النص المفهرس

صفحات 421-440

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٤٢١
الثالث: الإجازة
وَأَمَّا الرِّواية فعندي - بحمد الله - من المسموع والإجازة الخاصَّة ما يغني
عن التَّوسُّع بذلك، نعم قد دخلتُ في إجازة خلقٍ من المعتبرين هي إلى
الخصوص أقربُ، وهي الاستجازة لأبناء صوفية [الخانقاه](١) البيبرسية(٢)،
وكنت إذ ذاك منهم فأوردتهم في معجمي مع تمييزهم عن غيرهم، لاحتمال
الاحتياج إليهم، أو إلى أحدهم، وغالب الظّنّ أنَّ من يصحِّحُ الإجازة الخاصَّة
خاصَّةً لا يتوقَّف في هذا.
وقد صرَّح ابن الصَّلاح بقوله: (وما يعم مع وصف حصر كالعلما) ٤٥٥
- بالقصر - الموجودين (يومئذٍ) أي: يوم الإجازة (بالثغر) دمياط (٣) أو إسكندرية
أو صيدا(٤) أو غيرها، أو نحو ذلك كأجزتُ لمن ملك نسخة من التَّصنيف
الفلاني (فإنه) في هذه الصُّورة (إلى الجواز أقرب)(٥) وهذا وإن لم يصرِّح فيه
٤٥٦
بتصحيح فقد عمل به، حيث أجاز رواية ((علوم الحديث)) من تصنيفه عنه لمن
ملك منه نسخة.
ونحوه قول الفقيه أبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي لمن سأله الإجازة
كما تقدم(٦): أجزتُ لك ولكل من وقع بيده جزء من رواياتي فاختار الرِّواية عنِّي.
(١) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): خانقات.
والخانقاه والخانكاه: كلمة فارسية معناها بيت، وقيل: أصلها خونقاه، أي: الموضع
الذي يأكل فيه الملك، والخوانق أحدثت في الإسلام في حدود الأربعمائة من
الهجرة، انظر: ((الخطط المقريزية)) (٤١٤/٢).
(٢) نسبة لبانيها الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير المنصوري، وهذه الخانقاه
أكبر الخوانق بالقاهرة بنياناً، وأوسعها مقداراً، وأتقنها صنعة.
انظر: ((الخطط المقريزية)) (٤١٦/٢ - ٤١٨)، و((النجوم الزاهرة)) (٢٢٦/٨)، و((حسن
المحاضرة)) (٢٦٥/٢).
(٣) دمياط: مدينة قديمة بين تنيس ومصر، على زاوية بين بحر الروم والنيل، وهي ثغر من
ثغور الإسلام.
«معجم البلدان)) (٢/ ٤٧٢ - ٤٧٥).
(٤) صيدا: مدينة على ساحل بحر الشام شرقي صور، بينهما ستة فراسخ.
((معجم البلدان)) (٤٣٧/٣ - ٤٣٨).
(٥) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٣٧).
(٦) (ص٤١١) نقلاً عن معجم السفر للسلفي.

الثالث: الإجازة
٤٢٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وكذا أجاز أبو الأصبغ ابن سهل القاضي (١) لكلِّ من طلب عليه العلم
ببلده(٢).
٤٥٧
(قلت): و(عياض) سبق ابن الصَّلاح فـ (قال: لست أحسب) أي: أظُنُّ
(في) جواز (ذا) أي: الإجازة لمن هو الآن من طلبة العلم ببلد كذا، أو لمن
قرأ علي قبل هذا (اختلافاً بينهم) أي: العلماء (ممن يرى إجازة) أي: يعتمد
الإجازة الخاصَّة رواية وعملاً، ولا رأيت منعه - أي: بخصوصه - لأحد (لكونه
منحصرا) موصوفاً، كقوله: لأولاد فلان، أو إخوة فلان. انتهى(٣).
وكذا جزم به شيخنا في أولاد فلان ونحوه، وسبقه ابن الجزري فقال:
وقع لنا في وقت الطّلب استدعاءات فيها أسماء معينة، وفي بعضها: ولفلان
وأولاده الموجودين يومئذٍ، وفي بعضها: ولفلان وإخوته الموجودين في تاريخ
الاستدعاء، وأدركنا جماعة من هؤلاء الذين كانوا موجودين، فسمعنا منهم بهذه
الإجازة، ولم ينكر ذلك أحدٌ من أئمَّتنا، وأجري مجرى من هو مُسَمَّى، وفي
نفسي أنَّه دونه. انتهى.
وحينئذٍ فكلّ ما قيل فيه العموم بالقرب من الخصوص الحقيقي، لوجود
الخُصوص الإضافي فيه يكون أقرب إلى الجواز من غيره، ويلتحق بذلك:
أجزت لأهل السنَّة أو الشِّيعة أو الحنفية أو الشَّافعية، فهو أخصُّ من جميع
المسلمين، وأقلّ انتشاراً؛ لانْحِصَار المجاز بالصِّفة الخاصَّةِ مع العموم فيه (٤).
(و) النَّوع (الرابع): من أنواع الإجازة (الجهل بمن أجيز له) من النَّاس
(أو) بـ (ما أجيز) به من المروي.
٤٥٨
فالأول: (كأجزت) بعض النَّاس أو (أزفلة) بفتح الهمزة وإسكان الزاي
وفتح الفاء ثم لام مفتوحة وهاء التأنيث الجماعة من النَّاس(٥).
(١) هو: عيسى بن سهل بن عبد الله الأسدي الجياني القرطبي، القاضي، المتوفى سنة
ست وثمانين وأربعمائة.
((الصلة)) لابن بشكوال (٤٣٨/٢)، و((الديباج المذهب)) (٧٠/٢ - ٧٢).
(٣) المصدر السابق (ص١٠١).
(٢) ((الإلماع)) (ص ١٠٠).
(٤) في حاشية (م): ثم بلغ نفع الله به كذلك وغيره سماعاً. كتبه مؤلفه.
(٥) انظر: ((تهذيب اللغة)) للأزهري (٢١٢/١٣).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٤٢٣
الثالث: الإجازة
٤٥٩
والثَّاني: كأجزتُ فلاناً (بعضَ سماعاتي) و(كذا) من هذا النَّوع ممَّا هو
جَهْلٌ بالتَّعيين (إن سمى) المجيز (كتاباً او) بالنقل (شخصاً وقد تسمى به) أي:
٤٦٠
بذلك الكتاب أو الشّخص (سواه).
مثل أن يقول: أجزتُ لك أن تَروي عنِّي كتابَ السُّنن، وفي مروياته
عدة كتب يعرف كلٌّ منها بالسُّنن، كأبي داود، والدَّارقطني، والبيهقي،
وغيرها .
أو يقول: أجزتُ محمَّد بن عبد الله الأنصاري، وفي ذلك الوقت جماعة
مشتركون في هذا الاسم.
وقد تكون الجهالة فيهما معاً، كأن يقول: أجزت جماعة بعض
مسموعاتي، أو أجزتُ محمَّدَ بن عبد الله الأنصاريَّ كتابَ السُّنن.
(ثم لما) أي: لم (يتضح مراده) أي: المجيز (من ذاك) كله بقرينة (فهو)
أي: هذا النَّوع (لا يصح) للجهل في هذه الصُّوَر كلِّها عند السَّامع، وعَدَمِ
التَّمييز فيه، وكونه مما لا سبيل لمعرفته وتمييزه.
