النص المفهرس

صفحات 321-340

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٢١
متی يصحّ تحمّل الحديث أو يستحب
بما فهم منه(١)، وجنح له من المتأخّرين الولي العراقي، فكان يقول: أخبرني
فلان وأنا في الثَّالثة سامع فهم، ويحتج بتمييزه بين بعيره الّذي كان راكبه حين
رحل به أبوه الشَّارح أول ما طعن في السنِّ المذكورة وبين غيره وهو حجّة(٢).
[وكل هذه الأدلّة قد يشملها فهم الخطاب ورد الجواب، فلا تنافي بينها،
وإن كان بعضها أعلى، وكأن لعدم التَّساوي أُشير بصيغة التَّمريض، ولكن ليست
هي عبارة ابن الصَّلاح، فإنه قال: روينا عن موسى إلى آخره، بل صدر به أول
زمن يسمى فيه الصَّغير سامعاً (٣)؛ وحينئذٍ فكأنه أريد بها حكاية القول، لا
التَّمريض، والشَّرح يشهد له (٤)](٥) .
[وقد ذكر الرافعي .... أنَّه سمع في سنة ثمان [وخمسين](٦) وخمسمائة
على ... جزءاً بقراءة أبيه ... في الثالثة .... (٧)](٨).
(و) [الإمام الحافظ مسند أصبهان](٩) أبو بكر [(ابن المقري) وهو
محمَّد بن إبراهيم بن علي بن عاصم بن زاذان، المتوفى سنة إحدى وثمانين
وثلاثمائة عن ست وتسعين سنة(١٠)](٩) لكونه اعتبر التمييز والفهم (سَمَّعَ) أي:
أفتى بإثبات السماع (لابن أربع) من السِّنين (ذي ذكر) بضم الذال المعجمة،
أي: [صاحب] (٩) حفظ وفهم.
فروى الخطيب في ((الكفاية)) قال: سمعت القاضي أبا محمد عبد الله بن
(١) ((علوم الحديث)) (ص١١٦).
(٢) حيث كانت رحلة والده به إلى الشام سنة خمس وستين وسبعمائة، ومولده سنة اثنتين
وستين. انظر: ((أنباء الغمر)) (٢١/٨)، و((الضوء اللامع)) (٣٣٧/١).
(٣) ((علوم الحديث)) (ص١١٦).
(٤) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢١/٢).
(٥) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من ((سير أعلام النبلاء)).
(٧) في ((سير أعلام النبلاء)) (٢٥٤/٢٢) وقال الرافعي: سمعت من أبي حضوراً في الثالثة
سنة ثمان وخمسين وخمسمائة، وفيه (٢٥٢/٢٢): مولده سنة خمس وخمسين.
(٨) ما بين المعقوفين زيادة من (ح). كتبت بحاشيتها، وقد خرج لها، ولم أستطع استظهار
ما قصه المجلد.
(٩) ما بين المعقوفات لا يوجد في (م).
(١٠) وهو مترجم في: ((أخبار أصبهان)) (٢٩٧/٢)، و((تذكرة الحفاظ)) (٩٧٣/٣).

متی یصحّ تحمّل الحدیث أو يستحب
٣٢٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
محمَّد بن عبد الرّحمن الأصبهاني (١) يقول: حفظت القرآن ولي خمس سنين،
وحملت إلى أبي بكر ابن المقرئ لأسمع منه، ولي أربع سنين، فقال بعض
الحاضرين: لا تُسَمِّعُوا له فيما قرئ فإنه صغير.
فقال لي ابن المقري: اقرأ سورة ((الكافرون)) فقرأتها، فقال: اقرأ
((التكوير)) فقرأتها، فقال لي غيره: اقرأ ((والمرسلات)) فقرأتها، ولم أغلط فيها،
فقال له ابن المقرئ: سَمِّعُوا له والعهدة علي.
ثمَّ قال: سمعت أبا صالح صاحب الحافظ أبي مسعود أحمد بن
الفُرات (٢) يقول: سمعت أبا مسعود يقول: أتعجب من إنسان يقرأ ((المرسلات))
عن ظهر قلب، ولا يغلط فيها(٣).
هذا مع أنَّه ورد أصبهان ولم تكن كتبه معه، فأملى كذا كذا ألف حديث
عن ظهر قلبه، فلما وصلت الكتب إليه قوبلت بما أملى فلم يختلف إلَّا في
مواضع يسيرة (٤)، [ولكن لا يلزم من ذلك أن لا يكون هو يحفظها](٥).
قال الخطيب: ومن أطرف شيء سمعناه في حفظ الصَّغير ما [أنا](٦) أبو
العلاء محمد بن الحسن بن محمَّد الوراق (٧)، أنا أبو بكر أحمد بن كامل
القاضي (٨)، حدثني علي بن الحسن النَّجَّار، ثنا الصَّاغاني، ثنا إبراهيم بن سعيد
(١) المعروف بابن اللبان التميمي، المتوفى سنة ست وأربعين وأربعمائة. ((تاريخ بغداد))
(١٤٤/١٠ - ١٤٥)، و((العبر)) (٢١١/٣).
(٢) هو: أحمد بن الفرات بن خالد الضبي، أبو مسعود الرازي، الحافظ، نزيل أصبهان،
المتوفى سنة ثمان وخمسين ومائتين.
((تهذيب الكمال)) (٤٢٢/١ - ٤٢٥)، و((سير أعلام النبلاء)) (٤٨٠/١٢ - ٤٨٨).
(٣) ((الكفاية)) (ص١١٧)، و((تاريخ بغداد)) (١٤٤/١٠ - ١٤٥).
(٤) ((الكفاية)) (ص١١٧).
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٦) كذا في (س)، (خ)، وفي (م): أخبرنا.
(٧) قال الخطيب: ثقة، مات سنة اثنتي عشرة وأربعمائة. انظر: ((تاريخ بغداد)) (٢١٧/٢).
(٨) هو: أحمد بن كامل بن خلف بن شجرة بن منصور القاضي الشجري البغدادي، قال
الدارقطني: كان متساهلاً في الحديث، مات سنة خمسين وثلاثمائة.
سؤالات السهمي للدارقطني (ص١٦٤)، و((الجواهر المضية)) (٢٣٨/١).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٣٢٣
متی یصحّ تحمّل الحدیث أو يستحب
الجوهري(١)، قال: رأيت صبياً ابن أربع سنين حمل إلى المأمون قد قرأ
القرآن، ونظر في الرَّأي، غير أنَّه إذا جاع يبكي. انتهى (٢). وفي صحَّتها
نظر(٣).
وأغرب ما ثبت عندي في ذلك أنَّ المحب ابن الهائم (٤) حفظ القرآن
بتمامه والعمدة، وجملة من الكافية الشَّافية، وقد استكمل خمس سنين، وكان
تذكر له الآية ويسأل عمَّا قبلها فيجيب بدون تَوقُّف(٥).
وروينا عن الحافظ أبي بكر الإسماعيلي أنَّه قال في حفيده أبي معمر
المفضل بن إسماعيل (٦): إنَّه يحفظ القرآن ويعلم الفرائض، وأجاب في مسألة
أخطأ فيها بعض قضاتنا، كل ذلك وهو ابن سبع سنين (٧).
