النص المفهرس

صفحات 81-100

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٨١
الكَشْطُ، والمَحْوُ، والضَّربُ
ثالثها: إذا أَصلح شيئاً من زيادةٍ، أو حذفٍ، أو تحريفٍ، ونحوِه في
كتاب قديم به أَسْمِعَةٌ مُؤَرَّخَةٌ حَسُنَ - كما رأيت شيخَنَا فَعَلَه - أن يُنَبِّه معه على
تاريخ وقت إصلاحه، ليكون مَنْ سمع منه، أو قرأَ قَبْلُ مقتصراً عليه - وكذا من
نقل منه - على بصيرةٍ من ذلك. بل كان في كثير من أوقاته يُمَيِّز ما يتجدَّدُ له
في تصانيفه بالحمرة، لِتَيَسُّرِ إلحاقِهِ لمن كتبه قبلُ.
رابعها: الضربُ والإلحاق ونحوهما: مما يُستَدل به بين المتقدِّمين على
صحة الكتاب، فَرَوى الخطيبُ في ((جامعه)) عن الشافعي أنه قال: ((إذا رأيت
الكتابَ فيه إلحاق وإصلاح، فاشْهَدْ له بالصِّحة))(١). وعن أبي نُعَيم الفضلِ بن
دُكَين قال: ((إذا رأيتَ كتابَ صاحبِ الحديث مُشَجَّجاً(٢) - يعني كثير التغيير -
فَأَقْرِب به من الصِّحة))(١).
وأنشد ابنُ خلّاد لمحمد بن عبد الملك الزيات يصف دَفْتراً (٣):
وَأَرَى رُشُوماً(٤) في كتابك لم تَدَع شكّاً لِمُرْتاب ولا لمفكر
(١) أخرجه الخطيب في ((جامعه)) (٢٧٩/١) وكذا في (الكفاية)) (٢٤٢).
(٢) كذا في النُسَخ، و((الكفايةِ)) (٢٤٢): مشججاً - بشين معجمة وجيمين -، وفي ((الجامع))
(٢٧٩/١) للخطيب: مسحجاً. بسين مهملة ثم حاء مهملة ثم جيم، ولعله أقرب، ففي
(القاموس)) مادة (سحج): ((سحجه - كمنعه - قَشَره ... وسحّجه فتسحّج للكثرة)).
فالكتاب هنا لكثرة تقشيره وتغييره أصبح مسحّجاً. والله أعلم.
(٣) أورد ابن خلاد الرامهرمزي هذه الأبياتَ في ((المحدث الفاصل)) (٥٤٠) منسوبة
لمحمد بن عبد الملك الزيات، وأخرجها من طريق ابن خلاد الخطيب في ((جامعه))
(٢٧٩/١)، وقائلُها يعرف بابن الزيات، وقد وسمه أمير المؤمنين المعتصم بالوزارة،
وكذلك استوزره الواثق، ثم نكبه المتوكل، ومات سنة ٢٣٣، ومن قوله في محنته كما
في ترجمته في ((تاريخ بغداد)» (٣٤٢/٢ - ٣٤٤):
إنما الدنيا كظلِّ زائلٍ
نَحمدُ اللهَ، كذا قَدَّرَها
(٤) في ((المحدث الفاصل)) و((الجامع)): وشوماً: بالواو في أوله، وفي (الأزهرية):
(رسوماً)، بالمهملتين.
والصواب: (رشوماً) - بالراء ثم الشين المعجمة - كما في النسخ الثلاث، قال أهل
اللغة: (رَشَمَهُ): كتبه. ورشم إليه وعليه: كتب. ورشم الحبوبَ المجموعةَ: خَتَمها
بالروشم. والرَّشْم: الأَثَر، وخاتَم البُرّ والحبوب). ((معجم تهذيب اللغة))،
و((القاموس))، و((المعجم الوسيط))، مادة: (رشم).

الكَشْطُ، والمَحْوُ، والضَّرِبُ
٨٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
نَدَبُ الخُدُوشِ(١) تَلُوحُ بين الأسطُرِ
نُقَطٌّ، وأشكالٌ تلوح كأنها
والنّصبِ فيه لحاله، والمصدر
تُنْبِيكَ عن رَفْع الكلام وخَفْضِهِ
كقرينة، ومقدَّماً كمؤخَر(٢)
وتُرِيكَ ما تَعْيا به فتعيده
وأمَّا مَا نَرَاهُ في هذه الأزمنةِ المتأخرةِ مِن ذلك فليس غالباً بدليلٍ للصِّحّةِ
لكثرة الدَّخيل، والتلبيسِ المُحِيل.
(١) جاء في حاشيته (س): (لعله: بِذَرُ الحبوب)، والمثبت هو ما في النسخ و((المحدث
الفاصل)) و((الجامع). ونَدَبُ - كما في ((القاموس)) - جمع نَدَبَةٍ - كشجَرٍ وَشَجَرة -: أَثرُ
الجرح الباقي على الجلد. لكن يؤيد ما جاء في (الحاشية): ما تقدم في التعليقة
السابقة من أن (الرَّشْم) - ومثله: (الرَّوشَم) - خَاتَمُ البُرّ والحبوب.
(٢) كذا هذا البيت في النسخ الثلاث. وفي (الأزهرية):
لقرينةٍ، ومقدم كمؤخر
وتريك ما تعيا به فتعيده
وفي «المحدث الفاصل)):
كقريبه، ومقدم كمؤخر
وتريك ما تُعنى به، فبَعيده
وذكر المحقق أنه عند الخطيب في ((جامعه)) من النسخة المخطوطة:
كقرينه، ومقدماً كمؤخر
وتريك ما تعيى به فتعيده
وكذا هو في المطبوع من ((الجامع)) (٢٠٩/١) بتحقيق الدكتور/ رأفت سعيد.
وجاء في المطبوع من ((الجامع)) (١/ ٢٨٠) بتحقيق الدكتور/ محمود الطحان:
كقريبةٍ، ومقدما كمؤخر
وتريك ما تعنى به فبعيده
قلتُ: وروايةُ ((المحدث الفاصل)) أظهرُ وأولَى. والله أعلم.

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٨٣
كيف العَمَلُ في الجَمْعِ ... إلخ
ميبسه
كيف (العَمَلُ في) الجَمْعِ بين (اختلافِ الروايات)
لمّا مَرَّ عن بعض الطرق في إبعاد الزائد: أنه يَحسُن فيما ثَبت في بعض
الرواياتِ دون بعضٍ نَاسَبَ إرْدافُه بكيفية الجمع بين الروايات.
٦٠١
(ولْيَبْنِ أوّلاً) وقت الكتابة، أو المقابلة (على روايةٍ) خاصةٍ (كتابَه) ولا
يجعلْه مُلَفَّقا من روايتين، لما فيه من الإلباس. (و) بعد هذا (يُحْسِنُ العنايةَ
بغيرها) أي بغير الرواية التي أَصَّل كتابَه عليها، ويُبَيِّنُ ما وقع التخالفُ فيه من
زيادةٍ، أو نقصٍ، أو إبدالِ لفظ بلفظ، أو حركةٍ لإعراب، أو نحوِها. وذلك إما
بِكَثْب ما زادٌ، أو أُبدِل، أو اختَلف إعرابُه بين السطور إن اتسعت، وإلا
فبالحاشية، أو (بِكَتْب راوٍ) عُرف بذلك الزائدِ، أو المحذوفِ، أو المُبدَلِ، أو
الإعراب إن كان المخالف واحداً وإلَّا فأكثر، حسبما يتفق سواءٌ (سُمِّيا) هذا
الراوي، أي كَتبَه باسمه، وكذا بما يقوم مقامه مما يُعرِّف به، (أو) رَمز له (رمزاً)
بحرفٍ أو أكثرَ - كما مرّ في ((كتابة الحديث وضبطه)) (١) مع زيادة إيضاح مما كان
الأَنسبُ ضمَّهما بمكانٍ واحد - (او) - بالنقل - (بِكَتْبِها) أي الزيادة، ونّحوِها من
إبدال وإعراب - وهو الطريق الثاني - حال كونه (مُعْتَنِياً) به (بحُمرة) كما فعلَه أبو ذرٍّ
الهَرَويُّ من المشارقة، وأبو الحسن القَابِسيُّ من المغاربة(٢)، وكثيرٌ من الشيوخ
والمُقَيِّدين، غيرَ ناظرين لحكاية تلميذ صاحبِ ((الهداية)) من الحنفية عن السلف
الصالح كراهةَ الكتابة بها لأنها شعارُ المجوس، وطريقةُ القدماء من الفلاسفة (٣).
