النص المفهرس

صفحات 121-140

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٢١
الموضوع
وكمن ابتلي بمن يُدَسُّ في حديثه ما ليس منه، كما وقع لحماد بن زيد مع
ربيبه (١)، ولسفيان بن وكيع(٢) مع ورَّاقه(٣)، وعبد الله بن صالح كاتب الليث (٤)
مع جاره(٥)، ولجماعة من الشّيوخ المصريين في ذلك العصر مع خالد بن نجيح
المدائني المصري(٦) .
وكمن تدخل عليه آفةٌ في حفظه أو في كتابه، أو في بصره، فيروي ما
ليس من حديثه غالطاً، فإنَّ الضَّرر بهم شديدٌ، لدقَّة استخراج ذلك إلَّا من
الأئمّة النُّقَّاد. انتهى(٧) .
والأمثلة لمن يضع كلامه أو كلام غيره كثيرةٌ، كحديث: ((المعدة بيت
الدَّاء، والحمية رأس الدواء))، فإن هذا لا يصحّ رفعه إلى النبي وحّ؛ بل هو من
كلام الحارث بن كلدة(٨) طبيب العرب، أو غيره(٩).
(١) هو: عبد الكريم بن أبي العوجاء. انظر: ((الموضوعات)) لابن الجوزي (١٠٠/١).
-
(٢) هو: سفيان بن وكيع بن الجراح الرؤاسي، أبو محمد الكوفي، قال البخاري: يتكلمون
فيه لأشياء لقنوه، وقال النسائي: ليس بثقة. وقال أبو حاتم: لين، مات سنة سبع
وأربعین ومائتين.
((ميزان الاعتدال)) (١٧٣/٢)، و((تهذيب التهذيب)) (١٢٣/٤ - ١٢٤).
(٣) المسمى: قرطمة. انظر: ((المجروحين)) (٦٥/١)، و((الموضوعات)) (١٠٠/١).
(٤) هو: عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني، أبو صالح، المصري، صدوق
كثير الغلط، ثبت في كتابه، مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين.
((تقريب التهذيب)) (ص١٧٧)، والخلاصة (ص ١٧٠ - ١٧١).
(٥) ((الموضوعات)) لابن الجوزي (١٠٠/١)، و((ميزان الاعتدال)) (٤٤١/٢).
(٦) المتوفى سنة أربع وخمسين ومائتين. انظر: ((الجرح والتعديل)) (٣٥٥/٢/١)، و((لسان
الميزان)) (٣٨٨/٢).
(٧) ((النكت على ابن الصلاح)) (٨٥٧/٢).
(٨) هو: الحارث بن كلدة بن عمر بن علاج الثقفي، طبيب العرب في وقته، أصله من
ثقيف، من أهل الطائف، رحل إلى أرض فارس، وأخذ الطب عنهم، ثم رجع إلى
بلاده، مات في أول الإسلام، ولم يصح إسلامه، ويقال: إنه بقي إلى زمن معاوية.
((أخبار الحكماء)) للقفطي (ص١١١ - ١١٣)، و((عيون الأنباء في طبقات الأطباء)) لابن
أبي أصيبعة (ص١٦١ - ١٦٧).
(٩) وأخرج العقيلي في ((الضعفاء)) (٥١/١) نحوه عن أبي هريرة مرفوعاً، وقال: هذا
الحديث باطل لا أصل له، وأورد الغزالي في ((الإحياء)) (٨٧/٣) نحوه مرفوعاً، وقال =

الموضوع
١٢٢
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وحديث: ((من عمل بما يعلم أورثه الله عِلْمَ ما لم يعلم))، كما سيأتي
(١)
قريباً(١) .
وحديث: ((حبّ الدّنيا رأسُ كلِّ خطيئة)). فقد رواه البيهقي في الزّهد(٢)،
(٣)
وأبو نعيم في ترجمة الثوري من الحلية من قول عيسى بن مريم
(٣) .
وجزم ابن تيمية بأنّه من قول جندب البجلي [رَ ه](1)(٥)، وأورده ابن أبي
الدّنيا في ((مكايد الشّيطان)) له من قول مالك بن دينار(٦)، وابن يونس في ترجمة
سعد بن مسعود التجيبي (١٧) من ((تاريخ مصر)) له من قول سعد هذا(٨).
ولكن قد أخرجه البيهقي - أيضاً - في الحادي والسَّبعين من الشّعب بسندٍ
حسنٍ إلى الحسن البصري رفعه مرسلا٩ً)، وأورده الدّيلمي في ((الفردوس))
وتبعه ولده( ١٠) بلا إسنادٍ عن علي بن أبي طالب رفعه - أيضاً(١) -.
العراقي في تخريجه: لم أجد له أصلاً، وذكره الزمخشري في ((تفسيره)) (٤٨٥/١) وفيه
=
قصة، وانظر: ((المقاصد الحسنة)) (ص٣٨٩).
(١) (ص١٢٦).
(٢) ((الزهد)) للبيهقى (ص١٦٩)، وشعب الإيمان له (٢٧/١٩ ح٩٩٧٤ الطبعة الهندية).
((حلية الأولياء)) (٣٨٨/٦) مطولاً.
(٣)
(٤)
ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية (١٠٧/١١).
(٥)
(٦)
انظر: ((كشف الخفاء)) للعجلوني (٤١٣/١).
هو: سعد بن مسعود التجيبي الكندي الكوفي، ويقال: إنه من أهل حمص، بعثه
(٧)
عمر بن عبد العزيز إلى مصر يفقههم ويعلمهم دينهم.
((التاريخ الكبير» (٦٥/٢/٢)، و((الجرح والتعديل)) (٩٤/١/٢).
(٨) انظر: ((المقاصد الحسنة)) للسخاوي (ص١٨٢)، و((كشف الخفاء)) (٤١٣/١).
(٩) ((شعب الإيمان)) للبيهقي (٨٤/١٩ ح١٠٠١٩ الطبعة الهندية)، وفي حاشية (س): قال
القاضي زكريا - بإحالة العراقي - مراسيل الحسن عندهم شبه الريح.
انظر: ((فتح الباقي)) لزكريا الأنصاري (٢٧٥/١ - ٢٧٦)، وانظر الكلام على مراسيل
الحسن في: ((شرح علل الترمذي)) لابن رجب (٢٨٥/١ - ٢٩٠).
(١٠) هو: شهردار بن شيرويه بن شهردار الديلمي، المحدث، الشافعي، أبو منصور
الحافظ، المتوفى سنة ثمان وخمسين وخمسمائة.
(شذرات الذهب)) لابن العماد (١٨٢/٤).
(أ: انظر: ((المقاصد الحسنة)) للسخاوي (ص١٨٢)، و((كشف الخفاء)) للعجلوني (٤١٢/١ -٤١٣).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٢٣
الموضوع
ولا دليلَ للحكم عليه بالوضع مع وُجُود هذا، ولذا لا يصحّ التَّمثيل به،
اللَّهم إلا أن يكون سندُه مما ركِّب، فقد رُكِّبت أسانيدُ مقبولة لمتونٍ ضعيفةٍ أو
مُتَهَّمة، كما سيأتي هنا(١)، وفي النوع بعده (٢)، فيكون من أمثلة الوضع
السَّنَدي.
(ومنه) أي: الموضوع (نوع وضعه لم يقصد، نحو حديث ثابت) هو: ابن
موسى الزّاهد، الذي رواه إسماعيل بن محمد الطَّلْحي (٣) عنه عن شريك بن
عبد الله القاضي، عن الأعمش، عن أبي سفيان (٤) عن جابر رفعه: (من كثرت
صلاته) باللّيل (الحديث) وتمامه: حَسُن وَجهُه بالنّهارِ))(٥) .
٢٣٨
فإن هذا لا أصل له عن النبي ◌َّر، وإن أغرب القضاعي حيث قال في
(مسند الشهاب)) له لمَّا ساقه من طرق: ما طَعن أحدٌ منهم - أي: من الحفّاظ
الذين أشار إليهم - في إسناده ولا متنه (٦) .
واغتَرَّ الركن بن القوبع المالكي(١) حيث قال من أبيات:
يحسن وجهه قول النبي
ومن كثرت صلاة الليل منه
ولكن لم يقصد راويه الأوّل ـ وهو ثابت - وضعه، إنما دخل على شريكٍ
وهو في مجلس إملائه عند قوله: [ثنا]٨) الأعمش عن أبي سفيان عن جابر
(٢) (ص١٣٣، ١٣٤).
(١) (ص١٢٥).
(٣) هو: إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن محمد بن يحيى بن زكريا بن يحيى بن طلحة
التيمي الطلحي، الكوفي، صدوق يهم، من العاشرة. مات سنة اثنتين وثلاثين ومائتين.
((تقريب التهذيب)) (ص٣٥)، والخلاصة (ص٣٠ - ٣١).
(٤) هو: طلحة بن نافع القرشي، تقدمت ترجمته.
(٥) رواه ابن ماجه: باب ما جاء في قيام الليل، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها رقم
١٣٣٣، والخطيب البغدادي في ((تاريخه)) (٣٤١/١، ١٢٦/١٣)، وابن أبي حاتم في
«العلل)) (١/ ٧٤).
(٦) ((مسند الشهاب)) (٢٥٤/١)، وفي ((المقاصد الحسنة)) (ص٤٢٦) قال ابن طاهر: ظن
القضاعي أن الحديث صحيح، لكثرة طرقه، وهو معذور، لأنه لم يكن حافظاً.
(٧) هو: محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف الجعفري التونسي، ركن الدين أبو
عبد الله بن القوبع المالكي، المتوفى سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة.
((الوفيات)) لابن رافع السلامي (٢٣٤/١ -٢٣٥)، و((بغية الوعاة)) للسيوطي (٢٢٦/١ -٢٢٨).
(٨) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): حدثنا.