وهل المعتبر في التَّمييز والفهم القوة أو الفعل؟ الظَّاهر الأوَّل، ويشهد له
أنَّ شيخنا سئل عمَّن لا يعرف بالعربية كلمة، فَأَمَر بإثبات سَماعه، وكذا حكاه
ابن الجَزَريّ عن كلِّ من ابن رافع (٨) وابنٍ كثير وابن المُحبُّ (٩) بل حكى ابن
(١) أبو إسحاق الطبري، ثم البغدادي، الحافظ، المتوفى سنة أربع، وقيل: سبع، وقيل:
تسع وأربعين ومائتين.
((تهذيب الكمال)) (٩٥/٢ - ٩٨)، و«تذكرة الحفاظ)) (٥١٥/٢ - ٥١٦).
(٢) ((الكفاية)) (ص١١٧).
(٣) قال الشارح في ((شرح التبصرة)) (٣٧/٢): والذي يغلب على الظن عدم صحة هذه
الحكاية ... وفي سندها: أحمد بن كامل القاضي، وكان يعتمد على حفظه فيهم.
(٤) هو: محمد بن أحمد بن محمد بن عماد المصري ثم المقدسي الشافعي، المتوفى سنة
ثمان وتسعين وسبعمائة.
((إنباء الغمر)) (٣٠٨/٣)، و((شذرات الذهب)) (٣٥٥/٦)،
(٥) انظر وصفه بسرعة الحفظ وجودة القريحة في المرجعين السابقين في ترجمته.
(٦) هو: المفضل بن إسماعيل بن أبي بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي، أبو معمر
الجرجاني، المتوفى سنة إحدى وثلاثين وأربعمائة.
((تاريخ جرجان)) (ص٥٣٥ - ٥٣٦)، وطبقات السبكي (٣٣١/٥ - ٣٣٢).
(٧) انظر: المرجعين السابقين في ترجمته.
(٨) هو: الحافظ المتقن الرحال تقي الدين أبو المعالي محمد بن رافع بن هجرس بن محمد بن
شافع السلامي الشافعي، المتوفى سنة أربع وسبعين وسبعمائة. انظر: ((ذيل تذكرة الحفاظ))
للحسيني (ص٥٢ - ٥٤)، و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٦٦/٣ - ١٦٩).
(٩) هو: الحافظ شمس الدين أبو بكر محمد بن عبد الله بن أحمد المقدسي الحنبلي، =

متى يصحّ تحمّل الحديث أو يستحب
٣٢٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
كثير أنَّ المزّي كان يحضر عنده من يفهم ومن لا يفهم - يعني: من الرِّجال -
ويكتب للكلِّ السَّماع.
وكأنَّهم حملوا قول ابن الصَّلاح الماضي(١) : - ومتى لم يكن يعقل فهم
الخِطَاب وردَّ الجواب لم يصحَّ، وإن كان ابن خمس بل ابن خمسين(٢) - على
انتفاء القوة مع الفعل أيضاً .
وبقي هنا شيء آخر، وهو أنَّ الذَّهبي قال: إنَّ الصَّغير إذا حضر إن أجيز
له صحَّ التَّحمُّل، وإلَّ فلا شيءَ، إلَّا إن كان المُسْمِع حافظاً، ليكون تقريره
لكتابة اسم الصَّغير بمنزلة الإذن منه في الرِّواية عنه.
الصالحي، الشهير بابن المحب الصامت، المتوفى سنة تسع وثمانين وسبعمائة.
=
((غاية النهاية)) (١٧٤/٢ - ١٧٥)، و((طبقات الحفاظ)) للسيوطي (ص ٥٣٥).
(١) (ص٣١٥).
(٢) ((علوم الحديث)) (ص١١٧).
ملحوظة: انظر: بحث متى يصح تحمل الحديث أو يستحب في : -
١ - ((الكفاية))، للخطيب البغدادي (ص١٠٣ - ١١٨).
٢ - ((الإلماع))، للقاضي عياض (ص ٦٢ - ٦٧).
٣ - ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص١١٤ - ١١٨).
٤ - ((شرح التبصرة والتذكرة))، للعراقي (١٤/٢ - ٢٣).
٥ - ((تدريب الراوي))، للسيوطي (ص٢٣٦ - ٢٣٩).
٦ - ((توضيح الأفكار))، للصنعاني (٢٨٦/٢ - ٢٩٤).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٢٥
أقسامُ التَّحمل والأخذ - الأول: سماع لفظ الشيخ
أقسامُ التَّحمل والأخذ
وأوّلها - أي: أعلاها رتبة - سماع لفظ الشَّيخ.
(أعلى وجوه) أي: طرق (الأخذ) للحديث وتحمُّله عن الشُّيوخ (عند
المعظم) من المحدِّثين وغيرهم - (وهي) أي: الطّرق (ثمان) ولها أنواع متَّفق
على بعضها دون بعض - (لفظ شيخ) أي: السَّماع منه (فاعلم) ذلك.
٣٦٤
لأنَّ النَّبِي وَ أخبر النَّاس ابتداء وأَسْمَعهم ما جاء به، والتّقرير على ما
جرى لحضرته * أو السّؤال عنه مرتبة ثانية، فالأولى أولى، وفيه أقوال أخر
يأتي حكايتها في القراءة على الشَّيخ(١)، ولكن هذا هو المعتمد.
٣٦٥
سواء حدَّث (كتابا) أي: من كتابه (او حفظاً) أي: من حفظه، إملاء أو
غير إملاء في صورتي الحفظ والكتاب، لكنه في الإملاء أعلى، لما يلزم منه
من تحرز الشَّيخ والطّالب، إذ الشّيخ مشتغل بالتحديث، والطَّالب بالكتابة عنه،
فهما لذلك أبعد عن الغفلة، وأقرب إلى التَّحقيق، وتبيين الألفاظ مع جريان
العادة بالمقابلة بعده، وإن حصل اشتراكه مع غيره من أنواع التَّحديث في أصل
العلو.
وما تقرر في أرجحية هذا القسم هو الأصل، وإلَّا فقد يعرض للفائق ما
يجعله مفوقاً، كأن يكون المحدِّث لفظاً غير ماهر، إمَّا مطلقاً أو بالنسبة لبعض
القراء.
[وما اتفق من تحديث أبي علي](٢) الحسن بن عمر الكردي، أحد المسندين(٣)
(١) (ص٣٤٢) وما بعدها.
(٢) كذا في (س)، (ح) وفي (م): هذا أبو علي.
(٣) هو: الحسن بن عمر بن عيسى بن خليل بن إبراهيم الكردي، أبو علي، نزيل الجيزة
بمصر، المتوفى سنة عشرين وسبعمائة.
=

الأول: سماع لفظ الشيخ
٣٢٦
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
[بتلقين](١) الإمام الثَّقي السُّبكي(٢) له [بالجزء](٣) الأوَّل من حديث ابن
السمّاك(٤) كلمةً كلمةً [فلكونه](6) كان ثقيل السَّمْع جدّاً، قصداً لتحقُّق سماعه
بذلك(٦)؛ لأنه لو اقتصر على القراءة بالصَّوت المرتفع لم يَزُلِ الشَّكّ.