٦٠٢
٦٠٣
(١) (ص٣٧) من هذا الجزء.
(٢) ذكر ذلك عنهما القاضي عياض في ((الإلماع)) (١٨٩).
(٣) مضى قولُه هذا (ص٣٢) من هذا الجزء.
وصاحبُ ((الهدايةِ)) هو عليُّ بن أبي بكر بنِ عبد الجَليلِ الفَرْغَانِي المَرْغِينَانِي، أبو
الحسن، برهان الدين من أكابر فقهاءِ الحنفيةِ وحافظ مفسّر محقق. مات سنة ٥٩٣ له
مصنفات منها: ((بداية المبتدي)) وشَرْحُه: ((الهداية في شرح البداية)) له ترجمة في =

كيف العَمَلُ في الجَمْعِ ... إلخ
٨٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
أو بخُضرة، أو صُفرة، أو غيرِها من الألوان المُبَاينةِ للمِدَاد المكتوبِ به
الأصلُ.
(وحيثُ زاد الأصلُ) الذي أَصَّل عليه شيئاً (حَوَّقه) بدائرة - كما شُرح
قريباً -، أو بـ(لا)) ثم: ((إلى))، ويكونُ ما يسلكه من هذا (بحُمرةٍ)، أو خضرة،
أو غيرِهما. (ويَجْلُو) أي يُوضِّح مرادَه من رَمزٍ، أو لونٍ، بأن يقولَ - مثلاً -:
قد رَمَزْتُ في كتابي هذا لفلانٍ بكذا، أو أَشَرْتُ لفلانٍ بالحُمرة، أو بالخضرة،
أو نحوِ ذلك بأوَّل كل مجلّد أو آخرِهِ، على ما سبق، ولا يعتمدُ حفظه في ذلك
وذكْرَه، فُرُبّما نَسِيَ ما اصطلحه فيه لطول العهد. بل ويتعطّلُ غيرُه - ممن يقع له
كتابُه - عن الانتفاع به، حيث يصير في حيرةٍ وعَمَى، ولا يهتدي للمراد بتلك
الرموزِ، أو الألوان.
واعلم أن العناية باختلاف الروايات مع الطرق من المُهمّات، وهو أحدُ
الأسباب المقتضية لامتياز ((شرح البخاري)) لشيخنا (١) على سائر الشروح. ولكنْ
فيه محذورٌ للقاصرين، حيث يَضُمّ - حين قراءتِه أو كتابتِه - روايةً مع أخرى
فيما لا يَصح التلفيقُ فيه. وقد قال ابنُ الصلاح: ((ولْيَكُنْ فيما تختلف فيه
الرواياتُ قائماً بضبط ما يختلف فيه في كتابه، جَيّدَ التمييزِ بينها كيلا تَخْتَلِطَ
وتَشْتَبِهَ، فَيَفْسُدَ عليه أمرُها))(٢).
((الجواهر المضية)) (٣٨٣/١)، و((الفوائد البهية)) (١٤١).
=
وأما تلميذهُ المشارُ إليه فيغلب على ظنِّ أنه خِرِّيجُه ورَاوِي ((الهدايةِ)) عنه للناس، فقيهُ
المشرق شمسُ الأئمة محمد بن عبد الستار الكَرْدَرِيّ. مات سنة ٦٤٢ له ترجمة في
((السير)) (١١٢/٢٣)، و((الجواهر المضية)) (٨٢/٢).
(١) أي ((فتح الباري)) لشيخه ابن حجر تكلّفُ.
(٢) ((علوم الحديث)) (١٧٩).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٨٥
الإِشَارَةُ بالزَّمْزِ
(الإشَارَةُ بِالرَّمْزِ)
ببعض حروفٍ صِيَغ مما يتكرّر وقوعُه، كـ((حدثنا))، و((أخبرنا))، و((قال))،
وغيرِها، مع مسألَتَي التلفّظ بـ((قال))، ونحوِها مما يُحذَف خطّاً، و((حا)) الواقعةِ
بين السَّنَدَین.
ومناسبتُه لما قبله ظاهرة.
(واختَصروا) أي أهلُ الحديث ومَنْ تبعهم (في كَتْبِهم) دون نُطْقِهم (حدثنا) ٦٠٤
حيث شاع ذلك وظهرَ حتى لا يكاد يلتبس ولا يُحوِج الواقفَ عليه - کالذي
قبله (١) - إلى بيان. وهم في ذلك مختلفون فمنهم من يقتصر منها (على: ((ثَنا)))
الحروف الثلاثة الأخيرة، (أو) يُلْغي أولَ الثلاثة، ويقتصر على (نا) الضميرِ
فقط، (و) قيل: يقتصر على (دَثَنَا) فيترك منها ((الحاءَ)) فقط، كما وَجَدَه ابنُ
الصلاح في خط كلٌّ من الحُفَّاظ: الحاكم، وأبي عبد الرحمن السُّلَمي(٢)،
وتلميذِهما البيهقي(٣).
(و) كذا (اختصروا أَخْبَرَنا) فمنهم من يحذف ((الخاءَ)) واللَّذَيْنِ بعدَها - وهي ٦٠٥
أصول الكلمة - ويقتصر (على: أَنَا) الألفِ، والضميرِ فقط (أو) يضُمّ إلى
الضمير الراءَ فيقتصر على: (أَرَنَا). وفي خطّ بعض المغاربة الاقتصارُ على
ماعدا ((الموحدة)) و((الراء)) فيكتب: ((أخ نا)) ولكنه لم يشتهر.
(و) كذا اقتَصَر (البيهقيُّ) وطائفة من المحدثين على: (أَبَنَا) بترك ((الخاء))
و((الراء)) فقط. قال ابنُ الصلاح: ((وليس هذا بحَسَن)) (٤). قلتُ: وكأنّه - فيما
(١) أي الرمز لاختلاف الروايات (ص٨٣).
(٢) محمد بن الحسين الأزدي الصوفي. صاحب ((طبقات الصوفية)). مات سنة ٤١٢.
(تاريخ بغداد)) (٢٤٨/٢)، و ((السير)) (٢٤٧/١٧).
(٣) قاله ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (١٨٠).
(٤) ((علوم الحديث)) (١٨٠).

الإِشَارَةُ بالرَّمْزِ
٨٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
يظهر - للخوف من اشتباهِها بـ(أنبأنا))، وإن لم يصطلحوا على اختصار ((أنبأنا))
کما نشاهده من کثیرین.
وكذا يظهر أنهم إنما لم يقتصروا من ((أخبرنا)) على الحرف الأخير من
الفعل مع الضمير - كما فعلوا في ((حدثنا)) - بحيث تَصير: ((رنا)) للخوف من
تحريف ((الراء)) ((دالاً))، فربما يلتبس بأحد الطُرق الماضيةِ في: ((حدثنا)). وهذا
أحسنُ من قول بعضهم: ((لئلا تُحرَّف الراءُ زاياً».
ومن اصطلاحهم حسبما استُقرئ من صنيعهم - غالباً - تحريفُ الألف
الأخيرة منهما إلى جهة اليمين(١)، كأنّه لَيَحصُلَ التمييزُ بذلك عما يقع من
الكلمات المشابهةِ لهما في الصورة من المتن وشبهِه.
وأما كتابة: ((ح) في: ((حدثنا))، و((أخ)) في: ((أخبرنا))، فقال ابنُ
الجَزَري: ((إنه مما أحدثه بعضُ العجَم، وليس من اصطلاح أهلِ الحديث))(٢).
