوحةِ، والراء المشددة -: ذُرَةٍ، بضم المعجمة(٥)، والتخفيف(٦). وَلِمُحمدِ بنِ يزيدَ بنِ عبد الله النَّيْسابُوري السُّلَمي الملقَّبِ: مَحْمِشَ حيث جَعَلَ: (يا أبا عُمَيْرٍ ما فَعَلَ النُّغَيْرِ؟))(٧) - المُصَغَّرَين -: بالتكبيرِ، فقال: ((يا أبا عَمِير ما فعل البَعِير)) (٨)، بالموحدة والعين المهملة، فصحَّف فيهما معاً. حتى إنَّا رُوِّينا في ((علوم الحديث)) للحاكم عن أبي حاتم الرَّازِي أنّه قال: ((حَفِظَ اللهُ أَخَانَا صالحَ بنَ محمدٍ - يعني الحافِظَ المُلَقَّبَ جَزَرَةَ - فإنّه لا يزال يَبسُطُنا(٩) غائباً وحاضراً، كتب إليّ أنّه لمّا مات الذُّهليُّ - يعني بـ((نيسابورَ)) - أَجْلَسُوا شيخاً لهم يقال له: مَحْمِش فأَملى عليهم، وذَكَرَ ما تقدَّم(١٠). (١) ((علوم الحديث)) (٢٥٥). (٢) أخرجه مسلم في ((السلام): باب لكلّ داءٍ دَوَاءٌ (١٧٣٠/٤) من طريقِ غُنْدَرٍ بهذا اللفظِ. والأَكْحَلُ: عِرْقٌ في الذِرَاعِ يكثُر فَصْدُه. ((النهاية)) (١٥٤/٤). (٣) ((علوم الحديث)) (٢٥٣). وكَونُ هذا التصحيفِ من غُندر تَرُدُّهُ روايةُ مسلم الآنفةُ. (٤) في حديثٍ أنسٍٍ: (يخرُجُ مِنَ النار مَنْ قال: لا إله إلا الله وفي قَلْبه وِّزْنُ شعيرةٍ مِن خَيْرٍ، ويخرج مِن النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قَلْبِهِ وَزْنُ بُرَّةٍ من خَيْرٍ، ويخرُج مِنَ النار من قال: لا إله إلا الله، وفي قَلْبِهِ وَزْنُ ذَرَّةٍ مَن خَيرٍ). أخرجه البخاري في ((الإيمان)): باب زيادةِ الإيمان ونُقْصَانِه (١٠٣/١)، ومسلم في ((الإيمان)): باب أدنى أهل الجنة منزلةً فيها (١/ ١٨٢). (٥) في النسخ: المهملة. وليس بشيء. (٦) أخرج تصحيفَ شعبةَ مسلمٌ في (المصدر السابق). ولعلَّه تَفُ صحَّفها بِقَرِينَةٍ: الشَعِيرة، والبُرَّةِ. (٧) أخرجه البخاري في ((الأدب)): باب الانبساط إلى الناس (٥٢٦/١٠)، ومسلمٌ في (الأدب)): باب استحباب تَحْنِيك المولود عند ولادته (١٦٩٢/٣) من حديث أنس. والنُّغَير: تصغير النُّغَر. وهو طائر يشبِه العصفور. ((النهاية)) (٨٦/٥). (٨) ((معرفة علوم الحديث)) (١٤٦). (٩) مُقَابلُها في حاشية (س): يُضْحِكُنا. وهي رواية الحاكم الآتي بيانُ مصدَرِها. (١٠) أخرجها الحاكم في ((معرفة علوم الحديث)) (١٤٦).