وإن كان شيخُنا قد وقع له مع ابن قوام(٧) في أخذ الموظّأ رواية أبي
مُصعب(٨)، لكونه - أيضاً - كان ثقيل السَّمع جدّاً أنَّه هو وأصحابه كانوا
يتناوبون القراءة عليه كلمةً كلمةً بصوتٍ مُرتفع كالأذان، حتَّى زال الشّكّ، مع
قرائن كصلاة المُسْمِع على النبي ◌َّهِ وترضيه عّنْ الصَّحابة، ونحو ذلك(٩).
فما وقع للسّبكي أضبط، بل ما وقع له - أيضاً - أعلى من العرض فقط
بلا شكّ، وأمَّا تلقين الحجار (١٠) قراءة سورة ((الصّف)) قصداً لاتِّصال تسلسلها،
= ((دول الإسلام)) للذهبي (٢٢٧/٢)، و((الدرر الكامنة)) (١١٥/٢ - ١١٦).
(١) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): لقنه.
. (٢) هو: علي بن عبد الكافي بن علي السبكي، أبو الحسن، الفقيه الشافعي، المتوفى سنة
ست وخمسين وسبعمائة.
((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٧٥/٢)، و((النجوم الزاهرة)) (٣١٨/١٠).
(٣) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): جميع الجزء.
(٤) هو: عثمان بن أحمد البغدادي، الدقاق، أبو عمرو بن السماك، مسند بغداد، المتوفى
سنة أربع وأربعين وثلاثمائة.
(«تاريخ بغداد)) (٣٠٢/١١ - ٣٠٣)، و((العبر)) (٢٦٤/٢).
(٥) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): لكونه.
(٦) ((ذيول العبر)) (ص١١٢ - ١١٣)، و((الدرر الكامنة)) (١١٥/٢ - ١١٦).
(٧) هو: محمد بن محمد بن محمد بن عمر بن أبي بكر بن قوام البالسي الأصل،
الدمشقي الصالحي، المتوفى محترقاً سنة ثلاث وثمانمائة.
((الضوء اللامع)) (٢٦٢/٩ - ٢٦٣)، و((شذرات الذهب)) (٣٨/٧).
(٨) هو: أحمد بن أبي بكر القاسم بن الحارث بن زرارة، الفقيه، أبو مصعب الزهري
القرشي، العوفي المدني، قاضيها، المتوفى سنة اثنتين وأربعين ومائتين.
(«الديباج المذهب)) (١٤٠/١ - ١٤١)، و((التحفة اللطيفة)) للسخاوي (٢١١/١ - ٢١٢).
(٩) ((المعجم المفهرس)) لابن حجر (ص٣٧)، و((إنباء الغمر)) له (٣٣٩/٤)، و((الضوء
اللامع)) (٩/ ٢٦٣).
(١٠) هو: أحمد بن أبي طالب بن أبي النعم نعمة بن حسن بن علي، المعروف بابن الشحنة
الحجار الصالحي الدمشقي، المتوفى سنة ثلاثين وسبعمائة.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٢٧
الأول: سماع لفظ الشيخ
لكونه لم يكن يحفظها(١)، فأعلى من ذلك كله، لعدم الخلل في سمعه.
(وقل) في حالة الأداء لما سمعته من لفظ الشَّيخ (حدثنا) فلان، أو
(سمعت) فلاناً (أو أخبرنا) أو خبَّرنا، أو (أنبأنا) أو نبأنا فلان، أو قال لنا
[فلان](٢) [أو ذكر لنا فلان] (٣) على وجه الجواز في ذلك كلّه اتفاقاً، حسبما
حكاه عياض(٤)، يعني: لغة كما صرَّح به الخطيب حيث قال: كلّ هذه الألفاظ
عند علماء اللِّسان عبارة عن التَّحديث(٥)، وإلَّا فالخلاف موجود فيها
اصطلاحاً، كما سيأتي(٦) .
ومن أصرح الأدلَّة لذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَاْ (﴾﴾(٧)
﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَيرٍ﴾ (٨).
قال ابن الصَّلاح: وينبغي - أي: ندباً - [أن](٩) لا يطلق من هذه الألفاظ
ما شاع استعماله في غير السَّماع لفظاً، لما فيه من الإيهام والإلباس(١٠)،
يعني: حيث حصلت التفرقة بين الصِّيغ بحسب افتراق التَّحمُّل، وخص ما يلفظ
به الشَّيخ بالتَّحديث، وما سمع في العرض بالإخبار، وما كان إجازة مشافهة
بالإنباء.
بل عدم الإطلاق - كما أشار إليه الشَّارح - ممَّا يتأكد في أنبأنا بخصوصها
بعد اشتهار استعمالها في الإجازة، لأنَّه يؤدي إلى إسقاط المروي ممَّن لا يحتج
بها(١١) .
وعلى كل حال فهذه الألفاظ متفاوتة.
((السلوك)» للمقريزي (٣٢٦/٢/٢)، و((الدرر الكامنة)) (١٥٢/١ - ١٥٣).
(١) انظر: (تفسير ابن كثير)) (٣٥٧/٤).
(٢) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٣) ما بين المعقوفين لا يوجد في (ح).
(٤) في: ((الإلماع)) (ص٦٩).
(٥) ((الكفاية)) (ص٤١٨).
(٦) (ص٣٥١).
(٧) سورة الزلزلة: الآية ٤.
(٨) سورة فاطر: الآية ١٤، وانظر: بقية الأدلة على ترادفها في: ((جامع بيان العلم وفضله))
(١٧٦/٢).
(٩) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): أنه.
(١١) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٥/٢).
(١٠) ((علوم الحديث)) (ص١١٨).

الأول: سماع لفظ الشيخ
٣٢٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٦٦
٣٦٧
(و) قد (قدم) الحافظ (الخطيب) منها (أن يقولا) أي: الرَّاوي (سمعت
إذ) لفظها صريح (لا يقبل) - كما سيأتي(١) - (التأويلا وبعدها) أي: بعد سمعت
في الرتبة (حدّثنا) لأنّ سمعت كما قال الخطيب: لا يكاد أحدٌ يقولها في
الإجازة والمكاتبة، ولا في تدليسٍ ما لم يسمعه(٢)، بخلاف حدَّثنا فقد
استعملها في الإجازة فطر وغيره، كما سبق في التدليس(٣) .
وروي أنَّ الحسن البصري كان يقول: [ثنا] (٤) أبو هريرة، ويتأوَّل حدَّث
أهلَ المدينة والحسنُ بها [كذا عند ابن الصَّلاح(٥)، والّذي في الكفاية
للخطيب: ويتأوَّل أنَّه حدَّث أهلَ البصرة، وأنَّ الحسنَ منهم، وكان الحسن إذ
ذاك بالمدينة، فلم يسمع منه(٦). انتهى](٧). كما كان يقول: خطبنا ابنُ عباس
بالبصرة، ويريد خطب أهل البصرة(٨)، وكما كان ثابت يقول: قدم علينا
عمران بن حصين(٨) .
