النص المفهرس

صفحات 121-140

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
١٢١
الروايةُ بالمعنى
العملَ، وقع من الصحابي أو التابعي أو غيرِهما، حَفِظَ اللفظَ أم لا، صَدَرَ في
الإفتاء والمناظرة أو الرواية، أتى بلفظٍ مرادفٍ له أم لا، كان معناه غامضاً أو
ظاهراً حيث لم يحتملِ اللفظُ غيرَ ذاك المعنى وَغَلَب على ظَنّه إرادةُ الشارعِ
بهذا اللفظِ ما هو موضوعٌ له دون التَجَوُّزِ فيه والاستعارة(١)؟ وجاءَ الجوازُ عنَ
غيرِ واحدٍ من الصحابة (٢). وعن بعض التابعين قال: ((لَقِيتُ أناساً من الصحابة
فاجتَمعُوا في المعنى، واختلفوا عليَّ في اللفظ، فقلتُ ذلك لبعضِهم، فقال: لا
بأسَ به ما لم يُحِل معناه). حكاه الشافعي (٣) .
وقال حُذَيفةُ رَبِهِ: ((إنَّا قَوْمٌ عَرَبُ نُورِدُ الأحاديثَ فَنُقدِّم ونؤخر)). وقال
ابنُ سِيرِين: «كنتُ أسمعُ الحديثَ من عشرةٍ، المعنى واحدٌ واللفظُ
مختلفٌ))(٤). ومِمَّن كان يروي بالمعنى من التابعين: الحسنُ، والشَّعْبِيُّ،
والنَّخَعيُّ(٤)، بل قال ابنُ الصلاح: ((إنه الذي تَشهد به أحوالُ الصحابةِ والسلفِ
الأولين، فكثيراً ما كانوا يَنْقُلُون معنى واحداً في أمرٍ واحدٍ، بألفاظٍ مختلفة،
وما ذاك إلا لأن مُعَوَّلَهم كان على المعنى دُونَ اللفظِ))(٥) انتهى.
ولانْتِشارِهِ أجاب مالكٌ مَنْ سألَه: لِمَ لَمْ تكتب عن الناس وقد أدركتهم
مُتَوَافِرِين؟ بقوله: ((لا أكتب إلا عن رجل يعرف ما يخرج من رأسه))(٦). وكذا
تَخْصِيصُه تركَ الأَخْذِ عمَّن له فَضْلٌ وصلاح إذا كان لا يَعرفُ ما يُحدِّث به
بكونه كان قبلَ أن تُدَوَّن الكتبُ، والحديثُ في الصدور، لأنه يخشى أَنْ يَخلِط
فيما يُحدث به فيه إشارةً - كما قال شيخُنا - إلى أنهم كانوا يُحَدثون على
المعاني، وإلا فلَوْ حَفِظَه لفظاً لما أنكره(٧). ومن ثَمَّ اشترطَ الشافعيُّ(٨) ومَنْ
تَبِعَه فيمنْ لمْ يتقيَّدْ بلفظِ المُحدث كَوْنَه عاقلاً لما يُحِيل معناه، كما تقرَّر في
(١) انظر: مباحثَ رواية الحديث بالمعنى في ((الكفاية)) (١٦٧ - ٢١٠).
(٢) كوائلةَ بنِ الأَسْقع، وأبي سعيدٍ، وعائشةَ، وابنٍ مسعود، وأنسٍ ﴿.
((الكفاية)) (٢٠٤ - ٢٠٦).
(٣) في ((الرسالة)) (٢٧٥).
(٤) أخرجه الترمذي في ((العلل)) - مع ((السنن)) (٧٤٧/٥)، والرامهرمزي في ((المحدث
الفاصل)) (٥٣٤)، والخطيب في ((الكفاية)) (٢٠٦).
(٥) ((علوم الحديث)) (١٩١).
(٧) أي الإمام مالك كثّفُ.
(٦) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (١٦٩).
(٨) انظر: ((الرسالة)) (٢٧٢، ٢٧٤).

الروايةً بالمعنى
١٢٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
((معرفة من تقبل روايته))(١). قال المَاوَرْدِيُّ والرُّوْيَانِيُّ(٢): ((وشرطُه أنْ يكونَ
مُسَاوِياً له في الجَلَاءِ والخَفَاء، وإلّا فيمتنعُ، كقولهِ وَّ: ((لا طلاقَ في
إِغلاق))(٣)، فلا يجوز التعبيرُ عنه بالإكراه (٤) وإن كان هُو معناه(٥)، لأن الشارع
لم يَذْكُرْه كذلك إلَّ لمصلحةٍ، فَيَكِلُ استنباطَه للعلماء)). ثم جَعَلَا محلَّ الخلافِ
في غيرِ الأوامر والنواهي، وجَزَمَا بالجواز فيهما، ومَثَّلَا الأمرَ بقوله: «اقتُلُوا
الأَسْوَدَيْن: الحيَّة والعقربَ))(٦)، فيجوزُ أن يقولَ: أَمَرَ بقتلهما. والنَّهْيَ بقوله:
((لا تبيعوا الذهبَ بالذهب إلا سَوَاءً بِسَوَاءٍ))(٧)، فيجوزُ أن يُقالَ: ((نَهَى عن كذا
وكذا، لأَنَّ ((افْعَلْ)) أَمْرٌ، و((لا تَفْعَل)) نَهْيٌّ.
(١) وهو النوع الثالث والعشرون من كتاب ابن الصلاح.
(٢) القاضي العلامة شيخ الشافعية أبو المحاسن عبدُ الواحد بن إسماعيل بن أحمد، مات
سنة ٥٠١ أو سنة ٥٠٢. ((الأنساب)) (١٨٩/٦)، و((السير)) (٢٦٠/١٩).
والرُوياني بضم الراء وسكون الواو، ثم مثناة تحتية وآخره نون نسبةً لرُويان بلدةٍ من
أعمال (طَبَرِسْتَانَ).
(٣) أخرجه أبو داود في ((الطلاق)): باب في الطلاق على غلط (٢/ ٦٤٢)، وابن ماجه في
((الطلاق)): باب طلاق المكره والناسي (٦٥٩/١)، وأحمد (٢٧٦/٦)، والحاكم (٢/
١٩٨) وصحَّحه، وردّه الذهبيُّ بأنَّ في سنده محمدَ بنَ عبيدٍ بن أبي صالح المكي،
ضعفَّه أبو حاتم، وفي سنده الثاني نُعَيمَ بنَ حمادٍ صاحبَ مناكير.
وأيضاً صححه السيوطي في ((الجامع الصغير)) (٤٣٣/٦)، وفي تصحيح هذا الحديث
نظر لأن طرقَه لم تخل من مقال. والحديث حَسَنٌ بمجموعها كما في ((إرواء الغليل))
(١١٤/٧). والله أعلم.
(٤) يعني فلا نرويه بلفظ: («لا طلاقَ في إكراه)).
(٥) كما في ((النهاية)) (٣٧٩/٣) وقال: ((لأن المُكْرَه مُغْلَقٌ عليه في أمره .. كما يُغلَق الباب
على الإنسان)).
(٦) أخرجه أبو داود في ((الصلاة)): باب العمل في الصلاة (٥٦٦/١)، والترمذي في
(الصلاة)): باب ما جاء في قتل الحية والعقرب في الصلاة (٢٣٣/٢) وقال: ((حسن
صحيح)) والنسائي في ((السهو)): باب قتل الحية والعقرب في الصلاة (١٠/٣) وغيرهم،
بألفاظ متقاربة، وفي بعضها: ((اقتلوا))، وفي بعضها: أمر بقتلهما))، وفيها كلُّها النصُّ
على أن ذلك في الصلاة.
(٧) أخرجه البخاري في ((البيوع)): باب بيع الذهب بالذهب (٣٧٩/٤)، ومسلم في
((المساقاة)): باب النهي عن بيع الذهب بالوَرِق دَيْناً (١٢١٣/٣) وغيرُهما.

