النص المفهرس

صفحات 221-240

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٢٢١
آدابُ الشيخ المحدِّثِ
المستحبة، فالله ورسوله يُحبان الجَمَال (١)
٠
٦٨٦
(و) كذا استَعمِل في حال تحديثِك (زَبْرَ) أي نَهْرَ (المُعْتَلِي صوتاً) أي
صوتُه (على) قراءةِ (الحديثِ)، والإغلاظَ له، لشُمولِ النهي عن رَفع الأصوات
فوقَ صوتِهِ وَجَ ذلك، كما صرَّح به مالكٌ حيث قال: ((إنَّ مَنْ رَفع صوتَه عند
حديثه ﴿ ﴿ فكأنَّما رَفع صوتَه فوق صوت رسول الله (وَلاَ)(٢).
(واجْلِسْ) حينئذٍ مستقبلَ القِبلةِ، مُتَمكِّناً بمَفْعَدَتِك من الأرض، لا مُقْعِياً،
ونحوَه (بأدبِ) وَوَقَارٍ (وهيبةٍ بِصَدْر مجلِسٍ) يكونُ القومُ فيه، بل وعلى فِرَاش
مرتفع يخضُّك، أو منبرٍ، لما رُوِّناه عن مُطَرِّفٍ قال: ((كان الناس إذا أَتَوْا
مالكاً دَخَذَتُ خرجَتْ إليهمُ الجاريةُ، فتقولُ لهم: يقول لكم الشيخُ: تريدون
الحديثَ، أو المسائلَ؟ فإنْ قالوا: المسائلَ. خرجَ إليهم في الوقت، وإنْ
قالوا: الحديثَ، دَخَلَ مُغْتَسَلَه فاغتسَل، وتطيَّب، ولبِس ثياباً جُدُداً، وتعمَّمَ،
ولَبِسَ سَاجَهُ(٣)، وتُلْقَى له مِنَصَّةٌ. فيخرِجُ فيجلِس عليها، وعليه الخشوعُ، ولا
يَزال يُبَخَّر بالعود حتى يَفْرُغَ من حديثٍ رسول اللهِ وََّ، ولم يكنْ يجلس على
تلك المِنَصَّةِ إلَّا إذا حدَّث)). قال ابنُ أبي أُوَيسٍ: فقيل له في ذلك فقال:
((أُحب أن أُعظّم حديثَ رسول الله وَّةِ، ولا أُحدثُ به إلَّ على طهارةٍ
مُتَمكِّناً))(٤). ويقال: إنَّه أَخذ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسيب(٥) .
وكان عبدُ الله بن عمر بن أبانَ يخرج إلى مجلس تحديثه وهو طيِّبُ
(١) أخرج مسلم في ((الإيمان)): باب تحريم الكبر وبيانِه (٩٣/١) من حديث ابن مسعود:
((إن الله جميل يحب الجمال)).
(٢) الخطيب في ((الجامع)) (٤٠٦/١).
(٣) الساج - بالمهملة والجيم -: الطَّيْلَسان. كما جاء في هامش (س).
والطيلسان ضَربٌ من الأكسية يُلبس على الكتف. وجَمعُهُ: طيالسة. فارسي معرب.
(تاج العروس))، و((المعجم الوسيط)) مادة (طلس).
(٤) أخرجه ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢١٧) عن ابن أبي أُويس، وانظر: ((الجامع))
(٣٨٥/١، ٤١٠) ففيه نحوٌ من ذلك عن مالك.
(٥) أخرج الخطيب في ((الجامع)) (٤٠٩/١) وابن عبد البر في ((جامعه)) (١٩٩/٢) عن
سعيد بن المسيب أنه لا يُحدث وهو مضطجع.

آدابُ الشيخ المحدِّثِ
٢٢٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الريح، حسنُ الثياب، فلقَّبَه أهلُ ((خراسانَ)) لذلك: ((مُشْكُدَانَةٍ))(١). إذ ((المُشْك))
- بضم الميم وبالمعجمة (٢) بالفارسية: المِسكُ. بالكسر والمهملة. والقولُ
بأنَّه: وِعَاءُ المِسْكِ تَجَوٌُّ(٣) .
و((دَانَةُ»: الحَبَّةُ. ومعناها: حبةُ مسك. [على أنه مطلقٌ بينهم بالهيئة
المجموعة على: وعاء المسكِ. وحينئذٍ فَلَا تَجَوُّز(٤)]. كل ذلك على وجه
الاستحباب. [بل لقائلٍ أن يحتجَّ لوجوبِ خفض الصوتِ عند المقطوع بصحته](٤).
وكَرِهِ قتادةُ، ومالكٌ، وجماعةٌ التحديثَ على غيرِ طهارة، حتى كان
الأعمشُ إذا كان على غيرِها يَتَمَّم(٥) .
لكن قال بعضُهم: إنَّ هذه الأمورَ المحكيةَ عن مالكِ لا ينبغي اتّباعُه فيها
إلا لمن صَحَّت نيّتُه في خُلُوص هذه الأفعالِ تعظيماً للحديث، لا لنفسِه، لأن
للشيطان دَسَائِسَ في مثل هذه الحركاتِ، فإذا عرفتَ أنَّ نيتَك فيها كنيةِ مالك
فافعلْها، ولا يطَّلعُ على نيتك غيرُ الله)).
ونحوُه قولُ شيخنا في العَذَبَةِ(٢): ((إِنْ فعلَها بقصد السُنّة أُجِرَ، أو للتَّمَشْيخ
والشُهرةِ خَرُم».
ولا شك أنَّ حُرمَته ◌ِِّ، وتعظيمَه، وتوقيرَه، بعد مَمَاتِه عند ذِكرِه، وذِكرِ
حديثِه، وسماع اسمه وسيرتِه كما كانت في حياته، وكذا معاملةُ آله وعِتْرَتِهِ،
وتعظيمُ أهلِ بيته، وصحابته لازمٌ.
وربما تَعْرِض للمحدِّث ضَرورةٌ لا يتمكّنُ معها من الجُلُوس فلا حَرَجَ في
القراءةِ عليه وهو مُتَّكِئٌ، أو نَحوُه (٧). قال ابنُ عَسَاكر: ((كنتُ أقرأُ على أبي
(١) الخطيب في ((الجامع)) (٣٨٩/١).
(٢) قال في ((التقريب)) (٤٣٥/١): ((مشكدانة: بضم الميم والكاف ... )).
(٣) قال الخطيب في ((الجامع)) (٣٨٩/١): ((مُشْكُدانة - بلغتهم -: وعاء المسك)).
(٤) ما بين المعكوفين ليس في (س) و(م) و(الأزهرية).
(٥) أخرجه عنهم الخطيب في الجامع (٤٠٩/١ - ٤١٠).
(٦) أَيْ عَذَبَة العمامة وهي ما أُسْدِلَ منها بين الكتفين، وهي بعينٍ مهملة ثم ذال معجمة ثم
موحدة محركات. (تاج العروس)) مادة (عذب).
(٧) في (س) و(م) و(الأزهرية): وهو نائم.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٢٣
آدابُ الشیخ المحدِّثِ
عبدِ اللهِ الفُرَاوِي(١)، فَمَرِضَ، فَنهاه الطبيبُ عن الإقراءِ، وأعلَمه أنَّه سببٌ لزيادةٍ
مرضِه، فلم يوافقه على ذلك. بل كنتُ أقرأ عليه في مرضه وهو مُلقّى على
فراشه إلى أن عُوفي))(٢) .
وكذا قرأ السِّلَفِي وهو متكئ لدماملَ، أو نحوِها كانت في مَقْعَدَتِه على
شيخه أبي الخطاب ابنِ البَطر (٣)، وغَضِبَ الشيخ، لعدم عِلْمِهِ بالعُذر(٤).
٦٨٧
وَسَوِّ بين مَنْ قَصَدَكَ للتحديث (وَهَبْ لم يُخلِص النيةَ) بحسب القرائن
الدالةِ على ذلك (طالبٌ ذ) لا تمتنعْ من تحديثِه، بل (عُمَّ) جميعَ مَنْ سألك أو
حَضَر مجلسَك، استحباباً كما صرح به الخطيبُ في ((جامعه)»(٥) إذِ التأهُّل وَقْتَ
التحمُّل ليس بشرط. وقد قال حسينُ بن علي الجعْفِيّ: ((كنتُ امتنعتُ أن
أُحَدِّثَ. فأتاني آتٍ في النوم فقال: ما لك لا تحدث؟ قلت: إنَّهم ليسوا
يطلبون به اللهَ تعالى. فقال: حدِّث أنتَ ينفع مَنْ نَفَعَ، ويَضُر من ضَرَّ)) (٦).
وفي ((زيادات المسند)) من طريق الشعبي عن علي قال: ((تَعَلَّمُوا العلمَ
صغاراً تَنْتَفِعُوا به كباراً، تعلّموا العلمَ لغيرِ الله يصيرُ لِذَاتِ الله)).
وعند الخطيب عن يحيى بنٍ يَمَانٍ قال: ((ما سمعت الثوريَّ یعیبُ
العلمَ قظُ، ولا مَنْ يطلُبُه، فيقال له: ليست لهم نيةٌ فيقولُ: طَلَبُهم للحديثِ
نِيَّةٌ))(٧) .
