النص المفهرس

صفحات 21-40

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢١
كتابةُ الحديثِ وضبطُه
الكتابِ فذلك يَمْنَعُ [من](١) إِشْكالِهِ (لا ما يُفْهَم) بدون شَكْل ولا نَقِطِ فإِنَّه تَشاغُلٌ
بِمَا غيرُه أَوْلِى منه، وفيه عَنَاءٌ، بل قد لا (٢) يكُون فيه فائدةٌ أَضْلاً.
وعن أحمدَ بنِ حنبل قال: ((كان يحيى بنُ سعيد يَشكُل الحرفَ إذا كان
شديداً، وغيرَ ذلك لا. وكان عَفانُ، وبهزٌ، وحَبّانُ بنُ هلال أَصحابَ الشَّكْل
والتقييد))(٣). وحَكَى عليّ بنُ إبراهيم البغداديُّ في كتابه: ((سِمَات الخط
ورُقُومه)): أن أهل العلم يكرهون الإعْجامَ والإعرابَ إلا في المُلْبِس)) (٤)، وربما
يَحصُل للكتاب إظْلَامُ.
٥٦٢
(وقيلَ): بل ينبغي الشَّكْلُ والإِعجامُ للمكتوب (كُلِّه) أَشْکَلَ أم لا ،
وصَوَّبَه عياض (٥)، (لِ) أَجلِ (ذِي ابْتِدَاء) في الصَّنعة والعلم ممن لا يَعْرِفُ
المُؤْتَلِفَ والمُخْتلِف وغيرَهما من السند والمَتْن، لأنه حينئذٍ لا يُمَيِّزُ المُشكِلَ من
غيره، ولا صوابَ وجهِ الإِعراب للكلمة من خَطَئِهِ. وأيضاً فقد يكونُ واضحاً
عند قوم، مُشْكِلاً عند آخرين كالعَجَم ومن شاكلَهم. والقصدُ عمومُ الانتفاع،
وربَّما (٦) يَظُن هو - لِبَرَاعَتِهِ - المُشْكِلَ واضحاً، بل وقد يخفى عنه الصوابُ
بعدُ. ولذا قال ابنُ الصلاح: ((وكثيراً ما يَتَهاونُ في ذلك الواثِقُ بذهنِه وتيفُّظِهِ،
وذلك وخيمُ العاقبة، فإن الإنسانَ معرَّض للنسيان)) (٧)، قال أبو الفتح البُسْتِي
- وكان يُكثرُ التَجْنِيسَ في شعره -:
((الميزان)) وفي ((المغني في الضعفاء)): ((لم يَرْو عنه إلّا ابنُه محمد))، يعني فهو مجهول،
=
فالحديثُ ضعيف، ولا سيما مع عدم العلم بحال محمد وقيس.
(١) ما بين المعكوفين ساقط من (ح).
(٢) جاء في ((القاموس)) مادة (القدّ) أن ((قد)) الحرفيةَ مختصةٌ بالفعل المتصرف الخبري
والمثبت المجرد من جازم وناصب))اهـ. وفي هذا التعبير لم تدخل على مثبت.
(٣) أخرجه الخطيبُ في ((جامعه)) (٢٧٠/١) وعفان هو ابنُ مسلم، وبَهْز هو ابنُ أَسَد،
وحَبّان: بفتح المهملة وبعدها موحدة. وكلهم بصريون، وثقات أثبات.
(٤) ذكر ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (١٦٣) أنه قرأ ذلك بخط صاحب كتابٍ:
((سِمَات الخط ورقومه)). وانظر: ((كشف الظنون)) (١٠٠١).
(٥) في ((الإلماع)) (١٥٠).
(٦) في (ح): وإنما. من الناسخ.
(٧) ((علوم الحديث)) (١٦٢).

كتابةُ الحدیثِ وضبطُه
٢٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وأكثرَ الناس إحساناً إلى الناس
يَا أَفْضَلَ الناسِ إِفِضَالاً على الناس
فاعْذُرْ فأوّلُ ناسٍ أوّلُ الناس(١)
نَسيتُ وعدكَ والنسيانُ مُغْتَفَرٌ
وقال أبو تَمّامٍ: ((سُمِّيتَ إِنساناً لأنكَ ناسٍ))(٢) .
وممن كان كثيرَ العَجْمِ والنَّقْط لكتابه: أبو عَوانةَ الوضّاحُ(٣) أحدُ
الحفاظ، فقُدِّم كتابُه على حفظ غيرِه لشدة إتقانه وضبطِه له.
وربما - كما أشار إليه عياض (٤) - يقعُ النزاعُ في حكم مستَنَبَط من حديثٍ
يكون متوقفاً على ضبط الإعراب فيه فيُسألُ الراوي: كيفٌ ضبط هذا اللفظ
فيصيرُ متحيراً لكونه أَهمَله، أو يجسُر على شيءٍ بدون بصيرةٍ ويقين كقوله اَلّه:
(١) ورد هذان البيتان في ((ديوان أبي الفتح البُستي)) (٤٣) بلفظ:
وأحسنَ الناس إغضاءً عن الناسي
يا أكثرَ الناس إحساناً إلى الناس
فاعذر فأول ناس أولُ الناس
نسيت عهدَك والنسيانُ مغتَفَر
وكلمة الناسي في البيت الأول هنا هي المناسِبةُ للجِنَاس.
والمراد بأول الناس هنا: آدم عليهم.
وأبو الفتح هو العلامة شاعر زمانه، وواحد عصره علي بن محمد البُستي الكاتب.
مات سنة ٤٠١، ((الأنساب)) (٢١٠/٢)، و ((السير)) (١٤٧/١٧).
(٢) عَجُزُ بيت للشاعر أبي تَمّام حَبِيبٍ بن أوس الطائي المتوفى سنة ٢٣١، وصدره:
لا تَنْسَيَنْ تلكَ العُهودَ فإنَّما
وهو من قصيدة تبلغ خمسةً وثلاثينَ بيتاً قالها في مَدح أحمدَ بنِ الخليفة المعتصم
العباسي مطلعها :
نَقْضِي ذِمَامَ الأَرْبُعِ الأَدْرَاسِ
ما في وُقُوفِكَ ساعةً من باس
والدمعُ منه خاذلٌ ومُوَاسي
فلعل عينَك أن تَسيل بمائها
ومنها الأبيات المشهورة:
في حلمٍ أحنفَ في ذكاء إياس
إقدامُ عَمرو في سماحة حاتم
مثلاً شَرَوداً في الندى والباس
لا تُنكروا ضَربي له مَنْ دونه
مثلاً من المِشْكَاةِ والنِّبْراس
فالله قد ضرب الأقلّ لنوره
((ديوان أبي تمام)) (ص١٥٢).
...
(٣) هو الحافظ الوَضَّاحُ بن عبد الله - مولى يزيد بن عطاء - اليشكري الواسطي. أحد
الثقات. توفي سنة ١٧٦ بالبصرة. ((التاريخ الكبير)) (١٨١/٨)، و((تهذيب الكمال))
(٤٤٠/٣٠).
(٤) في ((الإلماع)) (ص١٥٠).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٣
كتابةُ الحدیثِ وضبطُه
((ذَكَاةُ الجنين ذكاةُ أمه)) (١)، فأبو حنيفةَ ومَن تابعه يُرجِّحون النَّصب(٢)،
لاشتراطهم التَذْكية. والجمهورُ ـ كالشافعية والمالكية وغيرِهما - يرجِّحون
الرفعَ (٣)، لإسقاطهم ذكاتَه. على أن بعضَ المحققين(٤) وَجَّه النصب أيضاً بما
يرجع إليه (٥).
وقولِه: ((لا نُورَثُ، ما تركنا صدقة))(٦). فالجماعة يَرْؤُونَه برفع ((صدقة))
على الخَبَرِية، لأن الأنبياءَ لا يُورَثُون، والإماميةُ يرؤُونه بالنصب على التمييز،
والمعنى أنه لا يُورَث ما تركوه صدقةً دونَ غيره(٧). على أن ابنَ مالك وجَّه
النصبَ بما يوافِقُ الجماعةَ فقال: ((التقديرُ: ما تركنا مبذولٌ صدقةً. فحُذف
الخبرُ وبقي الحالُ منه. ونظيرُه: ﴿وَنَحْنُ عُصْبَةٌ﴾(٨) بالنصب))(٩)).
(١) أخرجه أبو داود في ((الأضاحي)): باب ما جاء في ذكاة الجنين (٢٥٢/٣ - ٢٥٣)،
والترمذي في ((الصيد)): باب ما جاء في ذكاة الجنين (٧٢/٤)، وأحمد (٣١/٣،
٣٩)، وغيرُهما عن جابر وأبي سعيد. وقال الترمذي عن حديث أبي سعيد: ((حسن
صحيح)). وحديث جابر صحيح أيضاً كما قاله عبد القادر الأرناؤوط في ((جامع
الأصول)) (٤٨٨/٤) حاشية.
(٢) أي نصبَ ((ذكاة)) الثانية على تقدير نَزْع الخافض وهو الكاف. أي (ذكاةُ الجنين كذكاة
أمّه)، أو على أنه مفعولٌ مطلق مبيِّنٌ لنوع ذكاة الجنين، يعني فَيُذَكَّى الجنين مثلَ ذكاة أمه.