وممَّن صرَّح بنسبة الحسن لذلك البزار حيث قال: إنَّ الحسن روى عمَّن
لم يدركه، وكان يتأوَّل فيقول: [ثنا](٩) وخطبنا، يعني قومَه الّذين حُدِّثوا
وخُطِبُوا بالبصرة(١٠) .
ويتأيَّد بتصريح أيوب (١١) وبهز بن أسد (١٢) ويونس بن عبيد(١٣)،
(١) (ص٣٤٨).
(٣) (ص٣١٦/١ - ٣١٧).
(٤) کذا في (س)، (ح)، وفي (م): حدثنا .
(٦) ((الكفاية)) (ص٤١٣).
(٨) ((المراسيل)) لابن أبي حاتم (ص٣٣).
(٩) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): حدثنا.
(١٠) مسند البزار في آخر ترجمة سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، كما في ((تهذيب
التهذيب)) (٢٦٩/٢)، ولم أقف على هذا الكلام في الترجمة المذكورة من المسند
المذكور .
(١١) ((المراسيل)) لابن أبي حاتم (ص٣٥).
(١٢) المرجع السابق (ص٣٥ - ٣٦)، وبهز بن أسد: هو الحافظ المتقن أبو الأسود العمي
البصري، المتوفى سنة سبع وتسعين ومائة.
(تذكرة الحفاظ)) (٣٤١/١ - ٣٤٢)، والخلاصة (ص٤٥).
(١٣) ((المراسيل)) لابن أبي حاتم (ص٣٤)، ويونس بن عبيد: هو الإمام القدوة الحجة=
(٢) ((الكفاية)) (ص٤١٣).
(٥) في ((علوم الحديث)) (ص١١٩).
(٧) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٣٢٩
الأول: سماع لفظ الشيخ
وأحمد (١)، وأبي زرعة(٢)، وأبي حاتم(٣)، وابن المديني (٤)، والتِّرمذي
والنسائي(٥)، والبزار(٦)، والخطيب(٧)، وغيرهم(٨)، بأنَّه لم يسمع من أبي
هريرة، بل قال يونس: إنّه ما رآه قطّ (٩).
لكن يخدش في دعوى كونه صرَّح بالتَّحديث أنَّه قيل لأبي زرعة: فمن
قال عنه [ثنا](١٠) أبو هريرة؟ قال: يخطئ(٩).
ونحوه قول أبي حاتم - وقيل له: إن ربيعة بن كلثوم (١١)، قال: سمعت
الحسن يقول: [ثنا](١٠) أبو هريرة -: لم يعمل ربيعة شيئاً، لم يسمع الحسنُ من
أبي هريرة شيئاً (١٢)، وقول سالم الخيَّاط (١٣) في روايته عن الحسن: ((سمعت أبا
هريرة)) ممَّا يبين ضعف سالم (١٤).
فإنَّ حاصلَ هذا كلِّه: أنّه لم يصحَّ عن الحسن التَّصريحُ بالتَّحديث، وذلك
محمولٌ من راويه على الخطأ أو غيره.
أبو عبد الله العبدي، مولاهم البصري، المتوفى سنة أربعين ومائة. ((سير أعلام النبلاء))
=
(٢٨٨/٦ - ٢٩٦).
(١) ((المراسيل)) لابن أبي حاتم (ص٣٤ - ٣٥).
(٢) المرجع السابق (ص٣٦).
(٣) ((الجرح والتعديل)) (٤١/٢/١)، و((المراسيل)) (ص٣٦).
(٤) العلل له (ص٦١)، و((المراسيل)) لابن أبي حاتم (ص٣٥).
(٥) ((سنن النسائي)) (١٦٨/٦ - ١٦٩).
(٦) نقله الحافظ ابن حجر في: ((تهذيب التهذيب)) (٢٦٧/٢).
(٧) ((الكفاية)) (ص٤١٣).
(٨) كالإمام يحيى بن معين. انظر: يحيى بن معين وكتابه التاريخ (٣٢٢/٤).
(١٠) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): حدثنا.
(٩) ((المراسيل)) (ص٣٦).
(١١) هو: ربيعة بن كلثوم بن جبر البصري، وثقه ابن معين والعجلي، وقال أحمد: صالح،
وقال النسائي : ليس به بأس.
((تاريخ الثقات)) للعجلي (ص١٥٧)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٦٣/٣).
(١٢) ((المراسيل)) لابن أبي حاتم (ص٣٦).
(١٣) هو: سالم بن عبد الله الخياط البصري، نزيل مكة، مولى عكاشة، وقيل: هما اثنان،
صدوق سيء الحفظ، من السادسة.
((تقريب التهذيب)) (ص١١٥)، والخلاصة (ص١١٢).
(١٤) ((المراسيل)) لابن أبي حاتم (ص٣٦)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٦٧/٢).

الأول: سماع لفظ الشيخ
٣٣٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
لكن قال شيخنا: إنَّه وقع في سنن النَّسائي عن إسحاق بن راهويه عن
المغيرة بن سلمة(١) عن وهيب عن أيوب عن الحسن عن أبي هريرة في
((المختلعات)) قول الحسن: لم أسمع من أبي هريرة غيره.
قال شيخنا: وهذا إسناد لا مطعن في أحد من رواته، وهو يؤيد أنَّه سمع
من أبي هريرة في الجملة(٢)، كذا قال، والذي رأيته في ((السُّنن الصُّغرى))
للنَّسائي بخط المنذري، بلفظ قال الحسن: لم أسمعه من غير أبي هريرة(٣)،
وكذا هو في الكبرى بزيادة أحد (٤).
زاد في الصُّغرى، قال أبو عبد الرحمنِ - يعني النَّسائي المصنف -:
الحسن لم يسمع من أبي هريرة شيئاً (٣)، وكأنَّه جوَّز التَّدليس في هذه العبارة
- أيضاً - بإرادة لم أسمعه من غير حديث أبي هريرة.
على أن ابن دقيق العيد، قال في التّأويل الأول: إنّه إذا لم يقم دليلٌ
قاطعٌ على أنَّ الحسن لم يسمع منه لم يَجُز أن يُصار إليه. انتهى(٥).
ولكن الَّذي عليه العملُ عدمُ سماعه، والقولُ بمقابله ضعَّفه النُّقَّادُ.
وكذا مما يشهد لكونها غير صريحة في السَّماع ما في ((صحيح مسلم)) في
حديث الذي يقتله الدَّجال فيقول: أنت الدَّجال الذي حدَّثنا به رسول الله وَالية (٦)؛
إذ من المعلوم تأخر ذلك الرّجل فيكون حينئذٍ مراده حدث الأمة، وهو منهم.
ولكن قد خدش في هذا - أيضاً - بأنه قد قيل: إنّ ذاك الرجل هو الخضر
عَل(٧)، يعني: على القول ببقائه(٨)، وحينئذٍ فلا مانع من سماعه، وبالجملة
فالاحتمال فیھا ظاهرٌ.
(١) هو: المغيرة بن سلمة المخزومي، أبو هشام القرشي البصري، وثقه ابن المديني، قال
البخاري: مات سنة مائتين.