وعن حَبيب بن أبي ثابت، ومَعْمر أنهما قالا: ((طلبنا الحديثَ وما لنا فيه
نية، ثم رزقَ اللهُ النيةَ بعدُ))(٨).
وفي لفظٍ عن مَعْمٍ: ((كان يقالُ: إنَّ الرجلَ ليطلبُ العلمَ لغيرِ الله، فيأبى
عليه العلمُ حتى يكونَ لله)(٨).
(١) هو محمد بن الفضل الصاعدي الفُرَاوِي بضم الفاء وفتحها وهو أكثر، نسبة إلى (فْرَاوَة)
بلدة في طرف خراسان مما يلي (خوارزم)، مات سنة ٥٣٠. ((السير)) (٦١٥/١٩).
(٢) أوردها النووي في ((شرح مقدمة مسلم)) (٨/١) عن ابن عساكر بأطول مما هنا.
(٣) هو الشيخ المقرئ مسند العراق نصر بن أحمد بن البَطِر البغدادي، مات سنة ٤٩٤
((السير)) (٤٦/١٩).
(٥) (٣٣٩/١).
(٧) ((الجامع)) (٣٣٩/١).
(٤) ((السير)) (٤٨/١٩).
(٦) الخطيب في ((الجامع)) (٣٤٠/١).
(٨) ((الجامع)) (٣٣٩/١).

آدابُ الشيخ المحدِّثِ
٢٢٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وجاء قومٌ إلى سِمَاكٍ يطلبون الحديثَ، فقال له جلساؤه: ((ما ينبغي لك
أن تحدثَهم، لأنَّهم لا رغبةً لهم، ولا نيةَ)). فقال لهم سِمَاك: («قولوا خيراً، فقد
طلَبْنا هذا الأمرَ ونحن لا نريدُ اللهَ به، فلمَّا بلغتُ منه حاجتي دَلَّني على ما
ينفعُني، وحجَزَني عما يضُرُّني))(١).
ولابن عبدِ البر عن الحسنِ البصري والثوري قالا: ((طلبْنَا العلمَ للدنيا،
فَجَرَّنا إلى الآخرة))(٢). وعن ابنِ عُيَينة قال: ((طلبنا الحديثَ لغير الله فأعقَبَنا اللهُ
ما تَرَوْن))(٣). ونحوُه عن ابن المبارك: ((طلبنا العلمَ للدنيا فدلَّنا على تَرْكِ
الدنيا)»(٤). وقال الغَزالي: («مات والدي وخلّف لي ولأخي شيئاً يسيراً، فلما
فَنِيَ وتعذَّر القُوتُ علينا صِرْنا إلى بعضِ الدُروس مُظْهِرين لِطَلَب الفقه، وليس
المرادُ سوى تحصيلِ القُوت، وكان تعلُّمُنا العلمَ لذلك، لا لله، فأبى أن يكونَ
إلَّا لله))(٥).
على أنه قال في ((الإحياء)): ((هذه الكلمةُ اغترَّ بها قومٌ في تعلُّم العلم
لغيرِ الله، ثم رجوعِهم إلى الله)). قال: ((وإنَّما العلمُ الذي أشار إليه هذا القائلُ
هو علمُ الحديثِ والتفسيرِ، ومعرفةُ سِيَرِ الأنبياءِ والصحابةِ، فإنَّ فيه التخويفَ
والتحذيرَ، وهو سبب لإثارة الخوف من الله، فإنْ لم يؤثر في الحال أثَّر في
المآل. فأمَّا ((الكلامُ))، و((الفقهُ)) المجردُ الذي يتعلق بفتاوى المعاملاتِ، وفصلٍ
الخصومات - المذهبُ منه، والخلافُ - فلا يُرَدُّ الراغبُ فيه للدنيا إلى الله بل
لا يَزَالُ مُتَمادياً في حِرْصه إلى آخر عُمُرُه))(٦).
وقال في موضعٍ آخرَ: ((قال بعضُ المحققين: إنَّ معناه أن العلمَ أَبَى
وامتنعَ علينا، فلم تنكشّفْ لنا حقيقتُه، وإنَّما حصل لنا حديثُه وألفاظُه))(٧).
وامتَنَعَ بعضُ الوَرِعينَ من ذلك، فروى الخطيبُ عن الفُضَيل بنِ عِياض أنه
قيل له: ((ألا تحدثْنا تُؤْجَرْ؟ قال: على أي شيءٍ أُوْجَرُ؟ على شيء تتفكّهون به
(١) ((المحدث الفاصل)) (١٨٢)، و((الجامع)) (٣٤٠/١).
(٣) المصدر السابق (٢٣).
(٢) ابن عبد البر في ((جامعه)) (٢٢/٢).
(٤) ((أدب الدنيا والدين)) (٨٩).
(٥) ((طبقات الشافعية)) (١٠٢/٤) بنحو القصة.
(٦) الإحياء)) (٥٦/١).
(٧) ((الإحياء)) (٤٩/١).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٢٥
آدابُ الشيخ المحدِّثِ
في المجالس؟))(١). ونحوُه ما حكي عن علي بن عَثَّام(٢) أنه كان يقولُ: ((الناس
لا يُؤْتَون من حِلْم، يجيءُ الرجلُ فيسألُ فإذا أَخَذَ غَلِطَ، ويجيءُ الرجلُ فيأخذُ،
ثم يُصَحِّف، ويجيءُ الرجل فيأخذُ لِيُمَارِيَ صاحبه، ويجيء الرجل فيأخذ لِيُبَاهِيَ
به. وليس عليَّ أنْ أعلِّم هؤلاءِ، إلَّا رجلٌ يجيئُني فيهتمُّ لأمرٍ دينِهِ، فحينئذٍ لا
يسعني أنْ أَمنَعه))(٣).
وقد أسلفتُ في ((متى يصح تحمل الحديث)) شيئاً من توقف بعض
الوَرِعين. ولكنْ قد فضَّل المَاوَرْدِيُّ في ((أدب الدنيا والدين)) له تفصيلاً حسناً
فقال: ((إنْ كان الباعثُ للطلب دِينيّاً وَجَب على الشيخ إسعافُه، وإنْ لم يكن فإِنْ
كان مُباحاً كرجل دعاه طلبُ العلم إلى حبِّ النَّبَاهة، وطلبِ الرياسة فهو قريبٌ
مما قبلَه، لأن العلمَ يعطِفُه على الدين في ثاني الحال. وإنْ كان الداعي
محظوراً كرجلٍ دعاه طلب العلم إلى شرِّ كامنٍ يريدُ أنْ يستَعملَه في شُبَهِ دِينيةٍ،
وحِيَلٍ فقهية لا يجدُ أهلُ السلامة منها مَخلصاً، ولا عنها مَدْفعاً فينبغي للشيخ
أنْ يمنعَه من طَلِبَتِه، ويصرفَه عن بُغْيَته، ولا يُعينُه على إمضاء مَكْرِهِ، وإعمال
شره. ففي الحديث: ((واضعُ العلمِ في غيرِ أهلِه كَمُقَلِّد الخنازيرِ اللؤلؤَ،
والجوهرَ، والذهبَ))(٤)، انتهى(٥) .
(١) الخطيب في ((الجامع)) (٣٣٨/١).
(٢) هو الإمام الحافظ علي بن عَثَّام - بمهملة مفتوحة ثم مثلثة مشددة - أبو الحسن
الكلابي، مات سنة ٢٢٨. و((السير)) (٥٧١/١٠)، ((تهذيب التهذيب)) (٣٦٣/٧).
(٣) المصدرَين السابقين.
(٤) أخرجه ابن ماجه في ((المقدمة): باب فضل العلماء والحث على طلب العلم (١/ ٨١)
عن أنس مرفوعاً بلفظٍ مقارب مع زيادة في أوله ولفظها: (طلب العلم فريضة على كل
مسلم). قال في ((الزوائد)): (إسناده ضعيف لضعف حفص بن سليمان) يعني في
الحديث وإلا فهو ثقة في القراءة.
وقد توسع المصنف في الكلام عليه في ((المقاصد الحسنة)) (٢٧٥)، وكلامه ينصرف
إلى الزيادة في أوله. وأخرج ابن الجوزي في ((الموضوعات)) (٢٣٢/١) من طريق
يحيى بن عقبة عن أبي العَيْزَار عن محمد بن جُحَادة عن أنس مرفوعاً: (لا تطرَحوا
الدُرَّ في أفواه الكلاب)، وبه: (لا تُعَلِّقوا الدُرَّ في أعناق الخنازير). وذكر أن المتهم به
يحيى بنُ عقبة. والله أعلم.
(٥) من ((أدب الدنيا والدين)) (٨٩).

آدابُ الشيخ المحدِّثِ
٢٢٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وقال بعضُ الأدباءِ: ((ارث لِرُومَيَّةٍ تَوَسَّطها خنزيرٌ، وابكْ لعلم حَوَاه
شرِّيرٌ))(١). وكذا كان بعضُهم يمتنعُ من إلقاء العلم لمن لا يفهمُه، فَحكى
المَاوَرْدِي أن تلميذاً سأل عالماً عن عِلم فلم يُفِدْه، فقيل له: لِمَ مَنَعْتَه؟ فقال:
(لكلِّ تُربةٍ غَرْسٌ، ولكلِّ بِنَاءٍ أُسٌّ))(٢) .