(٣) على أنه خبر للمبتدأ .
(٤) كالنووي في ((تهذيب الأسماء واللغات)) (١١٢/٣).
(٥) أي بما يرجع إلى معنى الرفع وهو أنّ ذكاةَ أُمِّ الجنين تغْني عن ذكاته. ويتم ذلك إذا
قيل: إنه منصوب بنزع الخافض وهو (الباء) أو (في)، فالأُولى سببيةٌ والثانية ظرفية.
والتقدير: (ذكاة الجنين بذكاة أمه) أو (في ذكاة أمه)، وهما روايتان فيه كما في ((سبل
السلام)) (٤/ ١٨٢).
(٦) أخرجه البخاري في ((فرض الخُمُس)): باب فرض الخُمُس (٢٩٧/٦) ومواضعَ أُخَرَ،
ومسلم في ((الجهاد والسير)»: باب حكم الفيء، وكذا في باب قوله وَل : ((لا
نُورَث ... )) (١٣٧٧/٣ - ١٣٨٣)، وغيرُهما.
(٧) أي ما تركوه وقد تصدقوا به لا يُورَث، أما غيره فيورث.
(٨) سورة يوسف: الآية ٨.
(٩) قاله ابن مالك في ((شواهد التوضيح والتصحيح)) (١٥٤). وكان قد وجّه في صفحة (١١١)
إعرابَها بالنصب على أنها حال سدّ مسدّ الخبر قال: ((وتقديرها: ونحن معه عصبةً، أو
نحن نحفظه عصبةً)). وذكر أن قراءة ((عصبةً)) - بالنصب - تعزى لعلي بن أبي طالب

كتابةُ الحديثِ وضبطُه
٢٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وقولِهِ وَله: ((هو لك عَبْدُ بنَ زَمْعَةَ)(١)، فالجماعةُ على حذف حرف النداء
بين ((لَكَ)) و((عَبْدُ))(٢)، وبعضُ المخالفين من الحنفية على حذفه بين ((عَبْدُ))
و ((ابنَ)) مع تنوين ((عبد))(٣) .
ونحوُه في السند: عبدُ الله بن أُبَيّ ابن سلول. فلكون ((سلول)) أمَّه، إن لم
تُثبَتِ الألفُ في ((ابن سلول)»، ويُنَوَّنْ أُبَيِّ يُظَن أنه جَدُّ عبدِ الله.
وعبدُ اللهِ بن مالك ابن بُحَيْنَة كما سيأتي مبسوطاً في ((من نُسب إلى غير
أبيه))(٤).
وَرَحِمَ اللهُ كُلَّ من السِّلَفِيّ والمِزِّيّ فقد كانا - مع جلالتهما - يضبُطان
الأشياءَ الواضحة حتى إنّ السِّلَفيّ تكرّر له نَقْطُ الخاء من ((أخبرنا))، والمزيَّ قد
يُسَكِّن النونَ من ((عن))، ولكن هذا تكلُّفٌ، وقد لا يكون مقصوداً.
والحاصل أنه يبالِغُ في ضَبطِ المُتون، لأن تغييرَها يؤدِّي إلى أن يُقالَ عن
النبيِ نَّهِ ما لم يَقُل، أو يُثْبَتَ حكمٌ شرعي بغيرِ طريقِه.
(و) لكن (أكّدوا) أي الأئمةُ من المحدثين وغيرِهم (مُلْتَبِسَ) أي ضبطَ
ملتبس (الأسماء) لا سيما الأسماءَ الأعجمية، والقبائلَ الغريبة(٥) لقلَّة المُتَميِّزين
(١) هذه الرواية بهذا اللفظ عزاها الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٣٦/١٢) للنسائي.
والحديث أخرجه البخاري في ((البيوع)): باب تفسير المشبهات (٢٩٢/٤) ومواطن
أخر، ومسلم في ((الرضاع)): باب الولد للفراش (٢/ ١٠٨٠) وغيرُهما لكن بلفظ: ((يا
عَبْدُ))، ومثله عند النسائي في ((الطلاق)): باب إلحاق الولد بالفراش ... (١٨٠/٦)،
وكذا في ((الكبرى)): أبواب اللعان - باب إلحاق الولد بالفراش ... (٣٧٨/٣).
(٢) وأصله: هو لك يا عَبدُ بنَ زمعة.
(٣) وأصل الكلام - على هذا -: هو لك عَبْدٌ يابنَ زمعة. وقوله: ((هو لك)) يريد: الغلام
الذي ولدته جاريةٌ لزَمعة بن قيس القرشي واختصم فيه سعد بن أبي وقاص وعَبدُ بن
زمعة، فقال سعد: يا رسول الله هذا الغلام ابن أخي عتبة وقد كان عَهِد إليّ فيه قبل
موته، وقال عبد بن زمعة: بل هو أخي، ولد على فراش أبي من جاريته. فقال ◌َّه:
((هو لك يا عبدُ بنَ زمعة. الولد للفراش، وللعاهر الحجر)).
(٤) (٣٣١/٤).
(٥) كذا في النسخ بالغين المعجمة، وبعد الراء مثناةٌ تحتية ثم موحدة، ورأيت في ((الاقتراح))
(٢٨٧): ((والقبائل العربية)) بالمهملة وبعد الراء موحدة ثم مثناة تحتية. وهو أظهر.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٥
كتابةُ الحدیثِ وضبطُه
فيها بخلاف الإعراب، ولأنها - كما قال أبو إسحاق إبراهيمُ بنُ عبد الله
النَّجِيرَميُّ : - أَوْلَى الأشياءِ بالضَّبْطِ، قال: ((لأنها لا يدخلُها القياسُ، ولا قبلَها
ولا بعدَها شيءٌ يدلُّ عليها))(١). وما لعلّهُ يُقال في ردّ هذا التعليل من كون
الراوي عن ذاك الملتبسٍ أو شيخِه مما يدلُّ عليه، قد يُجابُ عنه(٢): بأن ذلك
إنما هو بالنَّظَر للعالِم به، والكلامُ فيما هو أَعمّ منه.
وممن كان يَخُضُّ على الضَّبط حمادُ بنُ سلمة، وعفان، كما حكاه عنهما
عیاض(٣).
(وَلْيَكُ) - بسكون اللام كما هو الأكثر فيها، مثل ﴿ وَلْيُؤْمِنُواْ بِى﴾ (٤) - ٥٦٣
ضَبْطُه للمُشكِل من الأسماءِ والألفاظِ (في الأَصْل، و) كذا (في الهامش) مُقَابِلَه،
حسبما جرى عليه رَسمُ جماعةٍ من أهل الضَّبط، لأن جَمْعَهما أبلغُ في الإِبانَة،
وأبعدُ من الالتباس، بخلافِ الاقتصارِ على أولهما، فإنه رُبَّما داخَلَهُ نَقْط أو
شَكْلٌ لغيرِه مما فوقه أو تحته فيحصُل الالتباس، لا سيما عند دقةِ الخطّ،
وضيقِ الأسطر، قاله ابنُ الصلاح(٥) تبعاً لعياض (٦).
وَلْيَكُ ما بالهامش من ذلك (مع تَقْطِيعِه الحروفَ) من المُشكِل (فهو أنفع)
وأحسنُ، وفائدتُه: أنه يُظهِر شَكْلَ الحرف مفرداً في بعض الحروف كالنون
(١) أخرجه عبد الغني في ((مقدمة المؤتلف والمختلف)) (ص٢)، ومن طريقة الخطيبُ في
((جامعه)) (٢٦٩/١)، وعياض في ((الإلماع)) (١٥٤). والسمعاني في ((أدب الإملاء))
(١٧٢) وسيعيده المصنف (٢٢٢/٤) معزواً لعلي بن المديني.
والنَّجِيرمي: بفتح النون وكسر الجيم بعدها مثناة تحتية ثم راء مفتوحة ثم ميم. نسبة
إلى (نَجِيرم) ويقال: (نَجَارم) وهي محَلَّة بالبصرة. ((الأنساب)) (٤٢/١٣). وذكر ياقوت
في ((معجم البلدان)) (٢٧٤/٥) أن الجيم مفتوحة، وأنه يُروى كسرها.
وأبو إسحاق المذكور، أديب من الكتاب، وهو صاحب كتاب: ((أَيمان العرب في
الجاهلية))، ومات حوالي سنة ٣٥٥ (معجم الأدباء)) (١٩٨/١) و((الأعلام)) (٤٢/١).
(٢) يعني: أن من قال: إن الاسم الملتبسَ يُستدل عليه بمعرفة اسم تلميذه أو شيخه.
يجاب عنه ... إلخ.
(٣) في ((الإلماع)) (١٥٥). وأخرجه عنهما الخطيب في ((جامعه)) (٢٧٧/١)، وأيضاً في
((الكفاية)) (٢٤٢).
(٤) سورة البقرة: الآية ١٨٦.
(٦) في ((الإلماع)) (١٥٧).
(٥) في ((علوم الحديث)) (١٦٣).