١٢٤
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الموضوع
قال: قال رسول الله وَ﴾، ولم يذكر المتن الحقيقي لهذا السَّند، أو ذكره حسبما
اقتضاه كلام ابن حبان (١)، وهو: ((يعقد الشّيطان على قافية رأس أحدكم))(٢).
فقال شريك متصلاً بالسَّند أو بالمتن حين نظر إلى ثابت: من كثرت ...
إلى آخره، قاصداً بذلك مماجنة (٣) ثابت، لزهده وورعه وعبادته، فظنَّ ثابت أنَّ
هذا متن ذاك السَّند، أو بقية المتن لمناسبته له، فكان يحدِّث به كذلك، مدرجاً
له في المتن الحقيقي، أو منفصلاً عنه، وهو الذي رأيته.
وذلك (وهلة) أي: غلطة من ثابت، لغفلته الَّتي أدَّى إليها صلاحه
(سرت) تلك الغلطة بحيث انتشرت فرواه عنه غير واحد، وقرن بعضُهم بشريك
سفيان الثّوري.
ولم يقنع جماعةٌ من الضُّعفاء بروايته عن ثابت - مع تصريح ابن عدي بأنَّه
لا يعرف إلا به (٤) - بل سرقوه منه، ثم رووه عن شريكٍ نفسه(٥)، ولذا قال
عبد الغني بن سعيد الحافظ: إنّ كلَّ من حدَّث به عن شريك فهو غير ثقة،
ونحوه قول العقيلي: إنَّه حديثٌ باطلٌ، ليس له أصلٌ، ولا يتابعه عليه ثقة (٦).
ولا يخدش في قولهما رواية زكريا بن يحيى زحمويه(٧) - مع كونه ثقةً -
(١) في ((المجروحين)) (١٩٩/١).
(٢) رواه البخاري: باب عقد الشيطان على قافية الرأس إذا لم يصل بالليل، كتاب التهجد
(٢٤/٣)، ومسلم: باب الحث على صلاة الوقت وإن قلت، كتاب صلاة المسافرين
وقصرها (٦٥/٦ - ٦٦).
(٣) في ((الموضوعات)) (١١١/٢): يماجنه: يمازحه.
(٤) ((الكامل)) لابن عدي (٥٢٥/٢ - ٥٢٦).
(٥) منهم: عبد الحميد بن بحر. انظر: ((الكامل)) لابن عدي (٥٢٦/٢)، و((الموضوعات))
لابن الجوزي (١٠٩/٢).
ومنهم: الحسن بن علي بن راشد. انظر: ((المدخل في أصول الحديث)) للحاكم
(ص١٠٧) ضمن المجموعة الكمالية رقم (٢)، و((الموضوعات)) (١١٠/٢).
(٦) ((الضعفاء الكبير)) للعقيلي (١٧٦/١).
(٧) هو: زكريا بن يحيى بن صبيح بن راشد اليشكري، أبو محمد الواسطي، أحد المتقنين
في الروايات، مات سنة خمس وثلاثين ومائتين.
((تاريخ واسط)) لبحشل (ص٢١٩ - ٢٢٠)، و((الثقات)) لابن حبان (٢٥٣/٨).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٢٥
الموضوع
له عن شريك، فالراوي له عن زحمويه ضعيف (١).
وكذا سَرقه بعضُهم ورواه عن الأعمش(٢)، وبعضهم فصيَّر له إسناداً إلى
الثّوري وابن جريج، كلاهما عن أبي الزبير عن جابر (٣)، وجعله بعضُهم من
(٤)
مسند أنس (٤).
وفي ((قيام الليل)) لابن نصر(٥)، و((مسند الشهاب)) للقضاعي(٦)،
و((الموضوعات)) لابن الجوزي(٧)، من طرقه الكثير، إلى غير ذلك ممَّا لم
يذكروه، ولكنَّه من جميعها على اختلافها باطلٌ، كشف النُّقَّادُ سترها، وبيَّنوا
أمرها بما لا نطيل بشرحه، ولا اعتداد بما يخالف هذا كما تقدَّم(٨).
وإنَّما يعرف معناه عن الحسن البصري فيما رواه مسبح بن حاتم، ثنا
عبد الله بن محمَّد عن إسماعيل المكِّي(٩) عنه أنه سُئل: ما بال المتهجدين
[بالليل)](١٠) أحسن النَّاس وجوهاً؟ قال: لأنَّهم خلوا بالرَّحمن، فألبسهم من
نوره(١١) .
(١) الراوي عن زحمويه هو: محمد بن أحمد بن سهل البصري. انظر: ((الكامل)) لابن
عدي (٢٣٠٤/٦)، و((اللآلئ المصنوعة)) للسيوطي (٣٤/٢).
(٢) منهم: أبو العتاهية الشاعر، وسماك، والحسن بن علي بن راشد.
انظر: ((الموضوعات)) (١٠٩/٢ - ١١٠).
(٣) انظر: ((اللآلئ المصنوعة)) (٣٣/٢ - ٣٤)، و((تنزيه الشريعة)) لابن عراق (١٠٦/٢ - ١٠٧).
(٤) انظر: ((الموضوعات)) (١١٠/٢)، و((اللآلئ المصنوعة)) (٣٤/٢).
(٥) في ((مختصره)) للمقريزي (ص١٩) طريق واحدة، وابن نصر: هو الإمام شيخ الإسلام
أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي، الفقيه الحافظ، المتوفى سنة أربع وتسعين
ومائتين .
((تاريخ بغداد)) (٣١٥/٣ -٣١٨)، و((تذكرة الحفاظ)) (٦٥٠/٢ - ٦٥٣).
(٧) (١٠٩/٢ - ١١٠).
(٦) (٢٥٢/١ - ٢٥٨).
(٨) (ص١٢٤)، من قول القضاعي نقلاً عن الحفاظ.
(٩) هو: إسماعيل بن مسلم البصري ثم المكي، المجاور، أبو إسحاق، قال أبو زرعة:
بصري ضعيف، وقال أحمد وغيره: منكر الحديث.
(تهذيب الكمال)) (١٩٨/٣ - ٢٠٤)، و((ميزان الاعتدال)) (٢٤٨/١ - ٢٥٠).
(١٠) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): في الليل.
(١١) ((مختصر قيام الليل)) (ص١٩) عن الحسن بدون إسناد.