وممَّن صرَّح بذلك في الصُّورة الأولى عياضٌ فقال: قوله أجزتُ لبعض
النَّاس، أو لقومٍ، أو لنفرٍ لا غيرَ، لا تصحّ الرِّواية به، ولا تفيد هذه الإجازة؛
إذ لا سبيل إلىّ معرفة هذا المبهم ولا تعيينه (١) .
وصرَّح ابنُ الصَّلاح في الصُّورة الثَّانية بقوله: فهذه إجازة فاسدة لا فائدة
فيها (٢) .
وكذا جزم النَّووي بعدم الصِّحَّة فيها في زوائد ((الرَّوضة)) عقب آداب
القضاء قبيل القضاء على الغائب في مستند قضائه(٣) .
نعم. إن اتَّضح مرادُه فيها بقرينة، كأن يقال له: أجزتَ لمحمَّد بن
عبد الله بن المثنَّى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري(٤)؟ - بحيث لا
(١) ((الإلماع)) (ص١٠١).
(٢) ((علوم الحديث)) (ص١٣٨).
(٣) ((روضة الطالبين)) (١٥٨/١١).
(٤) أبو عبد الله البصري، القاضي، المتوفى سنة أربع عشرة ومائتين.
((تهذيب التهذيب)) (٢٧٤/٩ - ٢٧٦)، والخلاصة (ص٢٨٥).

الثالث: الإجازة
٤٢٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
يلتبس مع غيره ممن اشترك معه في اسمه واسم أبيه ونسبته - فيقول: أجزتُ
لمحمَّد بن عبد الله الأنصاري.
أو يقال له: أجزتَ لي كتابَ ((السُّنن)) لأبي داود؟ فيقول: أجزتُ لك
روايةَ السُّنن.
أو يقال له: أجزتَ للجماعة المقيمين بمسجد كذا؟ فيقول: أجزتُ
الجماعةَ، فالظّاهر صحَّةُ هذه الإجازة، ويُنَزِّلُ على المسئول فيه، بقرينة سبق
ذكره.
٤٦١
.
(أما) الجماعة (المسمون) المُعَيِّنُون في استدعاء أو غيره، (مع البيان)
لأنسابهم وشهرهم، بحيث يزول الاشتباه عنهم، ويتميّزون من غيرهم على
العادة الشَّائعة في ذلك (فلا يضر) والحالة هذه (الجهل) من المجيز (بالأعيان)
وعدم معرفته بهم، والإجازة صحيحة.
كما أنه لا يشترط معرفة المُسْمِع عين السَّامع الَّذي سمع منه، وإن أشعر
مما حكيته في سابع التفريعات الّتي قبل الإجازة (١) عن بعضهم بخلافه؛ إذ لا
فرق بين السَّامع والمُسْمِع في ذلك.
[ولكن كان أبو هلال محمَّد بن سليم الراسبي(٢)، لكونه أعمى لم يكن
يحدِّث حتَّى يُنْسَبَ له من عنده(٣)، وهذا على وجه الاحتياط، لا الاشتراط](٤)
- وكذا الواحد المسمَّى المعيَّن ممَّن يجهل المجيزُ عينَه من باب أولى، ومُمِّن
نصّ على أنَّه لا تضرُّ جهالتُه عينَ من سُمِّ له عِياضٌ(٥).
(وتنبغي الصحة إن جملهم)، أي: جمعهم بالإجازة (من غير) حصر في
(عد و) من غير (تصفح لهم) واحداً واحداً، قياساً على السَّماع.
٤٦٢
وإن توقّف بعضهم في القياس من أجل أنّه لا يلزم من كون قسم السَّماع
(١) (ص٣٨٣ - ٣٨٤).
(٢) العبدي البصري، المتوفى سنة سبع وستين ومائة.
((ميزان الاعتدال)) (٥٧٤/٤ - ٥٧٥)، و((تهذيب التهذيب)) (١٩٥/٩ - ١٩٦).
(٣) طبقات ابن سعد (٢٧٨/٧).
(٥) ((الإلماع)) (ص١٠١).
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤٢٥
الثالث: الإجازة
لم يتأثر بذلك أن تكون الإجازة كذلك، لإمكان ادّعاء القدح في الإجازة دون
السَّماع فالقياس ظاهر، لأنَّه إذا صحَّ في السَّماع الَّذي الأمر فيه أضيق، لكونه
لا يكون لغير الحاضر مع الجهل بعينه، فصحّته مع ذلك في الإجازة الَّتي الأمرُ
فيها أوسعُ لكونها للحاضر وللغائب من باب أولى.
ثُمَّ إنَّه قد نُوزع في الفرق بين الصُّورة الأولى من هذا النَّوع - وهي من لم
يسم أصلاً - وبين من سُمِّ في الجملة ممَّا بعدها مع اشتراك الكلّ في الإبهام.
والجواب: أنَّ الاشتراك إنَّما هو في مطلق الجهالة والإبهام، وإلا فهو
في ذاك شديد؛ لخفائه عن كلِّ أحد، بخلافه هنا، فهو عند سامعه فقط، ولا
يلزم من الحكم بشيء في قويِّ وصف الحكمُ بمثله في ضعيف ذلك الوصف،
وإن كان الظَنّ بالمجيز معرفته في الأولى، لتعذّر البحث عن تعيينه.
وكذا بحث بعضهم في صحَّته في الأولى حَمْلاً له على العموم، يعني:
حيث صحّحنا الإجازة العامَّة، إذ اللَّفظ صالح ولا مانع من حمله عليه، وفيه
نظر، إذ لم نستفد تعيين الجماعة، بخلاف العموم.
ولكن قد ذكر ابن الصَّلاح في ((فتاويه)) - فيما إذا قالت المرأة: أذنت
للعاقد بهذا البلد أن يزوِّجني، ولم تقم قرينة على إرادة واحد معين - أنَّه يجوز
لكل عاقد أن يزوجها (١)، وقد يفرق بينهما بجهالة الجماعة، لتنكيرها، بخلاف
العاقد .
(و) النَّوع (الخامس): من أنواع الإجازة (التَّعليق في الإجازة) ولم يفرده
ابن الصَّلاح عن الذي قبله، بل قال فيه: ويتثبت بذيله الإجازة المعلقة بشرط
وذكره(٢)، وإفراده حسن، خصوصاً والصّورة الأخيرة منه كما سيأتي لا جهالة
فيه .
ثُمَّ التعليق إمّا أن يكون (بمن يشاؤها) أي: الإجازة (الذي أجازه)
الشّيخ، يعني: أنها معلقة بمشيئة مبهم لنفسه، كأن يقول: من شاء أن أجيز له
فقد أجزت له، أو أجزت لمن شاء.
(١) ((فتاوى ابن الصلاح)) (٤٢٨/٢ - ٤٢٩).
(٢) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٣٨).
٤٦٣

الثالث: الإجازة
٤٢٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وقد كتب أبو الطيب الكوكبي(١) إلى ابن حيويه(٢): سلام عليك فقد
سألني ابنك محمَّد بن العباس(٣) أن أجيز لك هذا التّاريخ الَّذي [ثنا](٤)
أحمد بن أبي خيثمة، وقد أجزته لك، ولكل من أحب ذلك فاروه عَنِّي.