كتابةُ الحديثِ وضبطُه
٢٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
والياء التحتانية، بخلافٍ ما إذا كُتبت مُجتمعةً والحرفُ المذكورُ في أولها أو
وسطِها. وهو وإن لم يُصرِّحا به فقد فعلَه غيرُ واحدٍ من أهل الضَّبط. نعم نقلَه
الزَرْكَشي(١) عن عياض، وهو إمَّا سَهوٌ، أو رآه في غيرِ ((الإلماع)).
وممن نَصَّ عَليه وحكاه عن المُتْقِنِين: ابن دقيق العيد، فقال في
(الاقتراح)): ((ومن عادة المُتْقِنِين أن يُبَالِغوا في إيضاح المُشكِلِ فَيُفَرِّقُوا حروفَ
الكلمةِ في الحاشية، ويَضْبِطُوها حرفاً حرفاً))(٢)، فلا يبقى بعده إشْكالٌ.
ومما يُنبّه عليه شيئان:
أحدهما: أنه ينبغي التيقُّظُ لما يقعُ من الضبط نقطاً وشَكْلاً في خط الأئمةِ
بغير خطوطِهم ولو كان صواباً فضلاً عن غيرِهِ، فإن ذلك مما يَخْفى، وربما لا
يُمَيِّزُه الخُذَّاقُ، ويا فضيحةَ مَن اعتمد صنيعَه بقصدِ التخطئةِ للأئمة.
الثاني: قد استَثنى ابنُ النَفِيس مما تقدم القرآنَ الكريمَ، وقال: ((إنَّ الأَوْلى
تَجْرِيدُه عن الإِعجام والإِعراب، لأن هذه جميعَها زوائدُ على المتن))(٣). وبما
تقرَّر في كون دقة الخط قد تَقْتَضي الالتباسَ كان إيضاحُه مما يَتِمُّ به الضبط.
٥٦٤
(وَيُكْرَه) كراهةَ تنزيهِ (الخَطَّ الدقيقُ) أو الرَقِيقُ لا سيما والانتفاعُ به لِمَنْ
يقعُ له الكتاب - ممن يكون ضعيفَ البَصر أو ضعيفَ الاستِخراج - ممتنعٌ أو
بَعِيدٌ، بل ربما يَعيش الكاتبُ نفسُه حتى يَضْعُفَ بَصَرُه. ولذلك كان شَيخُنا يحكي
أنَّ الذي يكتُب الخطّ الدقيقَ ربما يكون قصيرَ الأملِ، لا يُؤَمِّل أن يعيشَ طويلاً .
وأقول: بل ربما يكون طويلَ الأملِ حيث تَرَجَّى من فضل الله أنه ولو(٤)
عُمِّر لا يَشُقُّ عليه قراءةُ الخطّ الدقيق.
(١) هو الإمامُ العلّامةُ أبو عبدِ الله بدرُ الدين محمدُ بنُ عبدِ الله بنِ بَهَادُر مات سنة ٧٩٤،
((الدرر الكامنة)) (٣٩٧/٣)، و((حسن المحاضرة)) (٤٣٧/١). وذَكَر الأولُ أنه شرح
((علوم الحديث)) لابن الصلاح، وقال الثاني: إن له نُكَتاً على (ابن الصلاح). فلعل ما
أشير إليه هنا فيه. والله أعلم.
(٢) ((الاقتراح)) (٢٨٦).
(٣) لعله في كتابه: ((طريق الفصاحة)) كما مضى في ترجمته (ص٥) من هذا الجزء، والله أعلم. وما
ذكره ابن النفيس هنا ليس أولى؛ لما في الإعجام والإعراب من الإعانة على النطق السليم.
(٤) كذا. والأَوْلى: حذف الواو.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٧
كتابةُ الحديثِ وضبطَه
ثم إنه لا يَمنع الحكمَ بالكراهةِ ما اقتضاه كلامُ الحُكماء في كَونه رياضةً
للبصر، وتَدْمِيناً له، كما يُرَاضُ كلُّ عُضْوٍ من أَعضاء البَدَن بما يخُصّه، وأنّ من
لم يَفعلْ ذلك وأَدْمَنَ على سواه يصعبُ عليه معاناتُه، فمن يَتْرك المَشيَ، أو لا
يَشُم إلا الروائحَ الطيبة فإنه يَشُق عليه كلٌّ مِن تعاطي المَشي، وشمِّ الرائحة
الكريهة مشقةً شديدةً بخلاف مَنِ اعْتَاده أحياناً. ولا فِعْلُ(١) جمَاعةٍ لذلك - حتى
بَعدَ تَقَدُّمِهم في السن - منهم الحافظان: الشمسُ ابن الجَزَري، والبُرهان
الحلبي(٢)، ومنهم من المُتقدمين: أبو عبد الله الصُوري، كتب ((صحيح
البخاري)) و(مسلم)) في مجلدٍ لطيف، وبِيعَ بعشرين ديناراً، كما ذكَرَه ابنُ
عساكر(٣). فالمشقةُ بذلك هي الأغلب. وقد قال الإمام أحمدُ بن محمد بنٍ
حنبل لابن عمه حنبل بن إسحاق بن حنبل - ورآه يكتب خطاً دقيقاً -: (لا
تفعلْ، فإنه يخونُك أحوجَ ما تكون إليه)). رواه الخطيب في ((جامعه)) (٤). وساق
فيه أيضاً عن أبي حُكَيمةَ قال: ((كُنا نكتب المصاحف بـ((الكوفة)) فيمرُّ بنا عليُّ بن
أبي طالب فيقومُ علينا فيقول: ((أَجِلَّ قَلَمَكَ)). قال: فَقَطَْتُ منه، ثم كتبتُ
فقال: ((هكذا نَوِّروا ما نوَّر الله رَى)))(٥). (إلا) أن تكون دقةُ الخط (لِ) عُذرٍ
(١) أي: ولا يمنع الحكمَ بالكراهة أيضاً فِعْلُ .. إلخ.
(٢) أما ابن الجَزَري فهو: محمد بن محمد بن محمد بن علي، أبو الخير شيخ الإقراء في
زمانه. مات سنة ٨٣٣، له ترجمة في كتابه ((غاية النهاية)) (٢٤٧/٢)، وفي ((الضوء
اللامع)) (٢٥٥/٩) وغيرهما .
وأما البرهان فهو: إبراهيم بن محمد بن خليل، أبو الوفاء، الإمام العلامة. مات سنة ٨٤١.
(لحظ الألحاظ)) (ص٣٠٨)، و((الضوء اللامع)) (١٣٨/١) وهو مشهور بـ(سبط ابن العجمي).
(٣) ذكر الخطيب البغدادي في ((تاريخ بغداد)) (١٠٣/٣) أن الصوريَّ هذا كان دقيقَ الخط،
صحيحَ النقل، وقال: (حدثني أنه كان يكتب في وجه ورقة من أثمان الكاغد
الخراساني ثمانين سطراً)).
وذكر الذهبي في ((السير)) (٦٢٩/١٧) عن السِّلفي أن الصوري كتب ((صحيح البخاري))
في سبعة أطباق من الورق البغدادي. هذا ولم أقف على ما عُزي لابن عساكر.
والصوري هو الإمام الحافظ محمد بن علي بن عبد الله. مات سنة ٤٤١. المصدرين
السابقين.
(٤) (٢٦١/١).
(٥) المصدر السابق (٢٦٠/١) وأبو حكيمة كتبت في (س) بفتح الحاء، وضبطها ابن =

كتابةُ الحدیثِ وضبطُه
٢٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
(ضِيقِ رَقُّ) - بفتح الراء - وهو القِرطاس الذي يُكتب فيه - ويقال له: الكاِدَ(١)
أيضاً - بأن يكون فقيراً لا يجد ثمنَه، أو يجدُ الثَّمَنَ ولكن لا يجد الرَّقَّ (أو
لِرَحَّالٍ) مسافرٍ في طلب العلم يريد حَمْلَ كُتُبِهِ معه، فيحتاج - إما لِفَقْرِه، أو
لكَونِه أضبطَ - أن تكونَ خفيفةَ الحَمل. قال محمد بن المسيب الأَرْغِيَاني: (كنت
أمشي بـ((مصر)) وفي كُمِّي مائةُ جُزْءٍ في كل جزء ألفُ حديث)(٢). (فلا) كراهةَ
حيثُ اتَّصف بواحدٍ مما ذُكر فضلاً عن أكثرَ، كأنْ يكونَ فقيراً رحّالًا، وأكثرُ
الرحّالين - كما قال الخطيب(٣) : - يَجتمعُ في حاله الصفتانِ اللتان يقوم بهما
العذرُ في تَدْقيق الخط، يعني كما وقع لأبي بكرٍ عبدِ اللهِ بنِ أحمدَ بن محمد بن
رُوزْبَه الفارسي(٤) - وكان يكتبُ خطاً دقيقاً - حيثُ قيل له: لِمَ تفعلُ ذلك(٥)؟
فقال: (لقِلَّة الوَرَق والوَرِق، وخِفَّةِ الحَمْل على العُنُقِ)) (٦). ولكن قال الخطيب:
((بلغني عن بعض الشيوخ أنه كان إذا رأى خظًّا دقيقاً قال: هذا خظُ من لا يُوقِن
بالخَلَف من الله تعالى) (٧)، يشير إلى أن داعيةَ الحرصِ على ما عنده من الورَق
أَلْجَأتْه لذلك، إذْ لَوْ كان يعلمُ أنه مُستَخْلَفٌ لوَسَّع.
