النص المفهرس

صفحات 1-20

◌َتْلِلَة مَنْشُورَاتُكِتَةِ دَارِالمنهاج للنشر والتوزيعُ بَالرَّبَاض ١
فَةُ الْعَلَهُ
2
بِشَرَ الفِيَّةِ المَدِيثِ
تأليف الحَافِظِ المؤرّخ
◌َشِمِسُ الدِّينِ أبِ الخَيرْ محمّدَ بنْ عَبدالرحمن السّخَاوِي الشَافِعى
المتوفى سنة ٩٠٢ رحمه الله
درَاسَة وَتحقيق
د.عبد الكَرُ بن عَبدالله بن عبدالرحمن الحُضِيْ
د.مُمّد بن عَبد الله بنُ فهَيْدِآل فهِيَدُ
المجَلّد الثّالِث
مَكتبة دارِ المتهم
للنشر والتوزيع بالرّيَاضِ

بسم اللهالرَّمِ الرَّحِيمُ

في المُغَةْ
بِشَ الفِيَّة الخَدِيثِ

) مكتبة دار المنهاج للنشر والتوزيع، ١٤٢٦ هـ
ح
فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر
السخاوي، أبو الخير محمد بن عبد الرحمن
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث. / عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرّحمن
الخضير؛ محمد بن عبد الله بن فهيد آل فهيد . - الرياض، ١٤٢٦ هـ
٥ مج ..- (سلسلة منشورات مكتبة دار المنهاج٤ ١)
ردمك : ٨ - ٠ - ٩٦٥٧ - ٩٩٦٠ (مجموعة)
٢-٣-٩٦٥٧ - ٩٩٦٠ (ج٣)
١ - السخاوي، محمد بن عبد الرحمن ٢ - علوم الحديث أ - الخضير؛
عبد الكريم بن عبد الله بن عبد الرّحمن (محقق) - آل فهيد؛ محمد بن عبد الله بن
فهيد (محقق) ب- العنوان ج- السلسلة
جميع حقوق الطبع محفوظة لدار المنتاج بالرّاصِ
الطبعة الأولى
١٤٢٦ هـ
حقوق الطبع محفوظة ١٤٢٦٥هـ، لا يسمح بإعادة نشر هذا الكتاب
أو أي جزء منه بأي شكل من الأشكال أو حفظه ونسخه في أي
نظام ميكانيكي أو إلكتروني يمكن من استرجاع الكتاب أو ترجمته
إلى أي لغة أخرى دون الحصول على إذن خطي مسبق من الناشر.
مكتبة دار المِهَاج
للنشْر وَالتَوزيْع
المملڪَة العَرَبَيَّة السّعُوديَة. الرّيَاضِ
المركز الرئيسِى - طَريق الملك فهد - شمالكُ الجَوَازَاتْ
هاتف ٤٠٦٥٥٥٣ - فاكس ٤٠٨٣٦٩٨ - صربّ ٥١٩٢٩ الرياض ١١٥٥٣
الفروع: طريق خالد بن الوليد(إِنكَاسْ سَابَمًا) ت ٢٣٢٢٠٩٥
طريق الأمير سعد بن عَبْدُ الرّحمنُ (تخرج ١٥) ت ٤٤٥٦٢٢٩
المدينة النبوية - طَهْق سلطانة ت ٤/٨٤٦٧٩٩٩.
مكّة المكرهَة - الشامية - ت ٠٢/٥٧٣٠٩٨٠

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
كتابةُ الحديثِ وضبطُه
(كتابةُ الحديثِ وضبطُه)(١)
بالشَّكْلٍ ونحوِه وما أُلحق بذلك من الخط الدقيقِ، والرَّمْز، والدَّارَةِ
- مما سُنبيِّن أنها من تَمَام الضبطِ، ومن آداب الكتابة -
ونحوها مما كان الأنسبُ تقديمَه على الضبطِ»
المسألةُ الأولی:
(واختلَف الصِّحابُ): أي الصَّحابةُ ﴿ه - بِكَسر المهملة وفتحِها - جَمْعُ ٥٥٩
صَاحب، كجِياع وجَائِعٍ. ويقال: إنَّ الكَسْرَ في صِحاب - والفتحَ في صَحابة -
أكثرُ(٢).
(و) كذا (الأَتّباعُ) للصحابة (في كِتْبَةٍ) بكسر الكاف أي كتابة (الحديثِ)
والعلمٍ عملاً وتركاً.
فكّرِهَهَا للتَّحْرِيمِ - كما صَرّح به جماعةٌ منهم ابنُ النَّفِيس(٣) - غيرُ واحد.
فمن الصحابةِ: ابنُ عُمرَ، وابنُ مسعودٍ، وزيدُ بن ثابت، وأبو موسى
الأشعري، وأبو سعيد الخدري (٤).
(١) وهو النوعُ الخامسُ والعشرونَ من كتابٍ ابن الصلاح.
(٢) قال في ((لسان العرب)) مادة (صحب): ((وأكثرُ الناسِ على الكسر دون الهاءِ، وعلى
الفتح معها)).
(٣) العلّامة علاءُ الدين عليُّ بنُ أبي الحَزْم القَرْشي - بفتح القاف وسكون الراء نسبةً لبلدة
قَرْش في ما وراء النهر - أعلمُ أهلِ عصرِهِ بالطّبّ، والمشارُ إليه في الفقه والأصول
والحديث والعربية، ولد بدمشق، ومات بمصرَ سنة ٦٨٧هـ، وله تصانيفُ كثيرةٌ. (العِبر))
(٣٦٥/٣)، و((الشذرات)) (٤٠١/٣)، و((الأعلام)) (٧٨/٥). ومن مؤلفاته: كتاب
((طريق الفصاحة))، فلعلَّ ما نُسب إليه هنا فيه. والله أعلم.
(٤) أخرجه عن ابنِ عُمر وأبي موسى وأبي سعيد الخدري: الرَّامَهُرْمُزِيُّ في كتابه «المحدث =