٤٦٤
ومن أحب ذلك (أو) يشاؤها (غيره) أي: غير المجاز حال كونه (معينا)
فهي معلقة بمشيئة مسمّى لغيره، كأن يقول: من شاء فلان أن أجيزه فقد أجزته،
أو أجزت لمن يشاء فلان، أو يقول لشخصٍ: أجزت لمن شئت رواية حديثي،
أو نحو ذلك.
وقد ألحق ابن الصَّلاح بها الصُّورة الأولى، لكنَّه قال: (والأولى) أي:
التَّعليق بمشيئة المجاز له المبهم (أكثر جهلاً) وانتشاراً من الثَّانية، فإنَّها معلقة
بمشيئة من لا يحصر عددهم(٥)، والثّانية بمشيئة معين مع اشتراكهما في جهالة
المجاز لهم.
فإن كان الغير مبهماً كأن يقول: أجزتُ لمن شاء بعضُ النَّاس أن يروي
عنّي، فأكثر جهلاً، لوجود الجهالة فيها في الجهتين، ولذا كانت فيها
بخصوصها باطلة قطعاً .
٤٦٥
(وأجاز الكلا) أي: الصُّورتين المتقدِّمَتَيْنِ (معاً) القاضي (أبو يعلى)
محمَّد بن الحسين بن محمَّد بن خلف بن الفرَّاء (الإمام الحنبلي)(٦) والد
(١) هو: محمد بن القاسم بن جعفر بن محمد بن خالد بن بشر، أبو الطيب الكوكبي،
المتوفى سنة سبع عشرة وثلاثمائة. ((تاريخ بغداد)) (١٨١/٣).
(٢) هو: العباس بن محمد بن زكريا بن يحيى بن حيويه، حدث عن إبراهيم الحربي،
وروی عنه: ابنه أبو عمر محمد.
(«تاريخ بغداد)» (١٥٦/١٢).
(٣) هو: محمد بن العباس بن محمد بن زكريا البغدادي الخزاز، أبو عمر بن حيويه،
المحدث الحجة، المتوفى سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة.
((المنتظم)» (١٧٠/٧ - ١٧١)، و((العبر)) (٢١/٣).
(٤) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): حدثنا.
(٥) ((علوم الحديث)) (ص١٣٩).
(٦) المتوفى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. ((طبقات الحنابلة)) لابن المترجم (١٩٣/٢ -
٢٣٠)، و((المنهج الأحمد)) للعليمي (١٠٥/٢ - ١١٨).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٤٢٧
الثالث: الإجازة
القاضي أبي الحسين محمَّد مؤلف ((طبقات الحنابلة))(١).
(مع ابن عمروس) - بفتح أوله وآخره سين مهملة - هو: أبو الفضل
محمد بن عبيد الله المالكي (٢)، فيما نقله عنهما الحافظ الخطيب الشَّافعي في
جزء ((الإجازة للمعدوم والمجهول)) (٣).
(وقالا) مستدلين للجواز: (ينجلي الجهل) [فيها] (٤) في ثاني الحال (إذ ٤٦٦
يشاؤها) أي: الإجازة المجاز له.
قلت: ولم أَرَ الاستدلال، ولا الصُّورة الأولى في الجزء المذكور، ولا
عزاهما ابن الصَّلاح لهما، بل كلامه محتمل لكون الاستدلال له، وإن لم
يوافق على الصِّحَّة فيها حيث قال: فهذا فيه جهالة وتعليق بشرط (والظَّاهِر
بطلانها) وعدم صحتها (٥).
وقد (أفتى [بذاك](٦) القاضي أبو الطّيب (طاهر) بن عبد الله الطَّبري، إذ
سأله صاحبه الخطيب عنها، وعلَّل ذلك: بأنَّه إجازة لمجهول، فهو كقوله:
أجزتُ لبعض النَّاس (٧).
قال: وهؤلاء الثلاثة - يعني: المجيزين والمبطل - كانوا مشايخ مذاهبهم
ببغداد إذ ذاك (٨) .
وكذا منعها الماوردي، كما نقله عياض (٩)، وقال: لأنَّه تحمُّل يحتاج إلى
تعيين المتحمل (١٠).
(١) المتوفى سنة ست وعشرين وخمسمائة. ((البداية والنهاية)) (٢٠٤/١٢)، و((شذرات
الذهب)» (٧٩/٤).
(٢) البزار، الفقيه، المتوفى سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة. ((تاريخ بغداد)) (٣٣٩/٢ -
٣٤٠)، و((المنتظم)) (٢١٨/٨).
(٣) (ص٨١ - ٨٢)، و((الإلماع)) (ص١٠٢).
(٤) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): عنها.
(٥) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٣٨).
(٦) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): بذلك.
(٧) ((الإجازة للمعدوم والمجهول)) (ص ٨٠)، و((الإلماع)) (ص١٠٣).
(٨) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٣٩).
(٩)(١٠) («الإلماع)) (ص١٠٣).

الثالث: الإجازة
٤٢٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
قال الخطيب: ولعلَّ من منع صحَّتها لتعلُّقها بالوكالة، فإنَّه إذا قال:
وَّلتك إذا جاء رأسُ الشَّهر لم يصحَّ عند الشَّافعية(١)، فكذلك إذا علَّق الإجازة
بمشيئة فلان(٢)، يعني: المعين.
قال ابن الصَّلاح: وقد يعلَّلُ ذلك - أيضاً - بما فيها من التَّعليق بالشَّرط،
فإن ما يفسد بالجهالة يفسد بالتعليق على ما عرف عند قوم (٣).
٤٦٧
(قلت): ولكن قد (وجدت) الحافظ (ابن أبي خيثمة) أبا بكر أحمد بن
زهير بن حرب (أجاز) بكيفية (كالثانية المبهمة) في المجاز فقط.
فإنه قال فيما كتبه بخطه: أجزت لأبي زكريا يحيى بن مسلمة (٤)، أن
يروي عني ما أحب من تاريخي الّذي سمعه مني أبو محمَّد القاسم بن
الأصبغ(٥)، ومحمّد بن عبد الأعلى كما سمعاه مني، وأذنت له في ذلك ولمن
أحب من أصحابه، فإن أحب أن تكون الإجازة لأحد بعد هذا فأنا أجزت له
ذلك بكتابي هذا(٦).
وكذلك قال محمَّد بن أحمد [بن](٧) الحافظ يعقوب بن شيبة بن
الصلت: أجزت لعمر بن أحمد الخلال(٨) وولده عبد الرحمن(٩)
(١) انظر: ((روضة الطالبين)) للنووي (٣٠١/٤)، ويصح عند الحنابلة والحنفية.
انظر: ((المغني)) لابن قدامة (٢١٠/٥) مع ((الشرح الكبير)).
(٢) (الإجازة للمعدوم والمجهول)) (ص٨٢).
(٣)
((علوم الحديث)) (ص١٣٨ - ١٣٩).
(٤) في حاشية (س): سلمة.
(٥)
هو: قاسم بن أصبغ بن محمد بن يوسف بن ناصح بن عطاء البياني، الفرضي أبو
محمد، مولى الوليد بن عبد الملك، المتوفى سنة أربعين وثلاثمائة.