٥٦٥
(وشَرُّهُ) أي الخظُ (التعليقُ) وهو - فيما قيلَ : - خَلْطُ الحروفِ التي ينبغي
تفرقتُها، وإذهابُ أَسْنان ما ينبغي إقامةُ أسنانِهِ، وطَمْسُ ما ينبغي إظهارُ بياضِه.
(و) كذا (المَشْغُ) بفتح أوله وإسكان ثانيه وهو خِفَّةُ اليدِ، وإرسالُها، مع بَعْثَرَةِ
ماكولا في ((الإكمال)) (٤٩٤/٢) بضمها مع فتح الكاف، ولم يذكر له اسماً. وسمَّاه
=
الدكتور الطحان عند تحقيقه (الجامع الخطيب)) (٢٦٠/١) عصمة. وليس كذلك، فقد
فرّق ابن ماكولا بينهما، فلم يذكر للأول اسماً. وذكر عصمة (٤٩٥/٢)، والله أعلم.
(١) بكسر الغين المعجمة وفتحها. فارسيّ معرّب. ((القاموس)).
(٢) أخرجه الخطيب في ((جامعه)) (٢٦١/١). والأَرْغِيَاني - كما في ((الأنساب)) (١٨٥/١) -
بفتح الألف وسكون الراء وكسر الغين المعجمة وفتح المثناة التحتية وآخره نون: نسبة
إلى (أَرْغِيان) ناحية من نواحي نيسابور. وللحافظ الأَرْغِياني هذا ترجمةٌ في ((الأنساب))
(١٨٧/١)، و((السير)) (٤٢٢/١٤). وكانت وفاته سنة ٣١٥.
(٣)
في «جامعه» (٢٦١/١).
(٤) المتوفى بعدَ سنة ٣٨٠. ((كشف الظنون)) (٣٣٧/١)، و((هدية العارفين)) (٤٤٨/١).
(٥)
في (س) و(م): لم تفعل؟
(٧) ((الجامع))، للخطيب (٢٦١/١).
(٦) ينظر ((أدب الإملاء)) (ص١٦٩).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٢٩
كتابةُ الحديثِ وضبطُه
الحُروف، وعَدمُ إقامةِ الأَسْنان، كما كان شيخُنا يحكي أن بعضَهم كان يقولُ
لمن يراه يكتُب كذلك: ((تَكْتُبُونَ تَمْشُقُون، تُضيعون الكاِدَ؟!)).
فيجتمعان في عَدم إقامةِ الأَسْنان، ويختصُّ التَعليقُ بِخَلْطِ الحروف
وضمها .
والمشقُ بِبَعْثَرتها وإيضاحِها بدون القانون المألوف. وذلك - كما قال
بعضُ الكُتّاب : - مَفْسَدة لخطّ المُبتدئ، ودالٌّ على تَهاوُنِ المُنْتهي بما يكتب (١).
غيرَ أنهم يستعمِلون المَشْقَ والتعليقَ وإغفالَ الشّكلِ والنّقطِ في المكاتبات.
قال المَاوَرْدِيُّ في ((أدب الدنيا والدين)(٢): ((وهو مستحسَنٌ فيها، فإنهم
لفَرطِ إذْلالِهم بالصَّنعةِ، وتَقدُّمِهم في الكتابة يكتفُون بالإشارة، ويقتصرون على
التلويح، ويرون الحاجةَ إلى استيفاء شروط الإِبانة تَقْصِيراً)). قال: ((وإن كان
كل ذلك في كَتْب العلم مُستَقْبَحاً)(٣) .
(كما) أَنَّه (شَرُّ القراءةِ إذا ما) أي إذا (هَذْرَمَا) - بالمعجمة -: أي أسرعَ
بحيثُ يَخفى السماعُ. فقد روى الخطيبُ في ((جامعه)) من طريق أبي محمدٍ ابن
دَرَسْتُويه عن عبد الله بن مُسلم بن قُتَيْبَةَ الدِّيْنَوَرِيّ فيما حكاه عن عُمَر بن
الخطاب ظُبه أنه قال: ((شَرُّ الكتابة: المَشقُ، وشَرُّ القراءة: الهَذْرَمَةُ، وأَجْوَدُ
الخطّ: أَبْيَنُه (٤)). وعنده أيضاً عن عليّ قال: ((الخط علامة فكلما كان أَبينَ كان
أحسنَ))(٥) .
وعن ابنٍ قُتيبة - أيضاً - عن إبراهيمَ بنِ العباس قال: ((وَزْنُ الخطِّ وَزْنُ
القراءة، أَجودُ القراءة أَبِينُها، وأَجْودُ الخط أَبْنُه))(٦) .
وحينئذٍ فُيُستَحب له تَحقيقُ الخط، وهو أن يُمَيِّزَ كلَّ حرفٍ بصورته المُمَيزة
له بحيث لا تَشْتبه العينُ الموصولةُ بالفاء أو القاف، والمفصولةُ بالحاء أو
لكاتبه: ((أَطِلْ جِلفةَ قَلَمِك وأَسْمِنْها، وأَيْمِنْ قَطَّتك
الخاء. وقد قال عليّ
(١) ينظر ((صبح الأعشى)) (١٤٠/٣).
(٢) في (س) و(ح): ((أدب الدين والدنيا)). وما أُثبت هو الاسم المشهور لكتاب
الماوردي.
(٣) ((أدب الدنيا والدين)) (٧٢).
((الجامع)) (٢٦١/١).
(٥)
(٤) ((الجامع)) (٢٦٢/١).
(٦) المصدر السابق (٢٥٦/١).

كتابةُ الحديثِ وضبطُه
٣٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وحَرِّفْها، وأَسْمِعْني طنينَ النون، وخريرَ الخاء. أَسْمِنِ الصادَ، وعرّج العينَ،
واشقُق الكافَ، وعظّم الفاءَ، ورتِّل اللامَ، وأَسْلس الباء والتاء والثاء، وأقم
الواو على ذَنَِها، واجعلْ قلمَكَ خلفَ أُذنك فهو أَجودُ لك)). رواه الخطيب
وغیرُه(١) .
وليس المرادُ: أن يصرفَ زمنَه في مزيد تَحْسينِهِ، ومَلَاحةِ نَظْمه لحصولِ
الغرض بدونه. بل الزمنُ الذي يصرفُه في ذلك يشتغلُ فيه بالحِفِظِ والنظرِ،
وليست رَدَاءَةُ الخط التي لا تُفضي إلى الاشتباه بقادحةٍ، إنما القادحُ الجهلُ.
ولذا بلَغنا عن شيخِنا العلامةِ الرَبّاني الشهابِ الحِنّاوي: أن بعضَهم رآه يلازمُ
بعضَ الكُتّابِ في تعلُّم صناعتِه، فقال له: ((أَرَاك حَسَنَ الفَهْم فَأَقِل على العلمِ،
ودَعْ عنكَ هذا، فإنّ غايتكَ فيه أن تَصِلَ لشيخِك، وهو - كما ترى - مُعلِّم
كُتَّاب، أو نحوُ هذا. وأُوشِكُ إنِ اشْتغلتَ بالعلم تَسُودُ في أَسْرعِ وقت)). قال:
((فَنفَعني اللهُ بذلك))(٢)، مع بَرَاعَتِهِ في الكتابة أيضاً.
ونحوُهُ: مَنْ رَأَى البدرَ البَشْتَكِيَّ عند بعض الكُتّاب، ورأى قُوةَ عَصْبِهِ،
وسرعةً كتابتِه، فسأله: كم تكتُب من هذا كلَّ يوم؟ فَذَكر له عِدةَ كَراريس. فقال
له: «الْزَمْ هذا، واترُك عنك الاشتغالَ بقانون الكِتاب، فإنك ولو ارتقَيتَ لا
تنهضُ في الكتابةِ كلَّ يوم بما تُحَصِّلُهُ من كتابتِك الآن))(٣)، فَأَعرَضَ عن التعلّم
ففاق في سرعة الكتابة.
(١) أخرجه الخطيب في ((جامعه)) (٢٦٣/١)، وفيه: ((يكن أَذْكرَ لك)) بدل: ((فهو أجود
لك)). والجلفة - بكسر الجيم، وتفتح ــ كما في ((القاموس)): ما بين مَبْرى القلم إلى
◌ِنَّته.
ونسبة هذا الكلام إلى علي ظُه واهية لأن في سنده - عند الخطيب - مُتَهَمَيْن:
محمد بنَ الحسن بنِ زياد النقاش، والهيثمَ بن عدي.
(٢) ((الضوء اللامع)) (٦٩/٢) في ترجمة شيخِه شهاب الدين أحمدَ بنِ محمدِ بنِ إبراهيمَ
الحِنّاوي المتوفى سنة ٨٤٨.