كتابةُ الحدیثِ وضبطُه
٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ومن التابعين: الشَّعبي(١)، والنَّخَعِيُّ(٢). بل أَمَرُوا بحفظِه عنهم كما
أَخَذُوه حِفظاً، مُتَمسِّكين بما ثَبت عن أبي سعيد الخدري عظُه أنه وَّ قال:
((لا تَكْتُبُوا عَنِي شَيئاً سِوَى القرآنِ، مَن كَتب عني شيئاً سوى القرآنِ
فَلْيَمْحُه)»(٣) .
وفي رواية أنه استَأْذَن النبي ◌ََّ في كَتْب الحديثِ فلم يأُذَنْ له(٤).
الفاصل)) (ص٣٧٩، ٣٨١).
=
وأخرجه أبو داود عن زيدٍ في ((العلم)): باب في كتابة العلم (٤/ ٦١).
وأخرجه عن جميع المذكورين الخطيبُ البغداديُّ في ((تَقْييد العلم)) (ص٣٥ - ٤٤).
وابنُ عبد البر في ((جامع بيان العلم وفضلِهِ)) (٦٣/١ - ٦٦).
(١) أخرجه الدارميُّ في ((سننه)) (١٢٥/١)، والرَّامَهُرْمُزِيُّ في ((المحدث الفاصل))
(ص٣٨٠)، والخطيبُ في ((الجامع الأخلاق الراوي وآداب السامع)) (٢٥٣/١)، وابنُ
عبد البر في ((جامعه)) (٦٧/١). وكلَّها صريحةٌ في أنّه لم يكتبْ، وليس فيها تصريحٌ
بكراهته للكتابة.
وجاء عنه أيضاً ما يدلّ على أمرِه بالكتابة، أخرج ذلك عنه الرامهرمزيُّ في ((المحدث
الفاصل)) (ص٣٧٦)، والخطيبُ برواياتٍ متعددة في ((تَقْبِيد العلم)) (ص٩٩ - ١٠٠)،
وابنُ عبد البر في ((جامعه)) (٧٥/١).
(٢) أخرجه الدارميُّ في ((سننه)) (١/ ١٢٠، ١٢١)، والرَّامَهُرمزي في ((المحدث الفاصل))
(ص٣٨٠)، والخطيبُ في ((تقييد العلم)) (ص٤٧، ٤٨)، وابن عبد البر في ((جامعه))
(٦٧/١، ٦٨).
(٣) أخرجه مسلم بلفظ: ((لا تكتبوا عني، ومَنْ كَتَب عني غيرَ القرآن فَلْيَمْحُه)).
((الزهد)): باب التَّثَبُّت في الحديث (٢٢٩٨/٤)، وأحمدُ في ((المسند)) (١٢/٣، ٢١)،
والخطيب في ((تقييد العلم)) (٣٢ - ٣٩)، وابن عبد البر في ((جامعه)) (١ / ٦٣) وغيرُهم
بألفاظِ متقاربة.
(٤) أخرجه الدارميُّ في ((سننه)) (١١٩/١) بسندٍ صحيحٍ، والترمذي في ((العلم)): باب ما
جاء في كراهية كتابة العلم (٣٨/٥) بسند فيه سفيانُ بن وَكِيع وقد سقط حديثُه كما في
((التقريب)) (٣١٢/١).
وأخرجه الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (٣٧٩)، والخطيبُ في ((تقييد العلم)) (٣٢
- ٣٣) برواياتٍ مَدَارُها على عبد الرحمن بنِ زيد بن أسلمَ، وهو ضعيف كما في
(«ميزان الاعتدال)) (٥٦٤/٢)، و((التقريب)) (٤٨٠/١).
تنبيه: لفظ سندِ الترمذي المتقدم هو: ((حدثنا سفيانُ بنُ وَكيع: حدثنا سفيانُ بنُ عُيَينة
عن زيد بن أسلمَ عن أبيه عن عطاءِ بنِ يَسَار عن أبي سعيد الخدري)).
=

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٧
كتابةُ الحدیثِ وضبطُه
وأَجازَها بالقولِ - أو بالفعلِ - غيرُ واحدٍ من الفريقين.
فمن الصَّحابةِ: عمرُ، وعليٍّ، وابنُه الحسنُ، وعبدُ الله بنُ عَمرو بن
العاص(١)، وأنسٌ، وجابر، وابنُ عباس، وكذا ابنُ عُمرَ أيضاً(٢).
= وأخرج القاضي عياضٌ في ((الإلماع)) (١٤٨) هذا الحديث من طريق الترمذي ولفظُ
سندِه فيه: ((أخبرنا سفيانُ بن وكيع: أخبرنا سفيان بن عُيَينة عن عبد الرحمن بن زيد بن
أسلمَ، عن أبيه عن عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري)). اهـ. فزاد في هذا السند:
((عبد الرحمن بنَ زيد)). وقد تتبّعتُ عدداً من طبعات الترمذي ولم أعثر على هذه
الزيادة، ويظهر أنها متعينة، وعلى أيّ حال فالسندان ضعيفان كما تقدم بيانه، وهو
مُنْجَبرٌ بما تقدم.
(١) في (س) و(م): العاصي. وكلاهما جائزٌ، لأنه اسمٌ منقوصٌ. ((تبصير المنتبه)) (٣/
٨٨٩)، و(تاج العروس)) مادة (عصو).
(٢) أخرجه عن عُمرَ هُه الدارميُّ (١٢٧/١) بسندٍ صحيح، والحاكم (١٠٦/١) وصحّحه،
وأقرّه الذهبيُّ.
وعن علي تُ: البخاريُّ في ((العلم)): باب كتابة العلم (٢٠٤/١).
وعن الحسن بن علي: الدارميُّ (١/ ١٣٠)، وابنُ أبي حاتم في ((علل الحديث)) (٢/
٤٣٨)، والخطيبُ في ((تقييد العلم)) (٩١)، وابنُ عبد البر في «جامعه» (٨٢/١).
وعن عبدِ الله بن عمرو بن العاص: البخاريُّ في ((العلم)): باب كتابة العلم (٢٠٦/١)،
والترمذيُّ في (العلم)): باب ما جاء في الرُّخْصة في كتابة العلم (٤٠/٥)، وقال:
((حديث حسن صحيح)).
وأحمدُ في «المسند» (٢٤٨/٢) كُلُّهم من حديث أبي هريرة.
وأبو داود في ((العلم)): باب في كتابة العلم (٦٠/٤)، والدارمي (١٢٥/١)، وأحمدُ
(٢/ ١٦٢، ١٩٢)، والحاكمُ في ((المستدرك)) (١٠٤/١) - وصحّحه، ووافقه الذهبي -
کلهم من حديث عبد الله نفسِه.
وعن أنس به: مسلم في ((الإيمان)): باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل
الجنة (٦١/١)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٠٦/١)، وصححه، ووافقه الذهبي، وكذا
أخرجه الطبراني في ((الكبير)) (٢٤٦/١)، ورجاله رجال الصحيح، كما قال الهيثمي في
((المجمع)) (١/ ١٥٢).
وعن جابر: الرامهرمزيُّ في ((المحدث الفاصل)) (٣٧٠)، والخطيب في ((تقييد العلم))
(١٠٤).
وعن ابن عباس وابنٍ عمر: الدارميُّ (١٢٧/١، ١٢٨)، والخطيبُ في ((تقييد العلم))
(١٠٢، ١٠٣)، وعن ابن عباس: الرامهر مزيُ في ((المحدث الفاصل)) (٣٧١)، وابنُ
عبد البر في ((جامعه)) (١/ ٧٢).