((جذوة المقتبس)) للحميدي (ص٣١١ - ٣١٢)، و((تذكرة الحفاظ)) (٨٥٣/٣).
(٦) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٧١/٢ - ٧٢) نقلاً عن أبي الحسن محمد بن أبي الحسن بن
الوزان، وانظر: ((فهرست ابن خير)) (ص٢٠٦).
(٧)
ما بين المعقوفين لا يوجد في (ح).
هو: عمر بن أحمد بن حمة، أبو حفص الخلال، المتوفى سنة ستين وثلاثمائة.
(٨)
((تاريخ بغداد)» (٢٥٠/١١ - ٢٥١).
(٩) هو: عبد الرحمن بن عمر بن أحمد بن محمد، أبو الحسين المعدل، المعروف بابن
حمة الخلال، المتوفى سنة سبع وتسعين وثلاثمائة.
((تاريخ بغداد)) (٣٠١/١٠).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤٢٩
الثالث: الإجازة
وختنه (١) علي بن الحسن جميع ما فاته من حديثي مما لم يدرك سماعه من
المسند وغيره، ولكل من أحب عمر، فليرووه عني إن شاء [الله](٢).
[تعالى](٣). حكاه الخطيب(٤).
وقال: وقد رأيت مثل هذه الإجازة لبعض المتقدِّمين، إلَّا أنَّ اسمه ذهب
من حفظي. انتهى (٤).
ولعلَّ ما رآه هو ما حكاه عن ابن أبي خيثمة(٥)، مع أنَّه قد فعله غيرهما
من المتقدِّمين والمتأخّرين، على أنَّه قد يفرق بين هذا الصَّنيع وبين ما تقدم بأنه
حصل فيه العطف على معين بخلاف ذاك.
وهل يلتحق بالتَّعليق بمشيئة المعين الإذن له في الإجازة، كأن يقول:
أذنت لك أن تجيز عنِّ من شئت؟.
لم أر فيها نقلاً إلَّا ما حكاه شيخنا في ترجمة إبراهيم بن خلف بن
منصور الغسَّاني(٦) من ((لسان الميزان)) أنَّه كانت له وكالات بالإجازة من شيوخ
وَّلُوه في الإذن لمن يريد الرِّواية عنهم.
قال ابن مَسْدِي (٧): وكنت مِمَّن كتب إليَّ بالإجازة عنه وعن مُوَكِّلِهِ في
سنة ثلاث وستمائة. انتهى(٨).
وقد فعله شيخنا، بل وحكى بعض المتأخّرين عن بعض من عاصره أنَّه
(١) في ((أساس البلاغة)) للزمخشري مادة (ختن): هذا ختن فلان لصهره، وهو المتزوج إليه
بنته، أو أخته، وأبوا الصهر ختناه وأقرباؤه أختانه.
(٢) ما بين المعقوفین لا یوجد في (ح) ..
(٤) الإجازة للمعدوم والمجهول (ص٨٣).
(٣) ما بين المعقوفين زيادة من (م).
(٥) انظر: ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٧٢/٢).
(٦) السنهوري، دجال في المغرب، مات في حدود العشرين وستمائة.
((ميزان الاعتدال)) (٣٠/١)، و((لسان الميزان)) (٥٤/١ - ٥٥).
(٧) في ((لسان الميزان)): ابن سندي، والصواب ما أثبت. وهو: الحافظ العلامة الرحالة
أبو بكر محمد بن يوسف بن موسى بن يوسف بن مسدي الأزدي، المهلبي الغرناطي،
المتوفى سنة ثلاث وستين وستمائة.
((تذكرة الحفاظ)) (١٤٤٨/٤ - ١٤٥٩)، و(«نفح الطيب)) (٣٥١/٣ - ٣٥٢).
(٨) ((لسان الميزان)) لابن حجر (٥٤/١).

الثالث: الإجازة
٤٣٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
فعله، قال: والظّاهر فيه الصِّحَّةُ، كما لو قال: وَكِّلْ عِنِّي، ويكون مجازاً من
جهة الآذن، وينعزل المأذون له في الإجازة بموت الآذن قبل الإجازة
كالوكيل(١)، فلو قال: أجزتُ لك أن تُجيز عنِّي فلاناً كان أولى بالجواز.
وقد ذكر ابن الصَّلاح نظيرَ هذه المسألة في قسم الكتابة كما سيأتي(٢).
ثم إنَّ كلَّ ما تقدَّم في التَّعليق لنفس الإجازة (وإن يقل: من شاء) الرِّواية
عَنِّي (يروي) فقد أجزته، وكان التَّعليق للرواية (قربا) القول بصخَّته.
٤٦٨
وعبارة ابن الصَّلاح: إنَّه أولى بالجواز - يعني: مِن الَّذي قبله عند مُجِيزِه -
من حيث إنَّ مقتضَى كلِّ إجازةٍ تفويضُ الرِّواية بها إلى مشيئة المُجاز له، فكان
هذا مع كونه بصيغة التَّعليق تصريحاً بما يقتضيه الإطلاق، وحكاية للحال، لا
تعليقاً في الحقيقة (٣)، يعني: أنَّه وإن كان شرطاً لفظياً فهو لازم حصوله
بحصولها، فكان ذكره وعدم ذكره سواء في عدم التأثير.
واستظهر [للأولوية](٤) بتجويز بعض الشَّافعية في البيع - أي: وهو
الأصح كما في ((الروضة))(٥) وغيرها - أن يقول: بعتك هذا بكذا، إن شئت،
فيقول: قبلت(٦) .
ونوزع في القياس بأن المبتاع معين، والمجاز له هنا مبهم(٧) .
وكذا تعقبه البلقيني(٨) بأنه ليس التعليق في مسألة البيع للإيجاب على ما
عليه نفرع من جهة التَّصريح بمقتضى الإطلاق، فإن المشتري بالخيار، إن شاء
قبل، وإن شاء لم يقبل؛ لتوقّف تمام البيع على قبوله، بخلافه في الإجازة، فلا
(١) انظر: انفساخ الوكالة بخروج الموكل أو الوكيل عن أهلية التصرف - كالموت والجنون
- في: ((الغاية القصوى)) للبيضاوي (١/ ٥٤٧).
(٢) (ص٤٩٧). وفي حاشية (ح): ثم بلغ كذلك نفع الله به، ورحم مؤلفه. كتبه مؤلفه،
وفي حاشية (م): ثم بلغ كذلك نفع الله به.
(٣) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٣٩).
(٤) كذا في (ح). وفي (س)، (م): للأولية، وفي (م): للأولية.
(٥) (٣٤١/٣).
(٦) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٣٩).
(٧) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٧٢/٢).
(٨) في ((محاسن الاصطلاح)) (ص٢٦٩ - ٢٧٠).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤٣١
الثالث: الإجازة
تتوقّف على القَبول، فيكون قوله: أجزت لمن شاء الرِّواية تعليقاً؛ لأنَّه قبل
مشيئة الرِّواية لا يكون مجازاً، وبعد مشيئتها يكون مجازاً، وحينئذٍ فلا يصحّ،
لأنّه يؤدِّي إلى تعليق وجهل، وذلك باطل كما تقدم(١).
نعم. نظير ما نحن فيه: وكلت من شاء، أو أوصيت لمن شاء، وأمثالهما
مِمَّا لا يصحّ فيها، قال: وإذا بطل في الوصيّة مع احتمالها ما لا يحتمله غيرها
فلأن يبطل فيما نحن فيه أولى(٢).