(٣) أي الْزَم سُرعةَ الكتابة واتْرُك عنك المبالغةَ في تَزْوِيقِها وتَحْسِينها. وقد ذكر السخاويُّ
القصةَ الآنفةَ في ((الضوء اللامع)) (٢٧٨/٦) في ترجمة الشاعر الأديب بدر الدين
محمد بن إبراهيم به. محمد البَشْتكي - بفتح الموحدة وسكون المعجمة وفتح المثناة
التحتية - المتوفى سنة ٨٣٠.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣١
كتابةُ الحديثِ وضبطُه
وَمَحَلُّ ما زاد على الغَرَض من ذلك محلُّ ما زاد على الكلام المفهومِ
من فصاحةِ الألفاظ. ولذلك قالت العرب: ((حسنُ الخط إحدى
الفصاحتين))(١).
وما أحسن قولَ القائل(٢):
واغفر رَدَاءَتَهُ لجَودةِ ضَبْطه
اعذُرْ أخاك على رَدَاءَةِ خَطّه
ونظامِه إلا إقامةُ سِمْطِه(٣)
والخظُ ليس يُرَادُ من تعظيمه
كانت مَلَاحَتُه زِيَادَةَ شَرْطِه
فإذا أَبَانَ عن المعاني خَظُه
وَلْيَتجنّبِّها بعدَ العَصْرِ، لِمَا ثبتَت الوصيةُ به من بعض الأئمة (٤).
والكتابةُ بالحِبْر أَولى من المِدَاد(٥)، بل ومن ماء الذهب، ومن الأحمر، لأنه
(١) أورده الماوَرْدِيُّ في ((أدب الدنيا والدين)) (٦٩). ونحوه في ((أدب الكُتاب)) للصولي
(ص٥٣)، وأخرج السمعانيُّ في ((أدب الإملاء)) (١٦٦) عن أبي دُلَف: ((جودةُ الخطّ
إحدى الحُسْنَيين)).
(٢) قال الماوَرْدي في ((أدب الدنيا والدين)) (٦٩): ((وأنشدني بعضُ أهل العلم لأحد شعراء
البصرة ... )).
(٣) ((السِّمط)) - بكسر المهملة -: الخيطُ ما دام فيه الخَرَز. ((مختار الصحاح)).
(٤) ذكر المصنفُ في ((المقاصد الحسنة)) (٣٩٩) أن الإمامَ أحمدَ قد أوصى بعضَ أصحابه
أن لا ينظرَ بعد العصر في كتاب. ثم قال: ((أخرجه الخطيبُ أو غيره)). وقد جاءَ في
هذا حديثٌ لا أصلَ له في المرفوع - كما في ((المقاصد الحسنة)) (٣٩٩) - بلفظ: ((من
أكرم حَبِيبتَيه فلا يكتبْ بعد العصر)). ونحوُه في ((الأسرار المرفوعة في الأخبار
الموضوعة)) (٣٢٥) لمُلا علي القَارِي، قال القاري: ((ولعل المعنى بعدَ خُروج العصر
من غيرِ أنْ يكونَ سراجٌ عنده)).
قلت: والمراد من نَهْي مَنْ نَهَى عن الكتابة بعد العصر ألا يكتبَ المرءُ أو يقرأَ في مكانٍ
ليس فيه إضاءةٌ جيدة خشيةً على عينيه دون التفات لزمانها، وإنما خَصُّوا بعد العصر لأنه
ليس ليلاً فيوقدُ السراج، ولا نهاراً منيراً فيُكتفَى بنوره. ووصيتهم تلك قد أوصى بها
الشرع ضمنَ عموم قوله وَلّ: (( ... وإن لنفسك عليك حقاً))، أخرجه الشيخان
وغيرُهما، وعموم قوله وَله: ((فإن لعينك حظاً، ولنفسك حظاً، ولأهلك حظاً))، وفي
رواية: ((لعينك حق ولنفسك حق ولأهلك حق))، رواهما مسلم في ((الصيام)): باب
النهي عن صوم الدهر لمن تضرر .... ))، كما أوصى بها الأطباء أيضاً.
(٥) في حاشية (س): (المِدَادُ: هو الحِبْرُ المُجَفَّف، ثم حينَ الكتابةِ يُذَابُ).

کتابُ الحدیثِ وضبطُه
٣٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
أَثْبتُ، بل قال بعضُ الحنفية: ((إن الكتابةَ بالأحمر شعارُ الفلاسفة والمجوس (١).
ويكونُ الحِبرُ برّاقاً جارياً، والقرطاسُ نَقِيّاً صافياً. قالوا: ولا يكونُ القلمُ
صُلْباً جِدّاً فلا يجري بسرعة، ولا رُخْواً جدّاً فَيَحْفَى سريعاً(٢)، وليكن أَمْلَسَ
العُودِ، مُزَالَ العُقود - فقد قيل: إن القلم الذي بآخره عُقدة يورث الفقر. حكاه
صاحِبُ ((تاريخ إِرْبِلَ))(٣) عن بعض شيوخه (٤) - واسعَ الفَتْحةِ، طويلَ الجَلْفة،
محرَّف القَّة من الجانب الأيمن إن لم يكن ممَّن عادتُه الكتابةُ بالمدوَّر. وما
يَقُظُّ عليه صُلباً جداً. ويُحْمَدُ القَصَبُ الفَارِسي، وَخَشَبُ الآبِنُوس الناعمُ،
وسكينُ قلمه أحدَّ مِنَ المُوسى، صافيةَ الحديد، ولا يستعملها في غيره. كما
بَيَّن أكثرَه الخطيبُ في ((جامعه))(٥).
وَلا يَتَورَّعْ مِنْ (٦) كتابةِ الشيء اليسير من مَحْبَرة غيرِهِ بدون إذنه، إلا إِنْ
عَلِمَ عَدمَ رضاه. فقد قال محمدُ بن إبراهيم أبو جعفر الأَنْمَاطي - مُرَبَّعٌ(٧) -:
((كنت عند الإمام أحمدَ بنِ حنبل - وبين يديه مَحْبرة - فَذَكر حديثاً، فاستأذنتُه أن
أكتبَه منها، فقال لي: ((اكتُبْ يا هذا، فهذا وَرَعٌ مُظْلم(٨).
ولأجل الخوفِ من الاحتياج لِضَبْطِ الفوائد ونحوِها قيل: مَن حضر
المجلسَ بلا محبرة فقد تعرّض للكدية (٩).
(١) عزا المصنفُ هذا القولَ (ص٨٣) من هذا الجزء لتلميذ صاحب ((الهداية)) من الحنفية
فانظره هناك.
(٢) من الحفى - بالحاء المهملة والفاء مقصور -: رقة القدم من كثرة المشي حافياً
(الصحاح - حفا). والمقصود هنا: فيتآكل القلم سريعاً.
(٣) (١٣٦/١)، وصاحبه هو: العلامة المحدِّثُ أبو البركات المباركُ بن أحمد اللَّخْمي الإرْبِلي
الكاتب، عُرف بابن المُسْتَوفِي، مات سنة ٦٣٧. ((التكملة)) (٥٢٢/٣)، ((والسير)) (٤٩/٢٣).
(٤) هو أبو حامد محمد بن رمضان التبريزي.
(٥) (٢٥٧،٢٥٤/١). وانظر: ((أدب الإملاء)) (١٥٧ - ١٦٣).
(٦) في (س) و(م): عن. وكلاهما صحيح.
(٧) آخره موحدة ثم مهملة على وزن معظّم. لقب لمحمد هذا، لقَّبَهُ به صاحبُه يحيى بن
معين. انظر: ترجمة (مربع) في ((تاريخ بغداد)) (٣٨٨/١).
(٨) أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٨٨/١)، ومن طريقه السمعاني في ((أدب الإملاء)) (١٥٧).
(٩) كذا في النسخ وجاء في ((القاموس)) مادة (كدى): (الكدية - بالضم -: شدة =

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٣
كتابةُ الحدیثِ وضبطُه
وعن المُبَرد قال: رأيتُ الجاحظَ يكتب شيئاً فتبسم، فقلت: ما
يضحكك؟ فقال: ((إذا لم يكن القِرطاسُ صافياً، والمِدَادُ نامياً، والقَلم مُوَاتياً،
والقلبُ خالياً، فلا عليك أنْ تكونَ عَانِياً))(١).
وكما يهتم بضبط الحروف المعجمة - كما تقدم قبل المسألة التي انجرّ
الكلام إليها - بالنَّقْط: كذلك يهتم بضبط الحروف المهملة جليِّها وخفيِّها، أو
خَفِيِّها فقط - كما اتضح هناك - بعلامةٍ للإهمال تدلُّ على عدم إعْجامها، إذْ
ربما يحصلُ بإغفاله خَلَطٌ، كما يُحْكَى أنَّ بعضَهم أمر عاملاً له في رسالة أن
يُحْصِي مَنْ قِبَلَه من المُخَنَِّين، ويأمرَهم بكَيْتَ وكيتَ. فَقَرَأَهَا بالخاء المعجمةِ،
فاشتدَّ البلاءُ عليهم بذلك إلى أنْ وُقفَ على حقيقته (٢).
(وَيُنْقَطِ) الحرفُ (المهمل) كالدال، والراء، والصاد، والطاء، والعين، ٥٦٦
ونحوِها - (لا الحا). بالقصر - بما فوق الحرف المعجَم المُشَاكِلِ له (أسفلا)
أي: أسفلَ الحرفِ المهمل.
