النص المفهرس
صفحات 181-200
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث ١٨١ الروايةُ مِنْ أَثْنَاءِ النُّسَخِ التِي إِسْتَادُها واحدٌ الفصلُ التاسعُ (الروايةُ مِنْ) أَثْنَاءِ (النُّسَخِ التي إِسْنَادُها واحدٌ) (والنُّسَخُ) والأجزاءُ (التي) مُتُونُها (بإسنادٍ) واحدٍ (قَطُّ) أي فقط، كَنُسخةٍ همّامِ بنِ منَبِّهِ عن أبي هريرةَ، رِوَايةِ عبدِ الرزاقِ عن مَعمَرٍ عنه(١)، ونُسخَةٍ شُعَيبَ عن أبي الزِّنادِ عن الأَعرج عن أبي هريرة(٢)، ونُسخةٍ عَمرٍو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جَدّه(٣) (تَجْدِيدُهُ) أي الإسنادِ (في كلِّ مَتْنٍ) منها (أَخْوطُ)، كما يفعلُه بعضُ أهلِ الحديث، ويوجَدُ في كثيرٍ من الأُصوَّلِ القديمةِ، بل أَوْجَبَهُ بعضُ المتشدِّدين (و) لكنِ (الأغلبُ) أي الأكثرُ من صنيعِهم (البَدْهُ بِهِ) أي بالإِسنادِ في أولها، أو في كلِّ مجلسٍ من سماعِها (ويُذْكَرُ ما بعدَه) من الأحاديث (مع) - بالسكون - قَوْلِه في أولَ كلِّ حديثٍ منها: (وبه) أي وبالإسنادِ السابق، أو السَّنَدِ، ونحوِ ذلك (والأكثرُ) ومنهم وكيعٌ، وابنُ مَعِينٍ، والإسماعيليُّ(٤) (جَوَّزَ أَنْ يُفْرِدَ بعضاً) من أحاديثها من أيِّ مكانٍ شاءَ (بالسنَدِ) المعطوفِ عليه (لآخِذٍ كذا) أي جَوَّزَ ذلك لِمَنْ سَمِعَها كذلِكَ. أما وكيعٌ فإنه قيل له: المُحدثُ يقولُ في أول الكتاب: ((ثنا سفيانُ عن منصور))، ثم يقول 171 ٦٦٢ ٦٦٣ (١) طبعت بتحقيق الدكتور محمد حميدُ الله. وقد رواها الإمام أحمدُ بِرُمَّتِها في ((مسنده)). (٢) قال الحافظ في ((الفتح)) (٣٤٦/١): ((والظاهر أنَّ نسخةَ أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة كنُسخةٍ مَعْمَر عن همام عنه. ولهذا قَلَّ حديثٌ يوجد في هذه إلا وهو في الأخرى، وقد اشْتَمَلَتَا على أحاديثَ كثيرةٍ أخرج الشيخان غالبَها وابتداءُ كلِّ نسخةٍ منهما: حديثُ: ((نحن السابقون الآخِرُون)) انتهى. والحديثُ متفق عليه، وسيأتي بيانُ موضعه منهما (ص١٨٥). (٣) رواها. الإمام أحمد في ((المسند)) (١٧٨/٢ - ٢٢٦). (٤) وممَّن عزاه للأكثرين أيضاً ابنُ الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢٠٥)، والحافظُ العراقي في شرح التبصرة والتذكرة (١٨٩/٢). الروايةُ مِنْ أَثْنَاءِ النُّسَخِ التِي إِسْنَادُها واحدٌ ١٨٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث فيما بعدَه: ((وعن منصور ... ))، فهل يُقال في كلِّ ذلك: ((ثنا فلان عن سفيانَ عن منصور))؟ فقال: ((نعم، لا بأس به))(١) . وأما ابنُ مَعِينٍ فقال: ((أحاديثُ همام لا بأسَ أن يَقْطَعها))(٢)، وقال - إذْ قيلَ له: إنَّ وَرْقاءَ بَنَ عُمَر كان يقولُ في أول حديثِه: عن ابنِ أَبِي نَجِيحِ عنِ مُجَاهد، يعني ثم يعطف عليه، فهل تَرى بأساً أَنْ يُخرجَها إنسان فيكتبَ فيّ كلِّ حديثٍ: وَرْقَاءُ عن ابنِ أبي نَجِيحِ عن مُجَاهد؟ -: ((إنَّه لا بأسَ به))(٣). وأمَّا الإسماعيليُّ فقال: ((إنَّه يجوزُ إذا جُعل إسنادٌ واحدٌ لعدةٍ مِنَ المتون أن يُجَدَّدَ الإسنادُ لكلِّ متن))(٤) . وَمَنَعَ منهُ الأُستاذ أبو إسحاقَ الإسْفَرَايِنِي في الأسئلةِ التي سألَه عنها الحافظُ أبو سَعد بنُ عَلِيَّك(٥)، وقال: ((إنَّه لا يجوزُ أنْ يُذكَرَ الإسنادُ في كلِّ حديثٍ منها لِمَنْ سماعُه على هذا الوصف)) (٦). وكذا مَنَعَ منه بعضُ المحدثين، ورآه تدليسً(٧) . يعني من جهة إيهامِه أنه كذلك سَمِعَ بتكرارِ السَّنَد، وأنَّه كان مُكَرَّراً تَحْقِيقاً، لا حُكماً وتقديراً إلا أَنْ يُبَيِّنَ كيفيةَ التحمّل. والمُعتمدُ الجوازُ، لأنَّ المعطوفَ له حكمُ المعطوفِ عليه، وهو بمثابةٍ تقطيع المتنِ الواحدِ في أبوابٍ بإسنادِه المذكورِ في أوَّلِ المتن(٨)، وقريبُ الشَّبَهِ بالنقل من أثناءِ الكتبِ التي يقعُ إيرادُ السندِ بها في أوَّل الكتابِ أو المَجلِس. (١) أخرجه الخطيب في الكفاية (٢١٥). (٢) الكفاية (٢١٤). (٣) ((الكفاية)) (٢١٥). (٤) المصدر السابق. (٥) بفتح العين المهملة وكسر اللام وبعدها مثناة تحتية مشددة مع الفتح، وقيل في ضبطه غيرُ ذلك، انظر له: ((الإكمال)) (٢٦١/٦)، و((التبصير)) (٩٦٦/٣). وابن عليك هذا هو أبو سعد عبدُ الرحمن بن الحسن النيسابوري، حافظ حجة إمام، مات سنة ٤٣١. ((السير)) (١٧/ ٥٠٩). تنبيه: جاءت كنيته عند ابن ماكولا في ((الإكمال)) (٢٦٢/٦): أبو سعيد. والذي عند الذهبي في ((السير))، وابنٍ حجر في ((التبصير)) والسخاوي هنا: أبو سعد. فلعلَّ الأول وهم. (٦) عزاه ابنُ الصلاح أيضاً للإسفرائني ((علوم الحديث)) (٢٠٥). (٧) ((علوم الحديث)) (٢٠٥). (٨) قاله الخطيب في ((الكفاية)) (٢١٤)، وابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢٠٥). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٨٣ الروايةُ مِنْ أَثْنَاءِ النُّسَخِ التِي إِسْنَادُها واحدٌ وكذا في آخرِهِ غالباً لأجل مَن يتجدَّد من السامعين، ويُكتَفَى في كلِّ حديثٍ منها بقوله: ((وبه)) حيثُ اتفقُوا على جوازِهِ، بل لا فرقَ. قال بعضُ المتأخرين: ((وينبغي أنْ يُحْملَ المنعُ على التنزيهيّ وما يُخالِف الأَوْلَى، لا على التَحتُّمِي، إذْ لا وجهَ للحَمْلِ على ذلك إلَّا أنْ يقالَ: ((بابُ الرواية اتّباعٌ لا ابتداءٌ))، وهو لَمْ يَروِ على هذا الوجهِ من التفرقةِ، فيكونُ ذلك من مُبْتَدَعَاتِها لا من اتِّاعاتِها)). (والإفصاحُ) بصورة الحال وإنْ جازَ ما تقدَّم (أَسَدُّ) - بالمهملة - أي أَقْوَمُ وأَحْسَنُ، كما يفعلُه مسلمٌ في ((صحيفةِ همّام)) فإنّه يقولُ - بعد سياق إسنادِه إلى همام - إنَّه قال: ((هذا ما حدَّثنا أبو هريرة عن النبيِ نَّهِ ما نَصُّه :... ))، فَذَكَر أحاديثَ منها: ((وقال رسول الله وَل﴿ كذا .. )) (١)، ويسوقُ المتنَ الذي يَرُوم إيرادَه. ولم يعدِلْ عن هذا فيما يُورده من النسخة المذكورة. وأمَّا البخاريّ(٢) فربّما قدَّم أولَ حديثٍ من ((الصحيفةِ)(٣) - وهو حديثُ: «نحنُ الآخِرونَ السابقونَ))(٤) - ثم يعطفُ عليه الحديثَ الذي يُريدُه. والأولُ أوضح. ولذا قلَّ مَنِ اطّلعَ على مَقْصِدِ البخاري في ذلك حتى احتاج إلى التكلّف(٥) بين مطابقةٍ (١) مثَّل ابنُ الصلاح لذلك في «علوم الحديث)) (٢٠٥) بما أخرجَه مسلمٌ في ((الإيمان)»: باب معرفة طريق الرؤية (١٦٧/١) ولفظه: ((حدثنا محمدُ بن رافع: حدثنا عبدُ الرزاق: أخبرنا مَعْمَرٌ عن همَّام بن مُنَبِّهِ قال: هذا ما حدَّثَنا أبو هريرة عن رسول الله وَّةٍ .. فذكر أحاديثَ، منها: وقال رسولُ الله وَّه: ((إنَّ أَدْنَى مَفْعَدِ أحدِكم من الجنة أنْ يقولَ له: تمنّ، فيتمنَّى ويتمنَّى، فيقول له: هل تمَّيتَ؟ فيقول: نعم. فيقول له: فإنَّ لك ما تمنيتَ، ومِثْلَه معه)). وذكر هذا المثال أيضاً العراقيُّ في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢/ ١٨٩)، والسيوطيُّ في ((التدريب)) (١١٧/٢). (٢) قوله: ((وأما البخاري .. )) إلى آخر المبحث أخذه السخاوي بحروفه - مع بعض التصرف - من ((فتح الباري)) (٣٤٦/١)، و(٥١٨/١١). (٣) أي صحيفةِ أبي هريرة، سواءٌ كانت من نسخة مَعْمَرٍ عن همام عن أبي هريرة أو من نسخة أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، إذ قد استظهر الحافظُ ابن حجر كما مضى في الحاشية ذاتِ الرقم (٢) من (ص١٨١) أنهما سواء. (٤) أخرجه البخاري في عدة مواضعَ كما سيأتي بيانه، ومسلمٌ في ((الجمعة)): باب هداية هذه الأمة ليوم الجمعة (٥٨٥/٢، ٥٨٦) من طريق الأعرج ومن طريق همام بن منبه. (٥) في (س): (التكليف). من الناسخ. الروايةُ مِنْ أَثْنَاءِ النُّسَخِ التِي إِسْنَادُها واحدٌ ١٨٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث الحديثِ الأولِ للترجمةِ، واستعمَلَ قُوَاهُ في ذلك(١)، لا سيما وهو لم يَطَّرِدْ [لَهُ(٢) عملُه في جميع ما يُورِدُه مِن هذه ((النسخة)) بل أَوردَ منها في ((الطهارة)(٣)، وفي ((البيوع))(٤) وفي ((النفقات))(٥)، وفي (الشهادات))(٦)(٧)، و((الصلح) (٨)، و((قصة موسى)) (٩)، و((التفسير)) (١٠)، و((خَلْق آدم)) (١١)، و((الاستئذان))(١٢)، وفي ((الجهاد)) ــ في مواضع(١٣) -، وفي ((الطبّ))(١٤)، و((اللِّبَاس))(١٥) وغَيرِها، فلم يُصدِّرْ شيئاً من الأحاديث المذكورةِ بالحديثِ المشارِ إليه، وإنما ذَكَرَهُ في بعضٍ دونَ بعضٍ(١٦)، وكأنَّه أَرادَ أن يُبيِّنَ جوازَ كلِّ (١) ذكر الحافظُ ابنُ حجر في ((الفتح)) (٣٤٦/١) بعضاً من الأجوبة المتكلَّفة لبيان مراد البخاري من صنيعه ذلك، فانظرها إن شئت. ثم قرَّرَ ما يَرَاه، وسيوردُه المصنف بعد قليلٍ ولم يَنْسُبه للحافظِ ابنِ حجر رحمهما الله تعالى. (٢) [له] سقطت من (ح). (٣) ((الغسل)): باب من اغتسل عُرْياناً وحده في الخلوة .. (٣٨٥/١). (٤) باب قول الله تعالى: ﴿أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٦٧] (٣٠١/٤). (٥) باب نفقة المرأة إذا غابَ عنها زوجُها ... (٥٠٤/٩). (٦) في (س) و(م): و((الشهادات)). (٧) باب إذا تسارع قومٌ في اليمين (٢٨٥/٥). (٨) باب فضل الإصلاح بين الناس والعدل بينهم (٣٠٩/٥). (٩) من كتاب ((أحاديث الأنبياء)): باب قول الله تعالى: ﴿وَوَعَدْنَا مُوسَى نَلَاثِينَ لَيْلَةٌ﴾ [الأعراف: ١٤٢] (٦ / ٤٣٠). (١٠) باب ﴿لَا يَنفَعُ نَفْسًا إِيمَتُهَا﴾ [الأنعام: ١٥٨] (٢٩٧/٨). (١١) من كتاب ((أحاديث الأنبياء)): باب خلق آدمَ وذريتِه (٣٦٢/٦). (١٢) باب بدء السلام (٣/١١). (١٣) انظر - مَثَلاً -: باب فضل مَنْ حمل متاعَ صاحبه في السفر (٨٥/٦)، وباب من أخذ بالرِّكابِ ونحوه (١٣٢/٦)، وباب الحربُ خَدعةٌ (١٥٧/٦). (١٤) باب: العين حقّ (٢٠٣/١٠). (١٥) باب الواشمة (٣٧٩/١٠). (١٦) وممَّا ذَكَره فيها ما يلي: ((كتاب الأيمان والنذور)): باب قول الله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِيَّ أَيْمَنِكُمْ وَلَكِن تُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدَتُمُ اْأَيْمَنَّ ... ﴾ [المائدة: ٨٩] (١١/ ٥١٧). وفي ((التعبير)): باب النفخ في المنام (٤٢٣/١٢) وهما من طريق مَعْمر عن همام عن أبي هريرة. ومثلُ: ((الجهاد)»: باب يُقاتل مَنْ وراء الإمام .. (١١٦/٦)، ((الديات)): باب من أخذ حقّه ... (٢١٥/١٢) وهما من طريق شعيب عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة. وسيورِدُ المصنفُ بعدَ قليلٍ مثالاً آخر. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٨٥ الروايةُ مِنْ أَثْنَاءِ النُّسَخِ التِي إِسْتَادُها واحدٌ من الأمرَين. على أنَّه يُحتَملُ أنْ يكونَ ذلك من صنيع شيخ البخاريّ، وهو إسحاق بن راهُويه، لكنْ قد فعلَه البخاريُّ أحياناً فيَ ترجمَة شعيب أيضاً، ومن ذلك - في ((باب: لا تَبُولُوا في الماء الراكد))(١) - قال: ثنا أبو اليمان: أنا شعيب: ثنا أبو الزِّنَاد عن الأعرج حدَّثه أنَّه سمع أبا هريرة يقول: إنه سمع رسول الله ﴿ يقول: ((نحن الآخِرُونَ السابقونَ)) وبإسناده قال: ((لا يبولنَّ أحدُكم في الماء الدائم .. )) الحديث(٢). والظاهرُ أنهما اتَّفَقَتَا في ابتدائِهما بهذا الحديثِ، ويتأيَّدُ بأنَّه قلَّ أنْ يُوجَدَ حديثٌ في إحداهما إلا وهو في الأخرى. وسبقَهُما إلى نحوِه مالكٌ، فإنَّه أخرج في ((باب صلاة الصُبح والعَتَمَة)) من ((مُوَظَّئِه)(٣) مُتُوناً بسندٍ واحدٍ أَوَّلُها: ((مَرَّ رَجُلٌ بِغُصْنِ شوكٍ))(٤)، وآخِرُها: ((لو يَعْلَمُونَ ما في الصُّبْحِ والعَتَمَةِ لَأَتَوْهُما ولو حَبْواً»(٥)، وليس غَرَضُه منها إلَّا الأخيرَ. ولكنَّه أدَّاها على الوجهِ الذي سَمِعَها به (٦). وكذا وَافَقَ على مطلقِ البَيانِ آخَرُونَ. (ومَن يُعيدُ سَندَ الكتابِ) أو الجُزْءِ المشتَمِلِ على هذه النسخةِ(٧) وما ٦٦٤ (١) لفظ الباب - كما في ((فتح الباري)) (٣٤٥/١) -: باب البول في الماء الدائم، وهو في كتاب الوضوء. (٢) وتمامه: (( ... الذي لا يَجرِي، ثم يغتسلُ فيه)). وأخرجه أيضاً مسلم في ((الطهارة)): باب النهي عن البول في الماء الراكد (٣٣٥/١). وغيرهما . (٣) كتاب الصلاة (١٣١/١)، ولفظ الباب: باب ما جاء في العتمة والصبح. (٤) أخرجه أيضاً البخاريُّ في ((الأذان)): باب فضل التهجير إلى الظهر (١٣٩/٢)، ومسلم في ((الصلاة)): باب تسوية الصفوف وإقامتها ... (٣٢٥/١). (٥) أخرجه البخاري في ((الأذان)): باب الصف الأول (٢٠٨/١)، ومسلم - كما تقدم آنفاً - ولفظه عندهما وعند مالك كما يلي: ((لوْ يَعْلَمون ما في العَتَمَةِ والصبح ... ))، ولكنَّ السخاويَّ أَوْردَها بتقديم (الصبح) على (العتمة) تَبَعاً لشيخه ابنِ حجر في ((الفتح)) (١/ ٣٤٦). (٦) انتهى هنا كلام الحافظ ابنٍ حجر، وقد نقلَه السخاوي - مع بعض التصرف - من ((الفتح)) (٣٤٦/١)، و(٥١٨/١١)، كما مضى التنبيه عليه. (٧) يعني صحيفةَ همام بن منبه. الروايةُ مِنْ أَثْنَاءِ النُّسَخِ التِي إِسْنَادُها واحدٌ ١٨٦ فتح المغيث بشرح ألفية الحديث أَشْبَهَهَا (مع آخره) أي في آخرِ الكتابِ فقد (احتاطَ)؛ لما فيه من التَّأْكِيدِ، وتَضَمُّنِ إجازةٍ بالغةٍ مِنْ أعلى أنواع الإجازات، ولكنْ (خُلْفاً ما رَفَع) أي لم يرفعْ بذلك الخلافَ مِنْ أجلِ عدم اتصالِ السندِ بكلِّ حديثٍ منها، بل الخلافُ الماضي في إفرادِ كلِّ حديثٍ لم يَزَّلْ بذلكَ (١). (١) ذكر ذلك ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢٠٦). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٨٧ تقديمُ المتنِ على السَّنَد جميعِه أو بعضِه الفصل العاشر (تقديمُ المتنِ على السَّنَد) جميعِه أو بعضِه ٦٦٥ (وَسَبْقُ مَتْنٍ) (١) على جَمِيعِ سَنَدِه - كما جاء عن ابنِ جُرَيج قال: (نَزَلَتْ ﴿وَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوّاً أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواَ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمِ مِنْكُمْ﴾(٢) في عَبْدِ الله بنِ حُذَافَةَ بنِ قَيْس بنِ عَدِيِّ السَهْمِيّ بَعَثَهُ النبيُّ وَّرِ فِي سَرِيَّة .. (٣))، أَخْبَرَنِيهُ يَعْلَى بْنُ مسلمٍ عن سعيد بن جُبير عن ابن عباس. وعن الرَّبِيعِ بنِ خُثَيْم (٤) أنه قال: ((من قال: لا إله إلَّا اللهُ وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد ... )) الحديثَ. فقيل له: مَنْ حدَّثَك بهذا؟ قال: (١) كلمة: (سبق) مبتدأ، وخبره كلمة: (جائز) الآتية بعد عدة أسطر. (٢) سورة النساء: الآية ٥٩. (٣) أخرجه البخاري في (المغازي)): باب ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمَّيِ مِنْكُمْ﴾ .. (٨/ ٢٥٣)، والطبري في ((تفسيره)) (١٤٧/٥) كلاهما من طريق ابن جريج عن يعلى، إلا أنَّ الطبري قال: ((نزلت في رجل .. ))، ثم سماه الطبري (١٤٨/٥)، لكن من طريق ابن جريج عن عبد الله بن مسلم (أخي يعلى) عن سعيد بن جبير عن ابن عباس. تنبيه: في المطبوع من تفسير الطبري (١٤٨/٥): (عبيد الله بن مسلم بن هرمز) والصواب: عبد الله، مكبراً كما في ((تهذيب التهذيب)) وغيره. (٤) هو كما في ((التقريب)) (٢٤٤/١) بضم المعجمة وفتح المثلثة، مصغر. وجاء في (ح): خَيْئَم يعني بخاء معجمة ثم مثناة تحتية ثم مثلثة. وهو يُوافِقُ ما في ((الخلاصة)) للخزرجي (١١٥) إذْ قال: ((بفتح المعجمة والمثلثة بينهما تحتانية ساكنة)). ولكنَّ الأولَ هو الأكثر، فقد جاء ذلك في ((الكاشف)) (٣٠٤/١)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٤٢/٣)، كما أَوْرَدَهُ ابنُ دُرَيْدٍ في ((الاشتقاق)) (١٨٢) وقال: ((وخثيم: تصغير أخثم، والأخثم: العريض الأنف)). عِلْماً بأنَّ ابنَ ماكولا في ((الإكمال)) والذهبيَّ في ((المشتبه)) اقتَصَرَا على مادة (خثيم) مصغراً، ولم يذكرا (خيثم)، وحين أوردَها ابنُ حجر في ((التبصير)) (٥٢٦/٢) لم يذكر فيها إلَّ المُعَيْدِيَّ: خيثم بن سعد بن صُرَيم، والله أعلم. تقديمُ المتنِ على السََّد جميعِه أو بعضِه ١٨٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث عَمُرُو بنُ مَيْمُون - يعني - عن عبد الرحمن بنِ أبي ليلى عن أبي أيوبَ(١). وكقولِ البخاريِّ في أواخرٍ ((العلم)) من («صحيحه)) (٢): ((وقال عليٍّ: حدِّثُوا الناسَ بما يَعرِفون، أَتحبون أن يُكذَّبَ اللهُ ورسولُه؟! «حدَّثَنَا به عبيدُ الله بن موسى عن مَعروفٍ بن خَرَّبُوذَ عن أبي الطفيل عن عليٍّ - جائز(٣)، و(لَوْ) كان سبقُه مقتَرِناً (ببعضِ سَنَدٍ) سواءٌ كان ذلك البعضُ السابقُ مما يلي الرَاوِيَ كقول أحمدَ: «سمعتُ سفيانَ يقول: ((إذا كَفَى الخادمُ أحدَكم طعامَه فلْيُجلِسْه، فليأكُلْ معه ... )) الحديثَ، وقُرِئَ عليه إسنادُه: سمعتَ أبا الزِّنَادِ عن الأعرج عن أبي هريرة عن النبي وَ لخر به)) (٤). وقولِه أيضاً: ((ثنا سفيان قال: ((يا أيها الناسُ لا يقتلُ بعضُكم بعضاً، إذا رَمَيتُمُ الجمرةَ فارمُوها بمِثْل حَصَى الخَذْفِ))، وقُرِئَ عليه إسنادُه: يزيدُ بن أبي زياد عن سُليمانَ بنِ عَمرو بن الأحوص عن أمه، يعني عن النبي وَلّ به (٥) . وَحَكَى أحمدُ أنَّ شَرِيكاً لم يكُن يُحَدِّثُ إلَّا هكذا، يذكرُ الحديثَ فيقول: فلانُ، فيقال: عَمَّن؟ فيقول: عن فلان(٦). (١) أخرجه البخاري في ((الدعوات)): باب فضل التهليل (٢٠١/١١)، ومسلم في ((الذكر والدعاء)): باب فضل التهليل والتسبيح والدعاء (٤/ ٢٠٧١). (٢) باب من خَصَّ بالعلم قوماً دون قوم كراهيةَ أن لا يفهموا (٢٢٥/١). (٣) هذا خَبَرٌ لقوله: (وسبق متن) المتقدم قبلَ عدةِ أسطُر. (٤) (مسند أحمد)) (٢٤٥/٢) وتمام الحديث فيه: (( .. فإنْ لم يفعل فليأخذ لُقمةً فَلْيُرَوْغْها فيه فيناوله)) ومثله في ((الكفاية)) (٢١١). ومعنى يُرَوِّغها: يَخْلِطُها بدَسَم الطعام. ((النهاية)) (٢٧٨/٢). وأخرج حديث أبي هريرةَ أيضاً مسلمٌ في ((الأيمان)»: بَاب إطعام المملوك مما يأكل .. (١٢٨٢/٣) بنحوِه. (٥) ((مسند أحمد)) (٣٧٩/٥)، وأخرجه أيضاً أبو داود في ((المناسك)): بابٌ في رَمْي الجمار (٤٩٤/٢)، وابن ماجه بنحوه في ((المناسك)): باب من أين تُرمى جمرة العقبة (١٠٠٨/٢)، وفي أسانيدها كلُّها يزيد بن أبي زياد، وهو الهاشمي مولاهم الكوفي، ضعفه ابن حجر في ((التقريب)) (٢٦٥/٢)، وقد أخرج له مسلم مقروناً كما في ((الكاشف)) (٢٧٨/٣). وفيه سليمان بن عمرو الأحوص وهو الجُشَمي، ذَكَرَه ابن حبان في («الثقات)» (٣١٤/٤)، وقال ابن القطان - كما في ((تهذيب التهذيب)) (٢١٢/٤) -: مجهول. (٦) ((الكفاية)) (٢١٢). فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ١٨٩ تقديمُ المتنِ على السَّنَّد جميعِه أو بعضِه أَوْ مِمَّا يلي المتنَ كأَنْ يقول: رَوَى عَمْرُو بنُ دينار عن جابر عن النبي ◌ِل كذا. أَنَا به فُلانٌ. ويسوقُ سندَه إلى عَمرو. وسواءٌ كان ذلك في مجلس واحدٍ، أو مجلسَيْن، كما حكى مالكٌ قال: ((كنا نجلس إلى الزهري فيقول: قال ابنُ عُمرَ كذا. ثم نجلِس إليه بعدَ ذلك، فأقولُ له: الذي ذكرتَ عن ابنٍ عُمر مَنْ أَخْبَرَكَ به؟ قال: ابنُه سالم))(١). ومِمَّنْ صرَّح بجواز ذلك أحمدُ، بل وفعلَه، كما تقدَّم. وعن سعيدٍ بن عامر أنّه لا بأس به))(١) . و(لَا يَمْنَعُ) السبْقُ في ذلك (الوصلَ) بل يُحكَم باتِّصالِه، كما إذا قَدَّمَ السندَ على المتنِ، (و) كذا (لا) يَمْنَعُ (أنْ يَبْتَدِئَ رَاوٍ) تَحَمَّلَ مِنْ شيخه هـ(كذا): المتنَ (بسندٍ) ويُؤخرَ المَثْنَ كالجَادَّةِ المألُوفَةِ (ف) هذا (مُتَجِهٌ) كما جَوَّزَهُ بعضُ المتقدمين من المحدثين. وكلامُ أحمدَ يشعرُ به، فإن أبا داودَ سأله: هل لِمَن سَمِعَ كذلك أن يُؤَلِّفَ بينهما؟ قال: نعم(٢). وبه صرَّح ابنُ كثير من المتأخرين فقال: الأَشْبَهُ عندي جوازُ(٣). ويلتحق بذلك تقديم اسم شيخِه على الصِّيغَةِ كأَنْ يقولَ الإمامُ أحمدُ - مَثَلاً -: ((سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ حَدَّثَنِيَ ... )). ٦٦٧ (وقال) ابنُ الصلاح(٤): و(خُلْفُ) أي الخِلاف في (النقْلِ معنَّى) أي بالمعنى (يَتَّجِهُ) مَجِيتُه (فِي ذَا) الفرع (كبعضِ المَتْنِ) إذا (قَدَّمْتَهُ (عَلَى بعضٍ فَفِيه) أيضاً (ذا الخلافُ) كما عن الخَطيب(٥) قَدْ (نُقِلَا) فلا فرقَ بين الفَرْعَين. ولكنْ قد مَنَع البُلْقِينِيّ(٦) مجيءَ الخلافِ في فرعِنا، وفرَّق بأنَّ تقديمَ بعضِ المتنِ قد يُؤدي إلى خَلَل في المقصودِ في العطفِ وعَوْدِ الضميرِ، ونحوِ ذلك، بخلاف تقديمِ المتنِ على السندِ . وسبقَه إلى الإِشارة لذلك النوويُّ فقال في ((إرشاده)): ((والصحيحُ، أو (١) ((الكفاية)) (٢١٢). (٢) ((الكفاية)) (٢١٢)، ولكنَّ السائلَ غيرُ أبي داود، وأشار في الحاشية إلى أنه قد جاء في بعض النسخ أنَّ السائلَ هو أبو داود. (٣) ((اختصار علوم الحديث)) (١٤٣). في ((الكفاية)) (٢١٤). (٥) (٤) في ((علوم الحديث)) (٢٠٦). (٦) في ((محاسن الاصطلاح)) (٣٥١). تقديمُ المتنِ على السَّنَد جميعِه أو بعضِهِ ١٩٠ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث الصواب جوازُ هذا. وليس كتقديم بعض المتنِ على بعضٍ، فإنَّه قد يتغيّر به المعنى، بخلاف هذا»(١). وقال في موضع آخرَ: ((الصحيحُ الذي قاله بعضُ المتقدمين: القَطعُ بجوازِهِ. وقيل: فيه خلافٌ،َ كتقديم بعض المتنِ على بعض))(٢). على أنَّ لقائلٍ أن يقول: إنَّ ابنَ الصلاح إنما أَطلقَ اسْتِغِنَاءً بما تَقَرَّرَ مِن شروط الرواية بالمعنى. لكنْ قال النوويُّ: ((إنَّه ينبغي أن يُقطعَ بجوازِهِ إنْ لم يكن المتنُ المتقدمُ مُرْتَبِطاً بالمؤخّر))(٢)، ثم إنَّه يُستثنَى من الجوازِ ما يقعُ لابن خُزَيمةَ فإنَّه يفعلُه إذا كان في السند مَن فيه مقال، حيث يبتدئُ مِن المُتَكَلَّم فيه، ثم بعد الفراغ من المتن يَذكُر أوَّلَ السندِ(٣)، وقال: ((إنَّ مَنْ رَوَاهُ على غيرِ هذا الوجهِ لا يكونُ في حِلِّ منه))(٤) - ولذا قال شيخُنا -: ((إنَّه ينبغي أنَّ القائلَ بالروايةِ بالمعنى لا يُجَوِّزُ مِثْلَ هذا))(٥) يعني حيثُ لم يُبَّن. وكذا مَيَّزَ أبو بكر الإسماعيليُّ بين ما يُخرِجُه في ((مُسْتَخْرَجِه))(٦) مِنْ طريق من يَعرِض في القلب منه شيءٌ، وبَيْنَ الصحيح على شرطه، بِذِكْرِ الخبرِ مِنْ فَوقُ، ثم بعدَ فراغه منه يقول: أَخْبَرَنِيه فلانٌ عن فلان. كما نَبَّه عليه في ((المدخل))(٧). وممَّن مَنَعَ تقديمَ بعضِ المتنِ على بعضٍ ابنُ عُمرَ، وذلك أنَّه رَوَى حديثَ: ((بُنِيَ الإسلامُ على خَمسٍ .. ))، وفيه: (حِجِّ البيتِ، وصيام رمضانَ)) فأعاده بعضُ مَنْ حَضر بتقديم الصيامِ. فقال: ((لا. اجْعَلِ الصيامَ آخرِّهن، كما سمعتُ من رسول الله وَلَ))(٨). (١) ((الإرشاد)) (٣٨٤/١). (٢) ((مقدمة شرح صحيح مسلم)) (١/ ٣٧). (٣) وكذا صنع ابن حبان في كتابه: ((المجروحين))، ولعلَّ منه ما تقدم عن البخاري (ص١٨٨)، وانظر ((الفتح)) (٥٥٩/٨) في كلامه على مغايرة البخاري لبعض أسانيده عن ترتيبه المعهود. (٤) ((صحيح ابن خزيمة)) (٢٢٨/١). (٥) ذكر ذلك عن ابن حجر - أيضاً - السيوطيُّ في ((التدريب)) (١١٩/٢). (٦) على ((الصحيحين)). (٧) هو مَدخَلٌ إلى (مستَخَرجِه) المذكور آنفاً. وسيذكرُه السخاوي (ص٢٠٧). (٨) أخرجه البخاري في ((الإيمان)): باب دعاؤكم إيمانكم (٤٩/١) مختصراً مع تقديم الحج على الصيام، ومسلم في ((الإيمان)): باب أركان الإسلام ودعائِمه العِظَام (٤٥/١) بعدَّةِ روايات بعضها مقارب، وبعضها مختصر وبعضها بتقديم الصيام على الحج. فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٩١ تقديمُ المتنِ على السَّنَد جميعِه أو بعضِه وربَّما شكَ بعضُهم في ذلك فرواه مع التَرَدُّدِ، كحديثِ: ((أَهْلُ بَيْتِي، والأنصارُ عَيْبَتِي وكِرْشي، أو كِرْشي وعَيْبَتِي))(١). وكحديثٍ: ((أَسْلَمُ وغِفَارُ، أو: غِفَارُ وأَسْلمُ)) (٢). ومنهم مَن يُصرِّحُ بالشكّ كقول عاصم - في حديث: ((أَوْسِعُوا على أَنْفُسِكُم إذا وَسَّعَ الله عليكم))، أَوْ: ((إذا وَسَّعَ اللهُ عليكم فَأَوْسِعُوا على أنفسكم (٣)) -: ((لَا أَدْرِي بأيِّهما بَدَأَ)). أوردَ ذلك كلَّه الخطيبُ في ((باب المنع من تقديم كلمةٍ على أخرى» من ((كفايته))(٤). وكذا بَوَّب لهذا الحافظُ عبدُ الغني بنُ سعَيد، وحكى فيه الجوازَ - إذا لم يَتَغَيّرِ المعنى - عن الحسن، وسُليمانَ التيميِّ والدِ المُعْتَمر (٥). (١) أخرجه الخطيبُ في ((الكفاية)) (١٧٦) بهذا اللفظِ من حديث أبي سعيد الخدري لّه وأخرجه البخاري في ((مناقب الأنصار)): باب قول النبي وَ اته: ((اقْبَلُوا من محسنهم .. )) (٧/ ١٢٠) بلفظ: ((أوصيكم بالأنصار، فإنهم كِرْشي وعَيْبَتِي .. ))، وفي لفظ آخرَ: ((الأنصار كِرْشي وعيبتي))، ومسلم في ((فضائل الصحابة)): باب من فضائل الأنصار (١٩٤٩/٤) بلفظ: ((إنَّ الأنصارَ كِرْشي وعيبتي)) كلاهما من حديث أنس بن مالك الظُ، وليس في حديثه تردّد. والمراد من قوله هنا: ((كِرشي وعيبتي)) أي هم بِطَانَتِي وخاصَّتي وموضع سِرِّي وأَمَانَتِي ((النهاية)) (٣٢٧/٣)، و(١٦٣/٤). وفي ((القاموس)): ((الكِرْش بالكسر - وككتف - لكل مُجْتَرِّ: بمنزلة المَعِدة للإنسان)). وفيه أيضاً: ((والعَيْبَة :.. ، وما يُجعَل فيه الثياب. ومن الرجُل: موضع سرُّه)). (٢) أخرجه الإمام أحمد (١٩٤/٥)، والخطيب في ((الكفاية)) (١٧٧) من حديث زيد بن خالد الجُهني. وأخرجه ــ دون التردّد - البخاريُّ في ((المناقب)): باب ذِكر أَسْلَمَ وغِفَار ... (٥٤٢/٦)، ومسلمٌ في ((فضائل الصحابة)): باب فضائل غِفَار (١٩٥٤/٤) كلاهما من حديث أبي هريرةَ بلفظ: ((قريشٌ، والأنصارُ، وأَسْلَمَ. ومُزَينةٌ، وجُهَينَةُ، وأَسْلَمُ، وغِفَارُ، وأَشْجَعُ مَوَالِيَّ، ليس لهم مولَّى دُون اللهِ ورسولِه)). (٣) أخرجه بهذا اللفظِ الخطيبُ في ((الكفاية)) (١٧٧) من قولِ عُمَرَ بنِ الخطاب ◌َُّهُ ضِمْنَ حديثٍ عن أبي هريرة من طريق عاصم - وهو الأَحْولُ - عن ابن سِيرِينَ عنه. وأخرجه البخاريُّ في ((الصلاة)): باب الصلاة في القَمِيص والسراويل .. (٤٧٥/١) من قول عُمرَ أيضاً بلفظِ: ((إذا وَسَّع اللّهُ فَأَوْسِعُوا))، وهو ضِمْنَ حديثٍ عن أبي هريرةَ أيضاً من طریق حمادٍ بن زید عن ابن سيرين عنه. (٤) (ص١٧٥ - ١٧٧). (٥) أخرجه عن الحسنِ الخطيبُ في ((الكفاية)) (٢٠٧)، وابنُ عبدِ البر في ((جامعه)) (٨٠/١). إذا قالَ الشيخُ: ((مِثْلَه))، أو ((نَحْوَه)) ١٩٢ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث الفصل الحادي عشر (إذا قالَ الشيخُ: ((مِثْلَه))، أو ((نَحْوَه))) ٦٦٨ (وقولُه) أي الشيخ الرَاوِي (مع) بسكون العين (حَذْفِ مَتْنِ) أَوْرَدَ إسنادَه: ما نَصُّه: فَذَكَرِ ((مِثْلَه)) أَو (نَحْوَه)) يُرِيدُ مَتْناً قَبْلَهُ) فَرَغَ مِن سِيَاقِهِ، هِل يَسُوغُ إيرادُ ٦٢٩ اللفظِ المُحَالِ عليه بالسَّنَدِ الثاني المَطْوِيِّ مَتْنُه؟ اختُلِفَ فيه، (فالأَظهرُ) عند ابنِ الصلاح(١)، ومَنْ تَبِعَهُ كالنووي(٢)، وابنٍ دقيق العيد(٣): (المَنْعُ) لِمَنْ سَمِعَه كذلك (مِنَ أَنْ) - بالنقل - (يُكْمِلَّهُ بِسَنَدِ الثّاني) أي بالسَّنَدِ الثاني فَقط لعدم تَيَقُّن تماثُلِهما في اللفظ، وفي القَدْرِ المُتَفَاوِتَيْن فيه. وَقَدْ أَخرِجَ البخاريُّ حديثَ الإِفْكِ مِنْ روايةٍ فُلَيْحِ بنِ سُلَيمانَ عن الزهري عن عُروة(٤) - وجماعةٍ ـ (٥) بِطُوله. ثم مِنْ حَديثٍ فُلَيِحِ عن هشامِ بنِ عُروة عن أبيه، وقال: ((مِثْلَه))(٦) مَعَ تفاؤُتِ كثيرٍ بين الرِّوَايَين حسبما عُلِم من خارج. (١) في ((علوم الحديث)) (٢٠٧). (٢) في ((التقريب)) (١١٩/٢). (٣) في ((الاقتراح)) (٢٥٦). (٤) ((الشهادات)): باب تعديل النساء بعضهن بعضاً (٢٦٩/٥). (٥) هُم سعيدُ بنُ المسيب، وعلقمةُ بنُ وقّاص الليثي، وعُبَيدُ الله بن عَبدِ الله بن عتبة. (٦) المصدر السابق (ص٢٧٢) إلَّا أنَّ لفظَه: و((حدثنا فليح عن هشام بن عروة عن عائشة)) وهو خطأ لم يستدركه المشرف على الطبع وصوابه: وحدثنا فليح عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة)) كما في ((صحيح البخاري)) طبعة دار الفكر المصورة عن طبعة إستانبول (١٥٨/٣). وهو مقتضى قول السخاوي هنا: ((عن أبيه))، وكذا قول ابن حجر في ((الفتح)) (٤٥٦/٨): ((فأما رواية عروة فأخرجها المصنف ((البخاري)) في ((الشهادات)) من رواية فليح بن سليمان عن هشام بن عروة عن أبيه عَقِبَ رواية فليح عن الزهري ... ))، علماً بأن هشاماً لم يدرك عائشة. فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ١٩٣ إذا قالَ الشيخُ: «مِثْلَه)»، أو «نَحْوَه)» ولذا قال شيخُنا: ((فكأنَّ فليحاً تَجوَّز في قوله: ((مثلَه))(١). وأخرج مسلمٌ في ((مقدمةِ صحيحه))(٢) من حديث ابنِ مَهديٍّ، ومعاذٍ بن معاذ - كلاهما - عن شعبةً عن خُبَيب (٣) بنِ عبد الرحمن عن حَفص بن عاصم مرفوعاً مُرسلاً (٤): (كَفَى بالمرءِ كَذِباً ... ))(٥)، ثم أَخْرَجَه من طريقٍ علي بنْ حفص عن شعبةَ، فَوَصَلَه بأبي هريرةَ، ولم يَسُقْ لفظَه، بل قال: ((مثلَه)). هذا مع كونه لم يقعْ لي من طريق عليّ المذكورِ إلَّا بلفظ: ((إثماً))(٦). فإمَّا أَنْ يكونَ مسلمٌ لم يُشَدِّد لكونه في ((المُقدمة))، أَوْ وَقَعَ لَهُ بلفظِهِ. والأَوَّلُ أَقْرَبُ(٧). وفي أَنَّه الأظهرُ نَظَرٌ، إذا مَشَيْئًا على أَنَّ المُعتمدَ جوازُ الروايةِ بالمعنى، لأَنَّه - وإنْ كان لا يلزمُ من كونِه مثلَه أنْ يكونَ بِعَينِ لفظِه - لا يَمْنعُ أنْ يكونَ (١) فتح الباري)) (٤٥٦/٨). (٢) باب النهي عن الحديث بكل ما سمع (١٠/١). (٣) بخاء معجمة ثم موحدتين بينهما مثناة