هذا كلُّه في المذكّر المضافِ لضمير الجمع. وأما المؤنث المضافُ
للجمْع أيضاً، وكذا ((حدثني)) و((أخبرني)) المضافان(٣) لضمير المتكلم فلا
يختصرونه غالباً. لكن قال شيخنا: ((إنهم ربما اقتصروا على الحروف الثلاثة من
((حدثني)) أيضاً. بل وعن خط السِّلَفي الاقتصارُ منها على ما عدا ((الحاء)).
(قلت: و) أما غيرُ ((حدثنا)) و((أخبرنا)) مما أُشير إِليه ف(رَمْزُ ((قال))) الواقعةِ
(إسناداً) أي في الإسناد بين رواته (يَرِدُ) حسبما رآه المصنف في بعض الكتب
المعتَمَدَةُ(٤) حال كونه (قافاً) مفردةً، فيصير هكذا: ((ق ثنا)) وربما خَلَطَهُما
بعضُهم كالدِّمياطي(٥)، بل قيل: إنّه تفرد بذلك، وكتب بخطه في ((صحيح
مسلم)): ((قتنا))، حتى توهّم بعضُ مَن رآها كذلك أنها ((الواو)) الفاصلةُ بين
الإسنادین. وليس كذلك.
٦٠٦
(١) هكذا: نا.
(٢) لم أظفر بمصدره.
(٣) في (س) و(م): المضافين. وهو جائز على القطع، والأول على الوصف.
(٤) قال ذلك في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٥٤/٢).
(٥) الإمام الحافظ الفقيه عبد المؤمن بن خلف، الشافعي. مات سنة ٧٠٥. ((تذكرة
الحفاظ)) (١٤٧٧/٤)، و((طبقات الشافعية)) (١٠/٤).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٨٧
الإِشَارَةُ بِالرَّمْزِ
وبالجملة فالرمز لهما اصطلاحٌ متروك. (و) لكن (قال الشيخ) ابن الصلاح(١):
(حذفُها) كلُّها أصلاً ورأساً (عُهِد) فيما جرى عليه أهلُ الحديث (خطّاً) حتى إنهم ٦٠٧
يحذفون الأُولى من مثل: ((عن أبي هريرة ◌ُبه قال: قال رسول الله وَ﴾)).
قال: (ولا بدّ من النطق) بها حالَ القراءة لفظاً. يعني ((لأن الأصلَ
الفصلُ بين كَلَامَي المُتَكَلِّمَين للتمييز بينهما. وحيث لم يُفصل فهو مضمَر،
والإِضمار خلافُ الأصل))(٢)، إلا أن هذا لا يقتضي اشتراطَ التلفظ، كما أَشعَر
به تعبيرُه. نعم قد صرحٍ في ((فتاويه))(٣) بأن عدم النطق بها لا يُبطل السماعَ في
الأظهر وإن كان خَطَأْ من فاعله. واحتج لذلك بأنّ حَذْفَ ((القول)) جائزٌ
اختصاراً؛ قد جاء به القرآن العظيم(٤). وتبعه النَوَويّ في (تَقْرِيبه)) فقال: «تركُها
خطأ. والظاهر صِحةُ السماع))(٥). بل جزم به في ((مقدمة شرح مسلم)) فإنه قال:
((فلو تَرك القارئُ لفظَ ((قال)) في هذا كلِّه فقد أخطأ، والسماع صحيحٌ، للعلم
بالمقصود، ويكون هذا من الحذف لِدَلالة الحال عليه))(٦).
وصرح الشهاب عبدُ اللطيف بنُ المُرَحِّل النحوي (٧) بإنكار اشتراط التلفظ
بها(٨). ثم هل يكفي الاقتصارُ على النطق بالرمز لها؟ الظاهر: نعم. وإليه أشار
(١) في ((علوم الحديث)) (٢٠٤).
(٢) قاله العراقي في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٥٥/٢).
(٣) (ص٤٧).
(٤) جاء في حاشية (س) ما نصه: ((مثل ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آَسْوَذَتْ وُجُوهُهُمْ: أَكَفَرْتُم؟﴾)).
قلت: التقدير: فيقال لهم: أكفرتم، وتلك الآية من سورة (آل عمران) برقم ١٠٦.
(٥) ((التقريب)) (١١٥/٢) للنووي.
(٦) ((مقدمة شرح النووي لصحيح مسلم)) (٣٦/١).
(٧) المتوفى سنة ٧٤٤، ((الوفيات)) (٤٤٦/١)، و((الشذرات)) (١٤٠/٦)، واسم أبيه
عبد العزيز بن يوسف.
(٨) حكاه عنه العراقي في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٥٥/٢) وقال: ((وما أدري ما وجهُ
إنكاره لذلك، لأن الأصلَ الفصلُ بين كَلَامَي المتكلمَيْن للتمييز بينهما .. )).
قلت: ولعل وجهَ ذلك ما أشار إليه ابنُ حجر - مما سيأتي قريباً - من أن ((حدثنا))
و((أخبرنا)) بمعنى: ((قال لنا)). والله أعلم. ثم تأكَّد لي ذلك بقول السيوطي في ((التدريب))
(١١٥/٢): وجهُ ذلك في غاية الظهور، لأن أخبرنا وحدثنا بمعنى قال لنا))، وذكر أنه
وقف عليه بخط ابن حجر.

الإِشَارَةُ بالرَّمْزِ
٨٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الكِرْمَانِي(١) في ((قال))(٢)، وكذا ((ثنا)) و((أنا))، وعبارته: ((وينبغي للقارئ أن يلفظ
بكل من ((قال))، و((حدثنا))، و((أخبرنا)) صريحاً. فلو تَرك ذلك كان مُخطئاً. لكنِ
السماعُ صحيحٌ؛ للعلم بالمقصود، ولِدَلالة الحال على المحذوف))(٣).
قال شيخنا: ((وفيه نظر، لأنه يلزم منه أن يقول: ((ق، خ)) ويريد: قال
البخاري (٤)، أو يقول: ((ثناخ)) ومراده: حدثنا البخاري(٥). وأن يقول: ((ثنا م))
ويريد: حدثنا مسلم(٦). وليس بلازم لكونه في الصِّيَغ لا في الأسماء. على أنه (٧) قد
توقَّف - كَمَا سَلَفَ(٨) - في: أن الأَولى عدمُ الرمز عَن الراوي بالكتابة حيث قال:
«إنه بعد أن شاع وعُرف الاصطلاحُ لا فرق بين الرمز وغيرِه إلا من جهة نقص الأجر
لنقص الكتابة)). وكأنَّه يُفرق بين الكتابة والقراءةِ باصطلاح رَمْز الأسماءِ والصِّيَغِ
كتابةً دون رَمْزِهما قراءةً. وفيه توقّفٌ، إلا من جهة الجفاء بالنطق في الراوي رَمْزاً.
ثم صرَّح شيخُنا بمُصادَمَة تصحيحِ الكِرْماني السماعَ لقول ابن الصلاح:
((إنه لا بدّ))(٩). قال: ((والذي يظهر ليّ امتناعُه - أي الحَذْفِ - في: ((ثنا))
و((أنا))، وفي مثل: ((ثنا خ))، و((ثنا م)). وجوازُه في ((قال)) - يعني قبلَ ((ثنا)) -
لأن ((حدثنا)) بمعنى قال لنا. فاشتراطُ إعادة ((قال)) ليس بشيء)).
(وكذا) مما عُهِد حذفُه - أيضاً - لفظُ: ((أنه))(١٠) في مثل ما رواه الترمذي
(١) العلامة شمس الدين محمد بن يوسف، وهو صاحب كتاب: ((الكواكب الدراري شرح
صحيح البخاري)). مات سنة ٧٨٦. ((الدرر الكامنة)) (٣١٠/٤)، و((الأعلام)) (٢٧/٨).
(٢) في (س) و(ح): (وقال). بدلاً من (في ((قال))). من الناسخ.
(٣) ((الكواكب الدراري)) (٤٥/١).
(٤) في (س) و(م): (قال خ) ويريد: البخاري.
(٥) في (ح): (حدثنا خ، ومراده: ثنا البخاري). وفي (س): (ثنا خ، ومراده: ثنا
البخاري). وفي (م): (حدثنا خ، ومراده: حدثنا البخاري).