ولم يُصرِّحِ ابنُ الصلاح - تبعاً لعياضٍ - باستثناء الحاء، اكتفاءً بالعِلَّة في
القَلْب وهي تحصَيلُ التمييز، فمتى كان مُوقِعاً في الالتباس لم يحصل الغرض،
والحاء إذا جعلت نقطة الخاء المعجمة تحتها التبست بالجيم. وحينئذٍ فتركُ
العلامةِ لهذا الحرفِ علامةٌ. ويشيرُ إلى هذا قولُ الزَّرْكَشِي: ((خَرَجَ بقوله:
((فَوق)) ما إذا كان النقطُ تحتُ فلا يستحب، وذلك كالحاء فإنها لو نُقِطت من
تحتها لالتبستْ بالجيم (٣)). وقال البُلْقِيني: ((إنما تَرَكَ الحاءَ لوضوحها)) (٤).
وليس هذا الاصطلاح بالمتفَق عليه بينهم، ولذا قال عياضٌ: ((وسبيلُ
= الدهر، ... والصَّفاةُ العظيمة الشديدة ... وَسَالَهُ فَأَكْدى: وَجَدَه مثلَها)، يعني مثل
الصَّفاة. فلعل المرادَ هنا: أنه يُعَرِّض نفسَه لسؤال الناس بإلحاح. فيهون ويذل.
(١) أخرجه الخطيب في ((جامعه)) (٢٥٧/١)، والسمعاني في ((أدب الإملاء)) (١٦٣).
والعاني: الأسير.
(٢) ((تصحيفات المحدثين)) القسم الأول (ص٧١) وفيه أنَّ الخليفةَ سليمانَ بنَ عبد الملك
كتب بذلك إلى وَالِيه على (المدينة) أبي بكر بن عَمرو بن حَزم.
(٣) ((النُّكَت)) على ((مقدمة ابن الصلاح)) للزِّرْكَشي (٥٧٤/٣).
(٤) لم أره في ((محاسن الاصطلاح)). فلعلّه قاله في غيره.

كتابةُ الحديثِ وضبطُه
٣٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الناس في ضبطها مُختلفٌ(١))، يعني: فمنهم من يسلكُ هذا (أو) - كما لبعضٍ
أهل المشرق والأندلسِ مما قاله عياضٌ أيضاً - (كَتْبُ) أي يُكتب نظيرُ (ذاك
الحرفِ) المهملِ، المتصلِ أو المنفصلِ (تحتُ) أي تحتَه (مَثَلاً) - بفتحتَين -
أي على صفتِه سواءٌ كان شبيهاً له في الاتصال والانفصال، وفي القَدْر، أو
لا. غيرَ أَنَّ كونه أصغرَ منه ومجوّداً أَنْسبُ، ولذا قال ابنُ الصلاح: ((يُكتبُ
تحت الحاء المهملة حاءٌ مفردة صغيرةٌ وكذا يُكتب تحتَ كلٍّ من الدال،
٥٦٧ والصاد، والطاء، والسين، والعين صفتُها صغيرةً))(٢). (أو) يُجعل (فوقَه) أي
المهملِ (قُلامةٌ) كقُلَامة الظُّفر مُضْجَعةً على قَفاها، لتكونَ فُرجتُها إلى فوق،
ولأجل ذلك - فقط - مُثِّلتْ بالقُلَامة. إذ المُشاهد في خطّ كثيرين لا يشابِهُها
من كل وجه، بل هي منجمعةٌ ((٧)) هكذا من أسفلها(٣). (أقوالٌ) ثلاثة. وأولُها
يقتضي أن يكونَ النَّقْطُ من أسفلَ كهيئتِهِ من فوقُ، بحيثُ يكون ما تحت السين
المهملة كالأَثَافِي - وهي بالمثلثة وتشديد التحتانية وقد تُخَفف: ما يوضع عليه
القِدْر من حديدٍ وحجارة وغيرِهما في سَفَر وغيرِه - لكنَّ الأنسبَ والأبعدَ عن
اللبس قلبُها فتكون النقطتان المحاذيتان للمعجمةِ من فوقُ: محاذيتَين للمهملةِ
من أسفلَ.
(والبعضُ)(٤) ممن اصطلح على النَّقْط (نَقْطُ السين صفّاً) واحداً يُصَف
تحتَها (قالوا) أي قالوه، لئلا تزدحمَ النُقطةُ أو النقطتان مع ما يحاذيها من
السطر الذي يليها، فَيُظْلِمُ، بل ربما يحصلُ به ◌َبْسٌ.
(وبعضُهم يخطُّ فوقَ) الحرفِ (المهمل) خطّاً صغيراً. قال ابنُ الصلاح:
((وذلك موجودٌ في كثيرٍ من الكتب القديمةِ، ولا يَفْطَنُ له كثيرون))(٥)، يعني
٥٦٨
(١) انظر: معناه في ((الإلماع)) (١٥٧)، وهو لفظ ابن الصلاح في ((علوم الحديث)) (١٦٤).
(٢) ((علوم الحديث)) (١٦٥).
(٣) يعني أنَّ تشبيهَها بقُلَامة الظفر المضجعةِ على قفاها ليس كاملاً، لأنَّ القُلامة - والحالةُ
هذه - تشبهُ الهِلَالَ، أما المُشَاهَد في خط الكثيرين فهو مُمَاثل لرسم العدد: (٧).
(٤) دخولُ ((ال)) على ((بعض)) لا يفيدها تعريفاً، لأنها موغلة في الإبهام.
ولعله أدخلها هنا لضرورة النظم.
(٥) ((علوم الحديث)) (١٦٥).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٥
كتابةُ الحديثِ وضبطُه
لكونه خفيّاً غيرَ شائع، ولذا اشتبه على العلاء مُغَلْطاي(١) الحنفي - حيث توقَّمَه
فتحةً لذاك الحرفِ - إذْ قرأ ((رِضْوَانَ)) بفتح الراء. وليست الفتحةُ إلَّا علامةَ
الإهمال. وكذا وَقَفَ على هذه العلامةِ للمهمل - في بعض الكتبِ القديمةِ
- المصنف(٢). (وبعضُهم) وهو طريقٌ خامس أو سادس(٣) (كالهمزِ تحتُ) أي
تحتَ المهمل (يَجْعَلِ) حكاه ابنُ الصلاح(٤) عن بعض الكتب القديمة. وإليه
أشار عياض بقوله: ((ومنهم مَن يقتصرُ تحت المهمل على مِثَالِ النَّبْرة))(٥). وهي
- كما ذكر الجوهري، وابنُ سِيْدَه -: الهمزة(٦).
بل حكى عياضٌ - أيضاً - عن بعض المشارقة أنه يجعلُ فوقَ المهملِ
خطًّا صغيراً يُشْبه النَّبْرَةَ(٥)، ويشبهُ أنْ يكونَ سادساً أو سابعاً - وإنْ تردَّدَ
المصنفُ(٧) أهو غيرُ الخطّ أو عَيْنُهُ(٨).
ووجدت أيضاً سابعاً أو ثامناً، فَرَوَى الخطيبُ في ((جامعه)) من طريق أبي
بكر بن أبي شيبة قال: ((سمعت عبدَ الله بنَ إدريس يقول: كتبتُ - يعني عن
شعبةَ - حديثَ أبي الحَوْرَاءِ - يعني عن الحسن بن علي ﴿ُهَا فَخِفْتُ أَن أُصَحِّفَ
فيه فأقولَ: أبو الجَوْزَاء - بالجيم والزاي - فكتبتُ تحتَه: ((حُورٌ عِيْنٌ))(٩). وكذا
(١) الحافظُ النسابة علاءُ الدين مُغَلْطاي بن قَلِيج بن عبد الله الحنفي، مات سنة ٧٦٢،
((الوفيات)) (٢٤٣/٢)، و((لحظ الألحاظ)) (ص١٣٣)، ومغلطاي: بضم الميم وفتح
الغين المعجمة وسكون اللام، وهناك من ضم الغين، وهناك من سكنها وفتح اللام.
وقليج: بالقاف والجيم، (الأعلام)) (١٩٧/٨).
(٢) ((شرح التبصرة والتذكرة) (١٢٤/٢).
(٣) بل خامس حتى الآن. لكنَّ المؤلفَ راعى احتمالَ عَدِّ (نَقْط السين صفاً) قولاً مستقلاً.
والله أعلم.
(٤) في ((علوم الحديث)) (١٦٥).
(٥) «الإلماع)) (١٥٧).
(٦) انظر: ((الصحاح)) مادة (نبر) للجوهري.
(٧) انظر: ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٢٤/٢).
(٨) قلت: فإن كان غير الخط فهو قول مستقل وإن كان عينه فيدخل ضمن القول الرابع
المتقدم.
(٩) ((الجامع)) (٢٧٠/١).
وأبو الحَوْراء - بالحاء المهملة والراء - هو رَبيعةُ بنُ شَيبان السَعدي.
وأما أبو الجوزاء - بالجيم والزاي ـ فهو أوس بنُ عبد الله الرَّبَعِي - بفتح الموحدة بعد =

كتابةُ الحدیثِ وضبطُه
٣٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ذَكَرَه أبو علي الغَسّاني(١)، وإليه أشار ابنُ دقيق العيد بقوله: ((وربما كتبوا ما
يدلّ على الضَّبْط بألفاظِ كاملة دالةٍ عليه)(٢) .
