النص المفهرس

صفحات 501-520

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٥٠١
الخامس: المكاتبة
وبـ ((أحكام القرآن))، و((مسائل ابن أبي أويس))، و((المسائل المبسوطة عن
مالك))(١)، ولكن هذا قد دخل في أوَّل أنواع الإجازة(٢).
(أو) لم يجز، بل (جردها) أي: الكتابة عن الإجازة؛ وهو النَّوع الثَّاني
(صحَّ على الصَّحيح والمشهور) عند أهل الحديث.
٥٣٤
قال عياض: [لأنَّ](٣) في نفس كتابه إليه بخطه، أو إجابته إلى ما طلبه عنده
من ذلك أقوى إذن، متى صحَّ عنده أنَّه خظُه وكتابُه(٤)، يعني: كما في النَّوع قبله.
قال: وقد استمرَّ عملُ السَّلف فمن بعدهم من الشيوخ بالحديث بقولهم:
كتب إلي فلان، قال: [ثنا](٥) فلان، وأجمعوا على العمل بمقتضى هذا
الحديث، وعدّوه في السَّند بغير خلاف يعرف في ذلك، وهو موجود في
الأسانيد كثيراً (٦).
وتبعه ابن الصَّلاح فقال: وكثيراً ما يوجد في مسانيدهم ومُصنَّفاتهم
قولهم: كتب إلي فلان [حدثنا](٧) فلان، والمراد به هذا، وذلك معمول به
عندهم معدود في المسند الموصول، وفيها إشعارٌ قويٌّ بمعنى الإجازة، فهي
وإن لم تقترن بالإجازة لفظاً، فقد تضمنتها معنى (٨) .
والحاصل: أنَّ الإرسال إلى المكتوب إليه قرينة في أنَّه سلَّطه عليه، فكأنَّه
لفظ له به، وإذا كان كذلك لم يحتج إلى التلفظ بالإذن.
ونحوه ما حكاه الرامهرمزي عن بعض أهل العلم، قال: الكتاب المتيقَّن
من الراوي وسماع الإقرار منه سواء؛ لأنَّ الغرض من القول باللِّسان فيما تقع
العبارة فيه باللَّفظ، إنَّما هو تعبير اللِّسان عن ضمير القلب، فإذا وقعت العبارة
عن الضَّمير بأيِّ سبب كان من أسباب العبارة إمَّا بكتاب، وإمَّا بإشارة، وإمَّا
بغير ذلك ممَّا يقوم مقامَه كان ذلك كلُّه سواء.
(١) ((الكفاية)) (ص ٤٨٧ - ٤٨٨).
(٢) في حاشية (م): ثم بلغ نفع الله به كذلك.
(٣) كذا في (س)، (م)، والإلماع، وفي (ح): لا، بدون نون.
((الإلماع)) (ص٨٤).
(٤)
(٥) کذا في (س)، (ح)، وفي (م): حدثنا.
(٧) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ثنا.
(٦) ((الإلماع)) (ص٨٦).
(٨) ((علوم الحديث)) (ص١٥٤).

الخامس: المكاتبة
٥٠٢
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وقد روي عن النَّبيِ نَّهِ ما يدلُّ على أنَّه أقام الإشارة مَقام القول في
العبارة، وذكر حديث الجارية، وقوله لها: ((أين ربُّك؟ فأشارت إلى
السَّماء))(١) .
(قال به) أي: بتصحيح هذا النَّوع والرِّواية به (أيوب) السختياني (مع
٥٣٥ منصور) بن المعتمر (والليث) بن سعد، وخلق من المتقدمين والمتأخرين.
أمَّا اللَّيث، فقد حدث عن بكير بن عبد الله بن الأشج(٢) وخالد بن يزيد،
وعبد الله بن عمر العمري، وعبيد الله بن أبي جعفر(٣) وهشام بن عروة،
.(٤)
ويحيى بن سعيد بالمكاتبة
بل وَصرَّح فيها بالتَّحديث، بل قال أبو صالح كاتبه: إنَّه كان يُجيز كَتْبَ
العلم لمن يسأله، ويراه جائزاً واسعاً(٥).
وأمَّا الآخران، فقال شعبة: كتب إلي منصور بحديثٍ ثمَّ لقيتُه فقلت:
أحدِّث به عنك؟ قال: أو ليس إذا كتبت إليك فقد حدَّثتك؟ ثم لقيتُ أيوب
فسألته، فقال مثلَ ذلك(٦).
(١) ((المحدث الفاصل)) (ص٤٥٢ - ٤٥٣)، و((الكفاية)) (ص٣٤٥).،
والحديث: أخرجه أبو داود: باب في الرقبة المؤمنة، كتاب ((الأيمان والنذور)) رقم
(٣٢٨٤).
وأخرجه مسلم: باب تحريم الكلام في الصلاة ونسخ ما كان من إباحته، كتاب
المساجد (٢٠/٥ - ٢٤)، وأبو داود: في الباب المذكور رقم (٣٢٨٢)، وفي باب
تشميت العاطس في الصلاة، كتاب الصلاة رقم (٩٣٠)، والنسائي في باب الكلام في
الصلاة، كتاب الصلاة (١٤/٣ - ١٨) مطولاً، وفيه: ((فقال لها: أين الله؟ قالت: في
السماء ... الحديث)).
(٢) في حاشية (س): وعن أحمد أنه سمع من بكير نحو ثلاثين حديثاً.
(٣) هو: عبيد الله بن أبي جعفر المصري، أبو بكر الفقيه، أحد الأعلام، المتوفى سنة
ست وثلاثين ومائة.
((الكاشف)) (٢٢٤/٢)، و((تهذيب التهذيب)) (٤٦٢/٨، ٤٦٥) ..
(٤) ((الكفاية)) (ص٤٩٠ - ٤٩١).
((المحدث الفاصل)) (ص ٤٤٠)، و((الكفاية)) (ص٤٦١).
(٥)
(٦) ((المحدث الفاصل)) (ص٤٣٩)، و((معرفة علوم الحديث)) للحاكم (ص٢٦١)،
و ((الإلماع)) (ص٨٤ - ٨٥).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٥٠٣
الخامس: المكاتبة
وعمل به زكريا بن أبي زائدة(١)، فقال عبيد الله بن معاذ: إنَّه كَتَب وهو
قاضي الكوفة إلى أبيه (٢)، وهو قاضي البصرة:
من زكريا إلى معاذ .... سلامٌ عليك .... فإنِّي أحمد إليك الله الذي لا
إله إلا هو ... وأسأله أن يصلّيَ على محمَّدٍ عبدِه.
أما بعد:
أصلحنا الله وإياك بما أصلح به الصَّالحين، فإنَّه هو أصلحهم [حذَّثنا](٣)
العباس بن ذَرِيح(٤) عن الشَّعبي قال: كتبت عائشة إلى معاوية
ـها :
أُمَّا بعد:
فإنَّه من يعمل بمعاصي الله يُعدُّ حامدُه من النَّاس له ذامًّا، والسَّلام(٥).
وصحَّحه - أيضاً - غير واحد من الشَّافعيين، منهم: الشَّيخ أبو حامد
الإسفرائيني(٦)، والمحاملي(٧)، وصاحب المحصول(٨) (و) أبو المظفَّر
(السَّمعان) بحذف ياء النسبة، منهم (قد أجازه) أي: الكتاب المجرد، بل (وعده
أقوى من الإجازة) المجرّدة(٩) .
(١) هو: زكريا بن أبي زائدة خالد بن ميمون الوادعي، أبو يحيى الكوفي، قاضيها،
المتوفى سنة ثمان، أو تسع وأربعين ومائة.
((سير أعلام النبلاء)) (٢٠٢/٦ - ٢٠٣)، والخلاصة (ص١٠٤).
(٢) هو: معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري، الحافظ، أبو المثنى التميمي البصري،
المتوفى سنة ست وتسعين ومائة.
((تذكرة الحفاظ)) (٣٢٤/١ - ٣٢٥)، و(«تقريب التهذيب)) (ص٣٤٠).
(٣) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): ثنا.
(٤) هو: العباس بن ذريح - بفتح المعجمة وكسر الراء وآخره مهملة - الكلبي الكوفي، وثقه
ابن معين والدارقطني وابن حبان، من السادسة.
((تهذيب التهذيب)) (١١٧/٥)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٦٥).
(٥) ((المحدث الفاصل)) (ص٤٤٨ - ٤٤٩)، و((الكفاية)) (ص٤٨٥).
(٦) هو: أحمد بن محمد بن أحمد، أبو حامد الإسفرائيني، إمام الشافعية في زمانه،
المتوفى سنة ست وأربعمائة.
(تهذيب الأسماء واللغات)) (٢٠٨/٢/١ - ٢١٠)، و((البداية والنهاية)) (٢/١٢ -٣).
(٧) ((الإلماع)) (ص٨٤).
(٨) ((المحصول)) (٦٤٥/١/٢).
(٩) ((القواطع)) (٣٣٤/٢ - ٣٣٥)، و((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٥٤).