قال ابن الصَّلاح: (ونحوه) أي: نحو ما تقدَّم من تعليق الرِّواية أبو الفتح
محمد بن الحسين (الأزدي) الموصلي الحافظ، حال كونه (مجيزاً كتبا) بخطّه
فقال: أجزت رواية ذلك لجميع من أحب أن يرويه عني (٣).
٤٦٩
(أما) لو قال: (أجزت) لك أن تروي عني الكتاب الفلاني، أو كذا
وكذا، أو فهرستي إن شئت الرِّواية عنِّي، أو أجزت لك إن شئت أن تروي
عَنِّي، أو أجزتُ (لفلان) الفلاني (إن يرد) أو يحب الرِّواية عني، أو نحو ذلك
مما هو نظير مسألة البيع سواء أو يشابهها (فالأظهر الأقوى) فيها (الجواز)؛ إذ
قد انتفت فيه الجهالةُ وحقيقةُ التَّعليق، ولم يبقَ سوى صيغته (٤).
٠٠٠٠
(فاعتمد) ذلك، وإن حكى ابن الأثير المنعَ فيها عن قوم، لأنَّها تحمل
فيعتبر فيه تعيين المتحمل، قال: وهذا هو الأجدر بالاحتياط، والأولى بنجابة
المحدّث وحفظه. انتهى (٥).
ويشهد له أنَّه لو قال: راجعتك إن شئت لا تصحّ الرجعة(٦).
ولو قال: أجزتُ لفلان إن يرد الإجازة، فالّاهر كما قال المصنف أنَّه لا
(١) (ص٤٢٦).
(٢) انتهى كلام البلقيني، وفي حاشية (س): وسبقه السبكي فقال في مسألة البيع: مأخذ
الصحة أن المعلق تمام البيع، لا أصله، والذي من جهة البائع هو إنشاء البيع، لا فعل
التعليق وتمامه وهو القبول موقوف على مشيئة المشتري، وبه تكمل حقيقة البيع.
(٣) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٣٩).
(٤) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٣٩ - ١٤٠).
(٥) ((جامع الأصول)) (٨٣/١).
(٦) انظر: ((المغني)) لابن قدامة (٤٨٥/٨).

الثالث: الإجازة
٤٣٢
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
فرق(١)، وإن لم يصرِّح ابن الصَّلاح بتعليق الإجازة في المعين، فتعليله وبعض
أمثلته يقتضي الصحّة [فيه](٢) بعمومه(١).
واعلم أنَّ نَفْيَ ابن الصّلاح حقيقَةَ التَّعليق عن الصُّورة الَّتي قبل هذه إنَّما
يتمُّ لو قال المُجِيز: أَذِنْتُ لمن أجزتُ له في الرِّواية عنِّي إن شاء، وإلَّا فلا
فرق بينها وبين التَّعليق بمشيئته في الإجازة، ويتأيَّد بتسوية المصنف بين إرادة
الإجازة، أو الرواية في المعين (٣).
(و) النَّوع (السَّادس): من أنواع الإجازة (الإذن) أي: الإجازة (المعدوم).
وهو على قسمين:
٤٧٠
إما لمعدوم (تبع) لموجود عطف عليه أو أدرج فيه، (كقوله: أجزتُ)
٤٧١ الكتابَ الفلاني أو مروياتي (لفلان) الفلاني (مع أولاده ونسله وعقبه حيث أتوا)
في حياة المجيز وبعده، وكذا أجزتُ لك ولمن يُولَدُ لك ولطلبة العلم ببلد كذا
متى كانوا .
٤٧٢
(أو) غير تَبع بأن (خَصّص) المجيز (المعدوم به) أي: بالإذن، ولم يعطفه
على موجود سابق، كقوله: أجزت لمن يولد لفلان الفلاني، وهذا القسم الثَّاني
(وهو أوهى) وأضعف من الّذي قبله، وذاك أقرب إلى الجواز.
(و) لذا (أجاز الأولا) خاصّة (ابن) الحافظ الشَّهير (أبي داود)
السجستاني، وهو الحافظ أبو بكر عبد الله، بل فعله، فقال: أجزت لك
ولأولادك ولحبل الحبلة (٤).
قال الخطيب: يعني: الَّذين لم يولدوا بعد، قال: ولم أجد لأحد من
الشّيوخ المحدّثين في ذلك قولاً، ولا بلغني عن المتقدِّمين - سواه - فيه
= (٥)
رواية(٥).
(١) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٧٣/٢).
(٢) ما بين المعقوفين لا يوجد في (ح).
(٣) ((التقييد والإيضاح)) (ص١٨٥).
(٤) ((الكفاية)) (ص٤٦٥)، و((الإجازة للمعدوم والمجهول)) (ص٧٩)، و((الإلماع))
(ص١٠٥).
(٥) ((الإجازة للمعدوم والمجهول)) (ص٧٩).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤٣٣
الثالث: الإجازة
قال البلقيني: ويحتمل أنَّ ذلك وقع منه على سبيل المبالغة وتأكيد
الإجازة، لا أنَّه أراد حقيقةَ اللَّفظ (١).
قلت: لكن قد عزا شيخنا لأبي عبد الله ابن منده استعمالَها(٢)، وَابْنُ
الصّباغ جوازَها لقومٍ.
(وهو مثلا) أي: شبه (بالوقف) على المعدوم، حيث صحَّ فيما كان ٤٧٣
معطوفاً على موجود، كما قال به أصحاب الشَّافعي(٣)، وكذا بالوصيّة عن
الشَّافعي نفسه، فإنَّه في ((وصيته)) المكتتبة في ((الأم)) أوصى فيها أوصياء على
أولاده الموجودين، ومن يُحْدِثُه الله له من الأولاد (٤).
ولا شكَّ أنَّه يُغتفر في التَّبع والضِّمْن ما لا يغتفر في الأصل.
أمَّا الوقف على المعدوم ابتداء كعلى من سيولد لفلان فلا على المذهب،
لأنَّه منقطع الأول(٥) .
و(لكن) القاضي (أبا الطَّيِّب) طاهر الطَّبري (رد كليهما) أي: القسمين
مطلقاً(٦)، فيما حكاه عنه صاحبه الخطيب الحافظ(٧)، وكذا منعه الماوردي فيما
حكاه عياض(٨).
(وهو الصَّحيح المعتمد) الَّذي لا ينبغي غيره؛ لأنَّ الإجازة في حكم
الإخبار جملةً بالمجاز على ما قرر في النَّوع الأول(4)، فكما لا يصحّ الإخبار
للمعدوم، لا تصحّ الإجازة له، بل ولو قدرنا أنَّ الإِجازة إذْنٌ لا يصحّ ذلك -
أيضاً - كالوكالة للمعدوم؛ لوقوعه في حالة يتعذّر فيها المأذون فيه من
المأذون له.
(١) ((محاسن الاصطلاح)) (ص٢٧١).
(٢) ((شرح النخبة)) (ص ١٤٢).
(٣) انظر: ((نهاية المحتاج)) للرملي (٣٧١/٥).
(٤) ((الأم)) للإمام الشافعي (١٢٣/٤).