الموضوع
١٢٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
وظهر بما تقرَّر أنَّ قول ابن الصَّلاح تبعاً للخليلي في الإرشاد: إنّه شبه
الوضع (١) حسن؛ إذ لم يضعه ثابت، وإن كان ابن معين قال فيه: إنّه كذاب (٢)،
نعم الظُرق المركَّبة له موضوعة، ولذا جزم أبو حاتم بأنّه موضوع(٣).
والظاهر أنّهم توهَّموه حديثاً، وحملهم الشَّرَه ومحبة الظهور على ادِّعاء
سماعه، وهم صنف من الوضَّاعين، كما وقع لبعضهم حين سمع الإمام أحمد
يذكر عن بعض التّابعين [مما] (٤) نسبه لعيسى ظلّله: من عمل بما يعلم أورثه الله
علم ما لم يعلم. فتوهَّمه - كما ذكره أبو نعيم في ترجمة أحمد بن أبي
الحواري (٥) من الحلية - عن النبي ◌َّ﴿ فوضع له عن الإمام أحمد سنداً، وهو:
عن يزيد بن هارون عن حميد عن أنس، لسهولته وقربه، وجلالةُ الإمام تنبو عن
هذا (٦).
وأمَّا ابن حِبَّان فسمَّاه مدرجاً، حيث قال: إن ثابتاً قاله عقب حديث:
((يعقد الشيطان)) فأدرجه في الخبر (٧)، فعلى هذا فهو من أقسام المدرج كما
أشرت إليه هناك (٨)؛ إذ لم يشترطوا في إطلاق الإدراج كونه عمداً؛ بل يطلقونه
على ما هو أعمّ من ذلك.
(ويُعرف الوضع) للحديث (بالاقرار) - بنقل الهمزة - من واضعه، كما
وقع لأبي عصمة وغيره مما تقدَّم(٩).
٢٣٩
(١) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح(ص ٩٠)، وانظر: ((الإرشاد)) للخليلي (١/ ١٧٠) وليس
فيه النص على أنه شبه الوضع.
(٢) ((الجرح والتعديل)) (٤٥٨/١/١).
(٣) ((العلل)) لابن أبي حاتم (٧٤/١)، وتقدمة ((الجرح والتعديل)) له (ص٣٢٧).
(٤) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): ما.
(٥) هو: أحمد بن أبي الحَوَارِي - ميمون - وفي التقريب: أحمد بن عبد الله بن ميمون بن
العباس التغلبي، أبو الحسن الدمشقي الزاهد الثقة، المتوفى سنة ست وأربعين
ومائتين.
انظر: ((تقريب التهذيب)) (ص١٤)، و((شذرات الذهب)) (١١٠/٢)، و((طبقات الصوفية))
للسلمي (ص٩٩) وفيها وفاته سنة ثلاثين ومائتين.
(٦) ((حلية الأولياء)) لأبي نعيم (١٥/١٠) وضعفه.
(٧) ((المجروحين)) لابن حبان (١٩٩/١)، وانظر: تخريج الحديث فيما تقدم (ص١٢٤).
(٩) (ص١١٢).
(٨) (ص٩٧).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٢٧
الموضوع
(و) كذا بإما نزل منزلته) كما اتَّفق أنهم اختلفوا بحضرة أحمد بن عبد الله
الجوباري في سماع الحسن من أبي هريرة، فروى لهم بسنده إلى النبي وَل
قال: سمع الحسن من أبي هريرة. رواه البيهقي في المدخل(١) .
ونحوه أن عبد العزيز بن الحارث التميمي(٣) جد رزق الله بن عبد الوهاب
الحنبلي(٣) ، سُئل عن فتح مكّة؟ فقال: عنوة، فطولب بالحجّة؟ فقال: ثنا ابن
الصّاف(٤) ، ثنا عبد الله بن أحمد، ثنا أبي، ثنا عبد الرزاق عن معمر عن
الزهري عن أنس [قال]°) : إنَّ الصَّحابة اختلفوا في فتح مكَّة أكان صلحاً أو
عنوة، فسألوا عن ذلك رسول الله وَ له؟ فقال: كان عنوةٌ(٦).
هذا مع أنّه اعترف أنه صنعه في الحال ليندفع به الخصم (٧) .
(وربما يعرف) [الوضع)٨) (بالركة) أي: الضَّعف عن قوة فصاحته وَّ ٢٤٠
في اللَّفظ والمعنى معاً، مثل ما يروى في وفاة النبي ◌َّ(4) .
وكذا في أحدهما، لكنَّه في اللفظ وحده مقيد بما إذا صرَّح بأنَّه لفظ الشَّارعِ،
ولم يحصل التَّصرُّف بالمعنى في نقله؛ لا سيَّما إن كان له وجه في الإعراب.
(١) نقلاً عن شيخه الحاكم. انظر: ((ميزان الاعتدال)) (١٠٨/١). وذكرها عنه أيضاً في رسالة
له عن حديث الجويباري من مجموعة أجزاء حديثية بتحقيق مشهور سلمان (٢١٦/٢).
(٢) هو: عبد العزيز بن الحارث بن أسد، أبو الحسن التميمي الحنبلي، من رؤساء
الحنابلة، وأكابر البغاددة، إلا أنه آذى نفسه، ووضع حديثاً أو حديثين، مات سنة
إحدى وسبعين وثلاثمائة.
((طبقات الحنابلة)) لابن أبي يعلى (١٣٩/٢)، و((الكشف الحثيث)) (ص٢٦٤).
(٣) هو: رزق الله بن عبد الوهاب بن عبد العزيز بن الحارث التميمي البغدادي، أبو
محمد، الفقيه الحنبلي الواعظ، المتوفى سنة ثمان وثمانين وأربعمائة.
(المنتظم)) (٨٨/٩)، و((المنهج الأحمد)) للعليمي (١٦٤/٢ - ١٧٠).
(٤) هو: أبو علي محمد بن أحمد بن الحسن البغدادي، المحدث الحجة قال الدارقطني:
ما رأت عيناي مثله، مات سنة تسع وخمسين وثلاثمائة.
(تاريخ بغداد)) (١٨٩/١)، و((العبر)) (٣١٤/٢).
(٥) ما بين المعقوفين زيادة من (م).
(٦) انظر: ((تاريخ بغداد)) (٤٦١/١٠)، و((ميزان الاعتدال)) (٦٢٤/٢)، و((الكشف الحثيث))
(ص ٢٦٥ - ٢٦٦).
(٧) انظر: المراجع السابقة.
(٨) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٩) انظر: ((الموضوعات)) لابن الجوزي (٢٩٥/١ - ٣٠١).