الخامس: المكاتبة
٥٠٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وإلى ذلك - أعني: تفضيل الكتابة المجردة على الإجازة المجردة - صار
جماعةٌ من الأصوليين - أيضاً - منهم: إمام الحرمين(١)، وكأنَّه لما فيها من
التشخيص والمشاهدة للمروي من أوَّل وهلة، وإن توقف بعض المتأخّرين في
ذلك؛ لاستلزامه تقديم الكناية على الصَّريح.
٥٣٦
(وبعضهم) أي: العلماء (صحَّة ذاك) أي: المذكور من الكتابة المجردة
(منعا) كالمناولة المجردة حسبما تقدم فيها (٢).
وقال السَّيف الآمدي: لا يرويه إلَّا بتسليط من الشَّيخ، كقوله: فاروه
عنِّي، أو أجزت لك روايته (٣) .
وذهب أبو الحسن ابن القطّان إلى انقطاع الرِّواية بالكتابة المجردة(٤).
(و) الإمام أبو الحسن الماوردي (صاحب الحاوي) الكبير فيه (به) أي:
بالمنع (قد قطعا)(٥) .
ولكن هذا القول غلط، كما قاله عياض، أو حكاه (٦)، والمعتمد الأول،
وهو صحَّته وتسويغ الرِّواية به، واستدل له البخاري في (صحيحه)) بنسخ
عثمان صوته المصاحف(٧).
والاستدلال بذلك واضحٌ لأصل المكاتبة، لا خصوص المجردة عن
الإجازة، فإن عثمان أمرهم بالاعتماد على ما في تلك المصاحف، ومخالفة ما
عداها، والمستفاد من بعثه المصاحف إنَّما هو ثبوت إسناد صورة المكتوب فيها
إلى عثمان، لا أصل ثبوت القرآن، فإنَّه متواتر عندهم(٨).
(١) ((البرهان في أصول الفقه)) (٦٤٦/١).
(٢) (ص٤٧٤ - ٤٧٥).
(٣) ((الإحكام)) للآمدي (١٠١/٢).
(٤) قال في ((بيان الوهم والإيهام)) (٥٣٨/٢): وهو حديث منقطع، إنما كتب به جابر بن
سمرة. وانظر: (٥٤٠/٢ - ٥٤٢).
(٥) أدب القاضي من الحاوي للماوردي (٣٨٩/١).
(٦) في ((الإلماع)) (ص٨٤).
(٧) ((صحيح البخاري)): باب ما يذكر في المناولة، وكتاب أهل العلم بالعلم إلى البلدان،
كتاب العلم (١/ ١٥٣).
(٨) ((فتح الباري)) (١٥٤/١).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
١٠٥
الخامس: المكاتبة
بل استدل بحديث ابن عَبَّاس [رَ﴾](١) قال: بعث رسول الله ورسله بكتابه
رجلاً، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى (٢).
وبحديث أنس به: كتب النَّبِي وَّهَ كتاباً أو أراد أن يكتب(٣)، ووجه
دلالتهما على ذلك ظاهر.
بل ويمكن أن يستدل بأولهما للمناولة - أيضاً - من حيث إنَّه وَّ ناول
الكتاب لرسوله، وأمره أن يخبر عظيم البحرين بأنَّ هذا كتاب رسول الله وَله
وإن لم يكن سمع ما فيه، ولا قرأه.
وقد صارت كتب النّبِي وَ ل * ديناً يدان بها، والعمل بها لازم للخلق.
وكذلك ما كتب به أبو بكر وعمر [﴾](٤) وغيرهما من الخلفاء
الرَّاشدين، فهو معمولٌ به، ومن ذلك كتاب القاضي إلى القاضي يحكم به،
ويعمل به (٥) .
وفي الصَّحيحين اجتماعاً وانفراداً أحاديث من هذا النَّوع، من رواية
التَّابعي عن الصَّحابي، أو من رواية غير التَّابعي عن التَّابعي، ونحو ذلك:
فمما اجتمعا عليه حديث وراد (٦)، قال: كتب معاوية إلى المغيرة ﴿ه أن
اكتب إليَّ ما سمعت من رسول الله وَ ﴿، فكتب إليه: أنَّ النَّبي ◌َلّ كان
يقول ... الحديث(٧).
(١) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٢) رواه البخاري في الباب المذكور قريباً (١٥٤/١).
(٣) رواه البخاري في الباب المذكور آنفاً (١٥٥/١)، ومسلم: باب تحريم خاتم الذهب
على الرجال، كتاب اللباس والزينة (٦٩/١٤).
(٤) ما بين المعقوفين لا يوجد في (س).
(٥) انظر: ((الكفاية)) (ص٤٩١)، و((المهذب)) للشيرازي (٣٠٤/٢)، و((المغني)) لابن قدامة
(٤٥٧/١١)، و((فتح القدير)) لابن الهمام (٤٧٧/٥)، و((الشرح الكبير)) للدردير (١٥٩/٤).
(٦) هو: وراد - بتشديد الراء - الثقفي، أبو سعيد، أو أبو الورد، الكوفي، كاتب المغيرة
ومولاه، ثقة، من الثالثة.
((تقريب التهذيب)) (ص٣٦٩)، والخلاصة (ص ٣٥٠).
(٧) رواه البخاري: باب الذكر بعد الصلاة، كتاب الأذان (٣٢٥/٢)، ومسلم باب
استحباب الذكر بعد الصلاة وبيان صفته، كتاب المساجد ومواضع الصلاة (٩٠/٥)، =