كتابةُ الحديثِ وضبطُه
٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
ومن التابعينَ: قَتَادةُ، وعُمرُ بنُ عبد العزيز (١)، بل حكاه القاضي
عياضٌ(٢) عن أكثرِ الفَرِيقَين، وقال غيرُ واحدٍ منهما - كما صَحَّ -: ((قَيِّدُوا العلمَ
بالكِتَاب))(٣)، بل رُوي رفعُه، ولا يَصِحّ(٤).
وقال أَنَسٌ: (كَتْبُ العلمِ فريضةٌ))(٥).
(١) عن قتادةَ أخرجه الرامَهُرمزيُّ في ((المحدث الفاصل)) (٣٧٢)، والخطيبُ في ((تقييد
العلم)) (١٠٣) بسندٍ فيه أبو هلال الراسِبِيّ، وفيه مقال.
وقد جاء عند الدارمي (١/ ١٢٠) بسند ضعيف أنَّ قتادةَ كان يكره الكتابة.
وأما عمر بن عبد العزيز فأخرجه عنه البخاري في ((العلم)): باب كيف يُقبضُ العلمُ (١/
١٩٤)، والدارميُّ (١٢٦/١، ١٣٠)، والرامهر مزيُّ في ((المحدث الفاصل)) (٣٧٣)،
والخطيب في ((تقييد العلم)» (١٠٥، ١٠٦)، وابنُ عبد البر في ((جامعه)) (١ /٧٤).
(٢) في (س) و(م): عياض. وانظر: حكايته هذه في ((الإلماع)) (١٤٧).
(٣) صَحَّ ذلك عن عُمَرَ بنِ الخطاب ◌َظ ◌ُه، أخرجه الدارميُّ (١٢٧/١)، والحاكمُ (١٠٦/١)
وصحَّحه، وأقرّه الذهبي.
وصح عن أنس رظُّه أخرجه الحاكمُ (١٠٦/١) وصحَّحه، ووافقه الذهبي، وأخرجه
الطبراني في ((الكبير)) (٢٤٦/١) ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في ((المجمع))
(١/ ١٥٢).
(٤) أخرجه مرفوعاً الحاكمُ في ((المستدرك)) (١٠٦/١) والرامهرمزي في ((المحدث الفاصل))
(٣٦٤)، والخطيب في (تقييد العلم)) (٦٨، ٦٩)، وابن عبد البر في ((جامعه)) (١/ ٧٣)
كلُّهم من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، وفي أسانيدهم عبد الله بن المؤمَّل وهو
ضعيف كما قاله الذهبي في ((تلخيص المستدرك)) (١٠٦/١)، وابن حجر في ((التقريب))
(٤٥٤/١).
وأخرجه الخطيب في ((تقييد العلم)) (٦٩) بسند آخر ضعيف من حديث عبد الله بن
عمرو. وجاء مرفوعاً أيضاً من حديث أنس به في ((المحدث الفاصل)) (٣٦٨)،
و((تقييد العلم)) (٧٠)، و((جامع العلم)) (١/ ٧٢) كلهم من طريق عبد الحميد بن
سليمان، قال الخطيب في ((تقييد العلم)) (٧٠): ((تفرّد برواية هذا الحديث عبدُ الحميد بن
سليمان الخُزَاعي المدني عن عبد الله بن المثنى مرفوعاً، وغيره يرويه موقوفاً على
أنس)). ثم نقل (ص٩٧) عن موسى بن هارون قوله: ((اتفق محمدُ بن عبد الله
الأنصاري، وسعيدُ بن عبد الجبار، ومسلم بن إبراهيم فَرَوَوا هذا الحديثَ عن
عبد الله بن المثنى عن ثُمَامةَ عن أنس من قوله. ورفعه عبد الحميد بنُ سليمان عن
عبد الله بن المثنى عن ثُمَامة عن أنس ... وهذا حديث موقوف لا يصح رفعه)) انتهى.
وكذا جاء في «الإلماع)) (١٤٧) مختصراً.
(٥) أورده البُلْقينيُّ في ((محاسن الاصطلاح)) (٢٩٧) ويبدو لي من كلامه أنه يعزوه إلى =

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٩
كتابةُ الحدیثِ وضبطُه
٥٦٠
(و) لَكِنِ (الإِجماعُ) مُنْعَقِدٌ من المسلمين كما حكاه عياض(١) (على
الجواز بَعْدَهُم) أي بعد الصحابة والتابعين - في المائة الثانية كما زاده
(٢)
الذهبي (٢) -.
(بالجزم)(٣) في حِكَايته بِدُون تردّد بحيث زال ذلك الخلافُ - كما أجمع
المتقدمون والمتأخرون على جوازها في القرآن - (لِ) أدِلَّةٍ مُنْتَشِرَةٍ(٤) يدلُّ
مجموعُها على فَضْلِ تدوينِ العلم وتَقْبِيدِهِ كـ(قولِهِ) وََّـ وهو أصحُّها -:
((اكتُبُوا) لأَبي شاءٍ))(٥) - يعني بهاء منونة في الوقف والدَّرْج على المعتمد - أي
الخُطْبَةَ التِي سَمِعَهَا يومَ فَتْح مِكةً من رسول الله وَّهِ .
لكنْ قال البُلْقِينيُّ: ((إنَّه يجوزُ أن يُدَّعَى فيه: أنها واقعةُ عَيْنِ)) (٦)، وفيه
نَظَرَ(٧) .
وكقوله {َ* ـ مما لم يَذكُرْه ابنُ الصلاح - في مرض موته: ((ائتوني بكَتِفٍ
أَكتبْ لكم كتاباً لا تَضِلُّوا بعدَه))(٨).
= البغوي في ((معجمه الكبير)). ومعلوم أنَّ مِنَ العلم ما كتابتُه فريضة، وهو ما يتعيَّن
حفظُه أو تبليغهُ ولا يتمّ إلا بها. والله أعلم.
(١) في ((الإلماع)) (١٤٧) ولفظه: ((ووقع عليه بعد هذا الاتفاقُ والإجماعُ من جميع مشايخ
العلم وأئمته وناقلیه)).
(٢) قال الذهبيُّ في ((السير)) (٨٠/٣): ( ... ثم انعقد الإجماع بعد اختلاف الصحابة
على الجواز، والاستحبابِ لتقييد العلم بالكتابة).
(٣) غير واضحة في (م).
(٤) يعني حصل إجماعُ مَنْ بَعدَ الصحابة والتابعين على جواز كتابة السُّنة كما حصل إجماع
المتقدمين والمتأخرين على جواز كتابة القرآن لأدلة منتشرة .... إلخ.
(٥) أخرجه البخاري في ((العلم)): باب كتابة العلم (٢٠٥/١)، وفي ((اللُّقَطة)): باب كيف
تُعَرَّفُ لقطة مكة (٨٧/٥)، ومسلم في الحج باب تحريم مكة وصيدها ... (٩٨٨/٢،
٩٨٩) وغيرُهما من حديث أبي هريرة.
(٦) ((محاسن الاصطلاح)) (٣٠٠) للإمام الحافظ أبي حفص سراج الدين عمر بن رسلان
البلقيني المتوفى سنة ٨٠٥.
(٧) بل فيه بُعْدٌ، لما صح أنه ربَّ في مرض موته دعا بكتاب ليكتبه لهم. كما سيأتي قريباً،
ولما صح من إذنه 38 لعبد الله بن عمرو بن العاص بالكتابة كما مضى تخريجه، ولعدم
النص في قوله: (اكتبوا لأبي شاه) على عدم جواز ذلك لسواه. والله أعلم.
(٨) أخرجه البخاري في ((العلم)): باب كتابة العلم (٢٠٨/١) بلفظ: ((ائتوني بكتاب ... )) =