١٢٨
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
الموضوع
وقد روى الخطيب وغيره من طريق الربيع بن خثيم (١) التابعي الجليل
قال: إن للحديث ضوءاً كضوء النَّهار يُعرف، وظلمةً كظلمة اللَّيل تُنكر(٢).
ونحوه قول ابن الجوزي: الحديث المنكر يَقشعِرُّ منه جلد طالب العلم،
وينفر منه قلبه في الغالب(٣)، وعنى بذلك الممارس لألفاظ الشَّارع، الخبير بها
وبرَوْنَقِها وبَهْجَتِها .
ولذا قال ابن دقيق العيد: وكثيراً ما يحكمون بذلك - أي بالوضع -
باعتبار أمور ترجع إلى المروي وألفاظ الحديث، وحاصله يَرجع إلى أنَّه
حصلت لهم لكثرة محاولة ألفاظ النّبِي وَل ◌َوَ هيئةٌ نفسانية، وملكة قوية، يعرفون
بها ما يجوز أن يكون من ألفاظ النبوة، وما لا يجوز. انتهى(٤).
والرَّة في المعنى: كأن يكون مخالفاً للعقل ضرورةً أو استدلالاً، ولا
يقبل تأويلاً بحال، نحو الإخبار عن الجمع بين الضِّدَّين، وعن نفي الصَّانع
وقدم الأجسام، وما أشبه ذلك، لأنّه لا يجوز أن يَرِد الشَّرع بما ينافي مقتضى
العقل(٥).
قال ابن الجوزي: وكلُّ حديث رأيتَه يخالف العقولَ، أو يناقضُ
الأصولَ، فاعلم أنَّه موضوع، فلا تتكلَّفَ اعتبارَه(٦)، أي: لا تعتبر رواته، ولا
تنظر في جرحهم.
أو يكون ممّا يدفعه الحسُّ والمشاهدةُ، أو مبايناً لنص الكتاب أو السنَّة
المتواترة، أو الإجماع القطعي، حيث لا يقبل شيءٌ من ذلك التَّأويلَ، أو
(١) هو: الربيع بن خثيم بن عائذ بن عبد الله الثوري، أبو يزيد الكوفي، ثقة عابد مخضرم،
مات سنة إحدى أو ثلاث وستين.
((حلية الأولياء)) (١٠٥/٢ - ١١٨)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٠١).
(٢) ((الكفاية)) (ص٦٠٥)، و((الكامل)) لابن عدي (٦٩/١)، و((الموضوعات)) لابن الجوزي
(١٠٣/١).
(٣) ((الموضوعات)) (١٠٣/١).
(٤) ((الاقتراح)) (ص٢٣١ - ٢٣٢).
(٥) لشيخ الإسلام ابن تيمية تتُّ كتاب نافع في هذا الباب اسمه: ((درء تعارض العقل
والنقل))، طبع محققاً في عشرة أجزاء.
(٦) ((الموضوعات)) (١٠٦/١).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٢٩
الموضوع
يتضمَّن الإفراط بالوعيد الشَّديد على الأمر اليسير، أو بالوعد العظيم على الفعل
اليسير، وهذا الأخير كثيرٌ موجودٌ في حديث القُصَّاص والطُّرُقِيَّةِ(١).
ومن ركة المعنى: ((لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها))(٢)، ولذا جعل
بعضهم(٣) ذلك دليلاً على كذب راويه.
وكلّ هذا من القرائن في المروي، وقد تكون في الرّاوي، كقصّة غياث
مع المهدي، وحكاية سعد بن طريف الماضي ذكرهما(٤)، واختلاق المأمون بن
أحمد الهروي(٥) حين قيل له: ألا ترى الشَّافعي ومن تبعه بخراسان؟ ذاك
الكلام القبيح، حكاه الحاكم في المدخل(٦).
قال بعض المتأخرين: وقد رأيت رجلاً قام يوم جمعة قبل الصَّلاة، فابتدأ
ليورده فسقط من قامته مغشياً عليه.
أو انفراده عمن لم يدركه بما لم يوجد عند غيرهما .
أو انفراده بشيء مع كونه فيما يلزم المكلَّفين علمُه وقطعُ العذر فيه، كما
قرره الخطيب في أول الكفاية(٧) .
أو بأمر جسيم تتوفر الدواعي على نقله كحصر العدو للحاج عن البيت.
أو بما صرَّح بتكذيبه فيه جمع كثير، يمتنع في العادة تواطؤهم على
الكذب، أو تقليد بعضهم بعضاً .
(قلت): وقد (استشكلا) التقي ابن دقيق العيد (الثبجي) بمثلثة ثم موحدة
(١) الطرقية: هم المتصوفة، نسبة إلى الطريقة التي هي السيرة المختصة بالسالكين إلى الله
- تعالى -. انظر: ((التعريفات)) للجرجاني (ص ١٤١).
(٢) انظر: ((الجامع)) للخطيب (٢٥٧/٢)، و((تنزيه الشريعة)) (٦/١).
(٣) كشعبة بن الحجاج. انظر: ((الجامع)) و((الاقتراح)) (ص٢٣٢).
(٤) (ص١٠٩، ١١٠، ١١٢).
(٥) هو: مأمون بن أحمد السلمي الهروي، ويقال له: مأمون بن عبد الله، قال ابن حبان:
دجال، وقال ابن الجوزي: يضع الحديث.
((المجروحين)) (١٦/٣)، و((الموضوعات)) (٤٨/٢)، و((الكشف الحثيث)) (ص٣٤١ -٣٤٢).
(٦) (ص١٠١) ضمن المجموعة الكمالية رقم (٢).
(٧) (ص٥١).

١٣٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
الموضوع
مفتوحتين وجيم، لأنّه ولد بشبج (١) البحر بساحل ينبع (٢) من الحجاز في كتابه
٢٤١ ((الاقتراح)) مما تقدم من أدلة الوضع (القطع بالوضع على ما) أي: المروي
الذي (اعترف الواضع) فيه على نفسه بالوضع بمجرَّد الاعتراف، من غير قرينةٍ
معه .
(إذ قد يكذب) في خصوص اعترافه، إمّا لقصد التَّنفير عن هذا المروي،
أو لغير ذلك مما يورث الرِّيبة والشّكّ، وإذا كان كذلك فالاحتياط عدم
التَّصریح بالوضع.
(بلی نرده) أي: المروي، لاعتراف راويه بما يوجب فسقه (وعنه نضرب)
أي: نعرض عنه، فلا نحتج به، بل ولا نعمل به، ولا في الفضائل، مؤاخذة له
بإقراره.
ونصّ الاقتراح: وقد ذكر فيه ــ أي في هذا النّوع - إقرار الراوي بالوضع
وهذا كاف في رده، لكنه ليس بقاطع في كونه موضوعاً، لجواز أن يكذب في
هذا الإقرار بعينه(٣).
والظّاهر أنه لم يرد بقاطع هنا القطع المطابق للواقع، لما تقرَّر في كون
الحكم بالصِّحَّة وغيرها إنما هو بحسب الظَّاهر، لا ما في نفس الأمر، وإنما
أراد مجرَّدَ المنع من تسميته موضوعاً.
ولكن الذي قرره شيخنا خلافَه، فإنّه قال: وقد يعرف الوضع بإقرار
واضعه، قال ابن دقيق العيد: لكن لا يقطع بذلك، لاحتمال أن يكون كذب في
ذلك الإقرار.
(١) الثبج كما في ((القاموس)) مادة (ثبج): وسط الشيء ومعظمه.
وقد أبعد الأستاذ سعد محمد حسن - في تعليقه على الطالع السعيد (ص ٥٧٠) - النجعة
في تفسيره الثبجي بالمعمى، ورأى أن الثبجي وصف لخطه، لا له.
(٢) ينبع - بالفتح ثم السكون والباء الموحدة مضمومة وعين مهملة -: هي عن يمين
رضوى، لمن كان منحدراً من المدينة إلى البحر على ليلة من رضوى، من المدينة على
سبع مراحل.
انظر: معجم ما استعجم للبكري (٦٥٦/٢ - ٦٥٩)، و((معجم البلدان)) (٤٤٩/٥ - ٤٥٠).
(٣) (الاقتراح)) (ص٢٣٤).