الخامس: المكاتبة
٥٠٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
وحديث عبد الله بن عون، قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدُّعاء قبل
القتال، فكتب إليَّ: أنَّ النبي ◌َ﴿ أغار على بني المصطلق وهم غارون ...
الحدیث.
وفيه: حَدَّثني هذا ابن عمر ﴿هما وكان في ذلك الجيش(١).
وحديث موسى بن عقبة عن سالم أبي النَّضر(٢) مولى عُمر بن عبيد الله(٣)،
وكان كاتباً له، قال: كتب إليه عبد الله بن أبي أوفى عظته أنَّ رسول الله وَله
قال: ((واعلموا أنَّ الجنَّة تحت ظلال السُّيوف))(٤).
وحديث أبي عثمان النَّهدي، قال: أتانا كتاب عمر ظُه ونحن مع عتبة بن
فرقد بأذربيجان ((أن رسول الله (وَ لقر نهى عن الحرير))(٥).
وممَّا انفرد به البخاريُّ حديثُ هشام الدّستوائي، قال: كتب إليَّ يحيى بن
وأبو داود: باب ما يقول الرجل إذا سلم، كتاب الصلاة رقم (١٥٠٥)، والنسائي:
=
باب نوع آخر من القول عند انقضاء الصلاة، كتاب الصلاة (٧٠/٣ - ٧١).
(١) رواه البخاري: باب من ملك من العرب رقيقاً فوهب وباع وجامع وفدى وسبى
الذرية، كتاب العتق (١٧٠/٥)، ومسلم: باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم
دعوة الإسلام من غير تقدم إعلام بالإغارة، كتاب الجهاد والسير (٣٥/١٢ - ٣٦)،
وأبو داود: باب في دعاء المشركين كتاب الجهاد، رقم (٢٦٣٣).
(٢) هو: سالم بن أبي أمية المدني، أبو النضر، المتوفى سنة تسع وعشرين ومائة.
((الاستغناء في معرفة المشهورين من حملة العلم بالكنى)) لابن عبد البر (٧٤٨/٢)،
و ((تهذيب التهذيب)) (٤٣١/٣ - ٤٣٢).
(٣) هو: عمر بن عبيد الله بن معمر القرشي التيمي، أحد وجوه قريش وأشرافها، توفي سنة
اثنتین وثمانين.
((الجرح والتعديل)) (١٢٠/١/٣)، و((تعجيل المنفعة)) (ص١٩٧ - ١٩٩).
(٤) رواه البخاري: باب الجنة تحت بارقة السيوف، كتاب الجهاد (٣٣/٦)، ومسلم: باب
كراهة تمني لقاء العدو والأمر بالصبر عند اللقاء، كتاب الجهاد والسير (٤٥/١٢ -
٤٧)، وأبو داود: باب في كراهة تمني لقاء العدو، كتاب الجهاد رقم (٢٦٣١).
(٥) رواه البخاري: باب لبس الحرير للرجال وقدر ما يجوز منه، كتاب اللباس (٢٨٤/١٠)،
ومسلم: باب تحريم الذهب والحرير على الرجال وإباحته للنساء، كتاب اللباس والزينة
(٤٥/١٤ - ٤٧)، وأبو داود: باب ما جاء في لبس الحرير، كتاب اللباس رقم (٤٠٤٢)،
والنسائي: باب الرخصة في لبس الحرير، كتاب الزينة (٢٠٢/٨).

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٥٠٧
الخامس: المكاتبة
أبي كثير عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه رفعه: إذا أقيمت الصَّلاة فلا تقوموا
حتَّى تروني(١) .
وممَّا انفرد به مسلم حديثُ عامر بن سعد بن أبي وقاص قال: كتبت إلى
جابر بن سمرة ◌ًا مع غلامي نافع (٢) أن أخبرني بشيء سمعته من رسول الله والده
قال: فكتب إلي: سمعت رسول الله وَ﴿ يومَ جمعة عَشيّة رجم الأسلمي ...
فذكر الحديث(٣).
بل روى البخاري عن شيخه بالمكاتبة، حيث قال في باب إذا حنث ناسياً
في الأيمان والنذور: كتب إلي محمَّد بن بشار ... وذكر حديثاً للشّعبي عن
البراء(٤).
ولم يقع له بهذه الصِّيغة عن أحد من مشايخه سواه، وكأنَّه لم يسمع منه
هذا الحديث بخصوصه، فرواه عنه بالمكاتبة، وإلّا فقد أكثر عنه في ((صحيحه))
بالسَّماع.
وكذا روى بها أبو داود في ((سننه)) فقال: كتب إلي حسين بن حريث أبو
عَمَّار المروزي(٥) فذكر حديثاً (٦).
(ويكتفى) في الرواية بالكتابة (أن يعرف المكتوب له) بنفسه، وكذا - فيما ٥٣٧
يظهر - بإخبار ثقة معتمد (خط) الكاتب (الذي كاتبه) وإن لم تقم البينة على
(١) تقدم تخريجه (ص١٤١).
(٢) نافع مولى عامر بن سعد، مستور، من الثالثة. ((تقريب التهذيب)) (ص٣٥٥)،
والخلاصة (ص٣٤٣).
(٣) ((صحيح مسلم): باب الناس تبع لقريش والخلافة في قريش، كتاب الإمارة (٢٠٣/١٢
- ٢٠٤).
(٤) (صحيح البخاري)) (١١/ ٥٥٠)، وانظر ما تقدم (ص١١٢).
(٥) هو: الحسين بن حريث بن الحسن بن ثابت، مولى عمران بن حصين، أبو عمار
الخزاعي المروزي، ثقة، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومائتين. ((تقريب
التهذيب)» (ص٧٣)، والخلاصة (ص ٧٠).
(٦) (سنن أبي داود)): باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء، كتاب النكاح رقم
(٢٠٤٩).