تحتية، مصغر. ((الإكمال)) (٣٠١/٢)، و((التقريب)) (٢٢٢/١). (٤) سَندُ هذا الحديثِ في ((مقدمة صحيح مسلم)): باب النهي عن الحديث بكلِّ ما سَمِع (١٠/١) - طبعة محمد فؤاد عبد الباقي - من طريق خُبَيب كما يلي: ( ... خبيب بن عبد الرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله مَ *... ). ومِثْلُ ذلك في ((مقدمة صحيح مسلم بشرح النووي)) (٧٢/١) طبعة دار الفكر المصورة عن طبعة المطبعة المصرية. لكنَّ النوويَّ كَفُ في (شرحه) أَوْرَدَ ذلك السندَ مرسلاً بإسقاط قولِه: (عن أبي هريرة). وهذا يدل على اختلافِ نُسَخ ((صحيح مسلم)) فيه. ويؤيِّدُه قولُ المُنْذِري في ((مختصر سنن أبي داود)) (٧/ ٢٨١): (وأخرجه مسلمٌ في ((المقدمة)) مسنداً ومرسلاً. وعندَ بعضٍ رواه مسلم كلاهما مُسْنَد) ثم قال: (وقال الدَّارَقُطنيُّ: والصواب: مرسل). هذا وقد أخرج الحَديثَ أبو داودَ في ((الأدب)): باب في التشديد في الكذب (٢٦٥/٥) عن حفص بن عُمرَ عن شعبة، وعن محمد بن الحسين عن علي بن حفص عن شعبة به مسنداً. ثم قال: (ولم يذكر حفصٌ - يعني ابنَ عمر - أبا هريرة). يعني أنَّه رواه مرسلاً . (٥) تتمته: ( ... أَنْ يُحَدِّثَ بكلِّ ما سمع). (٦) يعني بدلاً من قوله: (كذباً). (٧) بل الثاني، فقد أخرجه الخطيبُ في ((الجامع)) (١٠٨/٢) من طريق علي بن حفص: نا شعبةُ به، وفيه: (كذباً). إذا قالَ الشيخُ: ((مِثْلَه)»، أو «نَحْوَه)» ١٩٤ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث بمعناه، بل هو فيما يظهرُ دائرٌ بينَ اللفظ والمعنى، لا سيَّما إذا اقترنَ بـ((مثله)) لَفْظُ ((سَواءٌ))، بل هو حينئذٍ أقربُ إلى كونه بلفظِه. وقد سبَقَه إلى المَنع شعبةُ، فكان لا يَرى بالتحديثِ به على لفظ الأولِ (١)، وقال: ((قولُ الراوي: فلانٌ عن فلانٍ مثلَه)) لا يُجْزِي، وقولُه: (نَحْوَه)) شَكُّ أي فيكونُ أَوْلَى بالمنعِ. وفي روايةٍ من طريقٍ وكيع عَنه قال: ((مِثْلُه، ونَحْوُه: حديثٌ))(٢)، أي غيرُ الأول. وهو أصُّ مما جاء مِنَّ طريق قُرَادٍ (٣) أَبي نُوحِ عَبدِ الرحمن بنِ غَزْوَانَ عن شعبةَ أنه قال: (((مثلُه)) ليس بحديث))(٢). ثم إنَّ مُقتَضَى هذا المذهبِ أنَّه لا فرقَ بين حَذفِ الإسنادِ الأول مع ذلك، وإثباتِهِ. ولإِثْباتِه أحوالٌ فتارَةً يُذكرُ المتنُ عقبَ كلٌّ منهما، وتارةً يُذكرُ عَقب ثانيهما، وتارةً يَعكسُ ما وقع في الروايةِ، فيُؤخِّر الإسنادَ الذي له اللفظ، ويُردِفُه بقولِه: ((مثله)). ٦٧٠ (وقيل: بلْ) يجوزُ (لَهُ) أي للسامع كذلكَ إكمالُه (إِنْ عَرَفَ) المُحَدِّثَ (الرَاوِيَ بالتحفّظِ، والضبط) وعَدِّ الحروفِ (والتَمْيِيزِ للتلفّظ) الواقع منِ الرُواةِ بحيث لا يَحملُ لفظَ راوٍ على آخرَ، مِثْلُ مسلم صاحب ((الصحيح» فإنَّه يزولُ الاحتمالُ حينئذٍ، وإلا فلا. حكاه الخطيب في ((الكفاية))(٤) عن بعضٍ العلماء. وأَسندَ عن عليّ بنِ الحُسين بن حِبَّان قال: ((وجدتُ في كتاب أبي: قيل لأبي زكريا يحيى بنِ مَعين: يُحدِّثُ المحدثُ بحديثٍ، ثمَّ يُحدث بآخرَ في أَثَرِهِ، فيقولُ: ((مثلَه)). يجوزُ لي أَنْ أَقُصَّ الكلامَ الأولَ في هذا الأخيرِ الذي قال فيه المحدثُ: ((مثلَه))؟ قال: نعم. قلت له: إنما قال المحدثُ: ((مثلَه)) فكيف أقصُّ أنا الكلامَ فيه؟ قال: «هذا جائزٌ، إذا قال: ((مثلَه))، فَقَصَصْتَ الكلامَ الأولَ في هذا الأخيرِ لا بأس به»(٥) . وعن عبدِ الرزاق قال: قال الثوريُّ: ((إذا كان ((مثلُه)) يعني حديثاً قد (١) ((الكفاية)) (٢١٢) أي لا يرى به بأساً. (٢) ((الكفاية)) (٢١٣). (٣) بضم القاف وتخفيفِ الراء. ((التقريب)) (٤٩٤/١). (٤) (ص٢١٢). (٥) ((الكفاية)) (٢١٣). فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث ١٩٥ إذا قالَ الشيخُ: ((مِثْلَه)»، أو «نَحْوَه)» تقدَّم، فقال: مثلَ هذا الحديث الذي تقدم. فإنْ شئتَ فحدِّثْ بالمِثْلِ على لفظِ الأول)) (١). وقَوَّى البُلْقِينيُ(٢) هذا القولَ، واستَظهرَ له: ((بأنَّ البيهقيَّ صَنَعَهُ حتى في الموضعِ المُحْتَمِلِ، وذلك أنَّ الدار قطنيَّ أَخرِجَ في ((سُنَّنِه)) (٣) من طريقِ أبي هريرة حديثَ: ((تقولُ المرأةُ أَنفِقْ عليَّ وإلَّا طَلِّقْنِي)) (٤)، ثم خَرَّجَ من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة في الرجلِ لا يَجِدُ ما يُنْفق على امرأته قال: (يُفَرَّقُ بينهما))(٥)، ثم أَخرجَ من حديث أبي صالح عن أبي هريرةً عن النبي ◌َّ: ((مثلَه)) فهذا - مع احتمالِه أنْ يكونَ مثلَ الموقوفِ، وأنْ يكونَ(٦) مثلَ المرفوع(٧) - خَرَّجَه البيهقيُّ (٨) من طريقِ الدارقطني وفيه لفظُ المرفوع، فَرَوى بإسنادِه إلى أبي هريرة أنَّ النبي ◌ِّ قال: ((إذا أعسر الرجل بنفقة امرأته يُفَرَّقُ بينهما))(٩)، ولم يَقعْ في كتاب الدارقطني، ولا في كتاب مَنْ أَخَذ عنه الدار قطنيُّ إلا بلفظةِ: ((مثله)) المحتملة))، انتهى (١٠). وحديثَ: ((تقولُ المرأةُ .. )) في ((الدارقطني))(١١) من طريق زَيد بنِ (١) ((الكفاية)) (٢١٢). (٢) ((محاسن الاصطلاح)) (٣٥٢). (٣) كتاب النكاح، باب المهر (٢٩٧/٣). (٤) أخرجه البخاري في ((النفقات)): باب وجوب النفقة على الأهل والعيال (٩/ ٥٠٠) بنحوه من قول أبي هريرة. (٥) وأخرجه أيضاً عبد الرزاق في ((المصنف)): كتاب الطلاق، باب الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته (٩٦/٧)، وسعيد بن منصور في ((سننه)) (٥٨/٢)، وليس عندهما ولا عند الدارقطني ذكر لأبي هريرة. (٦) في (س): وأن يكن. من الناسخ. (٧) انظر: الخلافَ في مرجع الضمير من قول الدارقطني: ((مثله)) في ((التلخيص الحبير)) (٨/٤) والصوابُ أنه يعودُ على المرفوع. كما في ((الجوهر النقي)) (٧/ ٤٧٠) وكما سيقولُه السخاويُّ قريباً. (٨) في ((سننه)): كتاب النفقات، باب الرجل لا يجد نفقة امرأته (٧/ ٤٧٠). (٩) لفظ الدار قطني (٢٩٧/٣) - وعنه البيهقي (٧/ ٤٧٠) - (عن سعيد بن المسيب