(٦) في (ح): (ثنا مسلم، ويريد: حدثنا مسلم). وفي (س): ((ثنا م)) وانطمس مقدارُ
كلمتين. وفي (م): ((حدثنا م)) ويريد: حدثنا مسلم)).
وما أُثبتَ أعلاه كلُّه من النسخة (الأزهرية) وهو المناسب للمقام. والله أعلم.
(٧) أي الحافظ ابن حجر كَقَّتُهُ.
(٨) (ص٣٨).
(٩) يعني مِنْ ذِكْرِه حالةَ القراءة لفظاً. ((علوم الحديث)) (٢٠٤).
(١٠) في حاشية (س): ((مكسورةً كانت أو مفتوحة)).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٨٩
الإِشَارَةُ بالرَّهْزِ
من حديث حُذَيفَة ◌َظُبه قال: رأى رجلاً ... ((الحديثَ، فإن تقديرَه: ((قال أنه
رأى رجلاً)). وقولِ البخاري: ((ثنا الحسن بن الصَبَّاحِ سَمِعَ(١) جعفرَ بنَ عَوْن)).
وكذا (قيل له) في مثل: ((قرئ على فلان قيل له: أخبرك فلان))(٢)،
(وينبغي) - كما قال ابن الصلاح(٣)، مع ملاحظة ما قررناه في ((قال)) - للقارئ
أيضاً (النطق بذا) أي ((قيل له))، وكذا ((أنه))، ونحوهما [كـ((يقول)) من قول:
((سمعت فلاناً: ثنا فلان))(٤)].
قال: ((ووقع في بعض ذلك: قُرئ على فلان: ثنا فلان. فهذا ينطق فيه
بـ ((قال))(٥). يعني: لا ((قيل له)) لكونه أخصرَ. وإلا فلو قال: ((قيل له: قلتَ))
- كما عبّر به النووي في ((مقدمة شرح مسلم(٦))) - لما امتنع.
(وكتبوا) أي أهلُ الحديث في كلٍّ من الحديث، أو الكتابِ، أو نحوِهما ٦٠٨
مما يَرُومُون الجمعَ بين إِسْنادَيه، أو أسانيدِه (عند انتقال من سند لغيره: ح)
بالقصر مهملة مفردة، وهي في كُتب المتأخرين أكثرُ، وفي ((صحيح مسلم))
أكثرُ منها في ((البخاري))، كما صرَّح به النووي في ((مقدمة شرح مسلم))(٧)،
وهو المشاهد. ثم اختلفوا أهي من: الحائل؟ أو التَحْوِيل؟ أو صحَّ؟ أو
الحديث؟.
وهل يُنْطَقَ بها: حا؟ أو يُصَرَّح ببعض ما رُمِزَ بها له عند المُرور بها في
القراءة؟ أو لا؟ قال ابنُ الصلاح(٨): (وانْطِقَنْ بها) كما كُتِبتْ مفردةً، ومُرَّ في
قراءتك. يعني حسبما عليه الجمهورُ من السلف، وتلقَّاه عنهم الخلفُ، وعليه
مشى بعضُ البغداديين أيضاً، كما سمعه ابنُ الصلاح(٩) من بعض علماء
(١) جاء في حاشية (س): ((فإن تقديرَه: أنه. يعني بالفتح)).
(٢) لو قال: ((قرئ على فلان: أخبرك فلان))، فإن تقديره: ((قيل له: أخبرك فلان))، لكان
أولی.
(٣) في ((علوم الحديث)) (٢٠٤).
(٤) ما بين المعكوفين ساقط من (س) و(م).
(٥) ((علوم الحديث)) (٢٠٤).
(٦) (٣٦/١).
(٧) (٣٨/١). وجاء في حاشية (س) مقابلَ هذا ما نصه: ((يغلب على الظن أن أبا داود لم
يَفْصِل في ((سُنَّنْه)) بين السندَين بها، وإن كان فنادر)).
(٨) في ((علوم الحديث)) (١٨٢).
(٩) في ((علوم الحديث)) (١٨١).

الإِشَارَةُ بِالرَّمْزِ
٩٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
المغاربة عنه، ولكنَّ ذلك غيرُ مُتعيِّن، إلا أنه - كما قال ابن الصلاح(١) -:
أَحْوَطُ الوجوه وأَعْدلُها .
٦٠٩
(وقد رأَى) الحافظُ الرحّالُ أبو محمد عبدُ القادر بنُ عبدِ الله (الرُّهَاوِيُّ)
نسبةً إلى ((الرُّهَا)) بالضم للأكثر، الحنبليُّ (٢) - كما سمعه منه ابن الصلاح(١) -
(بأنْ) أي أَنْ (لا تُقْرَأ) ولا يُلفَظ بشيء عند الانتهاء إِليها، (وأنّها) ليست من
الرواية، بل هي ((حاءً)) (من حائل) الذي يحول بين الشيئين إذا حَجَز بينهما،
لكونها حالت بين الإسنادين، وأنَّه لم يَعرِف من مشايخه - وفيهم عددٌ كانوا
حفاظَ الحديث في وقته - غَيرَهُ.
ونحوُه - في كونها من: ((حائل)) لكن مع النطق بذلك - قول الدِّمْياطي:
((وقد قرأ عليَّ بعضُ المغاربة، فصار كُلَّما وَصَلَ إلى ((ح)) قال: ((حاجٌِ)).
وهو - في النُّطْق بمعناها خاصةً - موافقٌ لما حكاه ابن الصلاح(٣) حيث
قال: (وقد رأى بعضُ) علماءِ (أُولي الغَرْبِ) حين ذاكَرتُه فيها - وحكاه عن
٦١٠ صَنِيع المغاربة كافةً - (بأن) أي أن (يَقُولا) من يَمرُّ بها (مكانَها: ((الحديث)).
قَطْ) أي فقط .
وحكى ابنُ الصلاح عن الرُّهاوي إنكارَ كونِها من ((الحديث))(٤). قلت:
وكأنه لكون الحديثِ لم يُذكَر بعدُ. فإن كانت مذكورةً بعدَ سياقِ السند الأول
وبعض المتن - كما في ((البخاري))(٥) فإنّه أَوْردَ من حديث مالكٍ عن سُمَيٍّ عن
أبي بكر بن عبد الرحمن قال: ((جئتُ أنا وأبي حتى دخلنا على عائشةَ وأمِّ
سلمة .. )).
ثم قال: ح، وثنا ... وساق سنداً آخرَ إلى الزهري عن أبي بكرٍ المذكورِ
أن أباه عبد الرحمن أخبرَ مروانَ أن عائشة وأمَّ سلمةَ أَخْبَرَتاه أن النبي ◌ِّ كان
يُدْرِكُه الفجرُ وهو جُنُبٌ من أهله، ثم يغتسل ويصوم)) - فيُمْكِنُ(٦) عدمُ إِنكاره.
(١) في ((علوم الحديث)) (١٨٢).
(٢) مات سنة ٦١٢ («تذكرة الحفاظ)) (١٣٨٧/٤)، و((السير)) (٧١/٢٢).
(٤) ((علوم الحديث)) (١٨٢).
(٣) في ((علوم الحديث)) (١٨١).
(٥) في ((الصيام)): باب الصائم يُصبحُ جُنُباً (١٤٣/٤).
(٦) جواب قوله: ((فإن كانت مذكورةً إلخ .. )).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٩١
الإِشَارَةُ بِالرَّمْزِ
(و) كذا (قيلا) مما نقله ابنُ الصلاح أيضاً عن بعض من جَمَعَتْه وإياه
الرحلةُ بـ((خُرَاسَانَ)) عن بعض الفُضَلاءِ من الأَصْبَهَانِيِّين: أنها ليست من
((الحديث)) (بل) هي (حاء تحويلٍ) من إسنادٍ إلى إسنادٍ آخرَ.