(٥) ((المنهاج)) للنووي (٣٨٢/٢) - مع شرحه ((مغني المحتاج)) - و((الغاية القصوى))
للبيضاوي (٦٤٤/٢).
(٦) في حاشية (س): يعني تبعاً كان أو أصلاً.
(٧) ((الإجازة للمعدوم والمجهول)) (ص ٨٠).
(٨) في ((الإلماع)) (ص١٠٥).
(٩) (ص٤٠١).

الثالث: الإجازة
٤٣٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وأيضاً: فكما قال بعض المتأخِّرين: يلزم من الجواز أن تَتَّصل الرِّواية في
بعض صُور هذا النَّوع بين شخصين في السَّند من غير واسطة، ولا لقي ولا
إدراك عصر، ومثل هذا غير معقول، وساقط عن درجة الاعتبار، ولم نر من
صَرَّح باستثناء هذه الصُّورة، وعلى كل حال فهو مما يتقوَّى به الردُّ.
٤٧٤
و (كذا) ردها (أبو نصر) هو ابن الصباغ وبيَّن بطلانها، وقال: إنَّما ذهب
إليه من يعتقد أنَّ الإجازة إذن في الرِّواية لا محادثة، يعني: فلا يشترط فيه
الوجود، وقد تقدَّم قريباً(١) رده، وإن قلنا: إنَّها إذن.
(و) لكن (جاز) الإذن للمعدوم (مطلقاً عند) الحافظ أبي بكر (الخطيب)(٢)
قياساً على صحّة الإجازة كما قاله عياض، فإنَّه قال: وإذا صحّت الإجازة مع
عدم اللِّقاء وبُعْدِ الدِّيار، وتفرقِ الأقطار، فكذلك مع عدم اللِّقاء، وبُعْد الزّمان،
وتفرُّقِ الأعصار(٣) .
وخرَّجه بعض المتأخِّرين من المغاربة على مذهب الجمهور وأهل الحقِّ
في جواز تعلق الأمر بالمعدوم، خلافاً للمعتزلة (٤)، قال: وإذا جاز فيه فهنا
أولى وأحرى(6)، وفي القياس توقف.
ثمَّ إنَّ ما ذكر في استلزامه روايةَ الرّاوي عمَّن لم يدركه ولا عاصره قد
أشار إليه الخطيب، فإنَّه قال: فإن قيل: كيف يصحّ أن يقول: أجاز فلان لي،
ومولده بعد موت المجيز بزمان بعيد؟ .
قيل: كما يجوز أن يقول: وقف فلان عليّ وإن كان موت الواقف قبل
مولده بزمان بعيد، ولأنَّ بُعْدَ أحد الزمانين من الآخر كَبُعْدِ أحد الوطنين من
الآخر، فلو أجاز من مسكنه بالمشرق لمن يسكن بالغرب صحَّ، وجاز أن يقول
(١) (ص٤٣٣).
(٢) ((الكفاية)) (ص٤٦٦).
(٣) («الإلماع)) (ص١٠٥).
(٤) المعتزلة: فرقة كبيرة نشأت في العصر الأموي، سموا بذلك لأن رأسهم واصل بن عطاء
اعتزل الحسن البصري حينما اختلفا في حكم مرتكب الكبيرة. انظر: ((الفرق بين الفرق))
(ص٢٠ - ٢١)، و((تاريخ المذاهب الإسلامية)) للشيخ محمد أبو زهرة (١٤٧/١).
(٥) انظر: ((شرح الكوكب المنير)) (٥١٣/١ - ٥١٥)، و((نهاية السول)) للإسنوي (٢٩٨/١ -
٣١٠)، و((تيسير التحرير)) (٢٣٩/٢).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤٣٥
الثالث: الإجازة
المجاز له: أجاز لي فلان وإن لم يلتقيا، فكذلك إذا أجاز لمن يُولَّدُ بعده يجوز
أن يقول: أجاز لي فلان وإن لم يتعاصرا(١).
وفيه نظر، فإن عُدِمِ الاجتماعُ في الزَّمان يلزم في المكان، ولا عكس،
وكأنَّه نظر إلى أن المقصود بلوغ الخبر بالإذن، وهو حاصل فيهما .
٤٧٥
(وبه) أي: بالجواز مطلقاً (قد سبقا) أي: الخطيب (من) جماعةٍ كـ (ابن
عَمْروس) المالكي (مع) أبي يعلى ابن (الفراء) الحنبلي، والقاضي أبي عبد الله
الدامغاني الحنفي، وأبي الطَّيِّب الطَّبري الشَّافعي، فيما سمعه منه الخطيب
قديماً(٢)، قبل أن يقول ما تقدَّم(٣) .
وكذا أجازه غيره من الشَّافعية، بل قال عياض: إنَّه أجازه مُعْظَمُ الشُّيوخ
المتأخّرين، قال: وبهذا استمر عملهم بعد شرقاً وغرباً. انتهى(٤).
وجزم شيخنا بأنه لا يعرف في المشارقة، وبعدم الصِّحَّة في القسم
الثَّاني، وبأنَّه الأقرب في الأول - أيضاً -(٥) .
(وقد رأى الحكم على استواء في الوقف في صحّته) أي: رأى صحَّة ٤٧٦
الوقف في القسمين معظم (من تبعا أبا حنيفة) بالصَّرف وبعدمه، لكن مع الخبل(٦)
(ومالكاً) رحمهما الله (معا)(٧) فيلزمهم القول به في الإجازة من باب أولى؛ لأنَّ
أمرها أوسع من الوقف الَّذي هو تصرف مالي، إلّا أن يفرقوا بين البابين بأن
الوقف ينتقل إلى الثَّاني عن الأول، وإلى الثَّالث عن الثَّاني، بخلاف الإجازة فهي
حكم يتعلق بالمجيز والمجاز له حسب، حكاه الخطيب عن بعض أصحابه(٨) .
(١) ((الإجازة للمعدوم والمجهول)) (ص٨١).
(٢) المرجع السابق (ص ٨٠)، و((الإلماع)) (ص١٠٤).
(٣) (ص٤٣٣).
(٤) ((الإلماع)) (ص١٠٤).
(٥) انظر: ((شرح النخبة)) (ص١٤١ - ١٤٢).
(٦) الخبل: هو الطي مع الخبن، والطي: حذف الحرف الرابع الساكن، والخبن: حذف
الثاني الساكن. انظر: الكافي في علمي العروض والقوافي (ص٥٥٩) ضمن مجموع
المتون.
فعلى هذا: هو حذف السين والفاء من مستفعلن، كما في ((القاموس)) مادة (خبل).
(٧) انظر: ((فتح القدير)) لابن الهمام (٦٩/٥ - ٧٠)، و((الشرح الكبير)) للدردير (٤/ ٧٧).
(٨) ((الإجازة للمعدوم والمجهول)) (ص٨١).

الثالث: الإجازة
٤٣٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
ونحوه ما قيل: إنَّ الوقف يؤول - غالباً - إلى المعدوم حين الإيقاف،
بخلاف الإجازة؛ لا سيما وقد سلف عن أبي حنيفة القول ببطلان أصل
الإجازة(١)، وتبعه من مقلِّديه الدباس(٢)، وكذا أبو يوسف في أحد القولين(٢)،
وهو أشهرهما عن مالك(٣).