كتابةُ الحديثِ وضبطُه
١٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
(و) لِ(كَتْبٍ) عَبدِ الله بْنِ عمرو بن العاصي (السَّهْمي) - نسبةً لِسَهْمِ بْنِ
عَمْرو بْنِ هُصَيص - كما ثَبتَ من قول أبي هريرة ظُه: ((ما مِنْ أَصْحَابِ
رسولِ الله وَّ﴿ أحدٌ أكثرَ حديثاً مني إلَّا ما كان من عَبد اللهِ بْنِ عَمْرو فإنَّه يكتُبُ
ولا أَكْتُبُ))(١). وكان وَّ قد أَذِنَ له في ذلك كما رَواه أبو داودَ - في روايةٍ -
أَنَّه قال: يا رسول الله أَكْتُبُ ما أَسمَعُه منك في الغَضَب والرِّضى؟ قال: ((نعم،
فإني لا أقولُ إلا حقّاً))(٢).
وكان رَُّ يُسمِّي صحيفتَه تلك: الصادقةَ - كما رواه ابنُ سعدٍ(٣)
وغيرُه (٤) - احترازاً عن صحيفةٍ كانت عنده من كُتُب أهلِ الكتاب.
بل رُوي - كما في الترمذي(٥) مما ضَعَّفه(٦) - عن أبي هريرةَ: أَنَّ رجلاً
وفي ((الجهاد)»: باب إخراج اليهود من جزيرة العرب (٢٧٠/٦ - ٢٧١) بلفظ: ((ائتوني
=
بکتف».
ومسلم في ((الوصية)): باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه (١٢٥٧/٣، ١٢٥٩).
والمراد بالكتف عَظْم الكتف، وقد كانوا يكتبون فيه لقلة القراطيس عندهم. ((النهاية))
(٤ /١٥٠).
والمراد بقوله: ((ائتوني بكتاب)) أي بأدوات الكتاب، ففيه مجاز بالحذف. قاله ابن
حجر في ((فتح الباري)) (٢٠٨/١).
(١) أخرجه البخاري في ((العلم)): باب كتابة العلم (٢٠٦/١)، والترمذي في ((العلم)): باب
ما جاء في الرخصة في كتابة العلم (٤٠/٥) وقال: ((حديث حسن صحيح))، وأحمد
(٢٤٨/٢).
(٢) أخرجه أبو داود في ((العلم)): بابٌ في كتابة العلم (٦٠/٤)، والدارمي (١٢٥/١)،
وأحمد (١٦٢/٢، ١٩٢)، والحاكم في ((المستدرك)) (١٠٤/١) وصححه، ووافقه
الذهبي. وانظر: ((تقييد العلم)) (٧٤ - ٨٣).
(٣) في ((الطبقات)) (٤٩٤/٧).
(٤) كالدارمي (١٢٧/١)، والرامهرمزي في (المحدث الفاصل)) (٣٦٦، ٣٦٧)، والخطيب
في ((تقييد العلم)» (٨٤)، وابن عبد البر في ((جامعه)) (٧٢/١).
(٥) في ((العلم)): باب ما جاء في الرخصة في كتابة العلم (٣٩/٥).
(٦) لأن في سنده الخليلَ بنَ مُرَّة الضُّبَعي، وهو ضعيف جداً. قال الترمذي (٣٩/٥): ((هذا
حديث إسناده ليس بذلك القائم. وسمعت محمد بن إسماعيل (البخاريَّ) يقول:
الخليل بن مرة منكر الحديث)).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١١
كتابةُ الحديثِ وضبطُه
شَكَى إلى النبيِ نَّوَ عَدَمَ الحِفْظِ فقال له: ((اسْتَعِنْ بِيَمِينِك))(١).
ورُوي عن أنسٍ أنه قال: «هذه أحاديثُ سمعتُها من رسول الله وَّهِ وكتبتُها
وعرضتُها)).
وعن أبي هريرة نحوُه، وأسانيدُها ضعيفةٌ(٢).
ولقولِ عليِّ الثابتِ في الصحيح: ((ما كَتَبْنا عن النبي ◌َّهَ إلَّ القرآنَ، وما
في هذه الصَّحيفةِ))(٣).
ولقولٍ قَتَادَةَ - إذْ سَأَلَه بعضُ أصحابِهِ: أَأَكْتُبُ ما أَسْمَعُ؟ -: وما يَمْنَعُك
من ذلك، وقد أَنْبَأَكَ اللطيفُ الخبيرُ بأنه قد كَتَبَ؟ وقرأ:
﴿فِي كِتَبٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّ وَلَا يَنْسَى﴾(٤).
وكذا قال أبو المُلَيِحِ الهُذَلِيُّ البصريُّ: يَعِيبُونَ علينا أن نَكْتُبَ العلمَ أو
نُدَوِّنَه! وقد قال تعالى: ﴿عِلْمُهَا عِنْدَ رَبٍِّ فِ كِتَبٍ﴾(٥) .
(١) أخرجه أيضاً الدارمي (١٢٥/١) وفي سنده من لم يُسَمّ، والخطيبُ في ((تقييد العلم)»
(٦٥ - ٦٧) بأسانيدَ في بعضها: خَصِيبُ بن جَحْدَر وهو كذاب، وفي بعضها يحيى بنُ
سعيد العطار وهو ضعيف، وفي بعضها الخليل بن مرة وهو ضعيف جدّاً كما تقدم.
وانظر للأول: ((التاريخ الكبير)) (٢٢١/٣)، والثاني: ((التقريب)) (٣٤٨/٢).
لكن يشهد لمعناه حديثُ عبد الله بن عمرو بن العاص السابقُ تخريجُه.
(٢) أما أنس فأخرجها عنه الرامهرمزيُّ في ((المحدث الفاصل)) (٣٦٧)، والخطيب في
((تقييد العلم)) (٩٥، ٩٦) وفي أسانيدها عتبة بن أبي حكيم الهمداني، قال في
((التقريب)) (٤/٢): ((صدوق يخطئ كثيراً)).
وأما أبو هريرة فأخرج نحوَه عنه ابنُ عبد البر في ((جامعه)) (٧٤/١)، وأشار إلى
مخالفته لما صح عن أبي هريرة من أنه لم يكن يكتب، وقال: ((وحديثه بذلك أصحُّ في
النقل من هذا، لأنه أثبت إسناداً عند أهل الحديث)).
وانظر: كلامَ الحافظ ابن حجر حول هذا في ((فتح الباري)) (١/ ٢٠٧).
(٣) أخرجه البخاري في ((العلم)): باب كتابة العلم (٢٠٤/١)، وأحمد (٧٩/١، ٨١).
(٤) سورة طه: الآية ٥٢.
وأخرج قولَ قتادةَ هذا: الرامهرمزيُ في ((المحدث الفاصل)) (٣٧٢)، والخطيب في
(تقييد العلم)) (١٠٣) بسند فيه أبو هلال الراسبي قال ابن حجر عنه في ((التقريب)) (٢/
١٦٦): ((صدوق فيه لین)).
(٥) سورة طه: الآية ٥٢.
=

كتابةُ الحديثِ وضبطُه
١٢
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
ولقولِهِ تعالى - مما اسْتَدَلَّ به ابنُ فارِسٍ في ((مأخَذ العِلْم))(١) -:
﴿فَكْتُبُوهُ﴾(٢) حيث قال: ((فَجَعَلَ كِتابَةَ الذَّيْنِ، وَأَجَلَه، وكَمِّيَّتَه من القِسْطِ
عِنْدَه، وجَعَلَ ذلك قَيِّماً للشَهادَةِ ونَفْياً للارْتِيابِ لقوله: ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ
وَأَقْوَمُ لِلشَّهَدَةِ وَأَدْفَ أَلَّا تَرْتَابُوا﴾(٣).
قُلتُ: ونحوُه قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَكُمُوْاْ أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إلَى
ج
أَجَلٍِّ﴾(٤).
قال ابنُ فارِسٍ: ((وَأَعْلَى ما يُحْتَجُّ بِهِ في ذلك: قولُهُ تعالى: ﴿تّ وَاَلْقَلِمِ
(٥
وَمَا يَسْطُرُونَ
فَقَدْ فَسَّرَهما الحسنُ بالدّوَاةِ والقَلَم»(٦)، ثم روی حدیثَ ابنِ عباس
:
((أولُ ما خَلَقَ الله: القلمُ، وأَمَرَه أن يَكْتبَ ما هو كائنٌ إلى يوم القيامة))(٧).
وقولُ أبي المُلَيح هذا أخرجه الدارمي (١٢٦/١) بسند صحيح، وكذا ابن عبد البر في ((جامعه))
=
(٧٢/١ - ٧٣) كلاهما من طريق سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب عن أبي المليح.
وأخرجه الخطيب في ((تقييد العلم)) (١١٠) من رواية أبي الربيع عن حماد عن أبي
المُليح عن أيوب.
وظاهرٌ أنَّ في رواية الخطيب قَلْباً وانقِطاعاً، فقد وُلد حمادُ بنُ زيد سنة ٩٨.
في حين أنَّ وفاةَ أبي المُلَيح - في أحد الأقوال - سنة ٩٨.
(١) اسمُ كتابٍ لأبي الحسين أحمدَ بنِ فارس بن زكريا الرازي، الإمام اللغوي المتوفى سنة
٣٩٥ كماً في ((كشف الظنون)) (١٥٧٤/٢)، و((هدية العارفين)) المجلد الأول (٦٨ -
٦٩) وقد طبع مؤخراً في دار البشائر الإسلامية ببيروت ولابن فارس ترجمةٌ في «نزهة
الأَلبَّاء)» (٢٣٥) و((السير)) (١٠٣/١٧).
(٢) سورة البقرة: الآية ٢٨٢.
(٣) سورة البقرة: الآية ٢٨٢، وقد جاء في النُسخ) (ذلك)، خطأ .
(٤) سورة البقرة: الآية ٢٨٢. وانظر وجه استدلالِ الخطيبِ بها في: ((تقييد العلم)) (٧١، ٧٢).
(٥) الآية الأولى من سورة القَلَمِ. وكلامُ ابنِ فارسٍ هذا ذَكَرَهُ البُلقينيُّ في ((محاسن
الاصطلاح)) (ص٢٩٩).
(٦) أخرجه ابنُ جرير الطَّبَرِي في تفسير الآية الأولى من سورة القلم (١٥/٢٩) من رواية
مَعْمر عن الحسن وقتادة. وروايةُ مَعْمَرٍ عن الحسن فيها انقطاعٌ، لأن مَعْمراً لم يسمعْ
منه ولا رآه. قاله ابنُ أبي حاتم عن أبيه في ((كتاب المراسيل)) (٢١٩).
.
وأخرج ابنُ جرير (٢٩/ ١٥) أيضاً هذا التفسيرَ عن ابن عباس.
(٧) أخرجه الطبريُّ في «تفسيره)) (١٤/٢٩)، والحاكمُ (٤٩٨/٢) عن ابن عباس قويًا، =