وعن وهب بن مُنَبِّه قال: ((ينبغي للعالم أن يكونَ بمنزلة الطبّاخ الحاذق،
يعملُ لكل قوم ما يشتهون من الطعام)).
وعن بعض البلغاءِ قال: ((لكل ثوبٍ لابسٌ، ولكل علمٍ قابسٌ))(٣).
٦٨٨
(ولا تُحَدِّث عَجِلاً) بكسر الجيم، أي حالَ كونك مُستعجلاً، لأنه قد
يُفضي إلى السرعة في القراءة الناشئ عنها الهذرمةُ غالباً (أو إنْ تَقُم) أي في
حال قيامك (أو في الطريق) ماشياً كنتَ أو جالساً(٤)، فقد كان مالكٌ يكره ذلك
كلَّه، وقال: ((أحبُّ أن أتفهّم ما أُحدّث به عن رسول الله وََّ))(٥). بل قيل له:
لِمَ لَمْ تكتب عن عَمرو بن دينار؟ قال: ((أتيتُه والناس يكتبون عنه قياماً فأجلَلْت
حديثَ رسول الله وَّ أن أكتبَه وأنا قائم))(٦). واتفَق له مع أبي حازم أيضاً
نحوه(٦) .
وكذا صرَّح الخطيب بالكراهة فقال: ((يُكره التحديثُ في حالتَي المَشْي،
والقيام، حتى يجلسَ الراوِي، والسامعُ معاً ويستوطِنا، فذلك أَحْضرُ للقلب،
وأجمع للفهم))(٧)، ولكلٍ مقام مقالٌ، وللحديثِ مواضعُ مخصوصةٌ شريفةٌ دونَ
الظُّرُقَات والأماكن الدنيَّة.
قال: ((وهكذا يُكره التحديثُ مضطجعاً))(٨)، وحكاه عن سعيدٍ بن
(١) المصدر السابق ولكن فيه: (إرث لروضة). وكَنَى بالرومية عن المرأة الجميلة لشُهرة
الروميات بذلك. وكنى بالخنزير عن الرجل الدَمِيم الحقير.
وأما على اللفظ الثاني فهو على ظاهره فيهما .
(٢) ((أدب الدنيا والدين)) (٨٩).
(٣) ((أدب الدنيا والدين)) (٨٩).
(٤) جاء في حاشية (س) ما نصه: ((أما قراءة القرآن: قال القسطلاني: المختار عدم
الكراهة في القيام والطريق ما لم يشتغل)). وسيأتي قريباً كلام للخطيب حول هذا.
(٥) ((علوم الحديث)) (٢١٧).
(٦) ((الجامع)) (٤٠٨/١).
(٧) ((الجامع)) (١ / ٤٠٧).
(٨) ((الجامع)) (٤٠٨/١).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٢٧
آدابُ الشيخ المحدِّثِ
المسيب(١)، وحين يكونُ مغموماً أو مشغولاً .
قال: ((ولو حَدَّث محدثٌ في هذه الأحوالِ كلِّها لم يكن مأثوماً، ولا فَعَل
أمراً محظوراً، وأجلُّ الكُتب كتابُ الله، وقراءتُه في هذه الأحوالِ جائزةٌ.
فالحديثُ فيها بالجوازِ أَوْلِى))(٢).
قلتُ: وقد فعلَه فيهما جماعةٌ من المتأخرين. وبالغَ بعضُ المتساهلين
فكان يقرأ عليه الماشي حال كونه راكباً، وذلك قبيحٌ منهما .
(ثم) بعدَ تحرِّكَ في تصحيح النيةِ، واستحضارِكَ ما تقدم مِنْ عَدم التقيّد
في الطلب بسنٌّ مخصوصٍ، وإنماَ المُعتَبر: الفهمُ، فلا يُتقيّد في الأداء أيضاً
بسن، بل (حيثُ احتِيجَ لك في شيء) وذلك يختلف بحسب الزمان والمكان،
فلعلك تكونُ في بلادٍ مشهورة كثيرةٍ العلماء لا يحتاج الناس فيها إلى ما عندك،
ولو كنتَ في بلادٍ مهجورة احتِيج إليك فيه فحينئذٍ (ارْوِه) وجوباً، حسبما صرح
به الخطيب في ((جامعه)) فقال: «فإن احتيجَ إليه في روايةِ الحديثِ قبل أن تَعْلُوَ
سِنُّهُ وَجَب عليه أن يحدثَ، ولا يمتنعُ، لأنَّ نَشْرَ العلم عند الحاجة إليه لازم،
والممتنعَ من ذلك عاصٍ آثم)»(٣). وساق حديثَ: ((مَنْ سُئِل عن علم نافع فكتمَه
جاء يومَ القيامة مُلْجَماً بلِجام من نار))(٤)، وحديثَ: ((مَثَلُ الذي يتعلّم علماً، ثم
لا يحدث به ... )) وقد مضىّ قريباً(٥). وقولَ سعيد بن جبير - ﴿الَّذِينَ(٦) يَبْخَلُونَ
(١) ((الجامع)) (٤٠٩/١).
(٢) ((الجامع)) (٤١٠/١).
(٣) ((الجامع)) (٣٢٣/١).
(٤) أخرجه الخطيبُ في المصدر السابق من حديثٍ ابن عباس، وفي سندِه جابرُ الجُعفي،
وهو ضعيفٌ. وقد أخرجه الحاكمُ في ((المستدرك)) (١٠٢/١) من حديثِ عبدِ الله بن
عمرو بن العاص بسندٍ صحيح على شرط الشيخين، وقال: ((وليس له علة))، ووافقه
الذهبيُّ. كما أخرجه الحاكمُ أيضاً، وأبو داود في ((العلم)): باب كراهية منع العلم (٤/
٦٧)، والترمذيُّ في ((العلم)): باب ما جاء في كتمان العلم (٢٩/٥) وقال: حديثٌ
حسن، وأحمد (٢٦٣/٢، ٣٠٥، ٣٤٤، ٣٥٣، ٣٩٥) وغيرهم من حديث أبي هريرة،
وفي الباب أيضاً عن جابر وأنس وأبي سعيد الخدري، وكلُّ هذه المواضع بنحو لفظ
حديث ابن عباس.
وقد أوردَه السيوطي في ((الجامع الصغير)) (١٤٦/٦) من حديث أبي هريرة وصحَّحه.
(٥) (ص٢١٧).
(٦) يعني: في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ... ) الآية.

آدابُ الشيخ المحدِّثِ
٢٢٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِاَلْبُخْلِ﴾(١) - قال: ((هذا في العلم ليس للدنيا منه شيء))(٢)،
وقولَ ابنِ المبارك: ((مَنْ بَخِلَ بالعلم ابتُلي بإحدى ثلاث: إما أن يموتَ فيذهبَ
علمُه، أو ينساه، أو يتبعَ سلطاناً))(٢). وقول ربيعةً: ((لا ينبغي لأحد يَعْلمُ أنَّ
عنده شيئاً من العلم أن يُضَيِّح نفسَه))(٣).
وعن علي بن حَرب قال: ((إنما حَملَ حسينَ بنَ عليّ الجُعفيَّ على
التحديثِ أنَّه رأى في النوم كأنه في روضةٍ خضراءَ، وفيها كراسيُّ موضوعةٌ،
على كرسيٍّ منها: زَائِدةٌ(٤)، وعلى آخرَ فُضَيل، وذَكر رجالاً، وكرسيّ منها ليس
عليه أحدٌ. قال: فَأَهويتُ نحوَهِ، فَمُنِعتُ. فقلت: هؤلاءِ أصحابي أجلسُ
إليهم، فقيل لي: إن هؤلاءِ بذلوا ما استُودِعوا، وإنك مَنعتَه. فأصبح
يحدث)»(٥) .
ولكنْ قال ابن الصلاح: ((إنَّ الذي نقوله: إنه متى احتيج إلى ما عنده
استُحبَّ له التصدي لروايتِه ونَشرِه في أي سنٍّ كان))(٦). فإما أن يكونَ يخالفُ
الخطيبَ في الوجوب، أو يكونَ الاستحباب في التصدي بخصوصه.
على أنَّ الوليَّ ابنَ المصنفِ قال: ((والذي أقوله: إنه إنْ لم يكن ذلك
الحديثُ في ذلك البلدِ إلا عنده، واحتِيج إليه وَجَب عليه التحديثُ به. وإن كان
هناك غیرُه فهو فرض كفاية)»(٧) .
(و) على كل حال فأبو محمد (ابنُ خَلَّادٍ) الرَّامَهُرْمُزِيُّ قد (سَلَكَ) في كتابه:
٦٨٩ (المحدث الفاصل)»(٨) التحديدَ حيثُ صرح (بأنَّه يحسُن) أنْ يُحدثَ (للخمسینا
عاماً) أي بعدَ استكمالِها، وقال: «إنه الذي يصحُّ عنده من طريق الأثر والنظر،
لأنها انتهاءُ الكُهُولة، وفيها مُجتمع الأَشُدِّ. قال سُحَيم بنُ وَثِيل الرياحي:
(١) سورة النساء: الآية ٣٧، سورة الحديد: الآية ٢٤.