ولكن المعتمد إلحاق ما بعد البطن الأول به في التَّلَقِّي من الواقف، وفي
الفرق الثَّاني نظر، وقد قال الخطيب: إنَّه لا فرق بينهما عندي (٤)، وقد صنف
في هذه المسألة جزءً(٥).
٤٧٧
(و) النَّوع (السَّابع): من أنواع الإجازة (الإذن) أي: الإجازة (لغير أهل)
حين الإجازة (للأخذ عنه) وللأداء (كافر) أو فاسق أو مبتدع أو مجنون (أو طفل
غير مميز) تمييزاً يصحّ أن يعد معه سامعاً.
٤٧٨
(وذا الأخير) أي: الإجازة للطّفل، وهو الذي اقتصر ابن الصَّلاح
بالتَّصريح مِمَّا ذكرنا عليه، مع كونه لم يفرده بنوع، وإنّما ذكره ذيل مسألة
الإجازة للمعدوم(٦) .
(رأي) أي: رآه صحيحاً مطلقاً القاضي (أبو الطيب) الطَّبري حيث سأله
صاحبه الخطيب عن ذلك، وفرق بينه وبين السَّماع بأنَّ الإجازة أوسع، فإنَّها
تصحّ للغائب بخلاف السَّماع(٧) .
(و) كذا رآه (الجمهور) وحكاه السِّلفي عَمَّن أدركه من الشُّيوخ
والحفاظ(٨)، وسبقه لذلك الخطيب، فإنَّه قال: وعلى هذا رأينا كافة شيوخنا
يجيزون للأطفال الغُيَّب عنهم من غير أن يسألوا عن مبلغ أسنانهم وحال
تمييزهم (٩) .
(١) انظر: (ص٣٩٦)، وأصول السرخسي (ص٣٧٧/١ - ٣٧٨).
(٢) انظر: (ص٣٩٦ - ٣٩٧).
(٣) انظر: (ص٣٩٤).
(٤) ((الإجازة للمعدوم والمجهول)) (ص٨١).
(٥) صغيراً. طبع أكثر من مرة. وفي حاشية (م): ثم بلغ كذلك نفع الله به. كتبه مؤلفه.
((علوم الحديث)) (ص١٤١).
(٦)
(٧) ((الكفاية)) (ص٤٦٦).
(٨) ((الوجيز في ذكر المجاز والمجيز)) للسلفي (ص٦٧).
(٩) ((الكفاية)) (ص٤٦٦).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٤٣٧
الثالث: الإجازة
واحتج الخطيب لذلك بأنَّ الإجازة إنّما هي إباحة المجيز الرِّواية للمجاز
له، والإباحة تصحّ لغير المُمَيِّز، بل وللمجنون (١)، يعني: لعدم افتراقهما في
غالب الأحكام.
قال ابن الصَّلاح: وكأنَّهم رأوا الطّفل أهلاً لتحمُّل هذا النَّوع الخاص،
ليؤدي به بعد حصول أهليته، حرصاً على توسع السَّبيل إلى بقاء الإسناد الذي
اختصت به هذه الأمة، وتقريبه من رسول الله وَ ل﴾ (٢).
والقول الثَّاني: وحكاه الخطيب عن بعض الأصحاب البطلان(٣).
وكذا أبطلها الشَّافِعِي تَُّ لمن لم يستكمل سبع سنين - كما تقدَّم في متى
يصحّ التحمل(4) ..
قال ابن زبر(٥): وهو مذهبي(٦)، وكأنّ الضَّبط به لأنّه مَظِنَّة التَّمييز غالباً.
وهذا القول لازم من ذهب إلى اشتراط كون المجاز عالماً، كما سيأتي
في لفظ الإجازة قريباً (٧) مع ما فيه.
وأما باقي الصّور التي لم يذكرها ابن الصَّلاح، فالمجنون قد علم الحكم
فيه قريباً من كلام الخطيب.
٤٧٩
قال النَّاظم: (ولم أجد في) الإجازة لـ (كافر نقلاً) مع تصريحهم بصحة
سماعه (بلى) أي: نعم (بحضرة) الحافظ الحجّة أبي الحجّاج (المزي) بكسر
الميم نسبة للمزة قرية من دمشق(٨) (تترا) أي: [متتابعاً](٩) (فعلا) حيث أجاز
ابن عبد المؤمن الصُّوري لابن الديان حال يهوديته في جملة السَّامعين جميع
(١) ((الكفاية)) (ص٤٦٦).
(٢) ((علوم الحديث)) (ص١٤٢).
(٣) ((الكفاية)) (ص٤٦٦).
(٤) (ص٣١٥).
(٥) هو: الحافظ المفيد أبو سليمان محمد بن عبد الله بن أحمد بن ربيعة الربعي، محدث
دمشق، المتوفى سنة تسع وسبعين وثلاثمائة.
((تذكرة الحفاظ)) (٩٩٦/٣ - ٩٩٧)، و(«شذرات الذهب)) (٩٥/٣ - ٩٦).
(٦) ((الوجيز)) للسلفي (ص٦٧).
(٧) (ص٤٥٦) وما بعدها.
(٨) وهي قرية كبيرة غناء في وسط بساتين دمشق، بينها وبين دمشق نصف فرسخ. ((معجم
البلدان» (١٢٢/٥)،
(٩) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): متابعاً.

الثالث: الإجازة
٤٣٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
مروياته، وكتب اسمه في الطّبقة، وأقره المِزِّي المذكور، بل وأجازه ابن تيمية،
كما قدمت كلّ ذلك في متى يصحّ التَّحمّل(١)، وإذا جاز في الكافر فالفاسق
والمبتدع من باب أولى.
٤٨٠
(و) كذا (لم أجد في) إجازة (الحمل) سواء نفخ فيه الرّوح أو لم ينفخ،
عطف على موجود كأبويه مثلاً، أو لم يعطف (أيضاً نقلا، وهو) أي: جواز
الإجازة له (من) جواز إجازة (المعدوم أولى فعلا) بلا شكٌّ؛ لا سيما إذا نفخ
فيه الروح، ويشهد له تصحيحهم الوصية للحمل (٢)، وإيجاب النفقة على الزَّوج
لمطلَّقته الحامل، حيث قلنا: إنّها لأجله(٣)، تنزيلاً له منزلة الموجود.
٤٨١
(وللخطيب) مما يتأيد به عدم النقل في الحمل (لم أجد) [من شيوخي](٤)
(من فعله)(٥) أي: أجاز الحمل مع كونه مِمَّن يرى - كما تقدم(٦) - صحَّة
الإجازة للمعدوم.
(قلت): قد (رأيت بعضهم) وهو أحد شيوخه المتأخِّرين الحافظ العمدة
صلاح الدين أبو سعيد العلائي شيخ بعض شيوخنا (قد سئله): أي: الإذن
٤٨٢ للحمل (مع) بالسّكون (أبويه) إذا سئل في الإجازة لهما ولحملهما (فأجاز) ولم
يستثن أحداً (٧)، فإما أن يكون يراها مطلقاً، أو يغتفرها [تبعاً](٨).
وهو أعلم وأحفظ وأتقن من المحدِّث المكثر الثِّقة أبي الثَّناء محمود بن
(١) (ص٣٠٣ - ٣٠٤).
(٢) انظر: ((الغاية القصوى)) للبيضاوي (٦٩٨/٢). بل قال ابن قدامة: لا نعلم في صحته
خلافاً. انظر: ((المغني)) (٤٧٤/٦) مع الشرح.