١٣
كتابةُ الحدیثِ وضبطُه
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
قال بعضُهم: وفي قولِهِ وَ له - أي الذي استُدِلَّ به للوِجَادة: ((يَجِيُ بَعدَكم
قومٌ يَجِدُون صُحُفاً يُؤْمِنُونَ بما فيها))(١) - عَلَمْ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوّة، مِنْ إِخْبارِهِ عَمَّا
سَيَقَعُ وهو تدوينُ القرآنِ، وكَتْبُه في صُحُفِه - يعني وكتابةُ الحديث - ولم يَكُنْ
ذلك في زَمَنه ێ.
إلى غيرِ ذلك من الأَدلَّةِ التي اقْتَرَنَ معها قِصَرُ الهِمَم، ونَقْصُ الحِفِظِ
بالنسبة للزَّمنِ الأوّل، لكون العَرَب كانوا مَطْبُوعِينَ على الحِفظ، مخصوصينَ
به، بحيث قال الزُّهري: إنّي لَأَمُرُّ بالنَقيع(٢) فَأَسُدُّ أُذني مخافةَ أن يَدْخُلَ فيها
وقال: ((هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه))، ووافقه الذهبي.
=
وأخرجه أبو داود في ((السنة)): باب في القدر (٧٦/٥)، والترمذي في ((التفسير)): باب
ومن سورة ((نون)) (٤٢٤/٥) كلاهما عن عبادة بن الصامت.
قال الترمذي: ((هذا حديث حسن غريب)).
(١) استَدَلَّ بهذا الحديثِ [((الوجادة)»: الحافظُ ابنُ كثير في تفسيره)) (٤١/١).
وذُكرَ هو والسيوطي في ((التدريب)) (٢/ ٦٤) أَنَّ الحسنَ بنَ عَرَفَةَ قد أخرجه في ((جزئه))
(ص٥٢) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص مرفوعاً. وقال السيوطي: ((وله طرق
كثيرة أوردتُها في الأمالي)) هذا وفي طريق الحسن بن عرفة إسماعيلُ بنُ عَيّاشٍ
الحِمْصي عن المغيرة بن قيس التميمي عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. وروايةٌ
إسماعيلَ عن غير الشاميين ضعيفة، والمغيرةُ ليس من الشاميين. وأخرجه أيضاً أبو
يعلَى في («مسنده)) (١٤٧/١)، والبزار في (مسنده)) كما في ((كشف الأستار)) (٣١٧/٣)،
والحاكمُ (٤/ ٨٥) كلَّهم من طريق محمد بن أبي حُمَيد - الأنصاري الزُّرَقي - عن زيد بن
أسلمَ عن أبيه عن عمر بن الخطاب مرفوعاً. ومحمدُ بن أبي حُمَيد ضعيف كما في
((أحوال الرجال)) (ص١٣٠)، و((المجروحين)) (٢٧١/٢) وغيرهما .
وأخرجه البزارُ أيضاً من طريق المِنْهال بن بَحر عن هشام الدَّسْتُوائي عن يحيى بن أبي
كثير عن زيد بن أسلم به. وقال: إنّ الحُفاظ الثقاتِ يرؤُونه عن هشام عن يحيى عن
زید مرسلاً .
ولمَّا صحّح الحاكمُ حديثَ عمرَ هذا قال الذهبي: ((بل محمد ضعفوه).
هذا وقد أخرجه الخطيب في ((شرف أصحاب الحديث)) (ص٣٣) من طريق الحسن بن
عرفة، ومن طريق أبي يعلى.
واللفظ المذكور هنا جزء من الحديث، وأورده بتمامه المؤلفُ في أواخر كلامه على
((الوجادة))، وصححه. والذي يظهر من مجموع هذه الطرقِ أنه حديث حسن. والله
أعلم.
(٢) بالنون، وبعدها قاف مكسورة، اسم موضع قرب (المدينة النبوية) صلى الله وسلم على =