(٢)
(الجامع)) (٣٢٤/١).
(٣) ((الجامع)) (٣٢٦/١).
(٤) يعني الإمامَ زائدةَ بنَ قُدَامة الثقفيَّ. وفُضَيلٌ الآتي: هو الإمام العابدُ فُضَيل بن عِيَاض.
(٥)
((الجامع)) (١/ ٣٢٤).
(٦) ((علوم الحديث)) (٢١٣).
(٧) وعزاه أيضاً للولي ــ (وهو أبو زرعة ولي الدين الإمام الحافظ أحمد بن الإمام الحافظ
عبد الرحيم العراقي ناظم الألفية) - الشيخُ زكريا الأنصاري في ((فتح الباقي)) (٢٠٢/٢).
(٨) (ص٣٥٢).

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٢٢٩
آدابُ الشيخ المحدِّثِ
وَنَجَّذَنِي مُدَاوَرَةُ الشُّؤُونِ(١)
أَخُو خَمسينَ مُجتَمعٌ أَشُدِّي
يعني أَحْكَمتني معالجةُ الأمور.
قال: (ولا بأسَ) به (لأَرْبعينا) عاماً. أي بعدَها، فليس ذلك بمستنكر،
لأنها حدُّ الاستواءِ، ومُنتَهى الكمالِ، نُبِّىَ رسولُ اللهِ وَّهِ وهو ابنُ أربعينَ، وفي
الأربعين تتناهى عزيمةُ الإنسان وقوَّتُه، ويتوقَّر عقلُه، ويجودُ رأيُه))، انتهى(٢) .
وقد رُوِّينا عن مجاهد عن ابن عباس أنه قَرأ: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾(٣) قال:
ثلاثٌ وثلاثون، ﴿وَأَسْتَوَىّ﴾(٤) قال: أربعون سنة. وقيل في ((الأَشُدّ)) غيرُ
ذلك(٥) .
(و) قد (رُدّ) هذا على ابنٍ خَلَّاد حيث لم يعكِسْ صنيعَه، ويجعل ٦٩٠
الأربعينَ التي وَصَفها بما ذَكر حدّاً لما يُستَحسن، والخمسين التي يأخذُ
صاحبُها غالباً في الانحطاطِ، وضعفِ القُوَى حدّاً لما لا يُستَنكر.
أو يجعلِ الأربعين - التي للجواز - أَوَّلًا، ثم يُردِفْ بالخمسين التي
(١) هذا البيت للشاعر المُخضْرَم سُحَيم - بمهملتين مصغر - بن وَثِيل - بفتح الواو وكسر
المثلثة بعدها، وبعدها مثناة تحتية - الرياحي: بكسر الراء وبعدها مثناة تحتية وبعد
الألف مهملة نسبة إلى (رياح) بطن من تميم.
والبيت من قصيدة مطلعها البيت المشهور:
أنا ابنُ جَلَا، وطلَاعُ الثنايا
متى أضعِ العِمَامةَ تَعْرِفُوني
وقوله: (ونجّذني) بنون ثم جيم ثم ذال معجمة ثم نون، قال في ((الصحاح)) نجد:
(ورجل مُنَجَّذ: مجرّب أحكمته الأمور). ثم أورد البيتَ المذكور.
وقد ورد البيتُ أيضاً في ((المحدث الفاصل)) (٣٥٢) و((الإصابة)) (١١٠/٢)، و((خزانة
الأدب)) (٢٦١/١) وغيرِها. والمشهور في (وَثِيل) الضبط المتقدم.
وهو الذي في ((الاشتقاق)) (٢٢٥)، و((الصحاح)) وغيرِهما. لكنْ في ((الإصابة)) أنه
بالتصغير .
(٢) من ((المحدث الفاصل)) (٣٥٣).
(٣) سورة القَصَص: الآية ١٤. و(الأَشُدُّ): بفتح ثم ضم: جَمْعُ شَدّ، والشَّدُّ: القوة.
والمراد من الآية هنا: ولما بلَغَ استحكامَ قُوةٍ شبابِهِ وسنِّه ((تفسير الطبري)» (٨٥/٨).
(٤) من الآية السابقة، والمعنى: ولما تناهى شبابُه، وتَمَّ خَلقُه واستَحكم. ((تفسير الطبري))
(٢٠ / ٤٢).
(٥) انظر: المصدرين السابقين.

آدابُ الشيخ المحدِّثِ
٢٣٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
للاستِحسان. والأمرُ في ذلك سهل. بل رُدَّ عليه مطلقُ التحديد، فقال عياضٌ
في ((إلْماعِه)): ((واستحسانُه هذا لا يقومُ له حجةً بما قال))، قال: ((وكَمْ من
السلف المتقدمين، فمَن بعدهم من المحدثين مَن لم ينْتِهِ إلى هذا السنّ، ولا
اسْتَوفَى هذا العمرَ، ومات قبلَه وقد نَشَر من العلم والحديثِ ما لا يُحصَى.
هذا عمرُ بن عبد العزيز تُوفي ولم يُكْمل الأربعينَ، وسعيدُ بنُ جُبَير لم
يبلغ الخمسين، وكذا إِبراهيم النَّخَعي. وهذا مالكٌ قد جلس للناس ابنَ نَيِّفٍ
وعشرين سنة، وقيل: ابنَ سبعَ عشرةَ، والناسُ مُتَوافِرُون، وشيوخُه - ربيعةُ،
وابنُ شهاب، وابنُ هُرْمُزَ(١)، ونافعٌ، وابنُ المُنْكَدِر (٢)، وغيرُهم - أحياءٌ، وقد
سَمع منه ابنُ شهاب حديثَ الفُرَيعة(٣) أختِ أبي سعيد الخدري)) (٤).
ثم قال: ((وكذلك الشافعي قد أُخذ عنه العلمُ في سنِّ الحداثة، وانتصَب
لذلك، في آخرين من الأئمة المتقدمين والمتأخرين))، انتهى(٥).
وروى الخطيبُ في ((جامعه)) من طريق بُنْدار(٦) قال: «قد كَتَبَ عني خمسةُ
قرون (٧)، وسألوني التحديثَ وأنا ابنُ ثماني عشرةَ سنةً، فاستَحْيَيْتُ أنْ أُحدثَهم
بالمدينة، فأخرجتُهم إلى البستان، فأطعمتُهم الرُّطَبَ وحدَّثْتُهم))(٨).
(١) هو عبد الرحمن بن هرمز الأعرج، الهاشمي مولاهم، الإمام الحافظ. مات سنة ١١٧.
((السير)) (٦٩/٥)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٩٠/٦).
(٢) هو محمد بن عبد الله بن الهُدَيْر، القرشي التيمي، الإمام الحافظ، مات سنة ١٣٠.
((السير)) (٣٥٣/٥)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٧٣/٩).
(٣) بالفاء والراء والعين المهملة، مصغراً، وهي بنت مالك بن سنان، صحابية جليلة،
شهدت بيعة الرضوان. ((أسدُ الغابة)) (٢٣٥/٦)، و((الإصابة)) (٣٨٦/٤).
(٤) انظر حديثَها هذا في: ((الموطأ)): كتاب الطلاق، باب مقَام المُتَوفَّى عنها زوجُها في
بيتها حتى تَحِلّ (٥٩١/٢)، وفيه أنها استأذنتِ النبيَّ ◌َ﴿ بعد وفاة زوجها أن تذهبَ إلى
أهلها، فطلب منها أن تُقِيمَ في بيتها حتى تنقضيَ عِدَّتُها. وأخرجه أيضاً أبو داود
والترمذي وقال: ((حديث حسن صحيح)) (٥٠٩/٣)، والنسائي، وأحمد، وغيرهم.
(٥) من («الإلماع)) (٢٠٠ - ٢٠٤).
(٦) الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن بشار البصري. مات سنة ٢٥٢ من رجال ((التهذيب)).
(٧) أي طبقات، فمن معاني القَرْن: الطَبَقَةُ الواحدة من العلماء. ((معجم تهذيب اللغة -
مادة: قرن)».
(٨) ((الجامع)) (٣٢٥/١).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٣١
آدابُ الشيخ المحدِّثِ
ومن طريق أبي بكر الأَعْيَن(١) قال: ((كتَبْنا عن البخاري - على باب
الفِرْيَابِي -(٢) وما في وجهه شَعْرَةٌ. فقلتُ: ابنَ كَمْ كَانَ؟ قال: ابنَ سبعَ عشرةَ
سنة))(٣) .
قال الخطيب: ((وقد حَدَّثتُ أنا ولي عشرون سنةً حين قَدِمتُ من
(البصرة))، كتبَ عني شيخُنا أبو القاسم الأزهري(٤) أشياءَ أَدْخَلها في تصانيفه،
وسألني فقرأتُها عليه، وذلك في سنة اثنتَي عَشرَة وأربعمائة))(٥).