الخامس: المكاتبة
٥٠٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
الكاتب برؤيته وهو يكتب ذلك، أو بالشَّهادة عليه أنَّه خطه (١)، أو لمعرفة أنَّه
خُطُّه للتَّوسُّع في الرِّواية.
٥٣٨
(وأبطله قوم) فلم يجوِّزوا الاعتماد على الخَطّ، واشترطوا البينة بالرؤية أو
الإقرار (للاشتباه) في الخطوط، بحيث لا يتميَّز أحدُ الكاتبين عن الآخر،
ومنهم: الغزالي فإنَّه قال في ((المستصفى)): إنَّه لا يجوز أن يرويه عنه؛ لأنَّ
روايته شهادة عليه بأنَّه قاله والخطّ لا يعرفه (٢)، يعني: جزماً.
و(لكن ردا) هذا، وقال ابن الصَّلاح: إنَّه غير مرضي، (لندرة اللَّبس)
والظاهر أنَّ خطَّ الإنسان لا يشتبه بغيره، ولا يقع فيه إلباس(٣) .
وكذا قال ابن أبي الدم: ذهب بعض المحدثين وغيرهم إلى أنَّه لا يجوز
الاعتماد على الخطّ، من حيث إنَّ الخطّ يتشابه، أخذاً من الحاكم في أنَّه لا
يجوز له العمل بما يَرِدُ عليه من المكاتبات الحُكْمِيَّة من قاضٍ آخر إذا عَرف
الخَطَّ على الصَّحيح.
وهذا وإن كان له اتجاه في الحكم، فالأصحُّ الَّذي عليه العمل - يعني:
سلفاً وخلفاً - هنا جواز الاعتماد على الخَطِّ؛ لأنَّهِ وَ ر كان يبعث كتبه إلى
عُمَّاله فيعملون بها، واعتمادهم على معرفتها .
قلت: وإليه ذهب الإصطخري(٤) حيث اكتفى بكتاب القاضي المجرد عن
الإشهاد إذا وثق القاضي المكتوب إليه بالخطّ والختم(٥).
والصَّحيح ما تقدَّم، وباب الرِّواية على التَّوسعة، بل صَرَّح في زوائد
((الروضة)) باعتماد خَطّ المفتي إذا أخبره من يقبل خبره أنَّه خَظُّه، أو كان يعرف
(١) في حاشية (ح): ثم بلغ نفع الله به قراءة علي في البحث والجماعة سماعاً. كتبه
مؤلفه .
(٢) ((المستصفى)) (١٦٦/١).
(٣) ((علوم الحديث)) (ص١٥٤).
(٤) هو: الحسن بن أحمد بن يزيد الإصطخري، أبو سعيد، الإمام الجليل، الفقيه
الشافعي، المتوفى سنة ثمان وعشرين وثلاثمائة.
(تاريخ بغداد)) (٢٦٨/٧ - ٢٧٠)، و((البداية والنهاية)) (١٩٣/١١).
(٥) ((المهذب)) لأبي إسحاق الشيرازي (٣٠٤/٢)، وفيه: وهذا خطأ، لأن الخط يشبه
الخط والختم يشبه الختم، فلا يؤمن أن يزور على الخط والختم.

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٥٠٩
الخامس: المكاتبة
خطَّه ولم يشكّ، في فروع، منها: لو وجد بخط أبيه الذي لا يشكّ فيه ديناً
على أحد ساغ له الحلف فيه (١).
وحينئذٍ فمحاكاة الخطوط فيها من المحذور ما لا يخفى، فيتعين اجتنابه،
وإن حاكى حافظ دمشق الشَّمسُ ابن ناصر الدين(٢) خَطَّ الذّهبي(٣)، ثم حاكاه
بعضُ تلامذته في طائفة.
٥٣٩
(وحيث أدى) المكاتب ما تحمَّله من ذلك، فبأيِّ صيغة يؤدِّي؟ (فالليث)
ابن سعد (مع منصور) هو ابن المعتمر (استجازا) إطلاق (أخبرنا) و(حدثنا
جوازا) لأنهما كما سلف قريباً قالا: أليس إذا كتبت إليك فقد حَدّثتك (٤)؟.
وكذا قال لوين(٥): كتب إلي وحدثني واحد (٦).
ولكن الجمهور من أهل الحديث قد منعوا الإطلاق (وصحَّحوا التقييد ٥٤٠
بالكتابة) فيقول: [حدثنا أو أخبرنا](٧) كتابة أو مكاتبة وكذا كتب إليَّ إن كان
بخطه ونحو ذلك.
(وهو) كما قال ابن الصَّلاح(٨)، تبعاً للخطيب(٩) (الذي يليق بـ) مذاهب
أهلِ التَّحري في الرِّواية والورع، و(النزاهة) أي: التَّباعد عن إيهام التلبيس.
قال الحاكم: الذي أختاره وعهدت عليه أكثر مشايخي وأئمة عصري أن
(١) ((روضة الطالبين)) للنووي (١٥٩/١١).
(٢) هو: محمد بن عبد الله بن محمد بن أحمد بن مجاهد القيسي، الحموي الأصل،
الدمشقي، الشافعي، الشهير بابن ناصر الدين، شمس الدين الحافظ، أبو عبد الله،
المتوفى سنة اثنتين وأربعين وثمانمائة.
((الضوء اللامع)) (١٠٣/٨ - ١٠٦)، و((البدر الطالع)) (١٩٨/٢ - ١٩٩).
(٣) انظر: ((معجم الشيوخ)) لابن فهد (ص٢٣٩)، و((الضوء اللامع)) (١٠٥/٨).
(٤) (ص٥٠٢).
(٥) هو: محمد بن سليمان الأسدي البغدادي، ثم المصيصي، أبو جعفر العلاف المتوفى
سنة خمس أو ست وأربعين ومائتين.
((العبر)) (٤٤٦/١)، و((تقريب التهذيب)) (ص٢٩٩ - ٣٠٠).
(٦) ((الكفاية)) (ص٤٩١).
(٧) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ثنا أو أنا.
(٨) ((علوم الحديث)) (ص ١٥٥).
(٩) ((الكفاية)) (ص٤٨٨).