(وقال) ابنُ الصلاح: (قد كُتِبَ) فيما رأيتُه بخطّ الحافظَين: أبي عثمانَ ٦١١
الصابُوني(١) وأبي مسلم عُمرَ بنِ علي اللَيثِيِّ البخاري(٢)، والفقيهِ المُحدثِ أبي
سعدٍ محمدِ بنِ أحمد بنِ محمد بن الخليل الخليلي (٣) (مكانَها) بدلاً عنها
(صحَّ) صريحةً، يعني نحوَ ما يُجعلُ بين الرُوَاةِ المعطوفِ بعضِهم على بعض،
كما تقدم(٤). قال: فهذا يُشعِر بكون ((الحاء)) رَمْزاً إلى ((صح)) (فـ((حا))) بالقصر
(منها انتُخِب) أي اختِير في اختصارها. قال: ((وحَسُن إثباتُ ((صحَّ)) ههنا لئلا
يُتَوهّم أن حديثَ هذا الإسناد سَقَط، ولئلا يُرَّبَ الإسنادُ الثاني على الأول
فيُجعلا إسناداً واحداً»(٥).
وبالجملة فقد اختار النوويُّ أنها مأخوذةٌ من ((التحويل))، وأن القارئ
يلفظُ بها(٦). ثم إنه لم يَختَلِفْ مَنْ حكَينا عنهم في كونها ((حاءً)) مهملة. بل قال
ابنُ كثير: ((إن بعضَهم حكى الإجماعَ عليه))، قال: ((ومن الناس من يتوهّم أنها
((خاءٌ)) معجمة، أي إسنادٌ آخرُ))(٧).
وكذا حكاه الدِّمياطيُّ أيضاً فقال: ((وبعض المحدثين يستعملها بـ(الخاء))
المعجمة، يريد بها: ((آخَرَ))، أو ((خَبَراً))). زاد غيره: أو إشارةً إِلى الخروج من
إسنادٍ إلی إسناد.
والظاهر - كما قال بعض المتأخرين (٨) - أن ذلك اجتهادٌ من أئمتنا في
(١) الإمام العلامة المفسر المحدث إسماعيل بن عبد الرحمن بن أحمد النيسابوري. مات
سنة ٤٤٩. ((الأنساب)) (٥/٨)، و((السير)) (٤٠/١٨).
(٢) مات سنة ٤٦٦، وقيل سنة ٤٦٨. ((الأنساب)) (٢٤٢/١١)، و((السير)) (٤٠٧/١٨)، وهو
منسوب إلى جد أبيه الليث.
(٣) الإمام المتفنن. مات سنة ٥٤٨، ((الأنساب)) (١٧١/٥).
(٤) (ص٧٢).
(٦) ((مقدمة شرح مسلم)) (٣٨/١).
(٨) كالنووي في ((تقريبه)) (٨٨/٢).
(٥) في ((علوم الحديث)) (١٨١).
(٧) ((اختصار علوم الحديث)) (١٣٤).

٩٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الإِشَارَةُ بالرَّهْزِ
شأنها من حيثُ إنهم لم يتبيّن لهم فيها شيءٌ من المتقدِّمين. قال الدِّمياطي:
((ويقال: إن أولَ مَنْ تكلم على هذا الحرفِ ابنُ الصلاح))، وهو ظاهرٌ مِن
صَنيعه، لا سيما وقد صرَّح أولَ المسألة بقوله: ((ولم يأتنا عن أحد ممن يُعْتَمَدُ
بيانٌ لأمرها))(١) .
(١) ((علوم الحديث)) (١٨١).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٩٣
كتابةُ التسميع وكيفيتُه
(كتابةُ التسميع) وكيفيتُه
وهو المسمى بـ((الطَّبَقة)). وما أُلحق بذلك من إعارة المسموع
ومناسبتُه لـ((العمل في اختلاف الروايات)) (١) من جهة اشتراك محلِّهما في
أول الكتاب أو آخره، ولكنّه وسَّطَ بينهما بما هو (٢) أظهر في المناسبة مع الأول.
٦١٢
(ويكتُب) الطالبُ (اسمَ الشيخ) الذي قَرَأ، أو سَمِع عليه، أو منه كتاباً،
أو جزءاً، أو نحوَه، وما يَلْتَحق بالاسم من نسبٍ، ونِسْبَةٍ، وكُنْية، ولقب،
ومذهبٍ، ونحو ذلك مما يُعرف به. مع سياق سنده بالمسموع لمصنفه في
ثَبَتِهِ(٣) الذي يخصه بذلك، أو في النسخة التي يَرومُ تحصيلَها من المسموع (بعد
البسملة) فيقول - مَثَلاً -: ((أنا أبو فُلانٍ فلانُ بنُ فلانِ بنِ فلانِ الفُلَاني: ثنا
فلان ... ))، ويسوقُ السندَ إلى آخره على الوجه الذي وقع. (و) إنْ سَمِعَ معه
غيرُه فليكتبْ أسماءَ (السامعين) إما (قَبْلَها) أي البسملةِ، فوق سطرها [كأَنَّه على
غير هيئةِ أسطُرِ الكِتاب بل بجانب البسملة إلى أعلى الطُرّة، حتى لا يَتَمَخَّضَ
كونُها فوقها(٤)] (مُكَمَّلةً) من غير اختصار لما لا يتم تعريفُ كلٌّ من السامعين
بدونه، فضلاً عن حذفٍ لأحدٍ منهم. والحَذرُ - كما قال ابن الصلاح(8) - من
إسقاط اسمٍ أحدٍ منهم لِغِرَضٍ فاسد.
ومن الغريب ما حكاه ابنُ مَسْدِيٍّ عن ابن المُفَضَّل وشيخِه السِّلَفِي(٦)
(١) المتقدم (ص٨٣).
(٢) وهو (الإشارة بالرمز) المتقدم (ص ٨٥).
(٣) بالتحريك وهو ما يَضُمّ مَرْوياتِ الشيخ.
(٤) ما بين المعكوفين ليس في (س) ولا (م).
(٥) في ((علوم الحديث)) (١٨٣).
(٦) أما السِّلَفي - بكسر المهملة، وفتح اللام، وبعدها فاء - فهو الإمام العلامة الحافظ
المعمَّر أبو طاهر أحمد بن محمد بن أحمد (٤٧٥ - ٥٧٦). ((الأنساب)» (١٠٥/٧)،
و ((السير)) (٥/٢١). وأما ابن المُفضّل فهو أبو الحسن علي بن المفضل بن علي =

كتابةُ التسميع وكيفيتُهُ
٩٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
أنهما كانا يُصَدّرَانِ الطَّباقَ بِذَوِي السنّ، فإذا أَتَيَا على ذكرِهم ترَكا الشبابَ
وأَدْرجاهُم في طَيِّ لَفْظَةِ: ((وآخرين)). والظاهر عدمُ صِحته عن ثانيهما.
٦١٣
كلُّ ذلك حالَ كون المكتوبِ (مؤرَّخاً) بوقت السماع، مذكوراً محلُّه من
البلد وقارُه، وكذا عددُ مجالِسِه - إن تعدّدت - معينةً، وتَمْيِيزُ المُكَمِّلِينَ(١)،
والناعسين، والمتحدثين، والباحثين، والكاتبين، والحاضرين من المُفَوِّتِين
واليقظين والمنصتين والسامعين.
(أو) يَكتبُ ذلك (جَنْبَها) أي البسملةِ في الورقة الأُولى (بالطُّرّة) يعني الحاشيةَ
المتسعةَ لذلك، حسبما أشار إلى حكايته الخطيبُ(٢) عن فِعْل شيوخه. وكذا فَعلَه
السِّلَفيُّ، بل ربما يكتب السلفي السماعَ بالحاشية ولو لم يكن معه غيرُه. (أو) يكتب
الطالب التسميعَ (آخرَ الجزء) أو الكتابِ (وإلّ) أي وإنْ لم يكتبْه فيما تقدم فیکتبُه
(ظَهْرَهُ) أي في ظهره، وربما فعل السِّلَفي وغيرُه نحوَه، حيث يكتبون التسميعَ فيما
يكون للمسموع كالوقاية. أو يكتبُهُ حَيثُ لا يخفى موضعُه منه من حاشيةٍ، في
الأَثْناء، ونحوِ ذلك. فكلُّ هذا - كما قال ابن الصلاح - (٣) لا بأس به. مع تصريحِه
بأنّ ما قاله الخطيبُ أحوطُ له، وأَخْرى بأنْ لا يخفى على من يحتاج إليه.