قلتُ: ولم يكن حينئذٍ استَوفَى عشرَ سنين من حين طَلَبِهِ، فقد رُوِّينا عنه
أنَّه قال: ((أولُ ما سمعتُ الحديثَ ولي إحدى عَشْرَةَ سنةً، لأنِّي ولدتُ في
جمادى الأولى سنة اثنتَين وتسعينَ وثلاثمائة، وأولُ ما سمعت في المُحَرم سنة
ثلاث وأربعمائة))(٦). وكذا حدَّث الحافظُ أبو العباس أحمدُ بن مُظَفر (٧) وستُّه
ثمانَ عشرةَ، سمع منه الحافظُ الذهبي في السنة التي ابتَدَأَ الطَلَبَ فيها، وهي
سنةُ ثلاث وتسعين وستمائة (٨)، وحدَّثَ عنه في ((مُعْجَمِه)) بحديثٍ من ((الأَفْرادِ))
للدار قطني، وقال عَقِبَه: ((أَملاه عليَّ ابنُ مُظَفر وهو أَمْرَدُ))(٩) .
وحَدَّثَ أبو الثَنَاءِ محمودُ بن خليفة المَنْبِجِي(١٠) وله عشرون سنة، سَمِعَ
(١) الإمام الحافظ محمد بن أبي عَّاب البغدادي، مات سنة ٢٤٠ ((تذكرة الحفاظ)) (٢/
٥٥٢).
(٢) بكسر الفاء، وسكون الراء، واسمه محمد بن يوسف، وهو من أكبر شيوخ البخاري.
(٣)
((الجامع)) (٣٢٥/١).
(٤) عُبَيدُ الله بنُ أبي الفتحِ أحمدَ بنِ عُثمانَ، الصَيْرَفِيّ، ويُعرف بالأزهري، وبابنِ
السَوَادِي. مات سنة ٤٣٥. ((تاريخ بغداد)) (٣٨٥/١٠).
(٥) ((الجامع)) (٣٢٥/١).
(٦) (تاريخ بغداد)) (٣٥١/١) في أثناء ترجمة شيخِه أبي الحسن أحمدَ بن محمد المعروف
بابن رِزْقُویه .
(٧) مات سنة ٧٥٨، ((ذيل تذكرة الحفاظ)) (٣٢)، و((معجم الذهبي الآتي)).
(٨) ((ذيل تذكرة الحفاظ (( (٣٢)، و((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٠٤/٢).
(٩) ((معجم شيوخ الذهبي الكبير)) لوحة (١٨/ب).
(١٠) المحدث الصالح، مات سنة ٧٦٧، له ترجمةٌ في ((معجم شيوخ الذهبي الكبير)) لوحة
(١٧٦/ أ)، و((الوفيات)) (٣٠٩/٢).

آدابُ الشيخ المحدِّثِ
٢٣٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
منه التَقِيُّ السُّبْكِي(١) أحاديثَ مِن ((فضائلِ القرآن)) لأبي عُبَيَد (٢).
وحدَّث الشيخُ المصنفُ سنةَ خمس وأربعين وسبعمائة وله عشرون سنةً،
سمع منه الشهابُ أبو محمود أحمدُ بنُ محمد بنِ إبراهيمَ المَقْدِسي(٣). وكذا
سمعَ منه بعدَ ذلك سنة أربع وخمسين شيخُه العمادُ ابنُ كَثير(٤)، في آخرِين
كالمحبِّ ابنِ الهائم(٥) حيث حَدَّثَ ودرَّس، وقَرَّظَ لشيخِنا بعضَ تصانيفه وهو
ابنُ ثماني عشرةَ سنةً. وذلك من باب ((رواية الأكابر عن الأصاغر)) (٦).
وما أحسن قولَ عبدِ الله بنِ المُعْتَزّ: ((الجاهلُ صغيرٌ وإن كان شيخاً،
والعالِمُ كبيرٌ وإن كان حَدَثاً))(٧).
(و) لكنْ (الشيخُ) ابنُ الصلاح قد حملَ كلامَ ابنِ خلاد على محملٍ
صحيحِ حيثُ (بِغَير البارع) في العِلم (خَصَّصَ) تحديدَه، فإنه قال: ((وما ذَكره
ابنُ خلَاد غيرُ مستَنكَر، وهو محمولٌ على أنه قاله فيمن يتصدَّى للتحديثِ ابتداءً
من نفسه من غيرِ براعةٍ في العلم تعجَّلَتْ له قبلَ السنّ الذي ذكره، فهذا إنَّما
(١) الإمام الحافظ شيخ الإسلام تقي الدين علي بن عبد الكافي الأنصاري الخزرجي، مات
سنة ٧٥٦. ((الوفيات)) (١٨٥/٢)، و((ذيل تذكرة الحفاظ)) (٣٩).
(٢) ذكر ذلك العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٤٠٢/٢). وأبو عُبيد هو الإمام الحافظ
المجتهد، ذو الفنون القاسم بن سلام الهَروي. مات سنة ٢٢٤. ((تاريخ بغداد)) (١٢/
٤٠٣)، و((السير)) (٤٩٠/١٠).
(٣) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٠٤/٢)، وكذا في ترجمة الشهاب في ((لحظ الألحاظ))
(١٤٩)، وفيه أنه مات سنة ٧٦٥.
(٤) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٠٥/٢).
(٥) محب الدين محمد بن أحمد بن محمد بن عماد المصري. ولد سنة ٧٨٠ أو سنة
٧٨١، ومات سنة ٧٩٨ وعمرُه حوالي ثماني عشرة سنة. قال ابنُ حجر في ((إنباء
الغُمر)) (٣٠٨/٣): (كان من آيات الله في سرعة الحفظِ وجَودةِ القريحة اشتغل بالفِقهِ،
والقراءاتِ والحديثِ، ومَهَر في الجميع في أسرع مدة، ثم صنَّف وخرَّج لنفسِه
ولغيره ... وهو أذكى مَنْ رأيتُ من البَشَر، مع الدَين، والتواضع، ولطفِ الذات،
وحُسن الخلق والصيانة). قلتُ: وما أَحْرَى الشابَ المسلمَ أن يتأسَّى بمثل هذا العَلَمِ
في الجدِّ في الإقبال على طلب العلم والإخلاص فيه.
(٦) لأنَّ الحافظَ ابنَ حجر وُلِدَ قبلَه بحوالي سبع سنين وذلك سنة ٧٧٣.
(٧) ((الجامع)) (٣٢٦/١).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٣٣
آدابُ الشيخ المحدِّثِ
ينبغي له ذلك بعد استيفاءِ السنّ المذكورِ فإنه مَظِنَّةٌ للاحتياج إلى ما عنده (لا
كمالِكِ، والشافعي)، وسائرِ مَن ذَكرهم عياضٌ(١) مِمَّن حدَّث قبل ذلك، لأن
الظاهرَ أنَّ ذلك لِبَرَاعَةٍ منهم في العلم تقدَّمتْ، ظَهر لهم معها الاحتياجُ إليهم
فحدَّثوا قبلَ ذلك، أو لأنَّهم سُئِلوا ذلك إمَّا بصريحِ السُؤال، وإمَّا بقرينةِ الحال))
(٢) .
.
انتھی
وعلى هذا يُحمل كلامُ الخطيب أيضاً، فإنَّه قال: ((لا ينبغي أن يتصدَّى
صاحبُ الحديث للرواية إلَّا بعد دخوله في السنّ، وأمَّا في الحَدَاثة فإن ذلك
غير مُستَحسن))(٣). ثم ساق عن عبدِ الله بنِ المُعْتَز أنه قال: ((جَهلُ الشباب
مَعذورٌ، وعِلْمِه مَحقورٌ))(٣)، وعن حماد بن زيد أنَّه قيل له: إنَّ خالداً يُحَدِّث.
فقال: ((عَجِلَ خالدٌ))(٤) .
وبالجملة: فوقتُ التحديثِ دائرٌ بين الحاجة، أو سنّ مخصوص.
وهل له أَمَدٌ ينتهي إليه؟ اختُلف فيه أيضاً، فقال عياض(٥) وابن
الصلاح(٦): (وينبغي) له أي استحباباً (الإمساك) عن التحديث (إذْ) أي حيث ٦٩١
(يُخْشَى الهَرَمُ) الناشئُ عنه غالباً التَغَيُّرُ، وخوفُ الخَرَفِ والتَخْلِيط، بحيث
يَروِي ما ليس من حديثِه. قال ابنُ الصلاح: ((والناسُ في السنِّ الذي يَحصلُ
فيه الهرمُ يتفاوَتُون بحسبِ اختلافِ أحوالِهم)»(٧)، يعني فلا ضابطً حينئذٍ له
(و) لكنْ (بالثمانين) أبو محمد (ابنُ خَلَّه) الرَّامَهُرْمُزِي أيضاً (جَزَمَ) حيثُ
حَدَّهُ بها، وعبارته: ((فإذا تناهَى العُمُرُ بالمحدثِ فَأَعْجَبُ إليَّ أَنْ يُمْسكَ في
الثمانين، فإنَّه حَدُّ الهَرَم)). قال: ((والتسبيحُ، والذِّكرُ، وتلاوةُ القرآن أَوْلى
بأبناءِ الثمانين)). قال: ((فإنْ يَكُنْ ثَابتَ عقل) مُجتَمِعَ رَأْي یَعرِفُ حدیثَه،
٦٩٢
ويقومُ به، وتَحرَّى أنْ يحدثَ احتساباً (لم يُبَلْ) أي لَم يبالِ بذلك، بل رَجَوْتُ
له خیراً))(٨).