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
١٢٣
الروايةُ بالمعنى
ونازعهما الإسْنَوي (١) بأنَّ لفظَ ((افْعَل)) للوجوب، و((لا تفعل)) للتحريم،
بخلاف لفظِ (الأَمْر))، ولفْظِ: (النَهْي)) (٢) .
وفيه نظر، إِذِ ((افْعَل)) و((لا تَفعل)) - حقيقةً - عبارةٌ عنهما.
وكذا عليه - كما قال الخطيب - المُبَالَغَةُ في التَوقِّي والتحري خوفاً من
إحالة المعنى الذي يتغيَّر به الحُكم(٣) .
٢ - وقيل: لا تجوزُ له الروايةُ بالمعنى مطلقاً. قاله طائفةٌ من المحدثين
والفقهاءِ والأصوليين من الشافعية وغيرهم.
قال القرطبي(٤): ((وهو الصحيح من مذهب مالك))(٥). حتى إن بعضَ مَنْ
ذهبَ لهذا شَدَّد فيه أكثَرَ التشديدِ فلم يُجِزْ تقديمَ كلمةٍ على كلمة، ولا حرفٍ
على آخرَ، ولا إبدالَ حرف بآخرَ، ولا زيادةَ حرفٍ ولا حذفَه فضلاً عن أكثرَ،
ولا تَخفيفَ ثقيلٍ ولا تَثقيلَ خفيفٍ، ولا رفعَ منصوبٍ ولا نَصْبَ مجرورٍ أو
مرفوع، ولوْ لَمْ يتغيرِ المعنى في ذلك كلِّه، بل اقتصرَ بعضُهم على اللفظ ولو
خالف اللغةَ الفصيحةَ، وكذا لو كان لَحْناً، كما بيَّن تفصيلَ هذا كلِّه الخطيبُ
في ((الكفاية)) (٦) مما سيأتي بعضُه في كلِّ من الفصل الذي بعده(٧)،
والسادس(٨)، والعاشر(٩) قريباً، لما فيه من خَوفِ الدخولِ في الوَعيدِ حيث
عَزَا(١٠) للنبيِ نَّهُ لَفْظاً لم يَقُلْه، ولكونه ◌َّهَ قد أُوتِي جَوَامِعَ الكَلِمِ، واختُصِرَ له
الكلامُ اختصاراً، وغَيرُه - ولو كان في الفصاحةِ والبلاغة بأقصى غايةٍ - ليس
مثلَه، بل قد يَظُن تَوْفِيَةَ اللفظِ بمعنى اللفظِ الآخر ولا يكون كذلك في نفس
الأمر، كما عُهِد في كثير من الأحاديث(١١).
(١) هو جمال الدين الإسنوي الآتي ذكره وترجمته (ص١٢٨/٤).
(٣) ((الكفاية)) (١٦٧).
(٢) ((نهاية السُول)) للإسنوي.
(٤) أبو العباس أحمدُ بنُ عُمر بن إبراهيم الأنصاري المالكي، المحدثُ. مات سنة ٦٥٦.
(العبر)) (٢٧٨/٣)، و((الشذرات)) (٢٧٣/٥).
(٥) يظهر أنه في كتابه: ((المُفْهم في شَرح مختصر صحيح مسلم)).
(٧) (ص١٣٤) وما بعدها.
(٦) (ص١٧٣ - ١٨٨).
(٨) (ص١٥٤) وما بعدها .
(١٠) في النسخ: ((عزى)) من الناسخ.
(٩) (ص١٩٠) وما بعدها.
(١١) ومن أمثلته: الحديثُ المتقدم (ص١٢٠) في النهي عن التزعفر للرجال.

الروايةُ بالمعنى
١٢٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وأيضاً فالاتفاق حاصِلٌ على وُرُودِ الشرع بأشياءَ قُصِدَ منها الإِتيانُ باللفظ
والمعنى جميعاً نحوُ: ((التَكبيرِ)) و((التشهدِ))، و((الأذانِ))، و((الشهادة))، وإذا كان
كذلك أمكنَ أن يكونَ المطلوبُ بالحديث لفظَه ومعناه جميعاً، لا سيما وقد
ثَبَتَ قولُهُ وَّهِ: ((نَضَّرَ اللهُ امرءاً سَمِعَ مِنَّا حديثاً، فأدَّاه كما سَمِعه))(١)، وَرَدُّه ◌َيُّ
على الذي عَلَّمه ما يقولُه عند أَخْذِ مَضْجَعِه(٢) - إذْ قال: ((ورسولِك)) - بقوله:
((لا، ونَبِّك))(٣).
قال ابنُ كثيرٍ: ((وكان ينبغي أن يكونَ هذا المذهبُ هو الواقعَ، ولكن لم
يتفقْ ذلك»(٤)، انتھی.
ومِمَّن اعْتَمَدَه: مسلمٌ، فإنَّه في ((صحيحه)) يُمَيِّزُ اختلافَ الرُّوَاةِ حتى في
حرفٍ من المتن - وربما كان بعضُه لا يَتَغَيَّرُ بِه مَعْنًى، وربما كان في بعضِه
اختلافٌ في المعنى ولكنَّه خَفِيٍّ لا يتفطَّنُ له إلا مَن هو في العلم بمكانٍ - بخلاف
البخاري، وكذا سَلَكَه أبو داودَ، وسبقهما لذلك شيخُهما أحمدُ، ومن أمثلته
عنده: ((حدثنا يزيدُ بن هارونَ وعَبَّادُ بنُ عَبَّد المُهَلَّبِي قالا: أنا هشامٌ - قال عَبَّاد:
ابنُ زيادٍ - عن أبيه عن فاطمةَ ابنةِ الحُسين عن أبيها الحُسين بن علي مرفوعاً: ((ما
من مُسلمٍ يُصَاب بِمُصِيبة وإن طال عَهدُها - قال عبادٌ: وإن قَدُمَ عَهْدُها(٥) .... )).
(١) حديث متواتر أخرجه أبو داود في ((العلم)): باب فضل نشر العلم (٦٨/٤)، والترمذي
في ((العلم)): باب ما جاء في الحث على تبليغ السماع)) (٣٣/٥) كلاهما من حديث
زيد بن ثابت، وقال الترمذي: ((حديث حسن))، وأخرجه أيضاً من حديث ابن مسعود
وقال: ((حسن صحيح))، وأخرجه أيضاً ابن ماجه وأحمدُ وغيرُهم. ونضر: بالتخفيف
والتشديد كما في ((النهاية)).
(٢) هو البَرَاءُ بنُ عَازِب، وقيل: أُسَيدُ بنُ حُضَير. ذكر ذلك الخطيب في ((الأسماء المبهمة))
(الحديث ٢) وذكر أبو ذرِّ الحلبي الأول في ((التوضيح)) (١٧٧/أ) و((التنبيه)) (٤٢/ب).
(٣) حينَ عَلَّم النبيُّ وََّ البراءَ بنَ عازبٍ دُعَاءً يقولُه عند نومه وكان فيه: ((آمنتُ بكتابكَ
الذي أنزلتَ وبنبيكَ الذي أرسلتَ))، فلما أعاده البراءُ لِيَحْفَظَهُ قال: ((وبرسولِك الذي
أرسلتَ))، فقال وَّهِ: ((لا، وبنبيكَ الذي أرسلتَ)).
أخرجه البخاري في ((الوضوء)): باب فضل من بات على الوضوء (٣٥٧/١) - وغيرِه -
ومسلمٌ في ((الذكر)): باب ما يقول عند النوم وأخذ المضجع (٢٠٨٢/٤) وغيرهما.
(٤) ((اختصار علوم الحديث)) (١٣٦).
(٥) أحمد في «المسند(( (٢٠١/١) لكن فيه: ((عن أمه)) بدلاً من «عن أبيه)).
=

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
١٢٥
الروايةُ بالمعنى
وربما نَشَأ عن نِسْبَةِ ما يزيدُه بعضُ الرُّوَاة من الأنساب إثباتُ راوٍ لا
وجودَ له. كما سأَذْكُرُه في سابع الفصول(١).
ومن أمثلته في ((أبي داود)): ساق في ((الأذان)) حديثاً عن عمرو بن مَرْزُوق
ومحمدِ بنِ المُثَنَّى بلفظ: ((ولولا أن يقولَ الناسُ ... ))، فقال: ((قال ابن المُثنى:
أن تقولوا)). وبلفظ: ((لقد أراك الله خيراً))، فقال: ((ولم يقل عَمرو: لقد))(٢).
٣ - (وقيل: لا) يجوز في (الخَبر): يعني حديثَ رسول اللهِوَّهِ خاصةً - لما
تقدم (٣) - ويجوز في غيرِهِ، قاله مالكٌ فيما رواه عنه البيهقيُّ والخطيبُ وغيرُهما (٤).
٤ - وقيل: لا يجوز إن كان مُوجَبُهُ عَمَلاً ك: «تَحْلِيلُها التسليمُ، وتحريمُها
التكبيرُ))(٥)، و((خَمْسٌ يُقْتَلْن في الحِلِّ والحَرم)»(٦).
وإن كان مُوجَبُه عِلْماً جاز، بل وفي العَمَل أيضاً ما يجوز بالمعنى. نقله
ابن السمعاني(٧) .
ولفظه نحوُ هذا. ورواه وكيع بن الجراح عن هشام بن زياد ((عن أمه))، أخرجه ابن
=
ماجه في ((الجنائز)): باب ما جاء في الصبر على المصيبة (٥١٠/١).
قال البُوصيري في ((الزوائد): ((في إسناده ضعفٌ لضعف هشام بن زياد، وقد اختلف
الشيخ هل هو روى عن أبيه أو عن أمه ولا يُعرف لهما حال)). ويريد بالشيخ هنا:
هشامَ بنَ زياد، والإسناد ضعيف جداً لأن هشاماً متروك كما في ((التقريب)).
(١) (ص١٧٣).
(٢) ((سنن أبي داود)): كتاب الصلاة، باب كيف الأذان (٣٤٥/١).
(٣) (ص١٢٣) من أنه ◌َّ ر أوتي جوامع الكلم، وغيرُه لا يدانيه في الفصاحة إلخ.
(٤) انظر: ((الكفاية)) (١٨٨، ١٨٩)، و((جامع ابن عبد البر)) (٨١/١).
(٥) أخرجه أبو داود في ((الصلاة)): باب فرض الوضوء (٤٩/١)، والترمذي في «الطهارة)):
باب ما جاء أن مفتاح الصلاة الطهور (٨/١) وقال: ((هذا الحديث أصح شيء في هذا
الباب وأحسن))، وابن ماجه في ((الطهارة)): باب مفتاح الصلاة الطهور (١٠١/١)،
وأحمدُ (١٢٣/١، ١٢٩) كلهم بلفظ: ((مفتاح الصلاة الطُهور، وتحريمها التكبير
وتحليلها التسليم))، والحديث حسن كما عند السيوطي في ((الجامع الصغير)).
(٦) أخرجه البخاري في ((الصيد)): باب ما يَقْتُل المحرمُ من الدواب (٣٤/٤)، ومسلم في
(الحج)): باب ما يندب للمحرم وغيرِه قتله من الدواب في الحل والحرم (٢/ ٨٥٦ -
٨٥٩)، وغيرهما .
(٧) في ((قواطع الأدلة)) (٣٣٠/٢).