(٣) انظر: ((الكافي)) لابن عبد البر (٦٢٧/٢)، و(شرح فتح القدير)) (٣٣٩/٣ - ٣٤٠)،
و((الاختيارات الفقهية)) لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص٢٨٦).
وفي زاد المستقنع للحجاوي وشرحه للبهوتي (١١٥/٧) مع حاشية ابن قاسم: والنفقة
للبائن الحامل للحمل نفسه، لا لها من أجله؛ لأنها تجب بوجوده وتسقط بعدمه،
فتجب لحامل ناشز ... إلخ الفوائد المترتبة على الخلاف.
(٤) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٦) (ص٤٣٤).
(٨) ما بين المعقوفين لا يوجد في (ح).
(٥) ((الكفاية)) (ص٤٦٦).
(٧) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٧٨/٢).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٤٣٩
الثالث: الإجازة
خليفة بن محمد بن خلف المنبجي الدمشقي شيخ شيوخنا (١) الذي صرح في
كتابه بما يشعر بالاحتراز عن الإجازة له، بل ومن أبهم اسمه، فإنه قال:
أجزت المسمَّيْن فيه(٢).
(و) لكن يمكن أن يقال: (لعل) يعني: العلائي (ما اصَّفَّحَ) أي: تصفح،
بمعنى: نظر (الأسماء) التي (فيها) أي: في الاستجازة حتى يعلم هل فيها حمل
أم لا؟ (إذ فعل) أي: حيث أجاز بناء على صحة الإجازة بدون تصفح ولا عد،
كما تقدم في النوع الرابع قريباً(٣)، إلا أن الغالب أن أهل الحديث - كما هو
المشاهد - لا يجيزون إلا بعد نظر المسئول لهم.
على أنه يمكن أن يقال: لعل المنبجي - أيضاً - لم يتصفّح الاستجازة،
وظن الكلّ مُسَمَّيْنَ، أو يقال: إن الحمل اسمه حينئذٍ، فلا تنافي بين الصّنيعين.
وعلى كل حال (فينبغي البنا) بالقصر للضَّرورة، أي: بناء صحّة الإجازة
له (على ما ذكروا) أي: الفقهاء من أنه (هل يعلم الحمل) أم لا؟.
٤٨٣
فإن قلنا: إنَّه لا يعلم فيكون كالإذن للمعدوم، ويجري فيه الخلاف فيه.
وإن قلنا: إنَّه يعلم كما صحَّحه الرَّافعي صحَّ الإذن (وهذا) أي: البناء
وكون الحمل يعلم (أظهر) فاعتمده.
ثم إنَّ معنى قولهم: إنَّ الحملَ يعلم أنَّه يعامل معاملة المعلوم، وإلّا فقد
قال إمام الحرمين: لا خلاف أنَّه لا يعلم، وبه جزم الرافعي بعد هذا بنحو
صفحة في أثناء فرق (٤).
(١) الملقب بشمس الدين، المتوفى سنة سبع وستين وسبعمائة.
((الدرر الكامنة)) (٩١/٥).
(٢) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٧٩/٢)، وانظر بعض من أجاز لهم المنبجي في: ((معجم الشيوخ))
لابن فهد (ص٥٤، ١٢١، ٢٣٦، ٣٢١، ٤٠٦) و(«فهرس الفهارس والأثبات)» (٩١٣/٢).
(٣) (ص٤٢٤).
(٤) (شرح التبصرة والتذكرة)) (٧٩/٢).
فائدة: معرفة ما في الأرحام - الحمل - من المغيبات الخمس التي ذكرها الله - تعالى -
في آخر سورة لقمان بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِىِ الْأَرْحَامِ
وَمَا تَدْرِى نَفْسُ مَّاذَا تَحْسِبُ غَدَّاً وَمَا تَدْرِى نَفْسُ بِأَتِ أَرْضٍ تَمُوتُّ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ
(٣٤)
الآية ٣٤. ويزعم بعض الأطباء أنهم توصلوا بواسطة الأجهزة العلمية إلى تحديد نوع =

الثالث: الإجازة
2
٤٤٠
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
ومُحصَّلُ ما ذكر هنا: أنَّ الإجازة كالسَّماع، لا يشترط فيها الأهلية عند
التَّحمُّل بها .
تتمة :
رأيت من كتب بهامش نسخته نقلاً عن المصنّف أنَّه هو السَّائل للعلائي،
وأنَّ الحَمْلَ هو ولده أحمد، يعني: الولي أبا زرعة، وفيه نظر، فمولد أبي زرعة
في ذي الحِجَّة سنة اثنتين وستين(١)، ووفاة العلائي في المحرَّم سنة إحدى(٢)،
اللّهم إلا أن يكون مكث حملاً أزيد من المعتاد غالباً.
٤٨٤
(و) النَّوع (الثَّامن): من أنواع الإجازة (الإذن بما) أي: الإجازة بمعدوم
(سيحمله الشيخ) المجيز من المروي مما لم يتحمله قبل ذلك بنوع من أنواع
التَّحمّل، ليرويه المجاز له بعد أن يتحمَّله المجیز.
(والصَّحيح) بل الصَّواب كما قاله النَّووي(٣)، وسبقه إليه عياض(٤) كما
سيأتي قريباً(٥) (أنا نبطله) ولم يَفْصِلوا بين ما يكون المعدوم فيه منعطفاً على
الجنين، وقد اختلف العلماء في كلامهم هذا قبولاً ورداً.
=
فمن رده استند إلى الآية المذكورة، وإلى قوله ويتلقى: ((مفاتيح الغيب خمس لا يعلمها
إلا الله، لا يعلم ما يكون في غد، ولا يعلم أحد ما يكون في الأرحام، ولا تعلم
نفس ماذا تكسب غداً، وما تدري نفس بأي أرض تموت، وما يدري أحد متى يجيء
المطر))، رواه البخاري في ((صحيحه)): باب لا يدري متى يجيء المطر إلا الله، كتاب
الاستسقاء (٥٢٤/٢) من حديث ابن عمر.
ولذا قال الدكتور محمد عبد المنعم الجمال في تفسيره ((التفسير الفريد)) (٢٤٦٢/٣):
ولم يصل علم الأجنة بعد إلى تحديد نوع الجنين، فكل ما ينشر ويذاع في هذا
الخصوص لا يعدو أن يكون ظناً أو مصادفة، ولا يرقى إلى مرتبة العلم.
ومن قبل قول الأطباء من أهل العلم قال: إن الجنين بعد نفخ الروح فيه واطلاع
الملك عليه خرج عن كونه من المغيبات التي لا يعلمها إلا الله، وأما قبل علم الملك
فلا يعلمه إلا الله قطعاً، وهي فترة ما يسميه بعض أفاضل العصر فترة الغيض المشار
إليها بقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيْضُ الْأَرْحَامُ﴾ الآية ٨ من سورة
الرعد، والقول الأخير هو الظاهر.
(١) كما في ((إنباء الغمر)) (٢١/٨).
(٣) في ((التقريب)) (ص٢٦٤) مع التدريب.
(٥) (ص٤٤٢).
(٢) كما في ((الدرر الكامنة)) (١٨١/٢).
(٤) في ((الإلماع)) (ص١٠٦).