(١) في ((الإلماع)) (٢٠١).
(٢) من ((علوم الحديث)) (٢١٤).
(٣) ((الجامع)) (٣٢٢/١).
(٤) ((الجامع)) (٣٢٣/١)، وهو في ((المحدث الفاصل)) (٣٥٢).
(٥)
((الإلماع)) (٢٠٤).
(٧) ((علوم الحديث)) (٢١٥).
(٦) ((علوم الحديث)) (٢١٥).
(٨) ((المحدث الفاصل)) (٣٥٤).

آدابُ الشيخ المحدِّثِ
٢٣٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ولذا قال ابنُ دقيق العيد: ((وهذا - أي التقييدُ بالسنِّ - عندما يظهرُ منه
أَمَارَةُ الاختلالِ ويخافُ منها. فأَمَّا مَنْ لَم يظهر ذلك فيه فلا ينبغي له
الامتناعُ. لأنَّ هذا الوقتَ أحوجُ ما يكون الناس إلى روايته)) (١)، يعني كما
وَقَع لجماعة من الصحابة (كأنس) هو ابن مالك، وحَكِيمِ بنِ حِزَامٍ حيث
حَدَّث كلٌّ منهما بعد مُجَاوَزَةِ المائةِ. ولجماعةٍ من التابعين كَشُرَيح
القاضي(٢). ومن أَتباعِهم كالليث (ومالك) هو ابن أنس، وابنِ عُيَيْنَةِ(٣) (ومَن
فَعَل) ذلك غيرُهم من هذه الطباق، وبعدَها ومنهم الحسنُ بنُ عَرَفَةَ(٤). (و)
أبو القاسم عبدُ الله بنُ محمد بنِ عبد العزيز (البَغَوِي(٥)، و) أبو إسحاقَ
إبراهيمُ بنُ علي (الهجَيمي) (٦) بالتصغير نسبة لهُجَيم بن عَمرو. (وفِئةٍ) أي
جماعة غيرِهم (ك) القاضي أبي الطيِّب طاهرِ بن عبد الله (الطَّبَرِي)(٧)،
والحافظِ أبي طاهر السِّلَفِي (٨)، كلهم (حَدَّثُوا بعد المائة). واختص الهُجَيْمي
عمّن ذُكر - حسبما ذكره ابنُ الصلاح في ((فوائدِ رحلته)) - بأنه كان آلَى أَنْ
لا يُحَدِّثَ إلَّا بعد استيفاءِ المائة، لأنه رأى في منامه أنه قد تَعمَّم وَرَدَّ على
٦٩٣
(١) ((الاقتراح)) (٢٦٩).
(٢) هو شريح بن الحارث بن قيس الكِنْدِي قاضي الكوفة. مات سنة ٧٨ أو بعدها وقد
جاوز المائة. قال الذهبي في ((السير)) (١٠٦/٤): ((وقال أبو نُعَيم: عاش مائة وثماني
سنين)). وقد جاء هذا القولُ منسوباً لأبي نُعَيم في ((تهذيب التهذيب» (٣٢٧/٤) ولكنْ
فيه: ((وهو ابنُ مائة وثمانين سنة)). وهو تصحيف.
(٣) يظهر من كلام السخاوي هنا أن الليثَ ومالكاً وسفيانَ بنَ عيينة قد حَدَّثوا بعد المائة.
وليس كذلك (فالليث ولد سنة ٩٤ ومات سنة ١٧٥، ومالك ولد سنة ٩٣ ومات سنة
١٧٩، وابن عيينة ولد سنة ١٠٧ ومات سنة ١٩٨. وعلى هذا فقد حدث هؤلاء بعد
الثمانين، وهو نص كلام ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢١٥) وهو أيضاً مقتضَى
كلامِ الناظم في ((الألفية))، ونصُّه في ((شرحها)) (٢٠٧/٢).
(٤) العَبْدِي البغدادي - صاحبُ ((الجُزء)) الشهير - ولد سنة ١٥٠، ومات سنة ٢٥٧. (السير)) (٥٤٧/١١).
(٥) ولد سنة ٢١٤، ومات سنة ٣١٧. ((تاريخ بغداد)) (١١١/١٠).
(٦) ولد - كما في ((السير)) (٥٢٥/١٥) - سنة نيف وخمسين ومائتين. وقال في ((شذرات
الذهب)) (٨/٣): ((مات في آخر سنة ٣٥١ وقد قارب المائة)).
(٧) ولد سنة ٣٤٨، ومات سنة ٤٥٠، ((تاريخ بغداد)) (٣٥٨/٩) كما مضى (ص١١٢) من هذا الجزء.
(٨) ولد سنة ٤٧٥، ومات سنة ٥٧٦. مضت ترجمته.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٣٥
آدابُ الشيخ المحدِّثِ
رأسه مائةً وثلاثَ دَوْرَات. فعُبِّر له أنْ يعيشَ سنينَ بِعَدَدِهَا. فكان كذلك(١).
وممن قاربَ المائةَ من شيوخنا وهو على جَلالته في قُوة الحافظة
والاستحضار: القاضي سعدُ الدين بنُ الدَيْرِيّ(٢). ولم يتغيرُ واحدٌ من هؤلاء،
بل ساعدَهمِ التوفيقُ، وصَحِبَتْهم السلامةُ وظهر بذلك مصداقُ ما رُوِيَ عن مالكٍ
أنه قال: ((إنَّما يَخْرَفُ الكذابون))(٣) يعني غالباً، حتى إنَّ القارئَ قرأً يوماً على
الهُجَيْمِي - بعد أَنْ جَاوز المائةَ - حديثَ عائشةَ في قصةِ ((الهجرة)) (٤) وفيه: ((أَنَّ
الحُمَّى أصابتْ أبا بكرٍ، وبلالًا، وعامِرَ بنَ فُهَيْرَةَ، وكانوا في بيتٍ واحد،
فقالت له عائشة: كيف تَجِدُكَ يا عامرُ؟ فقال:
إِنِّي وَجَدْتُ الموتَ قبل ذَوْقِه إِنَّ الجَبانَ حَتْفُه مِنْ فَوْقِهِ
كالثَورِ يَحْمِي جِسْمَه بِرَوْقِهِ (٥)
كلُّ امرئٍ مُجاهِدٌ بِطَوْقِهِ
فقال: ((كالكلب)) بدل قوله: ((كالثور)) - ورَامَ اختبارَه بذلك - فقال له
الهُجَيْمي: ((قل: كالثورِ - يا ثَورُ - فإنَّ الكلبَ لا رَوْقَ له، إذِ الرَّوْقُ بفتح
الراء، ثم السكون: القَرْنُ. فَفَرِح الناس بصحةِ عَقْله، وجَوْدةِ حِسِّه))(٦).
قال عياض: ((وإنما كَره مَنْ كَرِه لأصحابِ الثمانين التحديثَ لكون
(١) ((الإلماع)) (٢٠٨)، وأوردها الذهبي في ((السير)) (٥٢٥/١٥).
(٢) هو أبو السعادات سعد بنُ محمد بن عبدِ الله النابلسي الأصل نزيل القاهرة (٧٦٨ -
٨٦٧هـ) ((الضوء اللامع)) (٢٤٩/٣).
(٣) («الإلماع)) (٢٠٨).
(٤) أخرجه البخاريُّ في ((مناقب الأنصار)): باب مَقدَم النبي وَ ﴿ وأصحابه المدينة (٧)
٢٦٢)، ومالك في ((الجامع)): باب ما جاء في وباء المدينة (٨٩٠/٢) كلاهما من
طريق مالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة وليس فيهما البيتان الآتيان.
وأخرجه مختصراً مسلمٌ في الحج: باب الترغيب في سكنى المدينة .. (١٠٠٣/٢) من
طريق عَبْدَةَ - ابن سليمان الكلابي - عن هشام به.
(٥) قصةُ عائشةَ مع عامر بن فُهَيرة وإنشادُه البيتين زادها ابنُ إسحاقَ في روايته عن هشام بن
عروة وعُمر بنِ عبد الله بن عروة عن عروة عن عائشة. ((سيرة ابن هشام)) القسم الأول
(٥٨٨)، وأخرج مالكٌ بعضَها (٨٩١/٢) بسند منقطع عن يحيى بن سعيد عن عائشة.
وفي ألفاظها بعض الاختلاف. وقوله: (بِطَوْقه) أي بِوُسْعِهِ وطَاقَتِهِ.
(٦) ذكر قصةَ الهجيمي هذه عياضٌ في ((الإلماع)) (٢٠٨)، والذهبي في ((السير)) (١٥/
٥٢٥)، والعراقي في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٠٧/٢).