ونحوُهُ رَدُّ الدارقطني - وهو في الصلاة - على مَنْ قَرَأ عليه: نُسَيْر بن
ذُعْلُوق. بالياء بقوله: ((ن، والقلم) (٣) .
ووراءَ هذا من يقتصرُ في البيان على ما هو الأسلوب الأصليُّ لها، وهو
إخلاؤها عن العلامة الوُجودِيّة لغيرها من غيرِ زيادةٍ في ذلك. وهذا طريقُ مَنْ
لم يَسْلُكْ جانبَ الاستظهار، وهو طلبُ الزيادة في الظهور لأجل تحصيل
الشيء.
ونحوُه: مَنِ اصطلح في البيان مع نفسِه شيئاً انْفَرَدَ به عن الناس، لأنه
يُوقعُ غيرَه به في الحَيرة واللَّبْس، لعدم الوقوفِ على مُرَاده فيه. كما اتفق في
((رِضْوان))(٤).
قال ابنُ دقيق العيد: ((ولقد قرأتُ جزءاً على بعض الشيوخ، فكان كاتِبُه
يَعمل على الكاف علامةً شبيهةً بالخاء التي تُكتب على الكلمات دَلالةً على أنَّها
نسخة أخرى. وكان الكلامُ يساعد على إسقاط الكلمة وإثباتِها في مواضعَ.
فقرأتُ ذلك على أنها نسخةٌ. وبعد فراغ الجزء تَبَيَّنَ لي اصطلاحُه، فاحتجتُ
إلى إعادة قراءة الجزء))(٥) انتهى.
وربّ علامةٍ أَحْوَجَتْ إلى علامة حتى لفاعِلها، وحينئذٍ فلا ينبغي - كما
الراء - وبعدها عين مهملة.
=
نصّ على اسميهما عياضٌ في ((الإلماع)) (١٥٦). وانظر: ترجمتيهما في ((التهذيب)).
هذا وحديثُ الحسن بن علي ﴿مّ المشارُ إليه هو ما جاء فيه قولُهُ وَِّ: «إنَّا لا نأكلُ
الصدقةَ .. )) الحديثَ، أخرجه أحمدُ (١/ ٢٠٠) وغيرُه.
(١) نقله عنه عياض في ((الإلماع)) (١٥٥)، وأبو عليٍّ هذا هو الحافظُ الناقدُ الحُسين بن
محمد يُعرف بالجَيَّاني أيضاً، صاحبُ كتاب ((تَقْبِيد المُهْمل))، وهو من علماء الأندلس
توفي سنة ٤٩٨، ((الصلة)) (١٤٢/١)، و((السير)) (١٤٨/١٩).
(٢) ((الاقتراح)) (٢٨٧).
(٣) أخرجه الخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٣٩/١٢)، وذكره الذهبي في ((تذكرة الحفاظ)) (٣/
٩٩٤).
(٤) الماضي قريباً ذكرُ قصة مغلطاي فيها. (٥) من ((الاقتراح)) (٢٨٨).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٧
كتابةُ الحديثِ وضبطُه
قال ابنُ الصلاح(١) : - أن يأتيَ باصطلاح غيرِ مألوف.
(وإنْ أَتَّى بِرمز راوٍ) في كتاب جمعَ فيه - على الكيفية الآتيةِ في ترجمةٍ ٥٦٩
معقودةٍ لذلك(٢) - بَيْنَ الروايات التي اتصَلَ له الكتابُ منها، كالبخاري - مثلاً -
من رواية الفَرَبْري(٣)، وإبراهيمَ بنِ مَعقِلِ النَّسَفِي(٤)، وحمادِ بنِ شاكر
النَّسَوي(٥)، وأبي طلحةَ منصورٍ بنِ محمد البَزْدَوِي(٦)، كلَّهم عن البخاري، بأنْ
جعلَ للفِرَبْري - مَثَلاً -: ف، وللنَّسَفِي: س، ولحماد: ح، وللبَزْدوي: ط، أو
لبعضِهم بالحُمرة، ولآخرٍ بالخُضرة، أو نحوَ ذلك مما اصطلحه لنفسه، ولم
يُفصخ بِذِكْر الراوي بتمامه - إيثاراً للتخفيف فيما يتكرر، كما اختصروا: حدثنا،
وأخبرنا، ونحوَهما، أو ابتَكَر اصطلاحاً في المهمل ـ (مَيَّزَا. مُرَادَه) بتلك الرموزِ
والعلاماتِ في أولِ الكتاب أو آخرِه - إنْ كانَ في مجلّد واحدٍ - وإلّا ففي كلّ
مجلد، كما فعل كلٌّ من أَبِي ذَرِ(٧) - إذْ رَقَمَ لكلٍّ من شيوخه الثلاثة: أبي
إسحاقَ المستملي(٨)، وأبي محمد السَّرْخَسي(٩)، وأبي الهَيثم الكُشْمِيهَني(١٠) -،
والحافظِ أبي الحُسين اليُونِينِيّ(١١) إذْ رقم للرواياتِ التي وقعتْ له، في آخرين
(١) في ((علوم الحديث)) (١٦٥).
(٢) (ص٨٣) من هذا الجزء. تحت عنوان: (كيف العمل في الجمع بين اختلاف الروايات؟).
(٣) هو المحدث محمد بن يوسف بن مطر الفربري - بفتح الفاء وكسرها - ثم راء مفتوحة
بعدها موحدة ساكنة ثم راء أحد رواة ((صحيح البخاري)) عنه.
مات سنة ٣٢٠. ((الأنساب)) (٢٦٠/٩)، و((السير)) (١٠/١٥).
(٤) الحافظ الفقيه. مات سنة ٢٩٥ ((السير)) (٤٩٣/١٣).
(٥) الإمام المحدث. مات سنة ٣١١. ((السير)) (٥/١٥).
(٦) المسند الكبير. وآخر من حدث بـ((صحيح البخاري)) عنه. مات سنة ٣٢٩ ((السير)) (٢٧٩/١٥).
(٧) الهروي عَبْدٍ بن أحمد بن محمد الأنصاري الحافظ الفقيه المالكي، روى ((صحيح
البخاري)) عن ثلاثة من أصحاب الفربري وسترد أسماؤهم قريباً، توفي سنة ٤٣٤.
((تاريخ بغداد)) (١٤١/١١) و((شذرات الذهب)) (٢٥٤/٣).
(٨) الإمام المحدث إبراهيم بن أحمد، مات سنة ٣٧٦. ((السير» (٤٩٢/١٦).
(٩) الإمام المحدث عبد الله بن أحمد بن حمُّويه، مات سنة ٣٨١. ((السير)) (٤٩٢/١٦).
(١٠) المحدث الثقة محمد بن مكي. مات سنة ٣٨٩. ((الأنساب)) (٤٣٧/١٠)، و((السير))
(١٦ / ٤٩١).
(١١) علي بن محمد بن أحمد. مات سنة ٧٠١. ((تذكرة الحفاظ)) (١٥٠٠/٤)، و((ذيل طبقات
الحنابلة)) (٣٤٥/٢).

كتابةُ الحدیثِ وضبطُه
٣٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
مِمّن بَيَّنَ الرمزَ أو العلاماتِ، منهم: أبو الحَسَن القَابِسي(١). فهذا لا بأسَ به
كما قاله ابنُ الصلاح(٢)، لا سيما فيما يكثرُ اختلافُ الرُّواةِ فيه، فإنَّ تسميةَ
كلِّهم - حينئذ - مُشِقٌّ، والاقتصارَ على الرموز أخصرُ.
(و) مع كونه لا بأس به (اخْتِير ألَّا يَرمُزا) له ببعض حروفه. وعبارةُ ابن
الصلاح: ((الأَوْلى أنْ يجتنبَ الرمزَ، ويكتبَ عند كل رواية اسمَ راويها بكماله
مُخْتَصَراً))(٣). يعني: بدون زائدٍ على التعريفِ به، فلا نقولُ في الفِرَبْرِي - مثلاً -:
أبو عبد الله محمدُ بن يوسف. بل نقتصرُ على الفِرَبري، أو نحوِهِ.
قال شيخُنا: ((والذي يظهرُ أنه بعد أنْ شاع وعُرف إنما هو من جهةٍ نَقْصٍ
الأجر لنقص الكتابة، وإلَّ فلا فرقَ - مع معرفة الاصطلاح - بين الرَّمْزِ
وغيره(٤).
وقولُ المصنف: ((وهو - أي الإتيانُ به بكماله - أَوْلى، وأَدَفَعُ
للالتباس»(٥)، قد يُوجَّه بكونِ اصطلاحه في الرَّمز قد تسقطُ به الورقةُ،
أو المجلَّدُ - فيتحيّر الواقفُ عليه من مُبْتَدِئٍ ونحوِه.
ثم إنَّ محلَّ ما تقدم: ما لم يكن الرمزُ من المصنف، أما هو فالأحسنُ
أنْ يكونَ ما اصطلحه لنفسه في أصل تصنيفِه، كما فعل المِزِّيُّ في ((تهذيبه)) (٦)،
والشاطبيُّ، وَأَمْرُهُ فيه بَديعٌ جِدّاً، فقد اشتمل بَيْتُ منها على الرَّمْزِ لستةَ عشرَ
شيخاً في أربعٍ قراءاتٍ بالمنطوق (٧).