الخامس: المكاتبة
٥١٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
يقول فيما كتب إليه المحدِّث من مدينة ولم يشافهه بالإجازة: كتب إلي
فلان(١) .
وكذا قال الخطيب(٢): كان جماعة من أئمة السَّلف يفعلونه(٣).
(١) ((معرفة علوم الحديث)) (ص ٢٦٠).
(٢) ((الكفاية)) (ص٤٨٨).
(٣) في حاشية (م): ثم بلغ كذلك نفع الله به. كتبه مؤلفه.
ملحوظة: انظر بحث الكتابة في:
١ - (الإلماع))، للقاضي عياض (٨٣ - ٨٧).
٢ - ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص١٥٣ - ١٥٥).
٣ - ((شرح التبصرة والتذكرة))، للعراقي (١٠٣/٢ - ١٠٦).
٤ - ((تدريب الراوي))، للسيوطي (ص٢٧٧ - ٢٧٩).
٥ - ((توضيح الأفكار))، للصنعاني (٣٣٨/٢ - ٣٤١).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٥١١
السادس: إعلام الشَّيخ
القسم (السادس) من أقسام أخذ الحديث وتحمله
(إعلام الشيخ)
الطّالب لفظاً بشيء من مرويه من غير إذن له في روايته عنه.
وأخر - مع كونه صريحاً - عن الكتابة الّتي هي الإعلام كناية، لما فيها
من التَّصريح بالإذن في أحد نوعيها(١).
(وهل لمن أعلمه الشَّيخ بما يرويه) حديثاً فأكثر، عن شيخ فأكثر حسب ٥٤١ ..
ما اتفق له وقوعه سَمَاعاً أو إجازة أو غيرهما من أقسام التَّحمّل مجرداً عن
التلفظ بالإجازة (أن يرويه) أم لا؟
(فجزما بمنعه) أبو حامد (الطَّوسي) بضم المهملة من الشَّافعيين وأئمَّة ٥٤٢
الأصول، حيث قطع به، ولم يحك غيره، فيما حكاه ابن الصَّلاح عنه(٢).
والظّاهر - كما قال المصنف(٣) - أنَّه الغزالي، وإن كان في أصحابنا ممن
وقفت عليه اثنان كل منهما أحمد بن محمَّد ويعرف بأبي حامد الطّوسي(٤)،
لکونھما لم یذکر لهما تصانيف.
والغزالي ولد بطوس(٥)، وكان والده يبيع غزل الصّوف في دكان
(١) كما تقدم (ص٤٩٨).
(٢) ((علوم الحديث)) (ص١٥٦).
(٣) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٠٧/٢).
(٤) أولهما: أحمد بن محمد بن إسماعيل بن نعيم، الفقيه أبو حامد الطوسي الإسماعيلي،
المتوفى سنة خمس وأربعين وثلاثمائة.
انظر: ((طبقات الشافعية الكبرى)) للسبكي (٤٠/٣).
وثانيهما: أحمد بن محمد الطوسي، أبو حامد الراذكاني، أحد أشياخ الغزالي في الفقه،
كما في ((طبقات الشافعية)) للسبكي (٩٠/٤)، و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٥٨٤/١).
(٥) طوس: مدينة بخراسان بينها وبين نيسابور نحو عشرة فراسخ، تشتمل على بلدتين،
يقال لإحداهما: الطابران، وللأخرى: نوقان، ولها أكثر من ألف قرية، فتحت في أيام =

السادس: إعلام الشَّيخ
٥١٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
بها(١)، وقيل: إنَّه نسب إلى غزالة - بالتخفيف - قرية من قراها، ولكنه خلاف
المشهور(٢)، لا سيما والمسألة كذلك في ((المستصفى))، وعبارته: أما إذا اقتصر
على قوله: هذا مسموعي من فلان فلا تجوز له الرواية عنه، لأنّه لم يأذن له
فيها(٣)، يعني: بلفظه، ولا بما يتنزَّل منزلته، وهو تلفظ القارئ عليه وهو
يسمع، وإقراره به ولو بالسّكوت، حَتَّى يكون قول الراوي عنه السَّامع ذلك
[حدثنا وأخبرنا](٤) صدقاً، وإن لم يأذن له فيه.
وإذا كان كذلك فلعله كما قال في ((المستصفى)): [لا يجوز](٥) روايته عنه
لخلل يعرفه فيه، وإن سمعه(٣)، يعني: لما قررناه في ثاني نوعي المناولة عن
القاضي أبي بكر الباقلاني (٦) .
ولم ينفرد بالمنع، بل منع ذلك جماعة من المحدِّثين وأئمة الأصول كما
قاله عیاض(٧).
(وذا) أي: المنع هو (المختار) لابن الصَّلاح(٨) وغيره، وقول السَّيف
الآمدي في ثاني نوعي الكتابة: إنَّه لا يروي إلا بتسليط من الشَّيخ، كقوله:
فاروه عني، أو أجزت لك روايته، وكذا ابن القطّان والماوردي(٩) يقتضيه.
(وعدة) من الأئمة كثيرون (كابن جريج) عبد الملك بن عبد العزيز(١٠)،
وعُبيد الله بن عمر العمري(١١)، وأصحابه المدنيين كالزّهري(١٢)، وطوائف من
أمير المؤمنين عثمان بن عفان له. انظر: ((معجم البلدان)» (٤٩/٤ - ٥٠)، و((معجم
=
ما استعجم)) (٨٩٨/٣).
(١) فعلى هذا هو مشدد الزاي، كما في ((اللباب)) لابن الأثير (٢/ ١٧٠).
(٣) ((المستصفى)) (١٦٥/١).
(٢) انظر: ((اللباب)) (١٧٠/٢).
كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ثنا وأنا .
(٤)
(٥) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): لا تجوز.
(٦) انظر ما تقدم (ص ٤٨١).
(٨) ((علوم الحديث)) (ص١٥٦).
(١٠) ((الإلماع)) (ص١١٥)، و((علوم الحديث)) (ص١٥٥).
. (١١) ((الإلماع)) (ص١٠٨، ١١٤).
(١٢) المصدر السابق (ص١١٤).
(٧) («الإلماع)) (ص١٠٩).
(٩) انظر ما تقدم (ص٥٠٤).
٠