آدابُ الشيخ المحدِّثِ
٢٣٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الغالب على مَن يبلغُ هذا السنَّ اختلالُ الجِسم والذِّكْر، وضعفُ الحال، وتَغَيُّرُ
الفهم، وحلولُ الخَرَفِ، فخيفَ أن يبدأَ به التغيُّرُ والاختلالُ فلا يُفطَنُ له إلَّا
بعد أن جازَتْ عليه أشياءُ))(١).
وتَبِعَه ابنُ الصلاح في هذا التوجيهِ فقال: ((من بلغَ الثمانينَ ضَعُفَ حالُه في
الغالب، وخيفَ عليه الاختلالُ والإخلالُ، وأَنْ لا يُفطَنَ له إلَّا بعد أنْ يَخلطَ كما
اتفق لغيرِ واحدٍ من الثقاتِ، منهم: عبدُ الرزاق، وسعيدُ بنُ أبي عَرُوبة))(٢).
على أنَّ العِمادَ ابنَ كثير(٣) قد فضَّل بين من يكون اعتمادُه في حديثه على
حِفظه وضَبطِه فينبغي الاحترازُ من اختلاطِه إذا طَعن في السن، أَوْ لَا، بَلٍ
الاعتمادُ على كِتابه، أو الضابطِ المفيدِ عنه فهذا كُلَّما تقدم في السن كان الناس
أرغبَ في السماع منه، كالحَجَّار (٤)، فإنَّه جَازَ المائةَ بيقينٍ، لأنَّه سَمِعَ
((الْبُخَاريَّ) على ابنِ الزَّبِيدِي(٥) في سنة ثلاثين وستمائة، وأَسمعه في سنة ثلاثين
وسبعمائة. وكان عامِّياً لا يَضبط شيئاً، ولا يَتَعَقَّل كثيراً. ومع هذا تَدَاعَى الأئمةُ
والحُفاظُ - فضلاً عمّن دونَهم - إلى السماع منه، لأجل تفرُّدِه، بحيثُ سمعَ منه
مائةُ ألفٍ أو يزيدون.
قلت: وقد أفردَ الذهبيُّ كُرَّاسةً أورد فيها - على السنين - مَنْ جَاوَز
المائةَ(٦). وكذا جمعَ شيخُنا كتاباً في ذلك على الحروف، ولكنْ ما وقفتُ عليه
- بل وما أظنه بُيِّضَ - ويوجد فيهما جملةٌ من أمثلةِ ما نحن فيه.
وفيه رَدِّ على أبي أمامةَ ابنِ النَّقَّاش (٧) حيثُ زعم أنه لا يعيشُ أحد من
(٢) علوم الحديث (٢١٥).
(١) الإلماع (٢٠٩).
(٣) في ((اختصار علوم الحديث)) (١٤٧).
(٤) هو الشيخ المسند المعمّر أبو العباس أحمد بن أبي طالب المعروف بابن الشِّخْنَة مات
سنة ٧٣٠ («البداية والنهاية)) (١٥٠/١٤).
(٥) هو: أبو عبد الله الحسين بن المبارك الحنبلي (٥٤٦ - ٦٣١هـ). ((شذرات الذهب)) (٥٪
١٤٤). وفي ترجمتِهِ الآتيةِ (ص٣٧٣) زيادةٌ على ما هُنا.
(٦) طبعت في بغداد عام ١٩٧٣م بعنوان: ((أهل المائة فصاعداً))؟.
(٧) هو الفقيه الواعظ المفسر محمد بن علي بن عبد الواحد المغربي الأصل المصري
الشافعي (٧٢٠ - ٧٦٣هـ)، «الدرر الكامنة)) (٧١/٤)، و((شذرات الذهب)) (١٩٨/٦).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٣٧
آدابُ الشيخ المحدِّثِ
هذه الأمة فوق مائةٍ مُتَمسِّكاً بحديثٍ جابرٍ في ((الصحيح)): ((ما على الأرض
نَفْسٌ مَنْفُوسةٌ تأتي عليها مائةُ سنة)»(١)، حسبما سمعه البرهانُ الحلبيُّ من الناظمِ
عنه(٢).
[بل جَمَعَ ابنُ الجوزي أعمارَ الأعيان(٣). وأصغرُ مَن عنده من الصغار
الفُطَنَاءِ مَن لم يزد على إحدى عشرة سنة. وأعلى مَنْ ذَكر من المعمَّرين مَنْ زاد
على الألف. وبَيَّن فوائدَ الاعتناءِ بذلك في الطَّرَفين، وما نحن فيه مِن
أفراده] (٤).
(و) كذا (ينبغي) استحباباً (إمساك الاعْمَى) بنَفْل الهمزة، - سواءٌ القديمُ ٦٩٤
عَمَاه، أو الحادث - عن الروايةِ (إِنْ يُخَفْ) أن يُدخَلَ عليه في حديثه ما ليس
منه لكونه غيرَ حافظ، بل ولو كان حافظاً، كما وقع لجماعة حسبما قدمتُه في
((الفصل الأول)) من ((صفة رواية الحديث وأدائه))(٥) مع الإمعان فيه وفي الأمّيّ
بما يغني عن إعادته.
وينبغي استحباباً أيضاً - حيثُ بانَ الحضُّ على نَشْر الحديث مع ما بعده
من المسائل التي انْجَرَّ الكلام إليها - أنْ لا تحملَه الرغبةُ فيه على كراهةٍ أن
يُؤْخَذَ عَنِ غَيْرِه - فإنَّ هذه مصيبةٌ يُبتَلَى بها بعضُ الشيوخ، وهي دليلٌ واضح
على عدم إرادة وجهِ الله - ولا على إخفاءِ مَنْ يَعْلَمه مِن الرواة ممن لا يُوَازِيه.
(١) أخرجه مسلم في ((فضائل الصحابة)): باب قوله وَّير: ((لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض
نفس منفوسة اليوم)) (١٩٦٦/٤) من طريق أبي الزُبير عن جابر ولفظه: ((ما على الأرض
من نفس منفوسة ... )). وأخرجه أيضاً من طريق أبي نَضْرة عن جابر بلفظ: (ما من نفس
منفوسة اليومَ تأتي عليها مائةُ سنة وهي حية يومئذ)). وهذه الرواية توضِّح أن المقصودَ من
هذا الحديث أنه عند انقضاء مائة سنة من قوله وس و ذلك لن يبقى أحد ممن كان موجوداً
(مَنْفُوساً) في عهده وَ له حين قال هذا النبأ. وقد قاله وَّه قبل موته بشهر.
هذا والحديث متفق عليه من حديث ابن عمر: البخاري في العلم: باب السمر في
العلم (١/ ٢١١)، ومسلمٌ في الموضع السابق.
(٢) (التقييد والإيضاح)) (٣٥٩).
(٣) وذلك في كتاب سَمّاه: ((أعمار الأعيان)). ((كشف الظنون)) (١٢٨/١)، وفيه: (ابتدأ فيه
بمن مات وله عَشرُ سنين. وانتهى إلى ألف سنة).
(٤) ما بين المعكوفين ساقط من (س) و(م). (٥) (ص١١٢).

آدابُ الشيخ المحدِّثِ
٢٣٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٦٩٥
(وَأَنَّ مَنْ سِيلَ) بكسر المهملة وتخفيف الهمزة للضرورة أَنْ يُحَدِّثَ (بجُزْء)
أو كتاب، أو نحوهما (قَدْ عَرَفَ رُجْحَانَ راوٍ) من أهل عَصْره ببلده، أو غيرِها
(فيه) إما لكونه أَعْلى، أو متصلَ السماع بالنسبة إليه، أو غيرَهِما من
الترجيحات، ولو بالعلم والضَّبطِ فضلاً عن أن يكون شيخُه فيه حيّاً (دلَّ) السائلَ
له عليه، وأرشَده إليه ليأخذَه عنه، أو يَستَدْعِيَ منه الإجازةَ إنْ كان في غير بلدِهِ
ولم تُمْكِنْه الرِّحلةُ إليه (فهو) أي التنبيهُ بالدلالة على ذلك (حقٌّ) ونصيحةٌ في
العلم؛ لكون الراجح به أحقَّ، وقد فعلَه غيرُ واحدٍ من الصحابة والأئمة. قال
شُرَيح بن هانئ: ((سألتُ عائشةَ ﴿ُها عن ((المَسْحِ)) يعني على الخُفَّين. فقالت:
ائتِ عَلِيّاً فإنه أعلمُ بذلك مني)) (١). وقال ابنُ شهاب: ((جلست إلى ثَعْلَبَةَ بنِ أَبِي
صُعَيْرِ (٢) فقال لي: أَراكَ تحبّ العلمَ؟ قلت: نعم، قال: فعليك بذاك (٣) الشيخِ
- يعني سعيدَ بنَ المُسَيب - قال: فلزمتُ سعيداً سبعَ سنين، ثم تحوّلتُ من عنده
إلى عروةً فتفجّرتُ منه بحراً)).
وقال حمدانُ بن علي الورّاق: ((ذهبنا إلى أحمدَ فسألناه أن يحدثنا فقال:
تسمعون مني ومِثْلُ أبي عاصم في الحياة؟)). أخرجهما الخطيب(٤).