الروايةُ بالمعنى
١٢٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٥ - وقيل: لا يجوز لغير الصحابة خاصة، لظهور الخلل في اللسان
بالنسبة لمن قبلهم(١)، بخلاف الصحابة فهم أربابُ اللسان، وأَعْلَمُ الخلقِ
بالكلام. حكاه المَاوَرْدِيُّ والرُّؤْيَانِيُّ في ((باب القضاء))(٢). بلْ جَزَمَا بأنه لا
يجوز لغير الصحابي، وجَعَلا الخلافَ في الصحابي دون غيره(٣).
٦ - وقيل: لا يجوز لغير الصحابة والتابعين بخلاف من كان منهم. وبه
جزم بعضُ معاصري الخطيب وهو حَفيدُ القاضي أبي بكر في: ((أدب الرواية)»
قال: ((لأن الحديثَ إذا قيَّده الإسنادُ وَجَب أنْ لا يختلفَ لفظُه فيدخلَه الكذبُ)).
٧ - وقيل: لا يجوز لمنْ يحفظُ اللفظَ، لزوال العِلة التي رُخِّصَ فيه
بسببها، ويجوزُ لغيره، لأنه تَحمَّلَ اللفظَ والمعنى، وعَجَزَ عن أحدهما، فلزمه
أداءُ الآخر، لأنه بِتَرْكه يكونُ كاتماً للأحكام. قاله الماوردي في ((الحاوي))(٤)
وذهب إليه.
٨ - وقيل: لا يجوز في الرواية والتبليغ خاصةً بخلاف الإفتاء والمناظرة.
قاله ابن حزم في كتاب ((الإحكام))(٥) .
٩ - وقيل: لا يجوز بغير اللفظ المُرادِف له (٦)، بخلافه به، مع اختلاف
الأصوليين في مسألةٍ قيل: إن النزاعَ في مسألتنا يتفرَّع عن النزاع فيها - وهي:
((جواز إقامة كلٍّ من المترادفين مقام الآخر)) (٧) - على ثلاثة أقوالٍ، ثالثُها:
التفصيلُ، فإن كان من لُغَتِه جازَ، وإلا فلا(٨).
(١) يُرِيدُ (بمَن قبلَهم): الأَدْنَى إلينا، وهم التابعونَ ومَن بعدَهم. ولو قال المصنف بالنسبة
لمن بعدهم لكان أظهر.
(٢) ((أدب القاضي)) للماوردي (٤١٦/١).
(٣) وكذا قال ابن العربي في أحكام القرآن (٢٢/١).
(٤) هو ((الحاوي الكبير في الفروع))، وهو موسوعة ضخمة في الفقه الشافعي يقال: إنه
ثلاثون مجلداً، لم يؤلف مثله في المذهب الشافعي. ونُسَخُه منتشرة في المكتبات
العالمية. ((كشف الظنون)) (٦٢٨/١)، و((مقدمة محقق أدب الدنيا والدين)) (٧).
(٦) ((الكفاية)) (١٩٨).
(٥) ((إحكام الأحكام)) (٨٦/٢).
(٧) ((المحصول)) (٣٥٢/١/١) من القسم التحقيقي.
(٨) وهو اختيار البيضاوي كما في حاشية المصدر السابق (٣٥٣).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٢٧
الروايةُ بالمعنى
١٠ - وقيل: لا يجوز في المعنى الغامض دون الظاهر. أشار إليه الخطيب(١).
والمُعْتَمَدُ الأولُ. وهو الذي استقر عليه العملُ. والحجة فيه: أن في ضبطٍ
الألفاظ والجُمودِ عليها ما لا يخفى من الحَرَج والنَّصَب المؤدِّي إلى تعطيل
الانتفاعِ بكثيرٍ من الأحاديث، حتى قال الحسنُ: (لولا المعنى ما حَدَّثْنَا))(٢).
وقال الثَّوْري: (لو أَرَدْنَا أن نُحَدثَكم بالحديث كما سمعناه ما حدثناكم بحرف
واحد))(٣). وقال وَكيعٌ: ((إنْ لم يكن المعنى واسعاً فقد هلكَ الناس)) (٤). وأيضاً
فقد قال الشافعي تَّلُهُ: ((وإذا كان الله رَكَ بِرَأْفته بخلقه أنزل كتابَه على سبعة
أَحْرُفٍ - معرفةً منه بأن الحفظَ قد يَزِلُّ ـ لتَحِلَّ لهم قراءتُه وإن اختلف لفظُهم فيه
- ما لم يكن في اختلافهم إحالةُ معنى - كان ما سوى كتابِ الله أَوْلى أن يَجُوز
فيه اختلافُ اللفظ ما لم يُحِل معناه))(٥). وسَبَقَه لنحوِه يحيى بنُ سعيد القطان فإنه
قال: ((القرآنُ أعظمُ من الحديث، ورُخِّص أنْ تقرَأَه على سبعة أحرف))(٦). وكذا
قال أبو أُوَيس: ((سَأَلْنَا الزهريَّ عن التقديم والتأخير في الحديث فقال: إن هذا
يَجُوزُ في القرآن(٧)، فكيف به في الحديث؟ إذا أَصَبْتَ معنى الحديث فلم تُحِلَّ
به حراماً، ولم تُحَرِّمْ به حلالاً فلا بأس به)» (٨). بل قال مكحولٌ وأبو الأزهرِ:
(١) في ((الكفاية)) (١٩٨).
(٢) عزاه البُلقيني في ((محاسن الاصطلاح)) (٣٣٣)، والعراقي في ((شرح التبصرة والتذكرة))
(١٦٩/٢) لابن منده في ((معرفة الصحابة)). وانظر: ((الكفاية)) (٢٠٧، ٢٠٨) ففيها عن
الحسن روايات كثيرة بهذا المعنى.
(٣) أخرجه الترمذي في ((العلل)) - مع ((السنن)): ٧٤٧/٥)، والخطيب في ((الكفاية))
(٢٠٩)، و ((الجامع)) (٣٢/٢).
(٥) ((الرسالة)) (٢٧٤).
(٤) أخرجه الترمذي في مصدره السابق.
(٦) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (٢١٠).
(٧) وذلك إذا كان قراءةً ثابتةً. وجاء في حاشية (س) مقابلَ هذا كلامٌ انطمس بعضُه،
والذي ظهر منه يفيد أن قراءةً حمزة والكِسائي لقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن
دِيَرِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِ وَقَتَلُواْ وَقُتِلُواْ﴾ من الآية ١٩٥ من سورة آل عمران هي بتقديم
قتلوا على قاتلوا. وأيضاً قوله تعالى: ﴿ ... يُقَئِلُونَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْنَلُونٌ﴾
من الآية ١١١ من سورة التوبة هي عندهما بتقديم المبني للمفعول على المبني للفاعل.
هذا وانظر: ((فتح القدير للشوكاني)) (٤١٣/١، ٤٠٧/٢).
(٨) أخرجه الخطيب في ((الجامع)) (٣٢/٢) مختصراً.

الروايةُ بالمعنى
١٢٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
((دَخَلْنا على واثلةَ نَظُهُ فقلنا له: حدِّثنا بحديث سمعتَه من رسول الله وَّه ليس فيه
وَهَم ولا تَزَيُّدٌ ولا نِسيان. فقال: هل قرأ أحدٌ منكم من القرآن شيئاً؟ فقلنا:
نعم، وما نحنُ له بحافظينَ جدّاً، إنا لنزيدُ الواوَ والألفَ، وننقُصُ. قال: فهذا
القرآنُ مكتوبٌ بين أَظْهُرِكُمْ لا تَأْلُونَه حفظاً، وأنتم تزعمون أنکم تزيدون فيه
وتنقصون(١) منه، فكيف بأحاديثَ سَمِعناها من رسول الله بَّ عسى أن لا نكونَ
سَمِعْناها منه إلا مرة واحدة؟! حسبكم إذا حدَّثْناكم بالحديث على المعنى))(٢).
واحتجَّ حمادُ بنُ سَلمَة بأن الله تعالى أخبر عن موسى لعلَّهُ وَعدُوِّه فرعونَ
بألفاظٍ مختلفة في معنى واحدٍ، كقوله: ﴿بِشِهَاٍ قَبَسٍ﴾(٣)، و﴿بِقَبَسٍ﴾(٤)، ﴿أَوْ
جَذْوَةٍ مِّنَ النَّارِ﴾(٥)، وكذلك قَصَصُ سائرِ الأنبياءِ عَلَها في القرآن، وقولُهم
لقومهم بألسنتهم المختلفة، وإنما نُقِلَ إلينا ذلك بالمعنى(٦). وقد قال أُبَيُّ بن
كعب - كما أخرجه أبو داود -: ((كان رسول الله وَل﴿ يوتر بـ﴿سَيْجِ اسْمَ رَيِّكَ﴾، وقل
للذين كفروا، والله الواحد الصمد))(٧)، فسمَّى السورتين الأخيرتين بالمعنى.
ومن أقوى الحُجَج - كما قال شيخنا(٨) - ما حكى فيه الخطيبُ(٩) اتفاقَ
الأُمة من جواز شَرح الشَريعةِ للعجَم بلسانِهم للعارِف به، فإذا جاز الإِبدالُ بِلُغَةٍ
أُخرى فجوازُه باللغة العربية أَوْلى))، وأشار إليه ابنُ الحاجِب(١٠).
(١) يعني إذا قرأه القارئ عن ظهر قلب فقد يذهل ويبدل فاء بواو، أو يزيد فيها الألف أو
الواو أو نحو ذلك.
(٢) أخرجه الدارمي (٩٣/١)، والخطيب من رواية مكحول عن واثلة في ((الكفاية)) (٢٠٤)،
و((الجامع)) (٣١/٢)، وأخرج الترمذي آخره في مصدره السابق: (٧٤٦/٥).
(٣) سورة النمل: الآية ٧.
(٤) سورة طه: الآية ١٠.
(٥) سورة القصص: الآية ٢٩.
(٦) انظر: ((الكفاية)) (٢٠١).
(٧) أخرجه أبو داود في ((الوتر)): باب ما يقرأ في الوتر (١٣٢/٢)، وفيه: بـ ﴿سَيِّحِ أَسْمَ رَبِّكَ
اُلْأَعْلَى ﴾﴾. كما أخرجه أيضاً النسائي في ((قيام الليل)): باب القراءة في الوتر (٣/
٢٤٤ - ٢٤٧) بروايات كثيرة ولفظها: ﴿سَيِّجِ أَسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ﴾ - قُلْ يَأَيُّهَا الْكَفِرُونَ
(١ - قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدُّ ﴾﴾، ومثله عند ابن ماجه في ((إقامة الصلاة)): باب ما جاء
فيما يقرأ في الوتر (٣٧٠/١).
(٨) في ((نزهة النظر)) (٤٨).
(٩) في ((الكفاية)) (٢٠١).
(١٠) الإمام العلامة الأصولي الفقيهُ جمال الدين أبو عمرو عثمان بن عمر المصري
المالكي. مات سنة ٦٤٦. ((وفيات الأعيان)) (٢٤٨/٣)، و((السير)) (٢٦٤/٢٣). وما =