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
١٣١
الموضوع
قال: وفهم منه بعضهم - أي: كابن الجزري - أنه لا يعمل بذلك الإقرار
أصلاً، وليس ذلك مراده، وإنّما نفي القطع بذلك، ولا يلزم من نفي القطع نفيُّ
الحكم، لأنَّ الحكم يقع بالظّنِّ الغالب، وهو هنا كذلك، ولولا ذلك لما ساغ
قتل المُقِرِّ بالقتل، ولا رجم المعترف بالزِّنا، لاحتمال أن يكونا كاذِبَيْنِ فيما
اعترفا به(١).
زاد في موضع آخر: وكذا حكم الفقهاء على من أَقَرَّ [بأنَّه](٢) شهد بالزور
بمقتضى اعترافه (٣).
وقال أيضاً - ردّاً على من توقف في كلام ابن دقيق العيد، فقال: فيه
بعضُ ما فيه، ونحن لو فتحنا باب التَّجويز والاحتمال [لوقعنا](٤) في الوسوسة
وغيرها - ما نصّه: ليس في هذا وَسْوَسة، بل هو في غاية الثَّحقيق، وابن دقيق
العيد نفى القطع بكونه موضوعاً بمجرَّد ذلك، لا الحكم بكونه موضوعاً؛ لأنَّه
إذا أقرَّ يؤاخذ بإقراره، فيحكم بكون الحديث موضوعاً، أمَّا أنَّه يقطع بذلك فلا.
قلت: وفيه نظر، والظّاهر ما قررته، ولا ينازع فيه الفروع المذكورة(٥)،
[لأنَّه فيها واخذوه بإقراره، كما أنا واخذناه في عدم قَبوله، أمَّا في إثبات حكم
مستقلٍّ فلا](٦).
وكذا تعقَّب شيخُنا شيخَه الشَّارحَ، حيث مَثَّل في النُّكَت لقول ابن
الصَّلاح: أو ما يتنزَّل منزلة إقراره (٧)، بما إذا حدَّث عن شيخ ثُمَّ ذكر أنَّ مولده
في تاريخِ يُعلَم تأخّرُه عن وفاة ذاك الشَّيخ (٨)، بجريان الاحتمال المذكور
- أيضاً -،ً فيجوز أن يكذب في تاريخ مولده، بل يجوز أن يغلط في التّاريخ،
ويكون في نفس الأمر صادقاً (٩).
(١) ((شرح النخبة)) (ص٧٧ - ٧٨).
(٢) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): أنه.
(٣) ((النكت على ابن الصلاح)) (٨٤١/٢).
(٤) كذا في (س)، (ح)، وفي (م): وقعنا.
(٥) يعني: قتل المقر بالقتل، ورجم المعترف بالزنا .
(٦) ما بين المعقوفين زيادة من (ح).
(٧) ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٨٩).
(٨) ((التقييد والإيضاح)) للعراقي (ص١٣٢).
(٩) ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٨٤٢/٢).

الموضوع
١٣٢
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
ويُمكن أن يقال: إن تنزيله منزلتَه يقتضي ذلك(١)، فاكتفي به عن
التَّصريح، وعلى كلِّ حالٍ فما مَثَّلْتُ به (٢) أولى، فإنّه لم يصدر منه قول أصلاً.
تتمة :
يقع في كلامهم المطروح، وهو غير الموضوع جزماً، وقد أثبته الذَّهبي
نوعاً مستقلاً، وَعَرَّفه بأنّه: ما نزل عن الضعيف، وارتفع عن الموضوع، ومَثَّلَ
له بحديث عمرو بن شمر (٣) عن جابر الجُعفي(٤) عن الحسن(6) عن علي،
وبجُويبر(٦) عن الضَّحاك(٧) عن ابن عبّاس(٨).
قال شيخُنا(٩): وهو المتروك في التَّحقيق، يعني الذي زاده في ((نخبته))،
و((توضيحها))، وعَرَّفه: بالمتَّهَم راويه بالكذب(١٠).
(١) في حاشية (س): أي: الجريان.
(٢) يعني: فيما تقدم (ص١٢٧).
(٣) هو: عمرو بن شمر الجعفي، أبو عبد الله الكوفي، قال ابن حبان: كان رافضياً يشتم
أصحاب رسول الله وَ ط 9، وكان ممن يروي الموضوعات عن الثقات في فضائل أهل
البيت، مات سنة سبع وخمسين ومائة.
((المجروحين)) (٧٤/٢)، و((ديوان الضعفاء والمتروكين)) للذهبي (ص٢٣٥).
(٤) هو: جابر بن يزيد بن الحارث الجعفي، الكوفي، الشيعي، قال النسائي: متروك،
وقيل: كان يؤمن بالرجعة، مات سنة ثمان وعشرين ومائة.
((ميزان الاعتدال)) (٣٧٩/١ - ٣٨٤)، والخلاصة (ص٥١).
(٥) لم يذكر المزي في (تهذيب الكمال)) (٤٦٦/٤) الحسن من شيوخ جابر، فلعل الصواب
هنا: الحارث، وهو الأعور، كما تقدم في الحاشية رقم (١) (ص٤٥) عند ذكر أوهى
الأسانيد. وهو كذلك في الموقظة (ص٣٥).
(٦) هو: جويبر بن سعيد الأزدي، أبو القاسم البلخي، المفسر، صاحب الضحاك، قال
ابن معين: ليس بشيء، وقال الجوزجاني: لا يشتغل به، وقال النسائي والدارقطني:
متروك الحديث.
((تهذيب الكمال)) (١٦٧/٥ - ١٧١)، و((ميزان الاعتدال)) (٤٢٧/١).
(٧) هو: الضحاك بن مزاحم الهلالي، أبو القاسم، ويقال: أبو محمد الخراساني، وثقه
العجلي والدارقطني، وقال ابن حجر: صدوق كثير الإرسال، مات بعد المائة.
((تهذيب التهذيب)) (٤٥٣/٤ - ٤٥٤)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٥٥).
(٨) ((الموقظة)) للذهبي (ص٣٤ - ٣٥).
(٩) انظر: ((نخبة الفكر وشرحها)) (ص٨١ - ٨٢).
(١٠) في حاشية (ح): ثم بلغ كذلك نفع الله به، والجماعة سماعاً. كتبه مؤلفه.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٣٣
المقلوب
المقلوب
وحقيقةُ القلب تغيير من يُعرف برواية مَّا بغيره عمداً أو سهواً.
ومناسبته لما قبله واضحةٌ، لتقسيم كل منهما إلى سندٍ ومتنٍ، وإن لم
يصرّح بهذا التَّقسيم في الموضوع بخصوصه، وأيضاً: فقد قدمنا فيه أنَّ من
الوضاعين من يحمله الشَرَهُ ومحبةُ الظُّهور لأنْ يَقلبَ سنداً ضعيفاً بصحيح.
ثمّ تارةً يقلب جميعَ السَّند، وتارةً بعضَه، وقد لا يكون في الصُّورتين
المُزال ضعيفاً، بل صحيحاً بصحيح، ولا شك في صحَّة تسمية هذا كلِّه وضعاً
وقلباً، ولذا عدَّ الشّارح المُغْرِبَ في أصناف الوضاعين(١)، وإن شُوحِح فيه،
ولكن قد جزم شيخنا بأن الإغراب من أقسام الوضع(٢).
٢٤٢
(وقسموا) أي: أهل الحديث (المقلوب) السَّنَدي خاصَّةً، لكونه الأكثر،
كاقتصارهم في الموضوع على المتني، لكونه الأهم (قسمين) عمداً وسهواً.
والعمد (إلى) [قسمين أيضاً منه](٣) (ما كان) متنه (مشهوراً براو) كسالم
(أبدلا بواحد) من الرّواة (نظيره) في الطّبقة كنافع (كي يرغبا فيه)، أي: في
٢٤٣
= وفي حاشية (م): ثم بلغ نفع الله به قراءة وبحثاً، عوداً على بدء.
ملحوظة :
انظر: بحث الموضوع في:
١ - ((علوم الحديث)) لابن الصلاح (ص٨٩ - ٩١).
٢ - ((شرح التبصرة والتذكرة)) للعراقي (٢٦١/١ - ٢٨٢).
٣ - ((النكت على ابن الصلاح)) لابن حجر (٨٣٨/٢ - ٨٦٣).
٤ - ((تدريب الراوي)) للسيوطي (ص١٧٨ - ١٩٠).
٥ - ((توضيح الأفكار)) للصنعاني (٦٨/٢ - ٩٧).
(١) ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٨٣/١).
(٢) ((شرح النخبة)) (ص ٨٠)، و((النكت على ابن الصلاح)) (٨٦٤/٢).
(٣) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).