كتابةُ الحدیثِ وضبطُه
١٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
شيءٌ من الخنا، فوالله ما دخل أذني شيءٌ قظٌ فَنَسِيتُه(١). وكذا قال الشَّعبيُّ
نحوَه(٢).
وَحَفِظَ ابنُ عباس ◌َّ قصيدةَ عُمرَ بنِ أبي ربيعةً:
أَمِنْ آلِ نُعْم أَنْتَ غَادٍ فَمُبْكِر(٣)
فِي سَمْعةٍ واحدةٍ فيما قيل(٤).
بل بلَغنا عن البُلْقِينِيِّ أنَّه حَفِظَ قصيدةً مِن مَرَّة(٥).
= صاحبها وآله، وهو صدر وادي العقيق بها. ((معجم البلدان)) (٣٠١/٥)، و((وفاء الوفا))
(١٠٨٣/٣).
(١) ذكره ابن عبد البر في ((جامعه)) (٦٩/١)، وأخرج الخطيب في ((الجامع)) (٢٥٣/٢)
نحوه.
(٢) أخرجه الدارمي (١٢٥/١)، والرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (٣٨٠)، وابن عبد البر
في ((جامعه)) (٦٧/١)، والخطيب في ((جامعه)) (٢٥٣/٢).
(٣) صَدرُ مَظْلعِ قصيدةٍ طويلة تبلغ (٧٥) بيتاً للشاعر عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة القرشي
المخزومي المتوفى سنة ٩٣.
وتمامُه: غَدَاةَ غَدٍ؟ أم رائحٌ فَمُهَجِّرُ.
((ديوان عمر بن أبي ربيعة)) (١٢٠)، وانظر أيضاً: ((شرح ديوان عمر بن أبي ربيعة)) (٩٢).
(٤) أخرجه أبو الفرج الأصبهاني في ((الأغاني)) (١/ ٨١، ٨٢) في قصة ملخصها: أن ابن
عباس كان في المسجد الحرام وعنده نافع بن الأزرق وناس من الخوارج يسألونه، إذ
أقبل عليه عمر بن أبي ربيعة فأنشده تلك القصيدةَ الطويلةَ، فقال نافع بن الأزرق: لله
أنت يابن عباس! نضرب إليك أكبادَ الإبل نسألك عن الدِّين فتُعْرض، ويأتيك غلام من
قريش فينشدك سَفَهاً فتسمعهُ! فقال: تالله ما سمعت سَفَهاً، فقال ابن الأزرق: أما
أنشدك:
رَأَتْ رجلاً، أما إذا الشمس عارَضْت
فَيَخْزَى، وأما بالعشي فَيَخْسَرُ
فقال ابن عباس: ما هكذا قال، إنما قال: (فيضحَى وأما بالعشي فَيَخْصَر).
قال: نافع: أو تحفظ الذي قال؟ قال: والله ما سمعتُها إلا ساعتي هذه، ولو شئتَ أنْ
أردَّها فعلتُ. قال: فارْدُدْها، فأنشده إياها. ومعنى قوله: فيضحى أي يظهر للشمس.
و(يخصَر) - وهو من باب فَرِح -: أي أصابه البَرْدُ وآَلَمَه.
هذا وقد أشار ابن عبد البر إلى هذه القصة في ((جامعه)) (٦٩/١)، وانظرها أيضاً في:
(شرح ديوان عمر بن أبي ربيعة)) (ص١١).
(٥) ذكر ذلك ابن فهد في ((لحظ الألحاظ)) (٢٠٧).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٥
كتابةُ الحديثِ وضبطُه
وليس أحدٌ اليومَ على هذا فخُشي مِن عَدمِ تَقْبِيدهِ انْدِرَاسُه وضياعُه فدُوِّن.
ولذا قال ابنُ الصلاح: ((ولَوْلا تَدْوينُه في الكُتُب لَدَرَس في الأَعْصُرِ
الأخيرة))(١) .
يعني كما قال عُمرُ بنُ عبد العزيز في كتابه إلى أهل ((المدينة)): ((انْظُروا
ما كان من حديث رسول الله وَّ﴿ فاكتُبُوه فإني خَشِيتُ دُروسَ العلم وَذَهَابَ
(٢)
العُلَمَاءِ))(٢) .
وقال عياضٌ: ((والحالُ اليومَ داعيةٌ إلى الكتابة لانْتِشَارِ الظُّرُقِ، وطُولٍ
الأَسانيدِ، وقِلَّةِ الحِفْظِ، وكَلالِ الأَفْهام)»(٣).
وقال الخطيبُ: ((قد صار علمُ الكاتب في هذا الزمان أثبتَ من علم
الحافظ)» (٤)
.
وعن الشافعي قال: ((إنَّ هذا العلمَ يَنِدُّ كما تَنِدُّ الإِيِلُ، ولكنَّ الكُتبَ له
حُماة، والأَقلامَ عليه رُعَاة))(٥) .
وعن أحمدَ وإسحاقَ: ((لولا الكِتَابةُ أَيَّ شيءٍ كُنَّا (٦)؟!)) بل قال أحمدُ
وابنُ مَعِينٍ: ((كُلُّ مَنْ لا يَكْتُبُ لا يُؤْمَنُ عَلَيه الغَلَطُ))(٦). وعن ابنِ المُبارك قال:
(لولا الكِتَابُ ما حَفِظْنَا))(٧) .
لا سيما وقد ذكروا في الجَمْعِ بين الأَدِلَّة في الطََّفَين طُرُقاً.
أحدها: أن النَّهْيَ خاصٌّ بوقْتِ نزولِ القرآنِ خَشْيَةَ الْتِبَاسِهِ بغيرِه، والإذْنَ
(١) ((علوم الحديث)) (١٦٢).
(٢) أخرجه البخاري في ((العلم)): باب كيف يُقْبَض العلم (١٩٤/١)، والدارمي (١٢٦/١،
١٣٠) وغيرهما .
(٣) في ((الإلماع)) (١٤٩).
(٤) في ((تقييد العلم)) (٦٤) لكن بلفظ: ((وصار عِلْمُ الحَدِيثِ ... )) إلخ، ولعل أصلَها:
((علم كاتب الحديث))، فسقطت كلمة: ((كاتب)). والله أعلم.
(٥) أخرجه الخطيب في ((تقييد العلم)) (١١٤).
(٦) أخرجه ابن عبد البر في ((جامعه)) (٧٥/١).
(٧) أخرجه الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (٣٧٧)، ومن طريقه الخطيب في ((تقييد
العلم)» (١١٤).