في الرجل لا يجد ما ينفق على امرأته قال: يفرق بينهما). ثم ذكره البيهقي عن أبي هريرة مرفوعاً بمثله. (١٠) يعني كلامَ البُلْقِيني في ((محاسن الاصطلاح)) (٣٥٢). (١١) ((سنن الدارقطني)) (٢٩٦/٣، ٢٩٧). إذا قالَ الشيخُ: ((مِثْلَه)»، أو «نَحْوَه)» ١٩٦ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث أَسْلَمَ (١)، وعاصم بنِ بَهْدَلَةَ(٢) - كلاهما - عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً (٣) . ثم رَوَى (٤) أثراً مَقْطوعاً من وجهين إلى يحيى بن سعيدٍ عن سعيدٍ بن المسيب في الرجل يَعجَز عن نفقةِ امرأته يُفَرَّقُ بينهما . ثم رَوَى من طريق عاصِمٍ بِنِ بَهْدَلَةَ عن أبي صالح عن أبي هريرةَ رَفَعَهُ قال: ((مثلَه)). وبهذا ظهر أنَّ زيادةَ أبي هريرةَ في أَثَرِ سَعيدٍ))(٥) خَطَأْ. وأنَّ قولَه (٦): ((مثلَه)) أي مِثلَ المرفوع، لكونهما مُتَّحِدَين في السَّندِ والرَّفعِ. ٦٧١ (والمنعُ) وهو قولٌ مُفصِّل (في ((نحوٍ))) - بالتنوين - أي في («نحوه)) (فَقَطْ) أي دونَ ((مثلِه)) (قد حُكِيا) فيما رواه عباسُ بنُ محمد الدُورِيُّ عن ابنِ مَعِينٍ(٧) حيث قال: ((إذا كان حديثٌ عن رجلٍ، وعن رجلٍ آخرَ (٨) مثلُه فلاَ بأسَ أَنْ يَرْوِيَه إذا قال: ((مثلَه)) إلّا أنْ يقول: ((نَحْوَهُ)) (٩) ((يعنيَ عَمَلاً بظاهر اللفظَين، إذْ ((مثلُه)) يُعطِي التساويَ في اللفظِ، بخلاف «نَحْوه))، حتى قال الحاكمُ: ((إنَّه لا يحلُّ للمحدث أن يقولَ: ((مثلَه)) إلا بعدَ أن يعلمَ أنهما على لفظٍ واحدٍ، ويحلُّ (١) ولفظه: ((خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول))، قال: ومن أعول يا رسول الله؟ قال: ((امرأتك تقول: أطعمني وإلا فارقني ... )) الحديث. (٢) ولفظه - مرفوعاً -: ((المرأةُ تقولُ لزوجِها: أَطْعِمْني أو طَلِّقْني .. )) الحديثَ. (٣) ذكر الحافظُ ابنُ حجر في ((الفتح)) (٩/ ٥٠١) أن النسائيَّ أخرجَ - أيضاً - هذا الحديثَ من طريق محمد بن عجلان عن زيد بن أَسلمَ عن أبي صالح عن أبي هريرة مرفوعاً كله، ثم ذكر أن هذه الروايةَ وَهَم، وأن الصوابَ ما أخرجه النسائيُّ من وجهٍ آخرَ عنِ ابن عجلانَ، وفيه: ((فسُئل أبو هريرة: مَنْ تَعُولُ يا أبا هريرة»؟ قلتُ: وقد بَيَّنَتْ روايةٌ البخاري التي أشرتُ إليها قريباً أنَّ قولَه: («تقولُ المرأة إمَّا أن تطعِمَني وإما أن تطلقَنِي، إنما هو من قولِ أبي هريرة. (٤) أي الدارقطني في ((سننه)) (٢٩٧/٣). (٥) عند البيهقي (٤٧٠/٧). (٦) أي الدارقطني (٢٩٧/٣). (٧) ((الكفاية)) (٢١٣). (٨) في ((الكفاية)): ((وحديث عن رجل آخر)). (٩) يعني فلا يَرْوِهِ. ومقصودُهُ أنَّه إذا رُوِيَ حديثٌ بلفظِه، ثم رُوي بعده آخرُ وقيل فيه: ((مثلُه)) جاز روايةُ هذا الثاني بلفظِ الذي قبله. أما إنْ قيلَ في الثاني: ((نَحْوُه)» فلا يُرْوَى بلفظِ الذي قبله. فتح المغيث بشرح ألفية الحديث ١٩٧ إذا قالَ الشيخُ: ((مِثْلَه))، أو («نَحْوَه)) أن يقولَ: ((نَحْوَه)) إذا كان على مِثْلِ مَعَانِه)) (١). قال الخطيبُ(٢): (وذا) أي ما ذهب إليه ابنُ مَعينٍ (على) عَدمِ جوازٍ (النقلِ بمعنَى) أي بالمعنى (بُنِيَا) فأمَّا مَنْ أَجازَه فلا فرقَ عندَه بينَ اللَفَظينِ. قال(٣): (واختِيرَ) من غيرٍ واحدٍ من العلماءِ حينَ روايةٍ ما يكونُ مِنْ هذا القَبِيل (أن) يُوردَ الإسنادَ، و(يقولَ): فَذَكَر (مِثلَ) أو نَحْوَ، أو مَعْنَى (مَتْنٍ) ذُكِرَ (قَبْلُ، ومتنُه كَذَا، ويَبْنِي) اللفظَ الأولَ على السندِ الثاني بهذه الكيفيةِ. ٦٧٢ قال الخطيبُ: ((وهذا الذي أَخْتَارُهُ))(٤). يعني لما فيه من الاحتياطِ باليقين، وإزالةِ الإيهام والاحتمال بحكاية صورةِ الحالِ. وقال النوويُّ في ((شرح مسلم)): ((إنَّه لا شكَّ في حسنه))، انتهى(٥). وما لَعَلَّه يقالُ من كون هذا الصنيعِ يُوهمُ سماعَ المتنِ الثاني، وأنَّه إنَّما تَرَكَهُ لغرضٍ ما: ليس بقادح. وقد فَعلَه بنحوِه أحمدُ، فإنَّه قال في مُسندٍ عُمرَ مِنْ ((مُسْنَدِ))(٦): ((ثنا يحيى بنُ سعيدٍ عن إسماعيلَ - هو ابنُ أبي خالدٍ -: ثنا عامرٌ - هو الشعبيُّ - ح، وثنا محمدُ بنُ عُبَيد - يعني الطَّنَافِسِيَّ -: ثنا إسماعيلُ - يعني المذكورَ - عن رجلٍ عن الشعبيِّ قالٍ: مرَّ عُمرُ بطلحةَ - فذكر معناه - قال: مَرَّ عُمرُ بطلحةً فرآهَ مُهْتَمّاً. قال: لعلَّه ساءكَ إمارةُ ابنِ عَمِّك؟ ... ))، وساقه(٧). فقولُه: ((مَرَ)) (١) ذكره ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢٠٨) عن مَسعود بن عليّ السِّجْزِي أنه سمع الحاكمَ أبا عبد الله الحافظَ. (٢) في ((الكفاية)) (٢١٤). (٣) في ((الكفاية)) (٢١٢). (٤) ((الكفاية)) (٢١٢). (٥) ((مقدمة شرح النووي على مسلم)) (٣٧/١). (٦) (١/ ٣٧). (٧) وأخرجه ابن ماجه بنحوه في ((الأدب)): باب فضل لا إله إلا الله (١٢٤٧/٢) من طريق إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي عن يحيى بن طلحة عن أمه سُعْدَى المُرِّيَّةِ قالت: ((مَرَّ عمرُ بطلحةَ ... )) الحديث. قال في ((الزوائد)): ((اختُلف على الشعبي، فقيل عنه هكذا - يعني سندَ ابنِ ماجه المتقدمَ - وقيل: عنه عن أبي طلحةَ عن أبيه. وقيل: عنه عن يحيى عن أمّه سعدى عن طلحةَ. وقيل: عنه عن طلحةً. مُرْسَلَا)). إذا قالَ الشيخُ: ((مِثْلَه)»، أو «نَحْوَه)) ١٩٨ فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث الثاني هو لفظُ السندِ الأولِ المشارِ إليه بأنَّ لفظَ السندِ الثاني بمعناه. وكذا البخاريُّ، لكنْ حيثُ لم يَسُقْ لِلْمَثْنِ المشارِ إِليه بـ«نَحْوِ)) طريقاً يعود . الضميرُ عليها، فإنَّه أخرجَ في ((خلق آدمَ)) من أحاديثِ ((الأنبياء)) من طريق ابنٍ المبارك عن مَعْمَرٍ عن هَمَّام عن أبي هريرة عن النبيِ نَّهِ فقال: (نَحوَه))(١). وقال عَقِبَه ما نَصُّه: ((يعني لولا بنُو إسرائيلَ لَمْ يَخْتَزِ اللحمُ، ولولا