(١) الإمام الحافظ علي بن محمد المالكي. مات سنة ٤٠٣. ((ترتيب المدارك) (٦١٦/٤)،
و((السير)) (١٥٨/١٧).
(٢) في ((علوم الحديث)) (١٦٥).
(٤) لم أظفر بمصدره.
(٣) المصدر السابق.
(٥) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٢٥/٢).
(٦) أي ((تهذيب الكمال)) (١٤٩/١) وما بعدها، حيث ذكر رُقُومَه على الرواة.
(٧) جاء في حاشية (س) إشارةً لبيت الشاطبي المذكور ما نَصُّه: ((وهو قولُه:
(أَرَهْطِي) سَمَا مُولَى. (وَمَا لِي) سَمَا لِوَى
(لَعَلّي) سما كفؤا (مَعِي) نَفَرُ العُلا
قُلتُ: أمَّا القِرَاءاتُ الأربعُ المُشَارُ إليها في هذا البيتِ فهِي قولُه تعالى: ﴿أَرَهْطِّ أَعَزُّ
عَلَيَّكُم مِّنَ اللهِ﴾ [هود: ٩٢]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِىَ لَّ أَعْبُدُ الَّذِى فَطَرَنِ﴾ [يس: ٢٢]
وقولُه تعالى: ﴿لَعَلَّ أَرْجِعُ إِلَى النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: ٤٦] ومثلُها خمسةُ مواضعَ
أُخَرُ وَرَدَتْ فيها: (لَعَلِّي)، وقوله سبحانه: ﴿فَقُل لَّنْ تَّخْرُجُواْ مَعِىَ أَبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] =

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٣٩
كتابةُ الحديثِ وضبطُه
٥٧٠
(وتنبغي) استحباباً لأجلِ تمام الضبطِ (الدارةُ) وهي حَلْقَةٌ مُنْفرجةٌ، أو
مُطْبِقة (فَضْلاً) أي للفصل بها بين الَحديثَين، وتمييز أحدهما عن الآخر. زاد
بعضُهم: لئلا يَحْصُل التداخُلُ. يعني بأن يَدخلَ عَجُزُ الأول في صَدْر الثاني،
أو العكسُ. وذلك إذا تجرّدتِ المتون عن أسانيدِها وعن صحابتها، كأحاديثٍ
((الشهاب)) و((النجم)) (١)، ونحوهما. ومقتضاه: استحبابُها أيضاً بين الحديثِ
وبين ما لَعلّه يكون بآخره - من إيضاحٍ لغريب، وشرحٍ لمعنى، ونحو ذلك مما
كان إغفالُه، أو ما يقوم مقامه، أَحَدَ أَسباب الإدراج - من بابِ أَوْلَى.
وممن جاء عنه الفَصلُ بين الحديثَين بالدَّارَةِ: أبو الزِّنَاد. فروى
الرَّامَهُرْمُزِي عن ابن أبي الزناد أن كتابَ أبيه كان كذلك(٢). وحكاه أيضاً عن
ومثلها في أواخر سورة الملك. ومراده أن بعض القراء قرأ بإسكان الياء، وبعضهم قرأ
=
بفتحها .
وأمَّا القُرَّاءُ الستةَ عَشَرَ الذين رَمَزَ لَهُم في البيت فَهُم: نافعٌ، وابنُ كَثير، وأبو عَمرو
البصري، ورَمْزُهُم - إذا اجْتَمَعُوا - (سَمَا). ولمَّا تكرَّر هذا الرمزُ في البيتِ ثلاثَ مرَّات
لثلاثِ قراءاتٍ صاروا تسعةً.
ابنُ ذكوان عن ابن عامر الشامي، ورَمَزَ له بالميم في (مولی).
هشامُ بن عمار الدمشقي عن ابن عامر، ورَمَزَ له باللام من (لِوَى).
ابنُ عامر الشامي، ورَمَز له بالكاف من (كفوا).
ابن كثير، وأبو عمرو، وابنُ عامر، ورَمْزُهُم - إذا اجتمعوا - (نفر).
نافع المدني، ورَمَزَ له بالألف من (العلا). فصار الجميعُ ستةَ عشرَ.
وقد استفدتُ هذا من الدكتور عبد العزيز إسماعيل - جزاه الله خيراً - ممّا كَتَبَ به إلي.
وانظر: ((إبراز المعاني من حِرْز الأماني)) (٢١١) وغيره من شروح الشاطبية. والشاطبي
المذكورُ هو أبو محمدِ القاسمُ بنُ فِيرُّه بنِ خلف الرُّعَيني المقرئ الإمامُ، مات سنة
٥٩٠ ((معرفة القراءِ الكبار)) (٥٧٣/٢).
(١) يعني أحاديثَ كتاب: ((شهاب الأخبار في الحكم والأمثال والآداب))، للفقيه القاضي
أبي عبد الله محمد بن سلامة القُضَاعى المتوفى سنة ٤٥٤. ((مقدمة مسند الشهاب له))
(٣٣/١)، و((السير)) (٩٢/١٨)، و((كشف الظنون)) (١٠٦٧/٢).
وأحاديثَ كتابٍ: ((النجم من كلام سيد العرب والعجم))، للعلامة أبي العباس أحمد بن
معد التُجِيبي الأُقْلِيشي المتوفى سنة ٥٥٠. ((السير)) (٣٥٨/٢٠)، و((الرسالة المستطرفة))
(١٨٢).
(٢) ((المحدث الفاصل)) (٦٠٦)، ومن طريقه الخطيبُ في ((جامعه)) (٢٧٣/١).

كتابةُ الحدیثِ وضبطُه
٤٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
إبراهيمَ بنِ إسحاقَ الحَرْبي، ومحمدٍ بنِ جَرير الطَّبَري، بل وعن الإمام
أحمدَ (١)، وقال ابنُ كثير: إنه رآها كذلك في خطه(٢).
ومنهم مَن لا يقتصرُ عليها، بل يَتركُ بقيةَ السطر بياضاً، وكذا يَفعلُ في
التراجم ودروسِ المسائل. وما أنفعَ ذلك! (وارْتَضَى) على وجه الاستحباب
(إغفالَها) أي تركَ الدَّارَةِ من النَقْط بحيث تكون غُفْلا - بضم المُعجمة وإسكان
الفاء - لا علامةَ بها: الحافظُ (الخطيبُ) كما صرَّح به في ((جامعه))(٣) (حتى)
أي إلى أنْ (يَعْرِضَا) أي يُقَابِل بالأصلِ ونحوِه من السَّمَاعِ وغيرِهِ، وحينئذٍ فكلما
فَرَغْ من عَرْضٍ حديثٍ يَنقُط في الدارة التي تليه نُقطةً، أو يخظُّ في وسطها
خطّاً. يعني حتى لا يكونَ بَعْدُ في شكِّ هل عارضه؟ أو سها (٤) فتجاوزَه؟ لا
سیما حین یُخَالَف فيه.
وقد قال عبدُ الله بنُ أحمد: كنتُ أرى في كتاب أبي إجازةً - يعني دَارَةً -
ثلاثَ مَرَّاتٍ، ومرتين، وواحدةً أقلُّه. فقلتُ له: أَيْشِ تصنعُ بهذا؟ فقال:
أَعرِفِه، فإذا خالَفَني إنسانٌ قلتُ: قد سمعته ثلاثَ مرات(٥).
قال الخطيب: ((وقد كان بعضُ أهل العلم لا يَعتدُّ من سماعه إلَّا بما كان
كذلك، أو في معناه))(٦).
ثم رَوى من طريق ابنِ مَعِين قال: ((كان غُنْدَرٌ رجلاً صالحاً، سليمَ
الناحيةِ، وكلُّ حديثٍ من حديث شُعبةَ ليستْ عليه علامةُ: ع(٧)، لا يقولُ فيه:
حدثنا))(٦). لكونه لم يَعْرِضْه على شعبةَ بعدَ ما سمعه.
قلتُ: ومنهم مَن كان إذا أَورد شيئاً مما لا علامة فيه نَبَّه عليه. قال أبو
بكر بنُ أبي داودَ: في كتابي عن محمدٍ بن يحيى - بغير إجازة (٨) - وساق حديثاً (٩).
(١) لم أجد حكايةَ الرَّامَهُرْمُزِي ذلك عن هؤلاء الثلاثةِ في ((المحدث الفاصل)»، وإنما رأيتُ
ذلك عند الخطيب في ((جامعه)) (٢٧٣/١) وقد نصَّ على أنه رآها في كتبهم.
(٣) (٢٧٣/١).
(٢) ((اختصار علوم الحديث)) (١٣٠).
(٤) كُتِبَتْ في النُسَخ: سھی.
(٥) أخرجه الخطيب في ((جامعه)) (٢٧٤/١).
(٦) ((الجامع)) (١/ ٢٧٣).
(٧) في (م): (عين). وكذا هي في ((الجامع)) (٢٧٣/١) للخطيب.
(٩) أخرجه الخطيب في ((جامعه)) (١/ ٢٧٤).
(٨) أي بغيرِ دَارَة. منقوطة.