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
١٢٩
الروايةُ بالمعنى
واستأنَسُوا للجوازِ بحديثٍ مرفوع: ((قلنا: يا رسولَ الله إنا نسمعُ منك
الحديثَ فلا نقْدِرُ أنْ نُؤَدِّيَه؟ فقال: إذا لم تُحِلُّوا حراماً، ولم تُحَرِّمُوا حلالاً،
وأَصَبْتُم المعنى فلا بأس))، وهو حديث مضطربٌ لا يَصح، بل ذكره
الجوزقاني(١) وابنُ الجوزي في ((الموضوعات))(٢). وفي ذلك نظر(٣).
وكذا استَأْنَسُوا له بما يُروَى عن أبي أمامةَ رَُّه مرفوعاً: ((من كذب عليّ
متعمداً فليتَبوَّأُ مقعده بين عَيْنَي جهنم)). قال: فَشَقَّ ذلك على أصحابه حتى
عُرِفَ في وجوههم، وقالوا: يا رسول الله قُلْتَ هذا ونحن نَسمعُ منك الحديثَ
فنزيدُ وننقصُ، ونقدِّمُ ونؤخّر؟ فقال: ((لم أَعْنِ ذلك، ولكنْ عَنَيْتُ مَن كذب
عليّ يريد عَيْبِي وشَيْنَ الإسلام)) (٤). وقد قال الحاكم: ((إنه أيضاً حديثٌ باطلٌ،
= أشار إليه ابن الحاجب هو في ((منتهى السول والأمل)) (٨٤).
(١) كذا في النُّسَخ: الجوزقاني بزاي بعد الواو. ومثله في جُملةٍ من المصادرِ. والراجحُ
أنها بضم الجيم وسكون الواوٍ والراءِ وفتح القافِ وبعد الألف نونٌ نسبة إلى
(الجورقان). وهم قَبِيلٌ كبيرٌ من الأكراد. والمنسوبُ إليهم هنا هو الحافظ الناقد أبو
عبد الله الحُسين بن إبراهيم. مات سنة ٥٤٣. ((اللباب)) (٣٠٧/١)، و ((السير)) (٢٠/
١٧٧) إلا أن في الثاني نسبته إلى (جُؤْرْقان) من قرى همذان. وراجع ((مقدمة محقق
الأباطيل والمناكير)) (٦٦/١) وما بعدها.
(٢) أما الجُورقاني فأَوْردَه في ((الأباطيل والمناكير)) (١/ ٩٧) من طريق أحمدَ بنِ مُصعب
قال: حدثنا عُمر بن إبراهيمَ عن محمد بن سليم بن أُكَيمةَ عن أبيه عن جده قال:
قلت: يا رسولَ الله إني أسمعُ منك الحديثَ ولا أستطيعُ أن أُؤَدِّيَه كما أسمعُ منك،
أزيد حرفاً أو أنقص حرفاً؟ قال: ((إذا لم تُحِلوا حراماً، وتحرِّموا حلالاً فأصَبْتم المعنى
فلا بأس)) وأعقبه بقوله: ((هذا حديث باطل، وفي إسناده اضطراب)). ثم بيَّن وجهَ ذلك
بأنه مرةً جاء هكذا، ومرةً جاء عن أحمدَ بن مصعب عن عُمرَ بن إبراهيم عن محمد بن
إسحاق بن عُبيد الله بن سليم بن أُكَيمة الليثي عن أبيه عن جدِّه، ورواه الوليدُ بن
مسلمة الطبراني عن يعقوب بن عبد الله بن سليم بن أكيمة عن أبيه عن جده، ثم قال
الجُورقاني: قال أبو عبد الله بن منده الحافظ: ((سليم بن أكيمةَ الليثي مجهول)).
وأما ابن الجوزي فلم أجده في المطبوع من («الموضوعات)) له، ولكنَّه أَوْرَدَ فيها جُملةَ
أحاديثَ في معناه (٩٤/١ - ٩٨) وحَكَم عليها بالوضع.
(٣) يعني أنه يراه ضعيفاً لا موضوعاً، وسيذكر بعدَ قليلٍ مَجيءَ طُرُقٍ أخرى لمعنى هذا
الحديث. ولكنَّ المحققين على أنه موضوع. والله أعلم.
(٤) أخرجه الحاكم في ((المدخل إلى الصحيح)) (٩٦)، وقال: ((وهذا حديث باطل في رواته =

الروايةُ بالمعنى
١٣٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وفي إسناده محمد بن الفضل بن عطية اتَّفقُوا على تكذيبه)). بل قال صالحٌ
جَزَرَةٌ: «إنه كان يضع الحديث(١). لكنْ له طريقٌ أخرى، رواه أحمدُ بن مَنِيع في
((مسنده) (٢)، والخطيبُ في ((كفايته))(٣) معاً من طريق خالد بن دُرَيْك عن رجلٍ
من الصحابة أتمَّ منه (٤). وبه تعلَّق بعضُ الوضاعين، كما أشرت إليه هناك(٥).
ثم إن ما استدلَّ به المُخالِفُ يدفعُه القطعُ بنَقْلِ أحاديثَ - كما تقدم قريباً -
في وقائعَ مُتَّحِدةٍ بألفاظٍ مختلفةٍ من غيرِ إنكار من أحد بحيث كان إجماعاً.
والقصد - قطعاً - من إيراد اللفظ إنما هو المعنى، وهو حاصل. وإن كان لفظ
الشارع أَبْلَغَ وأوْجَزَ. ويكفي في كونه معناه غَلَبةُ الظن.
وإلحاق حديث الرسول 8* بألفاظِ ((الأذان))، و((التشهد))، ونحوهما من
التوقيفيات لا دليلَ له. كما قاله الخطيب(٦).
وحديث: ((نَضَّرَ الله ... ))، ربما يُتَمَسَّك به للجواز، لكونه - مع ما قيل:
إنه وَ﴾ لمْ يُحدث به سوى مرةٍ واحدةٍ - رُوي بألفاظٍ مختلفةٍ(٧) كـ((رحم الله))،
جماعة ممن لا يُحْتَجّ بهم، إلا أن الحملَ فيه على محمد بن الفضل بن عطية فإنه
=
ساقط))، والجُورقاني في ((الأباطيل)) (٩٢/١) وقال: ((باطل لا أصل له)). وابن
الجوزي في ((الموضوعات)) (٩٥/١)، ثم نَقَلا تكذيبَ العلماء لأحد رجاله وهو
محمد بن الفضل بن عطية.
(١) ((تهذيب التهذيب)) (٤٠٢/٩).
(٢) ((المطالب العالية)) (١٢٢/٣) وعلق عليه الشيخُ حبيب الرحمن الأعظمي بأن البوصيري
قال عنه: ((رجاله ثقات)).
(٣) (ص ٢٠٠).
(٤) ورجاله وإن كانوا ثقات إلا أن فيه انقطاعاً لأن خالدَ بنَ دُرَيْكِ من أتباع التابعين، وقد
أَوْردَه فيهم ابنُ حبان كما في «الثقات)) (٢٥٥/٦)، وهذا الإسنادُ وإن كان ضعيفاً
للانقطاع فيه، ورجاله ثقات إلا أن في متنه ما يدل على أنه موضوع، لأن في آخره - كما
قال الألباني في ((سلسلة الأحاديث الضعيفة)) (٤٢٢/٢) -: ((ما يشعر بأن التقوُّلَ عليه لا
بأس به إذا لم يكن في شين الإسلام وعيب النبي ومطر فكأنه من وضع الكرَّامية الذين
كانوا يرون جواز الكذب على النبي ◌َّهو في الترغيب والترهيب وفضائل الأعمال ... )).
(٥) في نوع (الموضوع)، وهو النوع الحادي والعشرون من كتاب ابن الصلاح.
(٦) في ((الكفاية)) (٢٠١ - ٢٠٢).
(٧) قال الخطيب في ((الكفاية)) (٢٠٢): ((وقد ذكرنا طُرقَه على الاستقصاء باختلاف ألفاظها =
اء