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٥١٣
السادس: إعلام الشَّيخ
المحدّثين، ومن الفقهاء كعبد الملك بن حبيب(١) من المالكية(٢).
ومن الأصوليين كصاحب ((المحصول)) (٣) وأتباعه، ومن أهل الظَّاهر (٤)،
(صاروا إلى الجواز).
٥٤٣
قال الواقدي: قال ابن أبي الزناد(٥): [شهدت](٦) ابن جريج جاء إلى
هشام بن عروة، فقال: الصَّحيفة التي أعطيتها فلاناً هي حديثك؟ قال: نعم.
قال الواقدي: فسمعت ابن جُريج بعد يقول: [حدثنا](٧) هشام (٨). وحكاه
عياض عن الكثير (٩).
وأجيب بكون مذهب عبد الملك بن حبيب الجواز من غمزه بروايته عن
أسد بن موسى (١٠) مع قول أسد: إنَّما طلب منِّي كتبي لينسخها، فلا أدري ما
. صنع، أو نحو هذا (١١)، بل في هذه الصُّورة زيادة على الإعلام المجرد، وهي
المناولة المجردة - أيضاً -، ولا يخدش في ذلك كونُ أسد لا يجيز الإجازة.
(وابن بكر) هو الوليد الغمري في كتابه ((الوجازة)) اختاره، و(نصره)(١٢)،
(١) هو: عبد الملك بن حبيب بن سليمان بن هارون السلمي، أبو مروان، الفقيه الأديب،
المتوفى سنة ثمان وثلاثين ومائتين.
((الديباج المذهب)) (٨/٢ - ١٥)، و((العبر» (٤٢٧/١ - ٤٢٨).
(٢) ((الإلماع)) (ص١٠٨).
(٣) («المحصول)) (٦٤٨/١/٢).
(٤) ((علوم الحديث)) (ص١٥٥).
(٥) هو: عبد الرحمن بن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان المدني، مولى قريش، الفقيه،
المتوفى سنة أربع وسبعين ومائة.
((تهذيب التهذيب)) (١٧٠/٦ - ١٧٣)، و((تقريب التهذيب)) (ص٢٠١ - ٢٠٢).
(٦) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): وشهدت.
(٧) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ثنا.
(٨) ((الإلماع)) (ص١١٥).
(٩) المصدر السابق (ص١٠٨).
(١٠) هو: أسد بن موسى بن إبراهيم بن الوليد القرشي الأموي المصري، أسد السنة،
المتوفى سنة اثنتي عشرة ومائتين.
((التاريخ الكبير)) (٥٠/٢/١)، و((تهذيب الكمال)) (٥١٢/٢ - ٥١٤).
(١١) ((الإلماع)) (ص١٠٨ - ١٠٩).
(١٢) المصدر السابق (ص١٠٨)، و((علوم الحديث)) (ص ١٥٥).

السادس: إعلام الشَّيخ
٥١٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
بل (و) أبو نصر ابن الصَّبَّاغ (صاحب ((الشَّامل)) جزماً ذكره) أي: ذكره
جازماً به(١) .
والحجَّةُ للجواز القياس على الشَّهادة فيما إذا سمع المقر يقر بشيء، وإن
لم يأذن له كما تقدَّم في المناولة المجردة(٢).
وقال عياض: إن اعترافه له به وتصحيحه أنَّه من روايته كتحديثه له
بلفظه، أو قراءته عليه وإن لم يجز له(٣) .
٥٤٤
(بل زاد بعضهم) وهو الرَّامهرمزي أحد من اختاره، فيما حكاه ابن
الصَّلاح تبعاً لعياض، فصرَّح (بأن) أي: بأنَّه (لو منعه) من روايته عنه بعد
إعلامه بأنَّه من مرويه صريحاً بقوله: لا تروه عني، أو لا أجيزه لك؛ (لم
يمتنع) بذلك عن روايته، يعني: فإن الإعلام طريق يصحّ التّحمل به، والاعتماد
عليه في الرواية به عنه، فمنعه من ذلك بعد وقوعه غير معتبر (٤).
ولذا قال عياض: وما قاله صحيح لا يقتضي النظر سواه(٥)، (كما) أنَّه لا
يمتنع (إذا) منعه من التَّحديث بما (قد سمعه) لا لعلة وريبة في المروي، لكونه
هنا - أيضاً - قد حدثه، يعني: إجمالاً، وهو شيء لا يرجع فيه كما سلف في
ثامن الفروع التي قبيل الإجازة(٦).
(و) لكن قد (رد) أي: القول بالجواز (ك) ما في مسألة (استرعاء) الشَّاهد
(من يحمد)ه الشهادة حيث لا يكفي إعلامه بذلك، أو سماعه منه في غير
مجلس الحكم.
٥٤٥
بل لا بدَّ أن يأذن له أن يشهد على شهادته، لجواز أن يمتنع من إقامتها
لتشكّك أو ارتياب يدخله عند أدائها، أو الاستئذان في نقلها عنه(٧)، فكذلك
(١) ((علوم الحديث)) (ص ١٥٥).
(٢) (ص٤٧٩ - ٤٨٠).
(٣) ((الإلماع)) (ص١٠٨).
(٤) ((المحدث الفاصل)) (ص٤٥١ - ٤٥٢)، و((الإلماع)) (ص١١٠)، و((علوم الحديث))
(ص١٥٥ - ١٥٦).
(٥) ((الإلماع)) (ص١١٠).
(٦) (ص٣٨٦).
(٧) انظر: ((المهذب)) الشيرازي (٣٣٨/٢)، وزاد المستقنع للحجاوي مع شرحه وحاشية
ابن قاسم (٧/ ٦٢٠).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٥١٥
السادس: إعلام الشَّيخ
هنا، أشار إليه عياض(١).
قال ابن الصَّلاح: وهذا مما تساوت فيه الرِّواية والشَّهادة، لأنَّ المعنى
يجمع بينهما فيه، وإن افترقتا في غيره. انتهى(٢).
وما خدش به عياض في الاستواء من كونه إذا سمعه يؤدِّيها عند الحاكم
تسوغ له الشَّهادة عليه بدون إذن على المعتمد(٣)، وكذا لو سمعه يشهد شخصاً،
أو سمعه يبين السَّبب كما ألحقهما غيره بها، قد يجاب عنه: بِأنَّ بذلك كلِّه زال
ما كنّا نتوهَّمه من احتمال أن يكون في نفسه ما يمنعه من إقامتها، كما أنَّه
يسوغ لمن قرأ أو سمع رواية ذلك بغير إذن اتفاقاً .
بل ويمكن التخَلُّص بهذا - أيضاً - من منع بعض المتأخّرين صحّة القياس
على الشَّهادة في غير مجلس الحكم، وقال: إنَّما يصحُّ إذا كان بمجلس
الحكم، وقرر المنع بأنَّ الرِّواية لا تتوقّف على مجلس الحكم، لأنَّها شرع
عام، والإثبات بأنَّ المؤثِّر هو الشَّهادة في مجلس الحكم، كما أنَّ قولَ
الرَّاوي: أرويه عن فلان مؤثر في إيجاب العمل مع الثِّقة، وذاك يقتضي جواز
الرواية بغير إذن (٤).
قال: وعلى تقدير صحَّة القياس في الصُّورة الأولى فالشَّهادة على الشَّهادة
نيابة، فاعتبر فيها الإذن، ولهذا لو قال له بعد التَّحمُّل: لا تؤدِّ عنِّي امتنعِ
عليه(٥) الأداء بخلاف الرِّواية، وهذا ليس على إطلاقه، بل منعه لريبة وعلّة
مؤثرة .
وحينئذٍ فما قاله ابن الصَّلاح(٦) من استوائهما في هذه المسألة صحیح،
وترجيح توجيه المنع بدون إذن في الرواية (وهو الذي](٧) مشى عليه شيخنا(٨).
(٢) (علوم الحديث)) (ص١٥٦).
(١) في ((الإلماع)) (ص١١٠).
(٣) ((الإلماع)) (ص١١١ - ١١٣).
(٤) في حاشية (س): ثم بلغ نفع الله به. كتبه مؤلفه.
(٥) في حاشية (س): أي: الراوي.
(٦) ((علوم الحديث)) (ص١٥٦).
(٧) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): والذي وهو الذي.
(٨) في ((شرح النخبة)) (ص١٤١) قال: لا بد من الإذن في الإعلام.
.