على أن ابنَ الجَزَري قد حكى عن بعض شيوخه أن الأولى من جهة
الأدب عدمُ الكتابة فوق البسملة لشرفها. ووافقه عليه (٤). [ولكنْ قد انْفَصَلْنا
عنه بما تقدم(٥)] وكذا يَحسُن تسميةُ المسموع إن كُتب التسميعُ بمحلِّ غیرِ
المقدسي الإسكندراني المالكي الحافظ الكبير. مات سنة ٦١١. ((التكملة)) (٣٠٦/٢)،
=
و ((السير)) (٦٦/٢٢).
وأما ابن مَسْدي: فهو أبو بكر جمال الدين أبو المكارم محمد بن يوسف بن موسى.
مات سنة ٦٦٣. ومَسْديْ: بفتح الميم مع سكون الياء. ويقال: مُسْدٍ: بضم الميم
وحذف الياء مع التنوين. ((تذكرة الحفاظ)) (١٤٤٨/٤)، و((العقد الثمين)) (٤٠٣/٢)،
و((التبصير)) (١٣٦٣/٤).
(١) أي الذين لم يَقُتْهُم سماعُ شيءٍ من الكِتَاب على الشيخ. ويقابِلُه لفظُ (المُفَوَّتِين) كما سيأتي.
(٣) في ((علوم الحديث)) (١٨٣).
(٢) في ((الجامع)) (٢٦٨/١).
(٤) ((تذكرة العلماء)) لابن الجزري (١٩/ ب) كما ذكره محقق ((الإرشاد)) للنووي)) (٣٤٨).
(٥) ما بين المعكوفين ليس في (س) ولا (م). والمراد بما تقدم: ما ذكره من كون ذلك
بجانب البسملة إلى أعلى الطُّرّة حتى لا يتمحضَ كونُها فوقها.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٩٥
كتابةُ التسميع وكيفيتُهُ
مُسمَّى فيه خوفاً من انفرادِ الورقة فيصيرُ الواقفُ عليها في خَيرة.
وأَنْ يُنَبِّه حيث كانت الكتابةُ بالأثْناء على محلّها أولَ المسموع، فقد
رأيتُ شيخَنا يفعلُه، فيقول - مَثَلاً -: فَرَغَه سماعاً فلان، والطبقةُ بالمكان
الفلاني. ويُعَلِّمَ بالهوامش عند انتهاء كلّ مجلس بأن يقول - مَثَلاً - بَلَغ السماعُ
في الأول على فلان. لأجل من يَفوته بعضُها، أو يسمعُ بعضها .
٦١٤
وينبغي - كما لابن الصلاح(١) - أن يكون المكتوبُ (بخطِّ) شخصٍ
(مَوْثُوقٍ) به، غيرِ مجهول الخط، بل (بخطّ عُرِفا) بين أصحاب الحديث (ولو) كان
التسميعُ (بخطه لنفسه) مع اتصافه بذلك (كفى) فطالما (٢) فَعَل الثقاتُ ذلك، سواء
كان معه غيرُه أم لا. وعلى كاتب السماع التحرّي في تفصيل الأَفْوات، وبيان
السامع والمسمِّع والمسموع، بعبارةٍ بينة، وكتابةٍ واضحة، وإنزال كلِّ منزلته.
ويكونَ اعتمادُه في السامعين وتمييزِ فَوَاتِهِم ضَبْطَ نفسِه (إن حضر الكلَّ
وإلّا استَمْلى) ما غاب عنه (من ثقةٍ) ضابطٍ ممن حضر، فذلك - كما قال
ابن الصلاح(٣) -: لا بأس به إن شاء الله. سواءٌ في اعتماد الثقة لضبط
نفسه، أو ثقةٍ غيرِهِ، أَفْصَحَ بذلك في خطه (٤)، (صحَّح) على التسميع (شيخٌ)
أي الشيخ المسمِّع ـ واحداً فأكثرَ، حسبما اتَّفَق - (أم لا) قال ابن الصلاح:
((وقد حدثني بـ((مروَ)) الشيخُ أبو المظفَّر ابنُ الحافِظِ أبي سعد المَرْوَزي (٥) عن
أبيه عمّن حدّثه من الأصبهانية: أن عبد الرحمن بنَ أبي عبد الله بن منده
قرأ ب(بغدادَ)) جزءاً على أبي أحمدَ الفَرَضي(٦)، وسأله خَطَّه ليكون حجةً له.
فقال له أبو أحمدَ: يا بُنَيَّ عليك بالصدق، فإنك إذا عُرِفتَ به لا يُكَذِّبُك
أحد، وتُصَدَّقُ فيما تقول وتنقُل. وإذا كنتَ غيرَ ذلك فلو قيل لك: ما هذا
٦١٥
(١) في ((علوم الحديث)) (١٨٢ - ١٨٣).
(٢) كتبت في النسخ: فطال ما .
(٣) في ((علوم الحديث)) (١٨٣).
(٤) يعني سواء أفصح بذلك في خطه أم لا. كما في (صحّح) الآتية بعدها. والله أعلم.
(٥) المعروف بالسمعاني، صاحب كتاب: ((الأنساب))، توفي سنة: ٥٦٣، وتوفي ابنه أبو
المظفر عبد الرحيم سنة: ٦١٧ أو ٥١٨. ((السير)): (٤٥٦/٢٠، ٢٢ /١٠٧)
(٦) الإمام القدوة عبيد الله بن محمد بن أحمد البغدادي المقرئ. مات سنة ٤٠٦. ((تاريخ
بغداد)» (٣٨٠/١٠)، و ((السير)» (٢١٢/١٧).

كتابةُ التسميع وكيفيتُه
٩٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
خظُ أبي أحمدَ. ماذا تقول لهم(١)؟)).
ونحوُه قولُ ابنِ الجَزَري: ((قدَّمتُ لشيخنا الحافِظِ أبي بكرِ بن المُحِبّ (٢)
طبقةً ليُصَحح عليها، لكونه المسمِّعَ. فكَرِهِ مِنّي ذلك، وقال: لا تَعُدْ إليه فإنما
يحتاجُ إلى التصحيح من يُشَك فيه))(٣)، انتهى.
وما يوجد من تصحيح الشيوخ المُسَمِّعين إنما اعتمادُهم فيه - غالباً - على
الضابطين، وربما أفصحَ المُتَحرّيَ منهم بذلك. وحينئذٍ فلا فائدةَ فيه، إلا إنْ
كان الشيخ نفسُه هو الضابطَ، كما كان ابنُ(٤) المصنِّف يفعلُه غالباً لقلَّة
المُتَميِّزين في ذلك.
نعم، ربما استَظهرَ بعضُ المتشددين لما يَكتب المحدثُ لنفسِه أنَّه سمعَه
حيث كان معه غيرُه بشُهرةٍ أحد السامعين بين المحدثين، وحيث كان منفرداً
بالإلحاق والتصحيح وشبهِه؛ إذ الكتابُ لا يخلو غالباً عن الاحتياج لذلك.
بل وبتَحْليفِ الراوي(٥)، فرَوَى أبو بكر ابن المُقْرئ(٦) عن الحسن بن
القاسم بن دُحَيم الدمشقي: ثنا محمد بنُ سليمان قال: ((قَدِمَ ابنُ مَعينٍ علينا
((البصرة)) فكتب عن أبي سلمةَ موسى بن إسماعيل التَّبُوذَكِيّ، وقال له: يا أبا
سلمةَ إني أريدُ أن أَذْكُرَ لك شيئاً فلا تغضبْ منه؟ قال: هاتِ. قال: حديثُ
(١) ((علوم الحديث)) (١٨٣)، و((تذكرة الحفاظ)) (١١٦٦/٣)، و((السير)) (٣٥١/١٨) في
ترجمة عبد الرحمن بن محمد بن منده.
(٢) شمس الدين محمد بن عبد الله بن أحمد المقدسي الصالحي الحنبلي، الإمام المتقن.
يعرف بالصامت، لطول سكوته، مات سنة ٧٨٩. ((ذيل تذكرة الحفاظ)) (٦١)، و((غاية
النهاية)) (١٧٤/٢)، و((طبقات الحفاظ)) (٥٣٩).