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٣١
الروايةُ بالمعنى
و((مَنْ سَمِع))، و((مقالتي))، و((بلَّغه))، و((أفقهُ))، و((لا فِقْهَ له)) مكانَ: (نَضَّر الله))،
و((امرءاً))، و((مِنَّا حديثاً))، و((أَدَّاهُ))، و((أَوْعَى))، و((ليسَ بفقيهٍ)). لاسيما وفيه ما
يُرِشِدُ إلى الفرقِ بين العارفِ وغيرِه بقوله: ((فَرُبَّ مبلَّغِ أوعى من سامعِ، ورُبَّ
حاملٍ فقهٍ وليس بفقيهِ إلى مَنْ هو أفقهُ منه))(١).
وأمّا حديثُ: ((لا، ونبيك))، ففي الاستدلال(٢) به نظَرٌ، لأنه وإن تحقَّق
بالقطع أن المعنى في اللفظين مثَّحِدٌ ــ لأن الذاتَ المُحدَّثَ عنها واحدةٌ -
فالمرادُ يُفْهَم بأيِّ صفةٍ وُصِفَ بها الموصوفُ، فيُحْتَملُ أن المنعَ لكون ألفاظِ
الأذكار - كما سيأتي في ((الفصل الثاني عشر))(٣) - توقيفيَّةً، ولها خصائصُ
وأسرارٌ لا يدخُلها القياس، فتجب المحافظةُ على اللفظ الذي وردتْ به.
وبالجُملة فيستحب له أن يُورِدَ الأحاديثَ بألفاظها كما قاله الحسن
وغيرُهُ(٤)، لأن ذلك أَسْلمُ وأفضَلُ، كما قاله ابنُ سِيرين وغيرُهُ(٥)، ولذا كان ابنُ
مهدي - فيما حكاه عنه الإمامُ أحمدُ - يتوقَّى كثيراً، ويحب أن يحدث بالألفاظ (٤).
هذا كلُّه فيمن تَحَمَّلَ من غير التصانيف.
(والشيخُ) ابنُ الصلاح (في التصنيفِ) المُدَوَّنِ (قَطْعاً قد حَظَر) - بالمهملة
ثم المعجمة - أي مَنَعَ تَغْيِيرَ اللفظِ الذي اشتمل عليه وإثباتَ لفظٍ آخرَ بَدَلَه
بمعناه بدون إجراء خلافٍ منه، بل ولا عَلِمَ غيرَه أجراه، لكون المشقةِ في
ضَبْطِ الألفاظِ والجُمودِ عليها - التي هي معوّل الترخيص - مُنْتَفِيَّةً في الكتب
المدوَّنَة. يعني كما هو أحدُ الأقوالِ في القسم الأول المحكيِّ فيه المنعُ لحافظ
اللفظِ. وأيضاً فهو إن ملك تغييرَ اللفظ فليس يملكُ تغييرَ تَصْنيفِ غيرِه(٦) .
= في كتابٍ أفردناه لها»، وقد وضع الشيخ عبدُ المحسن العباد كتاباً أسماه: ((دراسة
حديث: (نَضَّرَ الله امرءاً سمع مقالتي)) روايةٌ ودرايةً)).
(١) ((الكفاية)) (٢٠٢).
(٢) من كلمة ((الاستدلال)) إلى قوله الآتي في صحيفة (١٤٠): ((عليه وسلم إلا أن يُحمل
العذر .. )) ساقط من (ح). وقد أشير في حاشيتها إلى سقوط مقدار ست من الورق.
(٤) ((الكفاية)) (١٦٧).
(٣) (ص٢٠٢).
٠
(٥) أخرجه الدارمي (٩٤/١)، والخطيب في ((الكفاية)) (٢٠٦).
(٦) ((علوم الحديث)) (١٩١).

الروايةُ بالمعنى
١٣٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وهذا قد يؤخذُ منه اختصاصُ المنع بما إذا رَويْنا التصنيفَ نفسَه، أو
نَسخناه. أما إذا نَقَلْنَا منه إلى تخاريجنا وأجزائِنا فلا، إذ التصنيفُ حينئذٍ لم
يتغيَّرْ، وهو مالكٌ لتغيير اللفظِ. أشار إليه ابن دقيق العيد(١). وأقرَّه شيخنا،
وهو ظاهر، وإن نازعَ المُؤلفُ فيه(٢). وحينئذٍ فهو - كما قال ابن دقيق العيد -
((لا يجري على الاصطلاح، فإن الاصطلاحَ على أنْ لا تُغَيَّرَ الألفاظُ بعد
الانتهاء إلى الكُتُب المصنّفةِ سواءٌ رَوْينا منها أو نَقْنا منها))(٣).
ووافقه المؤلفُ في كونه الاصطلاحَ، لكنْ مَيْلُ شيخِنا إلى الجواز إذا قُرِنَ
بما يدل عليه، كقوله: بنحوِهِ. ويشهدُ له تسويةُ ابن أبي الدَم - كما تقدم في
رابع ((التنبيهات)) التالية لثاني أقسام التحمل (٤) - بين القسمين(٥)، لا سيما وقد
قال ابن الصلاح(٦) في القسم الأول: (ولْيَقُلِ الراوي) عَقِبَ إيراده للحديث
(بمعنى) أي بالمعنى: (أو كما قال) فقد كان أنسٌ ﴿ه - كما عند الخطيب في
الباب المعقود لـ((من أجاز الرواية بالمعنى)) - يقولها عقب الحديث(٧).
(ونحوَه) من الألفاظ كقوله: ((أو نحوَ هذا)) ((أو شِبْهَه))، (أو شَكْلَه))، فقد
روى الخطيب(٨) أيضاً عن ابن مسعود أنه قال: ((سمعتُ رسول الله (وَلا))، ثم
أُرْعِدَ، وأُرْعِدت ثيابُه وقال: ((أَوْ شِبْهُ ذَا، أو نَحْوُ ذا (٩)). وعن أبي الدرداءِ أنه
كان إذا فَرَغَ من الحديث عن رسول الله وَّ ار قال: ((هذا، أو نحوُ هذا، أو
(١) في ((الاقتراح)) (٢٤٥).
(٢) في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٧٠/٢) حيث قال: ((بل لا يجوز نقله عن ذلك الكتاب
إلا بلفظه دون معناه، سواء في تصانيفنا أو غيرها)).
(٣) ((الاقتراح)) (٢٤٥ - ٢٤٦).
(٤) (٣٦٧/٢) وذكرها هناك تحت عنوان ((تفريعات)) بدلاً من ((التنبيهات)).
(٥) أي الرواية من لفظ المحدث والنقل من تصنيفه.
(٦) في ((علوم الحديث)) (١٩١).
(٧) ((الكفاية)) (٢٠٦). وأخرجه ابن ماجه في ((المقدمة)): باب التوقي في الحديث عن
رسول الله وَال﴾ (١١/١)، وأحمد في («المسند» (٢٠٥/٣)، والدارمي (٨٤/١) بسند صحيح.
(٨) في ((الكفاية)) (٢٠٥).
(٩) أخرجه ابن ماجه في ((المقدمة)): باب التوقي في حديث رسول الله رَلير (١٠/١). قال
في ((الزوائد)): ((إسناده صحيح، احتج الشيخان بجميع رواته))، وأحمد (٤٢٣/١)،
والدارمي (٨٣/١).
٦٣٤