ونحوه ما عندَه في ((الرِّحْلَة)) له عن الفضل بن زياد قال: ((سمعت أحمدَ
- وقال له رجل: عمّن تَرى أنْ نَكتبَ الحديثَ؟ - فقال: اخرُج إلى أحمدَ بن
يُونسَ، فإنه شيخُ الإسلام)) (٥) في آخرَين من السلف والخلف، منهم: عمرو بن
دينار، فإنه دلَّ سفيانَ بنَ عُيَينة - وغيرَه من أصحابه المكيين - على السماع من
صالح بن كَيْسَانَ المدني حين قَدِمَها عليهم، كما وقعتِ الإشارةُ لذلك في
(١) أخرجه مسلمٌ في ((الطهارة)): باب التوقيت في المسح على الخفين (٢٣٢/١)، وغيره.
(٢) بصاد وعين مهملتين مصغراً. ((الإكمال)) (١٨٢/٥). وثعلبةُ هذا يقال له: ثعلبةُ بنُ
صُعَير، ويقال: ابنُ عبد الله بن صُعَير، ويقال: ابن أبي صعير. وهو صحابي من بني
عُذْرة. ((الإصابة)) (٢٠٠/١)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٣/٢).
(٣) في (م): بذلك.
(٤) في ((الجامع)) (٣١٧/١، ٣١٨).
(٥) ((الرحلة في طلب الحديث)) (٩٢) لكن فيه: (أحمد بن يوسف) وهو تصحيف و((تهذيب
الكمال)» (٣٧٧/١). والمذكور هو الإمام الحافظ أحمد بن عبد الله بن يونس التميمي
اليربوعي الكوفي (١٣٢ - ٢٢٧هـ) ينسب لجده.

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٢٣٩
آدابُ الشيخ المحدِّثِ
((الحج)) من ((صحيح البخاري))(١)، هذا بَعْدَ لُفِيٍّ عَمرٍو لصالح وأَخْذِه عنه مع
کون عمرو أقدمَ منه.
وكان شيخُنا تَخْذَتُهُ يُحيل غالباً مَنْ يسأل في ((صحيح مسلم)) على الزَّين
الزَّرْكَشي(٢). وقال مرةً لبعضٍ أصحابِنا(٣): ((إذا سمعتَ على فلان كذا، وعلى
فلانٍ كذا، وعلى فلانٍ كذا كنتَ مُسَاوِياً لي فيها في العدد).
بل كان يفعل شيئاً أخصَّ من هذا، حيث يُحضِر مَنْ يعلم انفرادَه من
المسمِّعين بشيء من العوالي مجلسَه لأجل سماع الطلبةِ - ومن يلوذُ به - له.
وربما قرأ لهم ذلك بنفسِه. وفَعَل الوليُّ ابنُ الناظِم شيئاً من ذلك.
على أن ابنَ دقيق العيد خَصَّ ذلك بما إذا حصل الاستواءُ فيما عدا
الصفةَ المرجِّحَةَ، أما مع التفاوت بأن يكون الأعلى عامِّياً لا معرفةً له بالصنعة،
والأنزلُ عارفاً ضابطاً فهذا يُتَوقف فيه بالنسبة إلى الإرشاد المذكور، لأنه قد
يكون في الرواية عن هذا العامِّي ما يوجب خللاً))، انتهى (٤).
فإن أَحضره العالِمُ إلى مجلِسه - كما فعل شيخُنا، وغيرُه - أو أكرَمه
بالتوجّه إليه، أو كان القارئُ، أو بعضُ السامعين من أهل الفن فلا نزاعَ حينئذٍ
في استحباب الإعلام.
(و) كذا ينبغي استحباباً (ترك تحديثٍ بحضرة الأحقِّ) والأَوْلى منه من
(١) كتاب جزاء الصيد: باب لا يُعِين المحرمُ الحَلالَ في قتل الصيد (٢٧/٤) والحديث من
طريق سفيان عن صالح بن كيسان عن أبي محمد عن أبي قتادة: وفي آخره قول
سفيان: ((قال لنا عمرو: اذهبوا إلى صالح فَسَلُوه عن هذا وغيره))، يعني أن روايةَ
سفيانَ بنِ عيينة عن صالح هذا الحدیثَ إنما كانت بدلالة عمرو بن دينار.
(٢) زين الدين عبد الرحمن بن محمد بن عبد الله، أبو ذر، ولد سنة ٧٥٨. ((حسن
المحاضرة)) (٤٨٣/١) ولم يذكر تاريخ وفاته. وذكره ابن العماد في ((الشذرات)) (٧/
٢٥٦) في وفيات سنة ٨٤٥، لكنه أرَّخَ ولادته في سابع عشر رجب سنة ٧٥٠. أما
السخاوي في ((الضوء اللامع)) (١٣٧/٤) فأرخ ولادته سنة ٧٥٨ ووَفَاتَه سنة ٨٤٦.
(٣) جاء في حاشية (س) تعليقاً على هذا ما نصه: ((هو الجمال ابن السابق كَّفُ)). قلت:
والجمال هذا هو محمد بن محمد بن محمد بن محمد الحموي الشافعي، ذكره
السخاوي في ((الضوء اللامع)) (٣٠٥/٩).
(٤) من ((الاقتراح)) (٢٧١).

آدابُ الشيخ المحدِّثِ
٢٤٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
جهة الإسناد أو غيرِهِ، فقد روى الخطيبُ أن إبراهيمَ النَّخَعِي كان إذا اجتمع مع
الشعبيِّ لا يتكلمُ إبراهيمُ بشيء، فإنْ كان غائباً فلا))(١).
٦٩٦
(وبعضُهم كَرِهَ الاخْذَ) - بالنقل - (عنه ببلدٍ وفيه) من هو لِسنِّه أو عِلمِه،
أو ضَبطِه، أو إسنادِه (أَوْلَى منه) لحديثِ سَمُرَةَ: ((لقد كنتُ على عهدٍ
رسول الله ﴿ ﴿ غلاماً فكنتُ أحفظُ عنه، وما يمنعُني من القول إلَّا أنَّ هُهنا
رجالًا هم أسنُّ مني))(٢).
ورَوى الخطيب أيضاً عن عاصم قال: ((كان زِرٍّ أكبرَ من أَبِي وائلٍ فكانا إذا
اجتمعا لم يُحدِّث أبو وائلٍ مع زِرّ))(٣). وعن عُبَيد الله بن عُمر قال: ((كان يحيى بن
سعيد(٤) يحدثُنا فإذا طلعَ ربيعةٌ قَطَعَ يحيى حديثَه إجلالاً له وإعظاماً))(٥). وعن
حسين بن الوليد النَّيْسَابُورِي قال: ((سئل عَبدُ الله بنُ عُمر العُمَرِيُّ المُكَبَّرُ عن شيءٍ
من الحديث فقال: أمَّا وأبو عثمانَ - يعني أخاه عُبيدَ الله المُصَغَّرَ - حَيٍّ فلا))(٦).
وعن الثوري أنه قال لابن عُبَينة: ((ما لك لا تُحَدِّثْ؟ قال: أمَّا وأنت حيٍّ فَلَا))(٧).
ونحوُه قولُ الناظم - لما سُئل أن يحدثَ بـ«مسندِ الدارمي -: ((أما والشيخ
برهان الدين التّنُوخِي حَيٍّ فَلَا))(٨).
وعن أبي عبدِ الله المُعَيْطِي(٩) قال: ((رأيت أبا بكر بنَ عَيَّاش بـ(مكة))،
(١) ((الجامع)) (٣٢٠/١).
(٢) أخرجه مسلم في ((الجنائز))، باب أين يقوم الإمام من الميت (٦٦٤/٢)، والخطيب في
((الجامع)) (٣١٨/١).
(٣) ((الجامع)) (٣٢٠/١). وزِرٌّ - بكسر الزاي وبعدها راء مشددة - هو ابن حُبيش - بحاء
مهملة، ثم موحدة بآخره شين معجمة، مصغر - الأسدي الكوفي ثقة مخضرم مات سنة
٨١ أو بعدها وهو ابن مائة وسبع وعشرين سنة ((تهذيب التهذيب)) (٣٢١/٣).
وأبو وائل هو شَقِيقُ بنُ سَلَمة الأسدي الكوفي ثقة مخضرم مات في خلافة عمرَ بن
عبد العزيز، أو قبلها المصدر السابق (٣٦١/٤).
(٤) الأنصاري المدني. (السير)) (٤٧٢/٥). (٥) ((الجامع)) (٣٢٠/١).
(٦) ((الجامع)) (٣١٩/١).
(٧) ((الجامع)) (٣١٨/١).
(٨) التنوخي: هو شيخُ الإقراء، ومسندُ القاهرة: إبراهيمُ بن أحمد بن عبد الواحد بن
عبد المؤمن. مات سنة ٨٠٠، سمع منه الإمامُ الذهبيُّ أحدُ شيوخه. ((إنباء الغمر)) (٣/
٣٩٨)، و((الدرر الكامنة)) (١١/١).
(٩) محمد بن عمر، مات سنة ٢٢٢. ((تاريخ بغداد)) (٢٢/٣)، و((الأنساب)) (٣٦٣/١٢).