(٣) يظهر أنه في كتاب ابن الجزري ((تذكرة العلماء)). والله أعلم.
(٤) هو الحافظُ وليُّ الدين أبو زُرعةَ أحمدُ، ابنُ مصنف ((الألفية)) الحافِظ زين الدين
العراقي. توفي وليُّ الدين سنة ٨٢٦.
(٥) يعني: إن كان معه غيره فربما استظهر بشهرة أحد السامعين. وإن كان منفرداً فربما
استظهر بالإلحاق والتصحيح، وبتحليف الراوي أيضاً.
(٦) هو الحافظ الرَحّال محمد بن إبراهيم بن علي العاصمي الزاذاني الأَصبَهاني المشهورُ
بابن المُقرئ، صاحبُ ((المعجم الكبير)) مات سنة ٣٨١. ((الأنساب)) (٤٠٠/١٢)،
و((تذكرة الحفاظ)) (٩٧٣/٣).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٩٧
كتابةُ التسميع وكيفيتُه
هَمَّامٍ عن ثابت عن أنس عن أبي بكر في ((الغار))(١) لم يَرْوِهِ أحدٌ من
أصحابك، إنما رواه عَفّانُ وحَبَّانُ، ولم أَجِدْه في صَدْرِ كتابك، إنما وجدتُه
على ظهره! قال: فتقولُ ماذا؟ قال: تَحْلِفُ لي أنك سمعتَه من همام، فقال:
قد ذكرتَ أَنَّك كتبتَ عني عشرين ألفاً، فإنْ كنتُ عندك فيها صادقاً فما ينبغي
أن تُكَذِّبَني في حديث، وإن كنتُ كاذباً في حديثٍ فما ينبغي أن تُصَدِّقَني فيها،
وترمي بها. بنتُ أبي عاصم(٢) طالقٌ ثلاثاً إنْ لم أكن سمعتُه من همام، وواللهِ
لا أُكلمك أبداً))(٣). وسمع عِبِدُ الرحمن بنُ يزيدَ بنِ جابر مِنْ رُزَيْقٍ بن حَيَّان(٤)
حديثاً، فلما فرغ قال له: آللَّهِ يا أبا المِقْدَام - وهي كُنيتُه - لَحَدَّثَكَ فلانٌ بهذا،
أو سمعتَ هذا؟ قال: فَجَثًا على رُكْبتَيه واستقبلَ القبلةَ وقال: إي، والله الذي
لا إله إلا هو))، ولعلَّ سلفَه قولُ عليّ ◌َظُه: ((كنتُ إذا سمعتُ من النبيِه
حديثاً نفعني اللهُ رَك بما شاء أن ينفعني منه، وإذا حدَّثني غيري استَحْلفتُه، فإذا
خَلف لي صدّقتُه، وحدَّثني أبو بكر ظُبه - وصدق أبو بكر -... ))، وذكر
حديثاً(٥) .
(١) هذا الطريقُ أخرجه البخاري في ((مناقب الأنصار أواخرِ باب هجرة النبي ◌َّهُ وأصحابِهِ
إلى المدينة)) (٢٥٧/٧).
وحديث ((الغار)) أخرجه البخاري - أيضاً - قبل ذلك في ((فضائل الصحابة)): باب مناقب
المهاجرين وفضلهم (٨/٧) وفي غيره. ومسلم في ((فضائل الصحابة)): باب من فضائل
الته (١٨٥٤/٤). وغيرهما .
أبي بكر الصديق،
(٢) يعني زوجته، واسمها: بَرَّة، كما في ((سير أعلام النبلاء)) (٣٦٣/١٠).
(٣) أخرجها المِزيُّ في ((تهذيب الكمال)) (٢٥/٢٩ -٢٦)، وأوردها الذهبيُّ في ((سير أعلام
النبلاء)) (٣٦٣/١٠).
(٤) رُزَيق من رجال مسلم، وهو بالراء ثم الزاي وآخره قاف مصغراً. وحَيان بفتح المهملة
ثم مثناة تحتية.
(٥) فيمن أَذْنَبَ فأحسنَ الطهور، وصلى ركعتين واستغفرَ، والحديثُ أخرجه أبو داود في
((الوتر)): باب في الاستغفار (٢/ ١٨٠)، و((الترمذي في ((التفسير)): باب ومن سورة آل
عمران (٢٢٨/٥)، وابن ماجه في ((إقامة الصلاة)): باب ما جاء في أن الصلاة كفارة
(٤٤٦/١)، وأحمدُ (٢/١، ١٠). وهو حديثٌ حسن.
وقد ذكر السِّنْدي - كما في سنن ابن ماجه - أنَّ الترمذي قال: ((حديث حسن)).
ولم أر هذا القولَ في نسخةٍ ((الترمذي)» المطبوعةِ بتحقيق إبراهيم عطوة.

كتابةُ التسميع وكيفيتُهُ
٩٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وقد يَبتدئُ الشيخُ بالحَلِفِ مع اشتهارِ ثقتِه وصدقِه، لكنْ لتزداد طمأنينةٌ
السامعين، كما كان ابنُ عبد الدائم يحلف في فَوْتَيْهِ من ((صحيح مسلم)): أنهما
أُعِيدا له. وفعلَه من التابعين زيدُ بنُ وهب فقال: ((ثنا - والله - أبو ذر
بـ((الرَّبَذَة))(١) ... )) وذكر حديثاً.
٦١٦
٦١٧
(ولْيُعَر) مَنْ ثَبَتَ في كتابِه، أو جُزئِه، أو نحوِهما تَسْمِيعٌ بخطٌّ المالكِ أو
غيرِه مما أُثبتَ فيه السَّماعِ: الطالبُ (المُسمَّى بِه) واحداً فأكثرَ (إِنْ يَسْتَعِرْ)هُ،
ليَكْتبَ منه، أو يُقابِلَ عليه، أو يَنقلَ سماعَه، أو يُحَدِّث منه. وهذه العاريةُ - فيما
إذا كان التسميع بغيرِ خط المالكِ - مستحبةٌ. (وإنْ يكن) التسميعُ (بخط مالِكٍ)
للمَسْموع (سُطِرَ، فقد رأى) القاضيان: (حفصٌ) هو ابن غِيَاث النَّخَعي، الكوفيُّ
قاضيها، بل وقاضي ((بغدادَ)) أيضاً، وصاحبُ الإمام أبي حنيفةَ الذي قال له في
جماعةٍ: ((أنتم مَسَارُّ قَلْبِي، وَجَلَاءُ حُزني)). وكان هَو يقولُ: ((ما وَلِيتُ القضاءَ
حتى حَلَّتْ لي المَيْتَةُ))(٢)، ((وَلأَنْ يُدْخِلَ الرجلُ إصبَعَه في عِينَيه، فيقلعُهما،
فَيَرْمي بهما خيرٌ من أَنْ يكون قاضياً))(٣). ولمَّا وَلِيَ قال أبو يوسُفَ لأصحابِهِ:
(تَعَالَوا نَكْتُبْ نَوَادِرَ حفصٍ!»، فلما وَرَدَتْ قضاياهُ عليه قال له أصحابُه: أين
النَوادرُ؟! فقال: ((إن حفَصاً أراد الله، فوقَّقه(٤)). مات - على الأكثر - سنة
خمس وتسعين ومائة(٥).
(وإسماعيلُ) بن إسحاقَ بنِ إسماعيلَ بنِ حمادِ بنِ زيد بنِ دِرْهم الأَزْديُّ
مولاهم، البصريُّ، المالكيُّ، شيخُ مالكيّةِ ((العراق)) وعالمُهم، ومصنّفُ ((أحكام
القرآن)) وغيرِها، المتوفى في سنة اثنتين وثمانين ومائتين (٦).
و(كذا) أبو عبد الله الزُبيرُ بنُ أحمدَ بنِ سليمانَ بنِ عبد الله بن عاصم بن
(١) أخرجه البخاري في ((الاستئذان)): باب من أجاب بلَبَّكَ وسَعْدَيك (٦١/١١).