كتابةُ الحديثِ وضبطُه
١٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
في غيرِ ذلك. ولذا خَصَّ بعضُهم النهيَ بحياتِهِ وَهُ. ونحوُه قولُ ابنِ عبد البَر:
((النَّهيُ لْلَا يُتَّخَذَ مع القرآنِ كتابٌ يُضَاهَى به))(١).
يعني: فحيثُ أُمِن المحذورُ بكثرةِ حُفَّاظه والمُعْتنينَ به، وقُوةٍ مَلَكةِ مَن
شاء الله منهم لتَمْبِيزِهِ عن غيرِه لم يَمْتَنِعِ .
٢ - أَوْ أَنَّ النَّهيَ خاصٌّ بكتابةِ غَيرِ القرآنِ مع القرآنِ في شيءٍ واحد، لأنَّهُم
كانوا يَسمعونَ تَأْوِيلَه فِرُبما كَتَبُوه معه. قال شيخُنا: ((ولعلَّ مِنْ ذلك ما قُرئَ شَاذّاً في
قوله تعالى: ﴿ما لبثوا حولًا في العذاب المهين﴾(٢) - والإذنَ في تَفْرِيقِهما(٣).
٣ - أو النهي مُتَقدِّمٌ، والإذنَ ناسخٌ له عِنْدَ الأَمْنِ مِن الالتباس، كما جَنَحَ
إليه ابنُ شاهين(٤)، فإن الإذنَ لأبي شاهٍ كان في فَتْحِ ((مَّة))، واستَظهَرَ لذلك بما
رَوى أنَّ أهلَ مكة كانوا يَكْتُبُون. قال شيخُنا: ((وهو أَقْرَبُها مَعَ أنَّه لا يُنَافِيها))(٥).
٤ - وقيل: النَّهيُ لمن تَمكّن من الحِفظ، والإذنُ لغيرِه (٦)، وقِصَّةُ أبي شاهٍ
- حيث كان الإذنُ له لمّا سَأَلَ فِيهَا - مُشْعِرَةٌ بذلك.
٥ - وقيل: النَّهيُ خاصٌّ بمن خُشيَ منه الاتِّكَالُ على الكِتَابِ دونَ الحِفظ،
والإذْنُ لمن أُمِنَ منه ذلك(٧). ولذا رُوي عن ابنِ سِيرينَ أنه كان لا يَرى بالكتابة بأساً
فإذا حَفِظ مَحَاهُ(٨). ونحوُه عن عاصم بن ضَمْرَةَ، وهشامٍ بنِ حسانَ(٩)، وغيرِهما .
(١) في ((جامعه)) (٦٨/١)، وذكره الخطيب في ((تقييد العلم)) (٥٧).
(٢) أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره)) (٧٤/٢٢) أن ابن عباس كان يقرأها كذلك. وهي
من الآية ١٤ من سورة ((سبأ))، ولَفْظَةُ ((حَوْلاً)) ليست في القراءة المتواترة، وإنما هو
تفسير لمُدَّة اللُّبث، سَمِعُوه منهِوَلـ
(٣) أورده الخطابي في ((معالم السنن)) (١٨٤/٤).
(٤) في كتابه: ((ناسخ الحديث ومنسوخه)) (٤٧٢)، وذكره ابن قتيبة في ((تأويل مختلف
الحديث)) (٢٨٦) كأحد طرق الجمع.
(٥) (فتح الباري)) (٢٠٨/١).
(٦) ذكره الخطيب في ((تقييد العلم)) (٦٥) واستشهد له بحديث: ((استعن بيمينك)) الماضي.
(٧) قاله ابن عبد البر في ((جامعه)) (٦٨/١).
(٨) أخرجه الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (٣٨٢).
(٩) أخرجه عن عاصم الرامهرمزي في المصدر السابق، والخطيب في ((تقييد العلم)) (٥٩)،
وعن هشام أخرجه الرامهرمزي (٣٨٣).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٧
كتابةُ الحدیثِ وضبطُه
وعن مالكٍ قال: ((لم يكن القومُ يكتبون، إنما كانوا يحْفَظون، فمن كتب
منهم الشيءَ فإنما كان ليحفظه، فإذا حَفِظه مَحَاه))(١) .
وقد رَوى البيهقيُّ(٢) - ومن طريقه ابنُ الصلاح(٣) - عن الأوزاعي قال:
((كان هذا العلمُ كريماً تَتَلَاقَاهُ الرجال بينَهم، فلما دخلَ في الكُتب دَخَل فيه غيرُ
أَهلِهُ(٤))) إلى غيرِ ذلك:
٦ - كالقولِ في حديثٍ أبي سعيدٍ - في النَّهْي -: ((إنَّ الصوابَ وَقْفُهُ)) كما
ذهب إليه البخاريُّ، وغيرُه(٥) .
(١) أخرجه ابن عبد البر في ((جامعه)) (٦٤/١).
(٢) في ((المدخل)) (ص ٤١٠).
(٣) في ((علوم الحديث)) (١٦١).
(٤) وأخرجه الخطيب في ((تقييد العلم)) (٦٤)، وابن عبد البر في ((جامعه)) (٦٨/١) بنحوه.
(٥) عزاه للبخاري أيضاً: ابن حجر في (الفتح)) (٢٠٨/١). قال الشيخ أحمد شاكر في
(الباعث الحثيث)) (١٢٧): ((وهذا غير جيد، فإن الحديث صحيح)) انتهى، وقد مضى
أن الإمام مسلماً أخرجه في ((صحيحه)).
ثم هناك طريق أخرى ذكرها ابن قتيبة في ((تأويل مختلف الحديث)) (٢٨٧) ومؤداها:
أن النهيَ كان لمن لا يُؤمن عليه الغلط في الكتابة، ومن إذا كتب لم يُتْقِن. والإذن
لمن هو بضد ذلك كعبد الله بن عمرو بن العاص فقد كان قارئاً للكتب المتقدمة،
ويكتب بالسريانية والعربية.
هذا وإن أَوجَهَ هذه الطرق وأحسنَها وأقواها القولُ بأن أحاديث الإذن ناسخة لأحاديث
النهي، قال الحافظ ابن حجر في ((الفتح)) (٢٠٨/١) عن النَّسْخ - بعد أن ذكر بعض
طرق الجمع -: ((وهو أقربها مع أنه لا ينافيها)).
وقال الشيخ أحمد شاكر في ((الباعث الحثيث)) (١٢٨): ((والجواب الصحيح أن النهي
منسوخ بأحاديثَ أخرى دلت على الإباحة)).
ثم ذكر بعض أدلة الإباحة كحديث: ((اكتبوا لأبي شاه)) وحديثٍ إذنه وَّ و لعبد الله بن
عمرو بن العاص، وحديث أبي هريرة في أنه لم يكن يكتب وأن ابنَ عمرو بن العاص
كان يكتب، ثم قال: ((وهذه الأحاديث مع استقرار العمل بين أكثر الصحابة والتابعين،
ثم اتفاق الأمة بعد ذلك على جوازها - كل هذا يدل على أن حديث أبي سعيد منسوخ،
وأنه كان في أول الأمر حين خيف اشتغالهم عن القرآن وحين خيف اختلاط غير القرآن
بالقرآن، ثم ذكر أن قصة أبي شاه كانت في فتح مكة وأن إخبار أبي هريرة - وقد تأخر
إسلامه ــ بأن ابن عمرو يكتب، كل ذلك يدل على النسخ، وأنه لو كان حديث أبي سعيد
في النهي متأخراً عنها لعُرف ذلك عند الصحابة يقيناً صريحاً. ثم قال: ((ثم جاء إجماع
الأمة القطعيُّ بعدُ قرينةً قاطعةً على أن الإذن هو الأمر الأخير، وهو إجماع ثابت بالتواتر =

كتابةُ الحديثِ وضبطُه
١٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وبالجُمْلَة: فالذي استقرَّ الأمرُ عليه: الإِجماعُ على الاستِحباب. بل قال
ـيخُنا:
((إنه لا يَبْعدُ وجوبُه على من خَشِيَ النِسيان ممن يتعيَّن عليه تبلیغُ
العِلم)) (١)، ونحوُه قولُ الذهبي: ((إنه تعيّن في المائة الثالثة - وَهَلُمَّ جَرًّا -
وَتَحَثَم(٢)). قال غيرُهما: ((ولا ينبغي الاقتصارُ عليها حتى لا يَصيرَ له تَصَوُّر
ولا يحفَظَ شيئاً (٣)، فقد قال الخَليل:
لَيْسَ بِعلْمِ مَا حَوَى القِمَظْرُ
ما العلمُ إلَّا ما حَواهُ الصَدْرُ(٤)
وقال آخر:
اسْتَوْدَعَ العِلْمَ قِرْطاساً فَضيَّعَهُ وبئسَ مستَودَعُ العلمِ القَرَاطِيسُ(٥
ولذا قال ثَعْلب: ((إذا أردتَ أن تكونَ عالماً فاكسِرِ القَلَمَ)) (٦).
العملي عن كل طوائف الأمة بعد الصدر الأول، رضي الله عنهم أجمعين)).
(٢) لم أظفر بمصدره.
(١) ((فتح الباري)) (٢٠٤/١).
(٣) أشار إليه الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (٣٨٧).
(٤) أورده ابن عبد البر في ((جامعه)) (٦٨/١) وعزاه للخليل بن أحمد، وأورده قبله
الرامهر مزيُ في ((المحدث الفاصل)) (ص٣٨٧) قائلاً: قال بعض القُوّال:
ما العلم إلا ما وعاه الصدر
لا خير في علم وعى القِمَظْر
وذكره أبو هلال العسكري في ((الحث على طلب العلم)) (ص٦٧) بلفظ:
ما العلم إلا ما وعاه الصدر
وليس علماً ما وعى القمطر
وأورده الخطيب باللفظ المذكور أعلاه، وقال: أنشدني عبيد الله بن أحمد الصيرفي،
وزاد بيتاً آخر بعده:
فذاك فيه شَرَفٌ وفخرُ
وزينةٌ جليلة وقَدْرُ
ومن طريق الخطيب ذكره السمعاني في ((أدب الإملاء)) (ص ١٤٧).
والقِمَطر - بكسر القاف وفتح الميم، ثم مهملتين - يراد به هنا: ما يصان فيه الكتب.
((القاموس)).
(٥) أورده بهذا اللفظ ابن عبد البر في ((جامعه)) (٦٩/١)، وساق بسنده إلى يونس بن حبيب
أنه سمع رجلاً ينشد ... ثم ذكره.
وأورده الرامهرمزي في ((المحدث الفاصل)) (ص٣٨٧) قائلاً: (وتمثل الأعمش بهذا
البيت) أو قاله:
وبئس مستودع العلم القراطيس
تَستودعُ العلمَ قرطاساً تُضَيّعه
(٦) لم أظفر بمصدره.
=