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
١٣٣
الروايةُ بالمعنى
شَكْله))(١). ورواها كلَّها الدارميُّ في ((مسنده)) بنحوِها ولفظُه في ابن مسعود:
((وقال: أو مثلُه، أو نحوُه، أو شبيهٌ به))، وفي لفظٍ آخرَ لغيرِهِ: أنَّ عَمرَو بنَ
ميمون سَمِعَ يوماً ابنَ مسعودٍ يُحَدِّث عن النبيِ نَ ◌َّ وقد علاہ کَرْبٌ، وجعل
العَرَقُ يتحذَّرُ منه عن جَبِينِهِ وهو يقول: ((إِمَّا فوقَ ذلك، وإما دونَ ذلك، وإما
قريبٌ من ذلك))(٢). وهذا (كَشَكَ) من المُحَدِّث، أو القارئ (أُبْهِما) عليه الأمرُ
به فإنه يحسُنُ أن يقول: ((أو كما قال)). بل أَوْرد أبو داود من حديث العباس بن
سالم عن أبي سلام عن أَبي أُمامةَ عن عَمْرو بن عَبَسَةَ: حَدَّثَنا ... ))، وفي آخره
قال العباس: ((هكذا أخبرني أبو سَلَّام عن أبي أمامة، إلا أن أُخْطِئ شيئاً لا
أريده فأستغفر الله وأتوبُ إليه))(٣).
قال ابنُ الصلاح: ((وهو - أي قولُ: ((أو كما قال)) في الشَكِّ - الصوابُ في مثله،
لأن قولَه: ((أو كما قال)) يتضمَّن إجازةً من الراوي وإِذْناً في رواية الصواب عنه إذا بَانَ.
ثم لا يُشترطُ إفرادُ ذلك بلفظ الإِجازة لما قررناه(٤) يعني في الفصل الثاني(٥).
قال الخطيب: ((والصحابةُ أصحابُ اللسان، وأعْلمُ الأمة بمعاني الكلام
لم يكونوا يقولون ذلك إلا تخوُّفاً من الزَّلَلِ، لمعرفتهم بما في الرواية على
المعنى من الخطر))(٦). انتهى.
وإدراجُه تَخُّْ لهم في المُجِيزِين إن كان بمجرد صنيعهم هذا ففيه نظر (٧)،
ولذا قال البُلْقِيني - مع أنه قد بَالَغَ -: ((إنه فَهْم من بعض من لا يَصحُّ فهمُه(٨).
١
(١) أخرجه الدارمي (٨٣/١)، والخطيب في ((الكفاية)) (٢٠٥ - ٢٠٦)، و((الجامع)) (٣٥/٢).
(٢) لفظ ابن ماجه (١٠/١ - ١١) قريب من هذا ونصه: ((أو دون ذلك، أو فوق ذلك، أو
قريباً من ذلك، أو شبيهاً بذلك)).
(٣) أبو داود في ((التطوع)): باب الصلاة بعد العصر (٥٧/٢).
(٤) ((علوم الحديث)) (١٩٢).
(٥) (ص١١٧)، وبين ابن الصلاح والسخاوي وجه ذلك بكون الأمر فيه قريب يقع مثله في
محل التسامح.
(٦) ((الجامع)) (٣٤/٢).
(٧) إذ قد يكونون ممن يرى وجوبَ الأداء باللفظ، وإنما قالوا تك العبارةَ خشية أن يكونوا
أخلّوا بشيء من لفظه عليه الصلاة والسلام.
(٨) ((محاسن الاصطلاح)) (٣٣٣).

الاقتصارُ في الرواية على بعض الحديث
١٣٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
الفصل الرابع
(الاقتصار) في الرواية (على بعض الحديث)
- وربما عُبر عنه بـ((الاختصار)) مجازاً - وتفريقُ الحديثِ الواحدِ على
الأبواب.
٦٣٥
(وَحَذْفَ) بالنصب مفعولٌ مقدّم (بعضِ المَتْنِ) أيْ الحديثِ مما لا تَعَلُّقَ له
بالمُثْبَتِ (فَامْنَعْ) إِنْ كان لغير شَكِّ مُطْلقاً سواءٌ تقدَّمتْ روايتُه له تاماً أم لا، كان
عارفاً بما يحصُل به الخَلَلُ في ذلك أم لا، بناءً - كما قال ابن الصلاح(١) ومَن
تَبِعه، وإن تَوقَّف فيه البدُر ابن جماعة (٢) - على مَنْع الروايةِ بالمعنى مطلقاً، لأنَّ
روايةَ الحديثِ على النُّقْصان والحذفِ لبعض مَتْنِهِ تَقْطَعُ الخَبَرَ وتُغَيِّرِه عن وجهه،
وربما حَصل الخلَلُ، والمُخْتَصِر لا يَشْعر.
قال عنبسة (٣): ((قلتُ لابن المبارك: علمتَ أن حمادَ بنَ سَلَمة كان يريدُ
أن يَختصرَ الحديث فيَقْلِبَ معناه؟ قال: فقال لي: أَوَ فَطِنْتَ له؟(٤)). وقال أبو
عاصم النبيلُ: ((إنَّهم يُخْطِئُون))(٥)، فَحُسِمَت المادةُ لذلك.
هذا الإمامُ أبو حاتم ابنُ حِبَّان - ونَاهِيكَ به - قد ترجم في ((صحيحه)) :
(١) في ((علوم الحديث)) (١٩٢).
(٢) ((المنهل الروي)) (١٠٠)، للإمام الحافظ بدر الدين أبي عبد الله محمد بن إبراهيم،
الحموي ثم المصري مات سنة ٧٣٣. «لحظ الألحاظ)) (١٠٧)، و((الدرر الكامنة)) (٣/
٢٨٠).
(٣) هو: عنبسة بن عبد الواحد بن أمية القُرشي الأموي، أبو خالد الكوفي الأعور.
قال الحافظ في ((التقريب)) (٤٣٣): ((من الثامنة)).
(٤) أخرجه الخطيب في (الكفاية)) (١٩٢).
(٥) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (١٩١) ولفظه: ((سئل أبو عاصم النبيلُ: يكره الاختصار
في الحديث؟ قال: نعم، لأنهم يخطئون المعنی)).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٣٥
الاقتصارُ في الرواية على بعض الحديث
((إيجابُ دخولِ النار لِمَنْ أَسْمَعَ أهلَ الكتاب ما يكرهون))(١). وساقَ فيه حديثَ
أبي موسى الأشعري بلفظ: ((مَنْ سَمَّع يهوديّاً أو نصرانياً دَخَل النار)) - وتَبِعَه
غيرُه - فاستَدلَّ به على تحريم غِيبةِ الذِّمي. وكلُّ هذا خطأٌ، فلفظُ الحديثِ: ((مَنْ
سَمِعَ بِي مِنْ أُمَّتي، أو يهوديٌّ، أو نصرانيٍّ فَلَم يُؤْمِنْ بي دَخَل النار))(٢).
وكذا تَرْجم المُحِبُّ الطَبَري في ((أحكامه)(٣): (الوَلِيمةُ على الأُخُوَّة))
وساق حديثَ أنسٍ: ((قَدِمَ عبدُ الرحمن بن عوف فَآخى النبيُّ وَّ بينه وبين
سعد بن الرَّبيع .. )) لِكون البخاريِّ أَوْرَدَه في بعض الأماكن من ((صحيحه))
باختصارِ قِصَّةِ التَزْويج، مُقْتَصِراً على الإِخاءِ، والأَمْرِ بالوَلِيمة(٤). فَفَهِم منه أن
الوَليمَةَ للأُخوّة، وليس كذلك. والحديثُ قد أَوْرده البخاري تامّاً في أماكنَ
كثيرة، وليست الوليمةُ فيه إلا للنكاح جَزْماً(٥).
وحُكِي (٦) عن الخليل بن أحمدَ، واحتَجَّ له بقوله وَّ: ((فَبَلَّغه كما
سَمِعِه))(٧) .
وعن مالكٍ - فيما رواه عنه يعقوبُ بنُ شيبة - أنه كان لا يرى أنْ يُخْتَصرَ
(١) ((صحيح ابن حبان - الإحسان)) (١٩٣/٧).
(٢) أخرجه أحمدُ في «المسند» (٣٩٦/٤) عن أبي موسى الأشعري بسندٍ صحيح بهذا اللفظِ إلا
أنه قال في آخره: ((فلم يُؤْمن بي لم يدخلِ الجنة)). وأخرجه مسلم بلفظ مقارب عن أبي هريرة
في ((الإيمان)): باب وجوب الإيمان برسالة نبينا محمد وَ ل إلى جميع الناس (١٣٤/١).
(٣) هي ((الأحكام الكبرى)) للفقيه الشافعي مُحبٍ الدين أبي العباس أحمد بن عبد الله بن
محمد الطبري المكي المتوفى سنة ٦٩٤ بمكة. ((تذكرة الحفاظ)) (١٤٧٤/٤)،
و ((الشذرات)) (٤٢٥/٥).
(٤) أخرجه البخاري في ((الأدب)): باب الأخوّة والحلف (٥٠١/١٠) ولفظه: ((لَمَّا قدم
علينا عبدُ الرحمن فآخى النبيُّ وَّ بينه وبين سعد بن الربيع فقال النبي وَّرُ: ((أَوْلِمْ وَلَوْ
بشاة)) .
(٥) انظر مثلاً: ((البيوع)): باب ما جاء في قول الله عَل: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَوَةُ فَأَنتَشِرُواْ فِىِ
اُلْأَرْضِ .. ﴾ [الجمعة: ١٠] (٢٨٨/٤)، و((النكاح)): باب قول الرجل لأخيه: انظر ..
(١١٦/٩) وغيرهما.
(٦) أي منعُ اختصارِ الحديث.
(٧) حكاية الخليل أخرجها الخطيب في ((الكفاية)) (١٩١)، والحديث تقدم تخريجه
(ص١٢٤) حاشية: (١).