المقلوب
١٣٤
فتح المغيث بشرح ألفية الحديث
روايته عنه، ويروج سوقه به (للاغراب) بالنقل (إذا ما استغربا) ممن وقف عليه،
لکون المشهور خلافه.
وممَّن كان يفعله بِهذا المقْصِدَ على سبيل الكذب حمَّاد بن عَمرو
النّصيبي(١) - أحد المذكورين بالوضع - كما وقع له حيث روى الحديث
المعروف بسهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة رفعه: ((إذا لقيتم
المشركين في طريق فلا تبدؤوهم بالسَّلام))(٢)، عن الأعمش عن أبي صالح(٣)،
ليغرب به، وهو لا يعرف عن الأعمش، كما صرَّح به العقيلي(٤) .
وقد قيل في فاعل هذا: يَسرق الحديث(٥)، وربَّما قيل في الحديث نفسه:
مسروق، وفي إطلاق السَّرقة على ذلك نظر، إلّا أن يكون الراوي المبدل به
عند بعض المحدثين منفرداً به، فيسرقه الفاعلُ منه، وللخوف من هذه الآفة كره
أهلُ الحديث تتُّعَ الغرائب كما سيأتي في بابه (٦) ، إن شاء الله.
(ومنه) وهو ثاني قسمي العمد (قلب سند) تام (لمتن) فيجعل لمتن آخر
مروي بسندٍ آخر، بقصد امتحان حفظ المحدِّث واختباره، هل اختلط أم لا؟
كما اتَّفق لهم مع أبي إسحاق الهجيمي(٧) حين جاز المائة، كما سيأتي في
٢٤٤
(١) هو: حماد بن عمرو النصيبي، أبو إسماعيل، قال البخاري: منكر الحديث، وقال
الجوزجاني: كان يكذب، وقال ابن حبان: يضع الحديث.
((أحوال الرجال)) الجوزجاني (ص١٧٩)، و((ميزان الاعتدال)) (٥٩٨/١).
(٢) أخرجه مسلم: باب النهي عن ابتداء أهل الكتاب بالسلام، كتاب السلام (١٤٨/١٤)،
والترمذي: باب ما جاء في التسليم على أهل الكتاب من أبواب السير، رقم (١٦٠٢)، بلفظ:
((لا تبدؤوا اليهود ولا النصارى بالسلام، فإذا لقيتم أحدهم في طريق فاضطروه إلى أضيقه)).
ورواه أبو داود: باب في السلام على أهل الذمة، كتاب الأدب، رقم (٥٢٠٥) في
النصارى فقط .
(٤) ((الضعفاء الكبير)) للعقيلي (٣٠٨/١).
انظر: ((ميزان الاعتدال)) (٥٩٨/١).
(٣)
(٥)
انظر: ((الاقتراح)) لابن دقيق العيد (ص٢٣٦).
(٦)
(٣٨١/٣).
في حاشية (س): ٥ ج ی م ی، وقد كتب عليها حرف (ن).
(٧)
وهو: إبراهيم بن علي الهجيمي البصري، أبو إسحاق، المتوفى سنة إحدى وخمسين
وثلاثمائة .
(العبر)) (٢٩١/٢)، و((شذرات الذهب)) (٨/٣).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٣٥
المقلوب
آداب المحدِّث(١) [إن شاء الله] (٢).
وهل يقبل التَّلقين الذي هو قبول ما يلقى إليه كالصغير من غير توقّف أم
لا؟ لأنه إن وافق على القلب فغير حافظ أو مختلط، أو خالف فضابط.
٢٤٥
(نحو امتحانهم) أي: المحدّثين ببغداد (إمام الفنِّ) وشيخ الصَّنعة البخاري
صاحب الصحيح (في مائة) من الحديث (لما أتى) إليهم (بغدادا) بالمهملة آخره
على إحدى اللغات(٣)، حيث اجتمعوا على تقليب متونها وأسانيدها، وصيَّروا
متن هذا السَّند لسند آخر، وسند هذا المتن لمتنٍ آخر، وانتخبوا عشرة من
الرِّجال، فدفعوا لكل منهم منها عشرة، وتواعدوا كلّهم على الحضور لمجلس
البخاري، ثم يلقي عليه كلّ واحد من العشرة أحاديثه بحضرتهم.
فلما حضروا واطمأنَّ المجلس بأهله البغداديين، ومن انضم إليهم من
الغرباء من أهل خراسان وغيرهم، تقدم إليه واحد من العشرة، وسأله عن
أحاديثهِ واحداً واحداً، والبخاري يقول له في كلٍّ منها: لا أعرفه، وفعل الثاني
كذلك، إلى أن استوفى العشرة المائة، وهو لا يزيد في كلِّ منها على قوله: لا
أعرفه.
فكان الفهماء ممَّن حضر يلتفت بعضهم إلى بعض، ويقولون: فهم
الرّجل، ومن كان منهم غير ذلك يقضي عليه بالعجز والتَّقصير، وقلَّة الفهم،
لكونه عنده - لمقتضى عدم تمييزه - لم يعرف واحداً من مائة.
ولما فهم البخاري من قرينة الحال انتهاءهم من [مساءلتهم](٤) التفت
للسَّائل الأوَّل، وقال له: سألتَ عن حديث كذا، وصوابُه كذا، إلى آخر
أحاديثه، وهكذا الباقي (فَرَدَّها) أي: المائة إلى حكمها المعتبر قبل القَلْبِ
(وجود الإسنادا) ولم يَرُجْ عليه موضعٌ واحدٌ مما قَلَبوه وركَّبوه.
(١) (٢٣٤/٣).
(٢) ما بين المعقوفين لا يوجد في (م).
(٣) وفيها لغات أخرى: بغداد - بالذال المعجمة - وبغدان - بالنون - ومغداد - بالميم
والدال المهملة - ومغداذ - بالميم والذال المعجمة - ومغدان - بالميم والنون -.
انظر: ((تاريخ بغداد)) (٥٨/١ - ٦٢)، و((معجم البلدان)) (٤٥٦/١)، و((معجم ما
استعجم)) للبكري (٢٦١/١ - ٢٦٢).
(٤) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): مسألتهم.