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
١٩
كتابةُ الحدیثِ وضبطُه
وأوَّلُ من دَوَّنَ الحديثَ ابنُ شهاب الزهريُّ على رأس المائة الثانية بأمرٍ
من عُمرَ بنِ عبدِ العزيز، وبَعَث به إلى كل أرضٍ له عليها سُلطان(١).
ثم كَثُرَ التدوين، ثم التصنيفُ وحصلَ بذلك خيرٌ كثير، وحينئذٍ فقد قال
السُّبْكي: ((ينبغي للمرء أن يتخذَ كتابةَ العلم عبادةً، سواءٌ توقَّع أن يترتَّبَ عليها
فائدةٌ أم لا))(٢) .
قال بعضُ العلماء: ((وإنما لم يَجْرِ الخلافُ بين المُتَقدِّمينَ أيضاً في القرآن
لأن الدَّوَاعِيَ تَتَوفَّر على حفظِه وإنْ كان مكتوباً، وذلك لِلَّذَاذَةِ نَظْمِه وإيجازِهِ،
وحُسنِ تأليفه وإعجازِهِ، وكمالِ بلاغاتِهِ، وحُسنِ تَنَاسُبِ فواصِلِه وغاياتِهِ، وزيادةٍ
التَبُّكِ به، وَطَلَبٍ تحصيلِ الأجورِ العظيمةِ بِسَبَبِّهِ)).
المسألة الثانية :
(وينبغي) استحباباً متأكّداً - بل عبارةُ ابن خَلَّاد(٣) وعياض (٤) تقتضي ٥٦١
الوجوبَ. وبه صَرَّح المَاوَرْدِي(٥)، ولكن في حق مَن حَفِظ (٦) العلمَ بالخطّ -
لطالبِ العلم، لا سيما الحديثُ ومُتَعَلَّقَاتِهِ مع صَرفِ الهمة لضبطِ ما يُحَصِّله
بخطه، أو بخط غيره من مَرْوِيِّه وغيره من كُتُبِ العلوم النافعةِ ضَبْطاً يُؤْمَن
مَعه الالتِباسُ: (إِعْجَامُ) أي نَقْطُ (ما يُسْتَعْجَمُ) بإِغْفَال نَّقْطِهِ بحيثُ تَصِيرُ فيه
وثعلب: هو: الإمام النحوي المحدث أبو العباس أحمد بن يحيى بن يزيد البغدادي.
=
مات سنة ٢٩١. ((طبقات النحويين واللغويين)) (١٤١)، و((السير)) (٥/١٤).
(١) أخرجه ابن عبد البر في ((جامعه)) (٧٣/١) عن الدراوردي، و(٧٦/١) عن الزهري نفسه
وعن مالك بن أنس.
(٢) لم أظفر بمصدره.
والسبكي: هو القاضي المؤرخ الفقيه تاج الدين أبو نصر عبد الوهاب بن علي بن
عبد الكافي، صاحب كتاب ((طبقات الشافعية الكبرى)). مات سنة ٧٧١، ((الوفيات))
(٣٦٢/٢)، و((حسن المحاضرة)) (٣٢٨/١).
(٣) في ((المحدث الفاصل)) (ص٦٠٨).
(٤) في ((الإلماع)) (١٤٩ - ١٥٠).
(٥) في كتابه: ((أدب الدنيا والدين)) (ص٦٨) والمَاوَرْدِيُّ هو الإمامُ العلّامة القاضي أبو
الحسن عليُّ بنُ محمدِ البصريُّ. مات سنة ٤٥٠. ((تاريخ بغداد)» (١٠٢/١٢) و((السير))
(٦٤/١٨).
(٦) كذا في النُّسَخ، وعند الماوَرْدي: ((مَنْ أراد حِفظَ)) وهو الظاهر.

كتابةُ الحدیثِ وضبطُه
٢٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
عُجْمة، بل يُمَيِّزُ الخَاءَ المعجمةَ من الحاءِ المهملةِ، والذالَ المعجمةَ من الدال
المهملة، كحديثٍ: ((عليكُم بِمِثْلِ حصى الخَذْفِ)) (١)، فَيُعجِم كُلَّ من الخاءِ
والذالِ بالنَقْطِ، وكالنَقِيعِ والبَقِيعِ فَيُمَيِّزُ ما يكونُ بالنون مما بالمُوحَّدة.
وكذا في الأَسماءِ يُبَيِّن خَبَّاباً من جَنَاب وحُبَاب، وأبا الجَوْزَاءِ من أبي
الحوْراء، وما أَشْبهَ ذلك، وإنْ لم يَعْتَنِ بذلك الكثيرُ من المُتَقدّمين اتّكالاً على
حِفظهم كإيرادِهم الموضوعاتِ بدون تصريح ببيانها، فقد قال الثوريُّ - فیما نقله عنه
الماوَرْدِيُّ في ((أدب الدنيا والدين)) له -: ((الَّخُطُوطُ المُعْجَمةُ كالْبُرُودِ المُعْلَمَةِ))(٢)،
وقال بعضُ الأدباء: ((رُبَّ عِلم لم تُعجَمْ فُصولُه استَعْجَم مَحْصُولُه))(٢).
وقال الأوزَاعِيُّ: عن ثابت بنِ مَعْبَد: ((نُورُ الكتابِ العَجْمُ))، وكذا يُرْوَى
من قولِ الأوزاعي (٣).
وقال غيرُه: ((إِعْجَامُ المكتوبِ يمنَعُ من اسْتِعْجَامِهِ)) (٤). بل أَوْرَدَ الخطيبُ
في ((جامعه)) من طريق قيسٍ بنِ عبَّاد عن محمدٍ بن عُبيد بن أوس الغساني - كاتب
معاويةَ - عن أبيه أنه قال: كتبتُ بين يدي معاويَة ◌ُّه كتاباً فقال لي: يا عُبيد
ارقُش كتابَك، فإني كتبت بين يدي رسول الله وَّه فقال لي: ((يا معاويةُ ارقش
كتابَك))، قلتُ: وما رَقْشُه يا أمير المؤمنين؟ قال: إعطاءُ كلِّ حرفٍ ما ينوبُه من
النَّقْطِ)) (٥). (و) كذا ينبغي (شَكْلُ مَا يُشْكِلُ) إعْرابُه مِنَ المُتُون والأسماءِ في
(١) أخرجه مسلمٌ في ((الحج)): باب استحباب إدَامَةِ الحاجّ التَّلْبِيَةَ ... )) (٩٣١/٢)، وأبو
داود في ((المناسك)): باب التعجيلِ مِنْ جَمْع (٤٨٢/٢) وغيرُهما.
والخَذْف: بفتح الخاء المعجمة وإسكان الذال المعجمة وبعدها فاء. والمرادُ توجيهُ
الحاج إلى رَمْي الجِمَار بحصَى صغارٍ. وانظر: ((النهاية)) (١٦/٢).
(٢) ((أدب الدنيا والدين)) (ص٧٢).
(٣) أخرجه عن ثابت بن معبد: الخطيبُ في ((جامعه)) (٢٧٦/١) والقاضي عياضٌ في
((الإلماع)) (١٤٩). وأخرجه من قول الأوزاعي: الرامهر مزيُّ في ((المحدث الفاصل))
(٦٠٨، ٦٠٩)، وعلّق على كلمة: ((العَجْم)) بقوله: ((هكذا لفظُ الحديث، والصوابُ:
(الإعجامُ، أَعجمتُ الكتابَ فهو مُعْجَم لا غيره)). قلت: ولفظُ الأوزاعيِّ عند العسكري
في ((شرح ما يقع فيه التصحيف)) (ص١٤): (إعجامُ الكتاب نورُه).
(٤) ((أدب الدنيا والدين)) (ص٧٢).
(٥) أخرجه الخطيبُ في ((جامعه)) (٢٦٩/١)، وفي سنده عبيدُ بن أوس، قال الذهبي في =