الاقتصارُ في الرواية على بعض الحديث
١٣٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
الحديث إِذا كان عن رسول الله وَّ﴿ - يعني دُونَ غيرِه - كما صرح به أشهبُ إذْ قال:
سألتُ مالكاً عن الأحاديث يُقَدَّم فيها ويُؤخَّر، والمعنى واحدٌ قال: ((أمَّا ما كان
منها من قولِ رسولِ اللهِ وَ ﴿ فإني أَكْرهُ ذلك، وأَكْرهُ أن يُزَادَ فيها ويُنْقصَ منها وما
كان من قولٍ غير رسول الله وَ﴿ فلا أَرى بذلك بأساً إذا كان المعنى واحداً))(١).
بل كان عبدُ الملك بنُ عُمَير وغيرُهُ لا يَسْتَجِيزُونَ أنْ يُحذفَ منه حرفٌ واحدٌ (٢).
فإنْ كانَ لِشَكِّ فهو - كما قال ابن كثير (٣)، وتَبِعه البُلْقِينيّ(٤)، وغيرُه -
سائغٌ. كان مالك يَفْعلُه تَورُّعاً، بل كان يَقْطع إسنادَ الحديث إذا شك هو - كما
قال - في وَصْلِه(٥). ونُقِل أيضاً عن ابنِ عُلَيَّة.
نَعَمْ، إِن تَعَلّق المشكوك فيه بالمُثْبَت كقول دَاودَ بنِ الحُصَيْن في حديثٍ
الرخصة في العَرَايَا في خمسة أَوْسُقٍ: ((أَوْ دُونَ خَمسةٍ أَوْسُقَ)) (٦) فلا .
(أَوْ) وهو القول الثاني (أَجِزْ) ذلك مطلقاً، احتاج إلى تَغْبِيرٍ لا يُخِلُّ
بالمعنى أم لا، تَقدَّمتْ روايتُه له تامّاً أم لا - لما سيجيء قريباً - وبه قال
مجاهد(٧)، حيثُ قال: ((انقُصْ من الحديثِ ما شئتَ، ولا تَزِدْ فيه))(٨)، ونحوُه
قولُ ابنِ معين: ((إذا خِفْتَ أن تُخْطِئَ في الحديثِ فانْقُصْ منه ولا تَزِدْ»(٨).
ونَسَبَهُ عياضٌ لِمسلم (٩). والمَوجودُ عنه ما سيأتي(١٠).
(١) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (١٨٩)، وابن عبد البر في ((جامعه)) (٨١/١).
(٣) في ((اختصار علوم الحديث)) (١٣٩).
(٢) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (١٩٠).
(٤) في ((محاسن الاصطلاح)) (٣٣٧).
(٥) قاله ابن كثير والبلقيني.
(٦) أخرجه البخاري في ((البيوع)): باب بيع التمر على رؤوس النخل بالذهب والفضة (٤/
٣٨٧)، ومسلم في ((البيوع)): باب تحريم بيع الرُّطَب بالتَمْر إلا في العَرَايا (١١٧١/٣).
والعَرَايا: جمعُ عَرِيّة، والمرادُ بها بيعُ الرُّطَبِ على رُؤوس النَخْلِ بِخَرْصِهِ تَمْراً ((النهاية))
(٢٢٤/٣).
(٧) مجاهد بن جَبْر، الإمام شيخ القراء والمفسرين.
(٨) أخرجه الخطيب في ((الكفاية)) (١٨٩).
(٩) نَسَبه إليه عياض في كتابه: ((الإكمال لشرح كتاب مسلم بن الحجاج في الصحيح)).
انظر: ((الإلماع)) (١٨١) مع هامشها. وانظر أيضاً: ((مقدمة ابن الصلاح ومحاسن
الاصطلاح)» (٣٣٤) هامش.
(١٠) في (ص١٣٨).

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
١٣٧
الاقتصارُ في الرواية على بعض الحديث
(أَوْ) وهو القولُ الثالثُ: التفصيلُ، فَأَجِزْه (إِنْ أُثِمَّ) - بضم أوله مَبْنِياً
للمفعول - إِيرادُه منه أَو من غيرِهِ مرةً بحيثُ أُمِنَ بذلك من تَفْويتِ حُكم أو
سُنَّة، أو نحو ذلك، وإِلَّ فلا وإن جازتْ عندَ قائِلِيه - كما قال ابن
الصلاح (١)، ومَنْ تَبِعِه - الروايةُ بالمعنى.
٦٣٦
(أَوْ) وهو القولُ الرابعُ: تفصيلٌ آخرُ، فأَجِزْه - كما ذهب إليه الجمهورُ -
إِنْ وَقَعَ (لِعَالِم) عارفٍ وإلّا فلا، (وَمِزْ) أي مَيِّزْ (ذا) القولَ عن سائرِها بوَصْفِه
(بالصحيح إنَّ يكُن ما اخْتَصَرَهُ) بالحذفِ من المَتنِ (مُنْفَصِلاً عن) القَدْرِ (الذي
قد ذَكَره) منه غيرَ مُتَعَلِّقٍ به بحيثُ لا يَخْتَلُّ البيان، ولا تَخْتَلفُ الدلالة فيما نقله
بتَرْك ما حَذَفَه، كـ«الاسْتِثْنَاءِ» مثلُ قولِه: ((لا يُبَاعُ الذَّهَبُ بالذهب إلا سَوَاءً
بِسَوَاءٍ))(٢)، و((الغَايَةِ)) مثلُ قوله: ((لا يُبَاعِ النخلُ حتى تُزهِي))(٣)، و((الشرط))
ونحوِها(٤). قال صاحبُ ((المُسْتصفى)): ((ومَنْ جَوَّزه شَرَط عَدمَ تعلّقِ المذكورِ
بالمتروك تعلقاً يُغَيِّرِ معناه، فأمَّا إذا تعلّقَ به كشرطِ العبادةِ، أو ركنِها فَنَقْلُ
البعضِ تحريفٌ وتلبيسٌ)) (٥).
قال الخطيبُ: ((ولا فرقَ بين أن يكونَ ذلك تركاً لنَقْلِ العبادةِ - كَنَقْلِ
بعضٍ أفعالِ الصلاة - أو تَرْكاً لِنَقْلِ فرضٍ آخرَ هو شرطٌ في صِحة العبادةِ، كترك
نقلِ وجوبِ الطهارة ونحوِها. قال: وعلى هذا الوجهِ يُحملُ قولُ مَنْ قال: لا
(١) في ((علوم الحديث)) (١٩٢).
(٢) مضى تخريجه (ص١٢٢).
(٣) أخرجه البخاري في ((الزكاة)): باب مَن باع ثماره أو نخلَه أو أرضه ... (٣٥٢/٣)،
وفي ((البيوع)»: باب بيع الثمار قبل أن يَبْدُوَ صلاحُها، وباب بيع النخل قبل أن يبدو
صلاحها (٣٩٤/٤، ٣٩٧) وغيرِها، ومسلمٌ في ((المساقاة)): باب وضع الجوائح (٣/
١١٩٠) بنحوِه.
ومعنى تُزهي: أي تَحمرُّ وتصفر. وفي بعض الروايات ((يزهو)) قال في ((النهاية)) (٢/
٣٢٣): ((يقال: زَهَا النخلُ يزهو: إذا ظهرت ثمرته. وأَزهى يزهي: إذا اصفر واحمر.
وقيل: هما بمعنى الاحمرار والاصفرار)).
(٤) لاختلاف الدلالة بالاختصار في مثل هذه الأحوال إذْ يصيرُ الحديث الأولُ - إذا حُذف
الاستثناء -: ((لا يباع الذهب بالذهب)) ويصيرُ الثاني - إذا حُذف الغاية -: ((لا يباع
النخل))، وهذا غيرُ مراد.
(٥) ((المستصفى)) (١٦٨/١).