حواءُ لَمْ تَخُنْ أُنْثَى زوجَها))(٢). وكأَنَّه لكون الرواية المحالِ عليها: لم يَسمعْها، أو سَمِعَها بسندٍ على غيرِ شرطه، أو نَحوَ ذلك. وليس من هذا القَبيلِ إيرادُه في ((الزكاة))(٣) مِنْ طريقِ منصورٍ والأعمشِ - كلاهما - عن أبي وائلٍ عن مَسْروقٍ عن عائشةَ عن النبي ◌َّ وقال: ((يعني (٤) إذا تصدَّقتِ المرأةُ من بيت زوجها)»، بل هذا أشار به إلى أنَّه رَوَى ما أَوْرَده من هذا الحديثِ بالمعنى(٥) . إذا عُلِمَ هذا فما تقدَّم فيما إذا أَوْرَدَ الحديثَ بتمامِه، ثم عَطَفَ عليه. (و) أمَّا (قولُهُ) أي الراوي (إذْ بَعضَ متنٍ لم يُسَقْ) بَلْ حُذِفَ، وَوَقَعَ الاقتصارُ على طرفٍ منه ما نَصُّهَ: (وَذَكَرَ الحديثَّ)، أو: ((وذَكَرَهُ))، أو نَحْوَهما كقوله: ((الحديثَ بتمامِه، أو بطولِه، أو إلى آخره))، كما جَرَتْ به عادةُ كثيرٍ من ٦٧٣ (١) علق ابن حجر على قول البخاري: ((نحوه)) بما يلي: ((لم يَسْبِقِ للمتن المذكور طريقٌ يعود عليها هذا الضميرُ، وكأنَّه يُشير به إلى أن اللفظَ الذي حدثه به شيخُه هو بمعنى اللفظِ الذي ساقَه فكأنَّه كتَب من حِفْظِه، وتردَّد في بعضه)) ((الفتح)) (٣٦٧/٦). (٢) ((الأنبياء)): باب خَلقِ آدم وذريتِه (٣٦٣/٦). وأخرجه أيضاً مسلم في ((الرضاع)): باب لولا حواء ... (٢/ ١٠٩٢). ويخنز بخاء معجمة ونون وزاي: أي لم يُنْتِنْ، وتَتَغَيَّرْ رائحتُه ((النهاية)) (٨٣/٢)، وبابه فرح كما في ((القاموس))، وذكر ابن حجر في ((الفتح)) (٣٦٧/٦) أن نونَ المضارع تكسر أيضاً. (٣) باب أجر المرأة إذا تصدقت أو أطعمت من بيت زوجها .. (٣٠٣/٣). (٤) بالمثناة التحتية، وبالفوقية أي عائشة: حديثَ: إذا تصدقت إلخ. ((إرشاد الساري)) (٣/ ٣٥). (٥) وقال العيني: ((ولم يسق البخاري تمامَ هذا الطريق، لكنه ذكره بتمامه على سبيل التحويل)) ((عمدة القاري)) (٣٠٥/٨). فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث ١٩٩ إذا قالَ الشيخُ: (مِثْلَه))، أو ((نَحْوَه)» الرواة. (فالمنعُ) من سياقِ الحديثِ بتمامِه في هذه الصورةِ (أَحَقُّ) منه في التي قبلَها، ويقتصرُ - حينئذٍ - على القَدْرِ المُثْبَتِ منه فقط إلَّا مع البيان. وممَّن صرَّح فيها بالمنع الأستاذُ أبو إسحاقَ الإسْفَرَابِينِي(١). ورخّص فيه (٢) بعضُهم(٢). (وقيلَ إنْ يَعْرِفِ) المُحَدِّثُ والطالبُ (كلاهما) مَعَ هذه الإشارةِ (الخَبَرَ) بتمامِه: (يُرْجى) كما نَصَّ عليه الإسماعيليُّ(٣): (الجوازُ) قال: (والبيانٌ) مع ذلك للواقع - بأَنْ يَقْتَصَّ ما ذكره المحدثُ من الحديثِ، ثم يقولَ: ((وتمامُه كذا وكذا))، ويَسَوقَه - هو (المعتبرُ) أي الأَوْلَى. ٦٧٤ ويتأكَّدُ فيما إذا كان سَمِعَ الطالبُ المتنَ على المحدثِ. ولذا قال ابنُ كثير: ((إنّه ينبغي أنْ يُفَصَّل فيُقالَ: إنْ كان سمعَ الحديثَ المشارَ إليه قَبْلَ ذلك على الشيخ في ذلك المَجلسِ أو في غيرِهِ فتجوزُ الروايةُ، وتكونُ الإشارةُ إلى شيءٍ قد سلفَ بيانُه، وتَحَقَّقَ سماعُه))(٤). وإلَّا فلا. ٦٧٥ (وقال) ابنُ الصلاح: (إِنْ تُجِزْ) في الصورة المحكيةِ عن الإسماعيليِّ (ف) روايتُه (بالإجازة لما طَوَى) من الحديثِ هو التحقيقُ. قال: ((لكنَّها إجازةٌ أَكِيدةٌ قَوِيّة))(٥)، يعني لأنَّها إجازةُ شيءٍ مُعَيَّنٍ لِمُعَيَّنٍ، وفي المَسموع ما يدلُّ على المُجَازِ مع المعرفةِ به فَأُدرِجَ فيه. (واغتَّفَرُوا) أي من يفعلُه مَن المحدثين (إفرَازَهُ) عن المسموعِ بصيغةٍ تدلُّ لها . قلت: أو لعلَّ فاعلَه ممَّن يذهبُ إلى جوازِ أداءِ (المُجَاز)) بـ((أَخْبَرَنَا))، و((حَدَّثَنَا)) كما سلف(٦). (١) ذكره عنه ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (٢٠٩). (٢) قاله ابن كثير في ((اختصار علوم الحديث)) (١٤٤). (٣) أخرجه الخطيب عنه في ((الكفاية)) (٣١١). (٤) ((اختصار علوم الحديث)) (١٤٤). (٥) ((علوم الحديث)) (٢٠٩). (٦) في فصل (كيف يقول من روى ما تحمله بالمناولة والإجازة .. ). إبدالُ ((الرسولِ)) بـ«النَّيِّ) وعكسُهُ ٢٠٠ فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث الفصلُ الثاني عشرَ (إبدالُ (الرسولِ)) بـ(النّبيّ)) وعكسُهُ) ٦٧٦ (وإنْ رسولٌ) وَقَعَ في الروايةِ بأنْ قِيلَ: ((رسولُ اللهِوَّ) (بِنَبِيِّ) أي بلفظِ النبي (أُبْدِلَا) وقتَ التَحمُّل، أَو الأَدَاءِ، أو الكتَابَةِ (فالظاهرُ: المنعُ) منه، والتقيُّدُ بما في الروايةِ (كَعَكْسِ فُعِلَا) بأَنْ يُبْدَلَ ما الروايةُ فيه بلفظِ النبيِّ بـ«رسول الله))، وإنْ جَازَتِ الروايةُ بالمعنى، لأنَّ المعنَى هنا مختَلِفٌ، يعني بناءً على القولِ بعدم تساوِي مَفْهُومَيْهِما. وقد كانَ الإمامُ أحمدُ بنُ حنبلٍ - فيما رواه عنه ابنُه عبدُ اللَّهِ - إذا سَمِعَ مِنْ لَفْظِ المُحدِّثِ: ((رسولَ الله)) ضَرَبَ من كتابِهِ : (نَبِيَّ اللهِ)) وكَتَب ذلك بَدَلَه(١). لكن قال الخطيبُ: إنَّ ذلك ليس على وجهِ اللزوم، بل على الاستحبابِ في اتّباع المحدِّثِ في لفظِه، (وَقَدْ رَجَى جَوَازَهُ ابنُ حَنَبَلِ) نفسُه، حيثُ قال: - إذا سأَله ابنُه صالحٌ: إنَّه يكونُ في الحديث ((رسولُ الله))ً فَيَجْعلُ الإنسانُ بَدَلَهُ (النبيَّ)) -: ((أَرْجُو أَنْ لا يكونَ به بأَسٌ))(١). ٦٧٧ وكذا جَوَّزه حمادُ بن سَلمة، بل قال لعفَّانَ، وبَهْزِ لما جَعَلَا يُغَيِّرَانِ ((النبيَّ)) - يعني الواقعَ في الكتاب - بـ«رسولِ الله - يعني الواقعَ من المُحَدِّثِ -: ((أَمَّا أنتُما فلا تَفْقَهَانِ أبداً)) (١). (و) الإمامَ (النَووي)(٢) - بالسكون - أيضاً (صَوَّبَه) أي الجوازَ (وهو جَلِيّ) واضح. بلْ قال بعضُ المتأخرين: ((إنَّه لا ينبغي أن يُختَلَفَ فيه)). وقولُ ابنِ الصلاح: ((إنَّ المعنى فيهما مُخْتَلِفٌ))(٣) لا يمنعُه، فإنَّ المقصودَ (١) ((الكفاية)) (٢٤٤). (٣) ((علوم الحديث)) (٢١٠). (٢) في ((التقريب)) (١٢٢/٢).