(٣) ((تاريخ بغداد)) (١٩٠/٨).
(٢) ((تاريخ بغداد)) (١٩٣/٨).
(٤)
((تاريخ بغداد)) (١٩٣/٨).
(٥) جاء في النسخ: (تسع وخمسين ومائة) وهو وَهْمٌ، والصواب خمس وتسعين ومائة كما
في ((تاريخ بغداد)» (٢٠٠/٨)، و((تهذيب التهذيب)) (٤١٧/٢)، وقيل في وفاته سنة ١٩٤
وقال المِزّي: إنَّه الأصح. وقيل سنة ١٩٦.
(٦) له ترجمة في ((تاريخ بغداد)) (٢٨٤/٦)، ((والسير)) (٣٣٩/١٣).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٩٩
كتابةُ التسميع وكيفيتُه
المنذر بن الزُبير بن العوامِ الأَسَدِيُّ (الزُّبَيْرِيُّ) - بالضم - نسبةً لجدِّه المذكور،
البصريُّ، الضريرُ، أحدُ أئمةِ الشافعيةِ، وصاحبُ ((الكافي)) و((المُسْكِت)) وغيرِهما،
المتوفى سنة سبعَ عشرةَ وثلاثمائة(١) (فَرْضَها) أي العاريّةِ (إِذْ سِيْلُوا) - بإبدال الهمزة
ياءً ساكنةً للضرورة - حيثُ ادُّعِي عندَ كلٍّ من الأَوَّلَيْن في زمنه على من امتَنَع من عاريّة
كتابه، وأجابَ بإلزامه بإخراجه لينظُرَ فيه، فما يكون من سماع المدَّعي مثبتاً بخطِ
المدَّعَى عليه أَلْزَمَهُ بإعارته. حسبما روى ذلك عن الثاني الخطيب(٢)، وعن الأولِ
الرَّامَهُرْمُزِيُّ، وقال: إنه سأَلَ الثالثَ عنه فقال: ((لا يجيء ـ في هذا البابِ-حُكمٌ
أحسنُ من هذا)»(٣)، (إذْ خطّه) أي صاحبِ المسموعِ فيه (على الرِّضَى به) أي بالاسم ٦١٨
المُثْبَتِ (دَلَّ) يعني: وثمرةُ رضاهُ بإثباتِ اسمه بخطه في كتابه: عدمُ مَنْعِ عارَّتِه.
قال ابن الصلاح(٤): ولم يَبِنْ لي وجهُه أوَّلاً، ثم بان لي أنّ ذلك (كما
على الشاهد) المُتَحمِّلِ - يعني سواءٌ استُدْعِي له، أو اتفاقاً - (ما تَحَمَّلَ) أي أدّى
الذي حمَّله وجوباً، وإنْ كان فيه بذلُ نفسِه بالسَّعْي إلى مجلس الحكم لأدائها .
ووجَّهه غيرُهُ(٥) - أيضاً - بأنَّ مثلَ هذا من المصالح العامةِ المحتاجِ إليها،
مع وجود عُلْقةٍ بينهما تقتضي إلزامَه بإسعافِهِ في مَقْصَدِهِ.
أصله: إعارةُ الجدارِ لوضع جُذوع الجار، الذي صحَّ الحديثُ فيه (٦)،
وأَوْجَبَه جمعٌ من العلماء، بل هو أحدُ قولَي الشافعي. وإذا أَلْزَمْنا الجارَ
بالعاريَّة مع دوام الجذوع - في الغالب - فَلَأَنْ نُلْزم صاحبَ الكتابِ - مع عدم
دوام العاريَّة - أولى(٧)) وهو ظاهر - ولو قلنا كما قال(٨) عياض: ((إن خطّه ليس
فيه أكثر من شهادته بصِحة سماعه))(٩) - لأنا نقولُ: إلزامُه بإبرازِه لحصول
(١) له ترجمة في ((تاريخ بغداد)) (٤٧١/٨)، ((والسير)) (٥٧/١٥).
(٢) في ((جامعه)) (٢٤١/١)، وكذا القاضي عياض في ((الإلماع)) (٢٢٢).
(٣) في ((المحدث الفاصل)) (٥٨٩).
(٤) في ((علوم الحديث)) (١٨٥).
(٥) وهو الحافظ البُلْقيني.
(٦) وهو حديث أبي هريرة: ((لا يمنعْ جارٌ جارَه أنْ يَغْرِزَ خشبةً في جِدَارِه))، أخرجه
البخاري في ((المظالم)): باب لا يمنعْ جارٌ جارَه .. (١١٠/٥) وفي غيرِه، ومسلم في
((المساقاة)): باب غَرْزِ الخشب في جدار الجار (١٢٣٠/٣)، وغيرُهما.
(٧) ((محاسن الاصطلاح)) (٣٢٥).
(٨) في (س) و(م): قاله.
(٩) ((الإلماع)) (٢٢٤).

کتابةُ التسميع و کیفیتُه
١٠٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ثمرته، وإن لم يَسألُه في إثبات اسمه وقتَ السماع، كما يلزمُ الشاهدَ الأداءُ ولو
لم يستدع للتحمّل.
ثم إن قياسَ تعليلِ ما كتبه بخطّه بكونه علامةَ الرضى: أنه لو كتبه غيرُه
برضاهُ كان الحكمُ كذلك، إذْ لا فرق. وكلامُ ابنِ الصلاح يشهد له، فإنه قال:
ويَرجعُ حاصلُ أقوالِهم إلى أن سماعَ غيره إذا ثبتَ في كتابه برضاه فيلزمُه إعارته
إياه(١)). وتبعه النووي في (تَقْرِيبِهِ))(٢) بل قال الحاكمُ: («سمعتُ أبا الوليد
الفقيه (٣) يقولُ: مَرَرْتُ أنا وأبو الحسن الصَبَّاغْ بمحمدِ بنِ علي الخياط (٤) -
يعني القاضي أبا عبد الله المَرْوزي - وهو جالس مع كاتبه، فادَّعيتُ أنا أو هُو
أنَّ أحدنا سَمَّع في كتابٍ الآخر، وأنه يمتنعُ من إعارته لرفيقه. فسكت ساعةً ثم
قال: بإذنك سَمَّع في كتابك؟ قال: نعم، قال: فأَعِرْه سماعَه))(٥). وإذا كانَ
هذا في صورة تسميعِ المُدَّعِي لنفسِه مع إِمكان اعتقادِ التُّهمة فالغيرُ(٦) الأجنبيُّ
أولی وأخرى.
وتوقّف بعضُهم في الوجوب في ذلك كلِّه، وقال: إنه ليس بشيء. وأَيَّده
بأنه يمتنعُ على المالك حينئذٍ الروايةُ إذا كان يروي من كتابه لِغَيْبته عنه على
مذهب من تشدّد في ذلك لا سيما إذا كان ضريراً. وإن كان الصوابُ خلافَه،
كما ستأتي المسألةُ قريباً .
وقد حكى ابنُ الصلاح في ((أدب الطالب))(٧) عن إسحاقَ بنِ راهُويه أنه
قال لبعض من سَمِعَ منه في جماعة: ((انسخ من كتابهم ما قد قرأتَ. فقال:
لا يُمَكِّنُونني، فقال: إذاً والله لا يفلحون، قد رأينا أقواماً مَنَعُوا هذا السماعَ
(١) ((علوم الحديث)) (١٨٥).
(٢) (٩١/٢).
(٣) الحافظ حسان بن محمد بن أحمد النَّيْسابوري. مات سنة ٣٤٩. (تذكرة الحفاظ)) (٣/
٨٩٥)، و((السير)» (٤٩٢/١٥).
(٤) الإمام الحافظ المَروَزي. مات بعد سنة ٣٢٠. ((السير)) (٥٦٤/١٤).
(٥) ((السير)) (١٤ / ٥٦٤).
(٦) كذا. والأَولى: فغيره. لأن ((غيرَ)) موغلةٌ في الإبهام ولا تفيدها ((ال)) تعريفاً.
(٧) يقصد ((معرفة آداب طالب الحديث))، وهو النوع (الثامن والعشرون) في كتابه ((علوم
الحدیث» .