الاقتصارُ في الرواية على بعض الحديث
١٣٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
يَحِلُّ الاختصار))(١)، انتهى.
ومن الأمثلةِ لبعض هذا - مِمَّا ذَكَرِه إمامُ الحرَمين(٢) - حديثُ ابنٍ مسعود:
((أتيتُ النبيَّ وَّهِ بِحَجَرَيْن وَرَوْثَةٍ لِيَسْتَنْجِيَ بها. فألْقى الروثةَ، وقال: ((إنها
رِجْسٌ، ابْغ لي ثالثاً)(٣). فلا يَجوزُ الاقتصارُ على ما عَدَا قوله: ((ابْغ لي ثالثاً)»
وإنْ كانَ لاَ يُخِلُّ برَمْي الروثةِ، وأَنَّها رِجْسٌ، لإيهامه الاكتفاءَ بحجرَينَ (٤).
لَكِنْ فَرَّقَ الإمامُ في مثلِ هذا بَيْنَ أَنْ يَقْصِدَ الرَاوي الاحتجاجَ بِه لمَنْعِ
استعمالِ الرَّوْثِ فيسوغُ حينئذٍ، أو لَمْ يَقْصِد غَرضاً خاصّاً فَلا(٥). وفيهَ
توقُّف(٦).
ثم إِنَّ ما ذهب إليه الجمهورُ لا يُنازِعُ فيه مَنْ لَمْ يُجِزِ النَّقْلَ بالمعنى، لأنَّ
الذي نَقْلَه والذي حَذفَه - والحالةُ هذه - بمنزلةٍ خَبَرَيْن مُنْفَصلين في أَمَرَين لا
تعلُّقَ لأحدِهما بالآخر. وإليه الإشارةُ بقولِ مسلم في ((مقدمة صحيحه)): ((إنَّه لا
يُكَرِّرُ إلا أن يَأْتِيَ موضعٌ لا يُسِتَغنَى فيه عن تَرْدَّادِ حديثٍ فيه زيادةُ معنى، أو
إسنادٌ يَقَعُ إلى جَنبِ إسنادٍ لِعلَّة تكونُ هناك، لأَنّ المعنى الزائدَ في الحديثِ
المُحتاجَ إليه يقومُ مقامَ حديثٍ تامّ، فلا بُدَّ من إعادةِ الحديثِ الذي فيه ما
وَصَفْنَا من الزيادةِ، أو يُفَصَّلُ ذلك المعنى مِن جُملة الحديثِ على اختصارِه إذا
أَمْكَن، ولكنْ تفصيلُه ربّما عَسُرَ من جُملته، فإعادتُه بهيئته - إذا ضاق ذلك -
أَسْلمُ. فأمّا ما وَجَدْنا بُدّاً من إعادتِه بجُملتِهِ من غيرِ حاجةٍ مِنّا إليه فلا نَتولَّى
(١) ((الكفاية)) (١٩٠ - ١٩١).
(٢) في ((البرهان)) (٦٥٩/١).
(٣) أخرجه البخاري في ((الوضوء)): باب لا يُستنجى بروث (٢٥٦/١)، والترمذي في
((الطهارة)): باب ما جاء في الاستنجاء بالحجَرين (٢٥/١)، وابن ماجه في ((الطهارة)):
باب الاستنجاء بالحجارة والنهي عن الروث والرِّمَّة (١١٤/١)، وأحمد (٣٨٨/١،
٤١٨، ٤٥٠) وغيرِها بنحوِه.
(٤) وبهذا جاءتْ روايةُ أحمدَ (١/ ٤٥٠)، وأما البخاريُّ والترمذي وابن ماجه وأحمد (١/
٣٨٨، ٤١٨) فقد جاء عندهم مُقْتَصِراً على عدمِ طلَبِ الحجَر الثالثِ.
(٥) ((البرهان)) (٦٥٩/١ - ٦٦٠).
(٦) والظاهر كما قال إمامُ الحرمين، وبه عَمِل الإمامُ البخاري في الحديثِ المتقدِّم آنفاً، إذ
بَوَّب عليه بقوله: ((باب لا يستنجى بروث))، واقتصر فيه على إلقاء الرَّوثة.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٣٩
الاقتصارُ في الرواية على بعض الحديث
فِعلَه))(١). والقصدُ أنَّ في قوله: ((إذا أمكن))، وكذا في قوله: ((ولكنْ تفصيلُه .. ))
إلى آخره الإشارةُ إلى ما ذَهَب إليه الجمهورُ، وأنَّه لا يفصل إِلَّا ما لا ارْتِباطَ له
بالباقي، حتى إنّه لو شك في الارتباط أو عدمِه تَعَيَّنَ ذِكرُه بتمامِهِ وهيئتِه، ليكونَ
أسلمَ مخافةً من الخطإِ والزَّللِ. قاله النووي(٢).
وسواءٌ في الجَوَازِ للعارفِ بشرطِه: رَواه هو أو غيرُه، تامّاً أم لا، قَبلُ أو
بَعدُ. لكنْ محلُّ تَسْويغ روايتِه أيضاً ناقصاً إذا كانَ رَفيعَ المنزلةِ في الضَّبِطِ
والإتقانِ والثقةِ، بحيثُ لا يُظَنُّ به زيادةُ ما لَمْ يسمعْه، أو نسيانُ ما سَمِعَه لِقِلَّة
ضبطِه، وكثرةٍ غلطهِ، (و) إلَّا فَمَا لِذِي) - بكسر اللام وذالٍ معجمةٍ - أي
صاحبٍ خوفٍ مِنْ تَطَرُّقِ (تُهمةٍ) إليه بذلك (أنْ يفعلَه)، سواءٌ رَواه كذلك ابتداءً
حيثُ عُلِمَ من روايتِه له أيضاً بعدُ - أو من غيرِها - أنّه عنده بأَزْيَدَ، أو بَعدَ
روايتِهِ له تامّاً، بل واجبٌ عليه أنْ يَنفِيَ هذه الظُّنَّةَ عن نفسِه كما صرَّح به
الخطيبُ(٣) وغيرُهُ(٤). وكذا قال الغَزَالِيُّ في ((المُستصفى)) بعدَ اشتراطِه في
الجوازِ روايتَه مرةً بتمامِه: ((إِنَّ شرطَه ألَّا يَتَطَرَّقَ إليه سوءُ الظن بالُّهْمة، فإنْ
عَلِمَ أنَّه يُتَّهم باضطرابِ النَقْلِ وجبَ الاحترازُ عنه))(٥).
٦٣٧
وَمِمَّنْ أشارَ لِوُجُوبِ التحرُّز للخوف من إساءة الظن: ابنُ دقيق العيد،
وعبارتُه: ((إن التَحرُّزَ مُتأكّدٌ في حق العلماءِ مِمّن يُقتدَى به، فلا يجوزُ لهم أنْ
يفعلوا فِعْلاً يُوجِب ظَنَّ السوء بهم وإنْ كان لهم فيه مَخْلَصٌ، لأن ذلك سببٌ
إلى إيطالِ الانتفاعِ بعلمِهم))(٦). ولكنْ في كلام البيهقيِّ والخَرَائِطي(٧) ما يَشهدُ
للاستحباب. وهوَ ظاهرٌ، كما بيَّنْتُه في موضعٍ آخر.
(فإنْ) خالَفَ، و(أَبَى) إلَّا أنْ يَرْوِيَهُ ناقصاً لِعَدَمِ وجوبٍ ذلك عندَه
(١) ((مقدمة صحيح مسلم)) (٤/١ - ٥).
(٢) في ((شرح صحيح مسلم)) (٤٩/١).
(٣) في ((الكفاية)) (١٩٣).
(٤) كابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (١٩٣)، والنووي في ((التقريب)) (١٠٤/٢).
(٦) ((إحكام الأحكام))، له (٢٦١/٢).
(٥) ((المستصفى)) (١٦٨/١).
(٧) الإمام الحافظ المصنف أبو بكر محمد بن جعفر السّامَرِّي. مات سنة ٣٢٧. له ترجمة
في ((تاريخ بغداد)) (١٣٩/٢)، و((السير)) (٢٦٧/١٥).

الاقتصارُ في الرواية على بعض الحديث
١٤٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
(فَجَازَ) لهذا العذرِ - كما صَرَّح به سُلَيمُ الرَازِيّ(١) - إذا لَمْ يَكُنْ رواه قبلُ تامّاً
(أَنْ لا يُكْمِلَه) بعدَ ذلك، ويكتمُ الزيادةَ. وتوقَّفَ فيه العزُّ ابن جماعة، لأنّ
المَفسدةَ المترتبةَ على الكَثْمِ، وتَضْبِيع الحُكم أشدُّ مِنَ الاتّهام وما يتعلَّق به،
وأشدُّ المَفْسَدَتَيْنِ يُتْرَكُ بارتكابِ الأخفِّ إذا تَعَيَّنَ طريقاً، خُصُوَصاً والزيادةُ غيرُ
قادِحَةٍ. وأَخَصُّ منه إذا قُلنا: إنَّها مقبولة. وكيف يكون ذلك عذراً في شيء
تَحَمَّله عن النبي ◌َّهَ إلَّا أنْ يُحملَ العُذرُ على أنه عُذرٌ في التأخيرِ، لا في
الإهمالِ، ويَتطرَّقُ إلى هذا أيضاً الكلامُ في وقتِ الحاجةِ باعتبار التأخيرِ عنها.
نَعَمْ قَيَّدَ ابنُ الصلاحِ المَنعَ من الاختصارِ - مِمَّنْ هذا حالُه - بمنْ تَعيَّن
عليه أداءُ تمامِه، فإنَّه قال: ((إنَّ من اتَّصفَ بتطرُّقِ الاتهام إليه، وكان قد تَعيَّن
عليه أداءُ تمامِه لا يجوزُ له أن يَرْوِيَه ابتداءً ناقصاً، لأنهَ بذلك يُعَرِّض الزائدَ
الإخراجِه عن حَيِّزِ الاستشهادِ به أو المُتَابعةِ ونحوِها))(٢) .
ومِنَ الأدلَّةِ لهذا القولِ ما احتَجَّ به عبدُ الغني بنُ سعيد الحافظُ لِمُطلَقِ
الجواز، وهو ((أنه وَِّ قامَ ليلةً بآيةٍ يُرَدِّدُها حتى أصبحَ)»(٣)، ((صلى صلاةً ابْتَدَأَ
فيها بسورةٍ حتى إذا بَلَغَ ذِكْرَ موسى - أو عيسى - أَخَذَتْه سَعْلَةٌ فركع))(٤). وإذا
كان سَيِّدُ الخَلْقِ قَدْ فَعَلَ هذا في سَيِّدِ الحَديثِ وهو القرآنُ فَفَصَلَ بعضَهُ مِنْ
بعض كان غيرُه بذلك أَوْلى. ولَكِنَّا نقولُ - على تقديرٍ تسليم الاستدلالِ به -:
(١) ذكر ذلك ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (١٩٣)، والعراقي في ((شرح التبصرة
والتذكرة)) (٢/ ١٧٢). والرازيُّ هذا هو أبو الفتح سُلَيم بن أيوب بن سُلَيم الفقيهُ الشافعيّ
الأديبُ. مات سنة ٤٤٧. ((وفيات الأعيان)) (٢٩٧/٢)، و((السير)) (٦٤٥/١٧).
(٢) ((علوم الحديث)) (١٩٣).
(٣) أخرجه النسائي في ((الافتتاح - ترديد الآية)) (١٧٧/٢)، وابن ماجه في ((إقامة الصلاة)):
باب ما جاء في القراءة في صلاة الليل (٤٢٩/١) قال في ((الزوائد)): ((إسناده صحيح،
ورجاله ثقات))، وأحمد (١٤٩/٥)، وابنُ خزيمة في «صحيحه)) (٢٧١/١) وقال: ((إِنْ
صَعَّ الخبرِ)). وقد صحٍ كما قال البُوصيري في ((الزوائد)). وهذه الآية - كما بَيِّنَتْها هذه
الأحاديثُ - هي قولُه تعالى: ﴿إِن تُعَذِّبَّهُمْ فَإنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ
اَلْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨].
(٤) أخرجه البخاري تعليقاً في ((الأذان)): باب الجمع بين السورتين في الركعة (٢٥٥/٢)،
ومسلمٌ في ((الصلاة)): باب القراءة في الصبح (٣٣٦/١)، والسورة هي سورة
(المؤمنون).