١٣٦
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
المقلوب
فأقرَّ له النَّاس بالحفظ، وعظم عندهم جدّاً، وعرفوا منزلته في هذا
الشَّأن، وأذعنوا له، رويناها في ((مشايخ البخاري)) لأبي أحمد ابن عدي، قال:
سمعتُ عدَّةَ مشايخ يحكون، وذكرها(١) .
ومن طريق ابن عدي رواها الخطيب في تاريخه (٢) وغيره(٣)، ولا تضر
جهالةُ شيوخ ابن عدي فيها، فإنّهم عدد ينجبر به جهالتهم، ثمّ إنّه لا يتعجب
من حفظ البخاري لها، وتيقظه لتمييز صوابها من خطئها، لأنّه في الحفظ
بمكانٍ، وإنما يتعجَّب من حفظه لتواليها كما ألقيت عليه من مرةٍ واحدة(٤).
وقد قال العجلي(٥): ما خلق الله أحداً كان أعرفَ بالحديث من ابن
معين، لقد كان يؤتى بالأحاديث قد خلطت وقلبت، فيقول: هذا كذا وهذا
كذا، فيكون كما قال(٦).
وفي ترجمة العُقيلي من ((الصِّلة)) لمسلمة بن قاسم: أنَّه كان لا يُخرج أصلَه
لمن يجيئه من أصحاب الحديث، بل يقول له: اقرأ في كتابك، فأنكرنا - أهل
الحديث - ذلك فيما بيننا عليه، وقلنا: إمّا أن يكون من أحفظ النّاس أو من أكذبهم.
ثمّ عمدنا إلى كتابة أحاديث من روايته بعد أن بدَّلنا منها ألفاظاً وزدنا فيها
ألفاظاً، وتركنا منها أحاديث صحيحة، وأتيناه بها، والتمسنا منه سماعها، فقال
لي: اقرأ، فقرأتها عليه، فلما انتهيت إلى الزِّيادة والنقصان، فَطِن وأخذ مني
الكتاب فألحق فيه بخطّه النقص، وضرب على الزِّيادة، وصحَّحها كما كانت،
ثم قرأها علينا، فانصرفنا وقد طابت أنفسنا، وعلمنا أنَّه من أحفظ النَّاس(٧) .
(١) أسامي من روى عنهم البخاري من مشايخه لابن عدي (ص٦٢).
(٢) («تاريخ بغداد)) (٢٠/٢ - ٢١).
(٣) كابن القطان في ((بيان الوهم والإيهام)) (٦٣/٤).
(٤) قلت: وأعجب من هذا كله حفظه لخطئها كحفظه لصوابها .
(٥) هو: الإمام الحافظ أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي الكوفي، أبو الحسن، نزيل
طرابلس، المتوفى سنة إحدى وستين ومائتين.
(«تذكرة الحفاظ)) (٢ / ٥٦٠ - ٥٦١).
(٦) ((تهذيب التهذيب)) (٢٨٨/١١)، و((النكت على ابن الصلاح)) (٨٧٠/٢).
(٧) انظر: ((بيان الوهم والإيهام)) لابن القطان (٦٣/٤) نقلاً عن مسلمة بن قاسم، و((سير
أعلام النبلاء)) (١٥/ ٢٣٧).

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٣٧
المقلوب
وقال حمَّاد بن سلمة: كنت أسمع أنَّ القُصَّاص لا يحفظون الحديث،
فكنت أقلب على ثابت الحديث أجعل أنساً لابن أبي ليلى(١)، وابن أبي ليلى
لأنس، أشوِّشها عليه، فيجيء بها على الاستواء(٢).
وحكى العماد ابن كثير قال: أتى صاحبنا ابن عبد الهادي إلى المزِّي،
فقال له: انتخبتُ من روايتك أربعين حديثاً، أريد قراءتها عليك، فقرأ الحديث
الأول، وكان الشّيخ متكئاً فجلس، فلما أتى على الثّاني تبسّم، وقال: ما هو
أنا ذاك البخاري، قال ابن كثير: فكان قوله هذا عندنا أحسن من ردّه كلِّ متنٍ
إلى سنده.
وقال هبة الله بن المبارك الذواتي(٣): اجتمعت بالأمير أبي نصر ابن
ماكولا، فقال لي: خذ جزئين من الحديث، واجعل متن الحديث الّذي في هذا
الجزء على [إسناد] (٤) الذي في هذا الجزء من أوَّله إلى آخره حتَّى أردَّه إلى
حالته الأولى من أوله إلى آخره(٥).
وربما يقصد بقلب السَّند كلِّه الإغراب - أيضاً -؛ إذ لا انحصار له في
الرّاوي الواحد، كما أنه قد يقصد الامتحان بقلب راوٍ واحدٍ .
واختلف في حكمه، فممن استعمله بهذا المَقْصِد سوى من حكيناه عنهم
حمّاد بن سلمة، وشعبة وَأَكْثَرَ منه، ولكن أنكره عليه حرمي (٦) لما حدَّثه بَهْزٌ أنَّه
(١) هو: عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري المدني، ثم الكوفي، مات سنة ثلاث،
وقيل: ست وثمانين.
((تقريب التهذيب)) (ص٢٠٩)، والخلاصة (ص١٩٨).
(٢) ((الجرح والتعديل)) (٤٤٩/١/١)، و(تهذيب الكمال)) (٣٤٧/٤).
(٣) هو: هبة الله بن المبارك بن الذواتي، الكاتب، كان يتهم بالرفض والاعتزال، مات
سنة إحدى عشرة وخمسمائة.
((ميزان الاعتدال)) (٢٩٢/٤)، و((لسان الميزان)) (١٩٠/٦).
(٤) كذا في (س)، (م)، وفي (ح): إسنادي.
(٥) انظر: ((سير أعلام النبلاء)) (٥٧٥/١٨)، و((تذكرة الحفاظ)) (١٢٠٤/٤ - ١٢٠٥).
(٦) هو: حرمي بن عمارة بن أبي حفصة - نابت - ويقال: ثابت، العتكي، مولاهم
البصري، أبو روح، قال أحمد وابن معين: صدوق، مات سنة إحدى ومائتين.
((تاريخ عثمان الدارمي عن ابن معين)) (ص٩٩)، و(تهذيب التهذيب)) (٢٣٢/٢ - ٢٣٣).

المقلوب
١٣٨
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
قَلَب أحاديثَ على أبان بن أبي عيَّاش(١)، فقال: يا بئس ما صنع، وهذا
يحل(٢)؟ !.
وقال يحيى القطان - كما سيأتي قريباً -: لا أستحلُّه، وكأنَّه لِمَا يترتَّب
عليه من تغليط من يمتحنه، واستمراره على روايته، لظنّه أنّه صواب، وقد
يسمعه من لا خبرة له فيرويه ظناً منه أنَّه صواب.
(١) هو: أبان بن أبي عياش فيروز البصري، أبو إسماعيل العبدي، متروك من الخامسة،
مات في حدود الأربعين ومائة.
((ميزان الاعتدال)) (١٠/١ - ١٥)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٨).
(٢) انظر: ((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٨٤/١)، وفي ((النكت الوفية)) للبقاعي (ل ١٤٥ /أ -
ب): قوله: وهذا يحل؟ استفهام، كأنه قال: وهل يحل هذا؟ ووجه إنكاره أنه مفسدة
من غير مصلحة محققة، وذلك أنه إن كانت المصلحة فيه الوثوق بالمحدث إذا فطن
له، ورده إلى الصواب، والاعتماد عليه في كل ما يحدث به، فهي مشوبة بأنه قد يكون
حافظاً وكذاباً، فإذا علم أن الطالب قد وثق به دس عليه بعد ذلك ما أراد، ففقدت
هذه المصلحة .
وأما كونه مفسدة: فقد يكون ذلك الرجل حافظاً مأموناً ويغفل عن القلب، لعارض من
العوارض، فيحكم ذلك الفاعل بغفلته وإسقاط حديثه، وقد يكون معه حديث لا يوجد
عند غيره، فيفوته على الناس، هذا مع أنه يمكن معرفة حفظه بما تقدم من قول
الشافعي كثّفُ من عرض حديثه على حديث الثقات ونحو ذلك.
وقد يغفل عن إعدام الورقة التي فيها الحديث المقلوب بعد الاستغناء عنها، فيعثر
عليها من يحدث بها على القلب، وقد يكون حاضر القراءة على القلب من لا يعرف
حقيقة الحال فيحفظها أو بعضها فيحدث بما سمعه كما سمعه، فيقع في الخطر وهو لا
يشعر .
ووجه الإباحة: أن ذلك يعرف رتبته في الحفظ بسهولة، بخلاف اختباره بغير ذلك،
فإذا عرف ذلك لم يوجب الوثوق به في الدين، فيختبر فيه بأنواع أخرى، هذا إذا فطن
لذلك، وإن خفي عنه لم يوجب ذلك سقوطه عند فاعله، بل يورثه شكاً فيه يعتبر أمره
به، وربما يكون الذي يرام اختباره مشهور الثقة والأمانة والحفظ والجلالة، فتراد النقلة
في أمره من علم اليقين إلى عين اليقين في أقرب وقت، كقصة البخاري، ولو ترك
ذلك لفوت الاشتغال باختباره بغير ذلك كثيراً من الأخذ عنه، وربما يكون أحد قد
ادعى اختلاطه، فيرام بذلك صدقه، ليميز ما حدث به قبل ذلك فيعتمد، وما حدث به
بعده فيطرح، أو كذبه ليستمر على رتبته، والأمور بالمقاصد، والله ولي التوفيق.
قلت: وهذا كلام في غاية الجودة.

فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
١٣٩
المقلوب
واشتدَّ غضبُ مُحمَّد بن عجلان على من فَعل به ذلك، فروينا في
((المحدث الفاصل)) للرامهرمزي من طريق يحيى بن سعيد القطان، قال: قدمت
الكوفة وبها ابن عجلان، وبها ممن يطلب الحديثَ مليح بن الجراح، أخو
وكيع(١)، وحفص بن غياث(٢)، ويوسف بن خالد السَّمْتي، فكنا نأتي ابن
عجلان، فقال يوسف: هلمَّ نقلب عليه حديثه، حتى ننظر فهمه، قال: ففعلوا،
فما كان عن أبيه جعلوه عن سعيد المقبري، وما كان عن سعيد جعلوه عن
أبيه .
قال يحيى: فقلت لهم: لا أستحلُّ هذا، فدخلوا عليه، فأعطوه الجزء،
فَمَرَّ فيه، فلما كان عند آخر الكتاب انتبه، فقال: أعد، فعرضت عليه، فقال:
ما كان عن أبي فهو عن سعيد، وما كان عن سعيد فهو عن أبي.
ثُمَّ أقبل على يوسف فقال: إن كنت أردت شَيْنِي وعَيْبِي فسلبك الله
الإسلام، وقال لحفص: فابتلاك الله في دينك ودنياك، وقال لمليح: لا
نفعك الله بعلمك.
قال يحيى: فمات مليح قبل أن ينتفع بعلمه، وابتُلي حفصٌ في بدنه
بالفالج، وفي دينه بالقضاء، ولم يَمُتْ يوسف حتىَّ اتُّهِمَ بالزندقة(٣).
وكذا اشتدَّ غضبُ أبي نعيم الفضل بن دُكَيْن(٤) شيخِ البخاري في ذلك
(١) في ((المحدث الفاصل)) (ص٣٩٨): مليح بن وكيع، وفي ((التاريخ الكبير)) للبخاري
(٤/ ١٠/٢): مليح بن الجراح بن مليح بن عدي بن فرس، الرؤاسي، كوفي، روى
عنه أخوه وكيع بن الجراح، ولم يذكر فيه جرحاً ولا تعديلاً، وفي ((الجرح والتعديل))
(١/٤/ ٣٦٧) ترجم لمليح بن الجراح، ولمليح بن وكيع، ولم يذكر فيهما جرحاً ولا
تعديلاً - أيضاً -.
(٢) هو: حفص بن غياث بن طلق بن معاوية النخعي، أبو عمرو الكوفي، القاضي، ثقة
فقيه، تغير حفظه قليلاً بأخرة، مات سنة أربع أو خمس وتسعين ومائة.
((تاريخ الثقات)) للعجلي (ص١٢٥)، و((تقريب التهذيب)) (ص٧٨ - ٧٩).
(٣) ((المحدث الفاصل)) للرامهرمزي (ص٣٩٨ - ٣٩٩)، و((ميزان الاعتدال)) (١٠٢/٣ - ١٠٣).
(٤) هو: أبو نعيم الفضل بن دكين التيمي، مولى آل طلحة، الكوفي، الأحول، الحافظ
العلم، المتوفى سنة تسع عشرة ومائتين.
(تذكرة الحفاظ)) (٣٧٢/١ - ٣٧٣)، والخلاصة (ص ٢٦٢ - ٢٦٣).

المقلوب
12
١٤٠
فتح المغيث بشرح ألفيّة الحديث
- أيضاً -، قال أحمد بن منصور الرَّمَادي(١): خرجت مع أحمد بن حنبل
ويحيى بن معين إلى عبد الرزاق أخدمهما، فلما عدنا إلى الكوفة قال يحيى
لأحمد: أريد أن أختبر أبا نعيم، فقال له أحمد: لا تفعل؛ الرَّجل ثقة، فقال:
لا بدّ لي، فأخذ ورقةً فكتب فيها ثلاثين حديثاً من حديث أبي نُعيم، وجعل على
كل عشرةٍ منها حديثاً ليس من حديثه، ثم جاؤوا إلى أبي نُعيم، فخرج فجلس
على دكّان، فأخرج يحيى الطبق، فقرأ عليه عشرة، ثم قرأ الحادي عشر.
فقال أبو نعيم: ليس من حديثي اضْرِب عليه، ثم قرأ العشر الثَّاني، وأبو
نُعيم ساكت، فقرأ الحديث الثّاني، فقال: ليس من حديثي اضْرِب عليه، ثم قرأ
العشر الثَّالث، وقرأ الحديث الثّالث، فانقلبت عيناه، وأقبل على يحيى، فقال:
أمَّا هذا - وذراع أحمد في يده - فأورع من أن يعمل هذا، وأمّا هذا - يريدني -
فأقلّ من أن يعمل هذا، ولكن هذا من فعلك يا فاعل، ثم أخرج رِجْلَه فَرَفَسه،
فرمی به، وقام ودخل داره.
فقال أحمد ليحيى: ألم أقل لك: إنَّه ثَبْتُ؟ قال: والله لَرَفْسَتُه أحبُّ إليَّ
من سَفْرتي(٢) .
وقال الشَّارح: وفي جوازه نظر، إلَّا أنَّه إذا فعله أهل الحديث لا يستقر
حديثاً(٣)، قلت: إلّا في النادر.
وبالجملة فقد قال شيخنا: إن مصلحته، أي: التي منها معرفة رتبته في
الضَّبط في أسرع وقت أكثر من مفسدته(٤)، قال: وشرطه - أي: الجواز - أن
لا يستمرَّ عليه؛ بل ينتهي بانتهاء الحاجة(٥) .
(و) القسم الثاني (قلب ما لم يقصد الرواة) قَلْبَه، بل وقع القَلْبُ فيه على
سبيل السَّهو والوهم.
٢٤٦
(١) هو: أحمد بن منصور بن سيار البغدادي الرمادي، أبو بكر، ثقة حافظ، من الحادية
عشرة، مات سنة خمس وستين ومائتين.
((العبر)) (٣٠/٢)، و((تقريب التهذيب)) (ص١٧).
(٢) ((تاريخ بغداد)) (٣٥٣/١٢ - ٣٥٤)، و((مناقب الإمام أحمد)» لابن الجوزي (ص٧٩ - ٨٠).
(٣)
((شرح التبصرة والتذكرة)) (٢٨٤/١).
(٤) ((النكت على ابن الصلاح)) (٨٦٦/٢).
(٥) (شرح النخبة)) (ص٩١).