((التاريخ الكبير)) (٣٢٦/١/٤)، والأوسط (٢٠٣/٢)، والخلاصة (ص٣٢٩).
(٢) (تهذيب التهذيب)) (٢٦٩/٢ - ٢٧٠)، و((فتح الباري)) (٤٠٣/٩).
(٣)
(سنن النسائي)): باب ما جاء في الخلع، كتاب الطلاق (١٦٨/٦ - ١٦٩).
(٤) السنن الكبرى للنسائي (٢٧٦/٥ ح ٥٦٢٦).
(٥)
((الاقتراح)) (ص٢١٤).
(٦) ((صحيح مسلم)): باب ذكر الدجال، كتاب الفتن (٧١/١٨).
(٧) قاله أبو إسحاق إبراهيم بن سفيان، راوي صحيح مسلم. انظر: ((صحيح مسلم)) (١٨ / ٧٢).
(٨) قال النووي في ((شرح مسلم)) (٧٢/١٨): وهو الصحيح. وانظر: (١٣٦/١٥) من=

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٣١
الأول: سماع لفظ الشيخ
وكذا بعد سمعت (حدثني) وهي وإن لم يطرقها الاحتمال المشار إليه لا
توازي سمعت. لكون حدَّثني - كما قال شيخنا - قد تطلق في الإجازة(١)، بل
سمعنا بالجمع لا توازي المفرد منه، لطُروق الاحتمال - أيضاً - فيه (٢).
(وبعد ذا) أي: حدّثني و[ثنا](٣) (أخبرنا) أو (أخبرني) إلا أن الإفراد أبعد
عن تطرق الاحتمال.
وعن بعضهم - كما حكاه ابن العربي في ((المسالك)) - قال: [ثنا](٣) أبلغ
من [أنا](٤)؛ لأنَّ [حدثنا](٥) قد تكون صفة للموصوف(٦)، والمخبر من له
الخبر، وكأنَّه أشار لما سيأتي عند حكاية الفرق بينهما من القسم بعده (٧).
وسُئل أحمد بن صالح عن [ثنا وأنا](٨) وأنبأنا فقال: [ثنا] (٩) أحسن شيء
في هذا، و[أنا](١٠) دون [ثنا](٩) وأنبأنا مثل [أنا](١٠).(١١).
٣٦٨
(وهو) أي: الأداء بـ [أنا](١٠) جمعاً وإفراداً في السَّماع من لفظ الشَّيخ
(كثير) في الاستعمال. (ويزيد) بن هارون (استعمله) هو (وغير واحد) منهم
حماد بن سلمة وابن المبارك وعبد الرَّزاق وهُشيم (١٢)، وخلق منهم ابن منده
(لما قد حمله) الواحد منهم (من لفظ شيخه) كأنَّهم كانوا يرون ذلك أوسع.
٣٦٩
ويؤيِّده قول الخطيب: وإنَّما استعمل من استعمل [أنا](١٠) وَرَعاً ونزاهةً
لأمانتهم، فلم يجعلوها للينها بمنزلة [ثنا](٩). (١٣).
الكتاب المذكور. وقد أطال ابن القيم تَخّْتُهُ في ((المنار المنيف)) (ص ٦٧ - ٧٦) الكلام
=
في بطلان هذه الدعوى بما لا مزيد عليه محتجاً بالكتاب والسنة وأقوال الأئمة.
(١) ((شرح نخبة الفكر)) (ص١٣٦).
(٢) في حاشية (م): ثم بلغ نفع الله به كذلك عوداً على بدء. كتبه مؤلفه.
(٣) کذا في (س)، (ح)، وفي (م): حدثنا.
(٤) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): أخبرنا. (٥) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ثنا.
(٦) في حاشية (س): يعني فلا تكون إلا مشافهة، وحينئذٍ فليست قد للتقليل، بخلاف
الإخبار فإنه يكون بالإشارة والكتابة والمشافهة.
(٧) (ص٣٥١ - ٣٥٢).
(٨) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): حدثنا وأخبرنا.
(٩) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): حدثنا.
(١٠) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): أخبرنا.
(١٢) المصدر السابق (ص٤١٣ - ٤١٤).
(١١) ((الكفاية)) (ص٤١٦).
(١٣) المصدر السابق (ص٤١٦).

الأول: سماع لفظ الشيخ
٣٣٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وممَّن صرَّح بذلك أحمد، فقال: [أنا](١) أسهل من [حدَّثنا؛ حدَّثنا](٢)
شديد(٣)، قال ابن الصلاح: وكأنَّ هذا كله قبل أن يشيع تخصيص [أنا](١) بالعرض(٤).
لكن قد قال محمَّد بن رافع(٥): إن عبد الرَّزاق كان يقول: [أنا](١) حتى
قدم أحمد وإسحاق، فقالا له: قل [ثنا](٦)، قال ابن رافع: فما سمعته معهما
كان عبد الرزاق يقول فيه: [ثنا] (٦)، وأمَّا قبل ذلك فكان يقول: [أنا](٧)(٨).
بل حكى عبد الله بن أحمد أنَّ أباه قال: فكان عبد الرَّزاق كثيراً ما
يقول: [ثنا](٦) لعلمه أنا نحب ذلك، ثم يرجع إلى عادته (٩)، وكأنَّ أحمد أراد
اللَّفظ الأعلى، ولا ينافيه ما تقدَّم عنه(١٠) .
(وبعده) أي: بعد لفظ [أنا](٧) وأخبرني (تلا أنبأنا) أو (نبأنا) بالتشديد،
فهو تلوه في المرتبة (وقللا) استعماله فيما يسمع من لفظ الشَّيخ، أي: قبل
اشتهار استعمالها في الإجازة.
ثمَّ إنَّ ما تقدَّم في ترجيح سمعت من تلك الحيثية ظاهر، لكن لحدثنا
و[أنا](٧) أيضاً جهة ترجيح عليها، وهي ما فيهما من الدَّلالة على أنَّ الشَّيخ
رواه الحدیث وخاطبه به فيهما .
وقد سأل الخطيب شيخه البرقاني عن النكتة في عدوله عن واحدة منهما
إلى سمعت حين التَّحديث عن أبي القاسم الآبندوني(١١)؟ فقال: لأنَّ أبا القاسم
(١) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): أخبرنا .
(٢) كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ثنا، ثنا.
(٣)
(«الكفاية» (ص٤٣٦).
(٤) ((علوم الحديث)) (ص ١٢٠).
(٥) هو: الحافظ القدوة محمد بن رافع القشيري، مولاهم، النيسابوري، أحد الأعلام،
المتوفى سنة خمس وأربعين ومائتين. ((تذكرة الحفاظ)) (٥٠٩/٢ - ٥١٠)، و((الوافي
بالوفيات)) للصفدي (٦٨/٣).
(٦) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): حدثنا.
(٧) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): أخبرنا .
(٨) ((الكفاية)) (ص٤١٥).
(١٠) قريباً في هذه الصفحة.
(٩) المصدر السابق (ص٤١٤).