السادس: إعلام الشَّيخ
٥١٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
(لكن إذا صح) عند أحد من المتقدِّمين، كما عليه ابن الصَّلاح، أو
المتأخّرين على المختار، ما حصل الإعلام به من الحديث بحيث حصل الوثوق
به يجب (عليه العمل) بمضمونه إن كان أهلاً، وإن لم تَجُزْ له روايتُه، لأنَّ
العملَ يكفي فيه صحَّته في نفسه(١)، ولا يتوقّف على أن تكون له به رواية، كما
سلف في نقل الحديث من الكتب المعتمدة (٢).
وحكى عياض عن محقّقي الأصوليين أنَّهم لا يختلفون فيه(٣)، مع ذَهَاب
بعضهم إلى منع الرِّواية به، كما تقدَّم(٤)، وإن كان مقتضى منع أهل الظَّاهر
ومن تابعهم من العمل بالمروي بالإجازة كالمرسل منعه هنا من باب أولى.
ولذا قال البلقيني هنا: كلام ابن حزم السَّابق - يعني: في الإجازة _(٥)
يقتضي منع هذا أيضاً (٦) ..
(١) ((علوم الحديث)) (ص١٥٧).
(٢) (١١٢/١ - ١١٣).
(٣) ((الإلماع)) (ص١١٠).
(٤) (ص ٥١٢).
(٥) (ص٣٩٧).
(٦) محاسن الاصطلاح (ص٢٩٠).
ملحوظة: انظر بحث إعلام الشيخ في:
١ - ((الإلماع))، للقاضي عياض (١٠٧ - ١١٥).
٢ - ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص ١٥٥ - ١٥٧).
٣ - ((شرح التبصرة والتذكرة))، للعراقي (١٠٦/٢ - ١٠٩).
٤ - ((تدريب الراوي))، للسيوطي (ص٢٧٩ - ٢٨١).
٥ - ((توضيح الأفكار)»، للصنعاني (٣٤١/٢ - ٣٤٣).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٥١٧
السابع: الوصية
القسم (السَّابع) من أقسام أخذ الحديث وتحمُّله
(الوصية)
من الرَّاوي عند موته أو سفره للطّالب (بالكتاب) أو نحوه من مرويه.
(وبعضهم) كمحمَّد بن سيرين (أجاز للموصى له) المعين، واحداً فأكثر ٥٤٦
(بالجزء) من أصوله، أو ما يقوم مقامها فأكثر، ولو بكتبه كلها (من راو) له
رواية بالموصى به من غير أن يعلمه صريحاً بأنَّ هذا من مرويه، حين (قضى
أجله) بالموت (يرويه) أي: أن يرويه.
٥٤٧
كما فعل أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي البصري، أحد الأعلام من
التَّابعين، حيث أوصى عند موته وهو بالشَّام؛ إذ هرب إليها لما أريد للقضاء،
بكُتبه إلى تلميذه أيوب السّختياني إن كان حياً، وإلّا فلتحرق، ونُفّذتْ وصيتُه،
وجيء بالكتب الموصى بها من الشَّام لأيوب الموصى له وهو بالبصرة، وأعطى
في كرائها بضعة عشر درهماً، ثم سأل ابن سيرين: أيجوز له التَّحديث بذلك؟
فأجازه. رواه الخطيب في ((الكفاية))(١).
(أو) حين توجهه (لسفر أراده) إلحاقاً له بالموت.
بل عزا شيخنا الجواز في ذلك كلّه لقوم من الأئمة المتقدِّمين(٢).
وقال ابن أبي الدم: إنَّ الرّواية بالوصية مذهب الأكثرين(٣).
وسبقهما القاضي عياض، فقال: هذا طريق قد روي فيه عن السَّلف
المتقدّم إجازة الرّواية به، ثُمّ علَّلها بأنَّ في دفعها له نوعاً من الإذن، وشبهاً من
العرض والمناولة.
(١) (ص٥٠٣ - ٥٠٤)، وابن سعد في ((الطبقات الكبرى)) (١٨٥/٧)، والرامهرمزي في
((المحدث الفاصل)) (ص٤٥٩ - ٤٦٠)، والقاضي عياض في ((الإلماع)) (ص١١٦).
(٣) ((شرح الكوكب المنير)) (٥٢٥/٢).
(٢) شرح ((نخبة الفكر)) (ص١٤٠ - ١٤١).

السابع: الوصية
٥١٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
قال: وهو قريب من الضَّرب الَّذي قبله(١).
(و) لكن (رد) القول بالجواز حسبما جنح إليه الخطيب، بل نقله عن كافة
العلماء، وذلك أنَّه قال: لا فرق بين الوصية بها وابتياعها بعد موته في عدم
جواز الرواية، إلَّا على سبيل الوجادة.
قال: وعلى ذلك أدركنا كافة أهل العلم، إلَّا أن تكون تقدَّمتْ من الرَّاوي
إجازة للَّذي صارت إليه الكتب برواية ما صحَّ عنده من سماعاته، فإنَّه يجوز أن
يقول حينئذٍ فيما يرويه منها: [أخبرنا وحدّثنا] (٢) على مذهب من أجاز أن يقال
ذلك في أحاديث الإجازة(٣) .
وتبعه ابن الصَّلاح حيث قال: إنَّ القول بالجواز بعيد جداً، وهو زلَّة
عالم (ما لم يرد) القائل به. (الوجادة) الآتية بعد، أي: الرواية بها .
، قال: ولا يصحّ تشبيهه بواحدٍ من قسمي الإعلام والمناولة، فإن
لمجوزيهما مستنداً ذكرناه، لا يتقرر مثله ولا قريب منه ههنا (٤).
قال شيخنا: وفيه نظر، لأنَّ الرِّواية بالوصيَّة نقلت عن بعض الأئمة،
والرِّواية بالوجادة لم يجوِّزْها أحدٌ من الأئمة إلَّا ما نقل عن البخاري في حكاية
قال فيها: وعن كتاب أبيه يتيقَّن أنَّه بخطّ أبيه دون غيره(٥)، فالقول بحمل
الرواية بالوصية على الوجادة غلط ظاهر.
وسبقه ابن أبي الدَّم فقال: الرِّواية بالوجادة لم يختلف في بطلانها
بخلاف الوصية (٦)، فهي على هذا أرفع رتبة من الوجادة بلا خلاف، فالقول
(١) ((الإلماع)) (ص١١٥).
(٢) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا وثنا.
(٣) ((الكفاية)) (ص٥٠٤).
(٤) ((علوم الحديث)) (ص١٥٧).
(٥) انظر القصة بتمامها في: ((الإلماع)) (ص٣١ - ٣٤) والغنية في شيوخ القاضي عياض
(ص١٣٦ - ١٣٩)، و(إرشاد الساري شرح صحيح البخاري)) للقسطلاني (١٨/١ - ١٩).
وهي قصة طويلة ظاهرة الوضع، بعيدة من عبارة البخاري وأشباهه، وملخصها:
التحريض على الاشتغال بالفقه، والنهي عن الاشتغال بالحديث، لعسر بلوغ المراد
منه، كما في ((لسان الميزان)) لابن حجر (٤٨/٥).
(٦) انظر: ((شرح الكوكب المنير)) (٥٢٥/٢).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٥١٩
السابع: الوصية
بأنَّ قول من أجاز الرِّواية بالوصيّة مؤول على إرادة الرِّواية بالوجادة مع كونه لا
يقول بصحّة الرِّواية بالوجادة غلطٌ ظاهرٌ.
وفيه نظرٌ، فقد عمل بالوجادة جماعة من المتقدِّمين، كما سيأتي قريباً(١).
وعلى كلِّ حالٍ فالبطلان هو الحقُّ للمتعيِّن، لأنَّ الوصية ليست بتحديث،
لا إجمالاً ولا تفصيلاً، ولا تتضمن الإعلام لا صريحاً ولا كناية.
على أن ابن سيرين المفتي بالجواز كما تقدم(٢) توقف فيه بعد، وقال
للسَّائل نفسه: لا آمرك ولا أنهاك(٣).
بل قال الخطيب عَقِبَ حكايته: يقال: إنَّ أيوب كان قد سمع تلك
الكتب، غيرَ أنَّه لم يكن يحفظها، فلذلك استفتى ابن سيرين في التَّحديث
(٣)
منها(٣).
ويدلُّ لذلك أنَّ ابن سيرين ورد عنه كراهةُ الرِّواية من الصُّحُف التي ليست
مسموعة، فقال ابن عون: قلت له: ما تقول في رجلٍ يجد الكتابَ، أيقرؤه أو
ينظر فيه؟ قال: لا حَتَّى يسمعه من ثقة(٣).
فإِنَّ هذا يقتضي المنْعَ من الرِّواية بالإجازة، فضلاً عن الوصيّةِ.
ونحوه قول عاصم الأحول: أردت أن أضع عنده كتاباً من كُتُب العلم،
فأبى أن يقبل، وقال: لا يلبث(٤) عندي كتابٌ(٥).
(١) (ص٥٢٢).
(٢) قريباً (ص٥١٧).
(٣) ((الكفاية)) (ص٥٠٣ - ٥٠٤).
(٤) كذا في الأصول، وفي ((الكفاية)): لا يبيت.
(٥) ((الكفاية)) (ص٥٠٥)، وفي حاشية (م): ثم بلغ كذلك نفع الله به.
ملحوظة: انظر بحث الوصية في:
١ - ((الكفاية)) (ص٥٠٣ _ ٥٠٥).
٢ - ((الإلماع)) (ص١١٥ - ١١٦).
٣ - ((علوم الحديث)) (ص ١٥٧).
٤ - ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٠٩/٢ - ١١٠).
٥ - ((تدريب الراوي)) (ص٢٨١).

الثامن: الوجادة
٥٢٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
القسم (الثّامن) من أقسام أخذ الحديث ونقلِه
(الوجادة)
٥٤٨
(ثم) يلي ما تقدم (الوجادة) بكسر الواو (وتلك) أي: لفظ الوٍجادة (مصدر
وجدته مولداً) أي: غير مسموع من العرب، بمعنى: أنَّ أهل الاصطلاح - كما
أشار إليه المعافى بن زكريا النَّهرواني(١) - ولَّدوا قولهم وجادة، فيما أخذ من
العلم من صحيفةٍ من غير سَماع ولا إجازة، ولا مناولة، اقتفاءً للعرب في
٥٤٩ التفريق بين مصادر وجد (٢)، للتَّمييز بين المعاني المختلفة (ليظهر تغاير المعنى).
(وذاك) أي: قسم الوجادة اصطلاحاً نوعان حديث وغيره:
فالأول: (أن تجد بخطّ) بعض (من عاصرت) سواء لقيته أم لا، (أو)
بخطّ بعض من (قبل) ممن لم تعاصره ممن (عهد) وجَوَّده فيما مضى في تصنيف
٥٥٠ له أو لغيره، وهو يرويه من الحديث المرفوع، وكذا الموقوف، وما أشبهه (ما
لم يحدثك به ولم یجز) لك روايته.
(فقل) حسبما استمرَّ عليه العملُ قديماً وحديثاً - كما صَرَّح به النَّووي(٣) -
فيما تورده من ذلك ما معناه: (بخطه) أي: بخط فلان (وجدت) وكذا وجدت
بخَطّ فلان، أو نحو ذلك كقرأت بخِّط فلان، أو في كتاب فلان بخَطِّه، قال:
[أخبرنا] (٤) فلان ابن فلان وتذكر شيخه، وتسوق سائر الإسناد والمتن، أو ما
وجدته بخطّه ونحو ذلك.
(١) في كتابه الجليس الصالح الكافي (٢٨٢/٢) ونقله عنه ابن الصلاح في ((علوم الحديث))
(ص١٥٧)، والسيوطي في ((تدريب الراوي)) (ص٢٨١).
(٢) انظر مصادر وجد في: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (١٦٠/١١)، و(تاج العروس)) للزبيدي
مادة (وجد).
(٣) في ((التقريب)) (ص٢٨٢) مع التدريب.
(٤) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): أنا.