(١١) هو: الإمام الحافظ عبد الله بن إبراهيم بن يوسف الجرجاني، أبو القاسم الآبندوني،
المتوفى سنة ثمان وستين وثلاثمائة.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٣٣
الأول: سماع لفظ الشيخ
كان مع ثقته وصلاحه عَسِراً في الرِّواية، فكنت أجلس حيث لا يراني، ولا
يعلم بحضوري، فلهذا أقول: سمعت، لأنَّ قصدَه في الرِّواية إنَّما كان لشخصٍ
معين(١)، أشار إليه ابن الصَّلاح(٢).
ومنه قول أبي داود صاحب السُّنن: قُرئ على الحارث بن مسكين(٣) وأنا
شاهد(٤).
ونحوه حذف النَّسائي الصِّيغةَ حيث يروي عن الحارث أيضاً، بل يقتصر
على قوله: الحارث بن مسكين قراءةً عليه وأنا أسمع(٥)، لأنَّ الحارثَ كان
يتولَّى قضاء مصر، وكان بينه وبين النَّسائي خشونة، فلم یمکنه حضور مجلسه،
فكان يتستر في موضع، ويسمع حيث لا يراه، فلذلك تورَّع وتحرَّى(٦).
وهذا ظاهرٌ فيمن قصد إفراد شخص بعينه، أو جماعة معينين، كما وقع
لِلَّذي أمر بدق الهاون(٧)، حتَّى لا يَسمع حديثَه من قعد على باب جاره(٨).
ولذا نقل عن معتمر بن سليمان أنَّه قال: ((سمعت)) أسهل عليَّ من
((حذَّثنا))، و[أنا](٩)، وحدثني وأخبرني؛ لأنَّ الرَّجلَ قد يَسمع ولا يُحدَّث(١٠).
((تاريخ جرجان)) (ص٢٩٢ - ٢٩٣)، و((تذكرة الحفاظ)) (٩٤٣/٣ - ٩٤٤).
=
(١) هو: أبو منصور الكرخي، كما في ((الكفاية)) (ص٤١٦).
(٢) في ((علوم الحديث)) (ص١٢٠ - ١٢١).
(٣) هو: أبو عمرو الحارث بن مسكين بن محمد بن يوسف المصري، الفقيه القاضي
المالكي، المتوفى سنة خمسين ومائتين.
((ترتيب المدارك)) للقاضي عياض (٢٦٩/٢ - ٢٧٧)، و((تهذيب الكمال)) (٢٨١/٥ _ ٢٨٥).
(٤) ((سنن أبي داود)): باب في الطيرة، كتاب الطب في سند الحديث رقم (٣٩١٤).
(٥) في السنن الكبرى للنسائي طبعة الرسالة (١٨٠/١ ح ٢٧٦): الحارث بن مسكين قراءة
عليه وأنا أسمع. وقد زاد طابع السنن الصغرى (١٨٩/١) [أخبرنا] وجعلها بين
معقوفين جريا على العادة ومشيا على الجادة لجهله بسبب حذف الصيغة.
(٦) ((جامع الأصول)) لابن الأثير (١٩٦/١ - ١٩٧).
(٧) الهاون والهاون والهاوون: الذي يدق فيه، كما في ((القاموس)) مادة (هان).
(٨) انظر: ((ذيل تاريخ بغداد)) لابن النجار (١٤٧/٣ - ١٤٨).
(٩) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): أخبرنا .
(١٠) ((الكفاية)) (ص٤١٧).

:
الأول: سماع لفظ الشيخ
٣٣٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وقد قال ابن جُريج: حدَّثني ابن أبي مليكة (١)، حدَّثني عقبة بن الحارث،
ثمّ قال: لم يحدثني، ولكني سمعته يقول: تزوجت ابنة أبي إهاب (٢)، فجاءت
امرأة سوداء فقالت: قد أرضعتكما .... الحديث(٣).
وقال أبو نُعيم الفضل بن دُكين: قلت لموسى بن علي بمكّة: حدَّثك
أبوك؟ قال: حدَّث القوم وأنا فيهم، فأنا أقول: سمعت، وكلُّ هذا يوافق صنيع
البرقاني.
وكذا حكى أبو جعفر محمَّد بن علي بن عبد الله بن جعفر بن نَجِيح بن
المديني أنَّه بينما هو مع أبيه عند الإمام أحمد في عيادته، وكان مريضاً، وعنده
يحيى بن معين وغيره من المحدِّثين إذ دخل أبو عبيد القاسم بن سلام، فالتمس
منه يحيى أن يقرأ عليهم كتاب ((الغريب)) له، وأحضر الكتابَ فأخذ يقرأ
الأسانيد ويدع التَّفسير، فقال له علي: يا أبا عبيد، دعنا من الأسانيد، نحن
أحذق بها منك ففعل، فقال يحيى لعلي: دعه يقرأ على وجهه، فقال أبو عبيد:
ما قرأته إلَّا على المأمون، فإن أحببتم قراءته فاقرؤوه، فقال له علي: إن قرأته
علينا وإلَّا فلا حاجة لنا فيه. ولم يكن أبو عبيد يعرف علياً، فسأل يحيى عنه
فقال له: هذا علي بن المديني، قال: فالتزمه، وقرأ حينئذٍ.
(١) هو عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة - بالتصغير - التيمي المدني، ثقة
فقيه، مات سنة سبع عشرة ومائة.
((تقريب التهذيب)) (ص١٨١)، والخلاصة (ص١٧٤).
(٢) اسمها غنية، وكنيتها أم يحيى، كما في ((الإصابة)) (٤٦/٨).
(٣) هذه رواية الدارقطني (١٧٧/٤)، ورواه البخاري بصيغ منها : .
أ - في باب شهادة الإماء والعبيد، كتاب الشهادات (٢٦٧/٥) عن ابن جريج عن ابن
أبي مليكة عن عقبة بن الحارث ح ... عن ابن جريج، قال: سمعت ابن أبي مليكة
قال: حدثني عقبة بن الحارث أو سمعته منه أنه تزوج ...
ب - في باب شهادة المرضعة، كتاب النكاح (٩/ ١٥٢) عن عبد الله بن أبي مليكة،
قال: حدثني عبيد بن أبي مريم عن عقبة بن الحارث ... قال: وقد سمعته من عقبة،
لكني لحديث عبيد أحفظ، ومثله في (سنن الترمذي)): باب ما جاء في شهادة المرضع
من أبواب الرضاع رقم (١١٥١)، ورواه أبو داود: باب الشهادة في الرضاع، كتاب
الأقضية رقم (٣٦٠٣)، والنسائي: باب الشهادة في الرضاع، كتاب النكاح (١٠٩/٦).

فتح المغيث بشرح ألفية الحدیث
٣٣٥
الأول: سماع لفظ الشيخ
قال: فمن حضر ذلك المجلس فلا يقول: [ثنا] (١) أو نحوها، يعني لكون
علي هو المخصوص بالتَّحديث، وكان أبي - يعني: علياً - يقول: [ثنا](١) أبو
عبيد(٢).
وعلى هذا لو قال: سمّعني - بالتَّشديد - حصل التَّساوي من هذه الحيثية،
وثبت للسَّماع التفضيل مطلقاً .
وأمَّا لو قال: حدَّث أو أخبر فلا يكون مثل سمعت في ذلك، على أنا
نقول: الحيثية المشار إليها في [ثنا وأنا](٣) لا تقاوم ما فيهما من الخدش في
الاتصال مِمَّا لأجله كانت سمعت أرجح منهما .
(وقوله) أي: الراوي (قال لنا ونحوها) مثل قال لي، أو ذكر لنا، أو ذكر ٣٧٠
لي (كقوله حدثنا) فلان في الحكم [لها (٤)] بالاتصال، حسبما علم مما تقدم(٥)
مع الإحاطة بتقديم الإفراد على الجمع.
(لكنها) أي هذه الألفاظ (الغالب) من صنيعهم (استعمالها) فيما سمعوه ٣٧١
في حال كونه (مذاكرةً)، وقال ابن الصَّلاح: إنَّه - أي: السَّماع - مذاكرة لائق
به - أي: بهذا اللَّفظ - وهو به أشبه من حَدَّثنا. انتهى (٦).
وممَّن صرَّح بأنَّ البخاريَّ بخصوصه يستعملها في المذاكرة أبو إسماعيل
الهَروي، حيث قال: عندي أنَّ ذاك الرَّجلَ ذاكرِ البخاري أنَّه سمع من فلان
حديث كذا، فرواه بين المسموعات بهذا اللَّفظ، وهو استعمال حَسَنٌ
[طريف](٧) ولا أحدَ أفضلُ من البخاري(٨).
وخالف أبو عبد الله ابن منده في ذلك حيث جزم بأنه إذا قال: قال لي
(١) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): حدثنا.
(٢) انظر: ((تاريخ بغداد)) (٤٠٧/١٢ - ٤٠٨)، و((إنباه الرواة » (١٧/٣ - ١٨).
(٣) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): حدثنا وأخبرنا.
(٤) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٥) (ص٣٢٧).
(٦) ((علوم الحديث)) (ص١٢١).
(٧) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): ظريف - أي: بالظاء المشالة -
(٨) انظر ما تقدم (١٠٨/١)، و((فتح الباري)) (١١/١٠، ٥٣).

الأول: سماع لفظ الشيخ
٣٣٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
فهو إجازة(١)، وكذا قال أبو يعقوب الحافظ: إنَّه رواية بالإجازة، وقال أبو
جعفر ابن حمدان(٢): إنَّه عرضٌ ومناولة(٣).
وهو على تقدير تسليمه منهم له حكم الاتّصال - أيضاً - على رأي
الجمهور، لكنه مردود عليهم، فقد أخرج البخاري في الصَّوم من صحيحه
حديث أبي هريرة، قال: قال: ((إذا نسي أحدكم فأكل وشرب))(٤). فقال فيه:
[حدثنا] (٥) عبدان(٦)، وأورده في ((تاريخه)) بصيغة قال لي عبدان(٧).
وكذا أورد حديثاً في التفسير من صحيحه عن إبراهيم بن موسى (٨) بصيغة
التَّحديث(٩)، ثم أورده في الأيمان والنّذور منه - أيضاً - بصيغة: قال لي
إبراهيم بن موسى (١٠).
في أمثلة كثيرة حقَّقَ شيخنا باستقرائه لها أنَّه إنَّما يأتي بهذه الصِّيغة -
يعني: بانفرادها - إذا كان المتن ليس على شرطه في أصل موضوع كتابه، كأن
(١) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٠٣/٢)، و((فتح الباري)) (١٥٦/١).
(٢) هو: الإمام الحافظ الزاهد أحمد بن حمدان بن علي بن سنان الحيري، النيسابوري،
المتوفى سنة إحدى عشرة وثلاثمائة.
((تاريخ بغداد)) (١١٥/٤ - ١١٦)، و((سير أعلام النبلاء)) (٢٩٩/١٤ - ٣٠٣).
(٣) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٦٣)، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (١٤/ ٣٠٠)،
و((شرح التبصرة والتذكرة)) (١٠٢/٢)، وفيه: أبو عمرو محمد بن أبي جعفر أحمد بن
حمدان الحيري.
(٤) ((صحيح البخاري)): باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسياً. كتاب الصوم (٤/ ١٥٥).
(٥)
كذا في (ح)، (م)، وفي (س): ثنا.
(٦) هو: عبد الله بن عثمان بن جبلة العتكي، أبو عبد الرحمن المروزي، المتوفى سنة
إحدى وعشرين ومائتين.
(تقريب التهذيب)) (ص ١٨١)، والخلاصة (ص١٧٤).
(٧) ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٩١/١/١).
(٨) هو: إبراهيم بن موسى بن يزيد التميمي، أبو إسحاق الفراء الرازي، الملقب بالصغير،
مات بعد العشرين ومائتين.
(تهذيب الكمال)) (٢١٩/٢ -٢٢١)، و((تقريب التهذيب)) (ص٢٣ - ٢٤).
(٩) ((صحيح البخاري)): باب سورة التحريم، كتاب التفسير (٦٥٦/٨).
(١٠) صحيح البخاري)): باب إذا حرم طعاماً، كتاب الأيمان والنذور (٥٧٤/١١)، وهي
رواية غير أبي ذر، وأما رواية أبي ذر ففيها: قال إبراهيم بن موسى: دون ((لي)).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٣٣٧
الأول: سماع لفظ الشيخ
يكون ظاهره الوقف، أو في السَّند من ليس على شرطه في الاحتجاج، وذلك
في المتابعات والشَّواهد(١).
بل قال أبو نُعيم - كما قدمته في التعليق(٢) - عقب حديث من مستخرجه:
أخرجه البخاري بصيغة كتب إلي محمَّد بن بشار(٣)، هذا الحديث بالإجازة،
ولا أعلم له في الكتاب حديثاً بالإجازة غيره.
قال شيخنا: ومراد أبي نعيم بذلك ما كان عن شيوخه بلا واسطة، وإلَّا
فقد وقع عنده في أثناء الإسناد بالإجازة الكثير(٤)، يعني: كما سيأتي في القسم
(٥)
الخامس(٥) .
ثُمَّ إنَّ ابن منده نسب مسلماً لذلك - أيضاً - فزعم أنَّه كان يقول فيما لم
یسمعه من مشايخه: قال لنا فلان، وهو تدليس(٦).
قال شيخنا: وردَّه شيخنا - يعني النَّاظم(٧) - وهو كما قال(٨).
٣٧٢
(ودونها) أي: قال لي (قال بلا مجاررة) أي: بدون ذكر الجار
والمجرور، التي قال ابن الصَّلاح: إنها أوضع العبارات(٩)، (وهي) مع ذلك
محمولة (على السَّماع إن يدر اللقي) بينهما، كما جزم به ابن الصَّلاح هنا (٩)،
وفي التَّعليق زاد هناك: وكان القائل سالماً من التَّدليس(١٠).
(لا سيما من عرفوه) أي: من عرف بين أهل الحديث (في المضي)، أي:
(١) انظر: ((فتح الباري)) (١٥٦/١، ٤١٠/٥، ٤٣٣/٩ - ٤٣٤)، و((النكت على ابن
الصلاح)) (٢/ ٦٠١).
(٢) (١٠٨/١).
(٣) انظر: صحيح البخاري: باب إذا حنث ناسياً في الأيمان، كتاب الأيمان والنذور
(١١ / ٥٥٠).
(٤) من رواية التابعي عن الصحابي، أو من رواية غير التابعي عن التابعي، ونحو ذلك.
انظر: ((فتح الباري)) (٥٥٤/١١).
(٥) (ص ٥٠٥ - ٥٠٦).
(٦) قاله ابن منده في جزء له. انظر: ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٨/٢).
(٧) في ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٨/٢).
(٨) انظر ما تقدم (١٠٦/١).
(٩) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص١٢١).
(١٠) المصدر السابق (ص٥٩).

الأول: سماع لفظ الشيخ
٣٣٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
٣٧٣
فيما مضى (أن لا يقول ذا) أي: لفظ قال عن شيخه (لغير ما سمع منه كحجَّاج)
[هو](١) ابن محمد الأعور(٢)، فإنه روى كتب ابن جريج بلفظ: قال ابن
جُريج، فحملها النَّاس عنه واحتجوا بها(٣).
وكذا قال همام: ما قلت: قال قتادة، فأنا سمعته منه (٣)، وقال شعبة:
لئن أزني أحب إلي من أن أقول: قال فلان، ولم أسمع منه (٤).
٣٧٤
(ولكن يمتنع عمومه) أي: الحكم بذلك (عند) الحافظ (الخطيب) إذا لم
يعرف اتصافه بذلك (وقصر) الخطيب (ذاك) الحكم (على) الرَّاوي (الذي بذا
الوصف اشتهر)(٥)، قال ابن الصَّلاح: والمحفوظ المعروف ما قَدَّمناه(٦).
وأمَّا البخاري فاختار شيخنا - كما تقدم(٧) في هذه الصِّيغة منه -
بخصوصه عدم طرد حكم مُعيَّن، مع القول بصحّته، لجزمه به، كما قررته في
التَّعليق بما أغنى عن إعادّته، وقرر ردَّ دعوى ابن منده فيها تدليسه بأنَّ قال: لم
يشتهر اصطلاحاً للمدلِّسين، بل هي وعن في عرف المتقدِّمين محمولة على
السَّماع.
فائدة :
وقع في الفتن من صحيح مسلم من طريق المعلى بن زياد(٨) رده إلى
معاوية بن قرة رده إلى معقل بن يسار رده إلى النَّبِي وَّهِ فذكر حديثاً(٩).
(١) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٢) الترمذي ثم المصيصي ثم البغدادي، أبو محمد الحافظ، المتوفى سنة ست ومائتين.
((تذكرة الحفاظ)) (٣٤٥/١)، والخلاصة (ص٦٢) وفيها وفاته سنة ست وثمانين ومائة.
(٣) ((الكفاية)) (ص٤٢٠).
(٤) المصدر السابق (ص٤١٩).
(٦) ((علوم الحديث)) (ص١٢١).
(٥) ((الكفاية)) (ص٤١٨ - ٤١٩).
(٧) (٢٩٧/١ - ٢٩٨)، وانظر: ((النكت على ابن الصلاح)) (٥٩٩/٢).
(٨) هو: معلى بن زياد القردوسي، أبو الحسن البصري، وثقه البزار، وقال ابن
عدي: هو معدود من زهاد أهل البصرة، ولا أرى برواياته بأساً. ((الكامل)) لابن
عدي (٢٣٦٧/٦)، و((تهذيب التهذيب)) (٢٣٧/١٠ - ٢٣٨).
(٩) ((صحيح مسلم): باب فضل العبادة في الهرج، كتاب الفتن (٨٨/١٨) ولفظه: ((العبادة
في الهرج كهجرة إلي)).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
٣٣٩
الأول: سماع لفظ الشيخ
وهو ظاهر في الاتصال، ولذا أورده مسلم في صحيحه، وإن كان اللَّفظ
من حيث هو يحتمل الواسطة(١) .
(١) في حاشية (ح): ثم بلغ كذلك ... عن الشيخ .....
وفي حاشية (م): ثم بلغ نفع الله به كذلك. كتبه مؤلفه.
ملحوظة: انظر: بحث السماع من لفظ الشيخ في : -
١ - ((الكفاية))، للخطيب البغدادي (ص٣٩٥، ٤٢٧).
٢ - ((الإلماع))، للقاضي عياض (ص٦٩ - ٧٠).
٣ - ((علوم الحديث))، لابن الصلاح (ص١١٨ - ١٢١).
٤ - ((شرح التبصرة والتذكرة))، للعراقي (٢٣/٢ - ٢٩).
٥ - ((تدريب الراوي))، للسيوطي (ص٢٣٩ - ٢٤٢).
٦ - ((توضيح الأفكار))، للصنعاني (٢٩٥/٢ - ٢٩٨)

الثاني: القراءة على الشَّيخ
٣٤٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
القسم الثّاني من أقسام التَّحمُّل والأخذ
القراءة على الشَّيخ
٣٧٥
(ثم) يلي السَّماع من لفظ الشَّيخ (القراءة) عليه، وهي (التي نعتها) يعني:
سماها (معظمهم) أي: أكثر أهل الحديث من الشّرق وخراسان (عرضا) بمعنى:
أن القارئ يعرض على الشَّيخ كما يعرض القرآن على المقرئ(١).
وكأن أصله من وضع عرض شيء على عرض شيء آخر، لينظر في
استوائهما وعدمه، وأدرج فيه بعضهم عرض المناولة، والتَّحقيق عدم إطلاقه
فيه، كما سيأتي(٢).
(سوا) بفتح المهملة والقصر على لغة (٣)، أي: في تسميتها عرضاً (قرأتها)
٣٧٦ أي: الأحاديث بنفسك على الشَّيخ (من حفظ) منك (او كتاب) لك أو للشّيخ،
أو لغيره، (او) بالنَّقل فيه وفيما قبله مع تنوين ما قبلهما، وإن اتَّزن مع تركه
بالقطع (سمعتا) بقراءة غيرك من كتاب كذلك أو حفظه - أيضاً -.
٣٧٧
(والشَّيخ) في حال التَّحديث (حافظ لما عرضتا) أو عرض غيرك عليه (أو
لا) يحفظ (ولكن) يكون (أصله) معه (يمسكه) هو (بنفسه أو ثقة) ضابط غيره
(ممسكه) كما سيأتي في أول الفروع الآتية قريباً(٤).
٣٧٨
(قلت): و(كذا) الحكم (إن) كان (ثقة) ضابط (مِمَّن سمع) معك (يحفظه)
أي: المقروء (مع استماع) منه لما يقرأ، وعدم غفلة عنه، (فاقتنع) بذلك، وإن
لم يذكرها ابن الصَّلاح، لكنه قد اكتفى بالثقة في إمساك الأصل(٥)، فليكن في
الحفظ كذلك؛ إذ لا فرق، وهو ظاهر.
(١) ((الإلماع)) (ص٧١).
(٣) انظر ما تقدم (٢٩٧/١).
(٥) ((علوم الحديث)) (ص١٢٢).
(٢) (ص٤٦٧) وما بعدها.
(٤) (ص٣٥٥).